الفصل 9 | من 18 فصل

رواية مرارة العشق الفصل التاسع 9 - بقلم دنيا دندن

المشاهدات
17
كلمة
5,405
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

صباحا داخل شركة راسخ كان الجميع الموظفين يعملون على قدم وساق. نعم، شركة اللذاع ذات الفروع والمجالات المتنوعة، سيدها هو راسخ اللذاع، عملاق التجارة، وابنه ذئبها. وقفت زمرد أمام المبنى العالي تحدق به من الأعلى بينما تمضغ اللبان باهتمام. ثم أزاحت نظراتها الشمسية السوداء وقالت بتسلية: "أيها العالم، لقد عدت."

ابتسمت وهي تخطو بكعبها العالي وفستانها الجلدي باللون البني الذي يلتصق بها وقصته الجانبية التي تظهر ساقها، غير أنه من الأعلى دون حمالات. ووضعت معطفًا بلون الباج، ذو طابع كلاسيكي، فوق كتفيها وحقيبة يد باللون الأسود. دخلت تخطو بثبات وقوة إلى الداخل. ابتسمت ساخرة ما إن رأت ذلك الحارس الذي طردها من قبل. ثم تقدمت إلى الاستقبال. نظرت إلى الموظفة وقالت بعد أن أعادت نظارتها لها: "راسخ وابنه موجودين." نظرت

لها الموظفة وقالت متفاجئة: "مين حضرتك؟ أنزلت زمرد نظارتها قليلاً وقالت بعد أن ابتسمت: "بنت صابرة." أومأت لها بعملية، هي تعلم أنها شريكة لهم بعد آخر ضجة أحدثتها الصحف. وقالت: "فارس بيه عنده اجتماع حاليًا، تقدري تطلعي تستنيه."

أومأت لها وغادرت للأعلى. استقلت المصعد في طريقها. خرجت من المصعد وسألت عنه. أخبرتها مساعدته أن تنتظره إلى غاية انتهائه. شعرت زمرد بمحاولة إحراج فارس لها، جعلها تنتظر أكثر من ساعة. ضحكت بخفة، هو فعلًا لا يعلم من هي زمرد. استقامت وتوجهت إلى مكتب الاجتماعات الخاص به. فتحت الباب دون أن تدق وقالت بمرح غير لائق بالموقف: "مفاجأة." سلطت عيون جميع رؤساء مجلس الإدارة لها. فقالت بعد أن دخلت وأشعلت

الأنوار لتتضح الرؤية: "يلا يا جماعة، في موضوع عائلي مهم لازم نحله." استقام فارس من مكانه. حلت قسمات الغضب على وجهه. ثم توجه نحوها. حدق بها غاضبًا وقال بصوت عصبي: "اطلعي برة يا زمرد." كانت تبتسم على ردت فعله وداخلها منتشية من القلق والهول الذي زرعته في المكان. ابتسامتها السعيدة التي ظهرت على قسمات وجهها استفزت فارس أكثر وجعلته يرغب بالقضاء عليها في الحال.

رفعت يدها وأزالت نظارتها ورفعت رأسها تنظر له بتكبر وقالت دون اهتمام له وابتسامتها لا تزال تزين وجهها: "يا غالي، أنا جيت عشان أستلم مكاني وأظن دا حقي." احتدمت نظراته لها وصرخ عاليًا: "إنت مش ليكي أي حق عندي." حدقت به دون اهتمام وردت ببرود قاتل ومستفز: "ثؤ ثؤ يا فارس، هنا أنا ليا حق زيك بالضبط، نص بالنص. زي ما انت ماسك حق ابوك، أنا ليا حق ماما وجدي. ولا انت عندك رأي ثاني؟! جز على أسنانه بينما

يحدق بها وقال بغل يستفزها: "أمك اللي ضحكت على جدي وكتب لها أملاكه." كلماته تلك مثل اللعنة الحارقة التي أشعلت غضبها وأحرقت فؤادها واستفزت حبها لوالدتها. شعر بأنه أصابها بسهم حارق بعد ذكره والدتها. ثم استرسل ساخرًا يضغط على جرحها: "ثم انت جاهلة وتربية شوارع. آخرك تصلحي العربيات يا زيدان."

لم تتغير ملامح وجهها الباردة ذات الابتسامة العريضة، ولم تظهر له ضعفها رغم أن كلماته ذبحتها من الداخل. تحركت دون أن تجيبه، وضعت معطفها وحقيبتها ثم نظارتها على مكتب الاجتماعات بهدوء. ثم عادت له. وقفت بصدده تواجهه وجهًا لوجه، ملامحه الحادة نحوها وملامحها المبتسمة الباردة. وقالت

ببرود أشعل فتيل غضبه: "شوف يا فارس، لو انت ابن راسخ، أنا بنت صابرة. وكلامك دا ولا هز شعرة من شعري أو خوفني. وأنا قد كلامي، حقي هاخده. أنا وانت في الأملاك دي نص بالنص." ضحك ساخرًا: "واثقة من نفسك؟ أومأت له مبتسمة. ابتعدت عنه لتواني وأخرجت بعض الأوراق من حقيبتها. حملتهم وتوجهت نحوه، ترفعهم أمام عيونه الخضراء وقالت بثقة وانتصار: "كحل عينك يا فارس، دا حقي وأنا وانت فيه نص بالنص."

نظرت إلى ملامحه الغاضبة وضحكت ساخرة بعد أن أنزلت الأوراق من أمام عيونه. وقالت ساخرة: "أقصد إنكم كلكم، إنت وامك وابوك والقردة. وأنا وحدي ضدكم ليا نص الأملاك." جذب الأوراق من يدها غير مصدق ومنفعلًا بعد أن تفحص الأوراق التي تثبت امتلاكها لنصف ثروتهم وهدر بها بعنف: "انت كدابة، دا لا يمكن." كانت تشفي غليلها من غضبه ذاك وتبتسم بانتصار على فوزها الأول أمام فارس. وقالت دون مبالاة بينما تمضغ العلكة وتصدر بها أصواتًا

مرتفعة مزعجة: "لا، صدق." ثم استرسلت بدلال أنثوي: "أصل جدي حبيبي عرف إن ابنه طماع، كتب أملاكه في اسم صابرة اللي هي مامتي. وطبعًا عشان أنا بنتها الوحيدة، كتبت كل حاجة في اسمي." ثم نظرت له باستفزاز وقالت: "أبوك انتهز عدم وجودي وتحكم في ورثي، وسوفا حبيب قلب مراته رجع لي أملاكي." "هقتلك." قالها فارس غاضبًا يرغب بالفتك بها بعد أن وصل غضبه إلى ذروته. كاد أن يقترب منها، تراجعت هي خطوة للوراء ببرود مستفز.

دخل والده فجأة وصرخ به: "فارس." حدق فيه ابنه بغضب جَم. وقف راسخ بين زمرد وفارس. كان ينظر إلى فارس بحدة من أن يقترب منها. صرخ فارس دون وعي من تلك التي سوف تأخذ نصف ثروته التي أفنى حياته من أجلها، بل احتال واستغل كثيرًا من الناس للوصول إلى مكانته تلك. وتلك التي قدمت فقط أمس سوف تفوز بكل تعبه على طبق من ذهب. "اللي جات امبارح هتاخد كل حاجة مننا، أنا مستحيل أسمح لها تعمل كده."

كانت زمرد باردة المشاعر، تبتسم كي تستفزه. وبالفعل، تعابير وجهها السعيدة هي ما كان يجعله يزيد غضبًا وحقدًا عليها وتجعله يريد قتلها. زفر راسخ هو أيضًا مغلوب على أمره ولم يستطع فعل شيئًا سوى الاستسلام حاليًا. وقال بهدوء: "تعالى نتكلم في مكتبي." هدر دون وعي: "نتكلم في أي موضوع بالضبط؟! اللي طلعت فجأة؟! ولا الأملاك اللي هتاخدها؟! زفر والده وقال بصوت عالٍ: "صوتك يا ولد." ثم استرسل معنفًا

إياه: "الشركة بتتفرج علينا، خد بالك من كلامك." حدق فارس بالمكان حوله، رؤساء المجلس ينظرون إلى انفعاله وخروجه عن وعيه وكبريائه ومكانته. زفر غاضبًا، سوف يخسر نفسه أمام الناس بسبب تلك المستفزة التي تتفرج عليه مبتسمة بسعادة وتنفخ اللبان بفمها، مفتعلة أصواتًا مستفزة. وعيونها تخبره أنها تتشفى في حالته وأي مرحلة أوصلته بها أمام موظفيه.

الآن علم أنه خسر أمامها بعد أن جعلته محط أنظار وسخرية الجميع بسبب ردود فعله. أكملت استفزازها له بعد أن قالت ساخرة: "أستاذ فارس، دا مكان شغل لازم تحترمه، وانت أدرى." ثم استرسلت بعد أن رسمت ملامح الجدية على وجهها وقالت: "حل مشاكلك انت وابوك برة الشركة، أنا مش عايزة الموظفين ياخدوا فكرة وحشة إننا بندخل مواضيع حياتنا الشخصية في الشغل."

نعم، سوف يقتلها، تلك الحرباء ذات الألوان المختلفة تستفزه لأقصى الحدود. شدد على قبضة يده بقوة واقترب منها وعيونه تشع احمرارًا وهمس بتهديد مخيف: "قسما بالله لأندمك، والضربة دي هتاخديها مرتين." لم تهتم إلى كلامه وابتسمت ساخرة واقتربت من أذنه وهمست بخبث ماكر: "أي حركة غلط، سوفا يعرف إن البرنسيس أخته كانت حامل منك وسقطت." صدم وتوقف مكانه دون حركة. ابتعدت

عنه وقالت بلهجة تهديدية: "العب على قدك يا فارس، أنا حية. ألف عليك لحد ما أوصل لرقبتك وأخنقك." احتدمت ملامح وجهها في آخر كلمة قالتها، بينما هو لم يجد ما يرد به. زمرد كانت مستعدة لمواجهته وفي يدها أسلحة من العيار الثقيل تجعله صامتًا لا يقوى على رد فعل. لاكن فقط صبرًا، وهو سوف يعيد لها هذه الضربة بضربة أقوى.

غادر من أمامها بعد أن حدجها بنظرات نارية. ضحكت ساخرة وهي تمضغ ذلك اللبان. بينما حدق بها راسخ وقال ببرود بعد أن وضع كلتا يديه في جيوب بنطاله: "عارفة إيه مشكلتك يا زمرد؟! نظرت له بعدم اهتمام، فاسترسل بلؤم وقال ما أحرق قلبها وجعل الدموع تتحجر في عيونها وتبتلع غصتها: "أنا عمري ما حبيتك، ولا حبيت أمك. إنت بالنسبة ليا نكرة، ومهما عملتي عمري ما هشوفك. ابني الوحيد هو فارس وبنتي الوحيدة خلود إلى هما أولاد مياسين."

ابتسم ساخرًا على حالتها بعد أن رأى يديها ترتجف. علم أنه قد أخذ حق ابنه وأخذه على مئة مرة. ثم نظر إلى الموظفين وقال بجدية: "يلا كل واحد على شغله، وقريب هيبقى في اجتماع تفهموا فيه اللي بيحصل." غادر الموظفون بعد كلماته وحدق هو في زمرد وقال ساخرًا قبل أن يغادر ويتركها: "مهما عملتي، انت دائمًا بنت صابرة."

كانت لا تزال واقفة متصنمة، شدت على قبضة يدها بقوة تحاول أن تبعد الارتجاف من عليها وتستوعب قسوة كلمات والدها الظالم والقاسي. حتى بعد كل هذه السنوات لا يزال جاحدًا تجاهها. أغمضت عيونها بقوة ورددت في داخلها: "لا تستسلمي يا زمرد، انهضي! انهضي عنادًا بهم، لا تقعي، لا تسمحي لهم أبدًا بسحقك، لا تحني لهم رقبتك، لا تشفقي على أحد، لا تنسي، لا تسامحي." فتحت عيونها ومسحت تلك الدمعة الحارقة التي نزلت من عيونها وقالت بعد أن

ابتسمت وحاولت إخفاء ألمها: "أنا ربحت وهم هيخسروا." حاولت أن تزرع الثقة في نفسها، لكن ما إن شعرت بأنها تضعف حتى غادرت نحو وجهة محددة. نعم، هي تحتاج دعمه لها، لا تستطيع أن تصمد أكثر بعد أن سمعت كلمات والدها. ***

مثل عادتها، يوسف كان منشغلًا بأوراقه ويركز في أدق تفاصيل الكلمات. بعد عشقه لزمرد، هو يموت حبًا في عمله. زفر بهدوء قبل أن يضع الأوراق جانبًا، ثم نظر إلى هاتف يتفقده. لم يجد أي اتصال وارد منها، فاتصل بها. يعلم أنها قوية وتستطيع فعل المستحيل وحدها، ولكنه يعلم أنها مثل الزجاج من الداخل، يسهل كسرها بأبسط الطرق. لم تجبه رغم أنه عاود الاتصال أكثر من مرة. انتابه القلق عليها. إلا أن دخول سناء ومساعدتها أثار انتباهه. نظر لهما. مساعدته بعد أن وضعت ملفًا

على مكتبه وقالت بعملية: "دا الملف اللي حضرتك طلبته مني." أومأ لها فاسترسلت: "الآنسة هاجر اللذاع اتصلت عايزة معاد مع حضرتك بخصوص الأسهم." حدق بها برزانة وقال بهدوء: "ماشي، حددي معاها بكرة." أومأت له وغادرت. كانت سناء تتبعها، إلا أنها توقفت بعد أن نادى يوسف باسمها. التفت له متسائلة وقالت: "خير يا يوسف بيه؟! ابتسم يوسف وقال متسائلًا: "زمرد اتكلمت معاكي اليوم؟! مطت شفتيها بتفكير تذكر،

وقالت بتأكيد: "قبل ما تطلع الصبح، قالت عندها مشوار." أومأ لها وأشار لها أن تعود إلى عملها. فتحت الباب كي تخرج، وجدت زمرد أمام وجهها، فقالت بعد أن أعادت نظرتها إلى يوسف: "على ذكرها، جات." أومأ لها مبتسمًا. لتغادر سناء وتدخل زمرد وتقفل الباب. لم تتحدث، ولم تكن ملامحها محددة، فقط صامتة وجلست على الأريكة مقابل مكتب يوسف. تابع مدققًا في كل تفاصيلها وتعابير وجهها. ثم أعاد نظره إلى أوراقه منشغلًا وقال بهدوء: "شفتي راسخ؟!

لم تجبه، بل كانت شاردة وليس بها أي مشاعر. بينما هو أعاد وضع الأوراق وحدق بها. ثم استقام متوجهًا نحوها بعد أن شعر بحزنها. جلس بجانبها وفتح ذراعيه لها قائلًا: "تعالي." نظرت له وألبت ندائه. احتضنها بقوة ولف يديه حول خصرها. سريعًا ما دفنت رأسها في صدره وشدت بيديها تعانق ظهره. وقالت متسائلة من شدة شرودها: "هو أنا وحشة ليه مش عندي أب؟! ربت على ظهرها بحنان وقال بحب بعد أن قبل جبينها: "إنت أحلى غزال."

أجابته بتلقائية: "ليه راسخ بيكرهني؟! أغمض عيونه بقوة. نعم، نفس الموقف يتكرر. تلك الطفلة التي كانت تسأل لماذا والدها لا يحبها، لا تزال بداخل زمرد الجريحة. وحتى بعد مرور كل هده الأعوام، لا تزال تحمل نفس الجرح ونفس السؤال. فتح يوسف عيونه وأبعدها قليلًا عن أحضانه وقال بهدوء: "أنا بحبك." ثم أكمل بغزل ينسيها ما تشعر به: "أعشق عيونك يا غزال الضائع." ضحكت بعد أن بدأ يدغدغها. ابتسم على ضحكتها تلك ثم تركها

وقال بعد أن قبل خدها: "عايزك طول عمرك كده يا قلب يوسف، قوية محدش قدك." ابتسمت وقبلت خده بالمثل وقالت بعد أن اقتربت من وجهه: "حبيبي الشرير." رفع حاجبه وقال ساخرًا: "مراتي الحية." امتقصت ملامح وجهها وقالت بضيق: "إيه يا عم يوسف، انت بتشتمني في وشي؟! نظر لها باستنكار وقال: "عيب في حقك يا زمرد." ثم استرسل بعد أن ضرب جبينها بجبينه بخفة: "وبعدين يا مراتي، فين حق جوزك اللي طالع عين أهله من وراكي." مطت شفتيها

تبتعد عنه وقالت بغيض: "طول بالك عليا يا يوسف، انت تفكيرك سافل وأنا عايزة أتوبك." "والله يا شيخة زمرد." قالها ساخرًا ثم طالع فستانها الجلدي الذي يظهر جسمها وقال بضيق: "انت بتحبي تخرجي أسوأ ما فيا." نفت برأسها وقالت بعد أن علمت مغزى كلماته الجادة والصارمة: "كنت لابسة فوقه جاكيت طويل." زفر بضيق منها وقال بصرامة ولهجة محذرة: "لبسك يتعدل يا زمرد، آخر مرة أتكلم معاكي عليه." أومات له هي في الأصل لن تصغي، فقط تسايره.

ومن ثم قالت متسائلة: "إنت كنت بتشتغل؟! أومأ لها وعاد إلى مكانه وجلس. حمل الأوراق مرة أخرى وقال بعد أن فرك جبينه: "شغال على قضية مهمة." أجابته بفضول: "إيه هي؟! رفع عيونه نحوها وقال: "بلاش تشغلي نفسك." أومات له ثم استقامت واقتربت منه، جلست أمامه على مكتبه وأردفت بدلال: "سوفا." أجابها دون أن يهتم لها: "طلبك مرفوض." ابتسمت هي تعلم أنه يحفظها عن ظهر قلب. وقالت بدلال: "ده حتى طلب الغالية غزالك." زفر بضيق

قبل أن ينظر لها وقال بحدة: "زمرد، بساعدك عشان معاكي حق، غيره هتلاقيني في وشك." أومات له وقالت بعد أن ابتسمت: "وأنا شبهك يا حبيبي، بحب العدل." ثم استرسلت بتبرير: "أنا تربيت إيدك." نظر لها ساخرًا: "قولي تربية شوارع." لم تبالي إلى كلماته ثم قالت بضيق: "الميتم اللي أخده فارس مني، عايزاه." رفع حاجبه بعدم رضى قبل أن يستقيم ويزفر الهواء من فمه وقال بعد أن نظر لها بحدة: "قومي يا زمرد للبيت، أكتر من كده رد فعلي مش هيعجبك."

قلبت عيونها بملل قبل أن تقول ساخطة: "مش عايز تساعدني." نفى برأسه وقال: "مش هاخد منهم الميتم." نزلت من على مكتبه ووقفت بصدده وقالت بعد أن ابتسمت بمكر: "أنا هاخده." زفر ساخطًا من أعمالها وقال متسائلًا: "عملتي إيه الصبح؟! ابتسمت واتسعت ضحكتها لتصبح عالية وقالت بعد أن نظرت له: "أخدت حقي من فارس وجننته قدام موظفيه، طلعت هبته قدامهم." نظر لها مغتاضًا وقال بغيض: "إنت معدنك إيه؟! ابتسمت ورفعت

رأسها بتكبر وقالت بغرور: "أنا كوين يا ابني، كوين." ثم استرسلت بثقة بعد أن حركت يدها تشير إلى نفسها: "أنا أوفي بوعدي يا ابني، لو حطيت حاجة في راسي ما فيش حد ممكن يفلت مني." قهقه يوسف عاليًا وجذبها إلى أحضانه قائلًا: "ما أنا بقول إنك حية ويامن مش عايز يصدق." مطت شفتيها بعد أن احتضنته وقالت بغلب: "أنا مش حية يا يوسف، بيئتي سيئة."

ربت على ظهرها بحنان وقبل رأسها مردفًا: "زمرد، خدي حقك زي ما انت عايزة، بس في شخص مش عايزك حتى تقربي منه." ابتعدت عنه منزعجة قليلًا وقالت بضيق: "مين الشخص ده؟! زفر يوسف مطولًا قبل أن يقول: "خلود." لم تستوعب كلامه فاسترسل موضحًا: "أختك لسه صغيرة، ملهاش دخل في أي حاجة." اشتعلت عيونها بنار الغيرة وابتعدت عنه تحدق به بغضب وقالت: "انت مالك ومالها؟! مسح على وجهه وقال ساخطًا: "اثنا عشر سنة يا زمرد، هتغيري منها."

اقتربت منه وقالت بتهديد: "وبنتك يا يوسف أغار منها، مش تجيب سيرتها قدامي." زفر بحنق من ردود أفعالها وقال: "أختك بتموت يا زمرد، العيلة اللي بتغيري منها بتموت." أجابته دون اهتمام: "وتموت إن شاء الله، راسخ قتل أمي، أقل واجب بنته تموت." صدم من كلماتها وهدر بها صارخًا: "انت خلاص اتجننتي ولا محدش قدك، إيه كمية الحقد اللي شايلها على عيلة؟! هي لم تهدأ بل اهتاجت من دفاعه

عنها وقالت دون تفكير: "طلعت في سنها للشارع وكنت هموت أكتر من مرة، فرق إيه لو هي ماتت كمان؟! ثم استرسلت بحقد: "ويارب تموت فعلاً ويتحرق قلب مياسين زي ما حرقت قلبي على أمي." قالت كلماته الغاضبة وخرجت، بينما يوسف كان يهتاج من شدة غضبه. تلك البلهاء لم تحترمه أصلًا، وما ذلك الكره الذي تكنه في داخلها إلى من حولها. ***

هكذا بدأت تمر الأيام. سناء التي بدأت تستعيد حياتها وأصبحت قوية مثل الجبل شامخة. كانت تشاهد ابنها يلعب في الحديقة، ابتسمت على سعادته. جلس سليم بجانبها هادئًا. باتت عادته ملاحقتها أينما ذهبت. عم الصمت للحظات قبل أن يقول: "ملحمة حب سناء وجلال اللي كل مكان في الصعيد عارفينها."

حاولت أن لا تهتم إلى كلامه. هي اعتادت أسئلته التي لا تجيب عنها. فضوله دفعه إلى أن يكتشف ماضيها، ولكنه كل مرة يخبرها أنه يريد سماع الحقيقة الكاملة منها. قال متسائلًا: "إنت إزاي عايشة حتى بعد ما حرقوكي؟! " "غير مش فاهم عيلة زيك وفي سنك إزاي وتثق وتسلمت نفسها لواحد عدو عيلتهم." نعم، مرة أخرى أحدهم يلقي الذنب عليها، أنها هي المخطئة. أغمضت عيونها بقوة قبل أن تفتح خضراءها وتقول بعنف: "روح من هنا."

استقامت تتركه مغادرة. استقام ولحق بها. أمسكها من يدها وقال: "استني، قولي إيه اللي حصل يومها." جذبت يدها منه وصرخت به من قوة غلها من تلك الذكريات السوداء التي ترغب في نسيانها: "كفاية." ثم حدقت به غاضبة وهدرت بقوة: "لا ملحمة ولا حب بيهمني أبدًا! وأسئلتك مش بتهمني!! لأني تعبت من الأسئلة دي؟! عايزك تفهم دا من اليوم ورايح." صرخت بقوة من شدة ضيقها وكثر همها وضغط الناس على جرحها: "افهموني!!

افهموني." ثم استرسلت كأنها توجه حديثها إلى كل الناس الذين ظلموها وحملوها ذنبًا لم تفعله: "كل واحد ما سمعنيش ولا فهمني ربنا يلعنه."

كان سليم يستمع لها حائرًا وحزينًا على حالها. تلك الفتاة بدل أن تعيش سنها عاشت أحداثًا أكبر من سنها. كانت دموعها تسقط واحدة تلو الأخرى دون توقف. استوعبت صوتها وصراخها بعد أن توجهت نظرات الناس إليها. مسحت دمعتها بيدها وصمتت قليلًا تستوعب انفجارها بعد أن فاض بها الكيل. أخرج سليم منديلًا من داخل سترته ومدها لها وقال بهدوء: "أحسن." أخذت منه المنديل ومسحت دموعها وأومأت له: "كويسة الحمد لله."

ابتسم لها. تقدم ابنها يركض خائفًا بعد أن سمع صراخها وأمسك بها من قدمها مردفًا بخوف وقلق: "ماما إنت كويسة؟! أومأت له، بينما انحدر سليم إلى مستواه وحمله قائلًا بتسلية: "أخبارك إيه يا بطل؟! ابتسم يوسف وقال: "كويس." أومأ له سليم وقال بعد أن نظر إلى سناء ثم أعاد نظره إلى الصغير: "إيه رأيك أنا وانت نروح نلعب ونسيب ماما ترتاح شوية؟!

أومأ له الصغير، فاخذه يلاعبه، بينما عادت سناء تجلس في مكانها تراقبهم، وتمسح دموع الماضي الذي لا يزال يرهقها. *** ليلًا أمام الشاطئ كان فارس يجلس على الصخر وسط الأمواج الهادرة ينظر إلى تغيرها بين كل حين والأخرى. مرة أمواج هادرة وأخرى هادئة مثل تقلبات قلبه. شعر بأحد يجلس برفقته. التف نصف التفاته وجد صابرة تجلس بجانبه وتحدق فيه بنظرات غريبة. قبل أن ينطق قالت بصوت باكي بعد أن غلفت الدموع عسليتها وكلامها يكاد يخرج

من شدة مشاعرها المنتحبة: "اشتقت لك وجيت." صدم من كلماتها لكنها استرسلت بصوت باكي: "اشتقت وجيت، شوف أنا كويسة جدًا، أنا في غيابك كويسة جدًا جدًا! وإنت شايف كده! " ثم استرسلت متذكرة غصتها منه: "روح ارجع لندن." نفت برأسها باكية: "روح بلاش تلعب بعقلي ثاني، بلاش تخرب استقراري، أرجوك ارجع من المكان اللي جيت منه! " قالت آخر كلماتها تترجاه بعيونها أن يرحمها من وجوده وحبه الذي مثل اللعنة التي حلت عليها.

حدق في عيونها بألم، يعلم أنها مجروحة منه، بالكاد تستطيع إخراج كلماتها. أراد أن يجيبها فقاطعته مترجية: "بلاش أي كلمة أرجوك، عشان هنسى كل حاجة عملتها فيا وهرمي نفسي في حضنك وأندم بعدها."

لم يجد ما يقوله لها، هو مخطئ بالفعل، مخطئ في كل شيء. استغل احتياجه إلى مهاراتها وكسب ثقتها تحت مسمى عشق كاذب. حقق نجاحه الأول عن طريقها وعرض تصاميمها دون علمها باسمه. لم يكتفِ من كل ذلك، ما إن انتهى منها حتى خانها مع من تقدم له نجاحًا أكثر منها. نظر لها بضعف وقال بأسف: "أسف."

غادر إثر كلماته، بينما هي ظلت تبكي بقوة على كل تلك التنازلات التي قدمتها تحت اسم الحب ليتحول من لذة العشق إلى مرارة العشق، وها هي تحصد نتائج تهورها. ما إن غادر فارس من أمامها حتى توقف فجأة يفكر في كل ما يفعله وسوف يفعله. صابرة من جهة، ووالدته من جهة، وزمرد التي لا يعلم أي شخصية يتعامل معها. حك مؤخرة رأسه وقال بضيق: "أرتب أمور الشغل، وأشوف صابرة بعدها." ***

كانت زمرد تجلس في الحديقة رفقة يامن تتفقد هاتفها بعد أن غيرت ملابسها. لاحظ معالم وجهها الغاضبة وقال بتساؤل: "مالك يا زمرد؟! أبعدت الهاتف عن عيونها وقالت بعد أن ابتسمت: "أنا كويسة." نفى برأسه وقال: "إنت شبه صابرة، هي كمان بتكتم جواها." ابتسمت قبل أن تعتدل في جلستها وقالت: "عارف يا يامن، صابرة أخذت نصيب من اسمها أكتر من اللازم. بس أنا غيرها، لو حد اداني بدعس عليه من غير رحمة ومش بسبب حقي." لاحظ ذلك الكره الذي

يشع من عيونها وقال بهدوء: "اسمعي يا زمرد، أنا عمري ما أعارض إنك تدافعي عن حقك، لكن مش عايز قلبك يبقى مليان كره. اشكي همك وطلعي اللي جواكي عشان ما يبقاش جواكي أسود." نظرت له بضعف فأشار لها أن تأتي إلى أحضانه. أسرعت له مثل الطفلة الفاقدة الحنان. ابتسم وربت

على ظهرها يضمها له فقالت: "أنا يا يامن كبرت شايلة همي في قلبي. لما صحابي في الميتم كانوا بيحكوا قصصهم وإزاي وصلوا للملجأ، كنت بسمع لهم من غير ما أتكلم. عشت على الصمت ولسه عايزة أعيش عليه." قبل رأسها وقال بحنان أبوي: "أنا فاهمك يا زمرد وفاهم وجعك، ويمكن أكتر واحد موجوع زيك. صابرة اتظلمت ورضيت بالظلم، وده خطأها. في نفس الوقت، إنت قوية، بس مش عايزك تبقي ظالمة."

"بحاول." قالتها بتقل. ربت عليها فدخلت صابرة رفقة سناء. غمزة صابرة إلى سناء وقالت بمشاكسة: "شوفي مسكتهم متلبسين." ضحكت سناء قائلة: "ده حتى الحاج متوصي بيحضن بضمير." أخرجت زمرد لسانها ثم وضعت قبلة على خده وقالت تستفز كل واحدة منهم: "غيرانين يا منمن." قهقهت على أفعالها بينما اغتاظت صابرة وكذا سناء. دخل يوسف دون أن يلقي السلام فقالت صابرة بضيق وأشارت إلى زمرد: "والله البنت دي عملت حاجة طلعته عن شعوره." نفت

برأسها ببراءة فقال يامن: "يلا يا حبيبتي روحي شوفيه." أومأت له وغادرت. بينما جلست صابرة تحتضن والدها. نظرت لهم سناء بسعادة، سريعا ما تحولت إلى حزن. لما ليس لها أي أب مثل يامن يحميها؟ لو كان لها أب حقًا لما حدث لها كل هذا. نظرت إلى ابنها ومسحت دمعة من عينها وابتسمت له تحمد الله أنه عوضها به.

في الأعلى دخلت الغرفة ولم تجده. سمعت صوت رشاش المياه، تأكدت أنه في الحمام. جلست تنتظره. خرج ينشف شعره، لم ينظر لها بتاتًا. استغربت رد فعله، هل فعلًا لا يزال غاضبًا منها بسبب حديثهم صباحًا؟ تعلم أنها أخطأت في حقه عندما صرخت في وجهه وهي فعلًا تنوي الاعتذار. لاحظت تجاهله لها وقالت متسائلة: "مالك يا يوسف؟! لم ينظر لها حتى مما جعلها قلقة. اقتربت منه بعد أن

جلس على السرير وقالت بأسف: "أنا آسفة، عارفة إنّي غلطت لما عليت صوتي عليك." نظر لها ساخرًا قبل أن يقول: "زمرد، إنت بقيتي أسوأ من راسخ بذات نفسه وأثبتِ إنك فعلاً بنته ونفس شره." نفت برأسها وقالت بألم: "أوعى تجرحني بالطريقة دي يا يوسف." قهقه ساخرًا وقال بعد أن رمى صور والدها رفقة امرأة أخرى على وجهها وهدر بها غاضبًا: "يا بجاحتك، مسلطة وحدة على أبوك." نظرت إلى الصور التي تجمع والدها

بامرأة ما وقالت بتوتر: "والله ما حصل بينهم حاجة، دي بس صور عادية." استفزه ردها وقال صارخًا: "إنت مجنونة؟! دي فيها خراب بيته، غير إيه الندالة اللي وصلتي ليها." نظرت له بتفكير وقالت متسائلة: "يعني زودتها؟! كاد أن يجن من برودها وقال بغضب وهو ينظر لها شرازا: "أنا اللي غبي، دورت على حية خرجتها من جحرها عشان تلتف على خلق الله وتهددهم."

ثم استرسل بتهديد: "ودلوقتي طالما إنت شايفة نفسك ملكة على الكل، الدور ده يجي عندي ويقف، فاهمة." ثم رفع سبابته في وجهها قائلًا بصرامة: "الله وكيلك يا غزال، لو عتبتي خطوة برة الأوضة دي أكون كاسر رجلك الاثنين، ووريني آخرك دلوقتي." قال كلماته وغادر صافعًا الباب. رمشت أهدابها

وابتسمت مثل البلهاء قائلة: "حمّش يا حبيبي، أول مرة أحس إني متزوجة." ثم استرسلت بخبث قائلة بعد أن أمسكت هاتفها ترسل صور أبيها إلى زوجته التي إلى حد الآن لا تعلم أن زمرد قد استولت على نصف الشركة والثروة بسبب سفرها. ابتسمت بعد أن أرسلت لها الصور وقالت بثبات: "والله يا يوسف، قلت لي بلاش أطلع من الأوضة، وأنا عشان أزرع الفتنة مش محتاجة أطلع من الباب ده أصلًا."

قهقهت مردفة: "طول عمري ملكة، ونشوف رد فعلك يا مياسين، ده قليل من اللي صابرة شافته."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...