في غرفة التحقيقات استطاع يوسف مقابلة جلال. كان جلال يجلس على كرسيه، يسند ساعديه على الطاولة الصغيرة أمامه، منحني الرأس. جلس يوسف مقابله وابتسم بلطف، واضعًا يده على كتف جلال. رفع جلال رأسه ينظر له، وعيونه تشع احمرارا من الحزن. أغمض يوسف عينيه متألمًا على حال صديقه، قبل أن يقول بمواساة: "إنت عارف إنك عملت الصح؟! أومأ له جلال دون كلمة، فاسترسل يوسف متسائلا: "ليه اعترفت على نفسك؟!
كأنه وضع الملح على الجرح، حدق به جلال لفترة دون أن ينطق أي كلمة، ثم رد بألم: "هي اتعذبت كتير بسببي، دا أقل حاجة أعملها." تنهد يوسف لمدة قبل أن يقول بهدوء: "انت عارف إن قضيتك مش سهلة، غير إن لو سناء أكدت كلامك فيها خمس سنين أو أكتر!! أومأ له دون اهتمام: "حتى لو أخد فيها إعدام مش بهمني؟! كتف يوسف يديه عند صدره، مردفا باستياء: "أنا مش فاهمك، من امتى بقيت مستسلم كده." زفر
جلال قبل أن يقول بحرقة: "وحمل حملي طول ماضي. في القرية معروف إن عيلتنا وعيلة سناء بينا عداوة كبيرة، لكن ولا واحد يعرف إيه سببها. زمان خالتي وقعت بين إيد الذيب اللي هو أبو سناء، اعتدى عليها ورماها بالولد. أمي طول عمرها شايلة منهم، ولأن أبويا ابن عمها كان لازم يجيب حقها، وبقى سلسال الدم بين العيلتين. لحد ما المجلس حكم إن القتل يوقف عشان الشغل يمشي. أمي بقت كل يوم تسمم بدني بالحقد عليهم لحد ما انتقمت في سناء عشان أرد لأبوها الدين."
ابتلع غصته بعد أن سقطت دمعته، وقال بصوت مختنق: "أذيت قاصر وأنا عارف إنها مش فاهمة، عاشرتها معاشرة الزوج والزوجة وهي جاهلة مش فاهمة حاجة، لحد ما شكيت إنها حامل واختفيت عشان أبوها يقتلها زي ما قتل خالتي." زفر يوسف ومرر يده على شعره بعنف، مردفا بعتاب: "الله وكيلك لا عارف ألومك ولا ألوم أمك ولا القدر اللي حكم عليك تعمل كده." ثم استرسل، ممررا يده على وجهه: "ربك كبير وتتحل." نظر له جلال
بعين دامعة متألمة وقال: "كل اللي عايزه إن سناء تسامحني." زفر يوسف مطولا، مرددا: "إن شاء الله." ثم ربت على كتفه مواسيا له: "أنا جنبك وإن شاء الله تطلع." أومأ له برأسه، قبل أن يلقي يوسف نظرة أخيرة عليه ويغادر. *** في وسط حديقة منزل يامن، كانت تجلس زمرد شاردة تفكر في خطواتها القادمة. وضعت يدها على خدها تنظر للأمام بشرود. تمرر كلام فارس في عقلها. استعادت رشدها وأشاحت بيدها بضيق، مرددة: "ربنا ياخدك انت وابوك."
ثم زفرت مرددة بحتقان: "كان لازم واحد زيك يشغل بالي، المها من فين دلوقتي؟! تفاجأت بصابرة تجلس بجانبها وقالت بتساؤل مستغربة: "بتحدتي مع نفسك؟ أشاحت زمرد بيدها غير مبالية، ثم أمسكت اللبان من فوق الطاولة تضعه على لسانها، وحدقت في صابرة مرددة: "عملتي إيه مع راسل؟ رفعت صابرة منكبيها مرددة بعد أن تذكرت آخر لقاء معه: "ولا حاجة، غير إنه ناوي يعمل العقد لما يوسف يرجع." رفعت زمرد حاجبها مستغربة من سرعته،
وقالت بشك: "مال الكلب ده عندك، عايز كل حاجة بسرعة." تأففت بحنق واسترسلت: "أنا لا مرتاحة لا لراسل ولا لفارس، ولو على الحق أخويا أولى بيكي، كده كلكم طينة واحدة." احتدمت معالم صابرة وهي تحدق في زمرد بشراسة وغضب من سبها وكلامها الذي يضربها في وجهها من تحت الطاولة شبه السم. وأردفت بانفعال: "انت مالك، كل مرة تعايريني كأنك ما بتصدقي. لو أنا غلطانة أخوك كمان زيك." لوت زمرد شدقها، ترمقها بهدوء،
وقالت بعد أن قلبت عيونها: "ليه كل كلمة بتولعك؟ خليك باردة شوية." ثم استرسلت بعد أن حدقت بها بتركيز، مردفة بتحذير: "صابرة أنا معتبراكي أختي وصاحبتي، عارفة لو طعنتيني في ضهري قسما باللي خلقني البيت ده أهده فوق دماغك انت بالظبط. يجي فارس يلعب بعقلك وتحني ليه وتبيعيني." استغربت صابرة لهجة زمرد الحادة، وتوترة على أثرها، مردفة بعد أن ابتلعت ريقها: "ليه بتقولي كده؟ أنا إمتى خنتك؟ أصدرت زمرد صوت بغيض بلبانها الذي تمضغه،
وقالت بصوت يملأه الجدية: "أنا مش بثق في حد، وحطيت ثقتي فيكي، بلاش تغدري بيا." أومأت لها صابرة ورددت بثقة: "انت ساعدتيني، وأنا عمري ما أعض الإيد اللي اتمدت ليا." تنهدت زمرد وقالت بتفكير: "عايزة مساعدتك، مش هعرف أمسك الشركة، لأن زي ما انتي عارفة أنا مش معايا شهادة ولسه ناوية أكمل تعليمي. يوسف الأيام دي مشغول، فإنتي اللي هتتكلفي بالموضوع." أومأت لها برحابة صدر، مرددة: "من عيوني يا زوزو."
ابتسمت زمرد وتوقفت نظراتها على يوسف الذي دلف فجأة. استقامت متوجهة نحوه تبتسم بسعادة، لكنها تجمدت مكانها وتلاشت ابتسامتها بعد أن رأت خلود تلحق به من الخلف. ابتلعت ريقها وامتلأ قلبها بالحقد لتلك الطفلة. انتبه يوسف إلى وقوفها، ونظر إلى خلود وقال بعد أن ابتسم لها: "يلا سلمي على اختك." أومأت له وركضت إلى مكان وقوف زمرد. جحظت عيونها بعد أن احتضنتها الصغيرة من قدميها. كادت أن تنساب دموعها،
فاسترسلت خلود بلطافة: "إزيك يا غزال؟! لم تبادلها، بل ضلت متجمدة مكانها. اقترب يوسف منهم، ثم ردد بجدية بعد أن أشار إلى خلود: "زمرد، خلود هتبقى هنا كم يوم." حدقت به بعيون يملؤها الغضب والكره، فابتسم رغم سخطه الداخلي من كرهها للصغيرة، واسترسل: "تعالى نتكلم يا غزال." دفعت زمرد خلود بعنف، إلا أن كادت تقع، وغادرت للأعلى. التقطها يوسف بسرعة، وقال مازحا بعد أن ابتسم: "طب بزمتك يا بنتي جاية للحية دي برجلك؟
ومصرة تبقي معاها لحد ما تحبك." ضحكت خلود برقة وطفولة، وقالت ببرائة: "أصل زمرد شبه ماليفسنت، انت تعرفها؟! نفى برأسه، فاسترسلت ببرائة: "ماليفسنت دي ملاك بريء، كانت ملكة بتحب الكل وتساعد كل الكائنات، وكان عندها جناحين وهي طفلة، لكن واحد من البشر غدر بيها وقصلها أجنحتها." عبست الصغيرة وقال بحزن: "ومن يومها بتكره كل البشر عشان جناحها اتقص غدر وعلى إيد حبيبها." ثم استرسلت بحماس وهي تحدق في عيونه: "تعرف إيه اللي حصل؟!
نظر لها مستغربا من فطنتها رغم صغر سنها، وردد بتلقائية يريد معرفة النهاية: "إيه اللي حصل؟! نظرت له وقالت باهتمام: "بقت شريرة وتؤذي كل الناس، وعملت حصار على مملكتها عشان ولا حد من البشر يقرب لها." شعر يوسف أن فعلا زمرد تشبهها فعلا، وأن خلود فعلا ذكية لتستنتج كل هذا. فاسترسلت قائلة بفرح: "اللي قص جناح الملاك اتجوز وخلف بنت، وماليفسنت عرفت، قامت لعنت بنته وهي رضيعة."
نظر لها يوسف وقال بتعجب: "يعني هي مؤذية لدرجة تلعن بنت صغيرة." نفت خلود برأسها وقالت: "أصل الملك بعد كده خاف على بنته وبعتها مع الجنيات يربوها، وهو أمر كل الجزيرة تبقى حديد عشان الحديد بيحرق الملاك ويؤذيها." رفع يوسف حاجبه من تلك القصة الغريبة وقال: "وإيه اللي حصل يا ستي بعد ما بقت وحيدة؟! ابتسمت خلود وقالت: "ماليفست هي اللي ربت البنت، أصل الجنيات كانوا أغبياء، هي اللي أكلتها وغطتها وحمتها لحد ما بقت بنت راشدة."
رفع يوسف حاجبه مرددا: "لكن ليه ربتها وحمتها وهي اللي لعنتها، وإيه هي اللعنة؟! خجلت الصغيرة وعضت على شفاها، قائلة: "أصل لعنتها إنها هتنام نومة طويلة وتفوق على بوسة حب حقيقي." حدق بها يوسف وقد جحظت عيونه، وضحك رغما عنه من برائتها، فقالت خلود: "أصل يا سوفا طلع الحب الحقيقي مش دايما راجل، ماليفسنت طلعت بتحب بنت الملك اللي أذاها، وبعد ما باستها في خدها فاقت وعاشوا في تبات ونبات." نظر
لها يوسف وقال باستغراب: "وإيه علاقة القصة دي بزمرد؟! صفقت خلود بيديها وقالت بحماس: "إن غزال شبه ماليفسنت، عاملة حصار على نفسها مش عشان شريرة، عشان خايفة الناس تؤذيها، بقت تؤذيهم قبل، مع إنه هي جواها إنسانة طيبة بس بتخاف من الحب لا يؤذيها." شعر يوسف أن خلود هي الكبيرة وأنه هو الطفل. كيف لفتاة تملك من العمر اثنتي عشرة سنة تكون بهذه الفطنة؟
فقط حاولت أن تربط زمرد بقصة شاهدتها، وفعلا كان استنتاجها الحقيقة. هو يعلم أن زمرد تؤذي الناس قبل أن يقوم أحد بإيذائها، لكنه أول مرة يكتشف أنها فقط خائفة. نعم، زمرد تخاف فتدعي القوة. نظر إلى الصغيرة واعتلت ابتسامة هادئة على وجهه، وقال مازحا: "العبي انتي، وأنا هشوف الحية وأرجع." ضحكت خلود وقالت بتفكير: "انت لو عشت أنا هاجي أطمن عليك."
ضحك بكل صوته وربت على شعرها قبل أن يتركها. بينما في الأعلى، قلبت زمرد الغرفة رأسا على عقب بعد فعل يوسف. ثم جلست على السرير تستعيد أنفاسها. فتح الباب ونظر إلى الدمار المحدث، تنهد بعمق وقال: "مين هيلم كل ده؟! رفعت عيونها التي تلمع بالشر والغيرة، وقالت بحدة: "خد البنت دي من هنا، يا أقتلها وأنا بحذرك دلوقتي."
شعر أن اللين لن يجدي معها نفعا، وأنها فعلا سوف تؤذي أختها. لا يعلم تلك العيون ذات اللون الهالك هي حقودة أم كارهة. حاول إعادة الجدية إلى ملامحه، وحدق بها بحدة، مردفا بعد أن رفع سبابته في وجهها: "زمرد، الله وكيلك تلمسيها وأنتِ عارفة أم جناني لما أقلب. البنت مريضة واترجتني أجيبها عشان تبقى هنا مدة، وأنا مش هكسر بخاطر طفلة." أجابته بتسرع، تقاطع كلامه وهي تحدق به بشراسة وغيره: "وتكسر بخاطري عادي؟!
مرر يده على وجهه بضيق، يحدق بها ساخطا من تلك الغيرة التي تقتلها بسبب أختها الصغيرة، وقال بهدوء بعد أن اقترب منها: جلس على ركبته مستندا على الأرض، وقبل يديها بحنان، مردفا بصوت هادئ حنون: "يا غزال دي بس عيلة مش فاهمة حاجة، بلاش تحاسبيها بذنب مش ذنبها." جذبت يدها منه غير راضية على كلامه، وقالت بضيق: "مش عايزة ألمحها قدامي." ابتسم لها مغتاظا، وقال بهدوء محاولا استمالتها: "يعني موافقة إنها تقعد هنا؟!
نفت برأسها بعنف، ترفض فكرة وجودها معه في نفس المنزل. اعتدل وقبل رأسها بحنان، مرددا بمرح: "كنت متأكد إن غزالي قلبها أبيض وهتوافق." جحظت عيونها، وقبل أن تستوعب، كان قد غادر وتركها تحترق من شدة الغيض. زفرت بضيق تسبه. إلا أنها انتبهت إلى هاتفها الذي اهتز إثر إشعار الرسائل. أخذته تتفقده، ووجدته مكتوبا باللغة الإنجليزية، ولم تستوعب أي كلمة منه. زفرت بضيق واستقامت مغادرة للأسفل.
كانت صابرة تجلس رفقة خلود تلعب معها. حدقت زمرد بخلود بنظرات تكاد تقتل الصغيرة، ثم نظرت إلى صابرة وقالت بغيض: "شوفي إيه مكتوب هنا؟ أنا مش فاهمة كلمة." أومأت لها صابرة وأخذت منها الهاتف تقرأه، وقالت بعد أن رفعت نظراتها لها: "دي رسالة من هاجر، في عندك حفلة للشركة عايزين يقدموكي للناس إنك المديرة الجديدة." عبست ملامح زمرد، وقالت بتهكم: "كتر خيرهم."
ثم زفرت مرددة: "الكلبة هاجر كتباها كده عشان تذلني لأني مش بعرف أقرأ، بس ولا يهمك، أنا هوريها." نظرت لها صابرة وقالت بتعجب: "يمكن ده فخ، خدي بالك." أشاحت زمرد بيدها مرددة دون اهتمام: "أعجبك فيهم." أومأت لها، فنظرت لها خلود وقالت بتلقائية: "انتِ ليه على طول عقدة حواجبك؟! رفعت زمرد حاجبها ونظرت لها بضيق، مرددة بجفاء: "انتِ يا تبقي بعيدة عني، يا أرميك للكلاب تاكلك." ابتسمت الصغيرة وقالت بلطافة: "أنا مش بخاف منهم، بحبهم."
حدقت بها زمرد بابتسامة لا تبشر بالخير، ورددت بتساؤل بعد أن اقتربت من خلود تمرر يدها على شعرها من الأعلى للأسفل: "بتحبي شعرك؟ أومأت لها خلود مبتسمة، وقد دقت أبواب السعادة قلبها من اقتراب زمرد. ابتسمت زمرد ببرود، قبل أن تخرج العلكة بأصابع يدها اليمين، من ثم وضعتها فوق شعر خلود تضغطها على خصلات شعرها من الجذور حتى التصقت به. كانت تبتسم وتشعر بسعادة عميقة من فعلتها. اتسعت حدقتي صابرة
وهتفت بعدم تصديق وانفعال: "يا مجنونة؟! أبعدت زمرد يدها وضحكت بسعادة غريبة نابعة من داخلها، وقالت بعد أن حدقت في خلود وغمزت لها: "ابعدي عني يا حية." غادرت بعد كلماتها، بينما لمعت عيون خلود بالدموع. احتضنتها صابرة وقالت ساخطة: "معلش، مش بتشرب دواها." نظرت لها خلود بعبوس، ورددت بخوف على شعرها: "هيقطعوا شعري وأبقى قرعة." نفت صابرة وهي تمسك بخصلات شعر خلود بحسرة، وقالت: "تعالى، هتلاقي حل."
أومأت لها، فغادرت بها إلى صالون التجميل، لعلهم يجدون حلا لما افتعلته زمرد بشعر الطفلة. *** كم شعرت سناء بالخدر عندما توقفت أمام منزل والديها. هذا المنزل بالضبط عاشت به طفولتها الكاملة. أخذت زفيرا قويا، وخطت للداخل. تعلم أنه إما أن تخرج حية أو ميتة بعد عودتها هذه. طرقت المنزل، فتحت لها الخادمة. كان سليم برفقته. خطت معه للداخل. كان والدها يحادث إخوتها في موضوع الأراضي. نظرت له باشتياق، وقالت بصوت أجش: "بابا."
التف لها والدها وانتفض من مكانه فور رؤيتها، وكذا إخوتها. ابتلعت ريقها وتحجرت الدموع في عيونها. نظر لها والدها وإلى سليم. احتدمت نظراته، مرددا بحدة: "إنت لسه عايشة، وابن الحرام لسه عايش؟! ابتلعت غصتها، مرددة بصوت ضعيف تترجاه: "بابا، سبني مرة في حياتي أشرح لك، مرة واحدة لا غير." هدر بها بصوت عال جعلها تنتفض: "الخاطي اللي عمل عملته معاكي كان هنا امبارح، ويحمد ربنا طلع منها حي، بس لأن البوليس أخده، كان زماني قاتله."
نظرات الخيبة اعتلت وجهها، وقالت بضعف تثبت براءتها: "أنا مظلومة، أقسم بالله مظلومة. والله ما كنت عارفة بعمل إيه. من لما خلقت وأنا مسجونة في البيت، مش فاهمة حاجة. لا لقيت أم تفهمني إيه يعني إني بنت ولازم أحافظ على نفسي، لا لقيت أب حنين عليا يفهمني الغلط من الصح. أنا ضحية للجهل، مش عارفة إيه معنى راجل يلمسني، غلطت لأني مش عارفة." صرخ بها والدها حتى انتفضت،
وقال بعتاب: "كان لازم تحمي نفسك. أنا كنت بحميكي من شر الدنيا مش حاجزك. مع إني عارف إن خلفت البنات مش بيجي من وراها غير المشاكل والمصايب." شعرت بصوت كسر قلبها، تعلم عدم حبه لها. ونظرت إلى عيونه تستجمع قواتها، وقالت بصوت خافت: "ليه عمرك ما حبيبتني يا بابا؟! حدق بها ساخرا، مرددا: "أنا بتكلم عن إيه؟ وأنتِ بتتكلمي عن إيه؟ كل اللي عملتيه وجاية بكل وقاحة تحاسبني كأني أنا اللي غلطان؟! صاحت في وجهه دون وعي،
وأردفت: "عشان أنت مش موجود، عمرك ما كنت موجود، طول عمرك مش شايفني." أشارت إلى نفسها بسبابتها وهي تهتز من الانفعال والحزن: "أنا موجودة يا بابا، أنا حية وبتنفس، أنا قدامك، شوفني." ثم استرسلت بغضب وصوت عال تعاتبه عن تخليه عنها وعدم مدها بالحب: "عارف ليه جلال استغلني؟
عشان مافيش أب في حياتي. لقيت أول حضن دافي اترميت ليه من غير تفكير عشان بخاف منك وإني أقرب منك. حرمتني من كل حاجة، حتى أمي لما ماتت سبتني اتحسر عليها من بعيد كأني غريبة. كنت خايفة ترجع تقتلني." سقطت دموعها، واسترسلت بحرقة: "عشان غياب الأب عمره ما بيتعافى أبدا. عشان أنت ما كنتش موجود، كل الكلاب كانت عايزة تنهش في لحمي. أنا بنت، استوعبها، بنت كان مفروض أنت حمايتها، بقيت أنت أكتر واحد عايزة أهرب منه بدل تبقى أمانها."
بكت كثيرا واهتزت ترتجف كل خلية في جسدها، مرددة بعتاب وشراسة، تحرك يديها بعشوائية تشرح كل كلمة تخرج من فمها: "أنا فكرت انتحر، رميت نفسي من الجبل، وخلفت وحدي، كل جروحي أنا اللي ضمدتها بنفسي وحدي." مسحت دموعها بكف يديها بعنف، وقالت بقوة: "وقفت على رجلي وبقيت قوية، قدرت أعيش وأكون أم وأب لابني. أنا وقفت من غير مساعدة حد، حتى من غيرك. اتعلمت أبقى قوية، بس جرحك عمره ما بيشفى لأنه دائمًا موجود."
كان يحدق بها مصدومًا، هل لهذي الدرجة باتت ابنته تكرهه؟ هل هو الملام؟ لا، بل هي، هذا ما كان يخبره به عقله. لكنها استرسلت بقوة: "أنا لو جيت اليوم عشان جيت أقولك إني عايشة وابني عايش، ومن حقي أعيش حياتي من غير ما أخاف من إنك في يوم تلاقيني. ودلوقتي اسمع يا طارق بيه، أكرهني زي ما أنت عايز، بس إياك، سامع إياك تلف حواليا أو تحاول تؤذي ابني، عشان هنسى إنك كنت في يوم من الأيام أبويا."
رمت كلماتها وخرجت رفقة سليم الذي تركها تفرغ جميع أحاسيسها التي تراكمت لسنوات. بات يعلم أنها كانت شخصية كتومة، كل شيء ترده إلى قلبها. ابتعدت قليلا عن المنزل تبكي وتمسك قلبها، تشعر باختناقه. كانت تحاول التنفس بسرعة كأنها كانت تركض لأميال، بالكاد تأخذ أنفاسها، من ثم بكت وبكت حتى بدأت تشعر بالراحة. لأول مرة شعرت أنها مرتاحة وضميرها مرتاح أكثر. سعادة لا توصف. واجهت والدها وأخرجت ما بقلبها من ألم وحزن دون خوف. مد لها سليم زجاجة الماء، أخذتها منه وغسلت وجهها وارتشفت قليلا من الماء،
ورددت بعد أن ابتسمت: "أحسن." أومأت براسها وقالت براحة: "أنا أول مرة أبقى مرتاحة بالشكل ده. أنا اليوم واجهت خوفي، زي امتحان ونجحت فيه." أومأ لها مردفا بتفهم: "عشان كنت شايلة. الناس بتطلع اللي جواها، أنتِ كنتي بتجمعي، ودا أقل حاجة تعمليها لما تواجهي اللي كان سبب في حالتك." أعادت رأسها للخلف تنظر إلى السماء الصافية، وقالت بعد أن نظرت له: "لسه قدامي أبلغ عن جلال." نظر لها سليم وحدق في عيونها بثبات
قبل أن يعقد يديه قائلا: "جلال سلم نفسه وقال كل حاجة عملها معاك." معالم الدهشة بدت واضحة على وجهها. هل يعقل أنه فعلها؟ تخلى فجأة عن تكبره وغروره؟ من المستحيل أن يتخلى عنهم ويفضح نفسه. مرت يدها على شعرها وقالت بصوت هادئ: "متأكد؟! أومأ برأسه، فسرعان ما ركبت سيارته، وقالت دون هوادة: "يلا بينا، عايزة أشوف."
ابتسم سليم ساخرا على نفسه. لا يعلم هل تحبه رغم ما فعله بها أم أنها فقط معماة بسبب نار الانتقام. أطاعها فعلا وركب سيارته يتولى القيادة متجها إلى المدينة. *** كانت هاجر تجلس رفقة زوجة خالها ينظرون إلى عدة صور موجودة على سطح المكتب. حدقت هاجر في مياسين، وقالت بتردد: "متأكدة من الخطوة دي؟ أومأت لها مياسين مرددة بتفكير: "أنا عارفة كل نقط ضعف زمرد، وبعرف إزاي أضربها. انتِ شيفاها قوية، أنا شيفاها ضعيفة بتحاول تخبي كسرها."
لم تابه هاجر لكلامها، وقالت بملل: "كل اللي هممني إنها تغلط كتير، عشان أخلص منها." ضحكت مياسين مرددة بمكر وهي تفكر في رد فعل زمرد بعد الحفلة: "ولا يهمك، قريب هنخلص منها، بس الأول نرجع الشركة لينا. زي ما انتِ شايفة، كلمتين من راسخ بسيبوها تطلع برة الشركة." ثم استرسلت ساخرة: "حرقها اللي هتموت بيها هي حب أبوها اللي عمره ما شافها من الأساس." أومأت لها هاجر،
وقالت بعد أن حملت حقيبتها: "عندي معاد مع يوسف عشان الشغل، نلتقي المسا في الحفلة." أومأت لها، فغادرت هاجر، بينما هي ظلت تقلب في الصور، ورغم ذلك كانت تحاول التركيز عن حياة زمرد السابقة. ماضي زمرد به أسرار، وهي تريد معرفتها بأكملها. ***
استيقظت زمرد واستقامت من فراشها تتأوه. فتحت النافذة تحدق بالحديقة. لمحت يوسف يجلس رفقة أبيه وصابرة أيضا، وتلك الحية الصغيرة كما تلقبها، وأيضا شخص آخر لم تعرفه. استبدلت ملابسها ونزلت للأسفل. ألقت السلام عليهم، من ثم تحركت تجلس في مكانها. مرت من خلف خلود. ابتسمت بشر وجذبت لها شعرها بخفة آلمتها حتى صرخت. ضحكت زمرد ونظرت لها خلود بعبوس. زفر يوسف وحدق بها بغيض، مرددا بعد أن صك على أسنانه: "نطلع ونتفاهم."
جلست مكانها ولم تبالي له من الأساس. حدقت في ذلك الشخص الغريب بثبات، فاسترسل يوسف يعرفها عليه: "ده راسل يا زمرد، خطيب صابرة." ابتسمت دون مرح، وتمتمت: "الطيور على أشكالها تقع." ابتسم راسل ونظر إلى يوسف، مرددا: "أنا من رأيي بكرة نعمل العقد، وآخر الأسبوع الفرح، إيه رأيك؟ نظر يوسف إلى والده الذي أشار له بالموافقة، ونظر إلى صابرة أيضا. استشعر نظرات القبول منها. تنهد بارتياح، ثم نظر إلى راسل: "موافق." ابتسم راسل مرددا
بعد أن نظر إلى صابرة: "بالنسبة للشبكة، لو فاضية نروح نجيبها اليوم." أومأت له، بينما زمرد كانت تبتسم باتساع. هي ليست غبية أن تضيع هذه الفرصة من يدها ولا تشمت بفارس. وفعلا التقطت لهم صورة دون علمهم، وأرسلتها إلى فارس وهي تضحك. استأذن يامن وخرج رفقة خلود. بالفعل، تلك الحية عرفت كيف تضربه. لم تمر سوى ربع ساعة حتى كان فارس قد وصل وجلس مقابل راسل، يحدق به والشرار يخرج من عيونه. ابتسمت
زمرد وقالت بعد أن ضحكت: "عامل إيه يا فارس؟ حدق بها بغيض، وقال باستفزاز بعد أن عقد ساعديه أمام صدره: "زي الفل، وانتِ يا أختي؟ رفعت حاجبها مبتسمة، وارتشفت من عصيرها، قائلة بعد أن أنزلت الكأس قليلا عن فمها: "الحمد لله." ثم استرسلت بمكر: "بارك لصابرة اتخطبت." شعر كان دلوا من الماء البارد سكب على رأسه حتى ابتل في ملابسه. وجه نظره إلى صابرة التي ابتلعت ريقها، وحاولت مداراة توترها، بينما تبسم راسل وحدق في صابرة،
مردفا باستفزاز: "نتحرك دلوقتي عشان تشتري الشبكة." أومأت له، وهي فقط تريد الهروب من نظرات فارس المعاتبة والقوية الموجهة لها. استقامت بسرعة وسبقته، بينما هو غمز إلى فارس، مردفا باستفزاز: "طالما جيت، أنت معزوم على الفرح آخر الأسبوع." امتقصت ملامح فارس بمقت من الذي أمامه، فاسترسلت زمرد دون وعي: "فارس أول الحاضرين يا راسل." ثم استرسلت ساخرة: "خد بالك انت بس للبنات اللي دايبين في جمالك ينطوا علينا."
تغيرت ملامح وجهه، فقالت مبتسمة، قائلة: "بهزر." شعر راسل بلداعة كلماتها، نظر لها بضيق وغادر، بينما يوسف كان صامتا وحدق بها لمدة، قائلا بحدة: "الحقيني." شعرت بسداجة فعلتها، واستقامت خلفه، إلا أن فارس أوقفها، مرددا: "زمرد، عايز مساعدتك." التفت له غير مندهشة، وقالت بغيض: "شوف يا فارس، أنا ساترة عليك أصلا، واللي حصل من شوية قدام يوسف أكيد مش هيعدي عليه بالساهل، ومش عارفة هيسأل إيه، فياريت تبعد عني." زفر باحتقان،
وقال بنفاد صبر: "انت يا بنت صابرة، عايز مساعدة، ابعدي السمج ده عن صابرة." وضعت يدها على خصرها، مرددة بضيق: "أعملك إيه؟ بتحبه ويحبها، أنا مالي." رفع حاجبها مقتربا منها، وردد باستفزاز: "صابرة مش قد الألعاب دي، كله منك." زفر بهدوء، قائلا: "شوفي حل، يا الفرح ده هقلبه عزا." رفعت منكبيها دون اهتمام، مرددة: "وإيه اللي يخليني أساعدك؟! حدق بها بثقة، مردفا: "عشان أخوك."
تغلغلت تلك الكلمة داخلها، وأشعرتها بشعور غريب، سعادة ورضى. لاول مرة تشعر أن لها أخ فعلا، أو تسمعها حتى. إلا أنها لم تظهر رد فعلها، وقالت بعناد: "فكها لوحدك." ابتسم لها بمرح، مرددا: "أنا متأكد إنك هتساعديني." ثم استرسل بعد أن أشاح بيده مغادرا: "هستنى اتصالك." احتقن وجهها بغيض، وضربت قدمها بالأرض، مردفة ببغض: "منك لله."
مررت يدها على وجهها، ثم حدقت بالأعلى، زفرت طويلا قبل أن تصعد. دخلت غرفتها، وجدته يقف وظهره موجه نحوها. قلبت عيونها، فالتف لها وعيونه لا تنذر بالخير، وردد بهدوء يبشر بالهلاك: "دلوقتي هتطلعي كل اللي مخبياه عني. فارس وصابرة إيه علاقتهم ببعض؟ ومن فين بتعرفي براسل وعلاقاته؟
هي بالفعل توقعت سؤاله، لكن ما لم تتوقعه هو كيف سوف ترد عليه. ضلت تحدق في عيونه تفكر مليا، إلى أن اجتاحها دوار غريب جعلها تقع على الأرض، ورحمها من مواجهة يوسف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!