الفصل 1 | من 20 فصل

رواية مشاعر موقدة الفصل الأول 1 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
36
كلمة
8,542
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

انتهى من إلقاء حصته معهن وما زالت عيناه تتفحصها بغرور، فهو يريد إيقاعها في شباكه وهي لم تراه من الأساس. فقرر العزف على أوتار غيرها الأنثى ليردد لتلك الفتيات: ــ إيه رأيكم يا بنات في شرح النهارده؟ أظن ما فيش مدرس يقدر يشرح لكم مادة الفلسفة والمنطق زي مستر زيد؟ نظرت له الفتيات بحالمية لتردد أحداهن بانبهار وهي تعبث بنظراتها اتجاه صدره، وبالتحديد على تلك السلسلة التي يرتديها، متفحصة إياه من أعلى رأسه إلى أخمص

قدميه بصوت مملوء بالدلال: ــ بجد يا مستر ما فيش حد زيك يقدر يشرح مادة الفلسفة والمنطق بالطريقة الجاحدة دي. أنت متمكن جداً لدرجة إني بخرج من حصتك وأنا حافظة الدرس. وكالمعتاد ذاك الزيد فسر نظراتها بغرور، ومن غيره يفهم نظرات الفتيات المراهقات. ومن تلك النظرات ترصد كثيراً منهن ليستمع إلى رأي فتاة أخرى بانبهارها به:

ــ فعلاً يا مستر أنت very excellent في توصيل المعلومة، وكمان بتقدر تخلينا نخرج من الحصة من غير ما نروح نراجع. نحل homework بدون أي صعوبة. أنت اللي زيك المفروض ما يكونش مكانه هنا. وغيرها وغيرها من الفتيات الموجودات في مجموعة الصف الثالث الثانوي. إلا تلك الصامتة، تقف في جنب تنتظر صديقتها وتستمع إليهن بصمت تام، ولم تكلف نفسها عناء النظر إليه، مما جعله جن جنونه ليسألها:

ــ طب وانت يا ليلى ما قلتيش رأيك في شرحي زي بقيت زميلاتك. أجابته بحدود دون النظر إليه أو إلى ملامحه: ــ بارك الله فيك يا مستر، شرحك ممتاز.

لم يريد منها هذا الرد بتلك الحدية، يريدها أن تدلي بإعجابها بشخصه كمثلهم، يريدها أن تتعمق النظر ولو مرة واحدة في عينيه كي تقع في شباكه مثلهن. فهو يترصدها منذ الصف الأول الثانوي ولم يستطع إلى الآن جعلها تحلق في سماء محبتها لهم كمثل تلك الفتيات، مما جعله يشعر بالتحدي معها. فهو الزيد حلم الفتيات، الشاب الجان المختلف المتصف لديهن بالرزانة، إلا تلك ليلى لم تراه سوى معلمها فقط. ليفيق على سؤال إحداهن:

ــ هو انت ليه يا مستر ما خطبتش لحد دلوقتي؟ ولا لسه ما لقيتش فتاة أحلامك؟ زيد شخصية معلم يتعامل مع تلاميذه كصاحب وليس كالمدرس والتلميذ. وسؤال هذه التلميذة بالنسبة له راق له جداً أمام تلك ليلى. ليردد بدعابة وقد جال في فكرته خدعة كي يعرف منها مدى تعلق ليلى به كمثلهن:

ــ صدقي سؤال حلو منك يا سمسم. طب إيه رأيكم أنا نفسي أخطب واحدة تكون لسه في الثانوية. هعمل معاكم ديل، وأنتم نازلين من على السلم هحدف ورقة. اللي هتقدر تمسكها فيكم هاجي أخطبها على طول. موافقين؟ صفقن الفتيات بحالمية وكل منهن تريده لها، عدا ليلى لم يفرق معها ما يقول. ثم أذن لهم بالخروج. فهبطت ليلى مع صديقتها، وقبل أن يصلوا لمنتصف الأدراج استمعوا إليه يردد لهم: ــ ها يا بنات جاهزين؟

هحذف الورقة واللي الورقة هتيجي في إيديها وتقدر تمسكها أول واحدة هي هتبقى الكراش للمستر وهتنول شرف إني أخطبها. بعد أن أنهى كلماته نظر إلى وجهها كي يستشف معنى نظراتها، ولكن وجدها مبهمة. ولكنه فسر حركة شفاها وهي تحادث صديقتها: ــ أنا همشي يا رغدة. عايزة تفضلي براحتك علشان ورايا مذاكرة كتير وكمان ورايا درس رياضة أون لاين. مش فاضية للهزار بتاعكم ده. استنكرت صديقتها ما قالت: ــ إيه ده بقى؟

أنت عايزاني أسيب المستر المز ده اللي ممكن يبقى خطيبي النهارده؟ أنت إزاي باردة كده. لم تعير سؤالها ولا استنكارها أدنى انتباه لتنظر إلى ساعتها وهي تنوي المغادرة: ــ تمام. أسيبك انت بقى مع حلم المز بتاعك وأنا همشي علشان ما عنديش وقت خالص.

رؤى خطوات تحركها للخارج وعدم اهتمامها بما يفعله ليزداد حنقاً من أفعالها وتجاهلها لكل ما يفعل من أجل لفت الانتباه إليه منها، ولكنها تضرب بما يخطط له عرض الحائط. لتترك لهم المكان، فجعلته يشعر بالأسى وهو ينهي لعبته: ــ خلاص يا بنات اتفضلوا روحوا على درسكم. أنا كنت بهزر معاكم. وبعدين هو انتوا كده على طول بتحبوا لعب العيال. يلا اتفضلي يا آنسة منك ليها شوفي وراكم إيه. السنة صعبة ولازم تجتهدوا وتجيبوا مجاميع عالية.

تضايقت الكثير منهن لفقدان الأمل في أن تكون إحداهن الأنثى المرغوب بها لدى زيد، ذاك المعلم فارس أحلامهن. وضاعت فرصتهن في الاقتراب منه وهم يتمنون ولو نظرة واحدة من ذاك المهيمن والمسيطر على مشاعرهن المراهقة. مر الوقت سريعاً، وقد قرر محادثة ليلى في أن يرسل لها رسالة صريحة على الواتساب، فقد مل الصبر من صبره: ــ مساء الخير يا لولا. خلصتي دروسك ولا لسه محتاج أتكلم معاكي شوية؟

وصلت رسالته على هاتفها وهي تتابع مذاكرتها، واندهشت من سؤاله. فأجابته برسالة جدية: ــ خلصتها الحمد لله وقاعدة بذاكر. في حاجة يا مستر؟ كالمعتاد أحس بتجاهلها له، مما جعله يريد الدخول إلى عالمها وأن يتحدى جمودها معه، ويراهن على أن يجعلها ملكاً له وأن تعشقه بشدة. فهو الرجل المغرور بحيله، ولابد أن يرى الإعجاب في جميع الحسناوات من الفتيات الذي يدرس لهن. وبالتأكيد فقد حصل على قراءته الحالمية وإعجابهن به، إلا ليلى:

ــ ممكن أفهم أنتِ ليه بتتعاملي معايا بالجمود ده وبتتصرفي كأني غريبة عنك؟ أنا المدرس بتاعك من سنتين ودي السنة الثالثة، ولحد دلوقتي شايفك بتتعاملي معايا بحدود جامد والموضوع ده مزعلني جداً. اندهشت من طريقة الضيق التي يتحدث بها وطريقة حواره الجديدة كلياً، لتسأله: ــ هو في حاجة أنا عملتها مضايقاك يا مستر؟

أنا شايفة إن أنا ملتزمة جداً وإن أنا ما زعلتش حضرتك في حاجة. إيه علاقة إنك المدرس اللي بياخد عنده درس من بقالي سنتين بالمعاملة بحدود؟ أظن أنا ملتزمة جداً في الدرس وعمري ما قصرت في مادة حضرتك. ضم شفتيه بغيظ ليرسل لها تسجيلاً صوتياً بصوته الغاضب قليلاً ببعض الخشونة: ــ هو انتِ ليه مش قادرة تفهمي لحد دلوقتي إني شايفك مختلفة؟ شايفك غير كل البنات الموجودة معايا في المجموعات. أنا حاسس إني مشدود ليكِ يا ليلى.

استمعت إلى رسالته بعينيها تبرقان بدهشة من اعترافه، وقلبها العود اليانع الذي لم يشهد تلوثاً من ذي قبل لتلك العلاقات، ولم تعرف بما ترد على رسالته ويداها ترتعشان من اعترافه لها بصوته الخشن المؤثر لكل أنثى في عمرها المراهق. لاحظ صمتها الذي طال ليقوم بخطوة الاتصال عليها كي يبدأ أولى خطواته في التعرف عليها، فقد مكث وقتاً طويلاً في أخذ الخطوة الأولى في إيقاعها بغرامه. استمعت إلى دقاته الرنانة على هاتفها وتناوبت عليها مع دقات قلبها وصار نابضها يتخبط بين ضلوعها

ويتساءل عقلها بحيرة: أتجيبه أم لا؟ هي لم تتعرض لذاك الموقف قبل ذاك، وهذا معلمها ولكنه أيضاً متلاعب، وهي تعي ذلك بشدة. ثم قررت أن تجيبه بعد مناوبات بين قلبها وعقلها، وداخلها يشدد عليها أن تصده وأن لا تجعله يستدرجها كما يفعل مع كل الفتيات. فأجابته بصرامة: ــ السلام عليكم. في حاجة يا مستر؟ تلاعب على أوتار مشاعرها البريئة ليهمس لها بصوت أجش خشن كي يجعلها تتوه معه ومع نبرة صوته الرجولية. فزيد يعرف كيف يلعب

على مشاعر أنثاه بمهارة: ــ أجمل مستر اتقالت ليا وسمعتها في حياتي النهاردة يا ليلة. إنتي متعرفيش عملتي فيا إيه دلوقتي. برقتك دي. مهلاً مهلاً أيها الزيد! مهلاً يا فتى فهي فتاة في عمر الزهور لم تتفتح بعد. حياتها قلم وكراسة وغزلها حجر أبيها فقط، وربيعها صفحة من كتاب تقرؤه لا تفعل بها هكذا زيد!

لا تبدأ معها هكذا وتكسر قوانين الحجاب الحاجز حول برائتها. إنها الليلى ومن كمثلها في البراءة وعذرية المشاعر. تمتمت بلسانها البريء وهي تحاول السيطرة على سماع عذب كلماتك: ــ لو سمحت يا مستر اسمي ليلى مش ليلة. وكمان مش حابة إنك تتكلم معايا بالطريقة دي ولا تتعامل معايا بالأسلوب ده نهائي. أنت المدرس وأنا التلميذة ودي حدود التعامل ما بينا. إني أحترمك وانت معلمي وأنت تراعي ربنا فيا كتلميذة. وأكملت تحذيرها وهي تتحلى بالشجاعة:

ــ فخلينا كده أفضل. ولو في حاجة أنا مقصرة فيها مع حضرتك في المادة أو أي حاجة تخص الدرس ممكن حضرتك تعرفني عليها في شات المجموعة. نفخ بضيق دون صوت حتى لا يصل إليها مدى ضيقه، ثم مسح على شعره بغيظ من ردها وهو يفرد قدمه على الأرض ونصف جسده على الكرسي. حاول تعبئة صدره بالقدر الكافي من الهدوء كي لا يخسر معركته معها، فهي من الآن أصبحت معركة بالفعل بالنسبة له. ليهمس لها بصوت حزين: ــ بقي كده يا ليلى؟

المستر زيد اللي كل البنات اللي في دفعتك هتموت عليه ونفسهم بس في نظرة منه وسابهم كلهم ومركز معاكي تقولي لي كده! طب ليه؟ وأنا داخل لك صريح من غير لف ولا دوران؟ عانقت الوسادة بحيرة شديدة وهي تشعر بالضعف من محاصرته. وباتت مشاعرها النائمة في سباتها العميق لأنها لم تولد من الأساس، تحاوط مراهقتها بأحبال من الحديد كمثل الجنين في بطن أمه:

ــ أنا مش حابة إني أعمل علاقات زي كده في السر، ولا أحب إني أكون تجربة لأي شاب أياً كان هو مين. وبعدين يكتشف إني مش على هواه أو إني منفعتش ليه. أنا ليلى اللي يحبني في يوم من الأيام لازم يحارب عشان يوصل لي ويحلم بيا أيام وليالي عشان يمتلكني ويتمنى يعمل لي أي حاجة عشان قربي. ولما يوصل لقلبي ويمتلك مشاعري بعد ما يعمل المستحيل، يحاوط على حبي برموش عينيه ويعمل أقصى مجهوده عشان يسعدني وميحاولش يخسرني مهما كان. من الآخر يا مستر عمري ما هكون محطة تجارب يسكنها كل رجل شوية. أنا لواحد بس، لكن هكون له بألف واحدة.

يا الله منكِ تلك الليلى! تقفين أمام الزيد الوسيم وتلقين في وجهه أسباب الصد المنيعِ دون أن تضعفي أمام سحر عينيه اللامعِ! فالزيد لبنات حواء أمنية وأماني وحلم وعناق وسهد ليالي. ألستِ من بناتِ حواءٍ أنتِ ليلتي! أم ماذا عن قوتك وكلماتك التي ألقيتها على مسامع طالب للغرام يقف على أعتاب هواكِ المُغيَّبِ! أسكرني حديثك العذب القوي المتلألئ بالعزةِ وأصبحت الآن لقُربكِ متمنياً، راغباً، هائماً ليلتي.

أحس بأنه ينجذب إليها وينسحب لعالمها في حادثة إعجاب بشخصها المثير بل والمستفز للفوز بها والانتصار على كبريائها. ليدعم رأيها كي يجذب انتباهها أكثر: ــ طب ده كويس جداً يا ليلى! بل الطبيعي إن الراجل يقدر البنت اللي بيحبها ويخليها ملكة متوجة، يخليها توصل لبر الأمان في حبه وتبقي واثقة إن مفيش غيرها ساكن قلبه وروحه وعقله. يعني اللي انتي قلتيه طبيعة أي علاقة حب.

داهمته بسؤالها الذي يحوي من المكر والدهاء ما جعله أغمض عينيه لتيقنه من أنه سيخوض مباراة طويلة وشاقة كي يصل إلى ما يريد، بل وسيحتاج إلى تغيير قوانين اللعبة معها عن غيرها من حسناوات حواء: ــ قلتها بنفسك علاقة حب!

أنا مش بتاعت علاقات حب ولا علاقات مشي الحال، ولا بتاعت علاقات ندرس بعض وبعدين نقرر، ولا بتاعت كلام حب في التليفونات ولا بتاعت هدايا ودباديب. فهل أنت شايفني علاقة حب يا مستر أو في نظرك عايز اللي هيكون بينا من وجهة نظرك يمشي إزاي؟ ممكن أفهم؟

لم يكن يتوقع أنها بتلك الصعوبة وذاك الدهاء وأنها ستجعله أمام عينيه صغيراً، ودوماً كان في عين نفسه وأعين من حوله كبيراً. نعم، لقد جرَّدَته من كل غرور وجعلته لا يساوى شيئاً بعقلها وفهمها. وحاول أن يفكر في جوابٍ يلائم دهائها ويجارى فكرها السابق لسنِّها من فتيات جيلها حتى أسعفه لفَّات وتجارب من سبقتها: ــ ومين قال إني عايز مشي الحال وعلاقات من على الوش؟ أنا قلت كده في كلامي!

بس طبيعي إني قبل ما آجي أتقدم لك أو يكون فيه بينا ارتباط رسمي إني أعرف رأيك، تعرفي شخصيتي، أعرف أنا بالنسبة لك أنفعك ولا لا علشان مدخلش البيت من بابه وأنا مش واثق من موافقتك. ياريت زي ما إنتي بتهاجميني كده على طول تديني فرصتي في إني أسأل وأعرف بكل هدوء، لكن إنتي دخلتي حامية قوووي من اللي انتي أكيد بتسمعيه من اللي حواليكي. ابتسامة جانبية ارتسمت بجانب شفتيها وهو يظنها للي الآن بذاك الغباء وأنها لن تفهم ذاك الزيد:

ــ أنا مش بسمع حاجة من البنات اللي انت بتتكلم عنهم يا مستر، أنا ليلي واحد زائد واحد يساوي اتنين علطول. مش بفكر إنها ملفلفة من حتة تانية. أنت عارف إنّي دوناً عن أي بنت مبسمعش لحد ولا بركز إني أسمع لحد ولا عندي الوقت والمساحة في حياتي إني أركز في تفاهات اللي حواليا ولا أنا فاضية لهم أصلاً. أنا بفهم وبركز ومن نظرة واحدة في عين الشخص اللي بتعامل معاه أعرف شخصيته ومقولهاش لحد ولا أجيب سيرته أصلاً وأحتفظ برأيي لنفسي عشان ألحقني في أي موقف يحصل لي مع الشخص ده.

واسترسلت حديثها بصدق نابع من قلبها الأخضر الذي لن يسمح لأحد أن يقتحمه ويهدد أمانه، كمثل الطرق على الحديد وهو ساخن:

ــ أنا لا من البنات اللي فاضية تتابع حد ولا تركز في أخطاء غيرها. كل واحد هيشيل شيلته وهيتحاسب عن عمله. زي ما أنا عارفة إني هتحاسب قدام ربنا على الخضوع بالقول والفعل لأي شاب مهما كان. وكمان هتحاسب على خيانتي لماما وبابا اللي تعبوا عشان يربوني ويعلموني الصح من الغلط. بص يا مستر من الآخر أنا معادلة صعبة عايزة بروفيسير متمكن يفك شفراتها. وبعد كده هبقى كتاب سهل ومفتوح يتعمق في صفحاته زي ما يحب.

لااااا ليلتي كم أنتِ بالفعل امرأة المستحيل! فتاة بعمر الزهور لكن عقلها بعقل امرأة محنكة مرت بتجارب ومواقف رزقتها بالخير الوفير من الخبرة. كيف لتفاهة عقلي أن يدمر شفراتك المعقدة وتصبحين بين يداي كما أتمنى؟ ولكن الآن سألهث وأفعل المستحيل كي يخفق قلبك بعشق زيد، وتتلهف عيناكي للقاء زيد، وتسكن روحك عناق زيد. ــ طب ممكن أعرف أبدأ فك شفراتك إزاي يا ليلى؟ أو إيه الطريقة اللي تخليني أدخل للعالم بتاعك؟

وبعدها كل لما أحل نقطة جايز أوصل للي بعدها؟ لم تريد أن تعطيه وعوداً ولا أن تلزم نفسها بعهودٍ لتجيبه بما يغلق الحوار على العوام، مما أصابه الشعور بالهزيمة للحديث الأول بينهم: ــ اللي عايزة ربنا هو اللي هيكون. عن إذنك مضطرة أقفل عشان عندي منصة وملتزمة بجدول في مذاكرتي وانت تشوف منصتك انت كمان. تنفس بغضب مكتوم: ــ تمام ربنا معاكي. مع السلامة.

أغلق الهاتف معها وألقى بالهاتف على التخت وهو يشعر لأول مرة بأنه خائب ليس صائب. يشعر بأنه لا شأن له ولا أهمية رغم نجاحه الساحق في مجاله، وأنه من جهابزة المعلمين صغار السن وله من الشهرة ما يجعله محط أنظار الجميع وتمنيهم جميعاً لنيل الحديث مع الزيد، إلا تلك ليلى. استند على حافة التخت وقد بدأ شعور الاشتياق لعالمها يسيطر عليه رويداً رويداً. وإن ظل على هذا الحال كثيراً قبل أن يصل إلى منتهاها حتماً سيصاب بالجنون. فآه وألف آه من نيران مشاعري الموقدة لكِ يا ليلى، والويل لك وألف ويل لك قلبي!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ يابنتي حرام عليكي! اتقدم لكِ عرسان كتير وانتِ بقيتي في سنة رابعة جامعة. أنا تعبت منك ومن رفضك لكل اللي بيتقدموا لكِ، وبتطلعي فيهم القطط الفاطسة وهم أكترهم ولاد ناس وكويسين. انتِ بتعملي كده ليه يا حنين؟ أنا عايزة أفرح بيكي زي أخواتك.

ارتسمت علامات الاستنكار على وجهها لحديث والدتها الذي لم تنفك عنه أبداً ولم تمل من ترديده لها كل عشية إلى أن ملَّت وكلَّت منه ولم تستطيع سماع هذه الكلمات مرة ثانية. ولكنها تأدبت في الرد على والدتها: ــ يا ماما لسه ما جاش النصيب. مش شايفة فيهم حد مناسب ليا ولا شايفة فيهم فتى أحلامي اللي أنا بحلم بيه.

وتابعت حديثها وهي تحلم لبعيد، والإبتسامة الحالمة ارتسمت ببراعة على وجهها. فحنين فتاة حالمة ورومانسية بشكل مبالغ فيه وتمتلك من الرقة وحسن الخَلقِ والخُلُق ما يجعلها محط أنظار الأمهات والشباب حولهم: وبعدين هو الجواز بالغصب؟ أنا عايزة عريسي يكون حاجة تليق بيا مش عايزة أي حد وخلاص حتى لو مش هتجوز خالص يا ماما. واسترسلت حديثها بدعابة حينما رأت علامات الوجوم على وجه والدتها: ــ وبعدين مش في مثل بيقول

من بتوع الناس الكبار: قعدة الحزانة ولا جوازة الندامة. تعصبت والدتها للغاية وهي تقوم من مكانها وتقف أمام النافذة وتنظر إلى البوابة الخارجية للمنزل وهي تعد على أصابع يدها: ــ اللي هو مين فتى أحلامك يا ست حنين؟

ده أنتِ تقدم لك والبوابة دي تشهد عليا علشان دخل منها المدرس والمحامي والنجار والسباك وكلهم شباب زي الورد. والصنايعي ما يعيبهوش حاجة، بيبقوا شباب بيعتمدوا على نفسهم وكمان كل اللي اتقدموا لك من الصنايعية معاهم شهادات عالية بس اعتمدوا على نفسهم من وهما صغيرين وبقوا يشتغلوا في صنعتهم عشان ماحدش يصرف عليهم. شباب مكافح وكل اللي تقدموا لك منهم ولاد ناس وكانوا شاريينك على الآخر.

واستطردت حديثها باستفسار عن مواصفات فتى أحلامها كي تستريح وتهدأ روحها: ممكن أعرف بقى إيه المواصفات اللي إنتي معطلة نفسك عليها ده كله ومخلياني مش طايقة نفسي بسببك ولا عارفة أرتاح؟ أخواتك كلهم ريحوني إلا انتِ؟ ضمت شفتيها برقة وهي تغمض عينيها وتذهب بعقلها وفهمها وهي ترسم فتى أحلامها وتنطقه بشفاها أمام والدتها وكأنها تراه بالعين السحرية ومن شدة تخيلها كأنها تراه أمام عينيها فارسها الذي تحلم به:

ــ عايزاه يكون لونه قمحي ولا أبيض ولا أسمر وطويل وصدره عريض ويكون جسمه رياضي ونظيف جداً في نفسه وشيك جداً في نفسه وعايزاه يكون متعلم وشغله يكون مستوى وراجل في نفسه كده ويكون جان ورومانسي واللي يشوفه يقول الرجل الغامض بسلامته من تقله ورسـ.ـيانه. شهقت والدتها بشدة وهي تضرب على صدرها بقلق عارم على صغيرتها التي ومن الواضح أنها لم تفهم أمور الزواج حقاً: ــ يا حزن قلبي عليكِ يا بنتي!

بقى دي مواصفات الراجل اللي انتِ عايزة تتجوزيه! طب فين دينه؟ فين اخلاقه؟ انتِ هتتجوزي شكله! هتتجوزي عضلاته؟ الرسول عليه الصلاة والسلام قال "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه وإلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". يعني بتقعدي تتبطري على العرسان اللي بتجيلك وانتِ أصلاً بصة للاسود والأبيض والطويل والقصير والعريض والرفيع؟ وأكملت نهرها وهي تهز كتفها بحدة خفيفة نظراً لما تفوهت من هرائات لا تسمن ولا تغني من جوع:

ــ طب ما ممكن يكون في المواصفات اللي انتِ عايزاها دي ويوريكي سواد أيامك ولياليكي. ما انتِ مبصطيش غير للشكل، ما بصيتيش للأخلاق اللي هيعاملك بيها، للرضا اللي ربنا هيرضى عنك بيه ويوفقك بحياتك. والله يا بنتي الله يكون في عونك على اللي هتشوفيه في الدنيا بسبب دماغك دي. وأنا بنصحك وبحذرك في نفس الوقت لما ييجي لك واحد ابن حلال وأخلاقه كويسة ارضي يا حنين وما تقوليش لا عشان الرضا لمن يرضى يا بنتي.

واسترسلت كلماتها وهي تمد يدها وتعطيها مبلغاً من المال: ــ يلا قومي البسي عشان تجيبي التورتة والجاتوه عشان عيد ميلاد بنت اختك. أنا حاجزاهم من امبارح ودافعة عربون ودي باقي الفلوس عشان أنا وعدتها إني أنا اللي هعمل لحفيدتي عيد الميلاد. وما تنسيش تطلبي أوبر عشان ما تتبهدليش بالحاجة وانتِ جاية.

مدت يدها وأخذت النقود ثم تركتها والدتها وغادرت الغرفة الخاصة بصغيرتها وهي تشعر بالقلق الشديد عليها نظراً لتفكيرها الغير ملائم للعيش في هذه الحياة المليئة بالصدمات والمواقف والتي لا ينفعها الشكل ولا الهيئة بشتى الطرق. “”*****”””##########

ــ شوف بقى أنا نقيت لك عروسة نقاوة. هتقولي تسلم إيدك يا ماما على العروسة القمر دي. حاجة كده مانجة مش هتقدر تطلع فيها الهوا يا هاشم. ودي بالذات بقى لو رفضتها أنا مش هرضى عنك ولا قلبي هيرتاح من ناحيتك تاني ومش هكلمك أصلاً.

تأفف هاشم بزهق من إلحاح والدته عليه في ذاك الموضوع. هو لا يريد الزواج الآن ولا الارتباط ويرى أنه لا توجد فتاة تليق بهاشم سالم. يرى حاله فوق مستوى أي فتاة، بارد بشدة مع جنس حواء وفي نفس الوقت يمتلك من الوسامة والرجولة والشياكة ما يجعله حلماً لكثير من بنات حواء. رفض كثيراً جداً منهن، وكما أنه كان خاطباً لإحداهن ولم يمكث معها سوى شهرين فقط وتركها. ثم مط شفتيه بملل قبل أن يرد على والدته:

ــ يعني يا ماما كل شوية هخطب واحدة ما تعجبنيش وهسيبها؟ ما أنا اللي أنا كنت خاطبها إنتِ اللي كنتِ منقياها لي وما استريحتش معاها وما عجبتنيش. وأنا مش مستعد أخطب كل شوية وأسيب. وقت ما ألاقي الإنسانة اللي أحس إن أنا مستريح لها وعايزها أكيد هخطب يا ماما. الموضوع كله قسمة ونصيب وانتِ اللي مش عايزة تقتنعي.

رفعت حاجبها باستهزاء لكلماته وهي تتذكر تلك الفتاة التي خطبتها له ولم يمكث معها سوى شهرين ثم تركها بدون أن يعلن عن أسباب سوى أسباب تافهة لا تمت للعقل بصلة:

ــ والله البنت كانت محترمة وبنت ناس وعمرك ما هتلاقي زيها تاني. وانت افترت عليها يا هاشم بعصبيتك وبرودك معاها وكنت دايماً بتتعالى عليها. وسبحان الله كانت مستحملاك. ولما لقيتها ضعيفة واستحملت كل حاجة منك عشان بتحبك سبتها وافترت عليها. وأنا واثقة ومتأكدة إن انت مش هتلاقي زيها تاني. واديها اتخطبت داخلة على سنة وقربت تتجوز وخطيبها بيموت فيها. خليك انت بقى لما تلاقي عروسة المولد اللي انت عايزها.

ثم أدارت وجهها للناحية الأخرى بعيداً عن مرمى عينيه وهي تنهره: ــ يلا بقى اتفضل روح على شغلك عشان أنا ولا طايقاك ولا طايقة كلامك وكارهة نفسي ودنيتي بسببك. اطمنت على اختك واتجوزت في بيت جوزها وانت اللي مطلع عيني.

نفخ بضيق من حدة والدته معه ومهما حاول إقناعها بأنه لن يشعر بالارتياح مع إحداهن إلى الآن لم يستطيع. وقبل أن يتفوه ببنت شفة كي يراضيها كمثل كل مرة تغضب منه وتفتح معه ذاك الحوار جاءه اتصال من إحدى فروع محلات الحلوى الشرقية والغربية المشهورة بشدة والتي يمتلكها عن أبيه المتوفي منذ عامين. فتح الهاتف كي يجيب على الاتصال وإذا بمدير الفرع يتحدث بتوتر ويبدو أنه يوجد مشكلة كبيرة ولن تُحَل إلا بوجوده:

ــ في مشكلة كبيرة يا فندم لازم حضرتك تيجي تحلها بنفسك لأننا مش قادرين نسيطر عليها. سأله هاشم بهدوء فهو معتاد على تلك الاتصالات يومياً من جميع الفروع: ــ مشكلة إيه يا حسن؟ اديني فكرة قبل ما آجي أنصدم كالمعتاد عشان حتى ألاقي حل قبل ما آجي؟ أجابه مدير الفرع بعملية:

ــ المشكلة إن كان في حجز من يومين لتورتة بالإسم والصورة والعميلة دافعة عربون وجت تستلم لقت المواصفات غير المواصفات خالص. وكانت طالباه كلها شوكولاتة وملقتش التورتة عليها ولا صورة ولا اسم ومكتوب عليها اسمها. ودوروا كتير على الأوردر بتاعها واتضح يا فندم إنه راح المنصورة شحن مع أوردرات رايحة هناك واتلخبط. وهي رافضة تستلم أي حل بديل يمشي عيد الميلاد عندها ومصممة إنها تاخد التورتة المتفق عليها بالاسم والصورة والمواصفات.

اتسعت مقلتيه بذهول ثم تنهد بقوة وهدر به بصياح أرعبه في الهاتف. فهو يحب الالتزام في عمله ويكره مثل هذه المشاكل المتعلقة بالإهمال، فقد بُنيت سلسلة فروع محلاتهم على السمعة وعلى الجدية التامة والالتزام في تسليم الطلبات بحرفية: ــ نهاركم مش فايت! إزاي الكلام ده يحصل في الفرع اللي عندك!

دي مشكلة كبيرة ومش هنقدر نسيطر عليها وطبعاً العميلة جاية قبل ميعاد عيد الميلاد بمدة بسيطة مش هنلحق نعمل حاجة. إزاي مشكلة زي دي تحصل وانت موجود وأنا منبه عليكم الأوردرات اللي بتخرج تتراجع 1000 مرة وتعدي عليك وتراجعها بنفسك. للأسف ده اسمه إهمال والإهمال يوقع سمعة المحل في الأرض. أنا جاي حالا عشر دقايق بالظبط.

كانت تجلس تفرك بأصابع يدها تارة وتنظر إلى ساعتها تارة أخرى وقد تأخرت على موعد استلامها. فاتصلت عليها والدتها كي تسأل عنها فأخبرتها بالمشكلة:

ــ جيت يا ماما استلم التورتة زي ما انتِ ما قايلة لي على المواصفات بتاعتها لقيتها غير اللي احنا طالبينها خالص واتضح إن التورتة بتاعتنا راحت في أوردرات في المنصورة من الضهر ودلوقتي مستنية صاحب الفرع يجي يشوف المشكلة دي لأنهم عايزين يدوني واحدة تانية غير اللي انتِ حاجزاها بصورة هنا. انفعلت والدتها وقد ارتفع الضغط عليها: ــ إزاي الكلام ده يحصل؟!

الناس على وصول وأنا وعدت حفيدتي إني أنا هعمل لها تورتة بصورتها عشان عمالة من الصبح اتحايل عليكي تروحي تستلميها عشان عاملة حساب الحاجات اللي زي دي. يعني إزاي أطلع كذابة قدامها وهي مستنية تشوف صورتها على التورتة وطفلة صغيرة متعلقة بحاجة زي دي. أنتِ السبب زي ما هما السبب بالظبط ويا ريت تنجزي وتحلي المشكلة عشان فاضل ساعة بالظبط والناس توصل. غضبت هي الأخرى من اتهام والدتها: ــ يعني يا ماما أنا ذنبي إيه في اللي حصل؟

أنا جيت استلم التورتة والمفروض إني آخدها بنفس المواصفات. العيب على صاحب الفرع اللي مشغل ناس عنده مش مركزين والمفروض إن الحاجات دي تكون دقيقة جداً. أنا مش فاهمة هو اسمهم اللي بيلمع على السوشيال ميديا والإعلانات اللي بيعملوها في التلفزيون على الفاضي. ناس مش مسؤولة أصلاً.

كان ذاك الهاشم قد دلف بطلته ذو الهيبة والوقار بقميصه ذو اللون النيلي المفتوح أعلى صدره وقد برزت عروق رقبته مما استمع إليه من كلمات تلك العميلة عن فروعهم السيئة وأنهم يقولون ما لا يفعلون. وتجمعت جيوش الغضب أمام عينيه لينزع سماعة الهاتف من أذنه ويتحدث ببرود استفز تلك الحنين:

ــ على فكرة مش إحنا اللي نعمل إعلانات على الفاضي عشان نجذب الزبون. إحنا فروعنا بجميع مستوى الجمهورية معروفة وكفاية إسم محلات "سويتس" كفيل إن الزباين تيجي لحد عنده من غير أي بروباجاندا زي ما انتِ ما بتقولي. وإذا كانت حصلت غلطة فعادي، إحنا مش أنبياء عشان ما نغلطش ولا ملايكة نازلين من السماء. الأوردرات اللي بتتسلم النهاردة معدية الـ 2000 أوردر في الوردية الأولى بس فطبيعي إن يحصل غلط ولو واحد في المية وجت فيكي فلو سمحتِ تتكلمي بأسلوب مهذب أحسن من كده والمشكلة هنحلها.

تأففت بامتعاض لحماقته في الرد ثم عقدت حاجبيها بعدم تصديق لعجرفته ثم قالت ساخرة من طريقته: ــ والله! هو الطبيعي إنه يحصل الغلطة دي! طب أنا دلوقتي عايزة الأوردر بتاعي زي ما أنا ما طالباه. والمفروض ترد على العملاء بطريقة أحسن من كده. مش عارفة مدير المحل ده مشغل ناس زيكم يتكلموا مع العملاء بالطريقة الغير لائقة باسم المحل اللي بتتكلم عنه. حاجة تقرف والله.

تصاعد الموقف بشدة ونظرات التحدي والشرار اندلعت ثائرة من كليهما. فتخلى ذاك الهاشم عن بروده ليتقدم منها وهو ينظر داخل سوداويتها بشر وقد برزت عروق رقبته. فلأول مرة يتطاول أحدهم عليه بتلك الطريقة المهينة: ــ حاجة تقرف! تصدقي الشكل يقول إنك واحدة بنت ناس وطبيعي إن ولاد الناس هم اللي يدخلوا محلاتنا. بس الظاهر إنه مش بالمناظر، بتبقى شحاته وبتلف ورا ولسانها بينطق احترام. اتسعت دائرة عينيها بذهول:

ــ أنت تقصد تقول إن أنا مش محترمة؟ أنت إنسان مش مهذب وما تعرفش عن الذوق والأخلاق الهوى. مدير المحل لازم يجي حالا يشوف طريقتك المش محترمة في التعامل مع العملاء. بمجرد أن تفوهت بهرائها ذاك اندفع إليها ليشن حروب لسانه السليط فوق رأسها بغرور رجل. ولكن نظراتها المتحدية له جعلته يريد أن ينقض عليها ويفتك بها وأن يجعلها عبرة أمام أعين الجميع. فتقدم بخطواته بقدر تراجعها ويغرس خنجر كلماته في صدرها ليعنفها

بصوته المملوء بالجبروت: يتبع…..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...