عادت زمرد إلى المنزل ولم تذهب أبدًا إلى المستشفى للاطمئنان على خلود. لم يستطع يامن تركها وحدها وظل برفقتها في المنزل. غيرت ملابسها إلى ملابس منزلية مريحة ونزلت إلى المطبخ. لمحت يوسف الصغير يركض في الجوار. أمسكت به من ملابسه الخلفية وأردفت بضيق: "هارب من أمك؟! نفى برأسه ببرائة ورفع يديه باستسلام قائلاً: "يوسف معملش حاجة." رفعت زمرد حاجبها بتهكم وهي تنظر إلى وجهه الملوث بالشوكولاتة وقالت: "أمال بتجري ليه؟!
عبس بوجهه مردداً بتأفف: "أكلت الشوكولاتة من غير علم مامي." لم تستغرب زمرد كلامه، تعلم أنه مشاكس. اقتربت منهم سناء ونظرت إلى ابنها بغيظ قائلة: "أعلقك عشان تتربى؟! نفى برأسه وقال بلطافة: "مش هعمل مشاكل تاني." ابتسمت والدته بغلب وقامت بأخذه من زمرد. التي تركته وتحركت ناحية الثلاجة، أخذت منها عصيراً منعشاً وتحركت إلى الخارج. تبعتها سناء.
جلست زمرد في البهو تنظر للأمام وترتشف من عصيرها كأنها تفكر في شيء ما. جلست سناء بجانبها وتركت ابنها يلعب. نظرت إلى صديقتها وقالت بتساؤل: "مالك يا زمرد؟! ظلت زمرد ترتشف من عصيرها وقالت بشرود: "هو أنا وحشة؟ حدقت بها سناء تتأكد من جدية كلامها. شعرت بحيرة صديقتها وقالت: "أنتِ يا زمرد إيه اللي قالب حالك؟ نظرت لها زمرد قائلة باستغراب: "ليه الكل بيقولي سامحي؟
ثم استرسلت بجدية: "أنا مش منافقة، حتى لو قولت إني مسامحة، كفاية نظرة في عيوني الكل يعرف إني عمري ما سامحت." وضعت سناء كفها على كف زمرد وقالت بحنان: "انسي الكل وشوفي نفسك، ولا واحد فيهم شاف معاناتك." استمعت صابرة إلى حديثهما بعد أن كانت عائدة من المستشفى وقالت بضيق بعد أن نظرت إلى زمرد: "لمرة واحدة في حياتك اشفقي على حال خلود اللي ملهاش ذنب في حاجة." نظرت لها زمرد دون اهتمام
وأشاحت لها بيدها قائلة: "أنا مش بعرف حد غير نفسي." لم ينل ردها إعجاب صابرة، التي كانت تحاول استيعاب برودها وأنها هي الحل لعلاج أختها التي سوف تموت. وقالت من حرقتها: "أنا عارفة إنك مظلومة وعشتي حياة قاسية، لكن خلود زيك هي كمان مظلومة." استقامت زمرد تنظر في عيون صابرة وقالت بصوت هادئ متألم: "بتعرفي إيه عن الحياة يا صابرة؟ أشارت إلى نفسها واسترسلت: "مثلاً أنا عشت إيه؟ عندك فكرة إنك تبقي لوحدك من غير حد؟
عارفة معنى الحياة لوحدك وأنتِ مريضة مش لاقية حد يعملك حتى كمادات أو شربة ونايمة في الشارع؟ بيت دافي يملك مش موجود. عارف معنى تعيشي من غير أم أو أب ياخدوا بالك منك؟ تنامي في الشارع والشتاء خيط من السما وأنتِ حرارتك مرتفعة لحد الصبح، تتلوى من ألم المرض؟ تدعي إن الصبح يجي؟ لأنك وحدك ولا واحد ممكن يجي يساعدك؟ أضافت بصوت ضعيف تذكر معاناتها: "تترتجي من الخوف لوحدك."
كانت صابرة تنظر لها بشفقة، وكذلك أدمعت عيون سناء التي تعرف ما عانته زمرد في الشارع وكم مرة مرضت وكادت أن تموت وكم من شخص تعرض لها. ابتسمت زمرد بألم وقالت لصابرة: "ده أقل حاجة من اللي أنا عشته وعمري اثناشر سنة. اتخيلي أنتِ بقى السنين دي كلها. بلاش تحاسبي حد وأنتِ مش عايشة حياته." قالت كلامها وغادرت إلى غرفتها بالأعلى. نظرت سناء إلى صابرة ثم اقتربت
منها قائلة بحزن دفين: "أنتِ كبرتي في حضن أمك وأبوكِ، إحنا يتامى حتى في وجود أهلنا." نظرت لها تتمعن كلماتها، بينما جذبت سناء يد صغيرها وغادرت للخارج. ما إن دخلت زمرد غرفتها حتى تنهدت بعمق، تقوي نفسها تردد جملة واحدة في رأسها: "إنهضي عناداً بهم فقط." مررت يدها على وجهها عدة مرات ثم غيرت ملابسها واتصلت براسل لتلتقي به.
وصلت إلى الشركة واستقلت المصعد. دخلت مكتب راسل دون إذن. رفع عيونه عن أوراقه ونظر لها قائلاً: "في باب بنستأذن منه." لم تابه لكلامه وجلست أمامه توفر بحنق. حدق بها بهدوء وقال: "اللي اتفقنا عليه حصل وفعلاً فارس بيدي شيكات من غير رصيد." أزالت نظارتها الشمسية عن عيونها ثم وضعتهم على المكتب وقالت دون تردد: "بلغ عنه." نظر لها لثانيتين ثم قال بتساؤل: "مش هتتراجعي عن قرارك؟
نفت برأسها قائلة: "طالما أبوه مش عارف يربيه، أربيه أنا." لم يستوعب كلامها، هل فعلاً سوف تسجن أخاها الذي من لحمها ودمها؟ وقال: "أنتِ ليه عايزة تسجنيه مهما حصل أخوكِ؟! رفعت حاجبها بتهكم وقالت باهتمام بعد أن استقامت: "فارس اتدلع كتير لدرجة النرجسية والفلوس مش عارف قيمتها، غير أنانيته وسهره وشربه. لازم يتربى ويعرف قيمة القرش والهبل اللي بيعمله."
أومأ لها قائلاً: "صمت راسخ بيخوفني خصوصاً عليكِ، هو ضربته بتبقى زي العقرب من غير حس." ابتسمت قائلة بثقة: "ضربوني بكل الرصاص وأنا لسه عايشة. أنا اللي يتخاف مني يا راسل." ابتسم لها مردداً بثقة من قوتها: "تماماً، ده التحفيز اللي عايزه منك." ثم استرسل بتساؤل: "يحصل إيه لو ضربوكي وعشتي؟ " أشار لها بسبابتها مكملًا حديثه: "تبقي أقوى يا غزال. دايماً ارفعي راسك وأكتافك وابقي شامخة زي الجبل. دايماً قوية يا زمرد."
أومأت له ضاحكة وغمزت له: "سوف يغير لو سمعك." ابتسم عليها وقال: "على ذكرك، يوسف مبروك الحمل." ابتسمت بهدوء قائلة: "يبارك فيك." ثم استرسلت بعد أن استقامت: "لازم أرجع قبل يوسف." أومأ لها فغادرت بينما هو عاد إلى أعماله. لا تعلم زمرد لماذا أخذتها أقدامها إلى المستشفى الذي تقطن به خلود. كان قد حل الظلام وظل يوسف فقط أمام باب غرفة العناية ينظر لها. أما عائلتها فكانت رفقة الطبيب يشرح لهم وضعها.
خطت بثقل نحو الغرفة. وقفت بجانب زوجها الذي انتبه لها. كانت تنظر للصغيرة من الزجاج وقالت بتساؤل: "الدكتور قال إيه عن حالتها؟ نظر لها يوسف وقد وضع كلا كفيه في جيب بنطاله وقال بهدوء: "حالتها استقرت، لكن لازم نلاقي متبرع في أقرب وقت." اقتربت من الزجاج وقالت بلؤم: "الحية دي ليها سبع أرواح، بلاش تخاف عليها."
ابتسم بحنان، يعلم طيبة قلبها وأنها فعلاً قلقة بشأنها لذلك أتت لزيارتها، لكنها لن تظهر ذلك. لف يده على أكتافها يحيطها وقربها منه مردفاً: "كل حاجة هتتحل." أومأت له وظلت تحدق بالصغيرة بمشاعر غريبة. "بتعملي إيه هنا؟ " قالها راسخ بعد أن رآها. التفتت رفقة زوجها ناحيته. رفعت حاجبها وقالت دون اهتمام: "جاية أشوف جوزي." اقتربت منها مياسين قليلاً وقالت بهدوء: "ممكن أكلمك؟ نظرت زمرد إلى يوسف ثم أعادت نظرها إلى زوجة
والدها وقالت دون اهتمام: "أظن إن مفيش حد غريب، لو عايزة تقولي حاجة قوليها قدام يوسف." نظرت له مياسين ثم نظرت إلى زمرد وقالت باستسلام: "أنتِ ربحتي يا زمرد، بس وحياة غالية صابرة، انقذي بنتي." اقتربت منها زمرد إلى أن وقفت أمامه وجهها وابتسمت قائلة: "إن ربحت لسه الوقت عليها، وأمي صابرة حقها ربنا بياخده منكم في بنتكم وأنا أتفرج بس." نظرت لها والدموع تلمع في عيونها وقالت خوفاً
من أن تفقد ابنتها: "أرجوكي يا زمرد دي صغيرة مش عارفة حاجة في الحياة، حني عليها." ابتعدت زمرد للخلف خطوتين وعقصت حواجبها قائلة باستنكار: "والله!! بنتك شوفتيها صغيرة ومن الملائكة وبنت ضرتك اللي أخدتي منها أمها!! غير أمها اللي أنتِ من أسباب وفاتها عمرك جيتي قولتي يا زمرد عاملة إيه؟ أو عايزة إيه؟ سألتي عني؟ رحمتيني وأنا يتيمة؟ أنتِ مش شفقتي عليا حتى في حياة أمي، جاية دلوقتي تطلبي الرحمة لبنتك."
انهارت مياسين خوفاً على فقدان صغيرتها. اقترب منها يامن وأمسك بها يسندها واردف بعد أن نظر إلى زمرد: "أنتِ مش شبه أمك، أنتِ جايبة الشر ده من مين؟! ضحكت تلك الحية بتسلية وغمزت له قائلة بمرح: "شبهك للأسف." نظر لها بشيء من الكره وقال بحدة: "عارفة ليه عمري اعترفت إنك بنتي وإني عمري ما شفتك؟ عقصت حاجبها غير
مهتمة لكلامه وقالت بملل: "كنت طول عمري بطري ورا السؤال ده. تصدق أنا اللي مش شايفاك ولا عايزة أعترف بيك إنك أب ليا." ثم اقتربت منه وهمست في أذنه بخفة: "استنى ضربة فارس جاية في الطريق." ابتعدت عنه قائلة بخبث وهي تضحك: "أنتم كلكم وأنا لوحدي نشوف مين هيمشي ومين هيبقى."
كان ينظر في عيونها بحقد شديد، كيف وصل به الحال لهذا الضعف ولم يستطع إيقافها بل تركها تؤذيه وتأخذ كل ما لديه. اتبعت آخر كلماتها بضحكة هادئة ثم غادرت رفقة زوجها. كانت مياسين في قمة ضعفها وانهيارها تردد فقط كلمة واحدة: "بلاش تسيبي بنتي تموت." قبل يامن رأسها وقال بهدوء: "وحياة كل دمعة نزلت من عينك لبنت صابرة تدفع تمنها." ***
مر شهر آخر. كانت لا تزال خلود في المستشفى بينما قد تم القبض على فارس. الشيء الذي جعل راسخ يتلقى ضربة مهلكة، خصوصاً مع فضيحة أنه ابنه التي انتشرت ودخل على أثرها للمستشفى ليقيم به يومين كاملين. بينما زمرد كانت تتابع حملها ودراستها، فهي قررت أن تكمل تعليمها بأحد المدارس العليا لكي تقف على قدميها بثبات وشموخ أكثر. بينما تم عقد قران راسل وصابرة الذي كان في جو هادئ وتم تأجيل الزفاف إلى أن تستعيد خلود عافيتها.
كانت سناء تجلس في الحديقة، أغلقت هاتفها بعد كلامها مع سليم الذي أصبح نعم الصديق والسند لها. ثم نظرت إلى طفلة جلال وقالت بمرح: "وحشك بابي؟ ضحكت الصغيرة بمرح فاسترسلت سناء: "بكرة يرجع وتلعبي معاه." ثم استقامت بهمة مرددة: "إيه رأيكم نروح نزور بابي؟ قفز ابنها من الفرح واحتضنها قائلاً بحماس: "شكراً يا ماما." ابتسمت ثم تجهزت وأخذتهم معها لمقابلة والدهم.
بعد مدة كان جلال يلعب مع أطفاله، غافلاً عن نظرات سناء التي كانت تتفقده بنظرات مشتاقة. ابتسم وقال بصوت أجش بعد أن نظر لها: "عاملة إيه يا سوسو؟ اندهشت من كلامه وتغزله بها، وخصوصاً بعد أن ناداها باسم دلالها، فقالت بعد أن عقصت حواجبها: "احترم نفسك." رفع رأسه بإيجاب وقال بتسلية يثير حنقها: "أنا محترم نفسي، أنا قولت أطمن عليكي."
رمقته بملل تخفي سعادتها بدخوله السجن. شعرت أنها أخذت بثأرها منه وقد صفى قلبها قليلاً. من ناحية لا تنكر أنها تحبه كثيراً، لكن حبه الذي في قلبها لا يشفع أمام ما فعله بها في الماضي. نظرت إلى عيونه الخضراء التي تجذبها رغماً عنها. فقال بعبث يكمل ما بدأه: "إحنا أصحاب العيون الملونة بنفهم بعض." رمقته بحنق وهتفت بضجر: "أنا اللي عبرتك وجيت أشوفك." مرر لسانه على شفتيه بلهفة من كلامها وقال بتساؤل: "يعني وحشتك؟
فعلاً قد اشتاقت له ولرائحته وقررت أن تأتي لزيارته. الأولاد مجرد وسيلة تعتمدها مثل العذر للقائه، لكنها لم تظهر له ذلك بل عقدت ساعديها وقالت بملل: "جيت عشان عيالك صدعوني." رمقه باستنكار وقال ساخراً: "ولادي بردوا؟! استقامت بغيظ من تلميحاته التي فضحتها أمام نفسها وقالت بضيق: "أنت كويس والولادة شافوك، أظن كده كفاية؟!
ابتسم بخفة واستقام مقترباً منها. لاحظت خطواته فابتعدت عنه للخلف حتى حاصرها ولم يترك لها مجال لتهرب منه وقال بصوت أجش عذب بعد أن اقترب منها وهو يمرر أنفه على رقبتها: "قولي إني وحشتك وجيتي تشوفيني؟!
ارتبكت من لمسته لها وقربه الذي جعل خفقان قلبها يعلو تدريجياً إلى أن أصبح مثل ضربات الطبل. شعر بضعفها تجاهه واهتز وجدانه من الفرح، هو لم يخسرها أبداً، هي لا تزال متيمة به مثله وأكثر. ارتجف جسدها من تلك المشاعر التي تولدت في داخل جوارحها مرة أخرى. سند جبينه على جبينها وقال بصوت يملأه العشق والشغف: "بحبك يا بنت الجبل، وقلبي مش شايف غيرك."
امتلأ فؤادها غروراً وفرحاً بعد كلماته العذبة والعاشقة ونظراته التي كلها حنان وحب. وقالت بصوت مرتجف مليء بالحب الممزوج بالخوف تعترف بما يختلجها من مشاعر تجاهه: "أنا مش جاية عشان أقولك إني مش هقدر أعيش من غيرك، لأني قادرة أعيش من غيرك." فتح عيونه يتابع كلماتها التي أطاحت بقلبه وعقله خوفاً من أن تتخلى عنه. لكنها صدمته باعترافها الذي قلب كيانه رأساً على عقب مرة واحدة: "لكن أنا مش عايزة أعيش من غيرك."
فرح قلبه وجذبها إلى أحضانه مشدداً عليها بقوة كبيرة وهي كذلك لفت يديها على ظهره تضمّه بالمثل. ظل كل منهم يشفي جروح الآخر وما أدراك ما معنى العناق، وخصوصاً عناق العشاق يداوي كل الجروح ويشفيها حتى تختفي وتتلاشى عن الوجود. كلاهما يمسك بالآخر خوف من أن يهرب منه، هي تمسك بملابسه تشد عليها وهو يشدد على ظهرها في عناق حميمي يطفئ ظمأ القلوب. ظل لأكثر من خمس دقائق منقطعين عن العالم أو المكان والزمان. حتى قاطع وصل حبهم صوت يوسف الصغير الذي كان يجذب والده من بنطاله يثير انتباهه. ابتعد كلاهما عن بعض. شعرت بالخجل وهو كذلك بعد أن نسي نفسه ومكانه.
عبس الصغير وقال بصوت باكي: "عايز أعمل الحمام." ضحك كلاهما عليه وعلى طريقته وظلا معًا يقضيان وقتًا أسريًا متناسين جميع همومهم وما عاشوه سابقاً. *** في شقة راسل البسيطة التي تحتوي على بهو ومطبخ وغرفتين وحمام. كانت صابرة تنظفها بضيق. راسل ليس بالشخص المنظم بل فوضوي. زفرت بغيظ بينما هو حالياً يطالع غيضها ببرود واستفزاز. ثم قال مستفزاً إياها أكثر مخرجاً إياها عن صبره: "نضفي كويس وانتِ كل الوقت بترغي."
حدقت به بعصبية وقالت بعد أن رمت الملابس التي تقوم بطيها وقالت بغيض: "العيب مش عليا، العيب عليك أنت إنسان فوضوي ومش منظم، أي حاجة بتستعملها بترميها. ثم أنا مش خدامة عندك." رفع منكبيه وطالعها ببرود قائلاً: "أنتِ مراتي ومن واجبك تنضفي وتطبخي. إيه ذنبي إن أهلك دللوك لحد ما خربوا تربيتك." رمقته بعصبية وانفعال من كلماته السامة التي ينعتها بها كل مرة يذكرها بما فعلته. وقالت: "لو متجوزني عشان تدلني طلقني أحسن."
استقام من مكانه واقترب منها يحدق بها بنظرات حارقة جعلتها ترتجف مكانها حتى أنها تراجعت للخلف وهي تتمتم بخفة: "عايز إيه؟! لم يجبها بل اقترب أكثر حتى اختل توازنها وسقطت على الأريكة من شدة خوفها. ضحك بصوت عالي وقال بتسلية: "ليه الشجاعة وأنتِ يا قلبي أول ما أبصلك تقلبي قطة." نظرت له بغيض وكادت أن ترد فانحدر يقابل وجهها يتمعن ملامحها بتركيز مما جعلها متصنمة مكانها قائلاً باستغراب: "عينك؟! ابتلعت ما بجوفها وقالت بخفة خوفاً
من قربه: "بحبهم." استعجبت من كلماته فاسترسل: "وجهك؟! " ظهرت علامات الاستفهام على وجهها. فقال مجيباً إياها: "بحبه كمان." ثم استرسل باستغراب بعد أن ابتعد عنها: "أنتِ كلك على بعضك عجباني." كلماته البسيطة جعلت قلبها يخفق على إيقاع موسيقي مرتفع. نظر إلى اندهاشها بابتسامة وأعطاها بظهره قائلاً: "هنسافر عشان عمليتك. كلمت دكتور عن حالتك مش هنضطر نستأصل الرحم."
قال كلامه وغادر. هو لا يريد تذكر فعلتها الشنعاء. أما هي ففضلت تنظر إلى أثره بشرود. هل يعقل أنه كان يحبها من بعيد وهي لم تراه؟
واتبعت الحب الذي أضحكها وجعلها تبكي مدى العمر. ظلت منشغلة بالتفكير تقارن بين فارس وراسل. الفرق بينهم كبير وشاسع. فارس حملت منه وتركها، أما راسل فقد ستر عليها ويحاول أن يجعلها تعيش حياة هادئة طبيعية من دون دلال حتى تتحمل مسؤوليتها، غير أنه يحمي ظهرها والآن سوف يعالجها. ابتسمت بألم، فعلاً الفرق كبير. أحبت ذكراً وتزوجت رجلاً. ***
أما زمرد فقد ذهبت لمقابلة فارس الذي سجن. ظلت تنتظره إلى أن أتى به الحارس. حدق بها بسخرية ثم اقترب وجلس أمامها بارتياح مردفاً بسخرية: "أنتِ آخر شخص اتوقعت إنه يجي يزورني." رفعت منكبيها قائلة: "أنتِ بردوا من دمي ولازم أطمن عليك." ضحكت بصوت عالي مستهزئة منها وقال: "بتضحكي على مين؟!
نظرت له بجدية وقالت: "فارس، حياتك غلط، لازم تعيد النظر فيها. يمكن أنت فعلاً بتحب صابرة، لكن بتحبها بطريقة غلط، بتدمر نفسك وتدمرها معاك. المكان ده اللي يقدر يساعدك تتحسن." صفع الطاولة بقوة وقال بانفعال: "من امتى بتعرفي مصلحتي؟
ثم استرسل باشمئزاز: "أنتِ أصلاً لا أبوكِ حبك ولا أمك عاشت ليكي وكانت خائنة ولا حد في الحياة حبك لأنك بنتها. أنتِ زي الشجرة الوحيدة اللي طولها بيزيد وهي بتبحث عن شمس تدفيها ومهما حصل عمرها ما تنبت. ولا مرة حد اهتم لوجودك." ظلت عيونها المتلألئة بالدموع تحدق به
وقالت بعد أن ابتسمت بهدوء: "صابرة عمرها ما كانت خائنة، أمي كانت أول واحدة اتجوزها أبوك. للأسف صدمها إنه بيحب وحدة ثانية يوم فرحها منه واعتدى عليها. لما جدك مات جاب أمك لبيتنا وكان بيحرق قلب أمي بعد ما سِتّك وعمتك عملوها خدامة عليهم وأبوك هجرها مرة وحدة وقعد يحب في أمك قدامها. وكثير كمان أمي شافته، وراسخ حبك أنت وأنا كرهني عشان بنت صابرة. وأكملك يوم أمك كانت هتخلف خلود أمي كانت بتموت. اترجيت راسخ يلحقها. عارف قال لي إيه؟
ياريت تموت وارتاح. وفعلاً ماتت أمي بين إيديا وشرفت خلود أختك. ده أنا نمت في حضنها وهي ميتة. دي الحقيقة اللي أبوك كذب عليك فيها وأنا كرهته يومها. ولما طلعت من البيت لا لحقني ولا دور عليا. قالي لو طلعتي عمرك ترجعي." ضل فارس يحدق بها ربما تأثر قليلاً من كلامها، لكنه قال بتساؤل: "عشان كده حاقدة علينا؟ نفت برأسها وقالت بثقة: "أنا عمري ما حقدت عليكم." رفع حاجبه بتهكم واستنكار،
فقالت بثقة: "الحقد قليل على اللي بحسه اتجاهكم. يمكن بكرهكم وعايزة موتكم أكتر حاجة توصف إحساسي بدقة." ضل ينظر لها لعدة ثوانٍ قبل أن يضحك بصوت عالٍ على كلامها وقال بيأس: "يمكن من حقك." ثم استرسل: "لكن خلود طفلة ملهاش دخل." أجابته بتأكيد قائلة: " كلكم ليكم دخل." تنهد بحسرة وقال بعد أن مال عليها ليقترب منها أكثر: "أنت مش موجود في قلبك ذرة رحمة." ابتسمت بألم قائلة دون
شفقة أو أن يرف لها جفن: "أبداً، الرحمة منعدمة في حياتي. أنا اتألمت لدرجة نسيت إيه معنى الرحمة." تنهد بهدوء يعلم أنها تحقد عليه بالأساس لأنه المفضل عند والده. ثم اعتدل في مكانه وقال بتساؤل: "جيتي ليه؟ رفعت منكبيها قائلة: "اسمع، الكره حاجة وأنك أخويا حاجة. صابرة اليوم فرحها. أنا مش جاية أقولك عشان أوجعك أو انتقم أو أتشافى في حالتك." احمرت عيونه بعد كلامها الذي شق قلبه نصفين. نعم خسرها نهائياً ولن تكون له.
فقال بسخرية: "أومال ليه معذبة نفسك تشوفيني؟! قائلة بجدية تحاول أن تنصحه وتهون عليه: "أحياناً لما نحب بعض بنأذي بعض أكثر بالحب ده. يعني بدقة أكثر بنتسبب في تعاسة الشخص اللي بنحبه. من الأفضل نتخلى عنه." كلامها مثل السهم القوي الذي ضرب قلبه وعقله وأفاقه من أحلامه الجميلة التي من المستحيل أن تصبح واقع. نظر في عيونها بحزن وقد أدمعت عيونه فقط خوفاً من شعور ترك حبيبته. وقال
بصوت متألم ممزوج بالبكاء: "ولو كان التخلي عنهم مؤلم وبيوجع جداً." ابتسمت قائلة بثقة: "أحياناً بيكون أكبر دليل على الحب إن الإنسان يسيب اللي بيحبه."
شعرت بتصلب جسده وأنه فهم مغزى كلماتها خصوصاً بعد أن طالعت تلك الدمعة الحارقة التي سقطت من عينه، جعلتها تدرك أنه وصل إلى نقطة الانهيار. هي لا تريد إيذاءه لكن حبه يؤذيه ويؤذي حبيبته لذالك كان يجب عليها زيارته وتوضيح كل شيء ونصحه. شعرت في الأخير أنه يبقى أخاها ودمها. لكن دموعه أشعرتها بوخز في قلبها مما جعلها تتركه وحيداً. هو فعلاً يحتاج إلى الراحة. انسابت دموعه رويداً رويداً إلى أن ابتل وجهه. شعر بانكسار قلبه وصرخ من
أعماق قلبه بألم وأعلى صوت: "صابرة والله بحبك." شدت زمرد على يديها وسندت رأسها على الحائط بعد أن سمعت صراخه. شعرت بالضعف، شعرت أنها مسؤولة عن ألمه. شعرت بالحزن والألم ذاته الذي يشعر به. سقطت دموعها رغماً عنها. شعور غريب جعلها تشعر بالذنب تجاهه وأردفت بحزن: "غصب عني يا فارس لأنك بتأذي نفسك قبل صابرة." ***
بعد أن استيقظت خلود طلبت من يوسف إحضار زمرد لها كي تراها، فهي قد اشتاقت إليها بالفعل. فعل يوسف وقدم بزوجته لها. دخلت زمرد إلى الغرفة ونظرت إلى خلود التي كانت تجلس على سريرها تشعر بالملل. وقالت ببرود بعد أن همهمت: "الحية لسه عايشة." ابتسمت خلود على تشبيه أختها وهتفت بمرح: "لسه حية يا غزال." أومأت لها فجلست زمرد على الأريكة وتمددت بسبب تعب حملها. وقالت بعد أن نظرت إلى خلود بتساؤل: "إيه سبب موتك المرة دي؟ مطت
خلود شفتيها وقالت بملل: "ولا حد؟! رفعت زمرد حاجبها بتهكم وقالت: "عليا أنا؟ قولي مين السبب في حالتك؟ ضغطت خلود على شفتها السفلية ونظرت إلى زمرد بنصف عين قائلة بخفة: "وحدة صحبتي قالت إني مريضة نفسية ومعقدة وكل الولاد ضحكوا عليا." اعتدلت زمرد في جلستها وحدقت بها قائلة بسخرية: "بسبب وحدة نمتي في المستشفى؟ حركت خلود رأسها إيجاباً، فقالت زمرد بعد أن أشارت لها بيدها: "لا تقارني نفسك بأحد." ثم استرسلت
بتأكيد وهي تنظر في عيونها: "لأنك فوق المقارنات، أنتِ جميلة، ده أنتِ أروع إنسانة. إياكي تسمحي لحد يطفيكي بسبب كلمة قالها." ابتسمت خلود وقفزت من سريرها اتجاه زمرد تحتضنها بقوة وقالت بحب: "بحبك يا غزال." ظلت زمرد متصنمة مكانها ولم تبادلها. شعرت بتلك الكلمة تتغلغل بداخلها وتوقظ مشاعر مخفية بها. ابتعدت عنها خلود وقالت بمرح: "أنتِ معاكِ حق، أنا ملكة." رفعت زمرد حاجبها وقالت بتهكم: "أنا الملكة؟
ضحكت خلود وقالت: "أنتِ الملكة ماليفسنت وأنا الأميرة." كانت زمرد تتعجب من هذه الفتاة وكيف تتعامل معها رغم صدها لها. دخل يوسف أثر حديثهم وقال بعد أن حمل خلود: "عندنا فرح، إيه رأيك تحضري فيه؟ أومأت له سعيدة بالخبر، فاستقامت زمرد ونظرت له قائلة: "الحية دي مش بطقها."
ضحكت خلود على غيظ الأخرى من ثم أخذ يوسف الإذن من والدها لأخذها معهم. في المنزل كان الجميع يقف قدماً وساق كي تنتهي أعمال الزفاف. أما في غرفة صابرة كانت تجلس خائفة ومُتوترة وربما شاردة. لا تعلم كيف سوف تعيش مع راسل إن كان لا يزال قلبها مع فارس. دخلت زمرد إليها وجدتَها تحدق في الفراغ فقالت بتهكم: "خايفة ليه؟ راسل مش هياكلك." نظرت لها بغيض وقالت بلؤم: "محدش طلب رأيك؟ ضربتها زمرد بخفة
على ذراعها وقالت بضيق: "فكك من العصبية، اليوم فرحك." ثم استرسلت بأسف: "أنا آسفة على اللي عملته معاكي، صدقيني بس عشان شفت فيكِ أختي قبل أخت يوسف كان لازم أحمي. يمكن أنتِ بتحبي فارس وهو بحبك بس أنتم الاثنين مع بعض مش مناسبين." تمعنت في كلماتها وقالت موافقة: "يمكن معاكِ حق، احنا الاثنين مش مناسبين لبعض." ثم استرسلت: "لكن راسل؟!
نظرت لها زمرد فهمت حيرتها خصوصاً أنها لم تتعرف على راسل سوى مدة قصيرة وغالب طبعه يخيف أي شخص لا يعرفه عن قرب. وقالت بثقة: "هو المناسب ليكي، يمكن أنتِ شايفاه قاسي بس جواه أحن إنسان وأجدع راجل ممكن تشوفيه." ثم اقتربت منها ومسحت دموعها المناسبة قائلة بحنان: "أنتِ تستاهلي شخص يقدرك ويعرف قيمتك. فارس بحبك أو يمكن بحبك بس بطريقة مرضية حتى لو فيها الأذى ليكي." تقبلت صابرة كلامها لأنها تأكدت أن فارس ليس الزوج الصالح لها.
وقالت باعتذار: "أنا آسفة على الكلام اللي اتهمتك بيه، مهما قلت أنا مستحيل أعرف اللي عيشتيه." ربتت زمرد على ظهرها وقالت بحنان: "اليوم فرحك، جهزي نفسك عشان تنزلي لعريسك." نظرت لها قائلة: "راسل بيكرهني؟! نفت زمرد برأسها وقالت بجدية: "راسل راجل بيغير على شرفه، لا غير. لما تعيشي معاه هتفهمي طبعه." أومأت لها وغادرت زمرد تاركة صابرة تفكر في كيفية التعامل معه. أكملت معها وخرجت. التقت بيامن في طريقها
فقال بهدوء وهو ينظر لها: "عايز أكلمك؟ أومأت له وغادرت برفقته إلى غرفة مكتبه. جلس على الأريكة وجلست بالمثل أمامه. تنهد وهو ينظر لها بينما تحدق في الأسفل وقال بهدوء: "مش كفاية؟ رفعت عيونها الملونة وقالت بتساؤل: "كفاية إيه؟ ربت على كتفها مردفاً: "كفاية توجعي قلبك وقلب غيرك؟ نظرت له حائرة وقالت: "أنا مش وحشة للدرجة اللي أنتم شايفينها، أنا مجرد بنت يتيمة شافت أمها بتموت قدام عينيها بسبب ناس دمرها تحت مسمى حب."
تنهد يامن بهدوء، يعلم أن جرحها لن يشفى. وقال بتفهم: "زمرد، أنا حاسس بيكِ، لأني كمان خسرت إنسانة بحبها واتمنيت تبقى ليا. عشت مرارة العشق في بعدها. أنتِ فاهمة كلامي، إيه معنى تحبي شخص وتعيشي بعيدة عنه؟
اتجوزت أم يوسف غصب عني وبعدت عن حبيبتي، لكن ربنا قدرني أكون زوج صالح لها، ويمكن أكون ظلمتها لأني عمري ما حبتها زي ما حبيت أمك، لكن ربنا كتب لي أتزوج أم يوسف وراسل يتزوج أمك، اللي هي كمان داقة مرارة العشق إنها حبت واحد مش بيحبها. كل ده قسمة ونصيب، زي ما أمك رضيت بيه لأنها حبت راسخ، لازم ترضي أنتِ كمان." اقترب منها وربت على يدها مردفاً
بتأكيد: "صابرة لو كانت حية عمرها ما كانت هتأيدك إنك تبقي حقودة، لأنه وصيتها لي إني أشيل الحقد ده من قلبك. وقبل ما تموت وصتك إنه مهما حصل راسخ بيفضل أبوك." كانت تستمع إلى حديثه وقلبها يرتجف ألماً. سقطت دموعها. أبعدت يدها عن يامن وقالت بصوت ممزوج بالبكاء
الذي تحتجزه في داخلها: "الوجع اللي جوايا مش بيرحمني، مش عارفة أبقى سعيدة في حياتي، عايشة في ضلام مش عارفة أطلع منه. ولا حاجة حتى حملي مش حاسة بيه، كإني اتعودت على الوجع وقررت أعيش معاه." ثم استرسلت بعد أن نظرت له: "انسى كل حاجة إلا موت أمي." ابتسم مردفاً بحنان: "مش بقولك انسى، بقولك سامحي عشان ترتاحي أنتِ يا زمرد. تعرفي إيه أقوى الحروب؟ نظرت له باستفهام فاسترسل: "لما الإنسان يحارب نفسه."
استقام بعد كلماته وتركها ربما تفكر فيما تفعله وتتوقف عن إيذاء نفسها أولاً قبل الآخرين. غادر يامن إلى غرفة ابنته. طرق الباب ودخل. نظر لها بحب وهي ترتدي فستان زفافها الأبيض. اقترب منها واحتضنها بقوة وحنان مربتاً على ظهرها. ابتعد عنها قليلاً وقال بعد أن لمعت عيونه بالفرحة: "مبروك عليكِ يا بنتي." ابتسمت بهدوء وقالت: "شكراً يا بابا." أخرج علبة قطيفية من جيب بنطاله ثم فتحها وأخرج منها سلسالاً رقيقاً ذهبياً
تتوسطه فراشة وقال بحنين: "ده كان لأمك ربنا يرحمها. كانت خير الزوجة والصديقة ليا وكان أمنيتها لما تتجوزي تلبسيه عشان تحسي إنها معاك." لمعت الدموع في عيونها فاسترسل بحنان: "أنتِ هتروحي بيت جوزك بس دايماً بيت أبوك مفتوح ليكي مهما حصل. أنا موجود في ضهرك وسندك." ابتسمت على كلامه واحتضنته تبكي وقالت بندم شديد: "سامحني يا بابا." أبعدها قليلاً ومسح دموعها
ثم قبل رأسها وردد بمرح: "كده الميكاب اللي من الصبح بتحطيه يخرب." ضحكت من وسط دموعها فلبسها سلسالها. مد لها ذراعه فامسكت به ونزل معها للأسفل. للأسف، كان راسل في الخارج يقف بجانب يوسف الذي كان يبدو بارداً. قبل أن ينطق بهدوء: "صابرة أمانة عندك يا راسل." أومأ له وقال بجدية: "أختك فوق راسي يا يوسف." تنهد يوسف قبل أن ينظر له بجدية وقال: "أنا عارف علاقة صابرة بفارس."
حدقت به راسل فاسترسل يوسف: "من قريب مش من بعيد. أنا عارف إنها غلطانة، لكن مهما حصل هي أختي. لو شايف إنك مش قد مسؤوليتها سيبها من دلوقتي." نفى راسل برأسه وهتف بجدية: "أنا لو شايف إن صابرة إنسانة سيئة مستحيل أتجوزها. هي في إيد أمينة ابقى مطمئن." أومأ له يوسف مبتسماً: "أنا واثق فيك."
بعد مدة كان الجميع يستمتع بالزفاف في وسط جو مليء بالرقص والموسيقى. كانت زمرد تقف بجانب يوسف ترتدي فستاناً ذهبياً طويلاً. اقتربت منها خلود وجذبتها من يدها مردفة بحماس: "تعالي نرقص يا غزال." نفت زمرد برأسها وقالت: "روحي أنتِ." جذبتها مرة أخرى فسارت معها زمرد وهي تضحك ورقصت رفقتها. كان جو يسوده المرح والود والسعادة إلا أن انتهى الحفل وأخذ العريس عروسه.
بعد تلك الليلة الجميلة أخذ يوسف زمرد إلى منطقة بحرية واستأجر يخت ليقضي الليلة برفقتها. بعد مدة كانت تنام زمرد على صدره وهي تحدق به بعشق متيم. ثم قبلت خده مردفة: "أنا عمري ما حبيت حد بالطريقة اللي حبيتك بيها." قبل رأسها بحنان ولمعت عيونه بالشغف والحب لها وقال بصوت عذب: "أنتِ يا زمرد بتقلبي كياني وقلبي. في وجودك ببقى شخص ثاني غير يوسف اللي الكل بيعرفه." ثم حدق في عيونها بعمق وقال
بصدق خارج من أعماق قلبه: "الله وكيلك يا غزال لساني عاجز يوصف شعوري تجاهك من شدة حبي ليكي." اللمعت عيونها ببريق خاص وقالت بتساؤل بعد أن اعتدلت واقتربت منه: "الكل عارضني يا يوسف وشافني إنسانة شريرة، لكن أنت ولا مرة عارضت كلامي أو حتى اللي بعمله." أبعد رأسه للخلف وحدب رأسها إلى صدره مرة أخرى وقال بعد أن تنهد براحة: "لأنه ولا واحد فيهم فاهمك يا غزال، أنا الوحيد اللي فاهمك." ثم قرع على
رأسها بأصابعه وقال بثقة: "فاهم اللي بيدور في دماغك، لأن الكل فاكر إنك شايفة انتقامك لا غير، لكن أنا شايف حاجة ثانية إنك أكتر واحدة بتهتم بالناس اللي بتحبها مهما حاولت تخبي غصب عنك بتساعديهم من غير ما يعرفوا." تمرغت في صدره أكثر ومررت يدها عليه قائلة: "أنا بكره راسل وعياله يا يوسف، أذاني كتير، لدرجة مش قادرة أنسى الشعور اللي حسيته يوم موت صابرة." ثم نظرت له وقالت بحزن: "تعرف أكتر حاجة وجعاني؟ " مرر
يديه على شعرها فقالت بأسى: "كأني ارتكبت ذنب كبير لما اتخلقت ولليوم ذاته بيلوموني عليه." بالتأكيد لا يشعر بجرح الحبيب سوى الحبيب نفسه. ربت على كتفها وابتسم لها قائلاً بهدوء: "اسمعي يا غزال، الوقت بيعالج كل حاجة، طبعاً أنتِ مستحيل تنسي اللي عيشتيه أبداً، لكن مع الوقت الإحساس ده هيبتدي يختفي. إحنا بنكبر وبننضج، وأي حاجة كانت بتأذيكي وبتوجع قلبك كل ما تفتكريها، هتبقى صغيرة. افتكري كلامي." ثم وضع يده على بطنها مردفاً
بسعادة: "ده هينسيكي كل اللي عيشتيه أول ما تشوفيه." احتضنته بقوة وقالت بحب وامتنان: "شكراً بوجودك في حياتي." احتضنها أكثر وقبل كتفها مردفاً بعشق: "ده أنا اللي لازم أشكرك عشان موجودة في حياتي." ثم استرسل ببعث بعد أن بدأ بتمرير يده على ظهرها: "كفاية أحضان يا بنتي أنا طامع في حاجات ثانية." ابتعدت عنه قليلاً وعقصت حاجبيها مردفة بغيض: "بوظت علينا اللحظة." ثم وضعت يدها على فمها من
شدة النوم وأردفت باستسلام: "تصبح على خير يا حبيبي." نامت على صدره فابتسم وهو يلعب بشعرها مردداً بعشق: "دايماً هتلاقيني جنبك يا غزال." صباح، بعد أن تناول يوسف وزمرد فطورهما في جو جميل وهادئ. استأذن منها قليلاً حتى يكلم الشخص الذي استأجر منه القارب حتى يأخذه اليوم أيضاً، ولكن هذه المرة كي يتحرك به وسط البحر. نظر لها وقال بحنان مربتاً على يدها: "ابقي هنا أنا أشوف الراجل وأجيلك، خدي بالك من نفسك."
ابتسمت له وقالت: "ماشي."
غادر هو وصعدت هي إلى سطح اليخت. اليخت. ابتلعت ريقها وتوقفت مكانها بعد أن رأت أربعة رجال يحيطون المكان. ابتعدت قليلاً تحاول الهروب، لكنهم أمسكوا بها. ثم توجه أحدهم وفك حبل الوصل بين اليخت والميناء ليتحرك اليخت. كان يوسف منشغلاً في حديثه مع الرجل بينما اليخت يبتعد عن الميناء. وضع أحد الرجال يده على فم زمرد يمنعها من الكلام أو الصراخ. انتبه يوسف بعد أن أدار رأسه ليطمئن قلبه عليها حتى وجد اليخت يبتعد عن الميناء. ركض
ناحيته دون تفكير، بينما غرزت زمرد أسنانها على يد الحارس وحررت نفسها منه وركضت تصرخ باسم يوسف. لحق بها الحراس وأمسكوها مرة أخرى. صرخت باسم زوجها مرة أخرى الذي جن جنونه بعد أن شاهدهم يحتجزونها ودون تفكير رمى بنفسه إلى البحر يسبح نحوها. رفع أولئك الرجال أسلحتهم ثم صوبوا نحوه يطلقون نيرانهم عليه دون رحمة. حاول الوصول إليها وتجنب الرصاص إلى أن الكثرة تهزم الشجاعة، لكن رصاصة واحدة كانت كافية بإيقاف يوسف الذي امتزج دمه مع
الماء وأغمي عليه وسط البحر. اتسعت عيونها من رؤيتها لكل تلك الدماء المحيطة بمكانه وصرخت باسمه لأكثر من مرة لكن لا حياة لمن تنادي. وهنا شعرت زمرد أنها ماتت لثاني مرة بعد فقدانها لوالدتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!