الفصل 12 | من 18 فصل

رواية مرارة العشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم دنيا دندن

المشاهدات
19
كلمة
5,378
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

ليلاً سافرت زمرد برفقة يوسف إلى منزله بالصعيد. كان يعلم أنها تعشق المناظر الخلابة الخضراء وتحب أن تتمشى تحت الشمس الساطعة وتستمتع بأشعتها. وصل أخيراً إلى تلك السريا الضخمة الجميلة التي ورثها والده عن جده. نزلت من السيارة تستنشق رائحة العشب الأخضر، ابتسمت تلقائياً وانحدرت تفك رباط حذائها ثم خلعته ووضعت قدميها الحافيتين على العشب الأخضر.

ابتسم يوسف على حركاتها، لا تزال مثل الطفلة، ما عشقها وهي صغيرة لا تزال تحبه رغم سن شبابها. أنزل الحقائب من السيارة ثم تقدم نحوها مردفاً: "تعالى ندخل عشان ترتاحي". أومأت له وغادرت برفقته إلى الداخل. وضع الحقائب بينما رمت سترتها البيضاء وارتمت ممدة على الأريكة من شدة التعب. كذلك يوسف أزال سترته ورمى بها على المقعد المقابل له ثم جلس بجانب قدمها. ابتسم لها مردفاً: "يلا يا حبيبتي اطلعي خدي حمام دافئ وغيري هدومك".

نفت برأسها وقد تغلب النوم عليها. اقترب منها يوسف مردفاً بحنان: "يا غزال يلا عشان تنامي في سريرك". لم تجبه فقد نامت مثل الطفل الرضيع الذي ما أن يضع رأسه على السرير حتى يغفي. كذلك زمرد ما أن تضع رأسها حتى تغيب عن العالم. ابتسم بخفة وحملها مردفاً بسخرية: "حظك زي الزفت يا يوسف، أهو الغزالة نامت". صعد بها إلى الأعلى ثم وضعها على سريره. تقلبت في نومها وأعطته بظهرها.

ابتسم بغيظ يتحسر على نفسه، من ثم دثرها بالغطاء وارتمى بجانبها. سلط عينيه على السقف وعقد ساعده ليضعه أسفل رأسه إلى أن بدأ النوم ينال منه. لينتقض أثر ركلها له بقدمها على بطنه. صك على أسنانه بغل والتف قليلاً نحو تلك الهوجاء ذات النوم العنيف. زفر محتقناً وكادت أن تصفعه بيدها إلا أنه أمسكها وترك لها السرير ونام على الأرض. صباحاً استيقظت زمرد بكسل. نظرت حولها وجدت زوجها ينام أرضاً دون غطاء. تذكرت أنها نامت دون أن تشعر.

زفرت بضيق من نفسها ثم نزلت من على فراشها وانحدرت إلى مستواه. وضعت يدها بلطف على شعره الأسود الغزير. تحركت على نعومة شعره وتخللت يدها به. فتح عينيه جراء لمساتها وابتسم تلقائياً بعد أن وجد عينيها الغزاليتين مقابل عسليتيه. مردفاً: "سبحان الله". ابتسمت فاسترسل: "أنا كل يوم هصحى على العيون القمر دي؟! أومأت له فاعتدل جالساً. أغمض عينيه منزعجاً من ألم ظهره. وضعت يدها على كتفه وقالت بنعومة أدهشته: "أعملك مساج؟!

أومأ لها، هو بالفعل يحتاج إلى تدليك لعل عضلات ظهره المتشنجة تتمدد. استقامت وأشارت له إلى السرير مردفة: "تعالى اقعد على السرير واقلع قميصك". بالفعل نفذ كلامها وخلع عنه ملابسه العلوية وجلس على السرير يعطيها بظهره. جلست خلفه ثم وضعت يدها على كتفيه من قرب رقبته. سريعاً ما شعر بالألم أثر حركتها على كتفه وقال بغيظ: "بالراحة يا زيدان". لكمته بقوة على ظهره من شدة غيظها فابتسم رغماً عنه بعد

أن استفزها وأردفت بغيظ: "أنا اللي قاعدة بدلعك وعاملة ليك قيمة، ماشي يا ابن يامن". ضحك عالياً وقال ساخراً: "يالله يا غزال على الدلع اللي شايفه منك، دا انت حتى نمتي امبارح وسبتيني أكل في نفسي". حدقت به بملل ثم مدت شفتيها مردفة: "أعمل إيه؟! كنت تعبانة". التف وحدق بها لوهلة ثم استقام مردفاً: "عارف". ثم استرسل بعد أن مد يديه لها وقال: "تعالى ننزل نفطر؟! أومأت له بسعادة وغادرت برفقته.

بعد مدة كان ينتظرها أن تخرج من غرفتها وهي تسبه بأسوأ ما عرفته في حياتها، بينما هو سعيد بإغاضتها. زفرت بضيق وقالت بضجر: "حرام عليك يا يوسف دا مش ساتر حاجة؟! ابتسم بتهكم ساخراً: "الله وكيلك يا غزال اللي لبساه ساتر على اللي بتلبسيه لخلق الله". صاحت فيه بعنف: "انت بتنتقم مني؟! أماء برأسه صائحاً بها: "اطلعي كفاية".

فعلاً بعد مدة كانت تقف بجانبه ترتدي ملابس سباحة عبارة عن مايوه قطعة واحدة باللون الأسود يناقض لون بشرتها الخمري. بينما كان هو فقط يرتدي بنطالاً يصل إلى بداية ركبته. حدقت بالمسبح وحدقت به بغيظ. لم يهتم لها ورمى نفسه بالمسبح يغطي به. رفع رأسه عن الماء وحدق بها مردفاً بمرح: "تعالى المية حلوة". عقصت حاجبيها وهي تنظر له بضيق وقالت: "هغرق مش بعرف أعوم". جذبها من قدمها حتى اختل توازنها ووقعت بجانبه. أمسكها

من خصرها وأردف بمرح: "قلب يوسف مش كنت معلمك تعومي". نظرت له بعبوس وقالت: "مبقتش أعرف أعوم يا سوفا". جذبها من خصرها حتى التصقت بصدره وقال هامساً: "أنا أعلمك زي زمان". ثم غمز لها عابثاً: "وأعلمك بضمير". دفن وجهه في رقبتها لتلف يداها بتلقائية على ظهره. شعرت بالتخدير من لمساته لها حتى سقط جسدها على الماء وهو أيضاً ولا يزال يحتضنها ويستبيح جسدها تحت الماء. لمساته الرقيقة والعاشقة جعلتها تتخدر رغم عنها.

رفعها من أسفل الماء لتأخذ أنفاسها المسلوبة. سند جبينها على جبينها يستنشقان أكبر كمية من أنفاس بعضهما البعض. كلاهما يغمض عينيه في تلك اللحظة الغرامية التي يدرك فيها كل عاشق أنه لا يستطيع أن يحيى دون معشوقه. لحظة ترتفع فيها دقات القلوب ويصبح صدى صوتها مثل إيقاع الطبل العالي. فتح عينيه يحدق بغرام في غزالته ثم أردف بصوت أجش: "افتحي عيونك يا غزال".

جسمها الخائف المرتجف وطريقة تنفسها بعد أن اختنقت، ذلك الذعر والخوف والسعادة يجعلان ملامح وجهها أكثر إغراء له. فتحت عينيها تحدق في قناصتيه العسليتين اللتان تغرقانها في بحر العسل دون تراجع. مرر يده على ذراعها فارتجف جسدها مستجيباً له. همس أمام شفتيها برغبة تكاد تقتله: "عينك إياكي في يوم تقفليها، دا أنا بعشقها وممكن أهد الدنيا عشان خاطرها". كلماته أطربت

قلبها فابتسمت مرددة بعشق: "أنا بحبك وبموت فيك يا أحلى يوسف في الدنيا". ماذا يقال بعد هذا الكلام؟ لا شيء غير الغرام وأنغام العشق وألحان الحب. عزف من جميع الألوان، المشاعر فقط من تبقى وختم صك ملكية غزالته التي عشق عيونها منذ أن فتحت عينيها للحياة. وكم كان حلماً صعب المنال والآن أصبح حقيقة. لم ينتهي ليلهم بل كان مثل الحلم الجميل الذي لا يريد أحد الاستيقاظ منه.

ولن يكتفي بمجرد تلك اللحظات الخالدة بينهم، بل سيصبح كل يوم هو قصة من قصص غرامهم وعشقهم الذي لم يقبل رغم سنين الفراق. *** بعد أن طلبت صابرة من راسل أن يقابله، وافق دون تردد، لعله يعلم من تلك العروس التي اختارها له والده. اتفق والدها معه أن يقابلها في منزلهم. جلست مقابله في الحديقة، تحاول استجماع شتات نفسها.

كانت تظن أنه شخص سمين، هي تعرفه منذ أن كانت طفلة، وفعلاً كانت تلك الثعلبة تسخر منه وتتنمر على وزنه الزائد وشعره ذو اللون الأحمر. أما الآن فهي تجلس مثل البلهاء تحدق في شعره الأصهب وعينيه الزرقاء وجسمه المتناسق. كم استغربت نفسها ورددت بداخلها: "هذا بشر أم فتنة، كيف كنت عمياء وتنمرت على هذا الجمال بأكمله". كان راسل يحدق بها بحاجب مرفوع، هو يعلم مدى حب الفتيات له، وعلم أنه سوف تنصدم من شكله الجديد.

ارتشف من قهوته وردد بصوت رجولي خشن يوقظها من سرحانها به: "آنسة صابرة، أظن طلبتي تشوفيني وأنا جيت، عايزة تسأليني اتفضلي". نسيت صابرة كل شيء، بل كانت لا تزال منبهرة من جماله وأجابته بتلقائية وهي تشير له بسبابتها: "انت حقيقية ولا خيال؟ بالفعل انصدم من ردها وشعر بالغرور أنه أثار إعجابها، ثم علت على ملامح وجهه الجدية وضرب الطاولة بيده بقوة متوسطة جعلتها تنتفض.

حدقت به بعد أن استعادت توازنها بينما هو صائح قائلاً: "لا أنا واقع، قولي عايزاني في إيه؟! امتغصت ملامحها وردت بضيق: "ما تلم نفسك شوية ووطي صوتك، بلاش تفتكر عشان أحليت شوية تشوف نفسك عليا". ابتسم باستفزاز مردفاً: "أظن هذا مش موضوعنا، عايزاني في إيه؟! حمحمت بحرج وأردفت: "انت ليه عايز تتجوزني؟! رفع حاجبه مردفاً: "مش حباً فيكي". ثم أعاد رأسه للخلف وأردف ببساطة: "بابا شاف إني لازم اتجوز وقالي أشوفلك عروسة وأنا وافقت".

ثم استرسل ساخراً: "معرفش هيختارك". نظرت له بعدم رضى من سخريته فاسترسل: "كده كده بنعرف أهلك وتربيتك، انت أولى من الغريب". ابتسمت باستفزاز وهي تستشعر كل كلمة ساخرة منه، ثم أردفت: "أنا موافقة أتزوجك". أومأ لها دون اهتمام فاسترسلت: "عايزاك تعرف إن كان عندي علاقة قبل كده". قلب عينيه بملل مردفاً: "مع فارس، عارف كل حاجة". نظرت له مطولاً تعلم أنه لا يعلم بأنها أجهضت ولا علاقتها الفعلية به، فاسترسلت: "إمتى هنعمل العقد؟!

استقام بعد أن وضع كلتا يديه في جيبه وقال: "لما يرجع أخوك". أومأت له وغادر، بينما هي لعنته ولعنت نفسها. اتصلت بزمرد بعدها تخبرها ما حصل، ما أن استمعت إلى حديثها حتى أردفت بضيق: "الله يخربيتك يا صابرة، يوم ما تقعي، تقعي في واحد عندك ماضي عفن معاه؟! زفرت صابرة بضيق من عتاب الأخرى وصاحت بها: "كنت عارفة إن هذا ممكن يحصل، أنا ندمت إني وافقت وبعت كلامك". قوست

زمرد حاجبها وقالت بضيق: "اخرسي سبيني أفكر، مش عارفة المشاكل بتنزل عليا من كله". ثم استرسلت بتفكير: "بقولك كده كده اتجوزيه ويوم الفرح نحط ليه منوم يتخمد، وضبطي انت الموضوع". زفرت صابرة بضيق وقالت: "ولو شاف جرح الإجهاض". هزت زمرد منكبيها بملل وقالت بملل: "دي أسهل حاجة، قولي شيلتي كيس". لم يعجب صابرة أي كلام من كلام زمرد، شعرت بأنها ستخدع راسل الذي لا ذنب له بأي شيء.

هو لا يستحق ما ستفعله به، لكن كل هذا في سبيل رد الدين إلى فارس. شعرت زمرد بتردد صابرة فقالت بضيق: "صابرة قلنا من الأول لا تضعفي ولا تشفقي، غير فكري بعقلك، هذا أحسن قرار، أخوك لو عرف يدفنك وأنا معاك، كده قومي استقوي وبلاش ضميرك يوجعك على راسل، ماضيه مش أنظف منك". صاحت بها بعنف: "انت بتشتمني؟! امتغصت ملامح زمرد وقالت: "آسفة يا صابرة، أنا هشوف إزاي ألاقي حل وراسل يعرف كل حاجة، بس الأول اتجوزيه والباقي سهل".

زفرت صابرة بحنق لا تعلم أين ستأخذها أفكار زمرد الكارثية، إلا أنها وافقت على مضض وأغلقت الهاتف في وجه الأخرى. زفرت زمرد بضيق وتمتمت: "أنا محاطة بشلة متخلفة". *** بعد يومين من التفكير، أخيراً حطت سناء أقدامها على الأرض التي هربت منها بتلك الخطيئة التي عادت تلاحقها مهما مر الزمن. نظرت إلى طفلها مردفة بعد أن ابتسمت: "انت قلت لي عايز تشوف باباك؟! أومأ لها الصغير فردت بعد أن حدقت نحو الأمام: "أنا جبتك ليه".

ابتسم لها ولم يسعه الفرحة فاحتضن قدميها وقال بحب: "بحبك يا مامي". أومأت له وأمسكت بيده عازمة على رد كرامتها وحقها المهدور. خرجت من محطة القطارات تبحث عن وسيلة نقل، حتى اصطدمت بسليم الذي كان يقف ينتظرها أمام سيارته. استغربت وجوده فأشار لها أن تتقدم. ركض له الصغير بسرعة صارخاً باسمه. نزل سليم إلى مستواه والتقطه فقال يوسف بفرح: "وحشتيني يا سليم". ابتسم وهو يحتضنه مردفاً: "وانت أكتر يا قلب سليم، عامل إيه؟!

ابتسم الصغير قائلاً بمرح: "جيت أشوف بابا". أومأ له ورفع رأسه لينظر إلى سناء. التي قلبت عينيها تحاول إبعاد نظراتها عنه، ثم استرسل بعد أن حمل الصغير: "تعالى أنا هوصلك". أرادت أن تعترض فقال: "هنا لازمك حماية وأنا ضهرك، هبقى معاك خطوة بخطوة".

نظرت له باستغراب من تصرفاته، لما يعاملها بهذا اللطف والحنان رغم أنها أعلمته مسبقاً أنها لن تحبه مهما حدث وأنها لا ترغب أن تخوض تجربة أخرى، هي أخذت نصيبها ولن تعيد الخطأ مرة أخرى، لكنه في كل مرة يصدمها بأفعاله. رددت باستفهام وهي تنظر في عينيه: "انت ليه متمسك بيا كده؟! ابتسم وظهرت غمازتيه وقال بتلقائية: "كنت قولتي لي إن عمر حد مسك إيدك، وإن ولا حد صدقك". رمشت هدبها فاسترسل بصدق نابع من ثنايا روحه وهو ينظر

في عمق عينيها الخضراء: "أنا همسك إيدك، ولو قولتي إن ناس الفضاء شرفوا الأرض هصدقك". هل رفرف قلبها؟ نعم، ذلك الشعور الغريب الذي غزا قلبها وجعلها تحلق إلى عنان السماء. كلامه الصادق وصل فعلاً إلى فؤادها وجعل عينيها تتلألآن من السعادة. أول شخص يصدقها ويشعرها بالأمان وأنها مميزة فعلاً. ابتسمت له وقالت بهدوء: "أول حاجة عايزة أروح بيت جلال". أومأ لها وأشار لها أن تركب السيارة وركب هو أيضاً سعيداً بأنها رضت عنه أخيراً.

ساعدها إصراره كان أكبر من عنادها وانتصر أخيراً. هل رأيتم يوماً طائراً جريحاً في فصل ماطر، مهما حاول أن يشفى لا يشفى جرحه، ورغم كسره أراد أن يحلق إلا أن الشتاء الماطر منعه، فقط ظل تحت ظل شجرة يختبئ بها. والآن فجأة ظهر شخص يحمله من المطر ويخبئه في منزل دافئ ويعالج كسره إلى أن يحلق مرة أخرى. هذا حال سناء التي كان لها سليم الدواء. وقفت سيارة سليم أمام سرايا جاويد العامري.

نظر إلى سناء التي كانت تتنفس بعمق، لا تعلم كيف ستمر مواجهتها للماضي الذي حرقها وقطعها أشلاء وكسر قلبها إلى شظايا. ظلت شاردة تنظر للبيت من خلف زجاج السيارة تشعر بالخوف رغم عزيمتها. حدق بها سليم وشعر بترددها وخوفها. ابتسم بعد أن أمسك يدها بقوة وقال بعد أن نظرت له يبتسم بالثقة: "أنا معاك، أما اليوم تاخدي حقك أو تنسيه، انت قوية يا سناء، خدي حقك". ابتسمت له وكأنها كانت تنتظر فقط تلك الكلمات لتستجمع قوتها.

ثم فتحت باب السيارة وخرجت، كذلك فعل سليم وحمل طفلها. تقدمت إلى السرايا ودخلت ترفع رأسها بكل شموخ للأعلى وأخبرت الغفر أنها تريد أن تقابل العائلة. سمحوا لها بالدخول. دخلت برفقة سليم الذي يحمل طفلها، ما أن رآتها والدة جلال حتى استقامت تحدق بها بحقد وقالت صائحة: "مين سمح للخاطية دي تعتبر بيتي؟! كان جلال ينزل برفقة والده، ما أن لمحها حتى نزل بسرعة. حدق بها وهي تنظر له وإلى والدته وقالت بعد

أن رمقت والدته باشمئزاز: "الخاطي هو ابنك". قالتها وأشارت إلى جلال ثم استرسلت بغل تخرج جميع أوجاع قلبها بعد أن تقدمت من جلال ونزلت بصفعة على وجهه جعلته متصعقاً وشهقت والدته على أثرها. وقالت سناء بشراسة: "الكف دا كنت لازم وتاخده من زمان، لما سبتني وهربت". نظر لها بحدة بينما أمه كادت أن تعيد لها الكف الذي أخذه ولدها حتى أمسكت سناء يدها بشراسة وقالت صارخة بعد أن أبعدت يدها: "انت عندك بنت خافي عليها".

ثم استرسلت باحتقار: "ابنك هو اللي أغواني وأنا قاصر مش فاهمة، عاشرني معاشرة الزوج للزوجة وأنا مش فاهمة، كل هذا عشان الثأر وينتقم، لما كنت بقوله اللي بنعمله حرام بيقولي لا وإنه هيتجوزني، لحد ما شك إني حامل وساعتها حط عليه الليل ما أصبح عليه الحال، اختفى وسابني للنار وأنا حامل في ابنه، ولا حتى قال هي بنت وقاصر إيه اللي ممكن يحصل لها". ثم أشارت إلى

صغيرها الذي يحمله سليم: "دا ابنكم ابن العامرية، بس واللي خلقني ما يتكتب على اسمكم الوسخ، عارفين ليه؟ عشان النضيف عمره ما يقبل بالوسخ". صرخ بها والده بعنف: "اخرسي إياكي تنطقي اسم العامرية على لسانك قبل ما أقطعه". ثم نظر إلى ابنه وهدر به: "صحيح الكلام اللي هي بتقوله؟! نظر لها ثم نظر إلى والده، ابتلع غصته وهتف: "فعلاً دا ابني". ثم حدق بها بقوة وقال: "اللي بتعمليه يا سناء كله هنتحاسب عليه وابني هاخده منك".

"أعلى ما في خيلك اركبه"، قالتها بشراسة وصوت عالٍ. نظرت إلى والده وقالت بضيق: "ابنك يبعد عني يا أسجنه". ثم استرسلت بعد أن استدارت: "مش عايزة حد من العامرية في طريقي يا أما فعلاً الثأر دا هيرجع وبدل ما يبقى مي هيبقى دم". قالت كلماتها الحادة وخرجت برفقة سليم وابنها. نظر جاويد إلى والده الذي كان ينظر له بسخط وقال: "من امتى بناخد حقنا من النسوان". ثم ضحك مستهزئاً: "يا ريت حتى نسوان دي عيلة".

استشعر جاويد لذاعة كلام والده وعلم أنه تخطى جميع الخطوط الحمراء. نظرات الخيبة في عيون والده لا تعد ولا تحصى، تركه متجمداً وغادر. بينما نظرت له والدته وربتت على كتفه قائلة: "انت عملت الصح". نظر لها وعيونه تشع احمراراً مردفاً بضعف: "انت السبب، مليتي قلبي بالحقد وما فكرتيش إنك كمان عندك بنت، بلاش هي ابني دلوقتي ومحروم منه، أتمنى تكوني حققتي هدفك".

تركها وغادر، بينما هي لم تأبه ولم تعلم خطورة ما فعلته وما يعانيه ابنها من ألم. ابتعدت سناء قليلاً برفقة سليم ثم نظرت له وضحكت حتى كادت أن تقع. تبسم على جنونها مردفاً: "فرحانة؟! استنشقت أكبر كمية من الهواء ثم زفرتها بقوة تشعر كأن كانت هناك صخرة كانت فوق قلبها والآن فقط أزاحتها. ابتسمت له مردفة: "أول مرة أحس إني مرتاحة فعلاً، زمرد معاها حق لما نواجه بنرتاح".

أومأ لها سليم مردفاً: "إنك تواجهي الماضي وتتعلمي منه، أحسن ما إنك تعيشي هربانة من ماضي بطاردك مدى الحياة". أومأت له وقالت بعد أن كست ملامح الحزن وجهها: "لسه الأصعب لما أواجه عيلتي". ابتسمت بألم ساخرة: "أبويا اللي ولا مرة في حياته دافع عني، مهما الناس ظلموني، مش عارفة إيه ذنبي ليه بيكرهني؟! نظر لها مردفاً بتساؤل: "اللي أعرفه مافيش أب بيكره أولاده". سقطت دمعة من عينيها

تنظر له بكسرة وقالت: "لما يكون أبوك عايزك تطلعي ولد وتطلعي بنت، وبالنسبة ليه البنت عيب وعبء على أي عيلة، بيكرهك ويكرهك في عيشتك". ابتسمت بألم وقالت بتهكم: "أنتم الأولاد في أم تشفق عليكم، بس إحنا البنات بالنسبة لينا الأب هو الضهر والسند، لما يغيب بتغيب البنت وكرامتها". الأب ليس فقط سند لابنته، هو عمودها الفقري، هو هبتها، وهو صديقها وأول رجل تفتح عليه عيونها. إن ابتسم تبتسم، وإن حزن تحزن، وإن سعد تسعد.

عاش الأب تعيش ابنته أقوى مخلوق على الأرض، وإن غاب أصبحت أضعف مخلوق على وجه الأرض. لا يعلم سليم ما الذي يجعله ينجذب إلى تلك الفتاة، ما أن تتحدث حتى يشرد بها وينظر لها بغرام لا يزال لا يدركه. ويا ترى ما الذي تخفيه أكثر؟ لكنها تحدثت بما صدمه وهي تنظر للجبل المقابل لها: "انت تعرف إن العصفورة اللي أهل البلد بيقولوا اتحرقت إيه اللي حصل لها؟! نفى برأسه فاسترسلت: "طارت بس جناحها كان مكسور، وقعت". أشارت إلى الجبل وقالت

وهي تتذكر ماضيها الأليم: "يوم فرح جلال رميت نفسي من فوق الجبل اللي بتشوفه، والولد اللي نايم على كتفك كنت لسه جايباه، نسيت كل حاجة في الدنيا وفكرت أموت، بس عشت". اقترب منها محتضناً إياها مردفاً بألم لما عانته: "بكرة أحسن". أومأت له مردفة وهي تبكي: "أصعب حاجة الانتظار، وإنك تتأمل في حد، وأنا استنيت جاويد كتير، كان عندي أمل، بس الأمل دا من غير فائدة، الوجع اللي في قلبي أكتر من الوجع اللي حسيته لما رميت نفسي".

استاء على حالها وجذبها أكثر إلى صدره يمدها ببعض القوة، بينما خلفهم كان يقف جاويد الذي نزلت دموعه وما أدراك ما دموع قهر الرجال. شعر أنه دنيء لأقصى درجة، حتى أنه اشمأز من نفسه. كيف دمرها، كيف أدى قاصر، بل حبيبته، نعم هو لم يعشقها فقط بل كان يموت في هواها. صرخ قلبه منادياً الرحمة لكنه لم يرحمه. الآن فقط يفكر كيف يريح قلبها والآن يعرف كيف سيعيد لها حقها بنفسه حتى من نفسه أيضاً. ***

في شركة راسخ كان اجتماع بينه وبين مجلس أعضاء الإدارة على كيفية تسيير العمل بعد أن أخذت زمرد خمسون بالمئة منها. كان فارس برفقته وكذلك مياسين وهاجر، في خضم نقاشهم فتح الباب وظهرت زمرد. كانت ترتدي تنورة قصيرة بالكاد تغطي بداية قدميها باللون الزيتوني فوقها قميص دون أكمام من نفس نوع التنورة وتضع نظارتها ذات اللون البني وتمضغ اللبان باستفزاز. تحدثت بمرح غير لائق: "surprise".

نظر لها الجميع فتقدمت بكعبها ذو اللون الأسود ورمت حقيبة فوق طاولة الاجتماعات ونظرت لهم ببرود ثم أبعدت إحدى الكراسي وجلست. لم تهتم لنظراتهم وقالت بعد أن نفخت اللبان: "في اجتماع مع أعضاء مجلس الإدارة ومديرة الشركة آخر من يعلم". ثم ضحكت ساخرة ونظرت إلى راسخ مردفة: "دا حتى أنا وأنت بنا معرفة". ظل راسخ يطالعها بنظرات باردة وقال دون اهتمام بعد

أن أعاد نظره إلى الموظفين: "نكمل كلامنا، أظن أنا واضح إننا مش هنعرض أسهم الشركة للبيع". أومأ له الجميع فاسترسل: "المناقصة دي مش هندخلها". كانت زمرد تفهم أن راسخ يحاول تجاهلها ويشعرها بضعفها أمامه، لكنه لا يعلم ما تنويه تلك الثعلبة. كانت تبتسم بتسلية وتركتهم حتى انتهوا من الاجتماع وأمر راسخ الجميع بالمغادرة. طبعاً كل هذا جعل هاجر ومياسين يشمتون بها. ما أن استقام أعضاء الإدارة للمغادرة

حتى أردفت زمرد بجدية: "كل واحد يرجع مكانه". نظر لها الجميع بمن فيهم والدها الذي نظر لها غاضباً فابتسمت واستقامت تتقدم إلى أن أصبحت خلف كرسيه الرئيسي. وقالت: "أظن كلكم عارفين إني شريكة، وراسك وضح لكم إن كل حاجة هتبقى زي ما هي، أي وجودي زي عدمه". نظر لها فابتسمت ساخرة بعد أن علت ابتسامة الانتصار وجهها وقالت بثقة: "أنا المديرة الجديدة للشركة وكلامي اللي هيمشي على كل واحد فيكم".

حلت حالة من الهرج غير مصدقين كلامها وما تقول، بينما كانت تبتسم. وقف راسخ بصددها وقال صائحاً: "إيه اللي بتقوليه؟! ابتسمت زمرد ونفخت اللبان ليصدر صوت فرقعة ثم قالت: "صراحة أنا كان عندي خمسين بالمئة بس يعني أنا وأنت زي بعض، بس بابي يامن اداني العشرة بالمئة اللي كان موكلك عليها يعني بقيت سيدة أكبر نصيب، أنا ستين وأنتم أربعين وكده أبقى أنا المديرة الجديدة، ولو سمحت يا راسخ بيه ابعد عن مكاني".

استقام محدقاً بها بغضب وقال صائحاً: "الشركة دي أنا بنتها مش عشان يجي يوم وأنت تهدي كل اللي أنا تعبت عشانه". هزت منكبيها وقالت دون مبالاة: "هذا اختيارك محدش طلب منك تتعب، انت اللي كنت عايز". ثم نظرت إلى الموظفين: "تقدروا تطلعوا بنحل مشاكل عائلية". غادر الموظفون بينما نظر لها فارس وقال بتهديد: "خليكي فاكرة نفسك رابحة". ثم ابتسم باستفزاز: "هتوقعي ومش هتلاقي حد". ابتسمت ترد له استفزازه وقالت: "خليك في حياتك لأنك مش قدي".

حدقت بها مياسين قائلة بسخرية: "عارفة إيه مش مشكلتك؟! إنه ما فيش حد بيحبك ولا هيحبك، حتى أبوك، انت ولا حاجة". لم تخف ابتسامتها وقالت بعد أن غمزت لها: "تعرفي مش محتاجة حد يحبني يعني قلبي مش بيتكسر، مش هتقدري تكسري قلبي". نظرت لها بغضب ثم غادرت برفقة ابنها وهاجر. نظر لها راسخ وقال مشمئزاً: "انت مريضة". ثم استرسل بتهديد: "خافي مني، ويوسف اللي مقويك علينا بكرة أو بعده يرميكي لما يعرف حقيقتك".

ابتلعت غصتها ونظرت له ساخرة وقالت بثقة تداري ارتجاف جسدها ودموعها التي تهددها بالسقوط: "ابعد عني يا راسخ وبلاش تلف حواليا خصوصاً الناس المقربين مني". ابتسم مستفزاً إياها: "زعلتي؟! ثم استرسل بمكر: "هذا هدفي إنك تزعلي، وخططك كلها تتقلب عليكي، ومتعرفيش الراحة". كم أحرقها كلام والدها وجعلها ترتجف من كل جسدها. شدت على قبضة يدها تتحكم في تنفسها وقالت: "مافيش مشكلة أنا متعودة". تركها وغادر بينما هي قلبت عينيها تغمضهم.

ترقرق عينيها بالدموع وقالت بعد أن ابتلعت غصتها: "ربنا ياخدك يا راسخ، لو أب زيك ربنا ياخده". كلماته البسيطة أثرت بها وجعلتها تغادر المكان وبالكاد تمشي حتى لا تقع من هول ألم قلبها. كان يوسف يشعر بالضيق في قلبه، لا يعلم سببه. عادت زمرد إلى المنزل ودخلت غرفتها، كان يجلس يحاول فهم ذلك الألم الذي يجتاح صدره. نظرت له بهلع واقتربت منه بسرعة مردفة بقلق: "مالك يا يوسف؟! جذبها إلى أحضانه بقوة وقال بألم: "انت كويسة؟!

نظرت له باهتمام ووضعت يدها على خده تتحسسه بخوف وقالت: "نروح الدكتور؟! نفى برأسه مردفاً بعد أن ربت على شعرها: "أنا كويس الحمد لله، بلاش تخافي". أومأت له قلقة. رن هاتفه فأجاب عليه، أغلق ثم نظر لها مردفاً بشرود: "جاويد سلم نفسه إنه ضحك على سناء لما كانت قاصر وحملت منه؟! اتسعت حدقتاها فاسترسل برزانة: "هذا اللي كان لازم يحصل، أنا رايح أشوفه".

أومأت له فاستقام مغادراً، بينما هي ظلت تفكر في كلام فارس، هل فعلاً هناك من يغدر بها؟ بدأ متأكداً من كلامه، يجب أن تأخذ حذرها. يا ترى من ينوي طعنها من الظهر؟ غير أن لا أحد يعلم ماضيها غير سناء وسناء لن تفشي سرها مهما حصل. رغم ذلك، وجدت نفسها تفكر أنها يجب أن تعرف من قد يستطيع خيانتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...