فتحت صابرة عيونها بإرهاق كبير إثر ولادتها التي لم تكن بالهينة. اعتدلت في جلستها متألمة، ثم قلبت عيونها بالغرفة تتذكر ما حدث. دخلت الممرضة بعد أن طرقت الباب ونظرت لها مبتسمة بإشراق وحنان وقالت: "ما شاء الله، وقتي وبقيتي أحسن." أومأت لها مبتسمة وقالت بإرهاق: "فين بنتي؟ ابتسمت لها وردت بهدوء وهي تقترب منها وباشرت فحصها: "بنتك في الحضانة، أخذناها، لبسناها وهي في أوضة الأطفال." ابتعدت عنها بعد أن تحققت
من توازن ضغطها وقالت: "الحمد لله، بقيتي أحسن." نظرت لها بامتنان وقالت: "عايزة أشوف بنتي." أومأت لها وقالت: "حاضر." غادرت الغرفة وعادت مجددًا بعد أن أحضرت صغيرة صابرة التي كانت لا تزال نائمة. مدت لها بها، لتأخذها في أحضانها بحب وحنان ولطافة، خائفة من أن تؤذيها. تبسمت وهي تحتضنها برفق وعيونها تلألأت بدموع السعادة والفرحة. شعور الأمومة الذي غدق فؤادها وأشعرها بالدفء والأنس، أنساها كل ما مرت به وعانته في مدة زواجها.
فتحت طفلتها عيونها المغمدة النعسانة بكسل تحدق بوالدتها. سقطت دمعة من عين صابرة وقبلت رأس ابنتها بحنان كأنها ريشة تخاف أن مسها الهواء تطير. أمسكت بكف ابنتها الناعم الصغير لتقبله برقة وتستنشق عبير الطفولة الفائح منها على وهن وأردفت بحنان بالغ: "قلب أمي وروحها، حبيبتي يا بنتي." نظرت لها الممرضة بحنان ثم قالت: "تكبر في عزك إن شاء الله." ابتسمت لها صابرة ورفعت عيونها تنظر لها بشكر: "ربنا يبارك فيكي، على تعبك معايا."
أجابتها بهدوء: "ده شغلي يا سيدة صابرة." هزت رأسها وقالت بتساؤل: "هو مافيش حد سأل عليا؟ دخلت على إثر كلماتها أم زوجها أمينة التي أشارت للممرضة بالخروج. نظرت لها صابرة وقالت بحزن: "راسخ ما جاش يشوف بنته." نظرت لها وحاولت رسم ملامح جادة وأردفت: "مياسين ولدت، وولادتها كانت صعبة، هو جه شاف البنت ورجع عشان يطمن على مراته." أومأت لها ونظرت إلى طفلتها بحزن وقالت: "كنت عايزة ييجي نسميها مع بعض." نظرت لها وقد شعرت
بشيء من الذنب وقالت بهدوء: "إن شاء الله تروحي للبيت، وتتفقوا على اسم." أومأت برأسها بطيبة قبل أن تعيد نظراتها الفرحة إلى ابنتها، لكنها تفاجأت بدخول يامن وابنه يوسف. ابتسم يامن وسلم على زوجة والده قبل أن يتقدم من صابرة وقال بمودة: "مبروك عليكي." ابتسمت له وقالت بهدوء: "ربنا يبارك فيك."
نظر لها بحزن وحب. هو الذي كان يعشقها ويحبها أكثر من نفسه، فقط بسبب والده وفرق السن بينهم جعله يتركها ويبعثه لبلاد غريبة لأجل ألا يتعلق بها أكثر. كم تمنى أن تكون زوجته وتلك الفتاة ابنته. تنهد بعشق قبل أن يقول بعد أن نظر للفتاة الرضيعة: "ما شاء الله يا صابرة شبهك." ابتسمت صابرة له وقالت بعد أن نظرت إلى ابنتها بحنان بالغ: "حلوة مش كده." أومأ برأسه وللحظة خالجه شعور الحب والود لها فقال: "قمر شبه أمها."
حدقت به ورمشت بأهدابها قبل أن تقول بحياء: "شكرا ليك." تنهد من شدة تقل مشاعره وقال: "ده واقع، أنت جميلة وبنتك شبهك." كلماته البسيطة أسرتها وجعلت قلبها ينبض دون شعور. بادلته بنظرات كلها امتنان. بينما ذلك الصغير كان يحدق في تلك الرضيعة بشيء من الغرابة. اقترب من صابرة وجلس بقربها من الفراش. نظرت له باندهاش فقال مشيرا نحو الفتاة: "عيونها شبه الغزال."
صدمت هي ووالده من كلماته وحدق الاثنين بالفتاة. تمعن كلاهما عيونها. الطفل صادق في كلامه، تلك الطفلة لها عيون مميزة مختلطة بين الأزرق والأخضر تجعلها شبيهة بالغزال. ابتسمت أم راسخ قبل أن تتركهم لتتصل بابنها. بينما نظر له والده وقال: "أنت عامل للبنت مسح ليزري؟ أومأ له ونظر إلى صابرة وقال: "عايز أشيلها." ابتسمت له بود وحنان قبل أن تضعها بين يديه. حدق بها مندهشا وسعيدا، لا يصدق أن ذلك الحجم الصغير بين يديه. ثم نظر
إلى صابرة مردفا بتساؤل: "اخترتي اسمها ولا لا يا خالتي؟ ابتسمت له وقالت بحيرة: "لسه." نظر لها وقال بتساؤل: "في اسم معين في بالك؟ نفت برأسها فقال بحماس: "أنا ممكن أسميها." رفع والده حاجبه وقال بغيظ من أفعال ابنه: "أمها وأبوها اللي ممكن يختاروا ليها اسم." نظرت له صابرة وقالت بمرح: "طالما طلعت منه يبقى سيبه يختار ليها اسم." ابتسم الصغير وكذلك والده الذي بدا مستغربا من أفعال ابنه. نظر الصغير للفتاة التي كانت تحدق به وقال:
"اسمها زمرد." حدقت به والدتها مبتسمة وقد نال الاسم استحسانها وقالت: "ماشي، اسمها زمرد يا قلب خالتك." ابتسم الصغير ونظر للفتاة بمحبة. بينما والده ضحك ساخرا على وضعه ووضع ابنه الذي يبدو أنه أصيب بلعنة عيون الفتاة كما أصابته هو لعنة عيون والدتها النادرة.
بالفعل مرت الأيام والأشهر إلى أن باتت أعواما وقد اعتادت صابرة وابنتها وحدتهما. تلك المشاكسة الصغيرة زمرد لم تكن سهلة بل كانت شقية عكس والدتها. تعلمت أن تحبي وتمشي، ونطق الكلام بسرعة عكس أخيها الذي كان لا يزال يتعثر في الكلام. ركضت تنزل الدرج بسرعة، ومرت من البهو هربا من والدتها بعد أن شاكستها من شدة شقائها. ضحكت بسعادة بعد أن شاغبت والدتها التي بدأت تلاحقها دون توقف. كانت ضحكاتها الطفولية عالية جدا. توقفت بل تسمرت أمام باب الفيلا بعد أن نظرت إلى والدها يسبح رفقة ابنه فارس كما تسميه.
حدقت به بعيون متسعة حزينة محبطة، تعلم نفوره منها، إلا أنها رغم ذلك كانت تحاول مرارا وتكرار التقرب منه لعل قلبه يحين ويرأف بفؤاد طفلتها التي ترغب فقط بعناق أبوي يشعرها بالدفء والأمان. زفرت الهواء بهدوء تخرج كل تلك الأفكار السلبية واقتربت من حافة المسبح ونادته بصوت كله أمل أن يحسن إليها ولو مرة: "بابا." ما أن سمع ندائها حتى التف لها وحدق بها بضيق وقال: "عايزة إيه؟ أشارت إلى المياه وقالت مبتسمة: "عايزة أتعلم أعوم." نظر
لها بإستخفاف وقال بحدة: "لا، روحي جنب أمك، العوم للأولاد مش ليكي." عيونها المختلطة حدقت به بتحد وقالت بعناد: "عايزة أتعلم زي فارس." شعر بتمردها ورمقها بحدة مردفا: "أخوك راجل، أنت بنت، يالا أمشي من هنا." نظرت لأخيها بحقد وقالت بعد أن وجهت نظراتها الحادة إلى أبيها: "إيه معنى بتحبه وأنا لا، ده حتى خواف وأنا شجاعة عليه."
حدق بها أخوها بغيرة، لكن والدها استفزته كلماتها الحادة مثل نظراتها. وللحق بالفعل فارس كان يخاف عكسها هي التي كانت قوية وشجاعة. عندما لم يجد ما يقوله صرخ والدها عاليا باسم والدتها: "صابرة."
كانت صابرة تقف بعيدا تستمع لحديثهم وفؤادها منكسر من أجل ابنتها المحرومة من أبسط حقوقها وهي الأبوة التي رفض والدها إعطاءها ولو نظرة حنان تجبر بخاطر ابنته، بل يجعلها فقط ترى نفوره وكرهه لها. خرجت ونظرت بحزن لابنتها التي كانت تنظر إلى والدها بكره وغضب. ثم حملتها وربت على ظهرها بحنان تواسيها. حدق راسخ بضيق منها ومن ابنتها وأردف معنفًا إياها: "ربي بنتك."
كادت أن تجيبه تلك الطفلة إلا أن والدتها أشارت لها أن تسكت وغادرت بها صامتة. أخذتها إلى غرفتها، قامت بإنزالها على الأرض وأقفلت الباب وعادت إليها تربت على شعرها بحنان: "عيب اللي عملتيه." جلست منزعجة وقالت بتأفف بينما تلعب بقدميها: "راسخ بيكرهنا؟! تألمت والدتها من حديثها إلا أنها أخفت مشاعرها وقالت لها بعتاب: "ده أبوكي." تأففت وقالت باعتراض جازم: "مش بيحبني ولا بحبك، بيضربك وبيضربني."
نظرت بحزن لابنتها، وكادت أن تتكلم إلا أن صوت نداء باسمها جعلها تستقيم مغادرة للأسفل. ابتسمت تلقائيا بعد أن لمحت يامن هو الذي يناديها. نظر لها بحنان وقال: "إزيك يا صابرة." هزت رأسها وقالت: "الحمد لله، وأنت؟ ابتسم وقال: "كويس طالما أنتِ كويسة." "اتفضل ارتاح"، قالتها وأفسحت له الطريق للجلوس وجلست مقابله. كاد أن يتكلم إلا أنه انتفض أثر صوت تلك المشاغبة: "بابي يأمن!
صرخت بها بقوة وهي تقفز الدرج بسرعة. استقام وأسرع نحوها يلتقطها. احتضنته بقوة وقبلت خده مردفة: "عامل إيه يا منمن؟ وفين ابنك؟ حدق بها مصدومًا وقال: "تعلمتي من فين الكلام ده؟! "من الشارع"، قالتها بتلقائية. ضحك بصوت عال على شقائها بينما فاجأه ابنه الذي أخذها منه وقال لها بعد أن رفع حاجبه: "كبرتي يا غزال." قلبت عيونها بملل، فأنزلها بحذر فقالت: "عايزاك تعلمني أعوم يا يوسف." ابتسم وانحدر إلى مستواها قائلا:
"من عيني يا غزال." تأففت بحنق من ذلك الاسم الذي بات يناديها به كل ما رآها وقالت بضيق: "ليا اسم مش غزال." ضحك بخفة وأمسك بأنفها يجدبه مغيظا إياها وقال: "أعمل إيه عيونك شبه الغزال." مطت شفتيها واحتقن وجهها من سخريته. رفعت قدمها ودهست قدمه اليمنى بقوة آلمته وقالت بضيق: "أنجز." حدق بها بعيون حادة من أفعالها المتهورة. كاد أن يمسكها ليرفعها من قدمها إلا أن صوتها الحزين أوقفه:
"راسخ ضربني تاني، عشان عايزة أتعلم أعوم زي ابنه." أغمضت والدتها عيونها بألم، وكذلك نظر لها يامن بحزن. الجميع بات يعلم أنه يعامل ابنته بنفور. تغيرت ملامحه يوسف الحادة ونظر لها بحزن وحملها بهدوء للخارج. أجلسها بجانب المسبح وجلس بجانبها. عم الصمت للحظات قبل أن ينطق: "عمي هو أبوكي، عيب تناديه باسمه." شعرت باختناق تنفسها وتلألأت الدموع بعيونها وتحدثت بصوت حان حزين: "اسمه راسخ، وهو يكرهني أنا وأمي وأنا بكرهه."
تنهد بيأس من حالتها. للحق هي لا تكذب، أي شخص لديه أب مثل راسخ سوف يحقد عليه. لكنه مهما حدث هو والدها بكل الأحوال ويجب عليها احترامه. مما جعله يعاتبها بحنان: "مهما حصل هو أبوكي." ابتسمت تنظر للماء لوهلة وقالت بكسرة رغم صغر سنها: "كان نفسي، بس بيكرهنا وبيحب مراته وابنه. بكرة أو بعده مراته تولد تاني، بعدها يرميني أنا وأمي بره." اتسعت حدقيتها فاحتضنها بلطف وقبل رأسها وقال: "بكرة يتغير، ويحبك."
نظرت له مبتسمة ونفت برأسها. هي باتت تعرف الوضع ولا أحد يستطيع تغير فكرتها عن أبيها بعد أن عاشرته وعلمت مدى كرهه لها هي ووالدتها. "أنا بالنسبة ليه مش موجودة، حتى النظرة مش بكملها فيا، لا أنا ولا أمي عشان أنا بنت صابرة مش مياسين، بيشوفوني زي الوحش، هو أنا بشعة؟ حدق بها لبرهة غير مصدق أن هذا الكلام يخرج على لسان طفلة عمرها اثني عشر سنة. قبل رأسها بحنان قائلا بمواساة:
"إنتي ملاك، قمر قليلة في حقك. وبعدين يا غزال، في حد بعيون شبه دي يتقال عنه مش حلو." ابتسمت تدس نفسها بأحضانه أكثر وقالت بعفوية: "تعرف إني بحبك، أنت بتهتم بيا، بدل أبويا." هي لا تعلم أن ذلك الشاب يعشقها حد النخاع. يعلم أنه أكبر منها لكن تعلقه بها مثل تعلق الطفل بوالدته. كلامها العفوي الطفولي أكثر شيء جعله يتأكد أنها له وحقه. لكن فقط سينتظر قليلا حتى تبلغ سن الرشد، عندها لن يمنعه أحد عنها. ابتسم
ناظرا لها بعشق قائلا بود: "وأنا بحبك يا غزال." ابتسمت بسعادة. سريعا ما تغيرت ملامح وجهها وصرخت بصوت عال بعد أن دفع بها إلى المسبح ووقعت به. شهقت بقوة وقالت بغضب: "أنت مجنون." القى بنفسه إليها وقال بعد أن أمسك بها حتى لا تغرق: "من يومي يا غزال مجنون بيكي، تعالى أعلمك تعومي، ده أنا حتى أحلى من أبوكي." نظرت له بضيق ثم ضربته بيدها الصغيرة بقوة على بطنه. ضحك على ردة فعلها وقال بهدوء بعد أن أمسك يدها:
"يابنتي أنتِ كلك اثنا عشر سنة، اتهدي." اشتعلت عيونها بروح التحدي بعد أن سخر من سنها. رشّته بالماء الموجود بالمسبح. ضحكت على منظره بعد أن انتفض. حدق بها بتحد محاولا إمساكها، لكنها كانت تهرب منه. ظل يلاعبها لعله ينسيها قليلا من وحدتها وحزنها، ويعوضها عن حرمان حنان أبيها. كانت والدتها تنظر لها عبر الحائط الزجاجي تبتسم، وتحمد الله على سعادة ابنتها الحالية. حدق بها يامن وقال مبتسما: "أنت كويسة يا صابرة."
نظرت له بامتنان وقالت: "الحمد لله." أومأ برأسه وقال: "راسخ بيعاملك كويس." ابتسمت وقالت: "الحمد لله." علم أنها لن تقول أسرار بيتها أو حتى أن عاملها بقسوة لن تفضحه أو تفشي سره. حدق بها بحزن دفين، فهو يعشقها ولكن كان للقدر رأي آخر. حمحم قبل أن يحدق بها وقال: "اتصلتي بيا، قولتي موضوع مهم، أنا سامعك." كانت تنظر إلى ابنتها وتبتسم على بسمتها ثم نظرت له قائلة: "عايزة منك طلب." نظر لها باستغراب وقال: "من عيني، أنت تأمرين."
ابتسمت له بامتنان وقالت بحزن: "الحياة والموت واحد، وأنا خايفة على بنتي، خايفة عليها من الحياة وهي صغيرة." أجابها بحنان: "بعد الشر عليكي، إنتي لسه صغيرة، وإن شاء الله تشوفيها عروسة." سقطت دمعة شاردة من عيونها وقالت بعد أن نظرت بعيونه: "عايزاك تجوز ابنك بنتي، لو حصلي حاجة، تبقى إنت وهو سند ليها." حدق بها مندهشا وقال بهلع بعد أن دق الخوف قلبه: "بتقولي إيه يا صابرة، إن شاء الله تعيشين وتشوفي عيال عيالها." كادت
أن تخونها دموعها وقالت: "زمرد طيبة، بس مش شبهي، أخدت طبع أبوها ممكن تبقى قاسية، أنت ويوسف تقدروا عليها تطلع الحقد من قلبها." اللمعت عيونه بالدموع وقال بعد أن دق قلبه بألم لأجلها: "فيكي إيه يا صابرة." نظرت له وقالت بعد أن لمحت نزول زوجها: "أوعدني." حدق بها حائرا وخائفا فقالت بترجى: "أوعدني." تنهد وقال بضعف: "أوعدك."
ابتسمت ورحلت للمطبخ. من ثم جلس هو رفقة راسخ، وعقله مشغول بتلك التي وعدها منذ قليل. جلس راسخ وحول نظره نحو الحائط الزجاجي. ما أن رأى ابنته تتعلم السباحة رفقة يوسف حتى انتفض واقفا. حدق به يامن باستغراب وقال بتساؤل: "مالك؟! لم يجبه بل خرج مسرعا نحو المسبح. تبعه يامن. كانت تضحك من كل قلبها بعد أن تعلمت السباحة وقد جعلها يوسف تجرب المسبح العميق ليتأكد من تعلمها. ابتسم على شجاعتها لكن لم تدوم ابتسامته
طويلا حتى صرخ بهم يامن: "بتعمل إيه أنت وهي؟! حدق به يوسف يتعجب لانفعاله وقال ببساطة: "بعلمها تعوم." هتف بسخرية: "تعلمها تعوم ولا تتحرش بيها؟ حدق به بدهول وكذا يامن الذي صدم من كلام أخيه. نظرت له ابنته بضيق وقالت باستفزاز: "يعلمني عشان ماليش أب يعلمني، لقيت الخير في ابن عمي، اللي مش لقيته فيك."
جحظت عيون الجميع من لسانها السليط خوفا عليها من غضب والدها، الذي أصبح مثل الثائر على وشك الانفجار. خرجت من المسبح وكذا يوسف الذي جذبها خلفه، يحميها من غضب والدها، ووقف أمامه بالمرصاد قائلا: "معلش يا عمي بس أنت زودتها، دي عيلة." حدق به بغضب جامح وصرخ به. بعد أن أبعده وجذب ابنته بقوة من خلفه ثم نظر له غاضبا قائلا بهمجية: "اطلع برة آخر مرة أشوفك في بيتي وجنب بنتي." حدق به يوسف بغضب وقد فلتت منه أعصابه وقال بانفعال:
"بنتك على أساس إيه، ده أنت حتى حضن حارمها منه، من يوم ما خلفتها وأنت راميها، لما تقرب منها بس عشان عايز تضربها، لو على أب زيك بلاه." احمرت عيون راسخ وأراد أن يرد على كلام يوسف إلى أن يامن هدر بابنه: "يوسف، الزم حدك ده عمك مهما حصل." كاد أن يعترض إلى أن نظرات أبيه الحادة كانت كفيلة بإسكانه. ثم حول نظره إلى أخيه وقال بأسى:
"ابني متربي يا راسخ، أنت كنت محتاج سبب تطردنا ولقيته، وبنتك هو أحن واحد عليها، حتى أكثر منك. هو فعلا مش من حقه يعلي صوته عليك، بس ابقى أب لبنتك الأول وبعدها حاسب الناس." هتفت كلماته ثم نظر إلى الصغيرة التي كانت تذرف الدموع خوفا من رحيل يامن أو يوسف. ابتسم لها وقال: "إن شاء الله أول ما تكملين سن الرشد هاجي آخدك من هنا." رفع نظره الحاد إلى أخيه:
"غصب عنك هاخد البنت، بس الآن هاخد ابني وأمشي، ويوم ما أرجع هاخدها بصفتها مرات ابني." قال كلماته وجذب ابنه مرغما الذي كانت عيونه على طفلته وحبيبته. جذبت يدها من أبيها بنفور ولحقت به صارخة باسمه: "يوسف."
رغم عنه التف ونظر لها بضعف. ركضت نحوه واحتضنته بقوة. شعرت بأنها ستفقد سندها وأمانها ما أن يخرج من الباب. بكت بقوة وسقطت دموعها مثل المطر لا ترغب بتركه. كم ألمه قلبه عليها شدد عليها بقوة يحتضنها خوف من تركها بين يدي أبيها الذي لن يرفق بها. همست قرب أذنه: "أرجوكم متسبنيش، خليك جنبي محتاجة ليك."
تنهيدة مثقلة خرجت من قلبه الذي صرخ حزنا على طفلته، لكن والدها لم يتركهم بسلام بل جذبها بقوة من بين أحضانه وهي متشبثة به ترفض تركه. تعلم أن تركته لن تراه مجددا هكذا أخبرها قلبها. رغم عنه اضطر أن يتركها وقال بوعد: "أرجع وآخدك معايا." نفت برأسها تحاول الإفلات من يد أبيها وتحدثت بترجى: "أرجوكم متسبنيش لوحدي." أغمض عيونه بقوة من ذلك الإحساس الذي يحثه على أن يأخذها جبرًا وعدوانًا من يد والدها، إلا أن والده ربت على
كتفه مواسيا وقال بهدوء: "نرجع، وناخدها معانا." أومأ له صامتا واستقام حاملًا تلك المشاعر التي كادت أن تؤدي وتهلك حياته من شدة ثقلها مغادرا نحو الخارج. جذبتها والدها بعنف وعيونها مسلطة على منقذها الذي رحل إلى أن أدخل بها إلى السرايا وتركها بعنف جعلها تسقط على الأرض. خرجت صابرة إثر سماعها صراخ ابنتها. حدق بها راسخ بضيق وقال بصراخ: "البنت دي مش متربية." حدقت فيه زمرد بقوة وصرخت به: "متربية غصب عنك."
صفعة منه جعلتها تسقط أرضًا. التقطتها والدتها ونظرت له بترجى تستعطفه أن يحن على صغيرتها: "دي عيلة، حرام عليك اضربني أنا وسبها هي." نظر لها بإستهزاء وقال: "ما البنت مش متربية تطلع لمين من غيرك." نظرت له بألم وأسرته في قلبها بينما أضاف بصراخ: "ابن يامن مش هيعتب هنا تاني، وبنتك ربيها."
قال كلماته وغادر بينما كانت زمرد تبكي في أحضان صابرة بقوة التي بكت بالمقابل على ما أصاب ابنتها. أبعدتها عن أحضانها واحتضنت وجهها بكفوف يدها تمسح دموعها بإبهامها وقالت بحنان: "ما تبكيش." ازداد نحيب الصغيرة وقالت بعد أن انهارت دموعها: "بعد عني يوسف، طردوه، مين هيطمن عليا تاني، أنا بكرهه." احتضنتها والدتها لتبكي بالمثل وقالت: "ربنا يجبر بخاطري وخاطرك يا بنتي."
أخذت الأيام تمر، ولم تعد تحاول أن تصلح علاقتها بوالدها بل أصبحت تتجنبه أكثر من الأول. انتدبت غرفة والدتها التي بدأت تظهر عليها أعراض التعب والخمول. تنهدت بعد أن رأتها نائمة، لكنها فزعت بعد أن صرخت صابرة متألمة. نظرت لها ابنتها بخوف وقالت: "ماما أنت كويسة."
نفت برأسها واشتد ألمها. بكت بحرقة أخافت ابنتها. تحركت زمرد بسرعة وخرجت من غرفة والدتها تنادي باسم والدها من شدة هلعها. كان على باب المنزل يسند زوجته التي جاءها ألم المخاض. ركضت من أعلى الدرج لأسفله بقدميها الحافية متوجهة نحوه. أمسكت بيده وقالت بهلع: "بابا ماما موجوعة فوق بتصرخ ساعدها." هدر بها بعد أن صرخت زوجته من ألم المخاض: "غوري من وشي أنتِ وأمك." بكت كثيرا ونزلت إلى الأرض تركع وأمسكت قدمه وقبلت يده وقالت بانهيار:
"أرجوك يا راسخ ماما فوق بتموت ساعدها." استمع إلى تأوهات مياسين بعد أن ازداد الألم عليها ونفض يد ابنته من على قدمه بعد أن دفعها بقوة وقال بحدة: "ياريت تموت وأخلص." ثم حمل زوجته وغادر هو وأخته إلى المستشفى دون اهتمام إلى استنجاد ابنته الصغيرة. انهارت، ودموعها تتساقط بقوة. أسرعت رغم ألم جسدها إثر دفعة والدها. ركضت إلى والدتها ونظرت لها برجاء بعد أن احتضنتها وقدمت لها المياه وقالت برجاء: "اشربي يا ماما."
نفت والدتها وقالت بضعف: "مش قادرة." نظرت إلى والدتها المريضة بحرقة وأمسكت بيدها بقوة وقالت بخوف: "ماما أوعي تسبيني، أنا ماليش غيرك." سقطت دموع والدتها وقالت بحرقة. تعلم أنها ستترك ابنتها وحيدة والآن حان وقت كلمات الوداع: "اسمعيني يا حبيبتي، عايزة أكون قوية زي ما أنتي، لكن مش عايزة تكرهي حد، هو مهما كان أبوكي، خلي قلبك أبيض دائمًا." احتضنت والدتها وقالت بضعف خوف أن تتركها وحيدة:
"وحياتي عندك ما تسبيني يا ماما، مش هشاقي تاني، ولا أعمل مشاكل." لم تتحرك والدتها أو ترد عليها. نظرت لها وجدتها ساكنة وعيونها مفتوحة تنظر للسقف. أنساب دموعها وهي تحتضن جسد والدتها. صرخت بأقصى ما لديها: "ماما." ظلت ترددها بصوت عال وتبكي في حضن والدتها التي فارقت الحياة. تلك المسكينة تحاول أن تستمد الأمان من أمها، وتبكي بصمت. دخلت جدتها وألقت نظرتها عليها. نادتها بصوت خافت. التفتت لها زمرد وعيونها
حمراء بحق وقالت بصوت هادئ: "ماما نامت." وضعت جدتها يدها على ثغرها من شدة صدمتها وعادت زمرد تتوسد صدر والدتها. اقتربت منها جدتها وقالت بعد أن انسابت دموعها: "تعالي يا حبيبتي، سبيها." لم تجبها بل نظرت إلى والدتها وقالت بعد أن مدت يدها ترسم ملامحها تغرسها بقلبها: "حبيبتي يا ماما، أنت مرتاحة هكذا كنت عارفة، وعارفة إنك بتخافي تبقي وحيدة، أنا مش هسيبك أبدا، هبقى جنبك."
تألمت جدتها على ما حل بها واتصلت بابنها راسخ لتخبره بما حدث. نزل عليه الخبر مثل الصاعقة والصفعة التي زلزلته. هو لم يقصد موتها بالفعل، فقط كان متوترا وظن أنه ليس بالأمر الخطير، ولم يلتفت حتى للاطمئنان عليها. تركها للموت ولم يرف له جفن من أجلها. سريعا ما تمت مراسم الغسل وحملوا التابوت للخروج بها من المنزل إلى المقبرة. ما أن وصلوا إلى الباب يحملون الصندوق الذي به والدتها حتى انخلع قلبها وشعرت بالفراغ واهتاجت بقوة خوفا من فراق أمها. تعلم أنها إن خرجت لن تعود مجددا، وستبقى وحيدة، وهي تكره الوحدة. أمها أمانها سندها حضنها الدافئ كل هذا ستفقده. ركضت إلى باب المنزل
تصرخ بكل ما أتاها من قوة: "ماما، ماما ارجعي." تبعهم للخارج تركض دون توقف. أمسكت بها زوجة أبيها فقالت بضعف بعد أن سقطت على الأرض: "ما تاخدوش أمي، رجعوها، أنا محتاجة ليها، دي ظهري وسندي، ماما، مين أسند راسي عليه تاني، ليه سبتيني."
استقامت وركضت إلى غرفة والدتها نامت على فراشها تمسكت به تبكي مقهورة من شدة ألمها وانهيارها، حتى فقدت وعيها هي بالأخير. طفلة صغيرة السن عقلها لا يستطيع تحمل كل تلك الضغوطات حولها. أتى الطبيب وتكفل بإعطائها عدة مهدئات جعلتها تنام لأكثر من ثلاثة أيام. استيقظت أخيرا، تذكرت ما حدث وفقدانها لصابرة. احتضنت فراش والدتها بقوة من ثم استنشقت رائحته. سقطت دموع اشتياقها لها. بكت من شدة حرقتها، وتحاملت على ذاتها وخرجت من الغرفة. نزلت الدرج ونظرت إلى أبيها الذي يضحك رفقة زوجته على ابنته التي أنجبتها وأمامه فارس الذي يلعب معه. شعرت بالغيرة والحقد، وهتفت بكره، بعد
أن اقتربت منه ووقفت أمامه: "قتلت أمي عشان بنتك دي." حدق بها والدها واستقام متوجها نحوها وقال بهدوء: "الحمد لله على سلامتك." ابتسمت باستهزاء وقالت: "كأنها تهمك يا راسخ." صدمه ردها وقال بضيق محاولا تفهم وضعها: "اهدي يا زمرد، بطلي تقل أدبك." ضحكت بسخرية على وضعها وحولت نظرتها إلى زوجته وقالت بعد أن علت ابتسامة حقودة شفتيها: "أنت والحيزبونيه السبب في موت أمي، ربنا ينتقم منكم."
فار غضبه منها وصفعها بقوة على خدها جعلت الدماء تنزل من فمها وقال بصراخ اهتزت له جدران السرايا: "الزمي حدك لو عايزة تعيشي هنا." نظرت له باستفزاز وقالت بتمرد تحدق به بقوة: "راسخ أنا مش صابرة، اللي تصبر على ذلك وقهرك ليها، ولو على الضرب اتعودت عليه منك، وأنا ما يشرفنيش أبقى بنت واحد غدار زيك." كاد أن ينقض عليها إلا أنها صرخت به بقوة: "شيل إيدك عني." صدم من ردها الذي تجمع على إثره كل من في المنزل.
أمسكت به زوجته وقالت بهمس: "سيبها أكيد الصدمة مؤثرة عليها." قال بصوت عال غاضب: "البنت دي مش شافية تربية وأنا هربيها." حدقت به بكره وقالت بحرقة من ألم فراق والدتها:
"أنا مش هبقى ثانية في بيتك، من زمان وأنت ناكر إن ليك بنت، بس أنا اليوم أنكر وجودك، صابرة ماتت وبنتها كمان، كذا ارتاح مع الحيزبونيه بتاعتك وعيالها، وزي ما أنا يا راسخ إترجيتك وبوست إيدك عشان تنقذ أمي وسبتها تموت قدام عيني، ربنا كبير وهشوفك في يوم واقف قدامي وبنفس مكاني بتطلب أنقذ غاليك هيكون ردي واحد." "ياريت يموت ونخلص." افتكر دا كويس. نظر لها غير مصدق ما يخرج من فم قاصر. ثم تركته وتحركت نحوه الباب مغادرة.
صرخت بها والدته: "تعالى هنا." التفت لها وقالت بحقد: "زيك زي ابنك ربنا ياخدكم." نظر لها والدها بتحد وقال: "لو طلعتي عمرك ترجعي." سقطت دمعة من عينيها وقالت بعد أن ابتسمت بألم: "لو كنت بموت عمري ما أرجع بيتك أو حد يعرف إن ليا أي صلة بيك."
قالت كلماتها وغادرت بسرعة تركض للخارج فتاة في الثانية عشرة من العمر تركض ليلا وحدها دون أي مأوى أو ملجأ. ظن والدها أنها فقط هاوية لا تقدر على فعل شيء لكن لم يعلم أنها بالفعل على قدر كلماتها. بعد ساعة دخل يامن رفقة ابنه بعد أن وصله خبر موت صابرة متأخرًا. حدق بأخيه وقال بحدة: "أين زمرد؟! نظر له ببرود عكس تلك التيارات القلقة بداخله وقال: "راحت." صرخ به قائلا: "راحت فين؟ هدر به بقوة:
"ماتت، البنت مش بنتي، وماتت، ده آخركم معاكم، والآن تطلعوا برة." دهش يأمن من كلام أخيه وخرج رفقة ابنه يبحثان عنها إلا أنهم لم يجداها. استمر بحثهم مدة طويلة تحول إلى أشهر وأخذته أعوام ولا أحد يعلم أين زمرد ابنة صابرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!