تحميل رواية «مشاعر موقدة» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتهى من إلقاء حصته معهن وما زالت عيناه تتفحصها بغرور، فهو يريد إيقاعها في شباكه وهي لم تراه من الأساس. فقرر العزف على أوتار غيرها الأنثى ليردد لتلك الفتيات: إيه رأيكم يا بنات في شرح النهارده؟ أظن ما فيش مدرس يقدر يشرح لكم مادة الفلسفة والمنطق زي مستر زيد؟ نظرت له الفتيات بحالمية لتردد أحداهن بانبهار وهي تعبث بنظراتها اتجاه صدره، وبالتحديد على تلك السلسلة التي يرتديها، متفحصة إياه من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه بصوت مملوء بالدلال: بجد يا مستر ما فيش حد زيك يقدر يشرح مادة الفلسفة والمنطق بالطريقة ال...
رواية مشاعر موقدة الفصل الأول 1 - بقلم فاطيما يوسف
انتهى من إلقاء حصته معهن وما زالت عيناه تتفحصها بغرور، فهو يريد إيقاعها في شباكه وهي لم تراه من الأساس. فقرر العزف على أوتار غيرها الأنثى ليردد لتلك الفتيات:
ــ إيه رأيكم يا بنات في شرح النهارده؟ أظن ما فيش مدرس يقدر يشرح لكم مادة الفلسفة والمنطق زي مستر زيد؟
نظرت له الفتيات بحالمية لتردد أحداهن بانبهار وهي تعبث بنظراتها اتجاه صدره، وبالتحديد على تلك السلسلة التي يرتديها، متفحصة إياه من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه بصوت مملوء بالدلال:
ــ بجد يا مستر ما فيش حد زيك يقدر يشرح مادة الفلسفة والمنطق بالطريقة الجاحدة دي. أنت متمكن جداً لدرجة إني بخرج من حصتك وأنا حافظة الدرس.
وكالمعتاد ذاك الزيد فسر نظراتها بغرور، ومن غيره يفهم نظرات الفتيات المراهقات. ومن تلك النظرات ترصد كثيراً منهن ليستمع إلى رأي فتاة أخرى بانبهارها به:
ــ فعلاً يا مستر أنت very excellent في توصيل المعلومة، وكمان بتقدر تخلينا نخرج من الحصة من غير ما نروح نراجع. نحل homework بدون أي صعوبة. أنت اللي زيك المفروض ما يكونش مكانه هنا.
وغيرها وغيرها من الفتيات الموجودات في مجموعة الصف الثالث الثانوي. إلا تلك الصامتة، تقف في جنب تنتظر صديقتها وتستمع إليهن بصمت تام، ولم تكلف نفسها عناء النظر إليه، مما جعله جن جنونه ليسألها:
ــ طب وانت يا ليلى ما قلتيش رأيك في شرحي زي بقيت زميلاتك.
أجابته بحدود دون النظر إليه أو إلى ملامحه:
ــ بارك الله فيك يا مستر، شرحك ممتاز.
لم يريد منها هذا الرد بتلك الحدية، يريدها أن تدلي بإعجابها بشخصه كمثلهم، يريدها أن تتعمق النظر ولو مرة واحدة في عينيه كي تقع في شباكه مثلهن. فهو يترصدها منذ الصف الأول الثانوي ولم يستطع إلى الآن جعلها تحلق في سماء محبتها لهم كمثل تلك الفتيات، مما جعله يشعر بالتحدي معها. فهو الزيد حلم الفتيات، الشاب الجان المختلف المتصف لديهن بالرزانة، إلا تلك ليلى لم تراه سوى معلمها فقط. ليفيق على سؤال إحداهن:
ــ هو انت ليه يا مستر ما خطبتش لحد دلوقتي؟ ولا لسه ما لقيتش فتاة أحلامك؟
زيد شخصية معلم يتعامل مع تلاميذه كصاحب وليس كالمدرس والتلميذ. وسؤال هذه التلميذة بالنسبة له راق له جداً أمام تلك ليلى. ليردد بدعابة وقد جال في فكرته خدعة كي يعرف منها مدى تعلق ليلى به كمثلهن:
ــ صدقي سؤال حلو منك يا سمسم. طب إيه رأيكم أنا نفسي أخطب واحدة تكون لسه في الثانوية. هعمل معاكم ديل، وأنتم نازلين من على السلم هحدف ورقة. اللي هتقدر تمسكها فيكم هاجي أخطبها على طول. موافقين؟
صفقن الفتيات بحالمية وكل منهن تريده لها، عدا ليلى لم يفرق معها ما يقول. ثم أذن لهم بالخروج. فهبطت ليلى مع صديقتها، وقبل أن يصلوا لمنتصف الأدراج استمعوا إليه يردد لهم:
ــ ها يا بنات جاهزين؟ هحذف الورقة واللي الورقة هتيجي في إيديها وتقدر تمسكها أول واحدة هي هتبقى الكراش للمستر وهتنول شرف إني أخطبها.
بعد أن أنهى كلماته نظر إلى وجهها كي يستشف معنى نظراتها، ولكن وجدها مبهمة. ولكنه فسر حركة شفاها وهي تحادث صديقتها:
ــ أنا همشي يا رغدة. عايزة تفضلي براحتك علشان ورايا مذاكرة كتير وكمان ورايا درس رياضة أون لاين. مش فاضية للهزار بتاعكم ده.
استنكرت صديقتها ما قالت:
ــ إيه ده بقى؟ أنت عايزاني أسيب المستر المز ده اللي ممكن يبقى خطيبي النهارده؟ أنت إزاي باردة كده.
لم تعير سؤالها ولا استنكارها أدنى انتباه لتنظر إلى ساعتها وهي تنوي المغادرة:
ــ تمام. أسيبك انت بقى مع حلم المز بتاعك وأنا همشي علشان ما عنديش وقت خالص.
رؤى خطوات تحركها للخارج وعدم اهتمامها بما يفعله ليزداد حنقاً من أفعالها وتجاهلها لكل ما يفعل من أجل لفت الانتباه إليه منها، ولكنها تضرب بما يخطط له عرض الحائط. لتترك لهم المكان، فجعلته يشعر بالأسى وهو ينهي لعبته:
ــ خلاص يا بنات اتفضلوا روحوا على درسكم. أنا كنت بهزر معاكم. وبعدين هو انتوا كده على طول بتحبوا لعب العيال. يلا اتفضلي يا آنسة منك ليها شوفي وراكم إيه. السنة صعبة ولازم تجتهدوا وتجيبوا مجاميع عالية.
تضايقت الكثير منهن لفقدان الأمل في أن تكون إحداهن الأنثى المرغوب بها لدى زيد، ذاك المعلم فارس أحلامهن. وضاعت فرصتهن في الاقتراب منه وهم يتمنون ولو نظرة واحدة من ذاك المهيمن والمسيطر على مشاعرهن المراهقة. مر الوقت سريعاً، وقد قرر محادثة ليلى في أن يرسل لها رسالة صريحة على الواتساب، فقد مل الصبر من صبره:
ــ مساء الخير يا لولا. خلصتي دروسك ولا لسه محتاج أتكلم معاكي شوية؟
وصلت رسالته على هاتفها وهي تتابع مذاكرتها، واندهشت من سؤاله. فأجابته برسالة جدية:
ــ خلصتها الحمد لله وقاعدة بذاكر. في حاجة يا مستر؟
كالمعتاد أحس بتجاهلها له، مما جعله يريد الدخول إلى عالمها وأن يتحدى جمودها معه، ويراهن على أن يجعلها ملكاً له وأن تعشقه بشدة. فهو الرجل المغرور بحيله، ولابد أن يرى الإعجاب في جميع الحسناوات من الفتيات الذي يدرس لهن. وبالتأكيد فقد حصل على قراءته الحالمية وإعجابهن به، إلا ليلى:
ــ ممكن أفهم أنتِ ليه بتتعاملي معايا بالجمود ده وبتتصرفي كأني غريبة عنك؟ أنا المدرس بتاعك من سنتين ودي السنة الثالثة، ولحد دلوقتي شايفك بتتعاملي معايا بحدود جامد والموضوع ده مزعلني جداً.
اندهشت من طريقة الضيق التي يتحدث بها وطريقة حواره الجديدة كلياً، لتسأله:
ــ هو في حاجة أنا عملتها مضايقاك يا مستر؟ أنا شايفة إن أنا ملتزمة جداً وإن أنا ما زعلتش حضرتك في حاجة. إيه علاقة إنك المدرس اللي بياخد عنده درس من بقالي سنتين بالمعاملة بحدود؟ أظن أنا ملتزمة جداً في الدرس وعمري ما قصرت في مادة حضرتك.
ضم شفتيه بغيظ ليرسل لها تسجيلاً صوتياً بصوته الغاضب قليلاً ببعض الخشونة:
ــ هو انتِ ليه مش قادرة تفهمي لحد دلوقتي إني شايفك مختلفة؟ شايفك غير كل البنات الموجودة معايا في المجموعات. أنا حاسس إني مشدود ليكِ يا ليلى.
استمعت إلى رسالته بعينيها تبرقان بدهشة من اعترافه، وقلبها العود اليانع الذي لم يشهد تلوثاً من ذي قبل لتلك العلاقات، ولم تعرف بما ترد على رسالته ويداها ترتعشان من اعترافه لها بصوته الخشن المؤثر لكل أنثى في عمرها المراهق. لاحظ صمتها الذي طال ليقوم بخطوة الاتصال عليها كي يبدأ أولى خطواته في التعرف عليها، فقد مكث وقتاً طويلاً في أخذ الخطوة الأولى في إيقاعها بغرامه. استمعت إلى دقاته الرنانة على هاتفها وتناوبت عليها مع دقات قلبها وصار نابضها يتخبط بين ضلوعها ويتساءل عقلها بحيرة: أتجيبه أم لا؟ هي لم تتعرض لذاك الموقف قبل ذاك، وهذا معلمها ولكنه أيضاً متلاعب، وهي تعي ذلك بشدة. ثم قررت أن تجيبه بعد مناوبات بين قلبها وعقلها، وداخلها يشدد عليها أن تصده وأن لا تجعله يستدرجها كما يفعل مع كل الفتيات. فأجابته بصرامة:
ــ السلام عليكم. في حاجة يا مستر؟
تلاعب على أوتار مشاعرها البريئة ليهمس لها بصوت أجش خشن كي يجعلها تتوه معه ومع نبرة صوته الرجولية. فزيد يعرف كيف يلعب على مشاعر أنثاه بمهارة:
ــ أجمل مستر اتقالت ليا وسمعتها في حياتي النهاردة يا ليلة. إنتي متعرفيش عملتي فيا إيه دلوقتي. برقتك دي.
مهلاً مهلاً أيها الزيد! مهلاً يا فتى فهي فتاة في عمر الزهور لم تتفتح بعد. حياتها قلم وكراسة وغزلها حجر أبيها فقط، وربيعها صفحة من كتاب تقرؤه لا تفعل بها هكذا زيد! لا تبدأ معها هكذا وتكسر قوانين الحجاب الحاجز حول برائتها. إنها الليلى ومن كمثلها في البراءة وعذرية المشاعر. تمتمت بلسانها البريء وهي تحاول السيطرة على سماع عذب كلماتك:
ــ لو سمحت يا مستر اسمي ليلى مش ليلة. وكمان مش حابة إنك تتكلم معايا بالطريقة دي ولا تتعامل معايا بالأسلوب ده نهائي. أنت المدرس وأنا التلميذة ودي حدود التعامل ما بينا. إني أحترمك وانت معلمي وأنت تراعي ربنا فيا كتلميذة.
وأكملت تحذيرها وهي تتحلى بالشجاعة:
ــ فخلينا كده أفضل. ولو في حاجة أنا مقصرة فيها مع حضرتك في المادة أو أي حاجة تخص الدرس ممكن حضرتك تعرفني عليها في شات المجموعة.
نفخ بضيق دون صوت حتى لا يصل إليها مدى ضيقه، ثم مسح على شعره بغيظ من ردها وهو يفرد قدمه على الأرض ونصف جسده على الكرسي. حاول تعبئة صدره بالقدر الكافي من الهدوء كي لا يخسر معركته معها، فهي من الآن أصبحت معركة بالفعل بالنسبة له. ليهمس لها بصوت حزين:
ــ بقي كده يا ليلى؟ المستر زيد اللي كل البنات اللي في دفعتك هتموت عليه ونفسهم بس في نظرة منه وسابهم كلهم ومركز معاكي تقولي لي كده! طب ليه؟ وأنا داخل لك صريح من غير لف ولا دوران؟
عانقت الوسادة بحيرة شديدة وهي تشعر بالضعف من محاصرته. وباتت مشاعرها النائمة في سباتها العميق لأنها لم تولد من الأساس، تحاوط مراهقتها بأحبال من الحديد كمثل الجنين في بطن أمه:
ــ أنا مش حابة إني أعمل علاقات زي كده في السر، ولا أحب إني أكون تجربة لأي شاب أياً كان هو مين. وبعدين يكتشف إني مش على هواه أو إني منفعتش ليه. أنا ليلى اللي يحبني في يوم من الأيام لازم يحارب عشان يوصل لي ويحلم بيا أيام وليالي عشان يمتلكني ويتمنى يعمل لي أي حاجة عشان قربي. ولما يوصل لقلبي ويمتلك مشاعري بعد ما يعمل المستحيل، يحاوط على حبي برموش عينيه ويعمل أقصى مجهوده عشان يسعدني وميحاولش يخسرني مهما كان. من الآخر يا مستر عمري ما هكون محطة تجارب يسكنها كل رجل شوية. أنا لواحد بس، لكن هكون له بألف واحدة.
يا الله منكِ تلك الليلى! تقفين أمام الزيد الوسيم وتلقين في وجهه أسباب الصد المنيعِ دون أن تضعفي أمام سحر عينيه اللامعِ! فالزيد لبنات حواء أمنية وأماني وحلم وعناق وسهد ليالي. ألستِ من بناتِ حواءٍ أنتِ ليلتي! أم ماذا عن قوتك وكلماتك التي ألقيتها على مسامع طالب للغرام يقف على أعتاب هواكِ المُغيَّبِ! أسكرني حديثك العذب القوي المتلألئ بالعزةِ وأصبحت الآن لقُربكِ متمنياً، راغباً، هائماً ليلتي.
أحس بأنه ينجذب إليها وينسحب لعالمها في حادثة إعجاب بشخصها المثير بل والمستفز للفوز بها والانتصار على كبريائها. ليدعم رأيها كي يجذب انتباهها أكثر:
ــ طب ده كويس جداً يا ليلى! بل الطبيعي إن الراجل يقدر البنت اللي بيحبها ويخليها ملكة متوجة، يخليها توصل لبر الأمان في حبه وتبقي واثقة إن مفيش غيرها ساكن قلبه وروحه وعقله. يعني اللي انتي قلتيه طبيعة أي علاقة حب.
داهمته بسؤالها الذي يحوي من المكر والدهاء ما جعله أغمض عينيه لتيقنه من أنه سيخوض مباراة طويلة وشاقة كي يصل إلى ما يريد، بل وسيحتاج إلى تغيير قوانين اللعبة معها عن غيرها من حسناوات حواء:
ــ قلتها بنفسك علاقة حب! أنا مش بتاعت علاقات حب ولا علاقات مشي الحال، ولا بتاعت علاقات ندرس بعض وبعدين نقرر، ولا بتاعت كلام حب في التليفونات ولا بتاعت هدايا ودباديب. فهل أنت شايفني علاقة حب يا مستر أو في نظرك عايز اللي هيكون بينا من وجهة نظرك يمشي إزاي؟ ممكن أفهم؟
لم يكن يتوقع أنها بتلك الصعوبة وذاك الدهاء وأنها ستجعله أمام عينيه صغيراً، ودوماً كان في عين نفسه وأعين من حوله كبيراً. نعم، لقد جرَّدَته من كل غرور وجعلته لا يساوى شيئاً بعقلها وفهمها. وحاول أن يفكر في جوابٍ يلائم دهائها ويجارى فكرها السابق لسنِّها من فتيات جيلها حتى أسعفه لفَّات وتجارب من سبقتها:
ــ ومين قال إني عايز مشي الحال وعلاقات من على الوش؟ أنا قلت كده في كلامي! بس طبيعي إني قبل ما آجي أتقدم لك أو يكون فيه بينا ارتباط رسمي إني أعرف رأيك، تعرفي شخصيتي، أعرف أنا بالنسبة لك أنفعك ولا لا علشان مدخلش البيت من بابه وأنا مش واثق من موافقتك. ياريت زي ما إنتي بتهاجميني كده على طول تديني فرصتي في إني أسأل وأعرف بكل هدوء، لكن إنتي دخلتي حامية قوووي من اللي انتي أكيد بتسمعيه من اللي حواليكي.
ابتسامة جانبية ارتسمت بجانب شفتيها وهو يظنها للي الآن بذاك الغباء وأنها لن تفهم ذاك الزيد:
ــ أنا مش بسمع حاجة من البنات اللي انت بتتكلم عنهم يا مستر، أنا ليلي واحد زائد واحد يساوي اتنين علطول. مش بفكر إنها ملفلفة من حتة تانية. أنت عارف إنّي دوناً عن أي بنت مبسمعش لحد ولا بركز إني أسمع لحد ولا عندي الوقت والمساحة في حياتي إني أركز في تفاهات اللي حواليا ولا أنا فاضية لهم أصلاً. أنا بفهم وبركز ومن نظرة واحدة في عين الشخص اللي بتعامل معاه أعرف شخصيته ومقولهاش لحد ولا أجيب سيرته أصلاً وأحتفظ برأيي لنفسي عشان ألحقني في أي موقف يحصل لي مع الشخص ده.
واسترسلت حديثها بصدق نابع من قلبها الأخضر الذي لن يسمح لأحد أن يقتحمه ويهدد أمانه، كمثل الطرق على الحديد وهو ساخن:
ــ أنا لا من البنات اللي فاضية تتابع حد ولا تركز في أخطاء غيرها. كل واحد هيشيل شيلته وهيتحاسب عن عمله. زي ما أنا عارفة إني هتحاسب قدام ربنا على الخضوع بالقول والفعل لأي شاب مهما كان. وكمان هتحاسب على خيانتي لماما وبابا اللي تعبوا عشان يربوني ويعلموني الصح من الغلط. بص يا مستر من الآخر أنا معادلة صعبة عايزة بروفيسير متمكن يفك شفراتها. وبعد كده هبقى كتاب سهل ومفتوح يتعمق في صفحاته زي ما يحب.
لااااا ليلتي كم أنتِ بالفعل امرأة المستحيل! فتاة بعمر الزهور لكن عقلها بعقل امرأة محنكة مرت بتجارب ومواقف رزقتها بالخير الوفير من الخبرة. كيف لتفاهة عقلي أن يدمر شفراتك المعقدة وتصبحين بين يداي كما أتمنى؟ ولكن الآن سألهث وأفعل المستحيل كي يخفق قلبك بعشق زيد، وتتلهف عيناكي للقاء زيد، وتسكن روحك عناق زيد.
ــ طب ممكن أعرف أبدأ فك شفراتك إزاي يا ليلى؟ أو إيه الطريقة اللي تخليني أدخل للعالم بتاعك؟ وبعدها كل لما أحل نقطة جايز أوصل للي بعدها؟
لم تريد أن تعطيه وعوداً ولا أن تلزم نفسها بعهودٍ لتجيبه بما يغلق الحوار على العوام، مما أصابه الشعور بالهزيمة للحديث الأول بينهم:
ــ اللي عايزة ربنا هو اللي هيكون. عن إذنك مضطرة أقفل عشان عندي منصة وملتزمة بجدول في مذاكرتي وانت تشوف منصتك انت كمان.
تنفس بغضب مكتوم:
ــ تمام ربنا معاكي. مع السلامة.
أغلق الهاتف معها وألقى بالهاتف على التخت وهو يشعر لأول مرة بأنه خائب ليس صائب. يشعر بأنه لا شأن له ولا أهمية رغم نجاحه الساحق في مجاله، وأنه من جهابزة المعلمين صغار السن وله من الشهرة ما يجعله محط أنظار الجميع وتمنيهم جميعاً لنيل الحديث مع الزيد، إلا تلك ليلى. استند على حافة التخت وقد بدأ شعور الاشتياق لعالمها يسيطر عليه رويداً رويداً. وإن ظل على هذا الحال كثيراً قبل أن يصل إلى منتهاها حتماً سيصاب بالجنون. فآه وألف آه من نيران مشاعري الموقدة لكِ يا ليلى، والويل لك وألف ويل لك قلبي!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ يابنتي حرام عليكي! اتقدم لكِ عرسان كتير وانتِ بقيتي في سنة رابعة جامعة. أنا تعبت منك ومن رفضك لكل اللي بيتقدموا لكِ، وبتطلعي فيهم القطط الفاطسة وهم أكترهم ولاد ناس وكويسين. انتِ بتعملي كده ليه يا حنين؟ أنا عايزة أفرح بيكي زي أخواتك.
ارتسمت علامات الاستنكار على وجهها لحديث والدتها الذي لم تنفك عنه أبداً ولم تمل من ترديده لها كل عشية إلى أن ملَّت وكلَّت منه ولم تستطيع سماع هذه الكلمات مرة ثانية. ولكنها تأدبت في الرد على والدتها:
ــ يا ماما لسه ما جاش النصيب. مش شايفة فيهم حد مناسب ليا ولا شايفة فيهم فتى أحلامي اللي أنا بحلم بيه.
وتابعت حديثها وهي تحلم لبعيد، والإبتسامة الحالمة ارتسمت ببراعة على وجهها. فحنين فتاة حالمة ورومانسية بشكل مبالغ فيه وتمتلك من الرقة وحسن الخَلقِ والخُلُق ما يجعلها محط أنظار الأمهات والشباب حولهم:
وبعدين هو الجواز بالغصب؟ أنا عايزة عريسي يكون حاجة تليق بيا مش عايزة أي حد وخلاص حتى لو مش هتجوز خالص يا ماما.
واسترسلت حديثها بدعابة حينما رأت علامات الوجوم على وجه والدتها:
ــ وبعدين مش في مثل بيقول من بتوع الناس الكبار: قعدة الحزانة ولا جوازة الندامة.
تعصبت والدتها للغاية وهي تقوم من مكانها وتقف أمام النافذة وتنظر إلى البوابة الخارجية للمنزل وهي تعد على أصابع يدها:
ــ اللي هو مين فتى أحلامك يا ست حنين؟ ده أنتِ تقدم لك والبوابة دي تشهد عليا علشان دخل منها المدرس والمحامي والنجار والسباك وكلهم شباب زي الورد. والصنايعي ما يعيبهوش حاجة، بيبقوا شباب بيعتمدوا على نفسهم وكمان كل اللي اتقدموا لك من الصنايعية معاهم شهادات عالية بس اعتمدوا على نفسهم من وهما صغيرين وبقوا يشتغلوا في صنعتهم عشان ماحدش يصرف عليهم. شباب مكافح وكل اللي تقدموا لك منهم ولاد ناس وكانوا شاريينك على الآخر.
واستطردت حديثها باستفسار عن مواصفات فتى أحلامها كي تستريح وتهدأ روحها:
ممكن أعرف بقى إيه المواصفات اللي إنتي معطلة نفسك عليها ده كله ومخلياني مش طايقة نفسي بسببك ولا عارفة أرتاح؟ أخواتك كلهم ريحوني إلا انتِ؟
ضمت شفتيها برقة وهي تغمض عينيها وتذهب بعقلها وفهمها وهي ترسم فتى أحلامها وتنطقه بشفاها أمام والدتها وكأنها تراه بالعين السحرية ومن شدة تخيلها كأنها تراه أمام عينيها فارسها الذي تحلم به:
ــ عايزاه يكون لونه قمحي ولا أبيض ولا أسمر وطويل وصدره عريض ويكون جسمه رياضي ونظيف جداً في نفسه وشيك جداً في نفسه وعايزاه يكون متعلم وشغله يكون مستوى وراجل في نفسه كده ويكون جان ورومانسي واللي يشوفه يقول الرجل الغامض بسلامته من تقله ورسـ.ـيانه.
شهقت والدتها بشدة وهي تضرب على صدرها بقلق عارم على صغيرتها التي ومن الواضح أنها لم تفهم أمور الزواج حقاً:
ــ يا حزن قلبي عليكِ يا بنتي! بقى دي مواصفات الراجل اللي انتِ عايزة تتجوزيه! طب فين دينه؟ فين اخلاقه؟ انتِ هتتجوزي شكله! هتتجوزي عضلاته؟ الرسول عليه الصلاة والسلام قال "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه وإلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". يعني بتقعدي تتبطري على العرسان اللي بتجيلك وانتِ أصلاً بصة للاسود والأبيض والطويل والقصير والعريض والرفيع؟
وأكملت نهرها وهي تهز كتفها بحدة خفيفة نظراً لما تفوهت من هرائات لا تسمن ولا تغني من جوع:
ــ طب ما ممكن يكون في المواصفات اللي انتِ عايزاها دي ويوريكي سواد أيامك ولياليكي. ما انتِ مبصطيش غير للشكل، ما بصيتيش للأخلاق اللي هيعاملك بيها، للرضا اللي ربنا هيرضى عنك بيه ويوفقك بحياتك. والله يا بنتي الله يكون في عونك على اللي هتشوفيه في الدنيا بسبب دماغك دي. وأنا بنصحك وبحذرك في نفس الوقت لما ييجي لك واحد ابن حلال وأخلاقه كويسة ارضي يا حنين وما تقوليش لا عشان الرضا لمن يرضى يا بنتي.
واسترسلت كلماتها وهي تمد يدها وتعطيها مبلغاً من المال:
ــ يلا قومي البسي عشان تجيبي التورتة والجاتوه عشان عيد ميلاد بنت اختك. أنا حاجزاهم من امبارح ودافعة عربون ودي باقي الفلوس عشان أنا وعدتها إني أنا اللي هعمل لحفيدتي عيد الميلاد. وما تنسيش تطلبي أوبر عشان ما تتبهدليش بالحاجة وانتِ جاية.
مدت يدها وأخذت النقود ثم تركتها والدتها وغادرت الغرفة الخاصة بصغيرتها وهي تشعر بالقلق الشديد عليها نظراً لتفكيرها الغير ملائم للعيش في هذه الحياة المليئة بالصدمات والمواقف والتي لا ينفعها الشكل ولا الهيئة بشتى الطرق.
“”*****”””##########
ــ شوف بقى أنا نقيت لك عروسة نقاوة. هتقولي تسلم إيدك يا ماما على العروسة القمر دي. حاجة كده مانجة مش هتقدر تطلع فيها الهوا يا هاشم. ودي بالذات بقى لو رفضتها أنا مش هرضى عنك ولا قلبي هيرتاح من ناحيتك تاني ومش هكلمك أصلاً.
تأفف هاشم بزهق من إلحاح والدته عليه في ذاك الموضوع. هو لا يريد الزواج الآن ولا الارتباط ويرى أنه لا توجد فتاة تليق بهاشم سالم. يرى حاله فوق مستوى أي فتاة، بارد بشدة مع جنس حواء وفي نفس الوقت يمتلك من الوسامة والرجولة والشياكة ما يجعله حلماً لكثير من بنات حواء. رفض كثيراً جداً منهن، وكما أنه كان خاطباً لإحداهن ولم يمكث معها سوى شهرين فقط وتركها. ثم مط شفتيه بملل قبل أن يرد على والدته:
ــ يعني يا ماما كل شوية هخطب واحدة ما تعجبنيش وهسيبها؟ ما أنا اللي أنا كنت خاطبها إنتِ اللي كنتِ منقياها لي وما استريحتش معاها وما عجبتنيش. وأنا مش مستعد أخطب كل شوية وأسيب. وقت ما ألاقي الإنسانة اللي أحس إن أنا مستريح لها وعايزها أكيد هخطب يا ماما. الموضوع كله قسمة ونصيب وانتِ اللي مش عايزة تقتنعي.
رفعت حاجبها باستهزاء لكلماته وهي تتذكر تلك الفتاة التي خطبتها له ولم يمكث معها سوى شهرين ثم تركها بدون أن يعلن عن أسباب سوى أسباب تافهة لا تمت للعقل بصلة:
ــ والله البنت كانت محترمة وبنت ناس وعمرك ما هتلاقي زيها تاني. وانت افترت عليها يا هاشم بعصبيتك وبرودك معاها وكنت دايماً بتتعالى عليها. وسبحان الله كانت مستحملاك. ولما لقيتها ضعيفة واستحملت كل حاجة منك عشان بتحبك سبتها وافترت عليها. وأنا واثقة ومتأكدة إن انت مش هتلاقي زيها تاني. واديها اتخطبت داخلة على سنة وقربت تتجوز وخطيبها بيموت فيها. خليك انت بقى لما تلاقي عروسة المولد اللي انت عايزها.
ثم أدارت وجهها للناحية الأخرى بعيداً عن مرمى عينيه وهي تنهره:
ــ يلا بقى اتفضل روح على شغلك عشان أنا ولا طايقاك ولا طايقة كلامك وكارهة نفسي ودنيتي بسببك. اطمنت على اختك واتجوزت في بيت جوزها وانت اللي مطلع عيني.
نفخ بضيق من حدة والدته معه ومهما حاول إقناعها بأنه لن يشعر بالارتياح مع إحداهن إلى الآن لم يستطيع. وقبل أن يتفوه ببنت شفة كي يراضيها كمثل كل مرة تغضب منه وتفتح معه ذاك الحوار جاءه اتصال من إحدى فروع محلات الحلوى الشرقية والغربية المشهورة بشدة والتي يمتلكها عن أبيه المتوفي منذ عامين. فتح الهاتف كي يجيب على الاتصال وإذا بمدير الفرع يتحدث بتوتر ويبدو أنه يوجد مشكلة كبيرة ولن تُحَل إلا بوجوده:
ــ في مشكلة كبيرة يا فندم لازم حضرتك تيجي تحلها بنفسك لأننا مش قادرين نسيطر عليها.
سأله هاشم بهدوء فهو معتاد على تلك الاتصالات يومياً من جميع الفروع:
ــ مشكلة إيه يا حسن؟ اديني فكرة قبل ما آجي أنصدم كالمعتاد عشان حتى ألاقي حل قبل ما آجي؟
أجابه مدير الفرع بعملية:
ــ المشكلة إن كان في حجز من يومين لتورتة بالإسم والصورة والعميلة دافعة عربون وجت تستلم لقت المواصفات غير المواصفات خالص. وكانت طالباه كلها شوكولاتة وملقتش التورتة عليها ولا صورة ولا اسم ومكتوب عليها اسمها. ودوروا كتير على الأوردر بتاعها واتضح يا فندم إنه راح المنصورة شحن مع أوردرات رايحة هناك واتلخبط. وهي رافضة تستلم أي حل بديل يمشي عيد الميلاد عندها ومصممة إنها تاخد التورتة المتفق عليها بالاسم والصورة والمواصفات.
اتسعت مقلتيه بذهول ثم تنهد بقوة وهدر به بصياح أرعبه في الهاتف. فهو يحب الالتزام في عمله ويكره مثل هذه المشاكل المتعلقة بالإهمال، فقد بُنيت سلسلة فروع محلاتهم على السمعة وعلى الجدية التامة والالتزام في تسليم الطلبات بحرفية:
ــ نهاركم مش فايت! إزاي الكلام ده يحصل في الفرع اللي عندك! دي مشكلة كبيرة ومش هنقدر نسيطر عليها وطبعاً العميلة جاية قبل ميعاد عيد الميلاد بمدة بسيطة مش هنلحق نعمل حاجة. إزاي مشكلة زي دي تحصل وانت موجود وأنا منبه عليكم الأوردرات اللي بتخرج تتراجع 1000 مرة وتعدي عليك وتراجعها بنفسك. للأسف ده اسمه إهمال والإهمال يوقع سمعة المحل في الأرض. أنا جاي حالا عشر دقايق بالظبط.
كانت تجلس تفرك بأصابع يدها تارة وتنظر إلى ساعتها تارة أخرى وقد تأخرت على موعد استلامها. فاتصلت عليها والدتها كي تسأل عنها فأخبرتها بالمشكلة:
ــ جيت يا ماما استلم التورتة زي ما انتِ ما قايلة لي على المواصفات بتاعتها لقيتها غير اللي احنا طالبينها خالص واتضح إن التورتة بتاعتنا راحت في أوردرات في المنصورة من الضهر ودلوقتي مستنية صاحب الفرع يجي يشوف المشكلة دي لأنهم عايزين يدوني واحدة تانية غير اللي انتِ حاجزاها بصورة هنا.
انفعلت والدتها وقد ارتفع الضغط عليها:
ــ إزاي الكلام ده يحصل؟! الناس على وصول وأنا وعدت حفيدتي إني أنا هعمل لها تورتة بصورتها عشان عمالة من الصبح اتحايل عليكي تروحي تستلميها عشان عاملة حساب الحاجات اللي زي دي. يعني إزاي أطلع كذابة قدامها وهي مستنية تشوف صورتها على التورتة وطفلة صغيرة متعلقة بحاجة زي دي. أنتِ السبب زي ما هما السبب بالظبط ويا ريت تنجزي وتحلي المشكلة عشان فاضل ساعة بالظبط والناس توصل.
غضبت هي الأخرى من اتهام والدتها:
ــ يعني يا ماما أنا ذنبي إيه في اللي حصل؟ أنا جيت استلم التورتة والمفروض إني آخدها بنفس المواصفات. العيب على صاحب الفرع اللي مشغل ناس عنده مش مركزين والمفروض إن الحاجات دي تكون دقيقة جداً. أنا مش فاهمة هو اسمهم اللي بيلمع على السوشيال ميديا والإعلانات اللي بيعملوها في التلفزيون على الفاضي. ناس مش مسؤولة أصلاً.
كان ذاك الهاشم قد دلف بطلته ذو الهيبة والوقار بقميصه ذو اللون النيلي المفتوح أعلى صدره وقد برزت عروق رقبته مما استمع إليه من كلمات تلك العميلة عن فروعهم السيئة وأنهم يقولون ما لا يفعلون. وتجمعت جيوش الغضب أمام عينيه لينزع سماعة الهاتف من أذنه ويتحدث ببرود استفز تلك الحنين:
ــ على فكرة مش إحنا اللي نعمل إعلانات على الفاضي عشان نجذب الزبون. إحنا فروعنا بجميع مستوى الجمهورية معروفة وكفاية إسم محلات "سويتس" كفيل إن الزباين تيجي لحد عنده من غير أي بروباجاندا زي ما انتِ ما بتقولي. وإذا كانت حصلت غلطة فعادي، إحنا مش أنبياء عشان ما نغلطش ولا ملايكة نازلين من السماء. الأوردرات اللي بتتسلم النهاردة معدية الـ 2000 أوردر في الوردية الأولى بس فطبيعي إن يحصل غلط ولو واحد في المية وجت فيكي فلو سمحتِ تتكلمي بأسلوب مهذب أحسن من كده والمشكلة هنحلها.
تأففت بامتعاض لحماقته في الرد ثم عقدت حاجبيها بعدم تصديق لعجرفته ثم قالت ساخرة من طريقته:
ــ والله! هو الطبيعي إنه يحصل الغلطة دي! طب أنا دلوقتي عايزة الأوردر بتاعي زي ما أنا ما طالباه. والمفروض ترد على العملاء بطريقة أحسن من كده. مش عارفة مدير المحل ده مشغل ناس زيكم يتكلموا مع العملاء بالطريقة الغير لائقة باسم المحل اللي بتتكلم عنه. حاجة تقرف والله.
تصاعد الموقف بشدة ونظرات التحدي والشرار اندلعت ثائرة من كليهما. فتخلى ذاك الهاشم عن بروده ليتقدم منها وهو ينظر داخل سوداويتها بشر وقد برزت عروق رقبته. فلأول مرة يتطاول أحدهم عليه بتلك الطريقة المهينة:
ــ حاجة تقرف! تصدقي الشكل يقول إنك واحدة بنت ناس وطبيعي إن ولاد الناس هم اللي يدخلوا محلاتنا. بس الظاهر إنه مش بالمناظر، بتبقى شحاته وبتلف ورا ولسانها بينطق احترام.
اتسعت دائرة عينيها بذهول:
ــ أنت تقصد تقول إن أنا مش محترمة؟ أنت إنسان مش مهذب وما تعرفش عن الذوق والأخلاق الهوى. مدير المحل لازم يجي حالا يشوف طريقتك المش محترمة في التعامل مع العملاء.
بمجرد أن تفوهت بهرائها ذاك اندفع إليها ليشن حروب لسانه السليط فوق رأسها بغرور رجل. ولكن نظراتها المتحدية له جعلته يريد أن ينقض عليها ويفتك بها وأن يجعلها عبرة أمام أعين الجميع. فتقدم بخطواته بقدر تراجعها ويغرس خنجر كلماته في صدرها ليعنفها بصوته المملوء بالجبروت:
يتبع…..
رواية مشاعر موقدة الفصل الثاني 2 - بقلم فاطيما يوسف
انت تقصد تقول ان انا مش محترمة انت انسان مش مهذب وما تعرفش عن الذوق والأخلاق من الهوى مدير المحل لازم يجي حالا يشوف طريقتك المش محترمة في التعامل مع العملا.
بمجرد أن تفوهت هرائها ذاك اندفع إليها ليشن حروب لسانه السليط فوق رأسها بغرور رجل ولكن نظراتها المتحدية له جعلته يريد أن ينقض عليها ويفتك بها وأن يجعلها عبرة أمام أعين الجميع.
فتقدم بخطواته بقدر تراجعها ويغرس خنجر كلماته في صدرها ليعنفها بصوته المملوء بالجبروت:
والله اذا كان في قلة ذوق فمنك انتِ يا آنسة ولعلمك بقى انا مدير المحل وكنت جاي احل لك المشكلة لكن لقيت حضرتك بتتكلمي بأسلوب مش كويس ولا كأننا شغالين عندك.
ولو كنتِ طلبتِ حل المشكلة بأسلوب مهذب عن كدة ما كانش حصل اللي حصل وانا ما اسمحش لأي حد يتكلم معايا بالأسلوب ولا الطريقة دي!
المفروض لو حصل أي لبس بيتحل بهدوء بدون غلط زي اللي حصل منك دلوقتي.
حقا اثار حنقها برده المستفز البارد وذُهلت من أن ذاك المتعجرف هو صاحب سلسلة تلك المحلات المشهورة.
ثم جلست ووضعت ساقاً فوق الأخرى بكبر جعله استشاط غضباً فلأول مرة تتعامل احداهن معه بذاك الغرور والكبرياء وهو دوماً في موضع الرجل المغرور من تستكين أمامه كثيرٍ من نساء حواء.
لتقول تلك الحنين بقامة مرفوعة ورأس شامخة وهي تمسك هاتفها تدعي الانشغال به مما جعله يود سحقها بين يديه والفتك بها:
تمام وانا مش هرد على طريقتك في الرد عليا ولا انك برده تطاولت عليا يا حضرة المدير، دلوقتي انا قدامي بالظبط ساعة مش اكتر من كده عايزه أستلم الأوردر بتاعي زي ما موجود بالضبط واديني بتكلم بهدوء وحضرتك تقدر تحل المشكلة ومش هتسمع صوتي تاني ومش هتنازل عن أوردرى.
جز على أسنانه بغضب من طريقتها المتكبرة عليه وعدم النظر إليه وهي توجه له كلامها وادعائها الظاهري بالانشغال بالهاتف ووضعها قدماً فوق الأخرى وهو يكاد يجن جنونه فتلك المرة الأولى التي يقابل في جنس حواء مثل هذه الفتاة التي جعلته استشاط للغاية ولم يتحمل تلك المهانة من وجهة نظره.
وعلى حين غرة أخرج نقوداً لم يعرف عددها من جيب بنطاله وألقاها في وجهها فتبعثرت تحت قدميها لينطق ببرود مماثل وقد استراح من فعلته تلك وانتقم لكرامته التي تبعثرت على يد تلك المغرورة:
انتِ مين يا بني آدمة انتِ علشان خاطر تقعدي وترفعي راسك وتحطي رجل على رجل ولا كأنه بيتكم وبتتكلمي بالأسلوب الزبالة ده؟!
آدي فلوسك ملكيش عندنا أوردرات وما عندناش تورت روحي شوفي بقى مين اللي هيعملها لك علشان بعد كده تبقي تتكلمي عدل وتعرفي انك هنا في محلات محترمة ما ينفعش تتعاملي مع أصحابها بالكبر والعجرفة دي.
تدلت بأنظارها أسفل قدميها وهي تنظر إلى النقود الملقاة أرضاً وقد انصدمت من فعلته تلك ولم تكن تتوقع مثل هذه الفعلة وتذكرت أمر والدتها ويوم ميلاد ابنة شقيقتها ومن المؤكد أن والدتها ستتهمها بأنه المسؤول الأول والأخير عن إفساده.
ولكن كرامتها دهست وتبعثرت امام العاملين في المحل من أفعال ذاك الأهوج ذو العقل المغرور.
ثم ألقت بعض النقود التي تمسكت بثيابها أرضاً وقامت من مكانها ووقفت أمامه وهي تهتف بقوة أمام عينيه:
انا دفعت لكم الفلوس بأدب وطلبت طلبي بأدب لكن الظاهر إن المكان هنا مش بالمناظر ولا والسمعة في محلات أقل من دي بكتيير دخلتها بس محترمين وبيعرفوا يتعاملوا مع الزبون لأنه دايماً بيبقي على حق.
أنا همشي وابقي لم انت الفلوس وخليهالك يا حضرة المدير اشبع بيها مش حنين عبدالرحمن اللي توطي راسها أبدا بس قابلوا بقي مني تشهير عن المحل وعن الموقف اللي حصل معايا وعن الطريقة اللي اتعاملت بيها هنا ومنك انت بالذات يا حضرة المدير مش هسكت ابدا.
صوت مميت ملأ المكان ونظرات الدهشة حلَّت على ملامحه ساخراً عما ما ردده فاهها بنبرة جليدية وقد استدعت شياطين الإنس والجن أمام عينيه الأن:
انتِ مين يا بتاعة انتِ علشان تهدديني ولا أخاف منك؟!
طب لعلمك بقى ما بتهددش وأعلى ما في خيلك اركبيه مش واحدة زيك اللي أخاف منها على سمعه محلاتي ولا هحطك في دماغي اصلا ولعلمك يليق عليك المثل اللي بيقول الكلاب تعوي والقافلة تسير ولا هيأثر فيا كلامك ولا تشنيعك للمحل.
رمشت بأهدابها وهي ترفع عينيها المصدومة من سبابه والتي تتلألئت جواهرها بلمعة الدمع ثم هتفت بنبرة مملؤة بالحسرة:
فعلا صدق المثل اللي قال برده من بره هالله هالله ومن جوة يعلم الله وانا علشان متربية وبنت ناس فعلاً مش مجرد شو وخلاص مش هرد على إهانتك ليا.
ثم والته ظهرها وقبل ان تتحرك استفزته بكلامها:
ما انت لولا انك عارف غلطك انت والتيم بتاعك كان زمانك حليت المشكلة لكن انت موجود في مكان مش مكانك انت اخرك تتعالى على بنات الناس، يعني آخرك لسان على الفاضي مفيش فعل.
اما لو انت بتفهم في شغلك كويس وفي مكانك اللي اكيد ورثته واتحطيت فيه وجالك على الجاهز كان زمانك حليت المشكله وراضيت الزبون اللي له حق مهما قال وحافظت على سمعة مكان شغال من قبل ما تتولد حتى لأن الغلطة فعلاً كبيرة، بس انا اكتشفت دلوقتي إن محلات تحت السلم أحسن ميت مرة من محلاتكم دي.
هنا تحدث المشرف المسؤول عن العمال عندما وجد أن الموقف تصاعد للغاية كي يقف أوسطهم ويعتذر لكليهما عن ما بدر من إساءة للآخر ولأنه المسؤول الأول والأخير أمام هاشم عن ذاك الخطأ الشنيع وبالتأكيد إن خرجت دون حل المشكلة وبعد تلك الإهانات التي تعرضت لهاشم حتما سيتعرض هو للرفد المؤكد:
بعد إذنك يا آنسة ممكن تتفضلي تقعدي هنحل المشكلة لحضرتك وبلاش تدخلوا مع بعض في دور عِند.
المحل عمره ما كان له سمعة سيئة ولا عمره بيتعامل مع زباينه بطريقة مش كويسة احنا سمعتنا معروفة فلو سمحتي عايزين نحل المشكلة وان شاء الله هتخرجي مرضية من هنا ولا ضرر ولا ضرار ليكي ولا لينا.
كادت أن تغادر المكان ولم تستمع لكلمات ذاك المشرف إلا أن هاشم تحدث باقتضاب بكلمات قصيرة وهو يوجه اوامره للمشرف:
هات لي الاسبونش والخامات كلها في ظرف دقيقتين تكون قدامي علشان هعمل لها طلبها بنفسي.
ثم استرسل حديثه وهو يوجه لها كلماته بنفس النبرة الباردة:
انا هعمل لك الأوردر بتاعك بنفسي في نص ساعة بالظبط بس علشان تعرفي ان انا ما اتولدتش في بقي معلقة دهب وان انا فعلا تعبت علشان أحافظ على سمعة المحل اللي انتِ بتتكلمي عنها وان انا مش بتاع كلام ومش خوفاً منك ولا من الكلام اللي هتخرجي تقوليه برة.
لاا خالص كل اللي بعمله علشان أثبت لك انك غلط في وجهة نظرك فقط لا غير.
قبل ان يتحرك المشرف للإتيان بطلباته ترجاها ان تهدا وتجلس على الأريكة مرة أخرى:
ممكن حضرتك تقعدي بقى علشان تاخدي اوردرك من غير اي مشاكل وان شاء الله المستر هاشم هيخلص الأوردر بنفسه لحضرتك كفاية مناقرة لحد كده وطالما المصلحة كلها هتخلص يبقى مفيش مشكلة تقدري تقولي لي حضرتك قهوتك ايه؟
جلست على الأريكة وداخلها يؤكد انه لن يستطيع ولكن نوعاً من الفضول جعلها تستكين وتجلس كي ترى أنه سيستطيع أم ماذا وكلاهما ينظر للآخر بتحدي شديد فاق الحدود وهي تجيب على عرض المشرف برفض راقي:
متشكرة جدا لذوقك بس أنا شربت قهوتي لو احتاجت اشرب حاجة اكيد هقول لك.
تحرك المشرف من أمامهم يجلب لهاشم طلباته أما هو قطع المناديل المخصصة لتنظيف الرخام الأسود وهو يطلب منها دون أن ينظر إليها:
سجلي رقمي دلوقتي وابعتي لي الصورة على الواتساب حالاً ما فيش وقت ندور عليها على واتس الاوردرات.
دونت الرقم سريعاً وفهمت عليه ثم أرسلت إليه صورة الطفلة وقد أتى له المشرف بكل ما يحتاجه لصنع الحلوى وبدأ في صنعها بمهارة فائقة بعد أن علِم تفاصيلها وهو يحركها بين يديه بحرفية ومن يراه يجزم أنه شيف حلوى من أعظم الشيفات الموجودة في العالم من سرعته ومهارته وتدقيقه لما يفعله بمهارة عالية.
كانت تنظر له باندهاش فقد أنهى صنع الحلوى في غصون خمسة عشر دقيقة دون احتياج لأحدهم فقد احضروا له المكونات فقط ثم قام بتشكيل الصورة على الحلوى ولم يمكث سوى عشر دقائق أخرى ثم أعطاها للمشرف آمراّ إياه:
حطها في المجمد لمدة 10 دقايق وغلفها وهاتها وتوصل للآنسة لحد بيتها والتوصيل مجاني على المحل.
كانت تجلس وهي تشعر بالخجل من حالها وهو يقصد إحراجها ثم حمل مفاتيحه وهاتفه مردداً بكبرياء وهو ينظر في ساعته:
اظن حضرتك هتستلمي طلبك في الوقت المظبوط يدوب تأخير بسيط ويا ريت يكون رايك اتغير عننا وعن تقصيرنا وعن سمعة المحل واننا مش بنعمل شو على الفاضي وكل سنة والبنوتة طيبة عن اذنك.
تسهمت نظراتها عليه وانقلبت من النظرات النارية التي كانت تنظر بها له منذ قليل الا نظرات اعجاب اخترقت قلبها ببراعة وهي تنظر على أثر خروجه وبعد أن أصبحت لحالها ردد لسانها بصوت منخفض هي فقط من تسمعه:
يلهوووووي على كبريائك وغرورك وايدك اللي تتلف في حرير وطولك وعرضك يخرب بيت جمالك ده انت جننتني وطيرت لي البرج اللي فاضل في نافوخي وخليتني من واحدة عايزة تولع فيك لواحدة عايزة بس تتأمل فيك وفي هيبتك، ايه الرجالة دي الواحد مش بيشوفها ولا بيقابلها في حياته يلهووووي ده انا قلبي هيقف مش مبطل دقات ونفس اتحبس طول ما انا قاعدة قدامك.
بعد مرور نصف ساعة كانت قد وصلت إلى المنزل وسبقتها الحلوى وعندما صعدت إلى والدتها وجدتها سعيدة للغاية وهي تردد:
ايه يابت يا حنين التورتاية القمرر دي ولا كأنها خارجة من المتحف وجايبنها لحد البيت كمان ومعاها الشموع وكمان طبق جاتوه ومكتوب في كارت جمبه” كل سنة والبنوتة القمر طيبة والجاتوه كادو من “سوتيس” للتأخير الغير مقصود وعذراً مرة أخرى.
وأكملت وهي تنطق اسمه أمام تلك المبتسمة الحالمة:
وموقع كمان “مدير الفرع هاشم سالم” شكله راجل كبارة وسنه الكبير اداله خبرة في معاملة الزباين والاعتذار عن الغلط الغير مقصود بصراحة حركة حلوة منه.
كانت تلك الحنين تستمع لحديث والدتها بحالمية وهي تتذكر هيئة ذاك الهاشم وقد انطبعت في ذاكرتها وحفظتها عن ظهر قلب إلى نطقت والدتها عن عمره حتى نفت سريعاً:
اسكتي يا ماما كبير في السن ايه! ده شاب انما ايه ولا نجوم السينما طول بعرض بشياكة وذوق وحاجة كدة تقولي رجالة استيراد بلاد برة.
وأكملت حديثها عن ذاك الهاشم دون أن تذكر شيئاً عن عراكها معه ولا أن تنوِّه عنه بحرفٍ واحد:
في ثانية أول ما المشرف بلغه بالمشكلة جه علطول لا وايه عمل التورتة بنفسه وايده كانت بتطير على الصاج ولا كأنه شيف أجنبي ولا الشيفات اللي بيجوا في التلفزيون وخلص التورتاية هوا وكمان اعتذر لي وقال لي التوصيل على حساب المحل علشان الخطأ الغير مقصود اللي حصل.
كانت والدتها منتبهة بشدة لحديثها وهي تسألها:
بجد كلامك ده يا حنون! دول طلعوا ناس كويسة جداً زي ما بنسمع عنهم.
توردت وجنتيها وهي تغازله امام والدتها دون حياء:
يا خراشي يا ماما عليه ويلهوي على شكله مز مزاميز انما ايه حاجة فاخر من الآخر، هو اللي زي ده بقي اللي عايزاه يكون عريسي مش الغشم اللي بيتقدموا لي دول.
لكزتها والدتها في كتفها وهي تنهرها عن طريقتها تلك:
اتحشمي يا بنت وانتِ بتتكلمي، هو انتِ ينفع تتغزلي في راجل قدامي؟احترمي نفسك بقى، والله العظيم المنظرة الكذابة اللي انتِ ماشية وراها دي لا هتوديكي في 60 داهية بكرة تقولي ماما قالت، ويلا انجزي بقى علشان الناس على وصول وسيبك من طريقتك المستفزة دي وحذاري تتكلمي عن شاب قدامي بالطريقة السفلة دي!
ده انتِ ما بقاش عندك حياء خالص، انا ما اعرفش انتِ طالعة لمين انا ربيت بنتين قبلك ما شفتش منهم كده خالص؟
لوت شفتيها بامتعاض لصياح والدتها بها ثم أشاحت بيديها في الهواء متعرضة على حديث والدتها اللاذع لها ونهرها وهي تحدث حالها:
بس بقى يا ست ماما عايشة في عصر الهكسوس اخرجي شوفي البنات بره عاملين ازاي وأهاليهم سايباهم على راحتهم ما اعرفش الدقة القديمة بتاعتك دي هتخلص امتى!
أدفن راسي في الارض زي النعام يعني علشان أعجبك!
ده مستحيل أبداً انا “حنين عبد الرحمن” مش هتاخد غير اللي يليق بيها وبمستواها ويكون شيك وذوق كدة.
التقطت والدتها بضعاً من هرائها لتضرب كفاًّ بكفٍ ثم وضعت كف يدها على رأسها لشعورها بارتفاع ضغط الدم من صغيرتها المتهورة لتردد هي الأخرى بأسى:
آه الضغط هيوج من نفوخي من البنت دي ربنا يسامحك يا شيخة ما اعرفش عملت ايه في دنيتي عشان ربنا يبليني بعيَّلة زيك تعمل فيا كده هتموتيني ناقصة عمر، يا رب يهديكي يا “حنين” يا رب يهديك يا بنتي.
اما في المحل كان هاشم يقف وسط عماله المسؤولين عن توصيل الأوردر يعنفهم بشدة:
غلطه زي دي اتكلفت تورتاية راحت للمنصورة غلط وأوردر هناك اتلغى ب 500 جنيه وأوردر هنا اتعمل جديد بنفس التمن ب 500 جنيه وزاد عليه دستة الجاتوه اللي راحت هدية والتوصيل كمان يعني مجمل اللي اتكلف بيه المحل النهاردة 2000 جنيه بل ويزيد.
وطبعا لأن حضراتكم أنتم الاربعة المسؤولين قدامي على مراجعة الطلبات وعلشان كده كل واحد فيكم هيتخصم منه 500 جنيه علشان الغلطة دي ما تتكررش تاني لأن بسببكم النهاردة اتعرضت للإهانه اللي عمرها ما حصلت من زبونة ولولا ان هي عندها حق بسبب اللي حصل ما كنتش سكت لها.
محلات وفروع “سوتيس” ما اتبنتش بسهولة ده بتعب ومجهود أجيال قبلي ولسه أجيال هتيجي بعدي ومش هسمح بسبب إهمال حضراتكم وتطنيشكم إن الغلط ده يحصل تاني.
المرة الجاية هتكون بالرفد وانت اولهم يا حضرة المشرف، انا مش بقبضكم الآفات المؤلفة اكتر من اي حد برة علشان الغلط ده يحصل، والمرة دي هكتفي بلفت نظركم لكن المرة الجاية مش هيحصل طيب، اتفضلوا على شغلكم وكفايه عطله قوي النهاردة.
قد نتعرض لمواقف وظروف تعكر علينا صفو الحياة، وتؤلمنا حدّ الموت، وتجرح قلوبنا من شدة الألم الذي نعانيه، ونحاول الوقوف من جديد ولكننا نيأس ولا نستطيع فالجرح عميق وآثارة كبيرة فمن المؤسف حقاً أن نبحث عن الصدق في عصر الخيانة، ونبحث عن الحب في قلوب جبانة فنتعرض للجرح من أقرب الناس إلى قلوبنا فتنكسر، ثم نبكي ونتوجّع ونتحسّر، فحجم الألم كبير، والجرح الذي صرخت منه قلوبنا بمقدار حبنا تعلقنا بهم، والجرح الذي تسببوا فيه يساوي مكانتهم، وفي الروح حزن يتسلل ليقتل كل لحظة أمل فمسكينة قلوبنا فرحها اختار الممات لم يحتمل كل هذه الصدمات ولكن أكثر الناس حقارة هو ذلك الذي يعطيك ظهره، وأنت في أمس الحاجة إلى قبضة يده.
كانت “نور الهدى” تشهق بشدة في احضان والدتها مما فعله معها زوجها والكلمات الحقيرة التي القاها على مسامعها فسبب لها في جرح عميق لا يندمل ابدا مهما طال الزمن وهي تردد من بين شهقاتها:
جرحني قوووي يا ماما وبدأها بدري قووي واحنا لسه يدوب عرسان جداد، اداني حبة كلام زي الرصاص في قلبي خلاني انصدمت ومصدقتش نفسي وانا بسمع منه كلام دبـحني.
ثم خرجت من أحضان والدتها الحانية وهي تمسح دموع عينيها وتتسائل بحسرة وألم:
هو انا يا مامي وحشة ومش مليت عينه إنه يحبني كفاية ويخاف على زعلي ومش يقول لي كلام يجرحني؟
ولا هما كل الرجالة كدة ولا الجواز اللي كدة وأنا كنت فاهمة إنه حاجة حلوة، كنت فاهماه حضن وأمان وراجل يخلي باله مني ويخاف عليا ويحتويني ويخاف يزعلني، يخاف يقول لي كلمة تجرحني، يخاف يخليني أنام زعلانة.
طلع إن الجواز مطحنة الست بتدخلها بقلب مفتوح للحياة وروح عايزة روح تشبهها في المودة والسكينة لكن اتضح إن مش كل حاجة عقلها بيرسمها لنا بتبقي صح.
احتوت والدتها وجنتيها بين كفاي يداها الحنونتان وهي تشعر بسكاكين الحزن تقطع نياط القلب علي عزيزتها وهي تمسح لها دموعها برفق حاني لتصحح مفهومها الخاطئ عن الزواج:
لا يا حبيبتي مفهومك صح عن الجواز ما انتِ شايفه اهو بابي بيتعامل معايا ازاي وعمره ما جرحني بكلمة وعمره ما قال لي لفظ يزعلني، كل اللي حصل بينك وبين جوزك غلط طبعا وعلشان كده مش هتروحي من هنا إلا لما مامته و باباه يجوا وتحكي قدامهم الكلام اللي اتقال وبعد كده هنشوف هينظبط ولا لا لو فضل على كده انا مش هخليكِ تعيشي على ذمته ثانية واحدة.
ما زالت تشهق في أحضان والدتها وهي تشفق على نفسها العزيزة دوماً مكانك تتخيل ان يحدث وتسمع مثل هذه الكلمات من زوجها في أول شهرين زواج لهم لترفض حديث والدتها:
لا يا مامي انا مش هرجع اعيش معاه تاني ده شتم بابي وقال لي كلام مش حلو خالص وأهان كرامتي على الآخر وكمان قال لي انتِ طالق في أول خناقة ما بيني وما بينه وده كله علشان عايز يمنعني عنكم.
انا لا يمكن ارجع له تاني هو طلقني خلاص وانا خايفة لما يرجع من السفر بعد ما اتنازلت عن الكلام اللي قاله لي ورجعت له يعمل في حاجة وحشة.
ربتت والدتها على ظهرها بحنو بالغ وهي تقدم لها نصيحتها:
بصي يا حبيبتي في خناقات كتير بتحصل بين الراجل ومراته في حاجات نقدر نتنازل عنها وفي حاجات ما ينفعش ابدا نسكت ولا نتنازل عنها بس انتِ دي اول خناقة تحصل ما بينك وما بينه احنا هنقول له على شروطنا وهنتفق معاه هيمشي معاكِ ازاي اي نعم هو غلط كبير جدا بس ما ينفعش ان احنا نهد البيت من أول مرة لازم نعمل كل اللي في وسعنا علشان نعمر البيت.
تيته زمان كانت بتقول لي دايما الست الشاطرة هي اللي تعرف تحافظ على بيتها مهما حصل وهي اللي تعرف تغير جوزها من وحش لحلو وانتِ شطورة من وانتِ صغيرة يا حبيبتي فهنسيب بابا يتفاهم مع باباه ومامته وبعدين الصالح ليكي طبعا هنعمله، ما تخافيش مش هيقدر يلمسك طول ما احنا عايشين على وش الدنيا وان عملها يبقى هو الجاني على نفسه.
رفعت عينيها المغشيتين بالدموع وهي تسأل والدتها بحيرة:
بس ده يا ماما طلقني هو ينفع اعيش معاه بعد ما طلقني؟
تنهدت والدتها بأنفاس عالية وهي تمرر يدها على خصلات شعرها بحنو:
حبيبتي طبعاً يمين الطلاق غلط وما ينفعش يتقال عمال على بطال بس هو رمي عليكِ يمين واحد ممكن جداً يكون راجع نفسه دلوقتي ورجعك لعصمته من غير ما تعرفي، كل حاجة هنتكلم فيها لما مامته وباباه يجوا انا عايزاكِ دلوقتي تدخلي تاخدي شاور وتهدي أعصابك عقبال ما اعمل لك أكلة جميلة من ايد مامي وعايزاكِ تنسي كل اللي حصل وتروقي بالك وما تفكريش في أي حاجة غير انك تهتمي بنفسك علشان تنسي أي كلمة حصلت ما بينك وما بينه وطول ما بابا وماما عايشين اعملي حسابك انك مش لوحدك أبداً وهنفضل دايما جنبك يا حبيبتي ومش هنسيبك.
اخذت قسطاً من أحضان والدتها يكفيها للشعور بالراحة وقبل أن تتحدث استمعتا إلى رنات جرس الباب تعلن عن وصول ضيف فقامت والدتها وفتحت الباب ووجدته ابن شقيقته العزيزة على قلبها “يحيى”توسعت ابتسامتها في وجهها حينما رأته أمامها وهي تفتح له ذراعيها بالأحضان:
حبيب خالتو ايه المفاجأة الجميلة دي اللي ما كانتش لا على البال ولا على الخاطر تعالى يا بابا ادخل وحشتني قوي.
بادلها هو الآخر نفس العناق بنفس اللهفة فهو يعشق خالته بشدة وكأنها والدته الثانية ثم خرج من أحضانها وهو يقدم لها الحقيبة التي في يده:
معلش يا خالتو انا هستأذن على طول لأني ورايا حصة أون لاين، ماما باعتة لك الشنطة دي وبتقول لك كل حاجة مظبوطة زي ما طلبتيها.
تناولت منه الحقيبة وهي تلقيها جانباً وتمسكت بيده بشدة رافضة ذهابه مهما قدم لها من أعذار:
مستحيل تمشي من هنا قبل ما تقعد مع خالتو شوية انا مش بشوفك خالص يا يحيى وكمان نور هنا جاية زيارة، اتفضل انا هدخل اعمل غدا دلوقتي وهجيب لك اللاب توب بتاع نور ادي الحصة عليه ومش هتمشي من هنا الا لما اقعد اتكلم معاك انت وحشتني خالص على فكرة خالتو ما وحشتكش؟
تحمحم بإحراج حينما علم بوجود نور ليقدم اعتذاره مرة أخرى:
معلش يا خالتو اصحابي والله مستنيني بخلص الحصة على طول وبعدين هقابلهم خلينا مرة تانية وابقي سلمي لي على نور.
حركت رأسها وهي ترفض إطلاقاً تحركه من أمامها:
لا يمكن ابداً تمشي قبل ما اقعد معاك انسى بقى أصحابك وانسى كل حاجة انا مصممة يا يحيى ما تزعلنيش منك بقى والله العظيم أخاصمك وانت عارف زعل خالتو.
رفع كلتا يديه امام عينيها وهو يتقدم بخطواته إلى الداخل مردداً بطاعة:
لا كله الا زعل خالتو ما اقدرش عليه أبداً اتفضلي يا رشا هانم وانا تحت الأمر والطلب.
أما “نور الهدى” حينما استمعت إلى مجيئه وصوته جعل قلبها رفرف بين ضلوعها بشدة فهو ما زال خائناً لها ويعشقه وبرغم من أنها امراة متزوجة الا أنها تلعن حالها على قلبها الذي ما زال يهوى ذاك اليحيى بمشاعر موقدة لن تهدأ ابداً ومهما حاولت عدم التفكير به الا انه أتى أمامها الآن فقررت ان تتركهم وتدخل إلى غرفتها بعد أن تصافحه فهي لا يمكن ان تغضب ربها ابداً وستفعل بقدر الإمكان مع حالها ما يجعلها تستطيع نسيانه وعدم التفكير به ابداً.
فحاولت جاهدة إخفاء وجهها عن مرمى عينيه حينما وجدته قادماً عليها كي لا يرى احمرار وجنتيها وعينيها الداميتين من الدموع.
خطى بأقدامه إليها وهو يلقي سلامه ببشاشة وابتسامة حانية ارتسمت على وجهه كالمعتاد:
ازيك يا نور، عاملة ايه؟ وحشاني خالص والله، وبعدين هما اللي بيتجوزوا بيبعدوا كدة وبينسوا أهلهم ومش بيتكلموا معاهم خالص يا وحشة ده انا اخوكي الكبير اللي ما كناش بنفارق بعض أصلاً.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة كي تستطيع الرد عليه وذاك القابع بين أضلعها يخفق بشدة إجباراً عنها وهي تردد سلامه بنبرة خافتة دون أن تنظر إليه كي لا يرى وجهها:
الله يسلمك يا يحيى، عامل ايه، معلش بقى هو الجواز في أوله كده بيبقى لخمة حقك عليا.
أحس بصوتها المختنق وهي تجيبه سلامه ببرود وانها ليست على طبيعتها المرحة فسألها على الفور وهو يقتحم رؤية وجهها التي تداريه عنه وانصدم من رؤيته بذاك الشكل الدامي:
ايه السلام البارد ده يا نوري! ده احنا ما شفناش بعض بقى لنا كتير، ومال وشك وملامحك باهتين كأنك كنتِ بتعيطي! هو في حاجة يا خالتو، في حاجة يا نور، انتِ كويسة؟
ما زال يفهمها من نظرة واحدة فقط فدوماً كان ذاك اليحيى صديقاً صدوق لها، يفهم مشاعرها، يستطيع قراءة حزنها ببراعة، فهي لم تعشقه من فراغ نظراً لحنوه الزائد عليها وإغداقها دوماً بمشاعرِ العطاءِ الفياضة، لذا هي عشقته من طرفٍ واحد مما جعلها تتعذب دوماً منذ أن اكتشفت عشقها له وهي في مرحلة الإعدادية وظنتها مراهقة ولكن الى أن وصلت إلى عامها الثالث من الجامعة وتيقنت أنه يعتبرها مثل شقيقته ولم يفكر بها أبداً فأصيبت بصدمة في قلبها وازداد عشقه ولعاً بين ثنايا روحها وقررت كي تنساه ان ترتبط بغيره كي تستطيع محوه من قلبها ولكن ذاك القلب عنيد لن يعشق غيره ولن يتمنى غيره، والآن احست بخطئها، ولكن ماذا كانت تفعل حينما خطب غيرها مرة واثنين؟
فتيقنت من فعلته تلك أنه لن يراها أبداً إلا شقيقة له.
وفور أن استمعت إلى استفساره انهمرت الدموع من عينيها كالشلالات وهي تهرب من أمامه دون أن تجيبه مما جعله اندهش من حالتها فهو كان يعلم عشقها له ولكن هو يراها دوماً مثل شقيقته ولم يتحرك قلبه بمشاعر محبة الحبيب لحبيبه تجاهها فكان يصدها ولم يوعدها بشيء وكان يقلل من زيارته لمنزلهم حتى لا تزداد تعلقاً به ظناً منه أنه لن يريد خداعها فهو يخاف عليها بشدة ويخاف أن يجرحها كمثل خوفه على شقيقته ولكن منذ ان دلف إليهم الآن ورأى ملامحها ووجهها الدامي واستمع الآن إلى شهقاتها دق قلبه بعنف داخل صدره ولم يتحمل أن يراها بتلك الحالة ليسأل خالته سريعاً بقلق عارم:
هو في حاج حصلت يا خالتو نور بتعيط ليه وبكلمها مش بترد عليا دي مفلوقة من العياط ومنظرها بجد يقلق جامد طمنيني عليها يا خالتو لو سمحتي؟
ما إن تيقنت من دلوف ابنتها إلى غرفتها وأغلقت الباب على حالها حتى تناولت يد يحيى وسحبته إلى غرفة الصالون بعيداً عن غرفة ابنتها حتى لا تسمعهم وهي تحكي له عما حدث لها بالتفصيل وأنهت حكواها:
وبعد ما شتمها بباباها وبهدلها رمي عليها يمين الطلاق بطريقة بشعة وهي يا حبة عيني ما اتحملتش كلامه وسابت له البيت وجت ومفلوقة من العياط من ساعتها ومش عارفة أهديها ازاي، انا بجد مصدومة فيه ومش عارفة لما باباها يجي ويسمع الكلام ده ايه اللي هيحصل انا في نار يا يحيى يا ابني والله انت مجيتك دلوقتي هونت عليا جامد.
انصدم هو الآخر مما استمع إليه لينطق بذهول:
ايه ده معقول! ده اللي يشوفه يقول عليه جنتل وجان وعمره ما يغلط ابداً وكان بيتعامل معاها برقة شديدة ازاي يقول لها الكلام ده؟
انا لازم اكلمه حالا وابهدله علشان “نور” دي بالذات ما ينفعش يتعامل معاها كده هو مفكر نفسه ايه ولا مفكر نفسه مين علشان يبهدلها بالشكل ده والله لا أعلمه الادب.
بعد أن أمسك الهاتف بيده عازماً على الإتصال عليه إلا أن خالته منعته وهي تدلي برأيها عليه:
معلش يا “يحيى” مش عايزين نتهور زيه احنا ناس متربيين وهنستنى لما بابا “نور” يرجع بكرة إن شاء الله من الشغل لأنه مسافر يومين.
هو يحل المشكلة بنفسه ويشوف هيتصرف معاه ازاي علشان ما نغلطش، انا عارفه ان انت بتحب نور وبتخاف عليها جامد وما ترضاش لحد انه يئذيها بس برده يا ابني مش عايزة اغلط من الأول وباب الرجوع مفتوح مش هرضى لها خراب البيت من اول شهرين.
كان يشعر بالنيران تتآكل في صدره خوفاً عليها ولأول مرة يشعر بالندم من ضياعه لها، ولأول مرة يخفق قلب “يحيى” بتمني “نور الهدى” وهي بعيدة كل البعد عنه فلم يتحمل حزنها وما حدث لمشاعرها البريئة، ولأول مرة يشعر بالذنب بأنه فرط بها فهو مثلها تماما رجل جرحت كرامته بل ودعست على يد أنثى واثنين فجرحهم واحد ويبدو ان القادم لهم مشاعر موقدة تعصف بداخلهم وستنال من راحتهم قدر المستطاع ولن تهدأ ابداً حتى سألته خالته عن خطيبته الأخيرة:
بس قول لي يا حبيبي طمني عليك ليه خطيبتك الأخيرة سبتو بعض مع ان اللي يشوفكم كان يقول انكم بتحبوا بعض جامد ايه اللي حصل يا حبيبي؟
تنهد بأنفاس عالية حينما تذكر تلك الــ”نهى” وهو يحكي باختصار:
مفهومك غلط يا خالتو هي اللي سابتني مش انا اللي سبتها باختصار يعني ما كانتش مقتنعة بيا علشان شايفاني مقفل قوي مش زي شباب اليومين دول مش بروح اخدها من مكان شغلها وأخرجها وربنا العالم ان انا كنت بحافظ على سمعتها ومش حابب ان انا أثير الكلام حواليها وكنت رافض حاجة زي دي لأنها لسه مجرد خطيبتي وانا ما احبش ان حد يلسن عليها ومواقف كتير شايفاني فيها اني ما انفعهاش.
شايفاني خام قوي زيادة عن اللزوم مش زي شباب اليومين دول اللي من كتر غيرته على خطيبته يشتمها بأبوها وأمها من كتر الغيرة وهما يا عيني يدوبوا فى الراجل اللي يعمل معاهم كده قال بيسموها حمشنة، انا فهمت حاجات كتير قوي يا خالتو غريبة في الزمن اللي احنا فيه ده مخلياني واقف متكتف مش عارف ابقى زي ما انا ولا اتعلم ابقى زيهم علشان اعجب.
حزنت خالته لأجله كثيراً ولأجل شعوره بالنقصان ولكن نصحته:
لا يا “يحيى” العيب مش فيك انت ولا ان التجربتين فشلوا العيب فيهم هم وفي الزمن والوقت اللي احنا فيه الناس بقت ممكن تقلب اراجوزات علشان الفلوس والراجل ما بقاش راجل والست ما بقتش تصون نفسها والخلااعه بقت زايدة عن اللزوم في الزمن اللي احنا فيه.
حتى البنات بقت غريبة البنت بتبقى خارجة من المدرسة تلاقيها بتمضغ اللبانة في الشارع وتضحك بصوت عالي وممكن ترقص وهي ماشية مع اصحابها قال هي كده بقى البنت الروشة اللي ما حدش زيها، ولا اللي بيروحوا للشباب برجليهم ويكلموهم.
دلوقتي صعب ان الواحد يلاقي واحده بنت محترمة وصعب برده ان البنت المتربية تقابل واحد يتعامل معاها بما يرضي الله والحكاية دي بقت مقلقة جداً لأن البنات والشباب اليومين دول ممكن يغيروا في طريقة كلامهم وفي كل حاجة علشان يخدعوا اللي قدامهم ان هما كويسين.
وتعرف كمان ان اهاليهم بيبقوا محترمين وبيعملوا كل حاجة تقول انهم بيتعبوا في تربيتهم وللأسف العوامل الجوية والبشر اللي حواليهم بيقدروا يغيروا التربية اللي الأبهات تعبوا فيها في لحظات والموضوع بقى خطير جدا وخصوصا مع تطور السوشيال ميديا وظهور التيك توك والريلز وجنون البنات انها تتشهر بأي طريقة.
واسترسلت حديثها وهي تربت على قدميه بحنو:
يعني يا حبيبي البنت اللي انت نفسك فيها تبقى فتاة احلامك صعب جدا إنها تبقى موجودة اليومين دول ومش معنى كده انك مش هتلاقيها لازم تتعب علشان ما تاخدش اي واحده وخلاص وبعد كدة تكتشف حاجات ما تعرفش تعيش معاها زي ما حصل مع “نور” بنتي بالظبط كان في حاجات تبين ان الشخص ده مش سوي لكن استهترنا بيها وكمان فترة الخطوبة كانت قليلة يعتبر اصلاً ما كانش في فترة خطوبة ونصيبك لسه مجاش يا حبيبي.
كانت عيناه متعلقة بالغرفة التي دلفت اليها ويريد أن يراها وان يتحدث معها فتحمحم بتوتر قبل ان ينطقها:
أممم.. بعد اذنك يا خالتو ممكن تندهي لها اتكلم معاها شويه لعلَّ وعسى اخفف عنها.
نصحته أن لا يتحدث معها الآن معللة بتبرير سليم:
معلش يا “يحيى” بلاش دلوقتي هي في حالة ما تقدرش تتكلم فيها مع حد خالص حتى انا ولا حتى باباها انا من رأيي على بكرة كده كلمها في التليفون واطمن عليها وهديها شويه هي بتحبك وبتثق فيك يمكن تقدر تخرجها من مود النكد اللي هي عايشة فيه.
تفهَّم أسبابها واقتنع بها ثم قام من مكانه منتوياً المغادرة:
تمام يا خالتو عندك حق جدا انا قعدت شوية اهو مضطر امشي بقى وما تمسكيش فيه على الأكل عشان انتِ عارفة ماما ما بتخرجنيش من الباب إلا لما أكون واكل وبطني مليانة كمان.
ثم قام بعزيمتهم مثلما ابلغته والدته:
وكمان ماما بتقول لك ما تنسيش عزومتها ليكي على العشا يوم الخميس الجاي واعملي حسابك نور تيجي معاكي طالما هي موجودة هي أصلاً كانت هتكلمها تعزمها هي كمان بس هي موجودة اهي، سلام بقي يا خالتو.
تركها ورحل ولكن ليس مثلما اقدم بمشاعر غريبة لم يشعر بها من قبل تجاه ابنة خالته، نيران تتآكل داخله منذ أن علم ما حدث لها من زوجها يريد أن يفتك به، والآن اكتشف أنه يريد أن يكون مسؤولاً عن وجعها، يريد أن يحتضنها كي يخفف عنها، يريد أن يتحدث معها كثيرا بلهفة ولكن سيصبر قليلاً حتى تهدأ كما نصحته خالته.
كان ذاك الزيد ممدداً على التخت في لحظات استرخائه فهو لديه ساعة واحدة فقط يستريح فيها من الدروس ولكن استمع الى رنات الهاتف فجذبه وهو ينظر إلى شاشته ولكنه لم يتعرف على هوية المتصلة وهو ينطق بلسانه بصوت عالي:
مين “ريهام” دي مش فاكرها، مين ريهام يا زيد.
وبعد حوالي عشر ثواني ضرب على جبينه وهو قد تذكرها أخيراً:
آآآه ريهام جيزة، افتكرتك.
ثم أجابها على الفور بعدما قاربت الرنات على الانتهاء:
حبيبة قلبي عاش من سمع صوتك يا رومي والله ليكي وحشة يا بنتي.
أجابته هي الأخرى بملامة:
بس بقى يا زيد بطل بكش ده انت ما بتسألش عني خالص وإن ما كنتش انا اتصل بيك ما تعبرنيش هي روما مش بتوحشك ولا كلامها بيوحشك ولا ايه يا مستر ولا كتر البنات حواليك في السنتر والمدرسة نسوك روما ودلعها.
مرر لسانه على شفتيه باستمتاع فتلك الريهام تذيقه من حلوى الكلام المعسول ما يجعله يلهث ورائها بل مفتقداً لطريقة الحديث معها ثم أردف باستمتاع:
احلف لك بإيه ان انا مش فاضي حتى اكلم ولا بنت ولا غيرها هو انا اقدر اكلم غيرك يا جميل انتِ عارفة بقى إحنا في يومين داخلين على امتحانات والمراجعات في السنتر مش ملاحق والله، بس تعرفي يا روما وحشتيني ووحشني كلامك ووحشني الوقت اللي بقضيه معاكي على التليفون ما تيجي في حضني اصل انا بردان قوي ونفسي في أحضان الحبايب اللي زيك يا روما.
ضحكت بمياعة وصوت يملؤه الإثارة لتقول بدلع:
بس بقى يا بكاش انا لو وحشتك ووحشك كلامي ما كنتش تقعد شهرين كاملين ما تكلمنيش.
اعتذر لها مرة أخرى:
خلاص بقى ما تأفوريش معلش حقك عليا يا بيبي مش عايزين نقضي المكالمة والحبة اللي الواحد مرتاح فيهم في النكد.
بقول لك ايه افتحي الفيديو بقى علشان نتكلم كده واحنا قصاد بعض خلي العيون تتلاقى والوحشة لعيونك تهدى حكم القلب مولع نار يا مزة.
على الفور استجابت لطلبه وضغطت على زر الفيديو وجدته مسترخياً على تخته وملامحه نالت مزاجها كثيراً فأبدت إعجابها:
أوووو، ايه العضلات الجامدة دي احنا اتغيرنا خالص في الشهرين دول شكلك كنت ضاغط على نفسك قوي في الجيم علشان تعمل الحركتين الجامدين دول.
غمز لها بشقاوة حينما رآها أمامه لينطق بمشاغبة:
اوبا الجمدان التايجر على الأسد اللهم لا حسد، ايه يا بت الجمدان والشقاوة دي.
ضحكت بمياعة ليكمل هو على تعليقها على عضلاته:
على الله بس نعجب الجميل حكم الواحد مش فاضي يهتم بنفسه خالص حياتي كلها شغل، تصدقي ياييبي ده انتِ والله وما ليكي عليا حلفان ربنا بعتك ليا دلوقتي علشان تنعنشيني شوية من جو القلم والكراسة اللي انا فيه ده.
وظلا كليهما يتحدث في الهاتف بطريقة مثيرة للاشمئزاز إلى أن مرت الساعة سريعاً ليستئذن منها:
يووووه الساعة طارت معاكي هوا يا مضروبة مضطر ان انا اقفل دلوقتي علشان عندي حصة وما ينفعش خالص ان انا استأذن عنها ابقي كلميني تاني وما تغبيش انتِ عارفة ان انا مشغول اما انتِ فاضية ما وراكيش حاجة.
أغلق الهاتف معها ثم ارتدى ملابسه على عجالة وهو يصعد إلى الأعلى فهو يخصص الدور الرابع من منزلهم لإعطاء الدروس وما ان دلف إلى غرفة الحصة حتى رأى “ليلى” تتحدث مع زميل لها وكان ذاك الزميل ينظر لها بنظرات يعيها جيداً فاشتعلت النيـ.ـران داخله وما إن استقر مكانه حتى أمسك مكبر الصوت متحدثاً بحدة نظراً لما رآه وأزعجه:
مش شايف حد فيكم فاتح كتاب بيراجع مش متبلغين على جروب مجموعتكم إن حصة ال 100 سؤال النهاردة!
على الله ما لقيش منكم تركيز واعملوا حسابكم العقاب شديد مش مجرد عصايتين على اليد، لاااا ده هيبقي حرمان من الدرس لمده حصتين للي يغلط اكتر من خمس أسئلة علشان بعد كده تبقوا تركزوا في دروسكم وتراجعوا قبل حصة ال 100 سؤال بالذات.
استمع الى همهمات اعتراضية منهم على حكمه وحديثه اللاذع لهم ولكن لم يهمه وهو ينتوي لذاك الصبي الذي كان ينظر تلك النظرات الهائمة لــ”ليلى ” أن يحرمه من الحصتين القادمتين نظراً لما سيلقي عليه من أسئلة مهما كان مذاكراً لن يستطيع الإجابة عليها ولكن لم يبدأ به وبدأ بغيره وهو يتوالى عليهم بالأسئلة حتى جاء دور الصبي ولم يستطيع الإجابة عن سؤال واحد مما أملاه عليه وهو واثنين من الإناث ليشير إليهم:
اتفضلوا انتوا التلاتة محرومين من الحصص الأسبوع الجاي علشان بعد كده تقعدوا تذاكروا انا مش مستعد سمعتي تنزل في الأرض بسبب درجاتكم المهببة اللي انتم هتجيبوها علشان مش مركزين يلا اتفضلوا.
كانت “ليلى” منذ أن دلف إليهم وعينيها ترصدت نظراته المشتعلة لزميليها ولكن كمثلها لم تفهم معنى تلك النظرات وطيلة فقرة الأسئلة لاحظت نفس النظرات لزميلها ولم يتنحى عنها، وأيضاً الأسئلة التي وجهها له كانت صعبة للغاية ورغم أنها طالبة ممتازة عن جدارة إلا أن بعض تلك الأسئلة لم تستطيع هي الإجابة عليها فازدادت حيرة من ذاك الموقف ولكن نفضت عن بالها وقررت ان تُشغِل كل تركيزها في الحصة ولم يعيها نظراته ولا حتى طرد زميلها.
اما ذاك الـ”زيد” كلما تمنعت عليه كلما انشغل بها بشدة بل لم يستطيع تنحي عينيه عنها ولم يستطيع تحمل تجاهلها له بتلك الدرجة فهو دوماً محط أنظار الفتيات إلا هي ذات كبرياء وأخلاق عالية لم يرى مثلها فلم يستطيع تركها ترحل حتى يسألها بما يجول في باله وتريح عقله وما يدور به من خناقات حتماً ستجعله لم يهدأ عن التفكير بها.
بعد أن أنهى إلقاؤه للدرس بمهارة عالية فهو ممتاز للغاية ومعلم ماهر في مادته الكيمياء نادى عليها قبل أن تخرج:
استني يا “ليلى” في حاجة عايز أعرفها لك.
قبل أن يتسائل جميعهم عن سبب نداؤه لها بعينيهم حتى وجه إليهم هما الآخرون كي لا يلفت الإنتباه إليها ويجعلها صيدة لهم يتحدثون عنها:
كل واحد فيكم ليه ملاحظة مهمة هقولها له بعد كل حصة من أول النهاردة، والملاحظة الأولى هتبقي من نصيب ليلي لأنها هي أول أبطال الحصة النهاردة وخلوا بالكم الملاحظات اللي هتعرفوها فردية بعد كل حصة الامتحان مش هيخلو منها.
كم كان ذكياً بل بارعاً ذاك الزيد فقد جعلهم يدورون بعقلهم كيف يتسابقون ويتنافسون من أجل ان يكون الأفضل.
وفي نفس الوقت اجتهادهم ذاك وتنافسهم سيجنى بثماره على سمعته هو الآخر بأنه المعلم الأفضل على الإطلاق على مستوى محافظتهم.
غادروا جميعاً ما عدا ليلى التي وقفت تتأهب الملاحظة التي ستأتي في الامتحان نظراً لأن ملاحظاته لن تخيب أبداً ودوماً صائبة.
حتى فتحت دفترها وأمسكت قلمها كي تدونها وهي مشغولة مع قلمها وتنتظر سماعها حتى استمعت إليه يسألها:
كان واقف معاكِ بيقول لك ايه وعايز منك إيه يا ليلي هانم؟
اتسعت مقلتيها بذهول من استفساره ليردد لسانها تلقائياً:
نعم يا مستر! انت ناده لي من وسط زمايلي علشان تقول لي الهبل ده؟
صوت مميت ملأ المكان ونظرات الغضب حلَّت على ملامحه عما ما ردده فاهها:
يتبع…..
رواية مشاعر موقدة الفصل الثالث 3 - بقلم فاطيما يوسف
اتسعت مقلتيها بذهول من استفساره لتردد لسانها تلقائياً:
ــ نعم يا مستر! أنت ناديت لي من وسط زمايلي عشان تقول لي الهبل ده؟
صوت مميت ملأ المكان ونظرات الغضب حلت على ملامحه، عما ما ردده فاهها وقد غيمت نظراته المظلمة، وكأنها حقاً تخصه وبينهم ميثاق شرعي جعله يتحكم بها بهذه الدرجة:
ــ هبل! والله الهبل اللي بجد إنك تقفي مع زميلك والمسافة القرب بينكم بالشكل ده يا أستاذة! وبعدين من إمتى والست البرنسيسة بتقف مع زمايلها الشباب وبتسمح لهم يتكلموا معاها ويقربوا وميراعوش حدود المسافة؟
واسترسل حديثه الذي جعلها تنظر إليه بنظرات ذهول مما استمعت إليه الآن:
ــ الكلام ده ما يحصلش تاني، فاهمة ولا مش فاهمة؟ وميحصلش في أي درس تاني، وإلا يا ليلى والله العظيم مش هتشوفي مني إلا وش ما تتمنيش تشوفيه.
نظراتها إليه وهو يتحدث حوت من الاستنكار والذهول كثيراً وكثيراً، وهي تحدث حالها أمامها في لحظات من الصمت بسبب فجأة كلماته وأوامره التي يلقيها عليها بدون وجه حق:
ــ من أنت أيها الرجل كي تتحكم بي وتفرض سيطرتك وأوامرك المريضة على ليلى؟ حقاً أنت مريض أم مجنون، أم ترسم أوهاماً وخيالات في عقلك الواهي وتريد مني السمع والطاعة أيها الزيد النرجسي!
ثم فاقت من ذهولها وقد قررت أن توقفه عند حده وأن لا تتركه وعقله المريض يتحكم بها:
ــ أنت ليه بتدي أوامر ليا أصلاً في خارج حدود مادتي اللي باخدها عندك؟ هو إنت ليك أقف مع مين أو ما أقفش مع مين، أو أكلم مين أو ما أكلمش مين! أنت معلش يعني مين أصلاً عشان تتحكم فيا؟ أنت مالكش صلة بيا ولا دعوة بأي حاجة بعملها. أنا ما اديتلكش الحق ده عشان تستخدمه معايا.
انتفضت أعينه بحدة وهو يطالع تلك ليلى التي تهتف بشراسة عن عدم صلته بها، ويكأنه لم يعترف لها عن إعجابه بها وأنه يريدها له ولم يفعلها مع أنثى قط قبلها، ليهدر بها بصوت غاضب ملأ المكان وهو يقترب منها ونظراته الحادة الأشبه بنظرات الصقر تكاد تخترق وجهها البريء:
ــ انتِ ليه مش قادرة تفهمي إني بحبك واني عايزك! ليه مصممة على العند يا ليلى ومش مراعية إني بغير عليكي واني مش حابب حد يبص لك بنفس نظرة زميلك اللي أنا فاهمها كويس قوي؟ أنا مش قادر أبعد عنك، مش قادر أبطل تفكير فيكي، مش قادر أشيلك من دماغي يا ستي. ما تدي لعلاقتنا فرصة، يمكن تحبيني زي ما بحبك وتشوفيني زي ما أنا ما شايفك. بطلي تشوفيني من الزاوية اللي انتِ حطاني فيها وما بتشوفيش غيرها.
أجابته متهكمة بكلماتٍ خرجت من بين أسنانها بحدة، وهي لم تتأثر بأسبابه ولا أن تضعها نصب عينيها:
ــ وأنت ليه مش قادر تستوعب إن أنا لسة في تالتة ثانوي ومحتاجة تركيز في دراستي عشان أوصل لحلمي اللي أنا عايزاه؟ ليه عايز تخليني أنشغل عن مستقبلي اللي هو أهم من أهم مهم؟ ليه عايز تكسر براءتي وتخليني أنشغل معاك زي المراهقات اللي انت بتكلمهم كل يوم والتاني؟
وتابعت رفضها القاطع وهي تربع ساعديها أمام صدرها لتكمل بنظرات أنثى شامخة قوية:
ــ أنا ليا مستقبل وليا حلم وما فيش أي حد في الدنيا هيقدر يخليني استغنى عنه ولا حتى قلبي. وإذا كان على نظرات زميلي ليا أنا مش مسؤولة عنها، أنا واحدة واقفة محترمة بتتكلم مع زمايلها باحترام. أما النيات ربنا اللي هيحاسب عليها، وطالما ما بعملش حاجة تغضب ربنا يبقى أنا في السليم وكلام أي حد بعد كده ما يفرقش معايا.
فور أن ألقت كلماتها في وجهه، عبرت نظراته المختلفة معانيها عن غضبه ورفضه القاطع، ثم لاحظت تمدد ملامحه بضحكة هادئة ليهمس في مسامعها بصوت هدر وهو يقترب منها:
ــ لاااا مستحيل اللعبة تمشي كدة! مستحيل اللي أنا أحبها واتعلق بيها هي اللي ترفضني بكل قوة! مستحيل بعد ما كل البنات والستات تتمنى إن زيد بس يبص لها ويعدي من جنبها وتيجي انتِ ترفضي حبي ليكي! اعملي حسابك طالما زيد حبك يبقى انتِ لزيد وزيد ليكي وما فيش هروب يا ليلى. ومهما تحاولي تفرّي من حبي وتفرّي من احتياجي ليكي هتلاقيني في وشك دايماً لأن أنا من النوع اللي مش بيتنازل عن اللي هو عايزه بسهولة ولازم يوصل مهما كان التمن، واخدة بالك مهما كانت التمن.
قطبت جبينها وهزت رأسها بعدم فهم لما يلقيه على مسامعها بتملك ليس له أي أحقية به، وتساءلت متعجبة وهي تنعته بالجنون:
ــ أنت أكيد مجنون أو إنسان مش طبيعي، كل حاجة عندك لازم تمشي على هواك ولازم اللي قدامك يخضع ليك، ولازم لما تطلب أي واحدة تبقى معاك. أنت أمرك غريب قوي! بقول لك مش حابة أكون معاك، ولا حابة إني أكون مع أي شخص دلوقتي، ولا حابة نوع العلاقات اللي زي دي خالص. شايلاها من حساباتي وأنا لا يمكن أسمح لك إنك تبني أوهام في دماغك وتجبرني إن أنا أمشي وراك فيها.
واستطردت برفض قاطع بشموخ أنثى تعتز بحالها وهي تحمل كتبها وتنتوي المغادرة وترك ذاك المكان لذاك الموهوم:
ــ وإذا كنت انت زيد اللي البنات بتجري وراه، فأنا ليلى المحمدي اللي مش شايفة ك غير انك المستر بتاعي وبس، ومتخلقش لسة اللي يجبرها على حاجة مش في دماغها ولا بتفتكرها من الأساس. وخليك مع اللي حواليك واللي يتمنوا نظرة منك لأني لا أنا أشبههم ولا هم يشبهوني. ليلى المحمدي واحدة بس ما لهاش مثيل. والتمن اللي انت بتتكلم عنه ما يخوفنيش، أنا مش بخاف غير من اللي خالقني لأن أنا ورايا أب غول مستعد يبلع اللي يقرب من وحيدته ليلى. عن إذنك.
لم يتحمل مغادرتها وهي رافضة لمشاعره بتلك الدرجة وذاك التصميم الذي يشعره بالضعف، وكلما أحس بأنه ضعيف تثور رجولته عليه ويزداد عناداً وتشبثاً بما يحتاجه ويريد أن يفوز به، وروح التحدي داخله تشعل حروباً ضارية عليه، فأمسك بذراعها على الفور كي يلحقها قبل أن تغادر المكان وهو يشدها ناحية الحائط بجنون وعقل غائب، ويحاوطها بجسده الطويل العريض كي لا تهرب. يقف أمامها كالسد المنيع وهو يضم حاجبيه وعبس وجهه ليصيح بها غاضباً:
ــ استني هنا أنا لسه ما خلصتش كلامي، وأوعاكي تتحركي من قدامي بعد كده قبل ما أخلص كلامي. ما تحاوليش تتجاهليني يا ليلى أبداً، وزي ما انتِ ليلى أنا زيد.
ثم سأل مستفسراً بدهشة لما تفوهت به:
ــ انتِ ليه متخيلة إنك لما ترتبطي بيا مش هخليكي تنجحي وهشغلك عن مستقبلك؟ هو أنا فاشل في وجهة نظرك قوووي كدة؟ انتِ أكيد شايفة أنا ناجح قد إيه ووصلت لمكانة في سن صغير ما فيش مدرس وصل لها قبل كدة. صاحب أكبر سنتر دروس على مستوى المنصورة وليا منصات بيدخلها آلاف الطلاب وبتزيد كل يوم عن اليوم اللي قبله.
ثم حاول تهدئة نبرة صوته عندما رأى علامات الذعر على وجهها من محاوطته لها ليكمل بحنو كي يجعلها تهدأ وأن لا يمتلكها الرعب الشديد منه:
ــ يا ليلى أنا عمري ما هخليكِ تفشلي أبداً وعمري ما هعطلك عن نجاحك، بالعكس أنا هشجعك وهديكي خبرات أكتر وهوصلك لمكانة معايا من النجاح أكتر ما بتتمنيها، بس اديني فرصة واحدة تستوعبي فيها إن أنا بجد بحبك وعايزك في حياتي.
حاولت التململ من قبضة يديه المحيطة بها وهي تتحرك بعشوائية أمامه وتحاول الفكاك من حصاره، ولكنه أمامها يقف محاوطاً إياها وكأنه يديه قبضة من حديد كي لا ينتهي النقاش بينهم قبل أن يحصل منها على عهد ووعد بأنها وافقت أو حتى كونها ستفكر بمطلبه، لتصيح به بنظرات نارية وهي تلكزه بقبضة يديها الصغيرتين في عضلات صدره القوية:
ــ ابعد عني وسيبني أمشي من هنا، أنت لا يمكن تكون إنسان عاقل! إزاي تحتجزني بالشكل ده وتقرب مني بالطريقة دي؟ لو مبعدتش عني أنا هبلغ عنك وهوديك في ستين داهية وهفضحك في كل مكان وهخلي سمعتك واسمك اللي انت بتتباهي بيهم في الأرض يا مستر.
ثم على صوتها بصياحٍ عالٍ لكنه لم يهزه أمامها:
ــ شيل إيدك اللي لمساني ومحاوطاني دي، مش من حقك تقرب مني ولا تلمسني مهما كانت أسبابك. أنا ما حدش يلمسني ولا يقرب مني إلا أبويا وأمي وزوجي مستقبلاً.
تهدجت أنفاسه بإرهاق لتشبث وعناد تلك ليلى، ومع كل كلمة تنطقها يزداد ولهاً وشغفاً بها، ثم ضرب بقبضة يديه الحائط خلفها ليصيح بغضب مماثل لها وهو يجز على أسنانه:
ــ كفاية عناد بقى أنا تعبت معاكي، بقى لي أسبوع بكلمك وبحاول معاكي باللين وانتِ اللي في دماغك في دماغك. هو انتِ قلبك ده إيه! حجر، حديد! المفروض إن أي بنت مكانك لو شافت حد بيحبها ومتعلق بيها بتحس وكمان بتبقى فرحانة إن حد بيحبها وخصوصاً لما يكون الحد ده مناسب ليها وكمان مستواه المادي والاجتماعي هيودوها في حتة تانية خالص.
رفعت حاجبيها وتساءلت باستنكار:
ــ المستوى المادي والاجتماعي! طب والمستوى الأخلاقي بالنسبة لحضرتك إيه؟ أولاً أنا مستوايا المادي والاجتماعي الحمد لله شبعانة جداً وبابا مش مخليني ناقصني حاجة أبداً، بلبس أحسن لبس، وباكل أحسن أكل، وعايشة أحلى عيشة وبيخرجني وبيفسحني ومش حارمني من أي حاجة من اللي بتحبها البنات اللي انت بتتكلم عنهم. ثانياً بقى أنا كـ ليلى يهمني المستوى الديني والأخلاقي فوق ما تتخيل. أنا ممكن أتجوز واحد في أوضة ويجمعني معاه الحب الحلال ويكون بيعرف ربنا كويس قوي بس أكون أنا أول واحدة في حياته وآخر واحدة، ولا إني أتجوز واحد البنات حواليه زي الرز ويوم ما يفكر يتجوز مش هتعجبه واحدة لأن عينه فارغة. أول ما ياخد منها اللي هو عايزه ويعرف إنها مضمونة وموجودة قدامه على طول هيفكر في غيرها ويخونها بدل المرة ألف، وده لأنه ما عندوش مستوى أخلاقي يا مستر.
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء وتحدث مترجياً إياها:
ــ صدقيني يا ليلى أنا عمري ما هخونك. ويوم ما هرتبط بيكي هلغي كل علاقاتي مع أي واحدة. أنا زيي زي أي شاب بيكلم بنات ونادراً ما لما تلاقي واحد عمره ما كلم بنت عشان ما توهميش نفسك. بس يوم ما هتوافقي بيا وتكوني ليا عمري ما هجرحك ولا هخونك. هبقى كتاب مفتوح قدامك وانتِ هتشوفي كدة بنفسك. الخاين بيبقى باين واللي بيعمل أي حاجة في السر والضلام مسيره بينكشف. ولو وقتها اكتشفتيني وعرفتِ إن أنا خنتك أو جرحتك أو ظلمتك، استغني عني وامشي من حياتي وصدقيني وقتها أنا مش هلومك وهديكي كامل حريتك.
دققت بالنظر داخل عيناه بترقب شديد لباقي كلماته، وبعد أن أنهى هرائه بالنسبة لها نطقت باستفسار:
ــ وأنا ليه أفضل دايماً شاغلة بالي بالإنسان اللي معايا إذا كان بيخوني ولا لا! ليه أعيش دايماً في شك وظنون إن شريك حياتي له علاقة بحد غيري أو يعرف بنات غيري أو أنا بس لوحدي اللي كفيلة أملى عينه.
واسترسلت حديثها بتعقل:
ــ الراجل آه ممكن يكون بيكلم بنات بس علاقات عابرة بتمر في حياته على الماشي كده، أما مش كل حياته ووقته الفاضي بيقضيه مع بنات ومكالمات في التليفون وبطريقة مقززة. ما تفكرش يا مستر إن أنا ما أعرفش عنك حاجة، بس أنا اللي ما ليش فيه ما بتدخلش فيه وبسمع من هنا وبفوت من هنا وكأني ما بسمعش حاجة. حضرتك ليك شهرة واسعة في علاقاتك مع البنات وطريقة كلامك معاهم، وما تفكرش إن انت بتكلمهم كلهم بيداروا على مشاعرهم وبيخبوا طريقة كلامك معاهم. بالعكس في منهم كتير قوي هوائيين، شكلك بالضبط بيخرجوا مكالماتك معاهم على الملأ وبيتباهوا بيها كمان. ولعلمك انت هتشيل معاهم ذنب تجاهرهم بالمعصية. وفي الآخر عايزني أنا كبش الفداء لقلبك ده في أحلامك وفي خيالك المريض إن أنا أكون ليك.
اتسعت دائرة عينيه بذهول لما تفوهت به وهو ينفيه تماماً ويبرر أنهم يقومون بالادعاء الباطل عليه:
ــ هو أي إشاعة تتقال قدامك تصدقيها! وأي بنت تافهة تقول أي كلام ليكي عني تصدقيها! انتِ كنتِ شفتي بعينيكي أو سمعتي بودانك عشان تحكمي، ولا انتِ عايزة شماعة تعلقي عليها أسباب رفضك ليا على الفاضي؟ ما أنا اتكلمت معاكي في الأول كذا مكالمة ما لقيتيش مني أي إساءة للأدب وياكِ. كل دول أعداء النجاح وكل دول عايزيني اتكلم معاهم وادخل معاهم في علاقات. ما ينفعش إن انت تحكمي عليا من مجرد كلام وخلاص.
ابتسمت ساخرة لدفاعه الباطل ظناً منه بسذاجتها:
ــ أنا ما أتقارنش بحد. أول مكالمة ليك معايا لولا إن أنا وقفتك عند حدك كنت هتتكلم معايا بنفس الطريقة اللي انت بتتعامل بيها كل يوم مع كل البنات، بس أنا مش زي البنات وما تغرنييش المناظر ولا الكلمات المعسولة. ومهما فرشت لي الأرض ورد والسما نجوم والأحلام هيام وغرام مش هيأثر في رأيي، عشان أنا مش هوائية. ولو سمحت بقى كفايه لحد كده، أنا عايزة أمشي وبرده المكان ده أنا مش داخلاه تاني حتى لو هسقط في المادة دي أو مش هجيب فيها المجموع اللي أنا عايزاه. بس هكون احتفظت باحترامي لنفسي واحترامي لديني وربي ولأبويا اللي رباني ولأمي اللي تعبت عليا، ولا يمكن أخذلهم أبداً مهما كان.
كان يتشبع النظر في ملامحها القوية وهي تتحدث قوة وشموخ، وكلما نطقت حرفاً كلما ازداد احتياجاً لقربها. كلما رفضته كلما عانده قلبه بأنها وحدها له لا لغيره، وحينما نطقت عدم مجيئها إلى هنا، حينما دق قلبه بعنفٍ داخله بأنها ستبتعد وستتركه، وحتماً لم تره وجهها الذي بالنسبة له طاقة النور لضيائه، فهو قد أضاف يوماً زيادة لمجموعتهم خصيصاً لأجل رؤيا ليلى. ثم تراجع بخطواته وخفف قبضته المتمسكة بها ليترجاها:
ــ خلاص يا ليلى ما فيش داعي إنك تخسري مجموعتك ودرسك. أنا ما أرضالكيش الأذى أو إنك تنقصي درجة في المادة. ممكن الدرجة دي تكون سبب في إن حلمك اللي انت بتحلمي بيه يتراجع. اتفضلي احضري دروسك مع زمايلك وأنا أوعدك إن أنا مش هاجي ناحيتك تاني.
قرر أن يستخدم معها هدنة محارب كي لا يجعلها تفلت من أمامه. كفى له أن يتشبع برؤية ملامحها الملائكية البريئة ولا أن يُحرم منها. ثم أذن لها بالخروج معتذراً لها بدهاء:
ــ وبعتذر لك لو صدر مني أي تصرف سيء أزعجك. وأتمنى لك التوفيق والنجاح.
تعجبت من تغيره المفاجئ معها وصارت الأفكار تدور بمخيلتها وتعبث بثوابت التشبث بقراراتها، وقلبها البريء للعجب كان يدق بعنف داخل صدرها من اقترابه وشعورها بالدفء في نظرات عينيه أصابتها برجفة في جسدها. بل وخافت وغارت على قلبها من أن يخونها ويعشق خائن. أيعقل أنه عشقها لدرجة أنه اعتذر وندم كي لا يخسر تواجدها معه وأمام عينيها طيلة أربعة أيام من كل أسبوع؟ أيعقل أنه تعلق بها بالفعل ولم يكذب عليها ويوهمها بالعشق وأنه لا يريد إيقاعها في شباك مرماه الخادعة وأنه أراد ليلى بقلبها وروحها ودينها والتزامها، وأنه سيكسر الأسلاك الشائكة التي تضعها حول قلبها ومراهقتها؟ أسئلة واستفسارات كثيرة ومعادلة صعبة للغاية لم تستطع ليلى صاحبة حل أصعب المعادلات أن تحلها. فرَّت من أمامه وقلبها الضعيف الأخضر اليانع يكاد يقفز من بين ضلوعها بسبب اقترابه الشديد وعينيه صاحبتا السهم القوي سهم الهوى التي تعلقت بعينيها ولم تنسى نظراتهم أو لونهم، وجسدها المفكك من أثر حصاره السد المنيع وكأنه يريد بتلك الحركة أن يجعلها تشعر بأنه مدينتها وهي الساكن الوحيد داخلها. فرَّت بمشاعر موقدة داخلها ولكن فؤادها يحاول جاهداً إخماد نيرانها.
ليلاً وبالتحديد في الساعة الحادية عشرة مساءً في ليلة شتوية يجلس ذاك الهاشم يسمع صوت المطر ويشعر بلمسات الدفء من برودة أعصابه، ينتظر قدوم صديقيه “يحيي” و “زيد” وحيداً في ساعة شتوية ممطرة. ووحده الشتاء قادر على تعرية الجميع، وقادر على رسم الصورة الحقيقية لكل إنسان. هو فصل الحقيقة الخاوية من التزيين، فصل الحب الصادق أو الابتعاد الصادق. وعلى الرغم من سكون وهدوء ليالي الشتاء إلا أنها توقظ ضجيج القلوب وتدفعها نحو التجدد والتحدي.
كان يجلس في عوامته المغطى سطحها من الأعلى نظراً لجو الشتاء القارص وهي ترسى على شاطئ البحر، ينتظر قدوم أصدقائه كي يتحركوا بها مثل كل ليلة وأمامه النيران موقدة كي تعطي المكان دفئاً كي لا يشعروا ببرودة الجو. بعد قليل وصل يحيي وتبادل السلام مع هاشم ويليه زيد وعلامات الوجوم تصحب وجوههم الثلاثة باكتساح، ومن يراهم حقاً يُجزِم بأنهم مضروبون على رؤوسهم، وكأن الطير أكلهم.
تحركت العوامة وكل منهم يجلس على الأريكة ووجوههم للبحر وتمددت قدماهم على أريكة أمامهم، وصوت المذياع يصدح بأغنية:
ما تفوتنيش أنا وحدي، ما تفوتنيش أنا وحدي
ما تفوتنيش أنا وحدي أفضل أحايل فيكما تخليش الدنيا تلعب بيّ وبيك
ما تفوتنيش أنا وحدي، ما تفوتنيش أنا وحدي
ما تفوتنيش أنا وحدي أفضل أحايل فيكما تخليش الدنيا تلعب بيّ وبيك
خلي شوية عليّ وخلي شوية عليك
خلي شوية عليك، خلي شوية عليك
خلي شوية عليّ وشوية عليك
وحياتك يا حبيبي، ريح قلبي معك
وحياتك، وحياتك يا حبيبي، ريح قلبي معك
غلب الحب معايا وتعبت
وتعب الشوق وياك، وياك، وياك، وياك
وحياتك، وحياتك، وحياتك يا حبيبي، ريح قلبي معك
غلب الحب معايا وتعبت
وتعب الشوق وياك، وياك، وياك، وياك.
وكل منهم يمسك هاتفه يتصفحه بإهمال ويبدو أن الحزن يخيم على ملامحهم، حتى نطق “هاشم” أخيراً وهو متعجب لحالتهم وهو من ضمنهم نفس الملامح المنزعجة:
ــ جرى إيه ياض منك ليه؟ هو انتوا الحداية كلت لسانكم قبل ما تيجوا ولا إيه؟ إيه وشوشكم المهببة دي ومناظركم اللي تقرف وتوجع الأعصاب؟ جبتولي اكتئاب أكتر ما أنا عندي؟
لم يتحدث زيد ويجيبه ببنت شفة، وتحدث “يحيي” بما يجيش في صدره من تعب وحيرة:
ــ الدنيا مسويانا على الجنبين يا صاحبي وعاملة معانا الغلط وزيادة. هو إحنا ملناش نصيب نفرح ولا نعيش ولا نحب ولا نتحب ولا نطول من الدنيا نصيبنا الحلو؟
تنفس “هاشم” بضيق:
ــ طب وأنت اللي مضايقك يا يحيي ومخليك معصب نفسك قوووي كدة؟ ما غاروا في ستين داهية البنات على قفا مين يشيل وزي الرز بس النفس بس.
ثم وجه باقي كلماته وهو ينظر إلى زيد المكتوم:
ــ وأنت يا حضرة المستر الرايق ده، انت كل يوم تيجي الضحكة من الودن دي للودن دي ودماغك رايقة، مالك النهارده كأن حد ضربك عصايتين على بقك؟ ده إيه التجميعة بتاعتكم اللي ما يعلم بها إلا ربنا دي؟ مش كفاية اللي أنا فيه ياض منك ليه.
ثم اعتلى صوته للعامل المسؤول عن العوامة وهو يأمره:
ــ بطل يا ابني الأغنية الرايقة دي ما تنفعش مع المعاتيه دول وشغل لنا كتاب حياتي يا عين ما شفت زيه، كتاب الفرح في سطرين والباقي كله عذاب، طالما الليلة قلبت نكد النهاردة.
اعتلى صدر “زيد” بأنفاس عالية وهو يشعر بالاختناق ويريد أن يتحدث كي يخرج ما يحزنه لأصدقائه، فهم الوحيدون الذي يتعرى أمامهم:
ــ والله يا هاشم انت الوحيد فينا اللي مروق على دماغك وماشي بمبدأ لا أحب ولا أتحب ولا بنات ولا يحزنون وصنف الحريم بالنسبة لك على الهامش. أما إحنا كل واحد فينا فيه هم ما يتلم بسبب البنات وسنينها.
سأله “يحيي” باستنكار:
ــ على أساس إيه بقى البنات مدوخينك يا سي زيد؟ ما انت مقضيها كل يوم مع ثلاثة أربعة شكل. بتقارن نفسك بيا ليه وعايش حياتك؟ انت كمان كنت حبيت انت قبل كده ولا تعلقت بحد ولا جربت إن حد يسيبك عشان تقعد مهموم قوي كده وتتكلم ولا كأن حد قمَّر لك قفاك عيش.
لوى شفتيه بامتعاض لينطق بلسان يشعر باللوعة:
ــ بس يا أخويا الله يرضى عليك، أهو قركم عليا ده هو اللي جابني الأرض وخلاني طبيت على ملا وشي. وآه من اللي طبيت على ملا وشي بسببها مش معبراني وكرفالي ورفضاني ومهما عملت معاها واترجتها واتحايلت عليها إننا نبقى مع بعض. لا، وكمان إيه؟ قلت لها هخطبها مش همشي معاها زي كل البنات اللي أنا أعرفهم. وبعدها عينكم ما تشوف إلا النور، أدتني درس في الأخلاق ما أخدتهوش قبل كده في حياتي. والغريبة يا جدعان إن كل ما تتمرد عليا كل ما أتعلق بيها أكتر. وأنا دلوقتي بقيت حيران ومش عارف أعمل إيه؟ وهاين عليا أخطفها من أبوها وأمها وآخدها وأروح أي مكان وأخليها تحبني بالعافية. أنا قلبي واجعني قوي بطريقة ما تتخيلوهاش.
إلى هنا انصدم “يحيي” و “هاشم” مما استمعت إليه آذانهم ليردد “هاشم” بعدم تصديق:
ــ إيه ده معقول المستر زيد حب التلميذة بتاعته ووقّعته على بوزه وهو مقطع السمكة وديلها مع البنات كلهم! oh no مش معقول اللي وداني سمعته ده. قول كلام غير ده يا جدع؟
وهتف “يحيى” هو الآخر بنفس نبرة “هاشم”:
ــ لا ما تقولش في واحدة من جنس حواء قدرت تحرك قلب الحجر الصوان اللي كان بيقول ما فيش واحدة أبداً في الدنيا تقدر تخلي قلبي يتحرك من مكانه ولا تخلي المستر زيد يبص لها، حتى وإن اتجوزت في يوم من الأيام هيبقى جواز عقلاني عشان الدنيا تمشي؟ لا لا لا لا أنا مش مصدق نفسي زي هاشم بالظبط.
لم يتحمل “زيد” سخريتهم منه ومن مشاعره الجديدة كلياً عليه لينتفض من مكانه آمراً سائق العوامة:
ــ آه هفضل أنا بقى التريقة بتاعة القعدة كلها النهاردة. أنا مش هتحمل منكم كلام. كفاية اللي أنا فيه، ارجع يا اسطى على البر تاني مش مكمل الليلة دي عشان ما أرتكبش جريمة فيهم النهاردة، خلينا أصحاب أحسن.
جذبه “يحيى” من يده وهو يحاول إرضاءه ليعود للجلوس مرة أخرى وتحدث “هاشم”:
ــ جرى إيه يا “زيد” ما انت كل يوم بتهزر معانا وبتتريق علينا اشمعنا إحنا يعني هتقفش علينا! اقعد يا عم أنا كمان مخنوق زيك بالظبط بسبب اللي حصل لي في محل الغربي وحاجة آخر عكننة والمود بتاعي من ساعتها مش متظبط خالص وحاسس إني عايز ألطش أي حد.
جلس “زيد” مرة أخرى فهو في أشد الاحتياج للجلوس معهم كي يرفه عن نفسه مما حدث له اليوم مع “ليلى” ليسأله بقلق:
ــ مالك انت كمان يا حضرة الشيف، إيه اللي حصل خلاك مخنوق قوي كده؟ إحنا بايننا حد دعى علينا بقلة راحة البال لدرجة إن إحنا التلاتة عايزين نرمي نفسنا في البحر ونستريح؟
أجابهم بصوت يخرج بصعوبة من حلقه وهو يحاول كظم غضبه رافضاً وهو يسرد لهم الموقف من أوله لآخره حتى انتهى بوصف تلك الـ”حنين”:
ــ وبعد ده كله تقعد تحط رجل على رجل وتكلمني من طراطيف مناخيرها وتقول لي هتشوف هتحل المشكلة إزاي. البنت عليها كمية كبر وغرور خلتني واقف في نص هدومي قدام العمال بتوعي. كنت عايز أرقعها قلمين على وشها وأشيلها كده أرميها برة المحل زي الفار المبلول لولا إن الواحد مسك أعصابه معاها كان زمانه خلى منها الحتة بقرش. وقررت إني أتحدها وعملت لها الأوردر بتاعها بنفسي بالرغم من إني بقالي كتير ما اشتغلتش إلا إنها طلعت مارد ساكن جوايا إني أخليها تتكتم وتسكت وتعرف إن الله حق. بس برده ما شفِّتش غليلي منها ونفسي أطوبق في زمارة رقبتها أفطسها خالص عشان منظري قدام عمالي.
ضحك “زيد” و”يحيى” كثيراً وأخيراً بعد الحزن الذي خيم على ملامحهم من تخيلهم للموقف، وبالتحديد مع “هاشم” الذي لم يتحمل مرور الذباب من أمام وجهه فقط فما باله بواحدةٍ تعالت عليه بتلك الدرجة، لينطق “زيد” بفكاهة:
ــ بس قول لي يا “هاشم” حلوة المزة وتستاهل الكبر ولا وشها زي قفاها وما لهاش ملامح؟ قول لي بس قل لي؟
نطق “يحيي” معترضاً:
ــ يا عم هو فيه إيه ولا إيه؟ ده انت فظيع بجد وعليك أسئلة تخنق.
أجابهم “هاشم” ببرود:
ــ طب وأنا أعرف منين إذا كانت حلوة ولا وحشة؟ أنا الحاجات دي ما تفرقش معايا وما باخدش بالي منها أصلاً في المواقف الطبيعية فما بالك بواحدة خلتني مسخرة قدام عمالي. ما كنتش شايف ملامحها أصلاً، كنت شايف واحدة عايز أفعصها تحت رجلي وخلاص.
ضرب “زيد” كفاً بكفٍ وهو ينعته بالبرود الزائد:
ــ والله يا ابني انت هتجنني! يعني إيه ما تعرفش الحلوة من الوحشة؟ هو انت عايش على كوكب تاني! وبعدين يا ابني الست دي جنس لطيف بيرطب على قلب الواحد إزاي؟ انت ما بتشوفهمش خالص ولا يفرقوا معاك؟ والله انت غريب يا جدع، انت بارد يا هاشم ما بتحسش.
كاد أن يرد عليه إلا أنه استمع إلى إشعار يأتي على هاتفه ويبدو أن أحد زبائن المحل أشار إلى صفحة محلاتهم على فيسبوك وهو المسؤول عن الصفحة. فتح الهاتف ورأى المنشور وإذا به ينصدم، إذ كانت إشارة من تلك الـ”حنين” فذاك الوجه لن ينساه أبداً وهو يقرأ بصوت عالٍ اسمعهم ما دونته لهم وصدمه للغاية:
ــ حابة إني أشكر محلات “سوتيس” للحلويات وأحب أقول لهم إن بجد شغلهم عظمة على عظمة وإنهم يستاهلوا فعلاً إن الناس ما تحبش إلا حاجتهم. مش عايزة أقول لكم يا بنات الحاجة بتاعتهم روعة وطعمها خطير ولا النضافة في حتة تانية خالص، وكمان المعاملة هناك من الكاست كله حاجة في منتهى الذوق والأخلاق. أنا سعيدة جداً إن أنا اتعاملت معاكم ومش هتبقى المعاملة الأخيرة. ميرسي جداً على حسن استضافتكم ليا وإنكم بتتعاملوا مع زباينكم بالذوق الراقي قوي. حنين عبدالرحمن.
حينما استمعوا إلى كلماته هتف “يحيى”:
ــ الله! ما البنت محترمة أهي يا عم الشيف! آمال عمال تقول متكبرة ومغرورة. ده منزلة لكم بوست كله نجوم وبيلمع ذوق. انت على فكرة افتريت عليها ولازم تشكرها حالا على البوست ده، وطبعاً على العام وعلى الخاص ده من الذوق يعني.
أما “زيد” فلم يشغله ذاك المنشور ولا الكلمات التي سمعها بقدر ما يشغله من تكون تلك الـ”حنين” ليطلب منه وهو يمد يده:
ــ هات كده التليفون ده أما أشوفها أنا وأعين المزة إذا كانت حلوة ولا لا. هات يا غشيم يمكن تكون من نصيبك وأمك تهدى عليك بدل ما هي روشاك ومطلعة البلا الأزرق على جتتك كل يوم وتيجي تقرفنا هنا. هات يا عم.
ناوله الهاتف بإهمال، أخذه على عجالة وهو يفتح المنشور ثم منه على صفحة تلك الـ”حنين” ولم يُكذِّب خبر، فقد كانت تضع صورتها كصفحة للملف الشخصي لها، فتح الصورة وقام بتكبيرها وتمعن النظر بها وإذا به يطلق صفيرًا عاليًا:
ــ يخرب بيت دي مزة يا جدع! بقى دي تزعلها وتتبارد معاها وتقف تتغشم عليها قدام العمال بتوعك وتقول لك بم تقوم مطرشها الدم؟ ده انت عيل فصيل وغشيم. ده دي تخلي المحل بتاعك يقف لها على رجل من حلاوتها. ده إيه الرقة والجمال والحلاوة دي يا جدع. والله انت ما بتفهم.
ثم تابع حديثه وهو يوجه شاشة الهاتف أمام “يحيى” ويسأله عن رأيه:
ــ شوف كده ياض يا “هاشم” المزة عاملة إزاي؟ بذمتك الواد ده مش وش فقر؟
تمعن “يحيى” هو الآخر النظر في الصورة ثم وجه كلمات ساخرة لذاك الهاشم:
ــ بصراحة كده يا هاشم البنت باين عليها رقيقة وراقية وبصراحة أكتر زي ما زيد ما بيقول انت غشيم يا جدع.
نفخ هو الآخر بضيق شديد على هؤلاء الثنائي الذين نعتوه بقلة عدم الفهم ليجذب الهاتف من بين أيديهم وهو ينظر إلى الصورة هو الآخر لينطق بنبرة باردة:
ــ شايفها عادية يعني مش زي ما انتوا عمالين تمجدوا فيها. أنا يا جدعان ربنا خالقني كده ما ليش في صنف الحريم. أعمل إيه يعني؟ شايف إنهم مش هيكملوني بحاجة بل بالعكس هيزعجوني في حياتي. هيخلوني مرتبط بيهم وبمشاكلهم وبنكدهم طول الوقت. وأنا واحد بحب الحياة والفرفشة وما بحبش أحس إني مجبر على حاجة أو إني أعمل حاجة مش عايزها. هو الجواز بالعافية يعني عشان أمي تستريح وقلبها يطمن تخليني أعيش طول الوقت مقريف وقلقان.
سأله “زيد” بقلق حقيقي جعل “يحيى” ينهمر في الضحكات لغرابة السؤال:
ــ اللي قول لي يا هاشم هي إيه أخبار هرمونات الرجولة عندك؟ انت راجل كده كامل ولا انت مش مظبوط ياض ولا إيه بالظبط؟ أصل مش معقول أي راجل ما بيحبش الجنس الناعم إلا إذا كان ما بيحسش وعنده نقص في مشاعر الرجولة للجنس الناعم. طمني عليك يا حبيب أخوك؟
ضحك “يحيى” بصوت عالٍ ملأ المكان على سؤال “زيد” مما جعل “هاشم” يضيق ذرعاً ويريد أن ينقض عليه كي يفتك به وهو يجيبه بنفي لما قال:
ــ والله المشاعر دي للي سايحين ونايحين على نفسهم زيك كده يا مستر. أما أنا راجل بعرف أتحكم في نفسي كويس ومش بتدلق على أي حد. مش مراهق أنا. وعديت مراحل المراهقة من زمان. أنا راجل لسه مش شايف نفسي عايز أتزوج. هو الجواز بالغصب يا جدعان؟
ظل الحوار مع ثلاثتهم إلى أن تنحى كل منهم جانباً كي ينفصل مع حاله كالمعتاد في ساعة الصمت الرهيب الذي يحبذه ثلاثتهم مع الطبيعة والجو. وقتها الصمت أبلغ من أي كلام وبالنسبة لهم راحة لأعصابهم ولأفواههم من الثرثرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
بعدما اختلى “هاشم” بحاله وهو يمسك هاتفه ووجد أصابعه تنطلق نحو صورتها وهو ينظر لها من جميع الأبعاد وقلبه يشير إلى عقله بتلك الكلمات الذي تدور داخله:
ــ شايفها عادية بس ليه ما أعملش زي ما هم ما بيقولوا وبينصحوني؟ أي عروسة والسلام عشان أخلي ماما تبطل كلام وأستريح من الزن في الموضوع ده. بس دي أهانتني جامد وتكبرت عليا وكمان اتكلمت معايا بطريقة كلها غرور. إزاي هقدر أتعامل معاها بعد كده كراجل ومراته!
ويعود عقله يرشده من جديد:
ــ بس هي اعتذرت وعلى العام كمان وشايف إنها بتقدم خطوة. السبت فيها إيه لما اتنازل شوية وبعد كده أطبعها بطبعي وبرده في الآخر الراجل اللي بيتنازل.
ثم يعود قلبه للتمرد عليه وهو ينهاه عن فعلته الشنيعة تلك:
ــ بس إزاي ترتبط بواحدة وتعلقها بيك وانت مش قابل الجواز ولا راضي بيه؟ انت كده هتظلمها وهتظلم نفسك وحياتكم هتبقى كلها نكد في نكد. وده أصلاً سبب رفضك للجواز. ما تعملش كده في نفسك.
أشار إليه عقله أن يتمهل وأن لا يستمع لتخاريف القلب وهو ينبهه:
ــ انت مسيرك في يوم من الأيام هتتجوز. وكون إن انت مستني الحب ممكن ما يجيش إلا بعد سنين وسنين ومش كل الجواز مبني على الحب. انت عاملها كويس وخلاص وكده الحل المناسب لجميع الأطراف. روح دلوقتي كلمها على الواتس واشكرها على البوست، لأن الذوق بيقول كده ومن هنا هيجي الكلام وبعد كده يحلها الحلال.
وانطلقت أصابعه سريعاً ناحية تطبيق الواتساب كي ينفذ حكم العقل ونحى القلب جانباً، ولكن فكر سريعاً بما يبدأ كلماته، ولكن قبل أن يفتح رقمها وجد صورتها على الحالة الخاصة بها فانطلقت أصابعه بفتحها دون تردد وإذا بها صورتها مع الحلوى صنيعة يديه والإبتسامة تعلو وجهها وتنظر إلى الحلوى نظرة تلمع لم يفهمها جيداً، ولكن تفهم أنها أحبت صنيعه، ثم راسلها:
ــ مساء الخير يا آنسة “حنين”. حابب أشكرك شكر خاص على المنشور بتاعك على Facebook لصفحتنا وعلى الكلام الجميل اللي اتقال في حقنا. ميرسي جداً ليكي والمحل تحت أمرك في أي وقت تطلبي منه اللي انتِ عايزاه وأنا بنفسي هباشر أوردراتك بعد كده، أو لو حابة تبعتيها لي على الخاص هنا ما فيش مشكلة. الزباين اللي زيك لازم يتعاملوا معاملة خاصة.
كانت “حنين” تجلس على تختها قبل أن يرسل لها رسالته، وحينما فتحت مشاهدات الحالة الخاصة بها وجدته من ضمن المشاهدين، وإذا بها تنصدم من رؤيته لحالتها بل وتفاعل عليها، وهي تفتح فاهها على وسعه من شدة ذهولها بأنه اهتم بحالتها لينطق لسانها بعدم تصديق، فهي منذ أن خرجت من أمامه قد وقعت في غرامه وصار ذاك الـ”هاشم” فتى الأحلام وفارسها الأول والأخير، وصارت عينيها تلمع وهي تفتح صورته الخاصة بل واحتفظت بها على هاتفها وهي تتمعن النظر به:
ــ معقولة إنه شاف الحالة واهتم بها واتفاعل عليها كمان؟ ده انت يا بت يا حنين ربنا بيحبك وشكلك كده صمتي وهتفقري على مارشميللو. يا لهوي على رجولته وجماله وطوله وعرضه والهيبة كده اللي باينة على ملامحه. أموت أنا والمز ده يبقى من نصيبي يا ناس.
وحينما كانت تتغزل به أعلن هاتفها عن وصول رسالة منه وكاد قلبها أن يتوقف بين ضلوعها من مفاجأته. يا الله هو بذاته يرسل لي على الخاص شاكراً إياي على ذاك المنشور الذي ظننت أنه لن يراه من كثرة المنشورات التي تشيد لهم بالانبهار لصنيعهم. لم تتوقع مكالمته ولا أنه سيهتم لأمرها، وهي كانت تفكر في كثير من السيناريوهات كيف تقابله مرة ثانية، وإذا به القدر يأتي به إليها على طبق من ذهب. ويا لها من صدفة، فالصدفة دوماً تكون أجمل من الانتظار لأنها تكسر لدينا كل العقبات والأسئلة والترقبات، فقط لأنها تعطينا كل ما نريد أن نشعر به من جمال وصدق في ثوانٍ ويكون هذا كافٍ لكي نختار بشكل صحيح. فمن نجتمع معهم ونشعر بهم من خلال الصدفة هم أجمل الأقدار وأكثرهم عمقاً ويستحقون منا كل الحب والسعادة التي لا يمكن لها أن تنضب اتجاههم. وذاك عقلها أوهمها بتلك الكلمات، ولكن ما جعلها تتحير الآن أن الوقت متأخر في أن تفتح رسالته وتجيبه أم تنتظر للصباح كي لا يراها أنثى لعوب تتحدث مع الشباب في وقت متأخر من الليل، وهي تسأل حالها بصوت عالٍ:
ــ طب يا ربي أرد عليه دلوقتي ولا أستنى للصبح ولا أعمل إيه؟ أنا قلبي هيقف من كتر دقاته ومن المفاجأة دي. دبرني يا رب أعمل إيه. خايفة ما أردش ويفكر إن ده تجاهل مني ويطفش، وخايفة أرد يقول عليا حد مش كويس وبردو يطفش. أعمل إيه؟ أعمل إيه؟
وظلت على حالتها تلك حتى قررت أن.. يتبع.
رواية مشاعر موقدة الفصل الرابع 4 - بقلم فاطيما يوسف
في حوارٍ بين قلبي وعقلي كنتُ تائهةً بين آلامي وعشقي وآثامي، فقلبي حاول أن يخفف آلامي التي انتباتني بسبب عشقي، وعقلي نهرني بسببِ آثامي لأنَّ رُوحي تعلقت وما زالت تتعلق بروح تسكنها ليست لي. ولكن ماذا أنا بفاعلةٍ وقلبِي مُتشبِّسٌ به رغم الألم؟ وذاك عقلي ينهرني عنه رغم الندم، لكن لا الألمُ سينتهِي ولا النَّدمُ سيُنجِدُني ورُوحِي فقط هي الخاسرة، التائهة في قلبٍ أعمى ولو كانت بصيرة.
***
ــ طب يا ربي أرد عليه دلوقتي ولا استنى للصبح ولا اعمل ايه؟ انا قلبي هيقف من كتر دقاته ومن المفاجأة دي، دبرني يا رب اعمل ايه؟ خايفة ما اردش ويفكر ان ده تجاهل مني ويطفش، وخايفه ارد يقول عليا حد مش كويس وبردو يطفش. اعمل ايه؟ اعمل ايه؟
وظلت على حالتها تلك حتى قررت أن تجيبه، فقلبها الضعيف لا يتحمل الصبر، وعقلها الأهوج الذي يرى ذاك الهاشم هو الفارس الأوحد جعلها تستكين، وفتحت الرسالة حتى ظهر له استلامها لتجيبه بكلمات تحوى من الذوق ما يحمل معانٍ كثيرة لذاك الهاشم أن يفسرها:
ــ أنا اللي حابة أعتذر ليك يا شيف على طريقتي المتسرعة شوية بس غصب عني والله. ماما لما عرفت اللي حصل لي وقتها، اتهمتني إن أنا السبب وإن محلتش المشكلة وجبت نفس الطلب، كانت هتزعل مني جامد. ومرة تانية، مرسي جداً لذوقك على إنك بتشكرني على البوست، مفيش داعي للشكر لأن ده حق محلات “سوتيس”.
أنهت رسالتها ثم وضعت قلباً باللون الزهري جانب كلماتها ثم أرسلتها إليه. ثم أمسكت شاشة الهاتف تنظر لكلماته لها بحالمية وهي تعيد قرائتها مراراً وتكراراً، وعقلها لم يكاد يستوعب إلى الآن أنه أرسل رسالة شكر خصيصاً لأجلها، وفراشات الغرام تداعب أسفل معدتها من فرط إحساسها وتخيلها باللحظة التي ستتوج بها عروس “هاشم سالم”. ذاك الشاب الوسيم ذو الهيبة والوقار والجسد الرياضي والوسامة المفرطة والرجولة الأسدية التي تنبع من عضلات صدره القوية، صاحب أشهر محلات الحلوى المشهورة في جمهورية مصر العربية. والأنثى حالفها الحظ وقابلته، إذن فُتِحت لها طاقة القدر ولابد أن تتمسك به بل وتسعى جاهدة بكل مقوماتها أن تجذب انتباهه، ولم تتنازل تلك الــ”حنين” عن ذاك الخاتم الأبدي الذي سيزين يديها، وذاك العقد الذي ستستحوذ به على قلبه وتصبح أميرة قلب الــ”هاشم”. وحينها ستكون حققت أمنيتها التى حلمت بها كثيراً.
أما عنه، ما إن أتته رسالتها حتى رفع حاجبه مندهشاً وهو ينظر إلى أصدقائه مردداً لهم بسخرية:
ــ طب قولوا لي بقي، في واحدة محترمة يجي لها رسايل من واحد غريب بعد نص الليل وترد عليه عادي؟ اللي زي دي الواحد يثق فيها ازاي وهي قاعدة على الفون ترد على الشباب اللي متعرفهمش الساعة واحدة بالليل؟
وأكمل سخريته منها وهو ينفخ بضيق كالمعتاد، فهو يضيق ذرعاً في ثوانٍ قليلة بامتياز:
ــ بقي دي اللي انتو عايزيني أتجوزها وأسلمها اسمي علشان أستريح من زن أمي؟ الله الغني عن صنف الحريم كله، أنا راجل صاحب مزاج ومش ناقصة عكننة هي.
تأفف كلاهما من ضيقه المتسرع وأسبابه الواهية التي لا تمت للواقع بصلة، ليجيب “يحيى” أولاً:
ــ يا عم، هو انت عايش في العصر الحجري؟ أكتر الناس حياتها اتشقلبت وقلبوا الليل نهار وبقوا يسهروا لستة الصبح ويناموا للمغرب. انت مفكر الناس كلها زيك تمانية الصبح بالدقيقة يصحوا وآخرهم في السهر ١.٣٠ الصبح؟ أكيد دي بنت وسهرانة على الشات مع صحباتها البنات. وبعدين هي لسه منزلة البوست، يعني أكيد صاحية مش لازم تكون بتكلم شباب زي ما عقلك الواهي صور لك. يا عزيزي، تيكت إيزي.
أما “زيد” أكمل على دفاع “يحيى” وهو ينعته بالعقل الحجري كصفة على عدم تطلعه لما يجرى حولنا من تغيرات في كل شئ:
ــ والله يا بني، الله يكون في عون اللي هتتجوزك يا سي السيد انت. الدنيا كلها بتسهر دلوقتي والحياة لذيذة عند الناس والدنيا مش مستاهلة القفشة الكدابة دي. فك يا عم الشيف، خليها تتزهزه وواحد فينا نحسه يتفك ونرقص بقي في فرحه، أنا مخنوق وعندي طاقة عايز اخرج بيها.
حـ.ــرقة قلبي على اللي أنا حاسس بيه. اعتلت أنفاسه بحيرة وزهق فور أن تذكر الـــ”ليلى” وشأنها وعلاقتهم التي تشبه خيوط العنكبوت لن تُفَك بسهولة، ولربما ستظل معقودة دوماً. ليسأله “يحيى”:
ــ طب انت لسة في الأول يا “زيد”؟ ما تكبر دماغك منها يا عم طالما البنت مش عايزاك. وبعدين الحب مش بالعافية، هي لو بتحبك هتلاقيها شايفاك وحساك وعمرها ما تكرف لك وانت لسة في الأول يعني ما لحقتش تدوب في دباديبها علشان تقعد مهموم قوي كده وقاعد تعد نجوم الليل وانت مقهور بالشكل ده.
فرك كلتا يديه في الأخرى وهو يجيبه بلوعة:
ــ انت اللي بتقول كده يا “يحيى” وانت مجرب ازاي تتعلق بحد والحد ده ما يشوفكش أو يستغنى عنك بسهولة! بس أنا بقى حطيتها في دماغي لدرجة انت ما تتخيلهاش، وطول ما هي بتبص لي من مكان تاني وبشكل تاني خالص، طول ما انا هفضل قلبي قايد نــار بمشاعر مشــ.ــعللة جوايا مش هتنطفي ولا هتهدى الا بكلمة واحدة منها إنها عايزاني زي ما أنا ما عايزها، وعلشان ده يحصل لازم أتغير، وعلشان أتغير لازم أشن حــ.ــرب على نفسي شديدة وأنا ضعيف قدام الجنس اللطيف يا جدعان. أعمل ايه في عيني اللي عايزة تتخـ.ـزق وفي لساني اللي موديني في داهية كل لما يشوف واحدة حلوة.
ثم تآكل بشفتيه غيظاً من نفسه وهو يتمنى:
ــ أنا عايز حبوب سيطرة يا شباب، أو حبوب عمى قصاد الحريم علشان أنا عارفني ديلي عِوج والديل الأعوج أخرته وحشة وأنا مستهالش اللي نفسي بتعمله فيا.
حقاً حينما نجلس مع أنفسنا أو شبيهى أنفسنا، يخرج الكلام على شفتينا ليعبر عن الكامن داخلنا من أخطاء نود أن نفتك بها داخلنا. نود أن نـ.ـكسرها بقبضةٍ من حديد كي نفوق من وهم الغش، والكذب، والخداع، والخيانة، كي تهدأ مشاعرنا الموقدة وحينها تستقيم أفئدتنا. ولكن النفس أمارة بالسوء وهي السبب الأول والأخير في شقاء صاحبها، فهنيئاً لك أيها المستقيم، حقاً ستحظى براحة بال لم يمتلكها أغنى بني آدم.
أما “هاشم” تركهم يتحدثون وتنحى جانباً، وقد تفهم نصيحتهم ووعاها، فهم خبرة عنه في تلك الشؤون، وقد قرر الرد عليها:
ــ تمام، مفيش اعتذار، إنتي خلاص بقيتي صاحبة مكان يا آنسة.
ثم أكمل حديثه بادئاً بأولى خطوات التقدم في علاقتهم وهو يقوم بدعوتها هي ووالدتها بطريقة دبلوماسية:
ــ وعلشان زي ما بيقولوا يبقى عيش وملح، ممكن تجيبي الست الوالدة وانتي كمان وتشرفوني في المحل نشرب قهوة، وكمان تختار كادو من المحل، وكمان العمال اللي حضروا التاتش اللي حصل بينا يشوفوكي وانتِ مرضية.
قرأت رسالته بعيون تملؤها الابتسامة الساحرة، وكأنها طيرٌ يطير في السماء ويحلق بأجنحته بسعادة. وحينما قرأت عزيمته، توسعت ابتسامتها ورفرف قلبها بانتصار وقلبها يدق بوله كأنه يطير فوق السحاب ويعانق النصر باهتمام فارسها بها دون أدنى تعب أو تخطيط لأن تناله. ولكن تراجعت ابتسامتها وهي تتذكر أمر والدتها، فكيف ستوافق وكيف ستقنعها؟ فمن المستحيل أن تقبل. لتجيبه بخزي وهي تكاد تنهر أصابعها التي تبعث رفضها:
ــ أممممم… معلش والله مش هقدر أقبل العزومة دي ولا ماما هترضى، وأنا يكفيني ذوق حضرتك معايا وإن شاء الله متعوضة في أي مرة تانية أجي فيها المحل. مانا باجي هناك علطول لأن مناسبتنا مبتنتهيش، بس المرة اللي قابلت حضرتك فيها حصل التاتش الغير مقصود ده.
اطمئن ذاك الــ”هاشم” لعدم قبولها عزيمته بأنها ليست من الذي يرمون بكرامتهم تحت أقدام أي شاب يعرض عليهم ذاك العرض، فعزيمته لها ليس بها أي أساس من الصحة. ولكنه ذو ذكاء سريع، فكَّر سريعاً وهو يعرض عليها ذاك الحل وهو يطلب منها رقم هاتف والدتها، فهو قد نوى أن يأتي بوالدته هي الأخرى في ذاك الوقت كي يتعرفا على بعضهما، وإذا نالت إعجاب والدته فليتقدم لها وتتم أمور زواجهم في السريع العاجل ويستريح من ثرثرة والدته عن استقراره:
ــ طب انا عندي حل، ممكن تديني رقم والدتك؟ وانا هعزمها بنفسي، هقول لها إن المحل بيشكركم جداً على المنشور اللي انتِ نزلتيه، والشكر في التليفون ما ينفعش ولازم تيجوا المحل تاخدوا هدية بسيطة، وهقنعها بس ابعتي لي الرقم.
حينما استمعت إلى حلوله، كأنها نسمة باردة تخـ.ـترق نيـ.ـران شعورها الأهوج في مقابلته والجلوس أمامه مرة أخرى. فقد نزلت كلماته كالبرد والسلام على قلبها المولع والمتيم بمقابلة هاشمها. ولكن فكرت قليلاً وهي ترفض إعطاءه الرقم كي لا يستشف ولهها به، فهي تريد أن تستخدم أسلوب المراوغة كي تستطيع جذبه إليها:
ــ مش هقدر أبعت لك رقم ماما معلش يا افندم، أنا هبلغها شكر حضرتك وهديتنا انت بعتها مع الأوردر ودي والله مش قلة ذوق مني، بس لا يصح إلا الصحيح.
هنا نظر إلى أصدقائه قائلاً لهم بتراجع عن فكره أمامهم:
ــ تصدق ياض منك ليه انتو عندكم حق؟ البنت عزمتها هي وأمها عندي في المحل على قهوة وأديهم هدية صغيرة كده بحجة المنشور اللي نزلته وكمان اعتذار عن اللي حصل في المحل، رفضت رفض تام. وحتى قلت لها هاتي رقم والدتك وأنا أعزمها بنفسي علشان أشيل عنها الإحراج، رفضت يا ولاد.
ثم نقل بصره نحو مياه البحر الساكنة وهو يتحمحم بمفاجئته:
ــ أمممم…. شكل أخوكم هيبقي عريس عن قريب والنحس هيتفك علي يدي وأنا اللي هقص الشريط بعون الله.
قام كلاهما بسعادة وهو يلتفون حوله ويصفقون ببهجة وهم يرددون في آن واحد بدعابة:
ــ يا ولاد بلدنا، يوم الخميس هاشم هيكتب كتابه وهيبقي عريس، وهتبقي عامة، وهنبقي لامة، وهنرقص للصبح وهيبقي معاه في البيت ونيس، ياه يا ولاد بلدنا.
وظلت الضحكات تغمرهم، وكل منهم يتناسى حزنه و وجعه وهم يحاولون الفكاك عن أنفسهم من تعب قلوبهم. أما تلك الــ”حنين” احتضنت هاتفها بسعادة وكأنها حصلت اليوم على ملك سليمان بل ويزيد.
***
أعلنت الشمس الذهبية بزوغها في كبد السماء. فشروق الشمس هي سرّ الحياة على الأرض، وهي مصدر النور والإشراق؛ ففي كلّ يومٍ تُرسل خيوط أشعتها الذهبية، لتعلن بداية يومٍ جديد، وعلى موعدها يضبط الصباح ساعته، وتستيقظ العصافير من نومها، وتنشر على الملأ ذلك النور الإلهي العظيم، الذي يتغلغل في أعماق النفس قبل أن ينتشر في الأرض والسماء، فالشمس لا تُخلف ميعادها أبداً. فالشمس رمز البدايات وعنوان الأمل، نرى فيها كل يوم حلم جديد.
في منزل “نور الهدى” وبالتحديد في الساعة الحادية عشر ونصف صباحاً، حيث استيقظت على صوت الهاتف يعلن عن وصول مكالمة عبر الهاتف، وإذا بعينيها تُبصر نقش اسم معذبها على شاشة الهاتف وهي تحاول الفرك بهم كي تتأكد بصيرتها. أحست بأنين الوجع ينخر في صدرها مع وخزة شديدة رجفت ذاك القابع بين أضلعها وهو لم يعد يتحمل ولا أن يصد هجومه الضاري عليها، فمعذب أنت قلبها فقد جئت بخيَّالها صاحب وجعها الأعظم. وهي تتذكر تلك الأبيات التي تليق بها:
جَاءَتْ مُعَذِّبَتِي فِي غَيْهَبِ الغَسَقِ
كَأنهَا الكَوْكَبُ الدُرِيُّ فِي الأُفُقِ
فَقُلْتُ نَوَّرْتِنِي يَا خَيْرَ زَائِرَةٍ
أمَا خَشِيتِ مِنَ الحُرَّاسِ فِي الطُّرُقِ
فَجَاوَبَتْنِي وَ دَمْعُ العَيْنِ يَسْبِقُهَ
مَنْ يَرْكَبِ البَحْرَ لا يَخْشَى مِنَ الغَرَقِ
إنّي أحِبُّكَ حباً لا نفادَ لهُ
ما دامَ في مُهجتي شيءٌ منَ الرَّمَقِ
فَقمتُ ولْهانَ منْ وجدي أقبّلُه
زِحْتُ اللثامَ رأيتُ البدرَ مُعْتَنَقِ
قبّلتُها قبّلتني وهي قائلةٌ
قبلتَ فايَ فلا تبخلْ على عُنقي
قلتُ العناقُ حَرامٌ في شريعَتِنا
قالتْ أيا سيّدي واجعَلْهُ في عُنقي
ثم أجابته بعد أن فاقت من شرودها بصوت ناعم رقيق لم تتصنعه أبداً، فهي كائن رقيق للغاية وصوتها كتغريد العصافير من شدة رقتها:
ــ ألو، صباح الخير يا يحيى.
صدح صوت دقات قلبه داخله وهو يستمع إلى صوتها الرقيق الناعس لأول مرة، وتلك هي التغريدة الأولى التى أرسلتها “نور الهدى” في سماء الهوى لــ”يحيى” الذي أغمض عينيه بقوة يمنع تأثيره بصوتها الناعم الممتزج ببحة ناعسة أفقدته توازنه لوهلة، ثم أجاب صباحها:
ــ صباح الخير على أجمل بنوتة في اسكندرية.
وأكمل بمشاغبة كي يدخل على قلبها السرور، فصوتها الحزين واضحاً:
ــ لسة كسولة زي مانتِ وبتصحي الضهر، مع إن البنت لما بتتجوز بتفوق لن نفسها كدة وبتصحصح من بدري. فوقي يا كسولة بقي.
رمشت بأهدابها وهي ترفع عينيها الحزينة لتقول بصوتٍ حزين فاقد للذة الحياة لما حدث لها:
ــ أه ده المتجوزة طبيعي وجوزها موجود معاها وحياتهم مستقرة زي أي اتنين وعندها التزامات ناحيته، فطار وغدا وعشا وشغل بيت والحاجات الطبيعية دي. أما انا شبه متجوزة، جوزي سابني محبوسة بين أربع حيطان بعد جوازنا بشهر وسافر ومجبرة إني مخرجش من الأربع حيطان دول ولا أجي لبابي ولا مامي ولا أشوف أصحابي علشان دي الأصول والدين من الست ناحية جوزها زي ما هو بيقول.
حينما وجدها فتحت الكلام في ذاك الموضوع وهي تتحدث بوجع، تمسَّك به ووجده طرف الخيط ليتحدث معها ويفهم ماذا جرى؟ ثم سألها بصوت هادئ ونبرة حزينة:
ــ قولي لي يا نور، إنتي ازاي قدرتي تتقبلي منه كلامه التقيل ده أو استقبلتيه ازاي وانتِ أول مرة يحصل معاكِ كده أو إنسان يتكلم معاكي بالطريقة الصعبة دي، لا وكمان مش أي إنسان ده زوجك؟
ردَّت بصوت يخرج بصعوبة من حلقها وهي تحاول كتم شهقاتها من فجأة سؤاله لها، فها هو الــ”يحيى” صاحب نبضات القلب الأولِ بل والعشقٌ الأولِ يسأل الــ”نور” الذي انقلب ضياؤه الزاهي إلى عتمة:
ــ مش هتصدقني إن لحد دلوقتي مش قادرة استوعب الكلام اللي قاله لي، مش عايزة افكر فيه كتير ولا افتكره، لاني لو فضلت افكر فيه حاسه ان هيجرى لي حاجة أو ممكن اتجنن. صعبان عليا نفسي من موقف بسيط جداً تافه قال لي الكلام ده، وبسأل نفسي كتير لو حصل خناقة تانية ما بيني وبينه على حاجة فعلاً تستاهل، هيقول إيه أكتر من اللي قاله؟
ثم أكملت وهي تبتلع ريقها بصعوبة شديدة:
ــ ممكن وقتها لو هو موجود مثلاً يمد إيده عليا ويسمعني كلام عمري في حياتي ما سمعت زيه؟! ووقتها “نور الهدى” البنت الرقيقة اللي عاملة زي البسكوتة الهشة ممكن تنهار ومش هترجع زي ما كانت تاني.
انتفض داخله وارتعب كيانه من مجرد أنه تخيل نفس تخيلها، ليسألها بدهشة:
ــ هو يقدر ولا يتجرأ يمد إيده عليكي أصلاً؟ هو مش عارف انتِ بنت مين ومتربية إزاي؟
تنهدت بثقل وألم نفسي انتابها جراء استفساره، لتؤكد له:
ــ أه ممكن جداً يمد إيه ويعمل أكتر من كده، هو من نوع الرجالة اللي لو اتملكوا من الست يشوف نفسه إنه يحق له يعمل أي حاجة، بدليل إن موقف تافه جداً قلَبهُ خناقة كبيرة وقال ألفاظ متخيلتش نفسي إني أسمعها في يوم من الأيام، وشتمني ببابي يا يحيى.
بعد أن أنهت كلماتها، انفـ.ـجرت في بكاء غزير، وأذنيها لم تنسى إلى الآن صدى سبابه ولا طريقه الغير آدمي في التحدث معها ولا طريقة التهديد والوعيد لها المفعلة بالغليل، وحقاً في ذاك الوقت لو كان أمامها لأهلكها ضـ.ـرباً، ولكن شاشة الهاتف هي من منعته أن يطالها.
أما “يحيى” حينما استمع إلى بكائها، اعتدل في نومته وهو يشد على خصلات شعره بأسى على صغيرته التى قضى طفولته وشبابه واعياً أنها أخت له فقط، بل وأقنع داخله بذلك، ومهما كانت لمحت له مئات المرات بأنها تشعر بكونه سنداً لها وأنها تريد أن تكون بجانبه طيلة العمر، إلا أنه جعل بين يديه سداً وعلى عينه سداً وعلى قلبه غشاوة بأنها لن تكون إلا كشقيقته. ولكن الآن لم يتحمل ما حدث لها ويريد الفــ.ــتك بذاك المدعي زوجها الذي جعلها تبكي بغزارة وجعله الآن يريد احتضانها والتخفيف عنها ويلوم حاله على أنه المتسبب فيما حدث لها. هو من تصداها ووضع أمام علاقتهم أشواكاً زينها له عقله الباطن. ثم حاول تهدئتها من بكائها الشديد الذي أحزنه كثيراً:
ــ نوري، متعيطيش بقي مش متحمل بكاكي وحزنك، بجد أنا نفسي أروح أطبق في زمارة رقبته علشان زعل البونبوناية بتاعتنا. أرجوكي اهدي بقي ومش من أولها كده هتعيطي وتدخلي في اكتئاب، ولو مش هتقدرى يبقي سكة السلامة يا نوري طالما بدأها بقلة احترام كده وبالألفاظ والطريقة البشعة دي.
جففت دموعها وهي تحاول كبت عبراتها عافيةً، وهي فاقدة الأمل في الخلاص والنجاة من سليط اللسان ذاك:
ــ تفتكر السيبان سهل قوووي كده يا ابن خالتي؟ ده جواز وطلاق وحوار كبير وأنا لسه متجوزة بقالي شهرين. مامي قالت لي مينفعش نخرب البيت من أول مشكلة ولازم نصبر يانوري، وبابي رجع امبارح ومامت “نادر” جاية هي وباباه وأخوه الكبير النهاردة بالليل.
سألها باهتمام:
ــ طب هو محاولش يكلمك خالص من ساعة ما جيتي؟
أرجعت خصلاتها الشاردة على عينيها خلف أذنها وهي تجيبه بخجل عما فعلته معه:
ــ أمممم.. أصللل هو مش هيعرف يكلمني لأني بلكته من كل الأماكن، واتصل على الأرضي بتاع أوضتي امبارح وأول ما فتحت وسمعت صوته قفلت السكة في وشه.
خلل أصابعه بين خصلات شعره الأسود الفحمي وهو يسألها بفضول:
ــ طب ليه قفلتي السكة في وشه؟ ما كنتي سمعتيه هيقول لك إيه؟ يمكن بيتصل يعتذر؛ أو بيتصل يراضيكي ويطيب خاطرك بعد ما عرف غلطه وبيمهد لمجي باباه ومامته.
ضحكة ساخرة خرجت من فمها لتجيبه بنفي تام لظنونه الطيبة:
ــ مكانش هيعتذر لأن أول ما رفعت السماعة وسمعت صوته قال لي بحدة؛ أهلاً بالهانم اللي إن شاء الله هطين عيشتها وهكـ.ـسر لها دماغها على البلوكات. أول ما سمعته بيتكلم بالطريقة البشعة دي قفلت السكة في وشه ومتحملتش أسمع منه ولا كلمة.
واسترسلت حديثها بقلب يخفق بألم جارف داخلها وهي تشعر بأن روحها البريئة استنزفت من أول جولة:
ــ شكله كان جاي يكمل فرض سيطرته عليا وبهدلة فيا وكمان عايزني أسمع، وشكله كمان مش ناوي يتغير يا يحيى وأنا وقعت مع إنسان من نوع الرجالة النرجسية اللي لسانهم سابق عقلهم ومش عارفة إزاي هتحمل بعد كده.
تنفس بضيق وصدره بدأ يعلو ويهبط من أنفاسه المتتالية وكأنه يجرى في سباق أفقده التنفس، ولكن سباقٌ بين مشاعره الموقدة الآن لأنه فقدها ولم يستطيع حتى التفكير بها، وبين كونها امرأة متزوجة وملكاً لرجلٍ غيره. ثم نطق بحدة وهو يجز على أسنانه بغضب:
ــ ابن ال….، والله ما هكمل مش مستاهل إني أنزل لمستواه. وعلى فكرة، المفروض تقولي لباباكي وخالتو على كلامه ليكي ومتخبيش عنه حاجة علشان لما أهله يجو كل حاجة تبقي على نور.
وظلت مكالمتهم ما تقرب من الساعتين دون شعور منهم بالوقت ومروره، ولم يتركها إلا وهي ضاحكة وقد أخرجها من حالة النكد والكآبة التي أصابتها، ثم أغلقت معه الهاتف وهي تحتضنه وتردد داخلها:
ــ ياه يا بن خالتي، مش كان قلبي عنده حق لما عشقك، وعيني كانت كلها نظر لما شفتك نصي التاني، وروحي اللي اتعلقت بيك سنين وهي شايفة إن مفيش في طيبة قلبك ولا رقتك وحنيتك وذوقك.
ثم أفاقت من التفكير به على صوت المذياع يردد قوله تعالى “ولا تزروا وازرة وزر أخرى”. وأكمل داخلها وهو ينهرها:
ــ فوقي يا نور، ده مش من حقك إنك تفكري فيه ولا إن قلبك يدق علشانه أبداً، ده كان ماضي ولازم تنسيه وتبعدي عنه وتسيطري على مشاعرك كمان، إنتي ست متجوزة.
ثم قامت من مكانها كي تؤدي فريضة الظهر وهي تلوم مشاعرها بنفس لوامة للغاية، لكن ليت القلب يتحكم به صاحبه! بل القلب ليس عليه سبيل وليس له مفاتيح تُغلق أبوابه بأقفال موصدة كي لا يفكر فيمن ليس له ومن المستحيل أن يكون له.
***
في منزل “ليلى المحمدي”، تجلس في أحضان والدتها السيدة “شهيرة عبد الحميد”، أستاذ الفلسفة والمنطق بجامعة المنصورة، حيث أنها تعمل كمدرس أول لمادة الفلسفة، فهي حاصلة على الماجستير والدكتوراة، وهي تحكي لها ما حدث معها من “زيد” بالتفصيل الكامل ولم تكذب في حرف واحدٍ. لتسألها والدتها بهدوء دون أي ضيق مما حدث من ذاك الــ”زيد” وتهوره مع ابنتها بتلك الدرجة الشنيعة، نظراً لأنها تمتاز بالعقلانية الشديدة وورثتها لابنتها، وتلك العقلانية أدت ثمارها ببراعة، حيث أتت إليها ابنتها وقصت عليها ما حدث بدقة دون أن تخفي حرفاً واحداً، وهي تملس على شعرها البني اللامع بحنو:
ــ طب انتِ إحساسك إيه يا ليلى من ناحية المدرس ده؟ اوصفي لي انتِ حاسة بإيه بعد ما قال لك الكلام ده، وخصوصاً إنك عمرك ما تعرضتي لموقف زي ده وكمان ما عيشتيش سن مراهقتك لحد دلوقتي؟
تحركت في أحضان والدتها بارتباك أحسته والدتها وفهمته، بل وبَنَت عليه في عقلها خيوط كثيرة ناحية مشاعر ابنتها. حاول ليلى تنظيم أنفاسها وهي تستدعي الهدوء من تساؤل والدتها وتحاول إجابتها بكل ما تشعر به دون أي تحوير أو تخبئة للكامن داخلها، وكم الصراعات التي تعرضت لها منذ تلك اللحظة التي اعترف فيها “زيد” بمشاعره تجاهها:
ــ مش عارفة يا ماما أحدد الإحساس اللي انا حاسة بيه بالظبط إيه، انا هحكيه لك وانتِ تجمعي خيوط كلامي وتقولي لي انا كده وصلت لمرحلة إيه في التفكير في الموضوع كله. انا كنت حاسة وانا قدامه ان انا بنت قوية جداً مستعدة أرفضه بدل المرة ألف مرة، بس كانت نظرتة ليا حاسة فيها الصدق جامد. لكن كرامتي مش قادرة تتحمل إنه بيعرف بنات كتير وبيكلم بنات كتير بطريقة مش لطيفة خالص زي ما بسمع، وكمان برده قلبي بيلومني ازاي أفرط في حد انا شايفة في عيونه الصدق إنه حبني واتعلق بيا، وبعد ما مشيت مجرد ريحته اللي مالية كتبي وطرف هدومي خلتني مش قادرة أبطل تفكير فيه، لدرجة يا ماما ان انا قعدت حاضنة الدريس بتاعي بطريقة متسرعة مني وانا عارفة وأشم ريحته وقلبي وعقلي في صراع جامد ما بين ان انا افكر فيه او ما افكرش فيه.
ثم رفعت رأسها من أحضان والدتها وأكملت حديثها باستفسار حائر لما تشعر به:
ــ قولي لي يا ماما هو انا كده ببقى بظلم قلبي ان هو فكر في واحد خاين، وان انا استحق فرصة تانية أحسن من ده بكتير؟ بس برده حاسة اني بقيت بفكر فيه كتير، ولا يمكن دي المراهقة اللي ياما حكيتي لي عنها؟
ابتسمت والدتها ابتسامة متصنعة كي لا تعكس ما بداخلها عن حيرة صغيرتها، وتيقنت أنها وقعت في عشق ذاك المدرس، فحاولت الدفاع أولاً عن ذاك الــ”زيد” رغم خطئه الواضح، إلا أنها طبيبة نفسية وتفهم كثيراً في تلك الشخصيات:
ــ قبل ما اجاوبك عن سؤالك، خلينا الأول نفهم شخصية “زيد”. شوفي حبيبة قلبي، الشباب كلها بقت زي “زيد” دلوقتي، نادراً ما لما تلاقي شاب عمره ما كان له علاقة بأي بنت ولا إنه قافل على نفسه بنسبة 90% في المجتمع اللي احنا عايشين فيه. الشباب معظمها بتعرف بنات علشان عقلك ما يوديكيش إنك في يوم من الأيام هترتبط بإنسان انتِ أول حب في حياته، وده طبعاً مش معناه إن اللي الشباب بيعملوه صح، لكن هي الدنيا دايرة من زمان قوي على كده، مفيش إنسان كامل، مفيش إنسان ما بيغلطش، والا مكانش في جنة ونـ.ـار ولا آخرة. بس طبعاً كلام عن كلام يفرق وشاب عن شاب بيفرق. “زيد” طبيعة شغله والبنات اللي حواليه خلوا نفسه الضعيفة تخليه يتغري في نفسه وإنه ما فيش زيه، الجان، الجنتل، الناجح اللي معظم البنات حواليه بتبص له دايماً بنظرة تمني، وخصوصاً إنه لسة صغير وإنه نجح في سن صغير، وتقريباً أصلاً هو بدأ مستقبله المهني من وهو في أولى جامعة لأنه وصل لمكانة كتير قوي ما قدروش يوصلوا لها. فكونه إن هو ناجح في شغله وإن هو مطمع لبنات كتير ده مش ذنبه، لكن الذنب الكبير إنه جري ورا شهواته وعلق بنات كتير بيه وصور لهم إنه فتى أحلامهم، زي برده كتير من الشباب. وفي الآخر لما يلاقي واحدة أحسن يسيب اللي كان بيكلمها ويروح لغيرها. فهنا بقى لازم ربنا سبحانه وتعالى بعد ما خلاه لف وشبع على كل صنف ولون من البنات يحب، ولما يحب ويتعلق ويعشق تكون اللي بيحبها طبعاً مختلفة عن كل البنات اللي عينه شافتها قبل كده، لأنه مش هيحب أي حد، ولأن اللي حبها لو هي زي أي حد عمر قلبه ما هيدق. وعلشان كده انا بقول لك من دلوقتي تفكري كتير وتقرري إذا كنتِ هتقدري تصدي قصاد هجومه الضاري عليكِ، كملي في الدرس وخصوصاً إن أنا هحاسبك على مجموعك في آخر السنة حساب شديد بدون تهاون في العقاب.
وتابعت نصحها عن مراهقتها:
ــ أما بقى عنكِ انتِ يا لولا، طبيعي إن انتِ ما عيشتيش سن مراهقتك، وكل إحساس هتحسيه معاه هيبقى مراهقة بالتأكيد. علشان كده عندي ليكي نصيحة مهمة قوي قوي عشان تعرفي إذا كان قلبك مراهق ولا بيحب بجد، لازم تصدي كل هجماته، لازم تقفي له زي الأسد زي ما عملتِ في أول مرة بالظبط، لأنه مش هيفقد محاولاته وهيحاول يخليكِ تحبيه باستماتة، لأن اللي زيه لما يحب عمره أبداً ما يسيب اللي قلبه اتعلق بيها وحبها مهما كان، لأنها المختلفة الوحيدة اللي قابلها في حياته، ومسيرك هتخلصي وهتمشي من عنده وهتروحي على جامعتك هتقابلي من كل لون وشكل من أصناف البشر، هتشوفي اذا كنتِ حبيتيه حب مراهقة فعلاً ولا حب بجد! وهو برده هنشوف هيتغير علشان خاطرك ولا لا؟ ولعلمك زيد كــشاب لأي أب وأم من حيث الواجهة العامة ممتاز جداً وما يترفضش، لكن في حاجات جوة الإنسان لازم يدور ويدعبس فيها على الشخص اللي هيرتبط بيه اذا كان هينفع معاه ولا لا، لأن المظهر مش كل حاجة ولا الواجهة العامة ولا الشغل اللي مفيش زيه ولا الفلوس اللي مفيش اكتر منها هينفعوا الست لما تتجوز غير حاجة واحدة بس هتلاقيها مع الراجل اللي هترتبط بيه.
حركت ليلى رأسها بتركيزٍ شديدٍ وهي تستمع إلى حديث والدتها وتفهمته بشدة، وهي تترجاها بعينيها أن تكمل، فاسترسلت والدتها بما أقنع ابنتها بسلاسة:
ــ هي إنها تحس منه بالأمان في العلاقة، ولو الشك دخل في بداية العلاقة من الأول لازم الطرفين يحاولوا يسيطروا على الشك بكل الطرق، لأن الشك بيمــ.ــوت أي علاقة والخيانة بتقضي على الطرفين نهائي وبتخليهم يكرهوا بعض جامد، وطالما القلب والعقل كره يبقى خلاص مش هيقدر يحب تاني مهما قابلوا أي إنسان وهيبقى جواهم دايماً هاجس الخيانة.
ابتسمت “ليلى” لوالدتها وقد استوعبت كل نصائحها بجدية بل وتفهمتها كثيراً وستبني عليها، وهي تعيد نفسها إلى أحضان والدتها بل وتتمسك بها بشدة وهي تشكر والدتها:
ــ انا فهمتك جداً يا ماما وبجد مش عارفة أشكرك إزاي على كل نصايحك اللي ما تتقدرش بتمن في الدنيا كلها. انا هعمل بنصيحتك وما تقلقيش على لولا، ودايماً هوافيكي بأخباري لأني طبعاً ما اقدرش أخبي عنك أي حاجة ومش خوف طبعاً، لأن انتِ أحسن من أي صاحبة في الدنيا، وإن شاء الله هحاول أعمل موف ان على قلبي وهسيطر سيطرة تامة لحد ما اخلص الثانوية بإذن الله وأدخل الجامعة، وساعتها هشوف نفسي ومهما كان إحساسي هسيطر يعني هسيطر. ولو حسيت إن أنا ضعفت أكيد هرجع لك علشان طبعاً انتِ المنقذ الوحيد ليا ضد عواصف القلوب اللي بتطلع مرة واحدة وما نقدرش نسيطر عليها.
شددت والدتها على احتضانها بحنو جارف وهي تحمد ربها داخلها على صراحة ابنتها وصغيرتها معها بكل تلك المصداقية دون أي تحوير، وذلك يرجع إلى جهدها الشديد في تربيتها وحرصها دوماً على مصاحبة ابنتها دون أي تعنيف لأي موقف.
***
في تلك السيارة تتحدث عائلة “نادر” زوج “نور” في مشكلتهم، ووالدته توجه كلامها لزوجها بسخرية على زوجة ابنها:
ــ أنا قلت لابنك من الأول بلاها الجوازة المهببة دي علشان دي بنت وحيدة أمها وأبوها ومتدلعة. دي يا اخويا بتقول بابي ومامي، هي اللي زي دي تعرف تبقى أم ولا تعرف تعيش في بيوت ناس؟ المفروض كانوا يربوها ويعلموها الأدب قبل ما ترفع صوتها على جوزها وتعصي أوامره وهو في الغربة، يجروا له حاجة حبيب أمه بسبب نكدها ودلعها.
تأفف زوجها من ثرثرتها الزائدة عن الحد ليقول بدفاعٍ عن “نور” مخالفاً لرأيها بشدة:
ــ بطلي كلام كتير يا أم “نادر”، مش لما نسمع من البنت الأول إيه اللي حصل؟ ما ينفعش نحكم بالغلط من أي حد فيهم إلا لما نسمع من الطرفين، وادينا سمعنا من ابنك الأول يبقي نسمعها هي كمان. وعايز لما اروح هناك، يا ريت ما تتكلميش بالطريقة العنيفة بتاعتك دي وافتكري كلام ابنك اللي قاله لك، بلاش تتعاملي معاها بعنف يا ماما علشان ترجع البيت. ولما ارجع من السفر هتصرف أنا وهي مع بعض، فاهدي بقى مش عايزين شغل الحموات ده من الأول.
مطت شفتيها بامتعاض لحديثه اللاذع معها لترفض ما قاله وما أمره بها:
ــ سكوت إيه اللي أنا هسكته ده! ده ابني ولازم ادافع عنه في غيابه والبت دي لازم يتدبــ.ــح لها القطة من الأول كده. ده جايب لها شقة طول بعرض في البتاع اللي اسمه الكونباون ده، وجايب لها شبكة ما كانتش تحلم بيها، وقـ.ـطع نفسه على جوازتها وفي الآخر تسيب له البيت وتمشي وتعلي صوتها عليه، لا وكمان تقفل في وشه التليفونات من كل مكان. ما اعرفش جيل إيه المزفت ده في البنات اللي ما يعرفش اصول الجواز والبيوت إيه؟
عنفها بشدة فهو لم يسمح لها أن تتحدث بتلك الطريقة:
ــ قسماً عظماً لو فتحتِ بقك واحنا عند الناس دي بالكلام ده، شوفي هيجرى لك إيه؟ أي واحد بيجيب لعروسته واي واحد بيعمل في بيته وفي شقته اللي على كيفه، هو ما عملش لأبوها ولا لأمها. أنا اللي هتكلم، انتِ مجرد أمه جاية معايا، ما اسمعش نفسك هناك، يا اما هتروحي على بيت أبوكي بعد ما نخرج من هنا. أنا مش عايز أخرب على بيت ابني وهو لسه بيبنيه ومراته بنت ناس مش واخدها من تحت بير السلم، هي كمان كانت عايشة في بيت أبوها أحسن من العيشة اللي عايشاها عند ابنك اللي اتجوزها وسابها وسافر مع إنّي قلت له ما تسافرش تاني وتسيب مراتك.
قررت الصمت، فهي تخاف من حدته بشدة، وهو الآخر يعلم كيف يُخرسها. بعد أن وصلوا عند البناية وقبل أن يتحركوا، نهاها مرة أخرى:
ــ مش عايزك تنسي التحذير اللي أنا حذرته لك، وانت عارفه، أنا قلبي أسود.
تلك الكلمات القصيرة التي رددها على آذانها بصرامة، ووعاها جيداً، ثم صعدوا إلى الأعلى في المحرك الكهربائي ووصلوا إلى الشقة، فهم يعرفونها ويحفظونها عن ظهر قلب. استقبلهم والد نور بتأدب شديد، فهو يحفظ الأصول ويراعيها، ومهما حدث لابنته من ابنهم فهم ليسوا لهم ذنب. قدمت لهم والدة “نور” واجب الضيافة فهم أهل كرم، وبعد أن جلسوا، طلب والد “نادر” من “نور” أن تحكي ماذا حدث بينهم. كانت متوترة بشدة، ولكن ساندتها والدتها بعينيها أن لا تخاف وتقص عليهم ما حدث، وعندما وصلت إلى نقطة سب أبيها حتى انفجـ.ـرت في البكاء، وتلك النقطة لم يحكيها لهم ابنهم. ليردد والده بصدمة:
ــ معقولة “نادر” ابني شتمك كده؟ ده مش من طبعه الكلام ده ولا الطريقة دي خالص، أنا مش مصدق.
هنا تحدث والدها بعقلانية:
ــ معلش يا حاج، في نقطة هختلف معاك فيها، ابنك مسافر بقاله سنين وغايب عنك، طبيعي إنه يتغير وطباعه تتغير وما تعرفش عنه حاجات كتير، ووارد إنه يظهر بشخصيته الطبيعية قدام مراته وعمره ما يجمل نفسه لأنهم بقوا واحد. وأنا واثق إن بنتي مش بتكذب لأني عارفها كويس جداً، ممكن انت تتصل دلوقتي بابنك فيديو كول وتتأكد منه إذا كان قال كده ولا لا، وإذا كانت بنتي بتكذب أنا هوديها لحد البيت بنفسي ومش هيتكرر تاني.
بالفعل قام والد نادر بالاتصال عليه، وبعد أن أتاه بالرد واطمأن عن حاله، دخل في الحديث مباشرة وسأله عن ذاك السباب، وإذا به يتهرب بعينيه من أبيه، فهو لم يكن يتوقع أن تحكي لأبيها كل شيء بالتفصيل وأن تظهره أمامهم بصورة قبيحة، ومن نظرة الخزي الذي رآها والده في عينيه علم أن نور صادقة. ليأمره بحزم:
ــ اتفضل اعتذر لها حالا قدام والدها ووالدتها وتوعدهم أن طريقتك دي مش هتتكرر تاني، وأي حاجة تحصل ما بينكم تتحل بهدوء من غير أي زعيق ولا صوت عالي منك ليها، ولآخر ما تتكررش تاني يا نادر، يا أما انت عارف أنا هعمل إيه وعارف إن أنا ما بحبش الحال المايل ولا إنك تيجي على مراتك ولا تعاملها بطريقة مش كويسة.
حقاً أن ذلك الرجل جعلهم مصدومون من طريقته مع ابنه وتأديبه ما لم يخطر على بالهم أبداً، فهم كانوا متوقعين نكران ما حدث من ابنهم بشدة، ولكن خذلهم ذاك الرجل الشهم. أما تلك الحماة تجلس وهي تتآكل نـ.ـيران داخلها من أفعال زوجها، والتي في وجهة نظرها جعلتهم في موقف مطأطئين الرؤوس، ولكن صمتت إجباراً عنها. أما “نادر” اعتذر لهم ولزوجته رغماً عنه، فهو يكن لأبيه احتراماً ويخاف منه ومن غضبه بشدة، ولكن بداخله يتوعد لها بأنه لن يمرر هذا الموقف مرور الكرام أبداً حين رجوعه ولن ينساه مهما حدث ومر من الوقت عليه:
ــ أنا آسف يا عمي على كل كلمة طلعت مني غصب عني، كانت ساعة غضب ومش عارف قلت كده إزاي! وبتأسف كمان لنور وبطلب منها ترجع بيتها تاني وما تزعلش مني، ويا ريت تفك البلوكات اللي عاملاها لي من كل حتة، ببقى حابب أطمن عليها ومش عارف.
لم يستطع والد “نور” رفض الاعتذار، فهو أب ولن يتحمل خراب بيت ابنته، وقبل الاعتذار، ولكن اشترط عليه قبل أن تسامحه:
ــ قبل ما اقبل اعتذارك يا نادر، انت لما جيت اتقدمت لـ”نور” عرفنا إنك مش هتسافر تاني، وطبعاً لأنك مكنتش هتسافر أنا جوزتها لك، لأن لو كنت عرفت بموضوع رجوعك أمريكا تاني عمري ما كنت هرضى إنك تتجوزها وتسيبها وتمشي بعد الجواز بشهر زي ما حصل، لكن انت طبعاً حطيتنا قدام الأمر الواقع وقلت هسافر سنة واحدة وهرجع في السنة دي تلت مرات، وافقنا. وطالما انت خالفت كلامك معانا لما جيت تتقدم لها، يبقى أنا بنتي مش هتروح البيت إلا قبل ما ترجع بيومين يدوب تنضف فيهم شقتها، لأن المكان اللي هي ساكنة فيه بعيد جداً عننا وما ينفعش تقعد فيه لوحدها، أنا أخاف على بنتي.
رفض “نادر” رفضاً قاطعاً ليبرر أسباب رفضه:
ــ معلش يا عمي، أنا مش حابب مراتي تبات الشهرين دول برة بيتها، بحب أكلمها في أي وقت على راحتنا وفي بيتنا، مش حابب تفاصيلنا تخرج برة حيطان بيتنا.
تمسك والدها هو الآخر ليقول بتصميم:
ــ طالما مصمم، يبقى ترجع من سفرك وتكون موجود مع مراتك، واظن ده من حقي، لأن انت اتفقت معايا على كده من الأول، مفيش سفر.
هنا تدخل والده ليحل المشكلة:
ــ أوعدك إن دي آخر سنة هيسافر فيها يا أبو “نور”، ومفيش هجرة تاني، لكن هو خلاص التزم بعقد ولازم يكمله علشان الشروط الجزائية بتبقى صعبة جداً وهتضيع كل تعبه. فهنحل حل وسط يرضي جميع الأطراف، البنت تقعد عندكم أسبوع وتقعد في شقتها أسبوع، ووالدتها تبقي على اتصال بيها طول الأسبوع ده، وأظن كده عدانا العيب، لأن ما ينفعش تهجر بيتها الوقت ده كله وكمان جوزها يكون مستريح.
سأل والد “نور” ابنته عن ذاك الحل ما إذا كانت سترتاح إليه أم لا:
ــ ها، إيه رأيك يا “نور”؟ عندك استعداد تقعدي هناك أسبوع ومع مامي هنا أسبوع ولا إيه؟ مش هتبقي مرتاحة؟
اعتلى صدرها بأنفاس عالية، فهي تشعر بالاختناق حينما تكون وحدها في تلك الشقة، ولكنها هي من وافقت على تلك الزيجة من البداية ولابد أن تتحمل، وهي مجبرة أن توافق، فهي تزوجته بكامل إرادتها، ولابد أن تبتعد بقدر الإمكان عن تلك الشقة المملوءة بذكرياتها مع “يحيى” كي تنزعه من عقلها وتتأقلم على حياتها الجديدة، لتدلي عليهم موافقتها، ولكن اشترطت عليهم بتأدب:
ــ أنا موافقة يا بابا، بس عايزاه يوعدني قدامكم كلكم إن أي مشكلة تحصل ما بيني وما بينه يحلها معايا بدون صوت عالي ولا ألفاظ خارجة، أنا مش هقبل بكده أبداً مهما حصل.
هنا تحدث والد “نادر” قبل ابنه يطلب منها:
ــ أنا بقى اللي عايز أطلب منك طلب، إن أي حاجة تحصل ما بينك وما بين جوزك تعتبريني أبوكِ التاني وما تسيبيش بيتك وتغضبي، وإن ما جبتلكيش حقك تيجي على بيت أبوكِ تستنجدي بيه.
ابتسمت لذاك الخلوق ووعدته، وذلك لكرم أخلاقه الشديدة معها، فهو منذ أن ارتبطت بهم يعاملها معاملة الكرماء ولن يهينها أبداً، بعكس أم زوجها تشعر منها دوماً بالاستياء منها. ووعدته بأن تلجأ له بعد ذلك، وبعد أن انتهت جلستهم قامت معهم إلى منزلها وعادت إلى شقتها وحيدة، تجلس مع حالها ترتب أفكارها كي تقف مع نفسها وقفة نسيان عشقها الملعون، فهي ابنة مرباه على الأخلاق ولم تفعل غيرها أبداً وستعاند قلبها مهما ضعفت.
***
مرت الأيام سريعاً وفكر “هاشم” في تلك الــ”حنين” كثيراً، ولكن ليس كتفكير إعجاب أو عشق مبتدأ منه لها، ولكن كتفكير رجل يريد الاستقرار والزواج. وقف مع حاله يخطط كيف يقابلها مرة أخرى بمحض الصدفة. فكان يتابع صفحتها على فيسبوك دوماً ويتابع حالاتها، وعلم مكانها المفضل التي تتنزه به مع صديقاتها، وفي تلك العطلة الأسبوعية قررت أن تذهب مع صديقاتها إلى التنزه في مدينة أم كلثوم بالمنصورة. وتلك الـ”حنين” دوماً تدون نزهتها مع صديقاتها على صفحتها الخاصة قبل أن تذهب إلى التنزه. وعندما علم “هاشم” ذهابها إلى تلك المدينة، قرر أن يذهب إليها ويحاول بقدر الإمكان العثور عليها ويختلق أي أسباب كي يظهر أمامها بالصدفة المحض، فهو يريد التحدث معها كثيراً بعيداً عن الهاتف وجهاً لوجهٍ قبل أن يخبر والدته عنها.
وحينما قرر الذهاب إلى ذاك المكان، اتفق مع صديقيه “زيد” و”هاشم” أن يأتوا معه لكي تظهر صورتهم أنهم يتنزهون هم الآخرون. وبالفعل ذهبوا في اليوم التالي بعد صلاة الجمعة، وهو نفس التوقيت الذي ستذهب فيه “حنين” هي وصديقاتها، وقاما ثلاثتهم بالمشي في الحديقة ذهاباً وإياباً في كل مكان، حتى رآها “هاشم” وحدها وهي تقف في الطابور المنظم لشراء القهوة، وعلم أن الفرصة أتتها أخيراً للتحدث معها. وفعل المستحيل كي يجعلها تراه دون أي شيء مفتعل يدل على أنه يقصدها، حتى تقابلت أعينهم وهي تردد بذهول يصحبه الخجل، وقلبها يخفق بين ضلوعها بشغب عالٍ، ولو اقترب ذاك الـ”هاشم” منها لسمعه وفضحها أمامه:
ــ شيف هاشم!
وهو الآخر اصطنع نفس الذهول بمكرٍ داهٍ أسفل نظارته:
ــ آنسة “حنين”!
رواية مشاعر موقدة الفصل الخامس 5 - بقلم فاطيما يوسف
فعل المستحيل كي يجعلها تراه دون أي شيء مفتعل يدل على أنه يقصدها حتى تقابلت عينيهم وهي تردد بذهول يصحبه الخجل وقلبها يخفق بين ضلوعها بشغب عالٍ ولو اقترب ذاك الـ”هاشم” منها لسمعه وفضحها أمامه:
ــ شيف هاشم!
وهو الآخر أصطنع نفس الذهول بمكرٍ داهي أسفل نظارته:
ــ آنسة “حنين”!
تلاقت الأعين ولكن اختلفت النظرات بينهم، فهي كانت تشعر وهي تراه واقفاً أمامها بطلته، و التي بالصدفة هي الأخرى نفس لون طلتها، فكان يرتدي بنطالاً باللون الأسود ويعتليه هيكول باللون الأبيض وجاكيت من الصوف بلونه الأسود يصل إلى ركبتيه تاركاً إياه مفتوحاً، وكان مظهره حقاً سحرها دون أدنى مجهود منه، أوقعها أسيرة عينيه دون حتى أن يتفوه، وكانت هي الأخرى ترتدي نفس الألوان بنفس النظام، بنطالاً باللون الأسود وكنزة باللون الأبيض ويعتليهم بليزر باللون الأسود وحجاباً باللون الأبيض، فحقاً كانت هي الأخرى جميلة للغاية والأناقة هي عنوانها.
رفع نظارته وأمسكها بإحدى يديه وهو قاصداً النظر في عينيها الخضراويتين وتلاقت مع عسلية عينيه اللامعة ليكمل وهو يلتفت حوله بإرتباك ولكنه قادر على تخبئته، فلأول مرة يقف أمام إحداهن:
ــ انتِ بتعملي ايه هنا، ولوحدك ولا معاكي حد؟
رفعت هي الأخرى نظارتها ونظرت إليه نظرات يملؤها الخجل وهي تحاول انتظام أنفاسها المرتبكة من وجوده أمامها وقلبها يخفق بشدة وهي تجيبه بصوت منخفض يصحبه الرقة:
ــ أنا جايه أقضي يوم أجازتي مع صحباتي، هما هناك قدام البحر وبجيب لي قهوة لأني حاسة بصداع.
ضم حاجبيه ليسألها بقلق مصطنع:
ــ لو تعبانة ومش قادرة تكملي اليوم، تحبي أروحك معايا عربيتي؟
سعد داخلها للغاية من اهتمامه، ولكنها ابتسمت برقة:
ــ لااا أروح إيه، احنا لسه واصلين يدوب من نص ساعة ومجرد ما اشرب قهوتي هبقي كويسة.
ثم دققت النظر داخل عسلتيه وهي تشكره على اهتمامه ثم سألته:
ــ مرسي قوووي لذوقك معايا يا شيف، انت جاي لوحدك برده ولا مع أصحابك ولا جاي في شغل؟
استغل الفرصة كي يستطيع الجلوس معها منفرداً بها ويتحدث معها كثيراً كي يتعرف على شخصيتها أكثر ويرضي فضوله، وهو يلتفت حوله كي يقصد لفت انتباهها:
ــ طب مينفعش نقف نتكلم كدة في وسط الناس، ممكن تيجي أعزمك على قهوة أو تحبي نتغدى مع بعض في الكافيه هنا ونعرف نتكلم براحتنا؟
تسهمت بنظراتها وداخلها يدق بسعادة، فـــفارسها وحلم لياليها يطلب منها الحديث وحدهم وقام بعزيمتها على الغداء. مهلاً قلبي فأبواب السعادة فتحت لك أبوابها على مصراعيها، وفراشات العشق ترفرف أمامك وتطلب منكِ القرب وعليكِ الاقتراب الآن أيتها الفراشة الحسناء واقتنصي من الزمن فرصة واحدة كي تُفتح لكِ نوافذ النور التي انتظرتيها كثيراً أيتها الفراشة.
فاقت من شرودها سريعاً وهي تشعر بالخجل، ولكن قررت إبداء الرفض كي لا يلاحظ لهفتها:
ــ معلش مش هينفع أصلي أنا مع أصحابي وكمان مستئذنتش من ماما، خليها مرة تانية.
ثم استلمت قهوتها وتحركت من أمامه، ولكن قبل أن تخطو سمعت حروف اسمها تنادي من شفاه بصوت أجش وهو يقترب منها:
ــ حنين، لحظة لو سمحتِ قبل ما تمشي.
توقفت مكانها وهي ما زالت تعطيه ظهرها، وقد أغمضت عينيها وهي تستمتع برنين اسمها يُنطَق من شفاه، ثم حاولت تنظيم أنفاسها المتلاحقة من فرط إحساسها باهتمامه بها.
ثم نظرت إليه وهي تمرر لسانها على شفتيها في حركة منها نالت إعجابه:
ــ نعم.
خطى بساقيه أمامها ثم أعاد طلبه مرة أخرى، فهو لم يضيع وقته كي يأتي ورائها ولم يستطع التحدث معها، ولو لم يفعلها لصبح أضحوكة أصحابه وسينعتونه بالأحمق:
ــ مش هاخد منك وقت طويل ولا حاجة، يدوب نص ساعة بس نتكلم مع بعض شوية، يا ستي ده الصدفة هي اللي عملتها وخليتنا نشوف بعض وصدقيني مش هأخرك ولا هعطلك عن أصحابك.
صمتت خجلاً وهي تومئ بعينيها للأسفل، وصمتها كان خير جواب، فأشار بيديه إلى المطعم بابتسامة رجولية أذابت قلبها البريء المتوهم في عشق الفارس صاحب الواجهة والسيارة والجسد العريض والمال والحسب والنسب.
تحركت بجانبه بخطوات متمهلة إلى أن وصلت إلى المنضدة التي وقف أمامها، وهي تنتظره أن يسحب لها المقعد كما تسمع عن لقاء الأحبة، ولكن خيب ظنها الأهوج وجلس وهو يشاور إليها أن تجلس، فسحبت المقعد وجلست أمامه وقد شعرت ببعض الخجل بسبب أوهامها، ولكن حاولت تناسي الموقف.
ثم طلب القهوة من النادل لكليهما، وبدأ الحديث معها، وهي تستمع إليه يردد بما جعلها لن تصدق أذنيها:
ــ تعرفي من ساعة الموقف اللي حصل بينا وأنا حاسس إن أنا عايز اتعرف عليكِ اكتر، منك بقيتي واخدة جانب مهم في حياتي ونفسي اني أعرف عنك كل حاجة.
لااا أيها الـ”هاشم” تمهل أيها الفارس وخذ قلبي على الهادئ ولا ترميني في غابة عينيك العسليتين فأقابل فيهم وحوش العشق الضاري وقلبي ضعيف لا يتحمل وما زال في مهد العشق صبياً.
ثم رمشت بأهدابها وهي ترفع عينيها التي تُنير جواهرها بلمعة الحلم الجميل، ثم سألته بنبرة خافتة أثر خجلها:
ــ طيب ممكن أعرف السبب اللي يخليك عايز تعرفني أكتر؟
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء وأجابها صريحاً:
ــ طب علشان نكون على نور من البداية، وأنا كمان من النوع العملي جداً ومش بحب اللف والدوران في الكلام، أنا عايز أرتبط بيكي بس في نفس الوقت انتِ متعرفيش عني حاجة ولا أنا أعرف عنك حاجة، وممكن تكون القعدة دي تعارف ما بينا وبعدين لو حسيتي بارتياح معايا أجيب أهلي وأجي نتقدم لك علطول.
لم تكن تتخيل أن تكون تلك الكلمات هي بدئ كلماته أبداً! كانت تظن أنها ستسمع ترنيمات ساحرة عن عينيها الجميليتين من شفتيه، أو أنه سيتغزل في طلتها الحسناء وذوقها الراقي، أو أنه سيغدوا على مسامعها بكلمات من اللوعة والولَهِ بها.
التفكير في تلك الأشياء جعل وجهها حزيناً ولم تستطع إخفاء حزنها، ولكن عللت طريقته الصريحة البحتة في التعرف عليها بالتأكيد يحرص عليها ويخاف عليها حتى من نفسه، وبالتأكيد ما إن تتم خطوة رسمية بينهم كما طلب سيغدقها بمشاعر رجولته الفياضة ويلقي على مسامعها أعذب كلمات العشاق. حسناً، فلتصبري أيتها الفراشة ولا تتعجلي.
أما هو، فهم صمتها ولم يتفهم تهجم ملامحها، فهم صمتها على أنه خجل وليس عدم رضا على بدئ حديثه.
أما هي، فتحمحمت بارتباك مصاحب للخجل وعينيها تدور في المكان حولها بعيد عن مرمى عينيه التي تذوب فقط من نظرتهم لتقول بنبرة هادئة:
ــ أمممم… أنا احترمت صراحتك جداً، بس أنا مش عارفة أرد بإيه الصراحة بردوا، بس كل اللي أقدر أقوله لك إني خريجة تجارة انجليزي وبشتغل في شركة خاصة، هي مش بتديني فلوس واو بس أنا بشتغل علشان أشغل وقتي، وليا أختين بنات كمان متجوزين، وأخ ولد، ويومي كله داير بين شغلي والبيت وأصحابي، ومرتبطتش قبل كدة بحد.
سألها بفضول:
ــ طب إزاي واحدة زيك متعلمة تعليم عالي وشغالة وبتتهتم بنفسها زي ما أنا شايف ومرتبطتش بحد قبل كدة؟ معلش لو السؤال بان إنه تدخل.
تبسمت بتوتر ولكن أجابت بدهاء:
ــ نفس اللي مخليك انت كمان مرتبطتش بحد قبل كدة رغم إنك شيف وناجح وبردوا بتهتم بمظهرك وعندك جميع المقومات اللي تخلي أي واحدة ترتبط بيك.
وتابعت إجابتها وهي ترد على استفساره:
ــ علشان أكيد ملقتش اللي يناسبني وانت كمان ملقتش اللي تناسبك، صح ولا أنا غلطانة؟
حرك رأسه بعملية بحتة، ثم على الفور طلب منها هاتف والدها:
ــ تمام، احنا يعتبر كدة متفقين، ممكن تديني رقم والدك علشان ناخد خطوة رسمية.
واسترسل حديثه وهو يُعلمها بمؤهله:
ــ بس في حاجة مهمة لازم تعرفيها إن أنا معايا دبلوم مش تعليم عالي، لأني مكنتش فاضي إني أكمل تعليمي، حياتي كلها من وأنا طفل صغير شغل مع بابا، فاكتفيت بالدبلوم وليا أخين كمان أصغر مني ومتجوزين ومخلفين وعندي ٣٠ سنة.
يا إلهي! هذي أولى الصدمات، المستوى التعليمي مختلف! هي حاصلة على بكالوريوس تجارة انجليزي وهو حاصل على شهادة الدبلوم! ماذا ستقول لصديقاتها عن تعليمه؟ ماذا ستقول لوالدتها عن مؤهله؟!
ولكن نصحها عقلها بأنه كامل الأوصاف أمامها والشهادة ليست معلقة على صدره يريها للقادم والآتي، ولن تخبر أحداً عنها حتى لو سُألت عنها لن تخبرهم، فهي دوماً كانت تتعالى على صديقاتها بأنها ستتزوج دكتور جامعي أو مهندس عبقري.
لاحظ شرودها وفهم أنه توقف عقلها عند فرق تعليمهم لينطق أمامها بكبرياء:
ــ مش عايزك تقلقي من فرق التعليم، أنا مصنف من أعظم الشيفات على مستوى الجمهورية وكمان ناجح جداً في شغلي وفي إدارتي للمحلات الخاصة بيا عن إخواتي بالذات، وكمان عايز أقول لك إن أنا شغال معايا اللي معاهم تربية انجليزي وآداب وكمان اللي خريجين هندسة في منهم شغالين معايا لأنهم للأسف مش لاقيين شغل، فـأنا حابب أوصل لك فكرة إن التعليم بالنسبة لي مش هيفرق معاكي في حاجة لأن أنا مجالي مش محتاج إن يكون معايا شهادة عالية كنت أضيع بيها وقتي وخلاص لو فكرت فيها.
لم تقتنع بمبرراته، وبالتأكيد لن تشغل بالها بذاك المؤهل، فهي حين حلمت به زوجاً لها لم يكن في حسبانها فرق التعليم نهائياً.
ثم سألته كي تسمع منه ما يريد قلبها أن يسمعه:
ــ تمام، ممكن أعرف إيه اللي شدك ليا وخلاك تفكر ترتبط بيا أنا بالذات مع إن في بنات كتير بتشوفها بطبيعة شغلك؟
حرك أصابعه على المنضدة الموضوعة، ثم نظر في ساعته ويبدو عليه الاستعجال مما أزعجها بشدة، ولكن تغافلت وكل شيء قرر قلبها التغافل عنه من البداية وستغفر كل شيء في مقابل أن تكون له.
ثم أجابها بإهمال:
ــ أنا مش متواجد في المحلات كتير، يعني مش بشوف البنات اللي انتِ بتقولي عليهم إلا كل فين وفين، ولما حصل بيني وبينك موقف وحصل بينا كلام واعتذار حسيت وقتها إن أنا عايز أكمل نص ديني وما لقيتش غيرك في بالي، وخصوصاً لما شفتك من شوية قلت أكيد ربنا اللي مدبر الصدفة دي علشان أتكلم معاكي في الموضوع ده لأنه كان شاغلني من ساعة ما حصل التاتش ما بينا.
لم ترضها إجابته ولا حتى تعجله، كانت تريد أن تسمع منه عبارات الغزل التي طيلة النصف ساعة التي مكثتها معه تتوقى لها.
ثم نظر في ساعته مرة أخرى وهو يطلب منها رقم ابيها:
ــ ممكن بقى تديني رقم والدك، احنا عرفنا عن بعض كل حاجة وأكيد الأيام هتبين حاجات أكتر، وكمان علشان أنا وعدتك إن مش هأخرك على صحباتك مش عايز واحدة فيهم تتكلم عنك.
حركت رأسها بموافقة على كلامه دون أن ترد عليه، فهي شعرت بأن مشاعرها الموقدة تجاهه أخذت أكثر من حقها معه، ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها وأتت برقم أبيها وأرسلته له عبر الواتساب.
استلمه ودونه هو الآخر، ثم قام أولاً:
ــ تمام، خير إن شاء الله، نقوم بقى علشان متتأخريش.
ابتسمت نصف ابتسامة باهتة، ثم دفع الحساب للنادل وانتظر قليلاً قبل أن يخرج، ولم تفهم ما سبب وقوفه، فتراجعت خطوتين لتسأله:
ــ في مشكلة ولا حاجة حصلت واقف ليه؟
ابتسامة متصنعة رسمها على وجهه وهو يجيبها بكل أريحية مما صدمها:
ــ لااا مفيش حاجة، روحي انتِ متعطليش نفسك، باقي عشرين جنيه وتقريباً مفيش فكة فبيتصرفوا.
اتسعت دائرة عينيها بذهول أمامه ولن تستطيع تخبئته مما استمعت إليه، ليسألها بقلق:
ــ مالك وشك سهم كدة ليه، حاسة بصداع لسة؟
توترت ملامحها من الموقف، أيعقل أن ذاك الـ”هاشم” صاحب محلات “سوتيس” المشهورة والمصنف من الأغنياء يقف ينتظر عشرون جنيهاً باقي ومن الذوق العام أن يتركها للعمال كــبقشيش لهم والمبلغ لا يستحق منه الوقوف هكذا.
ثم هتفت بلا مبالاة قبل أن تتحرك من أمامه:
ــ لاا مفيش صداع، أنا ماشية، عن إذنك.
تحركت من أمامه وهي تشعر بغصة شديدة على قلبها وهي تتذكر مقابلة ذاك المتقدم لها منذ عام وجلست معه وتحدث معها بطريقة تشعرها بأنها ملكة على عرش الفتيات، وحينما انتهت مقابلتهم دفع فاتورته ولم يتسائل عن الباقي بالرغم من أنه كان له، وكان حاصلاً على كلية تربية رياضية ولكن لم يعمل بمؤهله وكان يعمل حداداً ولذا رفضته رغم وسامته أيضاً وأناقته، فمعظم الشباب الآن يهتمون بشياكتهم ولكن ليس لديه سيارة ولا شقة في إحدى الكومباوندات بل شقة في قريتهم الصغيرة ولا أموالاً في البنوك.
وحينما انتهت جلستها مع ذاك الشاب منذ عام كانت تقوم من أمامه وهي تشعر بالفخر من إشادته بجمالها وأنها سُحِر بها ويتمناها أن تكون زوجته وأن يتنعم بأحضانها.
أما جلستها مع ذلك الـ”هاشم” كانت عملية، باردة، شعرت فيها حقاً بالنقصان في المشاعر من جميع الجوانب، ولكن بررت له داخل عقلها بأنها ستستطيع جعله كما الخاتم في إصبعها وستعلمه أشياءً كثيرة وستغير من طباعه كثيراً حتى تسير على هواها، وطالما الشكل العام الذي حلمت به بل وصممت عليه متواجداً إذا فلتبذل قصارى جهدها على تغيير طباعه.
ولكن أيها الحنين صاحبة العقلية الفارغة والأفكار المسمومة تلك، هل الطباع تتغير؟ هل ستستطيعين حقاً إكمال شخصية ذاك الـ”هاشم” وجعله يمشي على هواكِ؟
عادت لصديقاتها وليست كما ذهبت بعقل يكاد يفتكه الفكر على طباع فارسها التي حلمت بقدومه إليها طالباً القرب وها هو قد أتى إليها ولكن ليست كما تمنت، وليت ما تمناه المرء يدركه.
أما عند “يحيى” و “زيد” حيث تحدث “يحيى” متسائلاً له وهم يتسامرون لحيث قدوم ثالثهم:
ــ مقلتليش هتعمل إيه في عرض كلية الصيدلة، وافقت ولا لسه؟
وقبل ما تجاوب دي فرصة كويسة جداً وتلت محاضرات هتدرسهم في الأسبوع مش كتير يا زيد بس فرصة كويسة ليك جداً من حيث الكاريزما والواجهة بردو.
احتار “زيد” في تلك الفرصة ليهتف بتردد:
ــ يابني ما إذا كان على الكاريزما والواجهة أنا اللي رفضت أبقي معيد في الجامعة لأني شايف نفسي كمدرس ممتاز في الكيميا، وإن وظيفة معيد الجامعة مكانتش هتخليني أعرف أدي دروس ولا أنجح النجاح ده كله ولا حتى في الفلوس، أنا رفضت علشان أنا شايف نفسي أستحق مكانيتي اللي وصلت لها دي وأكتر كمان والجامعة ما هي إلا دفـ.ـن لنجاحي.
تشارك معه “يحيى” في رأيه ولكنه نصحه:
ــ طبعاً الزمن اللي احنا فيه والوقت الحالي زمن مادي بحت والفلوس فيه من أهم الأشياء اللي لازمن تكون موجودة علشان نعرف نعيش، بس إيه المانع إنك تجمع ما بين الجامعة والدروس والمنصات؟ أنا بنصحك تقبل العرض وتلت محاضرات مش هيعطلوك.
ثم تابع رشده بدعابة نالت إعجاب ذاك الــ”زيد”:
ــ حتى يبقي معندكش وقت ترمرم فيه مع البنات إياهم وتبطل كلام التليفونات القذر بتاعك والبنت اللي بتحبها تشوفك بشكل تاني بدل ما هي شيفاك صايع ومدورها.
لم ينزعج “زيد” من دعابة صديقه، فهم معتادون على تلك الأشياء مع بعضهم، ليضحك بشدة هاتفاً من بين ضحكاته:
ــ تصدق ياض عندك حق، حكم أنا عايز أتوب، الهي يسترك ياض يا يحيى وتكسب القضية اللي انت رافعها على الجامعة، أنا نفسي أتوب عن جنس الحريم كلهم علشان مزتي متتطفش وتديني ريق حلو يا جدع، حكم البت دي مطيرة النوم من عيني وقربت أتجنن بسبب أنها بتتحداني.
أشاح الآخر بيديه في الهواء وهو يسخر من طريقته:
ــ يا عم زيد اللي زي ليلى دي عمرها ما ترضى بواحد زيك لسانه طويل وبيقول مزة، وأنضف والحاجات التافهة والكلام البيئة بتاعك ده.
انتبه “زيد” لنصائح “يحيى” وهو يمسك يده متوسلاً إليه:
ــ الهي يسترك يا شيخ، إنتي أرقى واحد فينا وطريقتك الراقية دي منفعتش مع المزتين اللي انت خطبتهم، وطريقتي مش ماشية مع المزة حجي، انت تنصحني وتعلمني طريقتك الصايصة دي اللي هتجيب من الآخر مع لولا وأنا والله العظيم هعمل لك إعلان لمنصتك اللي في الحضيض دي وهصيتك وهخليك تلعب بالفلوس لعب، بس انت شور على اخويا علشان كلها شهرين ومش هشوفها تاني، وإن ما كنتش أعلقها بيا قبل ما تمشي وتروح على الجامعة هتضيع مني وأنا قسماً بالله لو ليلى راحت مني لا همـ.ـوت لكم نفسي أو هنتحر وهيقولوا شهيد الحب راح.
ضحك “يحيى” حتى مات ضحكاً بسبب طريقة “زيد” الفكاهية كالمرأة التي تنعي حظها الأغبر، ثم هدأ من ضحكاته عندما لاحظ صديقه تضايق وكاد أن يضـ.ـربه، إلا أنه ابتعد قليلاً وهو يساومه:
ــ تمام يا صاحبي، بس قبل ما أعلمك تعمل إيه تخلص لي حوار المنصة الأول اللي أنا بتحايل عليك فيه من بقى لي شهرين وانت مطنشني وتقول لي مش فاضي لك، ساعتها هظبطك وهخليك زيد المستقيم والألف ينعوج وانت لا يمكن أبداً.
نظر له بنصف عينٍ وهو لم يعجبه مساومته لينطق بسباب:
ــ اه يا واطي، ما طمرش فيك وقفتي جنبك في قضيتك وفي كل حاجة! ماشي يا يحيى هظبط لك المنصة واعتبروا وعد مني، بس هي بتاخد وقت قد شهر كدة ومش هصبر ده كله علشان الترم قرب يخلص والامتحانات هتبدأ وهتروح مني، فاخلص بقى وقول لي أنظبط إزاي أو الطريقة اللي هتجيب جون مع ليلى من انهي زاوية، إخلص بقى.
عبث “يحيى” برابطة عنقه وهو يفتخر بحاله ويعيش دور المعلم على “زيد” مما جعله يريد أن يختنـ.ــقه بين يديه وهو يجز على أسنانه بغضب، ليبدأ “يحيى” أولى نصائحه:
ــ أولاً حوار الغمز واللمز بتاعك للبنات تبطله خالص، وكمان حوار هزارك مع البنات في الدرس باليد تبطله خالص علشان كدة بتاخد عنك انطباع الرجل المتحرش، ودي أكتر حاجة تكره البنت في الراجل، سيبك بقى من النظرات السافلة اللي من تحت لتحت دي وأي بنت من اللي مش مظبوطين اللي بيتعاملوا معاك بنفس طريقتك دول كشم لها قدام البنات كلها، بمعنى أصح خليها عبرة قدام المجموعة كلها علشان مفيش واحدة قليلة الأدب مش متربية تفكر تهزر بالإيد ولا طريقة الكلام السافلة دي، وطالما دول هينظبطوا معاك يا برنس يبقى انت كده مش هتقع في الغلط أبداً، وطبعاً لازم ترسم الجمود قدام ليلى وإن انت مش رامي نفسك تحت رجليها، هي من النوع اللي انت لو رميت نفسك عليها هتكرف لك، لازم تحس إنك تقيل علشان تقدر تستوعبك، ولكي كمان تقدر تفكر في مميزاتك لأنها مش شايفة فيك غير عيوب وبس، وكفاية عليك بقى كده النهاردة يا مستر حيران.
قذفه “زيد” بقائمة المشروبات التي أمامهم وهو يسخر منه هو الآخر:
ــ الدنيا حالها اتشقلب يا جدعان، زيد بياخد دروس من يحيى الأهبل في كيفية معاملة الجنس الآخر، عجبت لك يا زمن.
أقدم إليهم ذاك الـ”هاشم” أخيراً ساخراً منهم:
ــ هو أنا سايب أطفال بترضع، بتتخانقوا مع بعض ليه يا زفت منك ليه؟
أجابه زيد بفضول:
ــ لا متأخذش بالك يا شيف، قول لنا يا باشا سبع ولا ضبع وخبت من أولها ومعرفتش تثبت المزة يا عمهم؟
أخذ نفساً عميقاً وجلس بهدوء وأجابهم برتابة:
ــ سبع مين وضبع مين، هو أنا رايحة أفتح عكة وأنا مش واخدة بالي، خلاص خدت رقم باباها علشان أروح أتقدم لها، الموضوع يعني مش مستاهل الأفورة بتاعتكم دي.
تحدث “زيد” وهو يضرب كفاً بكفٍ وعلامات الوجوم على وجهه:
ــ اهو حتى هاشم البارد ثبت المزّة في ثانية وخد رقم ابوها عشان يتقدم لها وخلص الحوار هوا، أما أنا اللي كنت مفكر نفسي مقطع السمكة وديلها ولا عارف أتنيل ربع خطوة واحدة مع الست ليلى هانم، أنا شكلي هعتذر الملاعب بدري يا جدعان وأنا لسه في البحر سمكة صغنونة مش عارف أهبب حاجة مع الحتة بتاعتي اللي مجنناني ومطيرة النوم من عيني.
ضحكه ثلاثتهم كثيراً على كلمات “زيد” حتى هو ضحك على نفسه، وظل الثلاث أصدقاء يتسامرون وهم يدلون بنصائحهم كل منهم للآخر، وسبحان الله لا ينفع أحدهم نفسه بتلك النصائح، فكل منهم له قصة مختلفة عن الآخر ويود أن تكون حبيبته ظروفها بنفس ظروف حبيبة الآخر.
*********************
مرت الأيام سريعاً واتفق “هاشم” مع والد “حنين” على زيارته لهم في أول خميس في الشهر حتى يعود أخيها ويحضر قراءة فاتحتهم. و”زيد” استمع إلى نصائح يحيى ونفذها بحذافيرها مما جعل ليلى تنشغل به وتشك بأسلوبه المتغير، ولكن لن تعطيه أي أمل في علاقتهم، فهي لديها تصميم قوي على تنفيذ نصيحة والدتها لأنها مقتنعة بها تمام الاقتناع.
أما نور الهدى تعيش في شقتها وتلتزم اتفاق حماها مع والدها وزوجها يتعامل معها حسب مزاجه، ولن ينسى لها أسفه أمام الجميع لها ويكن لها في قلبه توعدات لأنها أنزلت من شأنه.
و”يحيى” يحاول تكبير منصته ويساعده “زيد” ويتبقى على ميعاد جلسته للحكم فيها أسبوع واحد فقط سيحدد مصيره ويتولى وظيفته في الجامعة كمعيدٍ، فهو قد حصل على المركز الثالث لمدة أربع سنين على التوالي في جامعته كلية الآداب قسم جغرافيا، ثم ذهب لتأدية خدمته في الجيش وبعد أن انتهى منها رفضت الجامعة تعيينه بحجة التأجيل وظلوا يماطلون معه ولم يجد حلاً غير رفع قضية عليهم، وتلك النصيحة التي نصحه بها محامي “هاشم” والذي تولى القضية بنفسه لصديقه ووعده بأنه سيكسب القضية وسيأتي له بحقه في وظيفته.
في حصة الكيمياء الخاصة بمستر “زيد” تقف طالبات الصف الثالث أمامه، فهو قد فصل مجموعة البنات عن الشباب بعد أن رأى نظرات زميل ليلى لها في اليوم الذي رفضت بشدة لحبه لها، وقد فكر فصلهم عن بعض مهما كلفه ذلك وقتاً زائدا، ولكن قد ارتاح بعد أن فعل ذلك.
أتى دور إحدى الطالبات في تصحيح الاختبار الخاص بها وكانت تقف تتمايل أمامه بطريقة مقززة تريد لفت انتباهه، وهو لم يعطيها وجهاً، فقد استمع لنصائح “يحيى” بل ونفذها جداً، وعندما رأت تلك الطالبة تجاهله لها اصطننت الوقوع أمامه وهي تتمسك بيده بشدة، فرفع عينيه عليها كي ينهرها على اقترابها منه بذاك الشكل ولمسها ليده، وعندما رفع رأسه وجد “ليلى” تنظر إليه نظرات تكاد تأكله من ذاك المشهد، فعلم الآن غيرتها عليه وأنه قد نال من قلبها جزءاً، فلن يغير إلا الحبيب. وفكر سريعاً أن يجارى تلك البنت في فعلتها كي يرى غيرة ليلته أكثر، ولكن نبهه عقله أن هذه فرصة لن تتكرر في ردع تلك الفتاة كي تكون عبرة لكل زميلاتها ويكسب نقطة مهمة في قلب ليلته، ليشد يده من تلك الفتاة وصاح بها:
ــ انت اتجننتي، إزاي تمدي إيدك وتلمسي إيدي بالشكل ده؟ مهما يحصل المنظر ده مش عايز أشوفه تاني مهما حصل، ولو جيتي تقعي بعد كدة يا ماما اتسندي على صاحبتك.
ثم نظر إليهن مردداً بتحذير أذهل “ليلى”:
ــ أي واحدة فيكم جايه الدرس هنا بعد كده تلتزم حدود الأدب، وأي واحدة هتضحك بصوت عالي أو هتيجي تاكل لبان هنا في الحصة زي ما كان بيحصل وأنا كنت بفوت هتتطرد أشر طردة، ما عنديش نظام التسيب ده مش هيحصل تاني في المجموعة، وأي واحدة فيكم برده هتحاول تعمل الحركات اللي مش ولابد اللي ما تليقش على بنات زيكم برده هتتطرد من المجموعة. بعد كده هيبقى في ظبط واحترام متبادل ما بيني وما بينكم، ويا ريت اللي بيحصل ده ما يتكررش في ولا درس، نصيحة مني ليكم من أخ كبير قبل ما أكون المدرس بتاعكم.
ثم تابع تحذيراته:
ــ والخاص ممنوع، ولا واتساب ولا ماسنجر ولا حتى مكالمات زي ما كان بيحصل كل يوم، هفتح لكم جروب الوتساب ساعة اللي يحب يستفسر على حاجة يسيب سؤاله وأنا هرد عليكم، التسيب اللي كان بيحصل مش هيتكرر تاني، وزي ما قلت الإلتزام في الحصة تمام يبقى نلتزم على الخاص، لأن اللي هتتصل بيا في أي وقت مهما كان السبب على الخاص هتتحظر وبرضه هتتطرد من المجموعة، أنا نبهت على كل حاجة علشان مفيش واحدة تيجي تعيط وتقول أنا ما كنتش أعرف يا مستر، ممنوع الدلع ده معايا منعا باتاً بعد كدة.
نظرت الفتيات كلهن إلى الأخرى في ذهول تام، أيعقل أن معلمهم الذي كان يتعامل معهم بأريحية تحوي من الضحك والخفة وكل ما هو مريح بالنسبة لهم كان يتعامل به وفجأة تغير والتزم بتلك الدرجة!
حقاً إنها لمزحة غريبة منك أيها الزيد، وتلك الكلمة الأخيرة التي نطقها عقل ليلى ولم يستوعبها.
انتهت الحصة وغادر الجميع، وبعد أن تأكد من مغادرتهم على الفور لم يتحمل انتظار أكثر من ذلك حتى قام بالاتصال على ليلته، فهو يريد سماع صوتها، يريد أن يرى رد فعلها على كلامه ولن يتحمل ابتعادها ورسميتها معه أكثر من ذلك، فذاك الزيد متهور في عشق الليلى للغاية.
كانت تجلس أمام البحيرة، فلديها نصف ساعة على موعد درسها القادم، واختارت الجلوس في ذاك المكان المريح بعد أن استأذنت من والدتها، فهي لن تلحق العودة إلى المنزل ثم مغادرته مرة أخرى، والدقائق قليلة جداً كانت تراجع درسها، ثم استمعت إلى رنات هاتفها وإذا بها تتسع مقلتاها حينما رأت نقش اسمه على الهاتف، وللعجب دق قلبها حين رؤية اسمه بعنفٍ داخلها، فوضعت يدها على قلبها وهي تنهره على فعلته تلك وكأنه سيفهمها وسينقطع عن تلك الدقات المرعبة لها:
ــ ماذا بك أيها القلب الأهوج؟ اهدأ من دقاتك القوية، سوف تنخلع من شدتها وتهرب من داخل صدري وتسكن بين يداي ذاك الزيد، وحينها لن أستطيع إرجاعك إلى مكانك مرة أخرى! فهو ليس لك ولن يجوز أن يكون لك، اهدأ أيها القلب اللعين فأنت لا تستحق هذا المتلاعب أبداً، أنت في مرتبة أعلى تستحق قلباً جميلاً لم ولن يرى غيرك من قبل ولا غيرك من بعد، فأنت لا تستحق أن تعشق خائن قلب ليلى.
ثم فاقت من شرودها على اتصاله مرة أخرى، فأجابته بعملية بحتة:
ــ السلام عليكم ورحمة الله، في حاجة يا مستر حضرتك بتتصل عليا عشانها بخصوص الدرس؟
ــ والله! هو انتِ لحد إمتى هتفضلي متجاهلة مشاعري ناحيتك حتى بعد ما اتغيرت وغيرت نفسي وانتِ شفتي ده بنفسك! ليه بتحاولي تتعمدي استفزازي وكأني هوا شفاف بالنسبة لك يا ليلى؟
… تلك الكلمات الغاضبة التي نطقها “زيد” وهو يشعر بنـ.ـيران تجاهلها تتآكل بصدره ويود الآن أن يذهب إليها ويقف أمامها ويواجه عينيها بأنه رأى غيرتها عليه وسيستغل تلك الفرصة ويهاجمها بكل ما لديه من قوة كي يحصل على قلبها حتى ولو عنوة عنها، وذلك قانون العشق الحبيب لحبيبه والعاشق لمعشوقه.
لتنطق بحدة وهي تحاول قدر الإمكان السيطرة على مشاعرها من سماع صوته فقط، فما بال لهجة تملكه لها بتلك الدرجة التي أربكتها وجعل داخلها يهتز بعنف بأن تستجيب لمشاعرها الموقدة أمام ذاك العاشق المتملك:
ــ أظن إحنا اتكلمنا في الحوار ده قبل كده ونهيته مع حضرتك إن أنا مش بتاعة الكلام ده، وأظن برده إن أنا اديتك تحذير يا مستر بأنك ما تتعاملش معايا بالأسلوب ده، ولو حضرتك مفكر إن النمرة اللي حصلت في الدرس قدامي النهاردة هتأثر في قراري أو هتخليني أحس إن انت اتغيرت وما بقتش المستر المتلاعب بتاع البنات ولا تفرق معايا، لأن زي ما قلت لك قبل كده أنا مش فار تجارب لحضرتك ولمشاعرك المزيفة، وبأكد لك للمرة المليون إن قلبي عمره ما يعشق خاين.
صوت مميت ملأ المكان ونظرات الدهشة حلَّت على ملامحه، مستفسراً عما ما ردده فاهها، وهو يرمي ذاك القلم من يديه بعيداً والغضب قد سيطر على جميع أعضائه بغزارة، وهو يصيح بها بعض الشئ:
ــ يا بنتي انتِ ليه مش عايزة تفهمي إن أنا بحبك بجد! ولا عايزة تستوعبي كده؟ ولو ما كنتش شفت في عينك الغيرة النهاردة يا ليلى عمري ما كنت هكلمك دلوقتي، انتِ مجرد ما صاحبتك لمست إيدي ورفعت عيني لقيتك بتطلعي دخان من وشك وكان هاين عليك تضـ.ـربيها 100 قلم وتقـ.ـطعي لها إيدها كمان علشان مديتها عليا، وزي ما انتِ ما بتقولي أنا خبرة، أنا فاهمك كويس يا ليلى، انتِ بتقاومي وبتفرفري كمان ولا إنك تعترفي إنك بتحبي زيد علشان هو ما ينفعش لـ ليلى هانم اللي عايزة قديس نازل من السما.
حقاً استطاع أن يثير حنقها وجعلها خرجت عن شعورها ليعتلي صوتها وهي تزمجر بحدة، ونسيت أنها في الشارع، ولكن من حسن حظها أن ذاك الوقت ظهيرة ولم يكن بجانبها أناس:
ــ انت ازاي تعلي صوتك عليا وتكلمني بالطريقة دي؟ أنا حرة يا سيدي، أحب قديس أو ما أحبش أصلاً، انت ما لكش إن انت تعلي صوتك عليا ولا ليك إنك تتصل بيا، ولو سمحت يا زيد احفظ لسانك معايا وما توهمش نفسك بموضوع الغيرة، لأن أنا ما ليش في الحوارات دي.
تنهد بقوة وصلت إليها عبر الهاتف، فأغلقت عيناها من هول زفيره الذي اخترق أذنيها لينطق بتصميم كي يدغدغ مشاعرها:
ــ لا انتِ بتغيري عليا وأنا شفت كده بعيني وفهمت معنى النظرات دي كويس قوي، وانتِ عارفة إن فهمي صح وبتعاندي، فبلاش تحاولي تتعمدي استفزازي، وعلى فكرة اسمي من غير مستر أحلى بكتير لما نطقتيه دلوقتي يا ليلى يا عشق زيد.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وهي تحاول السيطرة على دقات قلبها اللعين من أثر كلماتها ومشاعرها الموقدة داخلها تصب كل نيرانها وتجعل الخناقات تدور بين قلبها الأهوج وعقلها المتحكم الأكبر، لتهدأ نبرتها وهي تحاول استعطافه كي لا تضعف:
ــ ارجوك يا زيد بلاش طريقتك دي معايا، بلاش تخليني أكره نفسي لو فكرت فيك، بلاش تضيع براءتي بسبب محاصرتك الزايدة عن اللازم ليا، أنا عايزة قلبي يختار على مهله، قلبي لسه حتى ممرش بمراهقته، قلبي لسه صغير قوي طفل مولود في المشاعر اللي انت بتهاجمني بيها بكل قوتك وانت خبرة قوي، أنا مش عايزة حـ.ـرب تقوم بين قلبي وعقلي بسببك، وخصوصاً في الشهرين دول وأنا داخلة على امتحانات، ما تشغلنيش معاك علشان لو مستوايا نزل عن اللي أنا رسماه لأحلامي عمري ما هقدر أتقبلك بعد كده وهتفضل سبب فشلي وهعاقب نفسي إني عمري ما هبقى ليك.
كور قبضة يديه بغضب شديد بسبب تمنعها عليه، ليهتف بلوعة:
ــ وأنا يا ليلى ما قداميش فرصة معاكي غير الشهرين دول علشان أنا عارف إنك بتحاولي تفري مني، لازم أنا كمان حربي على قلبك ومشاعرك إني أكسبهم أكسبها، لازم أحاول أخليكي تشوفي مميزاتي زي ما انتِ مالية قلبك وعقلك بكل عيوبي، مش ذنبي إن أنا ما لقيتش حد ينصحني إني ما أعرفش بنات، مش ذنبي إن هم غووني وخلوني أمشي ورا سكتهم زي بالظبط ما آدم اتغوى بحوا وخرجنا من الجنة وهو نبي، فما بالك أنا بشر، علميني أستقيم على إيدك، علميني إزاي أبقى واحد بس في عشق ليلى، افتكري لي إني علمتك كتير ورفعت مستواكي في حاجة عمرك ما كنت هتلاقيها عند حد غيري، زي ما أنا مش هلاح قلبي وعشقي مع حد غيرك يا ليلى، أنا أسف مش هقدر أوقف حـ.ـربي معاكِ إلا لما أخد منك وعد وعهد إنك مش هتبعدي ومش هتقاومي ولا تحاربي مشاعرك قصادي، ساعتها مش هتلاقي مني أي جري وراكي، انتِ اللي بتضيعي الوقت.
ردت عليه بمنتهى القسوة:
ــ طب انتِ قلبك شاف غيري قبل كده وجرب يكون مع غيري قبل كده وعاش مشاعر المراهقة الحقيقية اللي أنا لازم أعيشها؟ انت كده بتاخدني من الدار للنـ.ـار، ولما أتقدم شوية في علاقاتي واحتمال كبير أقابل غيرك وأعيش مراهقتي مرة واتنين وتلاتة وساعتها لما قلبي يستقر هيختار صح، ولما يختار صح عمره ما يخون علشان أنا مش عايزة أبقى خاينة في يوم من الأيام، سيب قلبي يختار على مهله زيك بالظبط.
لاااا ليلى لن أضيعك من يدي وأتركك تفكرين برجل غيري بل وتتظاهرين بها أمامي، لينطق معنفاً إياها بصياح:
ــ انت اتجننتي! انت عمر عينك ما هتشوف غيري ولا عمر قلبك هيدق لغيري، ولا المراهقة ولا من غير مراهقة مش هسمح لك يا ليلى مهما عملتي مش هسمح لك، عيشي مراهقتك معايا وحبك الحقيقي معايا، أما إنك تفكري بغيري وكمان بتقوليها علني قدامي انتِ بتحلمي ومش هيحصل مهما حاولت تفري مش هيحصل.
قلبك عنيد أيها الزيد، طماع، متملك، غيور.
لتنطق كلمتها بعناد قبل أن تغلق الهاتف في وجهه:
ــ وأنا مش بمزاجك ولا عمري هكون بمزاجك، أنا هكون بمزاجي وبراحتي وارتياحي ومطرح قلبي ما يوديني هروح ومطرح ما عقلي يستريح هستقر، ومهما تحاول تقوم حـ.ـرب عليا وتشعللها نـ.ـار انت اللي هتتلسع بيها مش أنا، علشان أنا أقوى من أي مشاعر قايدة جواك ومش هستريح لأول واحد يدق قلبي وهيستقيم فؤادي مع اللي أحس بالأمان معاه، أما انت عمري ما هحس بالأمان معاك، مع السلامة يا مستر.
عندما نطقت تحديها أمامه وأعلنت العصيان على قلبه لم يتحمل كلامها حتى قذف الهاتف في الحائط، نزل متهشماً على الأرض بمثل ما انكسر قلبه لأول مرة، ونيـ.ـران عشقها تشب بين ضلوعه وهو يقسم بقلب عنيد:
ــ والله يا ليلى ما هتبقي لغيري ولا راجل هيمس شعرة منك غيري، ولا قلبك هيدق لغيري، وقسم حلفته وأنا قدّه.
تلك الكلمات التي أرسلها لها في رسالة وتأكد من استلامها للرسالة من خلال اللاب توب الموضوع أمامه، وما إن قرأتها حتى أدمعت عينيها وهي تقسم هي الأخرى.
يتبع…
رواية مشاعر موقدة الفصل السادس 6 - بقلم فاطيما يوسف
جلست بأحضان والدتها الحنون وهي تبكي بلوعة وتعترف لها عن الحملة الشنيعة التي شنَّها قلبها على كل تفكيرها وسيطر على كيانها.
"أنا بقيت بفكر فيه وأنا باكل وأنا بلبس وأنا بذاكر وأنا واقفة قدام مرايتي في كل وقت وفي كل مكان وأنا قاعدة مع أصحابي. كل دماغي ما بقتش تفكر غير فيه. أنا تعبانة قوي يا ماما ساعديني إن أنا ما أفكرش فيه. ولا قلبي كل لما تيجي صورته وهيئته وهو بيتكلم قدامي في المنصة أو في أي مكان ما يبطلش دقات. أنا مش عارفة أعمل إيه؟"
ثم خرجت من أحضان والدتها وهي تمسح دموع عينيها لتكمل لوعتها.
"ومش بس كده يا ماما، أنا حتى كمان بقيت بشوفه في أحلامي كل يوم بحلم بيه. هو أنا كده أدمنته يا ماما وبقيت بحبه وهخضع لواحد خاين وكده مستقبلي راح ومش هقدر أفكر غير فيه ومش هعرف أذاكر ولا أرجع ليلى زي ما كنت. أنا أول مرة يحصل لي كده؟!"
نظرت إليها والدتها بشفقة، فعزيزة عينيها ما زالت صغيرة على الحب، لا تعرف كيف تصد؟ لا تفهم كيف تسيطر على مشاعرها أمام ذاك المتصيد المتمرس لمداخل كل أنثى؟
"لا لا يا مدللة قلبي، فأنتِ ما زلتي في ريعان مراهقتك فلا تضعفي، فأنتِ أقوى من أي عاصفة مراهقة."
كانت تلك الأفكار التي عصفت بقلب الدكتورة شهيرة وهي تحتضن ابنتها برعاية وتملك، وهي تهدهدها كما الطفل في مهد العشق صبيًا، لتنطق بابتسامة رسمتها بصعوبة كي لا تصعب الأمر على صغيرتها.
"لا لا يا حبيبي، مين قال إن الحب ضعف؟ بالعكس يا لولا، الحب ده عز القوة لكل ست. يعني مثلًا، عندك حب ربنا مخلينا نعيش وسط الدنيا ونتصدى الوحوش البشرية والغل اللي بقي في نفوس الناس. ولولا الصلاة والذكر والعبادة اللي بيتمثلوا في قربنا وحبنا لربنا كان زماننا انتحرنا. حب الأب والأم والصديق الحقيقي بيخلونا لما نتعب أو حتى نفرح بنشاركهم كل حاجة."
وتابعت تخفيف أوجاعها وهي تمسكها من يديها تحتضنهم برعاية بين كفاي يديها، وما زالت على نفس ابتسامتها المريحة.
"أما بقى الحب اللي بيكمل نصنا التاني بيبقى أوله شغف ولهفة ووجع اشتياق وحاجة كده مقلقة، على ما عقلنا يتعود على وجود حد مهم لازم يبقى موجود. وهي دي سنة الحياة. وعلشان في البداية نقدر نسيطر على مشاعرنا ونعمل لها استوب، يبقى لازم نتحدى الفكر ونتحدى الوقت ونتحدى الزمن. عارفة في حكمة زمان كنت وأنا في ثانوي زيك كده لساني دايما بيرددها وكنت بستقوي بيها على حرب المراهقة، اللي هي إيه بقى؟ 'الحب في ثانوي يأتي من فراغ العقل من الفكر وفراغ القلب من الذكر وفراغ الوقت'. انت بقى حاولي تشغلي فكرك بمستقبلك ومذاكرتك وحاولي تشغلي قلبك بذكر ربنا سبحانه وتعالى وحاولي كل وقتك يبقى قلم وكراسة ومذاكرة، يعني بمعنى أصح حصري الفكر اللي بيهاجمك كل ما تفكري فيه."
أعطت كل انتباهها لنصائح والدتها وهي تبتلع غصتها بمرارة، فكم صعبة تنفيذ تلك النصائح، لتسأل باهتمام.
"طب أعمل كده إزاي يا ماما؟ وأنا أصلاً ببقى قاعدة مش في بالي وفجأة أول ما دماغي تفتكره يسيطر عليا بكل قوة. مش عارفة هو إزاي قدر يخليني كده؟"
تنفست والدتها بعمق وهي تدلي عليها آخر الحلول.
"يبقى مفيش حل غير الهروب يا ليلى، طالما هو محاصرك وأنتِ مش قادرة ما تفكريش فيه. زمان جدتي كانت تقول لي مثل حلو قوي: 'قطمة أحسن من نحته'."
لاحظت اندهاش ابنتها حينما لم تفهم معنى كلامها، لتكمل بما جعلها تنصدم والقابع بين أضلعها يدق بعنف حينما علمت مقصدها.
"أنتِ قدامك شهرين دلوقتي تابعي على المنصة بعيد عن عينيه وهجيب لك مدرسة شاطرة في المادة وخبرة برضه، ما هو اللي خلقه خلق غيره. وكملي معاهم الاثنين علشان تقدري تسيطري على مشاعرك ومستقبلك اللي أنتِ راسمة له وكلية الصيدلة اللي أنتِ نفسك تدخليها تقدري تحققي أمنيتك فيها. بمعنى أصح أنتِ لازم تهربي من حبه يا ليلى."
"أهرب من حبه! هو أنا كده حبيته؟ إزاي قلبي يضعفني كده ويخوني ويحب خاين؟"
تلك الجمل الاستفهامية المغلفة بالاستنكار التي نطقها لسان تلك البريئة، لتصحح والدتها مفهومها.
"احنا اتفقنا إننا مش هنحكم إن حب إلا لما نبعد، هنختبر مشاعرنا وهنختبر كل حاجة جوانا إذا كانت هتقدر ولا لأ. البعد هو اللي هيخلينا نشوف ده كان مراهقة ولا لأ. لما ندخل الجامعة ونشوف ناس تانية هنشوف إذا كان ده مراهقة ولا لأ. بس طبعًا أنتِ في فترة حرجة وهو زي ما هددك إنه مش هيسيبك طالما ما اديتلهوش وعد ولا عهد، يبقى أنتِ مش هتقدري تقاومي قصاده، يبقى مفيش حل غير الهروب. لازم تقدري تسيطري على مشاعرك علشان أنتِ لسة سنة أولى دقات قلب، وسنة أولى حيرة، وسنة أولى انجذاب لشخص ممكن و وارد جدًا تنجذبي لغيره لأن عيون قلبك مشافتش غيره."
شعرت بالاختناق لمجرد فكرة الابتعاد عنه التي لا يتقبلها عقلها، لتصارح والدتها بإحساسها المهلك.
"مجرد ما قلتي لي يا ماما أبعد وإني مش هروح الدرس عنده تاني حسيت بالاختناق وإني هبقى ناقصني حاجة غريبة وهكون مش مستريحة خالص."
ضمتها أكثر تلك الأم الحنونة وقربتها لصدرها وأرشدتها بما سيجعلها تهدأ.
"كل حاجة في أولها بتبقى صعبة وبتبان إنها كبيرة وإننا مش هنقدر، لكن لولا بنتي قوية وهتقدر وهتعاند اللي هيحاصرها وهتقف حارس على قلبها بقبضة من حديد."
قلبت عينيها بحيرة لتسألها.
"طب لو حاول يكلمني أو يشغلني في التليفون أعمل إيه؟"
أجابتها بأريحية.
"ما إحنا هنحط رقمه في البلاك ليست بحيث لما يرن عليكِ يلاقي رقمك مغلق على طول. وهنحدد على الواتساب الأرقام اللي ممكن تكلمك وكمان هنقفل التليجرام مش محتاجينه والماسنجر برضه هنحدد اللي ممكن يكلموكي عليه، وبكده يبقى حاولنا السيطرة من كل مكان."
أكملت ليلى تساؤلاتها الحائرة.
"طب ماهو ممكن هو كمان يحظرني ويدخلني المنصة وقتها إيه الحل؟ كله إلا المنصة بتاعته يا أمي، ده الامتحان مش بيخرج منها؟"
أجابتها والدتها بثقة.
"عمره ما يقدر يحظرك، مش هيجي له قلب يضيعك في مادته. هو بيستخدم أسلوب ضغط معاكي علشان تلفي تلفي وترجعي له، بس هو أكتر حد هيعافر معاكي علشان تتفوقي لو بيحبك بجد. وبكرة تقولي ماما قالت، يعني اعملي اللي بقول لك عليه وثقي في رأي ماما وهتشوفي إني عندي حق."
ضيقت نظرة عينيها ثم رمقت والدتها بنبرة هادئة وهي تناوله الهاتف.
"طب اتفضلي يا مامي حددي لي زي ما حضرتك عايزة؟"
رفضت والدتها أخذ الهاتف منها وهي تقوم من مكانها لتردد بثقة.
"أنا واثقة فيكي يا بنتي وإنك هتعملي اللي اتفقنا عليه وهسيبك بقى، هقوم أجهز العشاء علشان باباكي زمانه مستني."
قبلتها من وجنتها قبلة حنون تبثها فيها بالأمان وخرجت من أمامها ودلفت إلى المطبخ وهي تقف تفكر كثيرًا كيف تفعل في تلك المشكلة، ولابد عليها أن تلجأ إلى حل ولن يكون غير أنها لابد أن تقابل ذاك "زيد" وتضع له حدودًا مع صغيرتها، ولكن بالعقل دون تهور، فهي لن تدخل معه طريق العند منذ البداية.
أما ليلى، فتحت الواتساب كي تفعل ما اتفقت عليه مع والدتها، لتأتي بصورته وهي تتأملها بأصابعها وتحاول تكبيرها وتصغيرها، وكأنها تودعه. ظلت على حالتها تلك حتى نست حالها مدة من الوقت وتفاجئت برسالته لها التي جعلت قلبها يدق بعنف داخل صدرها، وهو الآخر ذهل من استلامها لرسالته في نفس الثانية التي أرسلها فيها، مما جعل عقله يجول في الفكر حتى وصل إلى تلك النقطة التي جعلت قلبه يدق بسعادة كالطبول، وهو يثق أنها الآن بالتأكيد كانت جالسة تفكر به وفتحت المحادثات بينهم لأنه أحست بوحشته له، وود الآن لو أنها أمامه، ففكر أن يرسل لها خاطرته الآن كي يستحوذ بالكامل على ليلتها تلك ويصبح فارس أحلامها الوردية وتستيقظ على احتضانه لها في أحلامها، فكانت خاطرته:
عمِّ يا صاحبَ الورودِ انتقِ لي أبهى زهرة كي تليق بجمال حبيبتي
نسقها بالألوان الأحمر والجوري والوردي والزهري فهي لـِ ليلتي
وزيِّنها بوثاق متينٍ كي يكون دليلًا قويًا على تمسكي بحوريَّتي
عمِّ يا صاحبَ الورودِ اكتب عليها تلك البرقية لأجل عيون ليلى صبيَّتي
وعبيرهم ولو أنه لن يكون نسيمه كنسيم جميلتي ولكن اجعل عِطرهم يداعب أنفاسها كي لا تنسى زيدها المغرمِ
#خاطرة_زيد_الناجي
#فاطيما_يوسف
#ربما_تستقيم_الأفئدة
وصلتها خاطرته في رسالة عبر الشوق في ساعة آهاتٍ من الليل وسهده، والليلى وحيرتها، لتضع يدها على قلبها وهي تنهره أن ينجرف وراء سحر كلماته، فهي عذراء في مشاعرها والآن هي على حافة الهاوية. لتقرأ رسالته بعينيها تنطق حيلة وعقل يردد له: بل ابتعد. ويرد قلبها على خاطرته وهي ما زالت تضع يديها عليها، وكأنه تهدهده من خفقانه الشديد لمجرد فقط برقية كلمات ساحرة أذابتها.
"الآن أقف أمام مشاعري الموقدة بين قلب يريد وعقل يمنع، حائرة، موجوع قلبي، ولكني لن أتنازل ولن أستكين. وكلما تمنعت عليه كلما كان الحب معه كنهر حينما امتلئ مياهًا ازداد فيضانًا، فقبل أن أتذوق من نهره الفياض وأدمنه، لابد علي أن أصوم وأجبر قلبي الأهوج أن لا يفطر إلا على أنهار من عسل مصفى لم يتذوق طعمهم عاشق."
لتنهي سباحة عينيها على كلماته بالبلوكات من كل الأماكن، مما جعله صدمة وهو يمسك الهاتف وعينيه تسمرت وأصابعه تجمدت على رسالته، وكان ردها قاسيًا أوجعه وتفاقم الوجع بداخله وشعر بنار هوجاء تحرق أحشائه بالكامل، وهو لم يصدق أن ذاك ردها على برقيته المهداة من أعماق مشاعره الموقدة لها، وهو ينطق بلسان يحترق.
"ليه يا ليلى؟ لييييييه؟ أنا عملت إيه معاكِ خلاكِ توجعيني وتعاندي وتبعدي؟ لييييييه؟ حراااااام والله العظيم حراااااام قلبي يجرى له كده ويكون نصيبه العذاب ده كله."
انتهت الليلة عليه وهو يدون منشوره على صفحاته الخاصة بتغريدة مؤلمة عنوانها الحزن ومعناها القسوة من أعز الأحبة.
"هل كان قلبي قاسيًا ليكون هذا الهجر قدري؟ أم أني مظلوم في بحر الحب وحدي؟"
أما هي، احتضنت وسادتها وقررت أن تهرب منه وتنام وداخلها يتقوى بتلك الكلمات.
"لو أردت بناء جدران حولك لتمنع الحزن من الوصول إليك، فاعلم أن هذه الجدران ستمنع السعادة من الوصول إليك كذلك، فليس الحزن إلا صدا يغشى النفس، والعمل بنشاط هو الذي ينقي النفس ويصقلها ويخلصها من أحزانها."
دخلت والدتها إلى غرفتها وجدتها تتصفح الهاتف بإهمال، ويبدو عليها أنها سارحة في ملكوت لا تفهمه، لتجلس بجانبها وهي تخبرها بسعادة.
"بت يا حنين، جايبالك خبر هيخليكي تتنططي من الفرحة."
التفتت بانتباه إلى والدتها وداخلها متيقن ما ستريد إبلاغها به، وهي تشعر بوخزة في قلبها الذي أصبح متعلقًا به، ولكن غير مطمئن، فقد خذلها ذاك الفارس، فقد مكثت تلك الليلتان الماضيتان وهي تنتظر مراسلته أو مكالمته لها وهو يحكي لها أسباب سعادته لظهورها في حياته، وهذا ثاني الخذلان لعقلها المتوهم الذي رسم حكاوي المحبين في شغف اللقاء الأول، ولكن خسر رهان قلبها، لتسألها بفتور.
"خير، إيه يا حبيبتي اللي هيفرحني قوي كده؟"
ابتسم سنها وهي تخبرها بما سيجعلها تقفز من السعادة.
"فاكرة الشيف اللي أنتِ حكيتِ له عنه يوم عيد ميلاد بنت أختك وإنه قد إيه كان راجل والحوارات اللي أنتِ قلتيها لي عنه الحلوة دي؟ جاي النهارده هو وأمه وأخواته البنات يطلبوا إيدك للجواز. أبوكي لما قال لي مصدقتش نفسي والله. طلعتِ بنت حلال وطلبتيها ونولتيها يا بت."
ارتسمت ابتسامة جانبية مصطنعة على وجهها لتقول بنبرة هادئة.
"تمام يا ماما، إن شاء الله ربنا يجعل فيه الخير."
رفعت والدتها شفتيها الأعلى باستنكار لتهتف بدهشة على برودها.
"الله، هو في إيه! شيفاكي يعني باردة كده ولا بتتنططي من الفرحة؟"
وتابعت دهشتها وهي تذكرها بطريقتها المفتعلة قبل ذاك وهي تتحدث عنه ودعائها الذي خرج من قلبها بأن يكون من نصيبها، وكأن أبواب السماء كانت مفتوحة.
"ده انتِ وقت ما كنتِ بتتكلمي عنه قبل كده كان هاين عليكِ تروحي تطلبي منه يتجوزك! انتِ تعبانة يا حنين ولا فيكي حاجة؟"
طمأنت والدتها وقد قررت أن تنسى تجاهله معها وأن تعيش فرحتها بذاك اليوم الذي انتظرته كثيرًا يوم قراءة فتحتها وهي ترسم الابتسامة.
"مين قال كده يا حبيبتي؟ طبعًا فرحانة، بس أنا كنت عارفة لأنه بعت لي ياخد رأيي الأول علشان ما يجيبش والدته واخواته على الفاضي، وأنا قلت له يتفضل، واديت له كمان رقم بابا، بس أنا نسيت أقول لك، بس ما كنتش أعرف اليوم اللي جاي فيه."
احتضنتها والدتها بسعادة شديدة فهي تنتظر ذاك اليوم بفارغ الصبر وأن تفرح بها كما فرحت بأخواتها، فهي صغيرتها المدللة لقلبها، وهي تدعو لها الله.
"الف مبروك يا حبيبة قلبي، ربنا يتمم لك على خير يا رب ويجعله من عندك ومن نصيبك يا حنين يا بنت بطني. يلا قومي بقى شوفي هتلبسي إيه، لو في حاجة عايزة تتكوي اكويها وظبطي حالك كده. عايزاكِ النهارده تلمعي قدام أمه واخواته البنات، عايزاهم يشوفوكي ولا بنات السيما وأحسن منهم كمان. معلوم ما أنتِ الله أكبر عليكِ، ربنا يحميكِ من العين، والله خايفة عليكِ من الحسد لما أمه واخواته يشوفوكي."
ضحكت تلك المرة على خوف والدتها لتصحح مفهومها الخاطئ.
"يا ماما، الحاجات دي بطلت من زمان، واكيد اخواته البنات في الجمال والشياكة، حاجة كده مستوردة. أنتِ ما تعرفيش هما مين ولا معاهم إيه ولا يبقوا إيه؟ دول حاجة مستواها عالية قوي."
استنكرت كلماتها.
"بلا مستوى بلا مش مستوى، هو أنا مش عارفة بنتي ولا إيه! مفيش زيها في الدنيا أبدًا ولا في جمالها ولا في حلاوتها. قومي يلا قومي علشان اليوم قصير."
قررت حنين التناسي وأن تتغاضى عن كل شيء وأن تفرح وتعيش تلك اللحظات، وهو بالتأكيد سيجلس معها وحدها بعد قراءة الفاتحة اليوم وستتنعم أذناها بتلك اللحظات الأولى والبدايات التي لا تنسى أبدًا وستظل محفورة في الذاكرة، وقد بدأت أولى اهتمامها بنفسها وهي بشرتها الحليبية الناعمة، فقامت بعمل جميع الماسكات التي تجعل وجهها يزداد نورًا، وانقضت ساعات يومها في فعل كل شيء يجعلها ملكة جمال كي تظهر أمامهم كأنها حورية خارجة من أحد الأساطير.
مر الوقت سريعًا في سيارة هاشم التي يقودها ومعه بداخلها والدته وإحدى شقيقاته وأخيه الأكبر ووالده لاحقين بهم هو وأخيه الأصغر ومعهم من الهدايا والحلوى ما يسر النفوس، فتحدثت والدته له بعدم تصديق.
"والله ما مصدقة نفسي يا هاشم يا ابني إن انت واخدنا علشان نروح نقرا فتحتك، لا وبنفسك من غير ما أتحايل عليك ولا أجيب لك واحدة من الشرق وواحدة من الغرب. شكل ما يكون ربنا استجاب لدعواتي وأنا قلبي بيتحسر عليك كل يوم وأنت سايب نفسك كده. بس قول لي بقى مين دي اللي قدرت توقعك على بوزك؟ أكيد جمالها فاق الحدود ومقدرتش إنك تقاوم قدامها فدخلت لها من الباب على طول؟"
أجابها بلا مبالاة وهو منشغل في مشاهدة إحدى فيديوهات الحلوى من أحد الشيفات العالميين على الانستجرام من خلال شاشة الأيباد المثبتة أمامه في السيارة.
"عادي يعني يا أمي، بنت زي كل البنات. شفتها في المحل عندي ولقيتها كويسة ومؤدبة ونفسها هادي، فقلت أتوكل على الله علشان أستقر زي أخواتي وأريح قلبك من ناحيتي خالص."
هنا سألته شقيقته باستنكار لإجابته المغلفة باللامبالاة والتي استشفتها بمهارة.
"الله، يعني أنت ما تعرفش إذا كانت حلوة ولا وحشة عشان ترد على سؤال ماما وأنت ولا على بالك وكأنك رايح تخلص حق يا هاشم؟"
تأفف غاضبًا من تدخل شقيقته بأموره الخاصة وحذرها بشدة.
"شوفي بقى يا ست آلاء، من أولها كده علشان نبقى على نور، ملكيش دعوة بأي حاجة تخصني ولا تخص حنين اللي هتبقى مراتي في يوم من الأيام، ولا هسمح لك تعملي عليها عمة زي ما بتعملي مع حريم أخواتك اللي في البيت، لا أنتِ ولا أختك من أولها كده يا آلاء علشان ما نخسرش بعض، حنين وحياتي خط أحمر."
انزعجت من طريقته الحادة معها لتستنجد بوالدتها.
"جرى إيه يا ماما، لما ابنك مش طايقني ولا عايزني آجي معاه وهو بيقرا فتحته، كنت بتقولي لي ليه لازم تيجي؟ مش شايفاه بيتكلم معايا بالأسلوب والطريقة دي إزاي؟ هو أنا حرباية للدرجة دي ولا هو شايفني إيه؟ ولا أنا بعمل في نسوان ولادك اللي في البيت إيه؟ اقف بقى وأنا هرجع ومش رايحة معاك في حتة."
استمع إلى كلماتها ليقف بسيارته مرددًا ببرود أدهشها ولكن أزعج والدته منه.
"حلو الكلام، يلا يا حبيبتي سكة السلامة، روحي على بيتك وولادك. الموضوع أصلًا قراءة فتحة مش مستاهل اللمة اللي إحنا عاملينها دي."
شهقت باندهاش من فعلته تلك لتنطق والدتها بذهول.
"الله، أنت جرى لك إيه يا واد؟ أنت ما كنتش قليل الذوق كده! وبعدين هي الكونتيسا من أولها قايلة لك على أخواتك بلاش يتدخلوا في أي حاجة وتعمل عليها راجل وتستغنى عنهم قبل ما تدخل بيتنا ولا إيه بالظبط؟ أصل إنت أحوالك متغيرة كده فجأة وطريقة كلامك من أولها كده مش ولابد، واعمل حسابك لو هتزعل أخواتك البنات الاثنين يبقى هتستدعي زعلي قبلهم وبلاش نبتديها من أولها كده يا هاشم علشان أنت عارف زعل أمك عامل إزاي."
ابتسمت شقيقته بانتصار لأخذ والدتها صفها وهي تنظر له بتحدي، فعاد يتحرك بسيارته وهو يجيبها باختصار، فهو ليس له في أمور النساء التافهة تلك من وجهة نظره.
"هو أنا لسه اتكلمت معاها أصلًا علشان تقولي قالت ولا عادت! إحنا ما حصلش بينا أي كلام. الخطوبة صالونات من الآخر يا أمي وأنتِ عارفة إني مليش في الكلام ده، وقفلوا بقى على الحوار ده علشان إحنا قربنا نوصل."
لم تعير لكلامه أدنى انتباه غير أنها نظرت إليه بحدة وهي تردد بصوت سمعه.
"من أولها كده البدايات ما تبشرش بالخير وشكلها إن شاء الله هتبقى قدام النكد علينا علشان تبقى تتفرعن علينا قوي."
لم يبالي بكلمات والدته فهو يحفظها عن ظهر قلب وتحرك بسيارته سريعًا ويليه أبيه بسيارته حتى وصلوا إلى البناية وصعدوا إلى الطابق المطلوب، فكان والد حنين ينتظره أمام الباب وكذلك أخيه، وقاموا بالترحيب بهم بصدر رحب.
بعد أن تمت جلستهم ما يقرب من نصف ساعة في تعارف بين العائلتين واتفقوا على كل شيء، ليقول والد هاشم.
"شوف بقى يا حاج، خير البر عاجله. مش عايزين نطول في الخطوبة، خليها تلت شهور بس وزي ما أنت ما قلت إنك جاهز في أي وقت، إحنا كمان جاهزين وشقته وكل حاجة جاهزة، يدوب فاضل لها عفش العروسة وهب تنقي اللي على كيفها وهنجيب لها كل اللي هي عايزاه، فمفيش داعي إننا نطول زيادة عن اللزوم، خلينا نفرح وأنت تستريح إنك أديت رسالتك في آخر ولادك وأنا كمان أستريح."
فكر والد حنين قليلاً وهو ينظر إلى والدتها، فأشارت إليه بعينيها المبتسمة أن يوافق، فهم أغنياء عن التعريف والسؤال، ليجيب أبوها بموافقة.
"خلاص يا حاج، خير البر عاجله. قومي يا أم حنين، نادى للعروسة وخليها تجيب الساقع والحاجة الحلوة وتيجي تسلم على عريسها وأهله علشان تقرا الفاتحة معانا."
كانت تقف على أعتاب الغرفة الماكثين بها مثلها كمثل أي عروس في يوم خطبتها، وقلبها يدق بعنف داخلها وهي تراه جالسًا وسطهم بتلك الهيبة والوقار والأناقة الشديدة، فحقًا أبهرها بطلته وخطاه الواثقة البائنة على ملامحه الجامدة، وقلبها استطاع سرقته ببراعة بدون أي كلام يخرج من شفتيه، مجرد فقط رؤيتها له تأسر أنفاسها وتخطف روحها وتريد أن تسكن بين يدي ذاك الفارس دون أدنى مجهود منه وأن يكون أنيسها ومؤنس أيام عمرها القادمة، وحينما أتت اللحظة الحاسمة لدخولها أمامهم انقلبت الدقات داخل ضلوعها إلى حرب شديدة، فقد أصابها الخجل بشدة مثلها كمثل أي فتاة في هذا الموقف.
خرجت إليها والدتها وأخذتها بين أحضانها وهي تبارك لها بسعادة عارمة.
"الف مليون مبروك يا حبيبة قلبي، والله فرحانة لك قوي من كل قلبي يا حنين يا بنتي، ربنا يتمم فرحتك على خير يا رب. أبوكِ اتفق إن الخطوبة تلت شهور وهتتجوزوا على طول طالما أنتِ مرتاحة له، ويلا بقى علشان تقدمي الجاتوه والعصير علشان ما ينفعش نتأخر على الناس، وكمان حماتك وبنتها يشوفوكي ويتعرفوا عليكِ يا حبيبتي."
ردد فمها برعشة الخجل.
"بس أنا مكسوفة قوي يا ماما أخرج وخايفة أتهول وأقع بالحاجة قدامهم، هيقولوا عني إيه؟"
أخذتها والدتها من يدها لتقول بنصح لها وهم يجلبون الحلوى والعصائر.
"ما تخافيش يا حبيبتي، أنا هبقى وراكي وسنديكي، مجرد ما تدخلي وتبتسمي في وشهم وتسلمي الكسوف هيمشي لوحده، يلا بقى عشان ما نتأخرش عليهم."
عدلت من هندامها وهي تسأل والدتها بعدم ثقة لهيئتها.
"طب شكلي حلو يا ماما ومكياجي حلو وتحجبتي مظبوطة؟"
كبرت والدتها وهي تسمي عليها.
"الله أكبر بسم الله ما شاء الله عليكِ يا روح قلب ماما، ده انتِ تخطفي النظر والعين من جمالك، كل حاجة حلوة ومظبوطة زي ما قال الكتاب."
خرجت حنين وتبعتها والدتها بخطوات راسية أنيقة تدل على رتابتها ورقتها، مما جعل والدة هاشم وشقيقته ينظرون إليها وإلى جمالها بأعين متسمرة على كل ذاك الجمال، فهي فاقت زوجات أبنائها الأخريتين ببراعة بجمالها المبهر.
وقفت حنين أمامهم وهي تقدم لهم الحلوى والعصير بابتسامة رقيقة وهي تردد بصوت هادئ وناعم أذهلهم.
"اتفضلي يا طنط، شرفتونا."
ابتسمت لها ابتسامة صفراء.
"الله يشرف مقدارك يا عروسة الغالي، لا لا ومش الغالي بس ده حبيبي ضي عين أمه، أخر العنقود اللي واكل عقلي وواخد حتة زيادة من قلبي عن الكل، وبقولها أهو قدام أخواته، يعني أنتِ عروسة الغالي اللي هتبقي عليها العين والنية يا قمرة أنتِ."
بهت وجه والدتها وهي تستمع إلى حديث تلك الشمطاء غير المريح، وقلبها أصبح الآن يخاف على صغيرتها، لترد بنفس اللهجة.
"محدش سمعك والله يا حاجة، حنين برضه أخر العنقود وأغلى الغاليين ومتدلعة على الآخر وتؤمر تطاع على طول، وأبوها لو طال يجيب لها حتة من السما هيجيبها لها."
تحدى نظرات الحماة اشتعل من الآن، ومن الغرابة أنه اشتعل مبكرًا، فيا ويلك يا الهاشم والحنين على القادم.
أخذوا جلستهم الجماعية ما بين النظرات التي تحوي معانٍ كثيرة من السعادة لدى البعض، ومن الغيرة لدى البعض، ومن الارتياح لدى البعض، ثم تحدثت والدة حنين بالذي جعل داخلها يدق بعنف، فستجلس أخيرًا مع هاشمها بمفردهم.
"ما تقومي يا حنين، خدي عريسك واقعدوا قصادنا في البراندا وشوفي قهوته إيه والسبرتاية والقهوة وكل حاجة موجودة جوه، ولو بيشربها فرنساوي خير ربنا كتير يا حبيبتي."
تحمحم هاشم وهو يراعي خجلها أن تقوم أولاً، لينتصب واقفًا وهو يشير إليها أن يتحركوا، فسبقها أولاً.
لم تعجب تلك الحركة شقيقته لتهمس في أذن والدتها وهي تمط شفتيها بامتعاض.
"شوفي يا ماما، ابنك اللي كان عامل ولا بنت البنوت مدلوق عليها دلقة مهببة وشكلها هتركبوا وهتدلدل."
رفعت والدتها شفتيها لأعلى باستنكار لترد همسها، وتابعتهم والدة حنين وداخلها يزداد رعبًا على صغيرتها، فهي امرأة حساسة للغاية وتفهم الآخرين من نظراتهم.
"آه يا بنتي والنبي عندك حق، والبت دي شكلها أليطة وطالعة القلعة بنفسها ومش مرتاحة للقنعرة الكدابة بتاعتها دي."
هنا تحدثت والدة حنين وهي تتكئ على أسنانها بتلك الكلمات المقصودة.
"اسم الله عليهم، الله أكبر ربنا يحميهم من العين، لايقين على بعض قوي، أصل حنين بنتي جمال ودلال تستاهل أحسن حد في الدنيا."
حركت والدة هاشم رأسها بملل وهي تغلي من تلميحات تلك المرأة القوية من وجهة نظرها، لتنطق بلا مبالاة.
"آه، إن شاء الله."
أما بداخل تلك الشرفة التي اتخذت من جدران المنزل كأذرع سخية لمضيف، أو ربما أذرع أم تحتضن طفلها الرضيع. كان المعدن مغطى بطبقة من اللون الأخضر والأزرق المحيطي، أو ربما كان أكثر من مجرد ألوان أرضية غابة مغطاة بالطحالب في ضوء مبكر خافت. كانت مرتبة للغاية وتلك الأرائك الأرابيسك المزينة بالوسائد القطنية المريحة والضوء الخافت مع نجوم الليل وتلك المبخرة التي تعبئ المكان برائحتها الذكية، جعل ذاك الهاشم يتأمل بها بإعجاب وهو من الأصل لم يعجبه العجب، لينطق بإعجاب بتنسيق المكان وترتيبه.
"المكان هنا جميل جدًا ومنسق قوي، تحس فيه إنك منعزل عن العالم بجد. رائع. فكرة مين إنه يبقى بالشكل ده؟"
ابتسمت لأنه أخيرًا نطق بإعجاب لشيء ما، وهذا في حد ذاته تقدم كبير، أخذته في الانطباع الذي بنى داخلها عن شخصيته من حيث اللامبالاة في كل شيء حتى في المشاعر، فأجابته بعينيها تنطق سعادة وهي تجول في شرفتهم ذاك المكان المحبب إلى قلبها.
"ماما هي اللي مرتباها وهي اللي بتهتم بيها جدًا، بتحب تقعد هي وبابا فيها كل يوم وقت الشروق قبل ما يروح شغله يفطروا فيها، ووقت الغروب كمان بيحب يشرب قهوته على السبرتاية دي بعيد عن الدوشة اللي بتبقى بره. فعلشان كده بتهتم بيها جدًا وأنا كمان بحب أقعد في المكان ده قوي بحس فيه بالراحة."
حرك رأسه بابتسامة ثقيلة ارتسمت على وجهه وهو ينظر لملامحها الجميلة لأول مرة، ولكن لم يفكر إبداء الإعجاب بها ونطق بشيء آخر أذهلها وهو يتساءل.
"أنا شايف إن الحجاب بتاعك وانتِ جايباه من نص راسك ورقبتك باينة، شيء مش عاجبني شوية. أنا بحب أكون صريح جدًا في العلاقات وخاصة في البداية وحابب أقول لك إن الشيء ده أزعجني لما شفتك في الحديقة ولما شفتك النهارده. ياريت ما يكونش عندك مانع إن انتِ تغطي شعرك كامل وتلفي الحجاب كويس لأني بتضايق من الحركات دي وما أحبش أشوفها على اللي مني."
ابتعلت أنفاسها بصعوبة بالغة من رأيه بهيئتها، ليهتف لسانها بذهول تلقائي.
"هو ده اللي أنت أخذت بالك منه في شكلي؟ طب جمل الكلام شوية قبل ما تعترض في أول قعدة ما بينا وأول حوار خاص وقول لي أي كلمتين من اللي لازم البنت تسمعهم من خطيبها في أول لقاء ما بينهم."
سألها بعدم اهتمام وهو لم يبالي لاعتراضها.
"كلام زي إيه بالظبط اللي حابة تسمعيه؟"
بهتت ملامحها من استفساره ولم يعجبها إجابته عن طلبها بذاك السؤال، لتجيبه.
"انت مش شايف إنك عملي زيادة عن اللزوم ولازم تفرق ما بين الشغل والكلام مع عمالك وما بين الكلام مع الناس القريبين منك؟ يعني مش فاهمة برضه إزاي مش عارف الكلام اللي الخطيب بيقوله لخطيبته في أول قعدة ما بينهم، دي حاجات بديهية اللسان بينطقها تلقائي كده؟"
دلك جبينه بملل ونطق متحمحمًا والكلام يخرج من على شفتيه بثقل.
"عمومًا، مبروك يا حنين."
ردت بنفس ثقله.
"الله يبارك فيك."
وأكملت بوجه متصلب كي يفهم ضيقها.
"قهوتك إيه؟ سادة ولا مظبوط؟"
أجابها.
"مظبوطة."
بدأت في صنع القهوة وما كان منه إلا أنه أمسك الهاتف وبدأ يتصفحه وفمه صمت عن الكلام مما أزعجها بتلك الفعلة، ثم أنهت صنع القهوة وناولته الكوب.
"اتفضل القهوة، يارب تعجبك."
تناول منها الكوب وبدأ بارتشافه ما وراء الآخر دون أن يشكر صنيعها، وما زال يتصفح هاتفه حتى شعرت بالضيق الشديد، فأخذت كوبها ووقفت أمام الشرفة وداخلها ينكوي بنيران تجاهله، ومضت أكثر من عشر دقائق من الصمت حتى تحدث هو بعد أن ألقى الهاتف على المنضدة.
"معلش إني انشغلت عنك في الفون شوية، برد على شغل مهم المفروض هيجي بكرة من بره ولازم كنت أخلصه."
نفس الابتسامة الباهتة التي رسمتها على وجهها وعادت من جديد تجلس أمامه، وقررت أن تبدأ هي في الحديث عله يكون مستكبرًا في الكلام، لتسأله عن رأيه في الزواج.
"ما قلتليش إيه رأيك في الجواز بمناسبة إننا داخلين على مشروع جواز، أنت شايفه عامل إزاي؟"
خلل أصابعه بين خصلات شعره الأسود وهو يجيبها بصدق عن داخله في ذاك الموضوع.
"شايفه مشروع فيه مسؤولية كبيرة اتجاه الراجل والست والمفروض قبل ما يدخلوا المشروع ده يكونوا عارفين إنهم قدها علشان يكمل صح."
"تمام، طب يكونوا عارفين إيه بقى وايه الخطوات اللي لازم يتبعوها علشان يكمل صح من وجهة نظرك؟"
"أهم حاجة الطرفين يفهموا شخصية بعض كويس قوي ويحترموها، وكمان كل واحد فيهم يكون عرف اللي ليه واللي عليه كويس قوي وميقصرش تجاه الثاني في أي حاجة."
"معاك بس ساعات بيكون التقصير غصب عن حد فيهم، هنا بقى اللي بيحكم المشاعر، إيه رأيك في المشاعر؟"
أجابها بوضوح.
"أنا شايف إن المشاعر بتضعف الإنسان مش بتقويه، بتخليه يتنازل عن حاجات كتير، بتخليه يحس دايما إنه قلقان وانه مش في موقف قوة، علشان كده أنا شايف إن مشاعر الإنسان لازم تكون جامدة شوية، لأن الضعف بيهد أي علاقة مش بيقويها، وطالما في قوانين بيمشي عليها البيت بعيدًا عن حكاية المشاعر يبقى أكيد فكرة النجاح مضمونة جدًا."
حقًا انصدمت من طريقته في التفكير، لتوالي استفسارها بآخر كي تفهم شخصيته.
"طب إيه رأيك في الحب؟"
رفع إحدى حاجبيه وهو يجيبها بحيرة.
"ما أقدرش أجاوب على السؤال لأني ما جربتهوش لسه، وطالما حاجة ما أعرفهاش يبقى ما فيش إجابة جاهزة عندي لسؤالك ده."
"طب أنا بالنسبة لك كشكل وكشريك هبدأ معاك حياة جديدة إيه؟"
شبك كلتا أصابعه في الأخرى ليجيبها صريحًا.
"بالنسبة لي شكل جميل وهادئ، وأظن مفيش حاجة أحسن من كده لشراكتنا في الجواز."
أغلب الصدمات سببها انبهار البدايات، فلا تنبهر حتى تثق، ولا تثق حتى تجرب، والتجربة أساس المعرفة، ومن خلال تلك الإجابات الفاترة التي تلقتها تلك الحنين وعلمت من خلالها أنها دلفت بقدميها بوابة المشاعر الموقدة وأول من سينكوي بلهيبها هي فقط، وظلت تلك الجلسة الباردة التي تحوي داخلها صقيع لقلبها كصقيع البرد على الجسد الهزيل بل ويزيد، حتى انتهت وابتدأ معها آلام الحنين، فهي قد أجبرت قلبها على عشقه منذ الوهلة الأولى للقائهم وانكوت بنيران هواه الغريب العجيب الذي سيحرق روحها الحساسة.
"يلا يا يحيى بسرعة يا ابني علشان متأخرش على نور، طالبة مني الطلبات دي من بقى لها يومين ومبتعرفش تخرج تجيب حاجة من ساعة ما جوزها ما رجع، ده أنت جيت لي نجدة من السما."
فتح باب سيارته وهو يضع الأشياء بها متسائلاً إياها.
"طب هي عارفة يا خالتي إننا رايحين لها؟"
حركت رأسها بموافقة.
"آه يا حبيبي، أنا معرفاها، هي مستنيانا دلوقتي."
صعدت السيارة وبدأ يحيى في التحرك بها إلى منزل نور الهدى وزوجها، وكأن القدر من أرسلهم في ذاك الوقت.
أما في منزل نور الهدى، كانت تشتعل بينهم مناقشة حادة وهي تلومه بصوت عالٍ على ظنونه السيئة.
"انت عمرك ما تكون راجل، واللي يمد ايده على مراته يبقى عربجي وأنا هدفعك تمن القلم ده غالي."
جز على أسنانه غاضبًا ثم اقترب منها وجذبها من شعرها ولوى خصلاته الناعمة بين أصابعه الغليظة وهو يحركها بعنف ليصيح بها بشر.
"بقى أنا عربجي يا لمامة؟ أنا اللي غلطت إني اتجوزت واحدة زيك بتاعت بابي ومامي، تافهة متعرفش مسؤولية بيت ولا راجل. هو أنا مش قايل لك جروب العيلة تطلعي منه علشان الزفت النحنوح بن خالتك ده موجود فيه؟ ولا أنتِ أصلًا أنا بسافر من هنا وأنتِ مدوراها من هنا وبتلفي على حل شعرك؟"
وأكمل وهو ما زال متمسكًا بخصلاتها يشدها أكثر حتى كادت أن تنقطع بين يديه.
"انطقي يا هانم يا بتاعة بابي ومامي، هم ما علموكيش إنك تسمعي كلام جوزك في أي حاجة يقولها لك؟ إزاي الواد ده يقول لك يا نوري في وسط أبوكِ وامك وخالتك وعمتك ووسط العيلة كلها على الجروب المهبب ده؟"
لم تكن تتوقع أن يسبها بتلك الدرجة وأن يشك بأخلاقها وهي بعيدة كل البعد عن ذاك الشك المهين المميت، لتنطق من بين شهقاتها وهي تشعر بالوجع الشديد من لوي خصلاتها دون رحمة ولم يراعي جسدها الضئيل بين يديه.
"انت مش محترم علشان تطعن في أخلاقي ودماغك السافلة دي تروح لبعيد بالشكل ده، أنا عمري ما كنت خاينة، أنا متربية وبنت ناس وده ابن خالتي ومتربيين مع بعض من واحنا أطفال لدرجة إننا كنا بننام جنب بعض على السرير في بيت جدي وتيتة لما بنتجمع زمان، وكلمة نوري اللي بيقولها لي دي من وأنا طفلة صغيرة. إزاي تشك فيا بالطريقة البشعة دي؟ سيب شعري حرام عليك يا مفتري، آااه."
لم يتحمل تعنيفها له ولا وصفه بقلة الاحترام ليثور عليها كالثور الهائج وهو ينال من جسدها بيديه تارة وبقدميه تارة ضربًا مبرحًا وهي بين يديه كالعصفور مكسور الجناح، لن يستطيع الهروب من قناصه ولن تستطيع الدفاع عن حالها حتى ارتطمت أرضًا والدماء تنهمر بين فخذيها بغزارة حتى غابت عن الوعي وهو ما زال يكمل عليها وكأن عقله غاب أو أصابه الجنون ليفعل بها هكذا.
يتبع…
رواية مشاعر موقدة الفصل السابع 7 - بقلم فاطيما يوسف
تشك فيا بالطريقة البشعة دي؟
سيب شعري حرام عليك يا مفتري آااه.
لم يتحمل تعنيفها له ولا وصفه بقلة الاحترام ليثور عليها كالثور الهائج وهو ينال من جسدها بيديه تارة وبقدميه تارة ضرباً مبرحاً.
وهي بين يديه كالعصفور مكسور الجناح لن يستطيع الهروب من قناصه ولن تستطيع الدفاع عن حالها.
حتى ارتمت أرضاً والدماء تنهمر بين فخذيها بغزارة حتى غابت عن الوعي.
وهو ما زال يكمل عليها وكأن عقله غاب أو أصابه الجنون ليفعل بها هكذا وهو يظن بذلك أنه يقوم بتأديبها.
ده أنا مش هخلي فيكي حتة سليمة علشان انتِ لازم تتعلمي الأدب من أولها كدة.
وبعدين بقي أنا رجعت من السفر وقعدت لك علشان أشوف البرنسيسة ماشية ازاي؟
وظل يسدد لها اللكمات حتى وقعت أرضاً مغشياً عليها والدماء تنهمر من بين فخذيها بغزارة.
وشفتيها انقلبت لونهما الوردي إلى الأزرق الغامق.
وعينيها المتورمتان من أثر لكماته ذهبت في غياهب الوجع الأليم.
وتنهمر دمعاتها الغالية من بينهم وكأنها علمت ما أصيب صاحبتها من عذابٍ أليم.
لكزها بقدمه في بطنها وهي ملقاه أرضاً غائبة عن الوعي.
وهو لم يقتنع بذلك ونعتها باصطناع اللاوعي هادراً بها بحدة.
فوقي يا برنسيسة زمانك بطلي تمثيل بقي وشغل البنات اللي أنا عارفه كويس.
لم تستجيب للكماته كما ظن هو.
فهبط بنصف جسده لمستواها وأدار جسدها حتى جعلها مستوية على ظهرها.
وانصدم من رؤية وجهها المتورم والدماء تسيل من جانب وجهها وعينيها المنتفختين من أثر قبضة يديه الغليظتين عليها.
وجالت عينيه لما بين قدميها وإذا به يفتح فمه على وسعه حينما رأى الدماء الغزيرة تنهمر من بينهما.
حاول إفاقتها بشتى الطرق لكنه لم يستطيع.
فجلس بجانبها يناديها بندم.
نور، فوقي يا نور.
حقك عليا والله كنت غضبان زيادة عن اللزوم.
أنا آسف مكنتش أعرف انك ضعيفة كدة.
أما بأسفل البناية الماكثين بها حيث وصل “يحيى” ووالدتها وهبطا من السيارة وحمل الأشياء.
ثم وقف قائلاً لخالته:
أنا هطلعك وهنزل علطول مش هينفع أطلع معاكي يا خالتو علشان جوزها ميبرطمش كعادته وانا مش بستحمل وهفضل مستنيكي تحت في العربية عندي حصة هخلصها على اللابتوب على ما تنزلي.
تضايقت خالته لحساسيته الزائدة عن الحد لتطلب منه:
مش هيجرى حاجة يابني دي أختك ومش جاي لوحدك جاي معايا وجوزها فوق وهو عارف انكم متربيين سوا، تعالى اطلع معايا متبقاش حنبلي كدة.
حرك رأسه رافضاً:
معلش يا خالتو كدة أحسن مش عايز أعمل لها مشاكل مع جوزها ولا عايزه يتخانق معاها بسببي زي اول الجواز دب معاها خناقة علشان جيت باركت لهم لما رجعت من الجيش بلاش طلوعي.
استجابت لرفضه وتفهمت أسبابه ثم صعدا كلتاهما حتى وصلا إلى الطابق المنشود وانصدما من رؤية ابنته بين يداي زوجها والدماء تملئ يديه ووجهها مغطى بحجاب.
فوقعت الحقائب التي بيدها وهي تقترب منهم وقد وقع قلبها بين قدميها من أثر صدمتها.
و “يحيى” هو الآخر انصدم من ذاك المشهد وبرقت عيناه على نوره الغالية، طفلته المدللة، صديقة الطفولة والشباب، قريرة القلب والعين وأصبحت الآن قريرة الروح.
هتفت والدتها بذعر وهي تكشف الحجاب عن وجه ابنتها لتشهق برعب على منظرها الدامي ووجهها المتورم:
يا حبيبتي يا بنتي، يانور عيني يا بنتي.
ثم أمسكت بتلابيب ذاك النادر وهي تهدر به بعيناي تنطقان شرار لو أطاله لهيبهم لاحترق في التو والحال:
عملت في بنتي ايه، بنتي مالها، انت موتها دي قاطعة النفس وبتجيب دم من كل حتة؟
أما “يحيى” أقدم بخطواته راكضاً وهو يتفحص النظر على كل إنش بها وهو يفتح فاهه بذهول مما جرى لها ومن هيئتها المتورمة.
وعلى حين غرة لكمه في عينيه عدة لكمات قوية لم يستطيع الآخر سدادها نظرا لأنه يحمل زوجته الغائبة عن الوعي.
اه يا مجرم يا بلطجي عملت فيها ايه؟
ده أنا هدخلك قبرك النهاردة بإيدي، يا وسخة يا زبالة.
لم يتحمل الآخر لكمات ذاك الدخيل عليهم من وجهة نظره.
فألقى المغماه أرضاً من بين ذراعيه فاحتضنتها والدتها ببكاء تنشق له القلوب وهي تنعيها على ما حدث لها.
أه يا بنت عمري يا ريتني ما كنت رجعتك ليه، يارتني سيبتك جمبي ولا همني كلام الناس لما شتمك وبهدلك.
أما ذاك الـ “نادر” و “يحيى” اشتعلت بينهم المبارزة والموقف أصبح لا يحتمل.
و “يحيى” يلكمه بكل غل وما أوتى من قوة:
وحياة امك لا هخليك تقضي بقية عمرك في السجن يا واطي يا للي محدش رباك.
بارزه الآخر بمهارة وهو يردد له الكلمة بكلمتها:
انت مالك ايه اللي يدخلك بين واحد ومراته يا صايع، اطلع برة بيتي وأنا حر في مراتي أعمل فيها اللي على كيفي يابن الجميل انت، أنا عايز رجلك تخطي هنا تاني.
أما والدة “نور الهدى” لاحظت شحوب وجه ابنتها والدماء ما زالت تسيل.
حتى توسلت الى “يحيى” وهي تترجاه وتشده من كتفه:
سيبه يا “يحيى” الحقير ده دوره بعدين بسرعه الحق نور بتنزف جامد وحالتها ما يعلم بها الا ربنا.
ابعد عنه المجنون المتخلف ده يلا بسرعه عشان نوديها على المستشفى ونكلم باباها يجي لنا على هناك.
لكمه “يحيى” لكمة أخيرة بكل غل تجمع بقلبه ليسقط أرضاً.
ثم انحنى ناحية “نور” وكاد أن يحملها حتى قام زوجها من مكانه وهو يسدد له نفس اللكمة ناهراً إياه وهو يحاول جذبها من بين يديه:
شيل ايدك الوسخة دي عنها ما تلمسش مراتي يا اما هقطع لك ايدك دي خالص، شيل ايدك ياض.
قامت تلك المرة والدة “نور” وهي تضربه في صدره ضربات متتالية عنيفة وهي تنهاه بكل قوتها أن يبتعد عن صغيرتها.
وكادت ان تغرز أسنانها بيديه المتمسكة بابنتها:
انت اللي تشيل ايدك بعيد عنها يا مجرم يا حقير انا هوديك في ستين داهية، انا هدخلك السجن على اللي انت عملته في بنتي ولولا ان انا جاية لها بالصدفة كان زماني خدتها قتيلة، عملت فيها كده ليه يا ضلالي؟
انا هوديك في داهية، انزل يا “يحيى” بسرعة، انزل بسرعة.
حملها يحيى وهو غير عابئ بكلمات ذاك الأحمق الذي فعل بها تلك الفعلة الشنعاء وهبط الأدراج سريعاً وخرج بها من المكان وتبعته والدتها وزوجها الأحمق الذي لا يهمه الآن تلك الغائبة والتي بين الحياة والموت سوى “يحيى” الذي اعتدي عليه.
وضعها “يحيى” في سيارته على وجه السرعة واستقلت والدتها السيارة بقلب يرجف هلعاً ورعباً وتحرك طيلة الطريق بسرعة كبيرة وكأنه يسابق الزمان والمكان.
ثم تلاهم ذاك الأهوج وقد هاتف والدته كي تأتي بأبيه إلى المشفى الذين وصلوا إليها للتو دون أن يحكي لهم أي تفاصيل.
حملها “يحيى” من داخل السيارة وهو ينظر إليها بقلبٍ نادمٍ وهو يهرول في طرقات المشفى وعينيه تنطق لها بحسرة على ما آلت إليه بسبب أنه عاند القدر وعاند عشقها وتوسلات عينيها كل مرة تراه فيها ويفهم من توسلات عينيها أن يرأف بقلبها المسكين:
آااه صغيرتي على ما جرى لكِ آااه وألف آااه، كنتِ النور المضئ في حياتنا جميعاً، بسمة تنير دروبنا وأصبحتِ الآن مثالاً للحزن الشنيع نوري!
منك لله قلبي، منك لله عقلي على تركك لملاكك، نصفك الثاني منذ صغرك ينهار بين أيادي ذاك الوغد وأصبحتِ الآن جسد بلا روح نوري الهادئة البريئة.
اقبل إليهم الأطباء والممرضات واستلموها منه على التخت المتحرك على وجه السرعة.
ووالدتها تشهق شهقات مرتفعة وتتوسل إلى الأطباء:
الحقوا بنتي بتموت ابوس ايديكم الحقها يا دكتور مليش غيرها، آه يا بنتي يا حبيبتي.
أخذها الأطباء على وجه السرعة كي ينقذوا حالتها اما والدتها ظلت تبكي بشدة حتى شعرت بالإرهاق من شدة التعب وحالتها يرثى لها.
وكل من “يحيى” و “نادر” نظرات تتبادل بينهم كالحريق المشـتعل بلهيب مولع بينهم.
بعد مرور ساعتين قد أتى والد “نور” و أهل “نادر” والجميع يلتزم الصمت بقلوب موقدة منتظرين خروج الطبيب كي يطمئنهم.
حتى خرج أخيراً وعلي وجهه علامات التهجم الشديد.
هرولوا إليه جميعاً وهم يتسائلون في فم واحد عن حالتها حتى أجابهم بتفصيل:
للأسف المدام اتعرضت لاعتداء بالضرب شديد أفقدها الجنين اللي في بطنها ومش قادرين نسيطر على النزيف بقى لنا ساعتين بالظبط بنحاول نسيطر والنزيف بيزيد ولو استمر على كده كمان ساعتين كمان مضطر أبلغكم إن الرحم لازم يتشال للأسف لانها اتعرضت لضرب شديد في بطنها وفي كل جسمها لأن العمود الفقري بتاعها كمان شكله متأثر وتقريباً في شرخ في رجليها وحالتها متدمرة.
انا مضطر أبلغ عن الحالة اللي حصلت لأن دي حالة شروع في قتل ولازم النيابة تيجي تحقق فيها.
تسهمت نظرات الجميع وأذناهم لم تكاد تصدق ما استمعوا إليه من ما حدث لتلك المسكينة وكأن الطير أكل رؤوسهم.
لينطق والدها بصعوبة بالغة وهو لم يكاد يصدق أن ابنته البريئة الخجولة الرقيقة والذي لم يمد يده عليها يوماً من الأيام مرة قد حدث لها ذلك ومن مَنْ؟
ولم يكن غير ذلك الحقير الذي وضع يده في يده وآمنه على ابنته ولولا ستر الله في قدوم والدتها في ذاك التوقيت لكانت الآن بين عداد الموتى:
انت بتتكلم جد يا دكتور بنتي انا نور الهدى اتعرضت للاعتداء واحتمال تشيل الرحم ولا حالة تانية؟
لقد أصيب عقل ذاك الرجل بالجنون حقاًّ وحدسه لم يكاد يصدق ما حدث لابنته.
وذاك الطبيب أكد بأسف:
للأسف يافندم بنحاول نوصل لها نقل دم علشان نقدر نسيطر على النزيف ومنلجاش أنها تشيل الرحم.
ثم نظر إليهم جميعاً متسائل عن الذي أجرم في حقها تلك الجريمة الشنعاء:
ممكن اعرف فين جوزها هنا؟
نظر ذاك المتهجم ذو المشاعر الجامدة والقلب المتحجر أرضاً حتى أجاب والده بدلاً عنه وهو ينظر إليهم بخزي من فعلة ابنه التي لا تغتفر وهو يشير إليه:
ده جوزها يا دكتور ابني.
هتف إليه الطبيب دون خجل فهو يكره بشدة ذلك العنف الأسري ودوماً في ندواته يحذر منه:
للأسف يعني يا حاج معلش في الكلمة انت معرفتش تربي إنسان علشان يعمل كدة فى مراته وكمان لسه عروسة وحامل في اقل من شهر.
تكظم ذاك النادر غيظاً من وصف الطبيب له بهذا الوصف الشنيع ليصيح به دون خشية مما فعله:
وانت مالك انت متربي ولا مش متربي انت ليك ان انت تشخص الحاله وتعالجها وما تتدخلش بيني وما بين مراتي كل البيوت بيحصل فيها مشاكل وياما بيحصل بين الراجل وامراته وما اسمحلكش ان انت تغلط فيا عشان ما اغلطش فيك انا كمان احترم مهنتك.
اهتز فك الطبيب ساخراً من كلمات ذاك الأحمق لينطق بتوعد:
تمام يا محترم وعلشان أنا بحترم مهنتي ان شاء الله النيابة لازم تيجي تحقق في الموضوع وهبلغ عن اللي حصل وهعمل تقرير طبي للحالة واظن ده في حدود مهنتي بدون أي غلط عن اذنكم.
قذفه أبيه بعصاه التي يتحرك بها دوماً على ظهره بحدة بالغة وهو ينهره:
اخرس يا كلب مش عايز أسمع صوتك ده خالص تقف شكلك شكل الحيطة بالظبط.
ثم نادى على الطبيب متوسلاً إياه:
معلش يا دكتور بلاش تبلغ دلوقتي احنا هنحلها ودي ما بينا مش عايزين المحاكم والنيابه تدخل من اولها واللي هم عايزينوا ويرضيهم احنا هنعمله.
هنا هتف أبيها بتصميم وهو يأمر الطبيب بحزم:
معلش يا حاج الود ده كان زمان لما شتم بنتي وانا كنت زي العبيط وقتها خفت من كلام الناس وقلت ارجعها لكن ابنك بإذن الله هدخله السجن وهعلمه الأدب وهخليه يتربى على اللي عمله في بنتي ألف مرة وهي مرمية بين الحياة والموت جوة.
واعمل حسابك مهما تحاول ان انت تحلها ود مش هيحصل.
ثم نظر إلى الطبيب آمرا إياه بحزم:
شوف يا دكتور إجراءاتك الرسمية علشان هي خلصت على كدة خلاص وانا مش هتنازل عن حق بنتي مهما حصل.
انقلبت الأجواء الصامتة إلى أخرى مشتعلة بينهم و والد “نادر” و والدته يحاولون الاعتذار بشتى الطرق حتى أبيه أجبره على الاعتذار ظناً منهم أن ذاك الاعتذار يكفي.
ولكن تاهت عقولكم أيها الناس إنها لجريمة شنعاء في حق تلك المسكينة.
ظلوا على حالتهم تلك بلا جدوى ولا فائدة فوالد “نور” قد صدر قراره ولن يتراجع عنه مهما حدث.
أما داخل غرفة العناية المركزة كان “يحيى” ممددا على التخت وهم ينقلون الدم منه فهو نفس فصيلتها وهم منذ البلوغ يعلمون ذلك لتلك الملقاة بين ايادي الله وموصلة بالأسلاك والخراطيم الطبية.
وهو ينظر إليها بحسرة وحزنٍ شديد وكأنه يلوم حاله ويسبب لنفسه أذاها ويود الآن أن يسحبها لأحضانه كي تشعر بأنفاسه جارها فتطمئن لوجوده وتعود للحياة من جديد.
ظلت على وضعها هكذا حتى استطاع الأطباء أخيراً وقف النزيف والسيطرة عليه بعد كل هذا العناء الشديد مما جعل والدتها تسجد شكراً لله على أنها لم تتعرض لحادث استئصال رحمها وإلا كانت انقلبت تلك المشكلة إلى اهدار دماء لن تستكين أبداً.
وانقسم العائلتين في المشفى الى قسمين فكان والد “نادر” يعنفه بشدة:
انت من امتى وانت بتتعامل بالبلطجة دي؟
ازاي تعمل في مراتك كده انت اتجننت!
اديك هتلبس محضر شروع في قتل وهتتسجن وأبوها مش راضي ان احنا نحل الدنيا من غير حوارات، حرام عليك عملت فينا كده ليه وفي نفسك كده ليه حرام؟
كنت اتحكم في أعصابك وأنا منبه عليك تاخد بالك منها وتسيبك شوية من العصبية اللي فيك دي.
ثم لكزه في كتفه بحدة وهو يسأله:
عملت ايه هي لده كله علشان تعتدي عليها بالضرب كده؟
كنت دخلت لقيتها في حضن راجل غيرك ولا كانت بتخونك؟
ما ده السبب الوحيد والمبرر اللي يخلي اي راجل يعمل في مراته كده أي سبب تاني يبقى حيوان ومش متربي، انطق عملت كدة ليه؟
مرر الآخر لسانه على شفتيه وقد هرب الكلام من على لسانه ولم يعرف بما يجيب ولكن تهته بلسان ثقيل:
اتخانقنا انا وهي يا بابا زي اي راجل ما بيتخانق مع مراته وهي استفزتني في الكلام وشتـمتني وخلتني خرجت عن شعوري ومديت ايدي عليها وأهو اللي حصل حصل فيها ايه يعني ما أي راجل بيضرب مراته عادي اهلها اللي مأفورين شوية.
صوت مميت ملأ المكان ونظرات الدهشة حلَّت على ملامحه مستفسراً عما ما ردده فم ذاك الأحمق:
خناقة عادية تكسر لها رجليها وتسبب لها مشكلة في العمود الفقري وتسقط ابنك اللي في بطنها وكانت هتشيل الرحم لولا ستر ربنا وتقول مأفورين؟
أنا بجد مصدوم فيك ان انت ابني وتستاهل كل اللي يجرى فيك طالما انت بالبرود ده.
وعلى صعيد آخر وبعد مرور عدة ساعات قام الطبيب بإبلاغ الشرطة وأتت على وجه السرعة.
وقد فاقت “نور” أخيراً وسمح لهم الطبيب بأخذ أقوالها فكانت في حالة يرثى لها من التعب الشديد والصدمة.
كانت لا تريد التحدث في أي شيء ولكن صمم أبيها أن تحكي للظابط كل ما حدث.
وبعد ان انتهت من حكواها ودوَّن الظابط أقوالها دخلت في نوبة بكاء غزيرة فقد صعبت عليها نفسها بشدة.
ذهب المحقق إلى زوجها ولكنه أنكر ما فعله بها وأنها وقعت من أعلى السلالم وحدث لها ما حدث بكذب شديد.
ووالده التزم الصمت للأسف ولكن النيابة ستحقق في الموضوع بذاتها وستنتظر تقرير الطبيب الشرعي لحالتها ما إذا كان اعتداء باليد ام سقوط من مكان مرتفع؟
تجلس الدكتورة “شهيرة” في النادي تنتظر قدوم “زيد” فهي قد أخذت معه موعداً كي تنهي معه تلك المهزلة.
وهي تنظر في ساعتها فقد تأخر عشر دقائق عن الموعد المحدد بينهم.
ولكن لم تمر ثلاثة أخرى حتى أتى إليها وهو يردد السلام برتابة لم يعتاد عليها كثيراً في معاملاته:
السلام عليكم، ازيك يا دكتورة.
وأكمل بذوق معتاد عليه مع جنس حواء:
ولو انك صغيرة قووي واللي يشوفك ميقلش انك عندك ولاد في الكلية والثانوية خالص يعني.
ومن غير الدكتورة “شهيرة” سيفهم طريقة ذاك اللعوب باللسان وحلو الكلام.
لتجيب سلامه دون أن تعطى آخر كلماته أدنى إهتمام:
وعليكم السلام ورحمة الله، ازيك يا زيد؟
حك ذقنه لتلك المرأة الداهية، نعم فنظراتها حادة كالصقر وفهمت تلاعبه في الحديث المعسول.
ثم حول طريقه العابثة إلى أخرى جادة فهو علم طريقتها من أول كلمة ونظرة ومن غيره أدرى بتقلبات حواء:
الحمدلله تمام، خير حضرتك طلبتي تقابليني؟
أجابته بعبارة صريحة دون أي تحوير باستفسار قلب لون وجهه إلي الأحمر المخجل:
عايز ايه من ليلى يا زيد؟
لم يكن يتوقع أن “ليلى” صريحة مع والدتها لتلك الدرجة وانها قصت عليها كل ما حدث بينهم.
وذاك ظاهر في نظرات عينيها التى تحوي معانٍ لا يحصى لها.
تحمحم قليلاً وقد قرر الإجابة بنفس صراحتها فهي امرأة ذكية وطبيبة نفسية وهو يعلم ذلك ومن الممكن إقناعها به في تلك الجلسة وأنها ستكون في مصلحته:
أممم.. بصراحة نفس صراحتك وبدون تحوير بحبها، ومش بس كدة لاااا أنا بعشقها ونفسي تكون ليا ومن نصيبي بجد يا دكتورة وهي ممانعة بشدة واكيد حضرتك عارفة فأنا صارحتك بمشاعري واللى قلبي حاسس بيه ناحيتها بكل صدق والله العظيم.
سحبت نفساً عميقاً ثم زفرته على مهل وهي تنسج في عقلها كيف تبدأ معه الكلام:
بدون حلفان عايزة أسألك سؤال وتجاوب عليا بصراحة زي ما بدأنا الكلام صريح، انت شايف إنك مناسب لــليلى وانك تنفع تكون جوزها؟
عقد حاجبيه لذاك الاستفسار الذي يدعي إلى الاندهاش من وجهة نظره ليجيبها بتأكيد:
وايه اللي ما يخلينيش أنفع!
حضرتك شايفة إني شاب مناسب لسنها وناجح في شغلي ما بعملش مشاكل مع حد بمعنى أصح مش إنسان غير سوي علشان ما انفعش لــليلى؟
استوعبت كلماته وأدراتها بعقلها بمهارة لتجيبه بقلب أم تخاف على وحيدتها:
ده من وجهة نظرك انت انك ما فيش زيك علشان انت ناجح في شغلك لكن العلاقة ما بين اتنين هيبدأوا حياتهم مش بتتبني على النجاح في الشغل بس، لاا في اعتبارات تانية مهمة جداً ليا كأم مع بنتي ومهمة ليها هي كمان انا ربيتها عليها بدليل انها حكيت لي على كل حاجة من غير ما تخبي عليا.
ليلى لسة صغيرة جداً ولسة ما عاشتش سن المراهقة بتاعها ما تعرفش يعني ايه حب ولا ارتباط ولا تعرف أي حاجة عن علاقة راجل بست اما انت لفيت كتير وعرفت بنات كتير واديت لقلبك فرصة إنه يرفض دي ودي ويختار براحته اللي تناسب له وتكمل معاه أما هي قالت لك وصدتك كتير لأنها شايفة نفسها تستاهل تجربة أحسن منك، شايفة نفسها ما تستاهلش إنها تكون الست اللي ما تعرفش عددها في حياتك، ما تزعلش من صراحتي معاك بس دي بنتي وبنتي يعني خط أحمر.
وكمان بعتب عليك في الوقت اللي انت محاصرها فيه بطريقتك دي وانت خبرة وعارف ازاي تكون مداخل البنت وتقدر تسيطر عليها و يعني فاضل شهرين على الامتحانات ينفع كدة!
طب اصبر لما تخلص امتحانات وبعدين خد فرصتك في إنك تدافع عن حبك فيها ما تضيعش مستقبلها يا زيد أرجوك وتشغلها.
ثم تنهدت واسترسلت إرشادها باستجواد:
وعايزة أنبهك لحاجة لو ليلى انشغلت بيك ومستقبلها اللي هي رسماه في دماغها ما وصلتلهوش هتشيلك الذنب وعمرك ما هتقدر تاخد الفرصة معاها ولا تقدر تدافع عن حبك ليها في إنها تكون ليك، اسمع كلامي وصدقه علشان انا مش جاية أهاجمك أنا جاية أصلح لك مفهوم جواك لأني انا مش شايفاك وحش ولا شايفاك ما تنفعش ليلى بس أنا برده شايفة ان بنتي من حقها تختار براحتها وعلى مهلها علشان لما ترتبط صح تعرف تعيش بعد كده وما تتعرضش لانتكاسات تدمـر بيتها وحياتها.
تنهد وبعيناي نادمة أومأ لها بأهدابه وتحدث بتلبية:
حاضر يا دكتورة أوعدك إني مش هكلمها ولا هبعت لها تاني بس عايز منك وعد انك تقفي جنبي في إنها متشوفنيش خاين ولا واحد بتاع بنات كل شاب ليه تجارب وأكيد يعرف بنات لحد ما يقابل اللي قلبه يتعلق بيها وهي معلقة لي المشنقة ورفضاني عقلانياً بكل قوة مع اني حسيت في عينيها اللهفة وانها نفسها تقرب بس عقلها مصمم يهاجمني بكل قوته.
شبكت يدها و ابتسمت براحة توغلت أعماقها حينما تيقنت من وعده:
الحصار الزايد عن اللازم ليها ممكن يخليها تكرهك وتعند والعند في بداية أي علاقة مش لطيف خالص، بس تخلص السنة وسيب ربنا يقرب البعيد ولو ليكم نصيب في بعض عمرنا ما هنقدر نعاند النصيب وتكون انت غيرت من طريقة حياتك اللي عاملة لها ازعاج وبعدت عن كل المحيط السيء اللي انت رسمته لنفسك في علاقاتك وانتظمت اكتر وهيئت نفسك لحياه نضيفة سواء كانت مع ليلى او غيرها.
تنهد بضيق لما سيجبر حاله عليه وتحدث برجاء أخافها:
خلاص طالما انا وعدتك انا هنفذ وعدي بس لازم ليلى ترجع الدرس تاني صدقيني ما حدش هيقدر ينفعها في المادة غيري، والله ده ما غرور لكن رحم الله امرئ عرف قدر نفسه وعلشان خاطر انا خايف عليها ما ينفعش تسيب الدرس وهتبقى بالنسبة لي طالبة زيها زي زميلتها وهي زي ما حكيت لك على كل حاجة هتحكي لك برده انا هتعامل ازاي معاها.
نظرت في ساعتها ثم هتفت باقتناع خوفاً منها على مستقبل ابنتها ثم وافقت على اقتراحه:
تمام ليلى هترجع الدرس وهثق فيك وفي وعدك ليا وأرجوك ما تغخذلنيش لأنك لو عملت عكس وعدك ليا ده هيبقى ضرر ليك جداً في علاقتك اللي انت نفسك تبنيها مع ليلى وده مش تهديد والله لكن اعتبرني بساعدك.
تفهم نصحها له ثم أكد عليها:
اطمني يا دكتورة، بس هي عملت لي حظر وطبعا أقلمت نفسها انها مش هتيجي تاني هتعرفي تقنعيها ولا ايه المفروض يحصل؟
ابتسمت ببشاشة وهي تقوم من مكانها وطمئنته:
البلوكات مش هتتفك معلش ما ينفعش أنصحها نصيحة وأرجع أنصحها عكسها لكن هي هترجع الدرس وهتكمل الحصص اللي باقية ما تقلقش دي مهمتي انا.
حرك رأسه بابتسامة هادئة وقد استوعب جميع نصائحها ثم غادرت المكان وودعته بهدوء كما دلفت وهي تشعر بالرضا لتلك الجلسة ولديها يقين أنه سيفي بوعده معها.
أما هو جلس مكانه موجوع قلبه فحبيبته ستكون أمامه ولا يحق له أن يتحدث معها أو ينظر إليها، لا يحق له أن يطفئ نيران اشتياقه لها ولا لحديثها ومجبر على الابتعاد.
فكم مؤلم ذاك الحب وكم مؤلمة تلك المشاعر لصاحبها.
ترك المكان وعاد لعمله وهو مجبر على إستكمال يومه فحقاً تعب كلها الحياة وما عجب إلا في ازدياد.
مر على تلك الأحداث شهرين كاملين حيث التزم “زيد ” بوعده مع والدة “ليلى” بجدية تامة مما أذهلها وجعلها تفكر دوماً ما إذا كان نسيها وعقلها أصبح مشغولاً به طيلة الوقت.
ولكن لم تهمل مذاكرتها لحظة فلديها حلم وتسعى لتحقيقه ولن تتراجع.
أما هو أقحم حاله في العمل و وافق على عرض كلية الصيدلة وسيبدأ مع العام الدراسي الجديد وبدأ يتغير كلياً لأجل ليلته.
أما “نور الهدى” خرجت من المشفى وعادت إلى منزل أبيها مكسورة الخاطر بآلام يستحيل على قلبها المسكين نسيانها.
ووالدتها تحاوطها وترعاها دوماً ولن تتركها لحظة واحدة وكذلك والدها وقضيتها أثر والدها على تكملتها مهما أتى أبى زوجها لها معتذراً ونادماً على تصرفات ابنه إلا أنه متشبس برأيه ولن يرجعها له أبداً ورفع قضية طلاق أيضاً ومصمم على الإتيان بحق ابنته.
أما “حنين” و “هاشم” لم تتطور علاقتهم كثيراً فهو منشغل دوماً بعمله وقليل ما يهاتفها يطمئن عليها.
حتى حفل خطوبتهم كان ضيقاً للغاية ولم يحضر معها اي تحضيرات كعريس وعروسه.
كانت نائمة على الفراش تشعر بتكسير في جسدها وعظمها ينخر عليها وجعاً فقد أصيبت منذ يومين بنزلة برد شديدة أدت إلى تعليق المحلول في يديها.
وكما أنها ترتفع درجة حرارتها وصوتها مختنق للغاية وكل ذلك لم يعلم “هاشم” عنه شئ فهو لم يحادثها منذ أربعة أيام.
وهي الأخرى اعتادت على ذلك منه والأدهى أنها مصممة على تكملة تلك الزيجة فقد عشقته وعشقت أنفاسه حتى وملامحه توغلت كالإدمان في جميع حواسها.
وكأن القدر أقسم على أن يكون هذا الـ “هاشم” نصيبها من الوجع والألم وعذاب الحب وحيرته.
كانت والدتها في الخارج تصنع لها حساءاً ساخناً يساعدها على الشفاء حتى يُستَرَد صوتها مرة أخرى.
كانت غافية بعينيها فقط ثم استمعت إلى رنات هاتفها وإذا بها تجده معذبها وساكن روحها.
أجابته بوهن شديد أذهله:
الـو.
لم تزيد أو تنقص على تلك الكلمة.
أما هو كان يحادثها وهو منشغل كالمعتاد ولكن أدهشه نبرة صوتها ليسألها بقلق حقيقي:
مالك يا حنين، صوتك عامل كدة ليه؟
أجابته باختصار:
تعبانة شوية.
ضم حاجبيه باندهاش:
شوية! انتِ صوتك متحاش خالص وواضح انك تعبانة خالص، طب ليه معرفتنيش؟
صعب عليها حالها منه لتنطق بتعب شديد:
وهتفرق معاك في ايه انت علطول مشغول ومش فاضي لي ومن ساعة ما اتخطبنا مجتش زرتني اربع مرات على بعض.
تحمحم قليلاً وهو يشعر بالخجل لعتابها المحقة به:
أمممم.. معلش حقك عليا، غصب عني دايماً مشغول ومسؤوليات المحل و المشاكل مبتنتهيش.
ثم حوَّل مكالمته إلى فيديو كي يراها فحالتها من الظاهر انها إرهاق شديد.
اعتدلت بنومتها قليلاً وجذبت حجاباً وضعته على رأسها ورفعت الغطاء علي جسدها ثم أجابته ووجهها منتفخ من أثر التعب ويزداد احمرار من السخونة.
حينما رآها ابتلع ريقه بخجل من حاله وهي بتلك الإعياء الشديد ليهتف بنبرة حنونة أثرتها رغم جموده وتصلبه معها:
ألف سلامة عليكي يا حنين، شكلك تعبان خالص.
وضعت يدها الموضوع بها الكانيولا على فمها تكتم حكّة حلقها فرآها ولام حاله بشدة الهذا الحد لم يعتريها باهتمامه كأي خطيب مع خطيبته وبالخصوص أنه لم يتبقى سوى شهر على زواجهم.
ليعرض عليها:
باين انه دور مش سهل لدرجة إنك معلقة محاليل، ايه رايك آجي أخدك ووالدتك تيجي معانا ونكشف عند دكتور كويس وتعملي تحاليل ونطمن عليكِ.
حركت رأسها برفض معللة سبب رفضها:
مفيش داعي تتعب نفسك بابا كشف عليا وعملت التحاليل وكل حاجة وباخد الأدوية البرد له حدية وبيمشي ولازم يكون في تعب.
على الفور حمل مفاتيحه وأبلغها بقدومه إليها الآن:
تمام بلغي مامتك ان انا جاي اطمن عليكِ دلوقتي.
نهته عن ذلك:
بلاش تتعب نفسك وخليك في شغلك مش فارقة؟
هز رأسه رافضاً:
ازاي يعني مش فارقة وازاي تبقي تعبانة وما اجيش اشوفك؟
أنا جاي حالاً ولما أوصل عندك نبقى نتكلم سلام.
أغلقت معه الهاتف وكانت والدتها قد دلفت بالمشروب الساخن وهي تسألها:
عاملة ايه يا حبيبتي دلوقتي، كنت بتكلمي مين؟
وضعت الهاتف جانباً وهي تعود إلى الاستلقاء على ظهرها مرة أخرى وتجيب والدتها بإهمال:
ده هاشم يا ماما بيقول إنه جاي دلوقتي يطمن عليا.
مطت والدتها شفتيها بامتعاض ولم تستطيع كتم ما بداخلها إلى الآن لتصارح ابنتها:
هو لسه فاكر!
ده انتِ مرمية تعبانة بقالك أربع أيام وهو ما سألش عنك ومن بقاله تلت أسابيع مجاش عشان يزورك، انا مش فاهمة هو فيه واحد خاطب واحدة يعمل اللي بيعمله ده وكمان بيكلمك كل فين وفين!
انا شايفه يا بنتي إنه مهمل معاكي على الآخر ومش بيهتم بيكي وطالما بيعمل كده وأنتم مخطوبين هيعمل كده وانتم متجوزين وشايفاكِ متقبلة كده عادي وراضية بالقليل اللي بيرميه لك من مشاعره ودي مش حنين بنتي اللي انا متعوده عليها.
واسترسلت صراحتها مع ابنتها برأيها عن أهله:
وكمان شايفة إن أمه وإخواته البنات مش مريحين في التعامل معاكي وهيتعبوكي ومش هتستريحي، أنا لازم اقول لك كل حاجة حاسة بيها علشان بعد كدة ما ترجعيش تقولي يا ماما ليه ما نصحتنيش، لو هو هيكمل بالطريقة دي يا بنتي يبقى بلاها الجوازة دي وبكرة يجي لك اللي يقدرك وأحسن منه.
تركت “حنين” كل كلمات والدتها ودق قلبها بعنف شديد على آخر حديثها وهي لم تتحمل ترك ذاك الـ “هاشم” فقد اصاب قلبها بالعشق الشديد والقلب المصاب بالعشق كالمرض اللعين لن يفارق الجسد إلا بطلوع الروح.
لتبرر تمسكها به:
أنا مرتاحة معاه جداً ما تقلقيش عليا هو مش بيزعلني خالص وطالما مفيش مشاكل ما بيني وما بينه يبقى حرام عليا افكر في اني اسيبه، معلش يا ماما مش عايزين نتكلم في الموضوع ده دلوقتي عشان زمانه على وصول.
لم يعجبها رد ابنتها وتيقنت الآن أنها ستعاني الويلات بسبب تمسكها به لتقوم من مكانها وهب تفتح شباك الغرفة كي تدلف شمس العصرية إليها وأشعلت البخور في الغرفة كي يسحب رائحة الدواء وقامت بتشغيل المدفئة بجانبها ثم رتبت المكان بعناية.
أما حنين قد قامت من تختها ودلفت إلى الحمام غسلت وجهها وأبدلت الترينج الذي كانت ترتديه إلى إسدال بيتي من القماش الثقيل وعادت إلى التخت مرة أخرى تستند عليه لشعورها بالدوار الشديد.
كان قد وصل إليهم ومعه بعض الحلوى والعصائر وبعض من الفاكهة.
استقبلته والدة “حنين” بفتور لم يلقي له بال ثم أدخلته إلى غرفة ابنتها كي يراها ويطمئن عليها.
فور أن رأته أمامها كالمعتاد دق قلبها المسكين بشدة فقد شعرت بالوحشة الشديدة له وهو الآخر مثلها لعن حاله على غبائه وإهماله لها.
تركتهم والدتها والباب مفتوح على مصراعيه وخرجت تقوم بضيافته ليقترب منها وهو يمد يده كي يسلم عليها.
فمدت يدها الصغيرة داخل كفه لأول مرة بينهم مما جعل جسدها يثور داخلها كمن أصيب بماس كهربي من أثر احتضان يده ليدها فقط.
أما هو شعر بنفس شعورها وذلك لكونه رجل وتلك المشاعر طبيعية جداً ولابد أن تزور جسده هو الآخر إلا إذا كان غير سليم ولكن هو كأي رجل.
سحبت يدها برفق من بين يديه وجلس هو على الكرسي الموضوع بجانب التخت لينطق لسانه باطمئنان عليها:
يارب تكوني أحسن، مكنتش متخيل انك هتبقي تعبانة قووي كدة؟
ابتلعت غصتها بمرارة في حلقها وهي تجيبه بحمد مغلف بنظرات اللوم التي فهمها:
الحمد لله على كل حال.
قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتسائل متعجباً من طريقتها وعدم النظر إليه:
هو انا مزعلك في حاجة او صدى مني حاجة ضايقتك حاسس انك بتبصي لي بلوم وعتاب شديد قوي؟
ضيقت عيناها ووجهت له سؤالها باستفسار وهي لم تستطيع كتم نيرانها الملتـهبة في صدرها من تجاهله لها بتلك الدرجة:
الأوحش من اني اجاوبك انك مش عارف ولا حاسس بيا ولا بوجودي يا هاشم، وأنا هنا اللي بسألك، انت خطبتني ليه يا هاشم؟
أجابها بوضوح وبما يشعر به:
ايه السؤال الغريب ده!
خطبتك لأني شفت فيكِ الزوجة المناسبة ليا وأظن أنا جاوبت على السؤال ده قبل كده ايه لازمته يا حنين؟
تفاقم الوجع بداخلها وشعرت بنار هوجاء تحرق أحشائها بالكامل وهي لم تستطع صبراً إخراج ما في قلبه وبات يؤرق صدرها:
لازمته إن أنا حاسة إن في مشاعر خاوية ما بيني وما بينك، مش بتهتم بيا، مش بتكلمني زي اي واحد خاطب بيكلم خطيبته ودايماً بيبقى ملهوف عليها وعايز يبقى معاها وما يفارقهاش، حاسة اني مليش وجود في حياتك غير دبلة في صباعي وخلاص حتى زياراتك ليا قليلة جدا من ساعة ما خطبتني وطول الشهرين اللي فاتوا ما شفتكش فيهم تلت أربع مرات على بعض حتى تجهيزات خطوبتنا وانك تخرج معايا وتنقي معايا فستان خطوبتنا وكل التفاصيل الخاصة بالموضوع ده سبتني فيها لوحدي اعتمد فيها على نفسي، أنا حاسة إن أنا فرحتي بيك مكسورة في كل حاجة ونفسيتي متدمرة وتعبت بسبب الموضوع ده تقريباً، انت عمرك ما قلت لي كلمة إعجاب زي اي واحد ما بيقول لخطيبته لحد دلوقتي مش بتناديني غير بحنين عمري ما سمعت كلمة بحبك أو حبيبتي أو قلبي، هو أنا وحشة يا هاشم علشان ما تحبش وعلشان ما تشبعنيش مشاعر حلوة زي اي واحدة وخطيبها؟
صوته خرج متحشرجاً وهو يحاول التبرير لكنه لا يملك شيئاً يقوله غير ما يشعر به حقاً:
مين قال انك وحشة!
انتِ جميلة قووي يا حنين، وروحك حلوة، وملامحك تتحب، بس أنا شايف إن الحب أفعال مش أقوال.
أغمضت عينيها بحيرة من أمره وهي كانت تتمنى سماعها الآن لتعبر عما بداخلها:
طيب والاهتمام بيا وبمشاعري ده حواره ايه معاك؟
طب لما احب إنك تشبعني كلام جميل زيي زي اي بنت وترسم لي احلام وجنة جميلة هنعيش فيها مع بعض ده فين؟
أنا محتاجة احس منك ان انا مرغوب فيا يا هاشم مش مجرد لوحة جميلة عجبتك وواقف تتفرج عليها من بعيد لبعيد من غير ما تقرب منها ولا تتغزل في معالمها اللي بهرتك.
وأكملت عتابها له بخجل فهي من المفترض أن لا تطلب منه هكذا ولا أن تبوح بتقصيره معها وإهماله لمشاعرها بتلك الدرجة اللامبالية بها:
أنا مش المفروض اني اتكلم كدة ولا اطلب منك انك تهتم بمشاعري ولا انك تشاركني كل تفاصيل حياتي وتشاركني تفاصيل يومي، بس انت حسستني بالنقص بجد واني في حاجة غريبة عن اي حد.
تفهم حديثها ولكن هو لم يقصد الإهمال معها ومن بدئ علاقتهم كان مقدماً عليها بأنها شئ عادي.
لم يجرب قبل ذاك أن يعرف انثى ولا أن يتحدث مع إحداهن إلا في حدود العمل رغم أنه كان يقابل الكثيرات إلا أنه كان يتعامل معهم بلباقة و ذوق وهذا ما كان عقله يظنه مع من سيرتبط بها.
حينما استشف حزنها ووعاه اقترب منها وهو يقصد النظر في عينيها ليبوح لها عن مكنون قلبه لها بكل صدق:
الغرابة مش منك انتِ يا حنين علشان متظلميش نفسك، إنما مني انا طبيعة شغلي من وانا صغير في الابتدائي تقريباً حياتي ويومي كانو دايرين في الشغل بين العمال وبعدين لما بدأنا نكبر وشغلنا يكبر بقيت بنغمس أكتر جوة دوامة الشغل ومكانش قدامي هدف غير اني انجح واوصل لحلم معين، معرفتش بنات قبل كدة ولا اتكلمت مع بنت بطريقة راجل وست وكنت شايف ان كل حاجة وليها وقتها.
رفعت حاجبها بذهول لتسأله:
انت عايز تقنعني انك متكلمتش مع ولا بنت طول عمرك!
طب ازاي؟
طب لو انت محاولتش اكيد في نوعية بنات حاولت كنت قديس معاهم للدرجة دي يا هاشم؟
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء وأجابها صريحاً:
هكدب لو قلت اني خام أو اني ولي ومليش اي تجارب بس كلها حاجات عابرة متعمقتش في علاقة قبل كدة مكانش عندي وقت إني افكر في حاجة زي دي ووقت فراغي بقضيه كل يوم مع أصحابي ساعتين والباقي بقضيه نوم وراحة لجسمي من التعب.
ارتكزت بمقلتيها داخل مقلتيه وسألته:
يعني انت مقلتش لأي بنت بحبك قبل كدة.
اهتزت مشاعره لأول مرة من نظراتها وهمسها وحالتها الضعيفة ونبرتها المشتاقة لحديثه المعسول ورغبتها الشديدة في أن ينظر إليها كما تريد.
فهذا رجل، شاب صغير في مقتبل العمر وأمامه أنثى حورية بل وجميلة حد الفتنة فمن الطبيعي أن تتحرك مشاعره كرجل أمامها.
ثم بادل نظراتها بمثلها وهو ينظر إلى يديها يريد الاقتراب منها ولمسها ولكن احترم المنزل واحترم وجوده في غرفتها وأمانة والدتها له.
فوضع يده بجوار يدها الممدة على التخت والمحاوطة بخرطوم المحلول وهو يحرك أصبعه على اللاصقة ليدها بحنو أذهلها:
هتصدقيني لو قلت لك إن عمري ما قلتها ولا هقولها غير لحلالي بس أنا شايف إنها مينفعش تخرج إلا للي تخصني وتبقي مني يا حنين.
أغمضت عينيها وهي مستمتعة للغاية بحركته تلك بل وتصريحاته.
ثم أغلقت أصابعها الذي يحرك يده عليها كي تشعره بأنها احست به لمجرد حركة بسيطة، بأنها تريد منه أن يحنو عليها.
ثم همست برجاء عاشقة:
طب هو انا مش منك يا هاشم وبقيت بخصك وبتاعتك؟!
لاحظ قدوم والدتها فقام من مكانه وقد هاجت ضربات قلبه من همسها بتلك الرقة.
فاقترب سريعاً منها ليهمس بأذنيها قبل أن تدلف والدتها:
بقيتي بتاعتي وملكي يا حنيني بس سحر اللحظة يبقي احسن لما يطلع من القلب متستعجليش رزقك واوعدك هتنبسطي قووي.
اعتلت دقات قلبها هي الأخرى فهي مثله لم تعرف شاباً في يوم من الأيام وكانت حريصة كل الحرص على مشاعرها أن تعطيها لحبيبها الأول وكانت من نصيب هاشم.
فور أن اقترب منها واستمعت أذنيها الى كلماته المخفاة تحت كنايته بأنها ستسعد كثيراً حين لقاهم القريب.
كان جسدها كالمفكك كأنه تخدر فقط من ذاك الهمس البسيط فحقاً حرمان العاطفة لديها قد وصل منتهاه.
وهي تستند برأسها وعينيها مغمضتان وكأنها لا تريد أن تغادر ذلك العالم المحبب إلى قلبها المراهق الذي قرأ عن أساطير المحبين كثيراً.
قابل والدتها وهو يمد يده يحمل عنها ما تحمله بذوق وهو يشكرها على صنيع يدها:
متشكر جداً يا طنط، تسلم ايدك.
كانت تنظر إلى ملامح ابنتها السارحة في ملكوتها وظنت انها مجهدة من التعب.
ردت على شكره لها:
ولا شكر ولا حاجة يابني انت صاحب مكان مش ضيف يا حبيبي وبلاش طنط قول لي يا ماما زي اجواز بناتي التانيين أنا اعتبرتكم كلكم ولادي واخوات ابني الوحداني.
تبسم في وجهها ببشاشة وهو يضع يده على صدره يتحسسه بامتنان:
تمام يا امي وانا يزيدني الشرف.
حاولت التحدث معه وجذبه في الكلام كثيراً كي يأخذ عليهم ويحب الجلوس معهم ثم قررت عزيمته:
اعمل حسابك انت معزوم على العشا معانا يوم الخميس علشان يبقي عيش وملح وتدوق عمايل حنين وأكلها الجميل.
نظر إلى حنين بابتسامة ثقيلة ارتسمت على ملامحه جعلت ذاك القابع بين أضلعها يخفق بشدة فهي تعشق الرجل الثقيل بشدة.
ليعتذر عن تلك العزيمة بذوق:
معلش يا امي خليها مرة تانية حنين تعبانة خالص وانا مش عايز أتعبها تقف قدام النار وتتعب نفسها لما تخف بإذن الله.
هنا هتفت حنين وهي تتمسك بعزيمة والدتها مرددة برجاء عينيها قبل لسانها:
لاا ما احنا النهاردة الاحد وعلى يوم الخميس هكون فقت إن شاء الله وهستناك وهتيجي، تمام؟
اتكئت على كلمتها الأخيرة وقبل أن يجيب تركتهم والدتها مرة أخرى وحدهم قليلاً والباب مفتوح أمامها.
لم يريد كسـر خاطرها ليجيبها بموافقة تصحبها نفس البسمة الثقيلة وهو يغمز لها بإحدى عينيه بحركة عفوية منه أذابتها:
من عنينا يا باشا مقدرش على زعلك ابدا.
حينما استمعت إلى كلماته كأنها نسمة باردة تخترق نيران شعورها الأهوج فنزلت كالبرد والسلام على قلبها الملهوف وتوسعت بسمتها ورفرف قلبها بانتصار لحصولها على أول تغير في طريقة هاشمها معها.
وكأنه عانقها عناق الأحبة الأول وهي تقول بوله كأنها تطير فوق السحاب وتعانق النصر وخرجت الكلمة تلقائياً من فمها:
حبيبي منحرمش منك أبداً.
فور أن نطقتها بلعت ريقها بصعوبة بالغة من خجلها ولكنها خرجت من فمها وهو استمع اليها وظلت النظرات الهائمة تتبادل بينهم.
حتى أنهى مشروبه وقرر المغادرة ليقوم من مكانه فارداً طوله امامه وجعلها وقعت صريعة حلمها الذي حلمت به كثيرا شاباً ذو هيئة طويلة وجسد عريض.
ليعتذر منها مما جعل قلبها رجف بحزن:
معلش بقي مضطر امشي عندي شغل كتير على الخميس بقي إن شاء الله نتقابل.
ترجته بعينيها قبل أن ينطقها لسانها:
خليك شوية انت مش بقالك كتير ملحقتش اشبع من وجودك جنبي يا هاشم.
بدا شبح ابتسامة خفيفة على ثغره مكملاً اعتذاره وهو يمد يده يلقي سلامه عليها وهي لم تمانع:
معلش غصب عني والله لو مرحتش الدنيا هتبوظ وانتِ عارفة ومجربة قبل كدة.
أنهى كلامه وهو يتكئ بسلامه على يديها الرقيقتين مما جعلها ضمت يدها هي الأخرى على يده ثم قالت بنبرة خافتة:
تمام ربنا يعينك.
هبط بنصف جسده أمام عينيها وما زالت يداه متمسكة بيدها قائلاً بوله من سحر اللحظة:
خلي بالك من نفسك يا حنيني، هتوحشيني.
لم يصدق حدسها ما استمعت إليه فقد عبر عن وحشته لها مما جعلها تغمض عينيها بحالمية لم يتحملها قلبها.
ونسيت أنه أمامها ليحرك إصبعه على وجنتها الساخنة من اثر إعيائها مودعاً إياها:
في رعاية الله يا حنيني.
ثم تركها وغادر المكان تحدث حالها بغرام:
معلقت عيناي بجماله فلم أستطع النظر إلا لعينيه، لقد حدثت المعجزة وغادر القمر سماءه ليجالسني، شعور لم أعرفه من قبل، إعجاب مع رغبة في اقتحام عقله وقلبه، لهفة لفهم ما يفكر به، أسئلة تدور في رأسي؛ ترى هل انا سعيدة الحظ الذي أهداها اسمه؟ كيف يحبني؟ هل هو لم يعرف نساء كما سمعت منه؟ هل انا نفس مواصفات المرأة التي تعجبه؟
وما الذي يشده إلي وهو الذي لا يعرف إلا الجميلات! هل سيحبني يومًا؟ متى سيحدث ذلك؟
ولكن فضحتني برودة يدي التي صدمت دفء يده، فأدركت ما أراد إخفاءه، أما أنا فتنبأت بقصة حب بطلها فارس أسطوري يقف أمامي ويمسك بيدي.
وعند ذكر يديها إذا بها تضعها تلقائياً على فمها تشم رائحته بهما ولسانها نطق:
انت كمان هتوحشني قوووي، يخربيت تقلك ورسيانك جننتني يا شيف جننتني قووي مش قادرة أخد نفسي حتى.
وظلت تشم رائحته بيدها وهي ما زالت تضعها قرابة أنفها وتخاف أن يمسها شئ يفسد رائحته بهما.
لتنام في سبات عميق وهي تتوق أن يزورها في منامها ليكون فارس أحلامها الوردية.
رواية مشاعر موقدة الفصل الثامن 8 - بقلم فاطيما يوسف
في منزل والد "نادر" كان يجلس مع والدته وهو يهتف غاضباً:
ــ بنت الج…م وأبوها رفضوا الصلح ورفعوا القضية، والمحامي قال لي إني أسبوع بالظبط وهيتقبض عليا.
ــ وأنا لازم أسافر، أنا جهزت كل حاجة ومعاد سفري بكرة، هسافر قبل ما أتمنع من السفر.
ــ ولما أروح هناك هفضل متواصل مع المحامي، وهو قال لي مفيش غير حل واحد لمشكلتي.
تشعب الغضب برأسها وتكاثر بلا حدود لتشبس رأي هؤلاء الناس من وجهة نظرها، لتنطق باستنكار وكأنهم يفخمون المواضيع:
ــ أنا مش فاهمة الناس دي دماغهم إيه وبيعملوا كده ليه!
ــ عايزين يخربوا على بنتهم وهي مكملتش خمس شهور جواز، مش خايفين على سمعتها وكلام الناس عنها، ولا دماغهم القفل دي بتفكر إزاي؟
حك الآخر ذقنه وهو يتمتم أمام والدته، ما جعلها تسهمت:
ــ ما هي دي النقطة اللي المحامي اتكلم معايا فيها ونبهني ليها، بس مش هقول لحد.
ــ هو عرفني أعمل إيه لأن مفيش غير حل واحد هو اللي ينفع لحل مشكلتي، طالما مرضوش يبقى بالتراضي وهما اللي جابوه لنفسهم.
انتبهت بجميع حواسها مع كلامه وهي تسأله بفضول:
ــ طب قول لأمي وطمن قلبي عليك، مش كفاية حسرتي عليك وانت مسافر تاني وسايبني يا ابني يا حبيبي؟
ــ وأنا ما صدقت إنك رجعت لحضني من تاني.
ابتسم ابتسامة بلهاء وهو يقص عليها ما أدلاه عليه المحامي بخسة ودناءة:
ــ المحامي قال لي إن القضية اللي أنا رفعتها على العيل التوتو اللي اسمه يحيى ابن خالتها اللي هي الاعتداء عليا في بيتي، ممكن نحولها لقضية شرف.
ــ وإني ما كنتش عايز أتكلم علشان مش قادر أفضح مراتي، ولما لقيتها مصممة إنها تكمل في القضية وعايزة تسجنني اضطريت إني أقول الحقيقة.
ــ إن هي على علاقة بابن خالتها وبيتكلموا مع بعض على طول في الشات وبيجي لها البيت وأنا مسافر.
ــ وهيحاول يظبطها إنها قضية شرف، وهما بقى لو هيقبلوا بالفضيحة وإن القواضي تكمل.
ــ وعقبال ما يثبتوا إنها مش قضية شرف يكونوا عبرة قدام قرايبهم علشان أبوها بيخاف من الحاجات دي جداً.
ــ وتبقى تقابلني إن لقيت حد يتجوزها ولا يعبرها تاني بعد ما اتطلقت بعد خمس شهور وكمان بقضية شرف.
ــ يا إما يتنازل عن القضية وكل واحد يروح لحاله، وكل واحد برضه ياخد اللي جابه.
ــ ما أنا مش هديها شقايا وتعبي تروح تتجوز بيهم واحد غيري وأنا تعبان في كل حاجة أنا جبتها.
اتسعت دائرة عينيها بذهول من حكى ابنها لتشهق بصوت عالي:
ــ يا نهارك مطين يا نادر!
ــ انت عايز تشتكي مراتك في شرفها وانت عارف إن هي ما عملتش كده؟!
ــ ده لو أبوك عرف هيطين عيشتك ومش بعيد يموتك فيها.
هز رأسه بابتسامة سمجة ليهتف بنبرة غير مبالية لتحذير والدته وهو يحاول إقناعها والسيطرة على عقلها كي يكسب صفها:
ــ يعني يرضيكي ابني الوحيد يتسجن ويضيع مستقبله وشبابه؟
ــ ده شروع في قتل يا أمي، يعني هلبس لي قد 15 أو 20 سنة كده سجن.
ــ فالدور عليكي بقى تقنعي بابا، لأن أنا مش هتنازل عن اللي في دماغي طالما هم مش عايزين يتنازلوا عن القضية.
ــ وزي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف، وهما اللي اضطروني إني أستعمل الأسلوب ده معاهم علشان أنقذ نفسي.
ــ معلش يعني ما هو يروح ما بعدك روح، وأنا لازم أدافع عن وجودي بأي طريقة مشروعة أو غير مشروعة طالما هم اللي اضطروني كده، مش راضيين بالحلول الودية نهائي.
نهته أن يفعل فعلته تلك قبل أن تحاول محاولة أخيرة معهم:
ــ طب ما تعملش حاجة واصبر لحد ما أروح لصاحبتي جارتهم اللي عرفتني عليهم وخلتنا نتجوز الجوازة السودا المهببة دي.
ــ هعمل محاولة معاها إنها تأثر عليهم، وهجيب لها سيرة عن الكلام ده من تحت لتحت وهي تشوف هتبلغهم إزاي وهنعرف رد فعلهم إيه.
ــ اصبر ما تعملش حاجة خالص، لأحسن أبوك لو عرف هيطربق الدنيا على نفوخي ونفوخك ومش بعيد أطلق فيها بسببك.
تأفف غاضباً لتصميم والدته، ليهتف هو الآخر بتصميم على تفكيره:
ــ أنا مسافر بكرة يا أمي، وعايز قبل ما أسافر أكون متفق على كل حاجة مع المحامي وسايب له عربون كمان.
ــ مش هستنى لسه لما تروحي وتعملي مفاوضات مع جارتها وهي تروح تعمل مفاوضات معاهم، وفي الآخر أبص ألاقي نفسي لبست في حكم تمام.
ــ وأرجع بقى مع تنفيذ الأحكام من برة وأروح في 60 داهية وكل حاجة تضيع.
ــ أنا مش هصبر أنا، وبعدين هو أبويا هيحبهم وهيخاف عليهم أكتر من ابنه الوحيد؟
ــ هو المفروض أصلاً يقف جنبي، أنا مش فاهم موقفه معايا عامل كده ليه وجاني عليا مع إن اللي حصل حصل يعني وخلاص.
هدأته وهي تقوم من مكانها وتضع شالها الصوف على كتفها وهي عازمة على الذهاب الآن إلى تلك السيدة:
ــ ولا هنصبر ولا حوار، أنا رايحة لها دلوقتي.
ــ وهما لما يسمعوا حاجة زي دي مش هيسكتوا وأكيد هتشوف منهم رد فعل.
ــ وكمان مش هجيب سيرة إنك هترفع قضية ولا حاجة، أنا هعرف أتكلم معاها بطريقتي علشان لو أبوك عرف ما يقولش إننا لينا دعوة بالحوار.
لجأ ذاك "نادر" إلى الصمت بقلة حيلة ليرى ماذا ستفعل والدته وستستطيع حل تلك المعضلة بدون خسائر له أم لا.
أما هي، ذهبت إلى تلك السيدة وهي تنوي أن تشعل النيران أكثر ما هي مشتعلة، فهو وحيدها وترى أن كل ما تفعله هي محقة به حتى لو كان رمي المحصنات بالباطل.
وصلت إليها سريعاً فالفرق بينهم عدة شوارع صغيرة، وما إن وصلت قابلتها صاحبتها بالترحاب، فهي دوماً تعطف عليها ولا تريد أن تخسر أم "نادر"، لذلك هللت لقدومها كثيراً وقدمت لها واجب الضيافة بما تشتهيه الأنفس.
وبعد أن تحدثوا قليلاً في أمور عامة، بدأت والدة نادر الحديث عن ما انتوت قوله وأتت إليه خصيصاً لتهتف بنبرة ملامة خادعة لتلك المسكينة:
ــ إلا قولي لي يا أم سمير، لما انتِ عارفة الناس اللي خليتيني نروح نتقدم لبنتهم إنهم بالشكل ده وحرابي وإن بنتهم ملهاش في الجواز ولا ليها في إنها تعرف مسؤولية جوزها وبيتها ومدلعة وبتاعة بابي ومامي.
ــ وطول النهار ماسكة المحمول بتاعها، قال بتكلم ابن خالتها وجوزها موجود ولا عامل لها احترام.
ــ وكذا مرة يقول لها بلاش أنا بغير عليكِ ومش عايزك تكلمي حد، وبرضه بتكلموا من ورانا وخلته خرج عن شعوره وعمل فيها اللي عمله.
ــ هو ينفع اللي هي عملته ده ولا السكة اللي ماشية فيها دي؟
ــ وإحنا مش بتوع الكلام ده، إحنا ناس بتوع ربنا وانتِ عارفة كده كويس، أخص عليكِ، ما كانش العشم.
اتسعت مقلتاي تلك السيدة ورددت وهي تضرب على صدرها بعدم تصديق:
ــ كلام إيه اللي بتقوليه ده يا حاجة أم نادر؟
ــ معقولة الست نور تعمل كده!
واسترسلت حديثها بنبرة استنكارية وهي تشهد شهادة حق لتلك البريئة الشريفة:
ــ والله عمري ما سمعت عنهم غير كل خير وبيراضوني زي ما انتِ بتراضيني كده، وكلت في بيتهم عيش وملح والبنت العيبة ما بتطلعش منها ولا ليها في الحاجات دي خالص.
ــ يمكن ابنك فهم غلط يا حاجة أم نادر، ربنا يهدي لهم الحال يا رب ويبعد عنهم الأذى.
مطت شفتيها بامتعاض لدفاعها عنهم وهدرت بها وهي تقوم من مكانها بحدة مصطنعة:
ــ يعني انت بتكدبيني؟
ــ بقول لك ابني قفشها كذا مرة وهي بتكلم ابن خالتها ويقول لها عيب ما يصحش، وهي برضه زي ما هي.
ــ على العموم هما حرين، خليها تفضح نفسها علشان ابني مش هيسكت على شرفه ومش هنبطل كلام طالما هم مصممين إنهم يحبسوه وهيرفع عليها قضية كمان.
ــ موبايلها معانا عليه الإثباتات والأدلة كلها.
ــ آه ما هي مش هتسجنه بعد اللي عملته فيه وغدرت بيه وزعلانة عشان قلمين خدتهم علشان كرامته وشرفه.
ــ أنا ماشية وسايبة لك البيت، صحيح خير أن تعمل شرا تلقى.
قامت تلك السيدة المسكينة من مكانها وهي تمسك بيدها وتعتذر لها عن سوء فهمها لكلامها:
ــ والله أنا ما قصدي أزعلك يا ست أم نادر، بس أنا قلت لك الحقيقة واللي أنا شفته منهم وحرام أقول غير كده.
ــ لكن أنا ما أعرفش جوه البيوت إيه ولا اللي بيحصل بين الراجل ومراته إيه.
ــ ولا بكذب سي نادر ولا بكذبهم، الهي يسترك ما تزعلي مني، سايق عليكِ حبيبك النبي يا شيخة تقعدي وتشربي الشاي بتاعك.
جلست مرة أخرى وهي تشعر بالانتصار لتراجع تلك السيدة، وأخذت منها كوب الشاي وارتشفت منه بكبر لتقول بنبرة ساخرة:
ــ والله انتِ غلبانة وما تعرفيش بتاعة بابي ومامي كانت بتعمل إيه في ابني ولا بتعرف تعمل أكل ولا شرب ودايماً عايزة أكل جاهز من برة.
ــ وجوزها يا حبة عيني تعبان في قرشه في الغربة وما بيعرفش ياكل ولا يشرب من ساعة ما رجع من سفره لقمة نضيفة من البيت.
ــ كل اللي أنا عايزاه منك لو كنتِ شفتِ مني خير في يوم من الأيام، تبلغيهم بالكلمتين اللي أنا قلتهم لك على إنك سامعاهم من برة مش مني، لعل وعسى ابني يتنازل عن القضية وهي كمان تتنازل وكل واحد يروح لحاله.
ــ وزي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف، وعايزة تتجوز ابن خالتها تروح تتجوزوا علشان تتأكدي إن كلامي صح وإني مش بفتري عليها.
ــ لما تطلق من ابني إنها كانت رايداه وخدت ابني كوبري علشان تخليه يغير ويطلق منه ويتجوزها.
ــ بنات مهببة جيل آخر زمن، ما يعلم به إلا ربنا.
حركت تلك المسكينة رأسها بطاعة، ولكن داخلها لن يصدق عن تلك البنت الرقيقة شيئاً ما، ولكن ستبلغهم من باب الاحتياط والخوف على سمعتها لأن تلك السيدة يبدو عليها القوة والشراسة وأنها ستؤدي بسمعة "نور" أرضاً وستجعل جميع من في الحي يتحدث عنها وليس لهم سيرة إلا شرفها.
ويسير المظلوم ظالم وتنقلب الحقوق وتلك حقوق شرف إن سمع بها أحد ستلوث ولن تعود أبداً، فوعدتها:
ــ حاضر يا ست أم نادر، ما تقلقيش هبلغهم إني سمعت من برة، بس إن شاء الله يخلي لك ابنك بلاش موضوع القضية اللي هيرفعها دي، ومهما كان دي مراته برضه.
قامت من مكانها وهي تبتسم بانتصار وتخرج من حقيبتها مبلغاً من المال وتضعه على المنضدة أمامها وهي تربت على ظهرها بخبث:
ــ أهو الواحد بيعمل الخير وبيرميه البحر.
ــ أنا كان ممكن أسيب ابني يعمل اللي بيعمله وفي الآخر هتتنازل بعد ما تكون اتفضحت، بس أنا مش عايزة لها كده.
ــ أنا عندي بنات وما رضاش ليهم الأذية، واللي انتِ هتبلغيه ليهم من برة برة هينوبك ثواب علشانه.
ــ وأهو كله من باب ستر الولايا.
ثم تركتها وغادرت المكان وداخلها يشعر بأن مجيئها لن يمر مرور الكرام عليهم وأنها ستنتصر وتنقذ ابنها من براثن القضبان الحديدية.
***
كانت تستند على تختها فقد شعر جسدها بالتحسن من نزلة البرد وهي تفتح صورته تتعمق بالنظر بها، فهو لم يحادثها اليوم ومنذ الصباح وهي تنتظر مكالمته.
ولكنه تأخر في الاطمئنان عليها كما عودها اليومين الماضيين مما أسعدها كثيراً، فهي تريد التحدث معه في كل الأوقات.
فلم يمضي على حفل زفافهم سوى ثلاثة أسابيع فقط، فقررت هي أن تهاتفه اليوم بدلاً عنه لأنه تأخر عليها وقلبها ملهوف على سماع صوته.
ولم يستطع صبراً، كان نائماً في سبات عميق فقد عاد من المصنع الخاص به وهو يشعر بالنوم يداعب عينيه العسليتين بشدة، فاستجاب لها.
وفي أثناء نومه تململ عندما استمعت أذنيه على صوت الهاتف، بعينين مشوشة تناول الهاتف وأجاب بصوت أجش خشن من أثر نومه الثقيل وشعوره بالدفء تحت الغطاء:
ــ ألووو.
هاجت ضربات قلبها وهي تستمع إلى صوته الناعس، وودت لو أنها بجانبه الآن، فوجدت حالها تحتضن الهاتف بحالمية وكأنها تحتضن هاشمها، فهمست برقة جذبت انتباه "هاشم" ليعتدل في نومته وهو يرجع خصلات شعره الأسود المبعثرة من على عينيه ويستمع إلى همسها الذي حرك ساكنه:
ــ يا خبر أنا صحيتك من النوم، سوري يا هاشم هقفل وكمل نومك.
تحمحم بنبرة خشنة يصاحبها بحة خفيفة من أثر نومه ليمنعها:
ــ لا متقفليش كويس إنك صحتيني، أنا كده كده كنت هقوم علشان عندي معاد مع صحابي.
وأكمل باستفسار وهو يطمئن على صحتها:
ــ أخبارك إيه والبرد مشي ولا لسه؟
خللت أصابع يديها بين خصلات شعرها وهي سعيدة للغاية بالحديث معه، وكأنه الترياق لمشاعرها المحتاجة لوجوده جانبها، لتجيبه بحمد:
ــ الحمد لله اتحسنت كتير عن امبارح، أنا كنت في الضياع والله كنت حاسة إني هموت من دور البرد ده من كتر ضيق التنفس اللي كان عندي.
هزته نبرة صوتها الرقيقة وهمساتها التي تحمل شجناً وخوفاً، ليرطب على قلبها بتلك الكلمات التي جعلتها ترفرف بأهدابها بابتسامة واسعة وكأنها طير يحلق في السماء بسعادة من القليل من مشاعره الثقيلة التي يلقيها على مسامعها الحالمة:
ــ بعد الشر عنك يا بابا، ودايماً تعيشي بصحة وعافية.
تنهيدة حارة خرجت من صدرها لتسأله بوله:
ــ امممم.. يعني هتفرق معاك لو حصل لي حاجة؟
رفع حاجبه لاستفسارها الماكر ليجيبها بما سيرضي فضول قلبها الممتلئ بمشاعر عشقه الموقدة:
ــ طبعاً إحنا مخطوبين وخلاص هنتجوز كمان أيام بسيطة ووجودك معايا وجنبي هيفرق معايا طبعاً يا حنيني.
عضت على شفتيها السفلى بولهٍ وهي ما زالت تعبث بخصلات شعرها الحريري الأسود مع ابتسامة حالمة ارتسمت على وجهها لتعترف له:
ــ بحس قلبي بينتفض جوايا لما تناديني بملكتي ليك يا هاشم.
ثم ترجته باشتياق عاشقة حتى النخاع:
ــ قولها لي علطول بحب أسمعها منك.
مرر لسانه على شفتيه لرقة مشاعرها وحالميتها التي لم يعتاد عليها، ليعترف لها هو الآخر بما جعل القابع بين أضلعها يدق بعنف شديد:
ــ انتِ رقيقة قوووي وجميلة جداً لدرجة إني بقيت بتعلق بيكِ أكتر من اليوم اللي قبله.
رفرف قلبها بسعادة غمرت روحها وهي تستمع منه إلى غزله المبتدئ في غرامها الأولِ، وهي بالفعل امرأة الغرام الأولى له، وبات حديثه كترنيمة ساحرة لم ترحم قلبها المسكين في غرام الـ"هاشم"، وهي تسأله:
ــ طب ياترى التعلق ده بالنسبة لك حلو ولا وحش؟
شاغبها بجوابه:
ــ هو حلو ووحش في نفس الوقت، حلو علشان اتعلقت بحاجة حلوة قوووي.
وأكمل مشاغبتها بما جعل قلبها ينتفض طيلة حديثهم:
ــ ووحش علشان بقيتي شاغلة أغلب تفكيري لدرجة إني كنت بحلم بيكِ دلوقتي بعد ما كنت بحلم إزاي أبقى أجمد شيف في العالم.
انتفضت من مكانها بلهفة لتسأله بعدم تصديق لقوله:
ــ بجد كنت بتحلم بيا يا هاشم؟
ــ طب بالله كنت بتحلم بإيه احكي لي.
ظل على مشاغبته معها:
ــ يوووه أنا اللي جبته لنفسي، بقي أنا لسه هحكي لك الأحلام كمان إيه يا بنتي انتِ واخدة عني فكرة غلط خالص.
ضحكت برقة وقالت بنفس مشاغبته:
ــ طب صلح لي الفكرة وعرفني عليك صح وانت وأنا خير مستمع.
ــ يوووه انتِ عايزة أيام كتير ووقت طويل علشان تعرفيني كويس وأنا دلوقتي عندي معاد مع صحابي واتأخرت.
مطت شفتيها للأمام بدلال مصطنع وهتفت بنبرة اعتراضية:
ــ بقي في حد يسيب حبيبه ويروح يقعد مع أصحابه؟
ــ طب انت وحش خالص وأنا زعلانة منك علشان عايز تسيبني.
ضحك بخفة على عقلها الصغير:
ــ لااا ده انتِ طلعتِ عيلة صغيرة خالص وعايزة اللي يداديكي ويطبطب عليكِ كمان وأنا عايز أقوم آخد دش ساقع علشان أفوق من أحلامي.
شهقت باندهاش لينطق لسانها بذهول:
ــ شاور بماية سقعة في البرد الشديد ده!
ــ يا نهاري ده أنا اتجمدت لك سلف يا هاشم.
تعالت ضحكاته لذهولها المبالغ به ليؤكد لها:
ــ بس يا ماما ده متعة ما بعدها متعة، وايه رأيك بقى هتجربيها يوماً ما وهتشكريني كمان.
حركت رأسها برفض لتعلن عصيانها القاطع لحديثه:
ــ لاااا انت بتحلم يا حبيبي ده يستحيل يحصل، أنا إنسان بيترعش من المياه الساقعة في الشتا ده ويستحيل أعمل اللي بتقول عليه ده.
بنبرة واثقة هادئة أكد لها:
ــ طب هتجربي وهتشوفي يا حنيني، واللي أنا بحبه وبرتاح له انتِ كمان هتحبيه.
رفعت حاجبها باستنكار لثقته:
ــ انت واخد مقلب في نفسك على فكرة علشان الثقة الزايدة عن اللازم في النقطة دي بالذات مش هتحصل، ده أنا بكلمك وأنا تحت بطاطين معرفش عددها وغير هدومي اللي لابساها وبردو معرفش عددها.
قام من مكانه وقام بتصوير حاله صورة سيلفي وهو يرتدي تيشرت أبيض بنصف أكمام وأرسل لها صورته وهو يدون أسفلها:
ــ ليه ده كله يا بنتي! أنا بعت لك صورتي أهو بنص كم عادي.
ثم أكمل بهمس مقصود فكك أعصابها:
ــ أصل أنا بحب الانطلاق ومش بحب اختناق الهدوم الكتيرة وهعودك انتِ كمان.
تمتمت بخفوت:
ــ هتعودني إزاي ده أنا برتعش من الهوا؟
أجابها صريحاً بما أخجلها:
ــ متقلقيش يا حبيبي هدفيكي.
همست برقة:
ــ حبيبك! طب بقول إيه ما تسيب أصحابك وتعالى اقعد شوية معايا موحشتكش؟
ــ بكرة تزهقي مني يا حنين، أنا مقعدتش معاهم بقالي شوية وفي واحد فيهم عنده مشكلة ولازم أروح، معلش اعذريني.
تنفست بضيق ثم سألته:
ــ طب كتب كتابنا كمان أسبوع مش هننزل نختار معايا الفستان اللي هلبسه في كتب كتابنا بجد عايزة أعيش التفاصيل دي معاك.
اعتذر لها بتهرب فهو ليس له طاقة لتلك الحوارات ولا وقت، وبالرغم من أنه حقها إلا أنه لم يعترف به:
ــ معلش يا حنين أنا مليش طول بال ألف على المحلات والحوارات دي، وحتى لبسي بجيبه أون لاين مش بنزل ولا بلف خالص.
ــ وبعدين أنا واثق في ذوقك وشياكتك إنك هتبقي جميلة في أي حاجة تختاريها.
حزن داخله وهي تشعر بالنقصان في كل شيء معه ومنه، وهتفت بحزن:
ــ ليه كده يا هاشم؟ المفروض إن أي واحد بيحب خطيبته بيبقى مشتاق إنه يبقى معاها على طول، يعملوا كل التفاصيل اللي هتأهلهم يكونوا مع بعض.
ــ انت محسسني بالنقص جامد في النقطة دي.
تنهيدة حارة خرجت من صدره لاعتراضها المقلق له:
ــ متكبريش الحوار يا حنين، وبعدين بكرة نبقى في بيت واحد ونعيش مع بعض على طول وهتزهقي مني.
نفخت بضيق شديد ثم قررت إنهاء تلك المكالمة كما بدأتها هي:
ــ تمام، إنت صح أنا عقلي صغير وبقول تفاهات وبكبر المواضيع، عن إذنك، سلام.
أغلقت الهاتف قبل أن تنتظر رده وداخلها ازداد غلياناً من لا مبالاته معها وتشعر بأنها هواء بالنسبة له، ثم تذكرت صورته التي أرسلها أثناء حديثهم وقامت بفتحها لتنصدم من منظره وارتدائه للملابس الخفيفة تلك لتننطق مع حالها باستنكار:
ــ يا نهار أبيض عليك وعلى برودك ده، أنا متلجة يا شيخ وأنا لابسة عشرة فوق بعض.
وأكملت استنكارها بسخرية وهي تتذكر كلماته:
ــ قال هعودك قال، بني آدم بارد، مبيحسش.
ثم تراجعت عن سخريتها وهي تتعمق النظر لوجهه وعضلاته:
ــ بس راسي وتقيل وخطير وقلبي حبك.
ثم تنهدت من غلبها في عشقها له:
ــ ربنا يسامحك يا قلبي، حبيت حجر بيلين بالعافية والكلام بيخرج من لسانه بطلوع الروح.
دلفت إليها والدتها واستمعت إليها تحدث نفسها فسألتها بتعجب:
ــ مالك يابنتي؟ كفى الله الشر بتكلمي نفسك ليه؟
ــ ده انتِ لسه صغيرة وفي عز شبابك يا نور عيني على الكلام ده.
تمتمت بخفوت وهي تضع الهاتف جانباً:
ــ مفيش يا ماما، بعد إذنك أنا خارجة دلوقتي هروح مع صحبتي نلف على المحلات شوية أشوف دريس رقيق كده لكتب الكتاب ونروح نتعشى برة، حاسة إني مخنوقة من يومين التعب اللي رقدتهم في السرير وجالي اكتئاب.
اندهشت والدتها لتسألها بفضول:
ــ الله هو مش المفروض اللي هيبقى جوزك كمان أسبوع يروح معاكِ وانتِ بتنقي حاجة زي دي ولا أنا بيتهيألي؟
ــ أصلي مجوزة اتنين قبلك وورد عليا الحوارات دي.
لقد جعلها تشعر بالنقص في كل شيء معه، وحتى والدتها لفت انتباهها ذاك الموضوع، ولكن بررت لها حينما وجدت نظراتها التي تحوى من الاتهام لهاشمها كثيراً:
ــ أديكي قلتي يا ماما حوارات، وبعدين الرجالة لما تنزل تلف على المحلات مالهمش في الشوبينج وروحهم ضيقة وانتِ عارفاني بحب أنقي كل حاجة براحتي وعلى أقل من مهلي.
نظرات ثاقبة من مقلتي والدتها أصابت بؤبؤ عينيها وهي لم تصدق ذاك التبرير، فأكملت تلك الحنين بكذب كي تنفض عن بالها حصار والدتها:
ــ وبعدين هو لسه كان بيكلمني وقال لي هروح معاكي وكان مصمم وأنا اللي اتلككت له بأي أسباب علشان أروح لوحدي.
ــ وأكيد بردو انتِ فاكرة إخواتي لما كانوا بيرجعوا من المشاوير دي مع خطابهم كانوا بيجوا متخانقين ومتخاصمين بسبب اختلاف أذواقهم.
ثم أكملت بحالمية وقد أقنعت حالها ووهمت نفسها بما تدليه على مسامع والدتها:
ــ وأنا وهاشم يا أمي مختلفين عن أي حد ومش بنحب جو الخناقات والتلكيكات ده، وكمان عايزة الأوت فيت لكتب الكتاب يبقى مفاجأة ليه وأشوف في عينيه الإعجاب.
ــ يا ماما انتِ عارفاني بحب الحاجات دي ومختلفة عن أي حد.
لم تقتنع والدتها بحديثها ولم تشتريه بدرهم واحد لتنطق بسخرية:
ــ والنبي إيه! اشتريتهم أنا بقى الكلمتين دول، روحي يا حنين يابنتي مطرح ما انتِ عايزة.
ــ بس يا ترى الحلو بقى اداكي فلوس علشان خاطر تجيبي الدريس لكتب كتابكم زي أي عريس ما بيعمل مع عروسته ولا عمل نفسه من بنها وانتِ اللي هتجيبي من فلوسك اللي بتقبضيها؟
تسهمت "حنين" عند ذاك السؤال ولم تستطيع الإجابة ولم تفكر به من الأساس، ووالدتها هي من سألتها لتجيبها بصدق:
ــ والله يا ماما ما جبناش سيرة الفلوس والحاجات دي، وبعدين انتِ عارفة هاشم مش في دماغه يديني فلوس أو لا، الفلوس دي آخر حاجة يفكر فيها ممكن يشوفها عادي إننا واحد.
ــ يعني هو لو بخيل وهو جاي مش هيجيب الحاجات اللي بيجيبها دي كلها وانت حكمتي بنفسك.
حركت والدتها رأسها وهي تشعر بالخيبة من جواب ابنتها لتقول بتنبيه:
ــ حوار الفلوس ملهوش علاقة بالواحد والاتنين دي أصول يا بنتي إن العريس بيجيب لعروسته فستان فرحها وكتب كتابها وحتى خطوبتها وانتِ عارفة إن عوايدنا كده وعارفة برده إن الفلوس آخر حاجة أفكر فيها.
ــ الخير كتير والحمد لله، لكن الموضوع كله في الاهتمام يا ماما وإنه يفكر في كل التفاصيل اللي زي دي معنى كده إنه بيفكر فيكِ على طول ومهتم بيكِ.
ثم أكملت والدتها باستجواد وهي تعرض عليها:
ــ إيه رأيك يا بنتي أخلي باباكي يكلمهم تأجلوا الخطوبة شوية كمان بتاع أربع خمس شهور تكوني اتعرفتي عليه أكتر وعرفتِ طباعه وتشوفي نفسك إذا كنتِ هتقدري تستمري معاه على طباعه دي ولا لا؟
ــ أحسن ما تتجوزيه وتكتشفي حاجات بعد كده تندمي عليها وساعتها الطلاق مش بيبقى بالساهل وخراب البيوت مش بالساهل برده.
انقبض قلبها بشدة من عرض والدتها، فهي تعد الساعات كي تسكن أحضانه وتكون بجانبه، ويكفيها فقط أن تكون معه في مكان واحد ومغلق عليهم باب واحد، وقتها ستستطيع جعله بين يديها وستسطيع أن تجعله يفتن بها ويكون كالمسحور أمامها، وداخلها يثق من ذلك لترفض بشدة:
ــ معلش يا ماما أنا مش حابة التأجيل.
ــ وبعدين انتِ ليه مصرة إن هو مش هيريحني؟ إذا كنت بذاتي نفسي بعترف لك أهو إني مرتاحة معاه جداً ومش شايفة منه حاجة وحشة ولحد دلوقتي ما عملش لي حاجة تبين إنه مش لطيف، بلاش يا ماما نتكلم في الموضوع ده تاني.
اعتلى صدر والدتها بأنفاس عالية وداخلها خائف على صغيرتها، فربتت على ظهرها بحنو وقالت نصيحتها الأخيرة لها:
ــ أنا مش ضده خالص يا بنتي، كل اللي أنا عايزة أعرفه لك يا حنين إن الجواز مش أحضان ولا راجل ينام جنبك على السرير.
ــ لو على كده يا بنتي الحوار ما بياخدش نص ساعة ولا ساعة على بعضه من الـ 24 ساعة اللي في اليوم، فما بالك الأسبوع والشهر والسنة والعمر.
ــ هتبصي هتلاقي نفسك عايشة مع إنسان مشاعره فاترة معاكي بياخد اللي عايزه منك واللي جسمه طلبه ويقوم ويسيبك أو ينام ويبعد عنك.
ــ الجواز روح بتطبطب على روح وإيد بتسند إيد ودماغ بتفكر إزاي تسعد الطرف التاني، وخصوصاً في مشاعر الطبطبة من الراجل لمراته بتفرق معاها جداً بيشبعها اهتمام لدرجة إنه ما يخليهاش تشوف اللي حواليها أحسن منها في حاجة، زي ما أبوكِ ربنا يدي له الصحة يا رب بيعمل معايا.
ــ دايماً بيفضي وقت علشان يقعد يتكلم معايا ويسمع مني مشاكلي ويطبطب عليا لو حد زعلني.
ــ أنا بعرفك كل حاجة علشان لما تخشي المعمعة ما تقوليش انتِ ما نصحتنيش يا ماما.
ــ يا ريت تفكري في كلامي كويس، وربنا يهدي لك الحال يا بنتي ويطلع عكس ما أنا شايفة.
دب القلق في صدرها من نصائح والدتها وصارت الصراعات بين قلبها وعقلها تضرب بتفكيرها كعاصفة شديدة، ولكن لم يستطيع عقلها الانتصار على قلبها وطبت كفة ميزان القلب، لتنفض عن بالها ما قالته والدتها فهي أنثى جميلة مكتملة الأنوثة والرجل يخر صريعاً أمام أنثاه الفاتنة وستعتمد على أسلحة سحرها له في جعله كما الخاتم في إصبعها:
ــ ربنا يخليكِ ليا يا أمي وما انحرمش من نصايحك الغالية، بس ما تقلقيش عليا أنا بتكلم معاه وحاسة بالارتياح جداً لعلاقتي بيه وإن شاء الله القلق الزايد عن اللازم ده هيطلع مش في محله، ما تقلقيش عليا.
***
ــ أخيراً يا ماما خلصت امتحانات أنا مش مصدقة نفسي والله إن كابوس الثانوية العامة انتهى ومش عايزة أفكر في النتيجة خالص ولا أشغل بالي بيها.
ــ عايزة أعيش لي يومين رواق قبل ما تظهر وتنكد لا سمح الله.
احتضنتها والدتها بحب وهي تبث بها روح الأمل:
ــ حبيبة مامي أشطر كتكوت وتعبت قوي، وان شاء الله ربنا لا يضيع أجر من أحسن عملاً وبإذن الله هتجيبي المجموع اللي انتِ مستبشرة وهتفرحي وكلنا هنفرح وياكي يا روحي انتِ.
ــ استمتعي يا حبيبة قلبي واخرجي مع صاحباتك وعيشي حياتك زي ما انتِ عايزة، وأياً كانت النتيجة حتى لو كانت لا قدر الله مش زي ما انتِ بتتمني أنا مش هزعل لأن ربنا سبحانه وتعالى أقداره كلها خير.
ــ وطالما حبيبة قلبي تعبتي واجتهدتي وأنا شفت ده بعيني ما كنتيش بتنامي الليل وكنتِ ضاغطة على نفسك قوي، يبقى النتيجة النهائية ما تهمنيش قد ما انتِ ونفسيتك وراحتك يهموني.
ارتمت "ليلى" في أحضان والدتها كالمعتاد، فهي أحضانها الآمنة التي تشعر فيها بالسكينة، ثم بدأت لها بشرح خطواتها اليوم:
ــ إحنا اتفقنا أنا وأصحابي إن إحنا هنصلي المغرب وهنعدي على المدرسين والمدرسات اللي إحنا كنا بنروح عندهم ونشكرهم على تعبهم معانا.
ــ وكمان لمينا من بعض وهنجيب هدية بسيطة لكل مدرس تعبير مننا عن تعبه معانا، إيه رأيك يا ماما في الفكرة دي.
نالت تلك الفكرة استحسانها وقامت بتشجيعها وهي تجلب نقوداً من حقيبتها الموضوعة جانبها وناولتها إياها:
ــ وماله يا حبيبتي فكرة حلوة، هم فعلاً بيتعبوا معاكم ويستحقوا التقدير المعنوي بالحاجة البسيطة دي، بس ما تتأخريش وخدي فلوس أهي عشان لو احتاجتي حاجة أو جت لكم فكرة معينة تبقى معاكي.
أشاحت النقود بيدها بأدب لتعلل رفضها في استلامها:
ــ لا يا مامي أنا معايا فلوس، بابا كان بيديني مصروف بزيادة وكمان عايزة أجيب كل حاجة من مصروف خاص علشان أحس إني عملت حاجة حلوة فعلاً.
أخفضت بصرها للأسفل ثم نطقت بنبرة خجلة وهي تسألها:
ــ طب هم هيروحوا للمستر زيد أروح معاهم ولا مش مشكلة هو؟
تنفست والدتها بعمق وهي تجيبها:
ــ وليه ما تروحيش معاهم يا ماما! وتلفتِ الانتباه ليكي إن اشمعنا ده اللي ما رحتيش معاهم، تقدريه زي بقية المدرسين وخصوصاً إن مادته صعبة ويستحق زيهم بالظبط.
ــ روحي وتعاملِ طبيعي جداً ولا أي حاجة.
ابتسمت لها بفخر لنصائحها ثم تحركت "ليلى" إلى غرفتها كي ترتدي ملابسها وتؤدي فريضة المغرب ثم تؤدي رحلتها القصيرة على معلميها مع أصدقائها المقربين لديها.
بعد مرور ما يقارب من ساعة ونصف كانوا انتهوا من الذهاب إلى معلميهم ولم يتبق سوى زيد الذي علم بمجيئهم، فهم كانوا يقومون بالاستئذان منهم قبل الذهاب إليهم واستقبلوهم بترحاب في منزلهم الخاص كضيوف وليسوا تلاميذ.
كان ذاك الزيد متأهب لقدومهم وقد أخبر والدته عن قدومهم وأن تصنع لهم من الحلوى ما لذ وطاب، ولما لا فليلته معهم وقد حدث والدته عنها وجلب صورة لها أخذها لها على حين غرة كي تواسي قلبه الهائم عندما يشعر بالوحشة لها، وطلب منها أن تفتعل أي شيء كي تتحدث معها على انفراد بعيداً عن صديقاتها كي ينفرد بها ويحكي ما يريد قلبه أن يلقيه على مسامعها، فهو قد نفذ وعده مع والدتها وتركها ولم يتعرض لها وبداخله كان يغلي من الاشتياق لها كالبركان الذي أصبح الآن على وشك الانهيار لو لم يقل لها ما يريده.
أما عنها فلسوء حظها أنها هي التي ستقدم الهدية لزيد، فجميعهن قد قدموا لمعلميهم وهذا دورها.
دلفوا جميعاً ببسمة وطلة بهية، فجميعهن حسناوات يهتمون بمظهرهن، لكن كانت "ليلى" بينهن مثل النجوم بنورها البهي على سائر الكواكب، كانت نجمة ساطعة أوسطهن بزيها الزهري المحتشم ويعتليه حجاب أبيض يغطي بعد صدرها كما قال كتابنا الكريم "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ".. ما هي "الجيوب"؟ يقصد بها الصدور التي تغطى بالخمار ابتداءً من الرأس.
ما إن دلفت شقته التي يعيش فيها حتى دق ذاك القابع بين أضلعها وصار يخفق بشدة ولم تعرف ما سبب تلك الدقات، لتغمض عينيها في لحظة أشعرتها بالغرابة من حالها وهي تضع يدها موضع قلبها كأنها بتلك الحركة تحاول تهدئة ثورته عليها.
كان هو متصنماً بنظرته عليها ورآها وهي تغمض عينيها وتضع يدها على قلبها، فأراد في تلك اللحظة أن يهرول إليها ويسحبها داخل صدره ويسحق عظامها بين يديه من شدة اشتياقه لها، فلم يراها منذ أسبوع وقلبه ذاق من اللوعة في اشتياقها ما يكفي ويفيض.
حاولت تهدئة حالها بقدر المستطاع حينما استمعت إلى صوت والدته ترحب بهم حتى وقفت أمامها تسلم عليها مثلهن وهي تردد لها ببشاشة:
ــ بسم الله تبارك الله حجابك جميل قوي والطقم اللي انتِ لابساه شياكة ومحتشم، بعد ما تخلصوا مع المستر انتِ وزميلاتك هما يمشوا وتقعدي معايا ربع ساعة بس لو ما كانش يزعجك يا قمر أشوف بتجيبي اللبس القمر ده منين وتعلميني لفة الحجاب بتاعتك علشان صاحباتي في المدرسة بيجوا مظبطين الحجاب بتاعهم زيك كده وأنا ببقى وسطهم لخمة خالص ونفسي أبقى زيهم وانتِ بقى الوحيدة اللي شفتك قدامي دلوقتي.
ــ ممكن تعلميني واوعي تقولي لي مش فاضية زيهم طلب صغنون اعتبريني زي والدتك، تمام!
ابتسمت بخجل لتلك السيدة البشوشة وهي توافق بتوتر:
ــ مع إني قايلة لماما إني مش هتأخر بس من عيني يا طنط هعمل لحضرتك اللي انتِ عايزاه.
ربتت على كتفها بحنو وهي تشكرها بامتنان:
ــ تمام يا لولا زي ما صاحباتك ما بيقولوا لك أنا كمان أعتبريني بقيت صاحبتك وإن شاء الله مش هأخرك خالص عن مامتك.
ثم نظرت إلى باقي الفتيات وقامت بالترحاب بهن:
ــ منورين يا بنات وإن شاء الله النتيجة تطلع مرضية وربنا يفرح قلوبكم كلكم.
ــ يلا مدوا أيديكم واشربوا الساقع والجاتوه اللي أنا عاملاه بإيدي حكم أنا بحب عمايل الحاجة في البيت بيبقى ليها طعم تاني.
شكرها الفتيات بخجل وتناولوا بذوق صنع يدها، وكان هو واقف متسمراً ينظر عليها لا يرى في المكان غيرها.
وأخيراً أتت اللحظة المنتظرة لقاء العيون والجسد أمام الجسد وخطت إليه بخطوات خجولة كي تقدم له هديتها، وبعدما هدأ قلبها عاد لثورته مرة أخرى وجسدها أصبح كالهلام، مفكك من أثر اقترابها منه حتى وصلت أخيراً إليه ومدت يدها وهي ترتعش بسيطاً.
كان يقف أمامها ينظر في عينيها يتشبع لرؤية ملامحها، يداه تتمسك بهديتها، نسي الجميع من حولهم، فقط عيناه ترتكز على جميع ملامح وجهها لتتحدث عيناه بدلاً عنها:
ــ آااه ليلتي لو تبقين أمامي نفساً بنفس وجسداً بجسد وتمهلين مغرمٍ بهواكِ فرصة واحدة، أعدك حينها أنكِ لن تستطيعين الصمود بعدها أبداً.
ــ هل تعرفين من أنتِ ليلتي لزيد؟
ــ أنتِ النفس الذي يتنفسه زيد، شفاء جروح قلبه على يدكِ ليلى، أنتِ ملاذ الروح، المكان الذي أجد فيه نفسي.
ــ أنتِ حولتِ الشخص الذي يرتكب آثام إلى ناسكٍ متعبدٍ وهواكِ الآن له خير ملجأٍ ليلتي.
ــ فأنتِ دفئي الآمن في ليلة شتائي وبابتعادك ليلى سيسقط زيد فقد أصبحت أعيش بقلبٍ واحد بعدما تفرق قلبي على الكثير من حواء فلا تتركيني أتجلد بعد أن أصبحتِ منزلي الدافئ ليلتي.
فاق من هيامه بها وهو يتناول هديتها ونظر خلفه وجد والدته تشغل الفتيات معها بحديثها ولم ترتكز إحداهن معهم، فاستغلها فرصة ليتحدث عما يجيش به صدره من مشاعر موقدة لوحشتها:
ــ ياااه يا ليلى وحشتيني قوووي، قووووي، قووووي، وحشني صوتك، وملامحك، وضحكتك.
ــ أسبوع واحد بس مش شفتكيش فيه دمرني وخلاني مكتئب ومش طايق نفسي.
ــ اعترفي بقي إني وحشتك يا ليلى.
دقات قلبها لم ترحمها ولم تصمت أمام جيش قلب ذاك الزيد وعيناه، حاربها بكل قوته، بنظراته، بهمساته، بطلته المختلفة اليوم أمامها، فكان وسيماً، ناهيك عن رائحته التي عبئت رئتيها وكأنه كان ناثراً عطره بسخاء كي يواجهها بجميع أسلحته التي فتكت بمشاعرها البريئة.
لاااا زيد ارحم قلبي المسكين فلم يستطع مجابهتك، لم يملك من القوة ما يكفيه لمبارزة جيشك، ضعيف وفي الهوى كفيف ولم يبصر على العشق قبل ذاك ورايتي لن أسلمها لك الآن وليس لدي قوة للاستسلام إليك، فلا تأخذني أسيرة هواك المتيم فلم أعد جاهزة الآن زيد.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وهي تسحب يدها بعد أن أجبرته على أخذ هديتها وهي تردد بصوت:
ــ بلاش طريقة الكلام دي لو سمحت يا مستر.
ترجاها بعينيه أن لا ترد باب عشقه ليهتف بلوعة أصابت جسدها وقلبها برجفة:
ــ يا شيخة انتِ بقي حرام عليكِ المستر تعب وأعصابه تعبته وقلبه خلاص مبقاش متحمل عنادك.
ــ أرجوكِ بقي اديني فرصة ما أنا متعلق وماسك ومتبت فيكِ ولا مفر يا ليلى.
عاندته بقوة فلن تضعف ولن تستكين وداخلها مصمم على أن يختار مرساة آمنة بعد أن يتيقن قلبها ويطمئن وعلى من سيستقر:
ــ تمام بلاش مستر، فيه مفر يا زيد وخلاص مش هشوفك تاني ولا هتعرف تشوفني تاني علشان تحاصرني والبلوكات معمولة والمنصات وخلصت والدروس وانتهت وخلاص هتنساني إجباري وترجع لقلبك اللي انت فاتحه مساكن شعبية لكل واحدة تسكنه شوية وتمشي.
ــ أما أنا قلبي واحد ما يسكنهوش غير واحد ما سكنش قلبه حد غيري.
أصبح الآن من شدة غضبه منها كمن تمسك بفحم ساخن ويريد رميه بها كي تجرب نيرانه الموقدة الآن بفضل كلماتها كي يحترقان معا وعينيه تحدثها:
ــ أنا حزين، ومجروح، وغاضب، ومجنون، وخائب الأمل، لكن أتعلمين ماذا؟ سأضع ابتسامة وأمضي قدمًا، سيؤلمني ذلك، لكنني سأنجو في النهاية بكِ ليلى.
لينطق متحدياً إياها وهو يقسم بعشقه أمامه بما جعل جميع جسدها الآن يتفكك من قسمه ولو كان الأمر بيدها لقطعت كل تحديها وعنادها وارتمت بين يديه بصدر رحب، ثم نطق قسمه بشموخ واثق في هواه العليل بها:
يتبع…..
رواية مشاعر موقدة الفصل التاسع 9 - بقلم فاطيما يوسف
رواية مشاعر موقدة الفصل التاسع 9 - بقلم فاطيما يوسف
أصبح الآن من شدة غضبه منها كمن تمسك بفحم ساخن ويريد رميه بها كي تجرب نيـ.ـرانه الموقدة الآن بفضل كلماتها كي يحـ.ـترقان معا وعينيه تحدثها :
ــ أنا حزين، ومجروح، وغاضب، ومجنون، وخائب الأمل، لكن أتعلمين ماذا؟ سأضع ابتسامة وأمضي قدمًا، سيؤلمني ذلك، لكنني سأنجو في النهاية بكِ ليلى لينطق متحدياً إياها وهو يقسم بعشقه أمامه بما جعل جميع جسـ.ـدها الآن تفكك من قسمه ولو كان الأمر بيدها لقـ.ـطعت كل تحديها وعنادها وارتمت بين يديه بصدر رحب ثم نطق قسمه بشموخ واثق في هواه العليل بها :
ــ والله يا ليلى ما هتكوني غير ليا ، انتِ ازاي أصلاً قادرة تقفي قدامي وتتحديني وتعاندي قلبك اللي أنا سامع دقاته من وانتِ واقفة هناك ودلوقتي هاين عليه ينط من بين ضلوعك ويسكن بين ضلوعي وهو مرحب كمان .
تجمدت مكانها في لحظة صمت بينهم وهي لم تستطيع مجابهة حصاره فما زالت صغيرة على مجاراة عاشق متمرس لقوانين الهوى فتحركت خطوة من أمامه وما زالت تتحداه :
ــ عادي ولو حتى قلبي بيدق ده شئ طبيعي جداً علشان كلامك ليا ونظراتك وطريقتك المتملكة في الكلام اللي بتحاول تأسر بيها مشاعري ده عادي جداً لأن أول مرة أسمع الكلام ده فطبيعي إني لازم أحس بكدة لكن أنا حتة العقل عندي وتحكمه في فكري أقوى من مشاعري ودقات قلبي اللي انت سامعها ،
وأكملت بنظرة شامخة وثقة :
ــ قلت لك قبل كدة أنا معادلة صعبة محتاجة بروفيسور علشان يفكها وانت مكشوف قدامي وأنا مش هوائية بعرف أعمل على قلبي كنترول ولمشاعرى استوب .
كان داخله يغـ.ـلي نيـ.ـراناً مشـ.ـتعلة من تحديها الصارم له فلم تفعلها فتاة قط قبلها فجميعهن كانوا يخرون أمامه باستسلام من نظرة واحدة أما هي مختلفة ، شرسة ،عنيدة ليناطرها بتحدي :
ــ طب طالما عاملة نفسك هيرو وتقدري تصدي وفاتحة صدرك قوووي وبتعاندي ،فكي البلوكات اللي انتِ عاملاها وسيبي نفسك ومشاعرك وواجهيني بشرف ومتهربيش ولا تنسحبي ووريني قوتك هتقدري تلعبي بمهارة وتسدي قصادي ولا لا طالما انتِ ليفل الثقة عندك جرئ قوووي كدة .
حركت رأسها بتحدي لتقول برفض :
ــ وأنا أوجع دماغي ليه وأدخل معارك ما شيل ده من ده يرتاح ده عن ده وأخليني في سلامي النفسي اللي محاوطني أخلق حـ.ـرب لنفسي ليه .
جز على أسنانه غاضـ.ـباً من عنادها وكاد أن يرد عليها إلا أن زميلاتها نادوا عليها لأجل أن يغادرون مما جعله استدار بجسـ.ـده وهو يعتصر قبضة يديه بالأخري بغيظ عارم :
ــ يالا يا ليلى علشان نمشي اتأخرنا قوووي .
نظر “زيد” إلى والدته يستنجد بها أن لا يجعلها تغادر قبل أن يشبع منها فهو لن يستطيع رؤيتها بعد ذلك فاتكئت بعينيها وكأنها لا تريد فعل ذلك ولكن عبث ولدها وحيرته وتيقنها أنه الآن أمام عشق حقيقي وهي ستتمسك به قبله لأنها تريد استقراره حقاً وأن تفرح به فهو ابنها البكري ومناها أن تراه مستقراً ،
ثم اصطنعت الحزن على ملامحها وهي تنادي “ليلى” التي كادت أن تخرج مع صديقاتها ونست أمرها :
ــ بقى كده يا لولو هتمشي وتسيبيني من قبل ما تعلميني لفة الطرحة زي ما اتفقت معاكي انا كدة زعلانة ، ولا علشان انا ما ليش بنات مش هتعتبريني زي ماما ؟!
تراجعت “ليلى” بخطواتها وهي تعتذر لها :
ــ يا خبر يا طنط ما اقصدش والله انا اتلخمت مع أصحابي معلش أنا آسفة جداً إني نسيت اللي اتفقت عليه معايا .
تبسمت ببشاشة لتلك الخلوقة والمرباة بعناية بدت من ذوقها لتنظر إلى الفتيات معتذرة لهم بذوق :
ــ خلاص يا بنات سيبوها معايا شويه ولو حكمت هبقى اخرج انا اوصلها ونورتونا قوي وتسلم ايديكم على الهديه الجميله دي ،
ابتسمن لها الفتيات ثم خرجوا وتركوها بناءً على رغبتها في عدم الإعتراض ثم نظرت والدة “زيد” إليها وهي تجذبها من يدها كي تجعلها تجلس على الأريكة :
ــ ولا اعتذار ولا حاجة حبيبتي أنا هدخل أجيب الطرح بتاعتي من جوة وراجعة لك على طول مش هتأخر عنك على ما تاكلي الجاتوه زي صاحباتك لأنك ما دوقتيش حاجة من ساعة ما دخلتي عندنا ولازم تدوقي عمايل ايدي.
ناولتها الطبق بيدها فأخذته منها بخجل ثم وضعته أمامها و جلست تعبث بهاتفها أمام ذاك الـ”زيد” دون أن تعتريه أدنى اهتمام ليقف أمامها بطوله الفاره وهو يربع ساعديه أمام صدره ويستند على الحائط وينظر إلى ملامحها بتعمق أخجلها وهي تشعر بنظراته المنصبة عليها ليعترف لها بما صدمها وجعلها تنظر اليه بدهشة :
ــ في حاجة انتِ ما تعرفيهاش وعلشان انا اعتبرتك حبيبتي اللي ما ينفعش اخبي عنها أي حاجة أنا هدي محاضرات في كلية الصيدلة جامعة المنصورة من بداية السنة هم حاولوا معايا كذا مرة وطلبوني كتير وانا كنت ممانع لكن وافقت المفروض تقولي لي مبروك هبقى الدكتور زيد فهمي رسم نظمي.
نظرت إليه وفمها نطق بذهول:
ــ معيد في كلية الصيدلة ازاي ده يحصل ؟!
اقترب منها وجلس على الكرسي الأقرب لها مجيباً إياها بثقة :
ــ وليه لا هو انتِ ما تعرفيش ان انا اللي رفضت أبقى معيد في كلية العلوم وقررت ان انا أمارس مهنة التدريس الخاص بيا وكان في دماغي حوار المنصات لأني شايف نفسي أستاهل نجاح أكبر من مجرد وظيفة والماجستير أنا حصلت عليه والدكتوراة انا بحضر فيها يعني لقب دكتور كدة كدة مضمون معايا ،
وناسية برده ان انا اخدت شهادة أفضل كيميائي السنة دي على مستوى جمهورية مصر العربية واتكرمت في جامعة القاهرة فطبيعي عرض زي ده لازم يجي لي من كل الجامعات وأنا أرفض أو أوافق ؟!
ثم أكمل وهو ينظر في عينيها بتحدي قاصداً إرباكها كي يجعلها ترى نجاحه مثلما ترى لهوه :
ــ ايه اللي انتِ مستغرباه هو علشان انتِ شايفاني بتاع بنات يبقى انا فاشل وما انفعش أبقى ناجح في مهنتي بل و عبقري ؟!
شيلي بس من قلبك الجدران اللي انتِ محوطاه بيها علشان ما يشوفنيش إنسان كويس وزي ما بصيتي للحاجة اللي اي شاب بيعملها ومن وجهة نظرك أوحش حاجة فيا بصي للحاجات الحلوة الكتير اللي فيا وأولهم نجاحي اللي مفيش شاب من اللي انتِ حاطة مواصفاته في دماغك يقدر يحقق ربع النجاح اللي انا حققته .
بنفس نظرة التحدي وبنبرة قوية وردٍ يبدوا عليه الدهاء وأنه لن يخرج من فتاة في مرحلة المراهقة بل امرأة دارت في الدنيا كثيراً مما جعله شعر باليأس لأول مرة :
ــ أنا لما أفكر اتجوز في يوم من الأيام مش هفكر اتجوز شهادات متعلقة على الحيطة ولا جسم طول بعرض وشيك وأنيق ولا إنسان ناجح في شغله ومفيش حد وصل للمستوى اللي هو وصله بالسرعة دي لأن ببساطة المظهر والتعليم حاجات ممكن الإنسان يكتسبها مع الوقت انت فاهم غلط أنا لما آجي أتجوز ممكن ربنا يبعت لي نصيبي مع واحد موظف عادي جداً لكن حياته كلها إزاي يبني نفسه وهو بيتقي ربنا وحتى لو كان له تجارب بتبقى على الهامش مش واحد غمز ولمز و مكالمات ما تصحش بالفيديو وغيره وألفاظ بتخرج من لسانه قذرة ما تفكرش ان انا ما اعرفش لعلمك بقى كتير من مكالماتك البنات كانوا بيوروها لبعض وهم مسجلينها معاك وشفت طريقة كلامك وشفت كل حاجة انت بتقولها من بعيد لبعيد ،
تفتكر واحدة زيي شافت الحاجات دي هتبص لك ازاي بعد كده ؟!
هتآمن لك ازاي بعد كدة ؟!
معلش يعني يا دكتور زيد مش يا مستر العنوان غلط .
جز على أسنانه غاضباً ليسألها ساخراً من تفكيرها :
ــ والله ! هو علشان شفتي طريقة كلامي مع البنات اللي انتِ بتتكلمي عنهم يبقى اللي انتِ مستنياه يبقى الفارس اللي هيخـ.ـطفك على الحصان ما عملش كده وما تكلمش كدة ؟!
فوقي يا ماما أغلب الشباب كدة دلوقتي بيتكلموا مع البنات عادي وبأريحية جداً هتعرفي إزاي تفرقي ما بين اللي بيتكلم كده واللي مش بيتكلم انتِ موهومة ؟
قامت من مكانها وهي تجيبه بثقة أربكته :
ــ مين قال كدة !
عندك اخويا متربي ومحترم وعمره ما بيعمل كده وطالما فيه واحد زي أخويا يبقى اكيد فيه مليون زيه وزي ما في بنات بيتكلموا معاك بالأسلوب الوقح ده في برده مليون بنت زيي يرفضوا مليون ناجح زيك ،
عن إذنك ابقي اعتذر لوالدتك علشان شكلها هتتأخر وانا ما ينفعش اقعد تاني أكتر من كدة .
لقد أصيب بالدهشة منها حين رأى الكُره في عينيها واعتقد أنه لا يستطيع أن يكون كذلك إلى أن صُفِعت من الحياة وأخذتني أمواجها وبدأت تتلاعب بي حينها أدركت سذاجتي وأدركت أنّ العالم الوردي الذي كنت أعيشه لم يكن إلا خيالاً صنعته لنفسي ،
فخيبة الأمل أن أُسكنك عيني، فيصيبني الرمد بعها وتذهبي، أن أسكنك روحي فتحـ.ـرقيها بلهيب جحودك وترحلين، أن أسكنك قلبي فتركلين القلب بكل قسوة وتمضين ،
فمن الذي علمك كل هذا الجفاء؟!
خيبة الأمل مُؤلمة حين تشبعنا حد الوجع، حد الانتهاء من كل شيء لا نحتاج إلا أن نسمع له، نسمع صوت ذلك الذي سبب حُقنة الألم داخلنا، صوته ما زال يَدوي لأنك لن تنسى ،
كانت تلك الحالة التي اعترته وأصبح جالساً وهو يضع يده على وجهه يمسح عليه بحزن وكأن الوجع أقسم على أن يكون له وحده ،
دلفت إليه والدته بعدما رأت “ليلى” قد خرجت وجدت الحزن يخيم ملامحه فجلست بجانبه وهي تربت على ظهره :
ــ أنا سمعت كل كلامها يا زيد وبصراحة البنت عجبتني قووي ، محترمة احترام مشفتش زيه ، ياما قلت لك يابني بلاش حواراتك مع البنات دي ، ياما حذرتك وقلت لك ربنا يمهل ولا يهمل واستقيم وبكرة هتلاقي نصك التاني اللي تقول لها كل كلامك الحلو وتفرغ معاها مشاعرك اللي بتحسها مع كل البنات وإن واحدة بس تكفي وبيهم كلهم ،
ثم أكملت وهي تذكره بما كان سيقوله حينها :
ــ فاكر كنت تقول لي ايه ؟
كنت تقول لي اللي بيحبوني كتير واللي قلبي هيحبها مجرد ما أشاور لها هتكون ملك ايديا ،
وكنت غافل عن أقدار ربنا وتدابيره في خلقه إنه يخليك تتعلق قوووي وتعشق وتحب وتدوب ومتطولش ، تجرب مشاعر قايدة جواك والوحيدة اللي هتبردها مش هترضى .
ابتلع غصة آلامه حينما وقع نظره في أرجاء المكان وكأن أحدهم غـ.ـرزه بسـ.ـكين حاد في قلبه ليجيب والدته :
ــ انتِ يا ماما بتزوديها عليا اللي حصل حصل واللي كان كان أنا دلوقتي في أمر واقع ومش عارف أتصرف ازاي ؟!
ثم سحب نفساً عميقاً ثم زفره على مهل وهو يحاول السيطرة على نيران صدره المولــ.ــعة وهو يكمل بلوعة :
ــ بحبها يا أمي لا كلمة بحبها شوية أنا بعشقها قلبي مـ.ـولع نـ.ـار بسببها بنام وبقوم وبحلم بصورتها ،
صوتها بالنسبة لي أمان واحتواء ، مجرد ما بتبعد قلبي بيتقبض وبحس إني وحيد تايه وهي دليلي ، بتعـ.ـذبني برفضها ، بتقـ.ـهرني وهي بتصدني بحس ان هي عقاب هو انا هفضل كده على طول ؟!
حاولت أتغير وما بقيتش اتكلم مع بنات وعملت لهم كلهم حظر وما بقتش أخرج غير مع أصحابي وللأسف هي شايفاني بنفس الصورة اللي اترسمت في خيالها عني وعمرها ما هتتغير وأنا عمري ما هبطل احبها وكل لما بترفضني أكتر وتعند كل أما قلبي يعند أكتر معايا ويتمسك بيها وما يشوفش غيرها أنا بقيت مريض بــليلى يا أمي ومليش علاج غيرها ، معندكيش دوا يا امي لابنك علشان ينساها ويطلعها من تفكيره ؟
أخذته والدته بين أحضانه وهي تحنو عليه وتحاول التخفيف عنه لتقول باستجواد علَّه يستريح :
ــ شوف يا حبيبي انت عملت اللي عليك وانت المفروض ما تتغيرش عشان خاطر الناس المفروض انك تتغير للأحسن علشان رب الناس ،
في حكمة انا حافظاها من وانا طفلة صغيرة لو طبقتها عليك هتستريح
“إذا أردت شيئاً بشدة فأطلق صراحه فإن عاد إليك فهو ملك لك وإن لم يعد إليك فهو ليس ملكٌ لك من البداية ”
يعني سيبها ولو هي نصيبها معاك ربنا هيسخرها لك ،
إنت عملت اللي عليك ولو ملكش نصيب معاها يبقى دي مش نصيبك وجايز ربنا عمل كده معاك وخلاك تحب وتتعلق علشان تستقيم وتعرف إن مش كل حاجة الإنسان بياخدها فهلوة لازم يكون في ردع لنفسك و لتصرفاتك وخوف من ربنا لازم تستقيم يا زيد وتعرف ان النجاح مش بس شهرة وفلوس وإن عملك يبقى ناجح ؛ لا يا ابني النجاح إنك تكون بينك وبين ربك عمار في كل تصرفاتك هو ده النجاح الحقيقي اللي بيخلينا نعيش الدنيا مطمنين ونروح لربنا في الآخرة بنفس راضية مرضية .
ــ يعني إيه يا ماما يعني انتِ بتطلبي مني أنساها طب اعملها ازاي دي ؟! .. قالها بصوته العميق وبنبرة جافة كأنها صفعة لقلبه المسكين ليكمل بإرهاق لمشاعره الموقدة :
ــ ولا قلبي هيقدر ينساها وما يفكرش فيها ولا عقلي وكل كياني قادر يبعد عنها وشكل كل حاجة هتقف عندها هي بس مش غيرها .
تعلموا الحب أولا ثم اصنعوا له عيدا، إن نزار قباني حين قال إن الحب ليس رواية شرقية في ختامها يتزوج الأبطال كان شديد الصدق والعمق فالحب مفهوم أعظم وأسمى من أن نختصره في علاقات ثنائية إنه الحياة، من المخجل أن نختصر الحب في يوم واحد، الحب أعظم وأكبر وأسمى من يختصر في يوم ولا في مشاعر مؤقتة، يجب علينا أن نفهم قداسة الحب وأن الحب أن أكتفي بك.
##################
في ذاك المطعم يجلس كل من “زيد” الذي يبدو على وجهه الاكتئاب و “هاشم” حيث يتنهد “زيد” قائلاً بنبرة حائرة :
ــ تعرف يا هاشم أنا بحسدك ان انت ما حبتش لحد دلوقتي وقادر تتحكم في مشاعرك الحب ده طلع بهدلة و خصوصاً لما تحب وما تطولش .
نظر له “هاشم” بنصف عين ثم سأله بشك :
ــ مالك يا عم انت شكلك مقريف وحالتك كرب وجاي هنا تقرفني معاك وانا مش ناقص هي الأستاذة حضرة الأبلة نظيرة لسة كارفة لك ؟!
تنفس صدره بأنفاس عالية وهو يشعر بالوجع ينبض داخله بشدة :
ــ دي كارفالي كارفة مهببة ومش شايفاني خالص لا وكمان حطاني في صورة الصايعين بتوع البنات اللي ما لهمش أول من آخر ومهما أحاول معاها وأجيبها يمين وأجيبها شمال وأحاول أأثر على مشاعرها ولا حياة لمن تنادي البنت بصالي من منطقة تانية ومش عارف أصلح لها تفكيرها خالص صواميل دماغها متربسة على الآخر .
تحدث “هاشم” بنبرة مندهشة :
ــ انت ليه محسسني انك بتتكلم على غسالة ولا تلاجة !
ايه يا ابني ما تصلح مفاهيمك دي شوية يمكن تشوفك إنسان طبيعي .
أشاح بيديه في الهواء بلا مبالاة فهو قد فقد الأمل :
ــ يا عم ما بقتش فارقة كبر دماغك ،
طمني انت عليك عامل ايه مع خطيبتك اوعى تكون مصدر لها التقل الشديد عن اللازم تقوم تفر منك وأمك ترجع تزن على راسك تاني ؟
أجابه مختصراً فــ”هاشم” لا يحبذ أن يتكلم مع أصدقائه على من تخصه :
ــ ولا تقل ولا حاجة اهي ماشية الحمد لله آمال فين يحيى ما جاش يعني لحد دلوقتي؟
تذكر أمره وما يحاوطه من مصائب ليجيبه :
ــ يا عم اسكت ده حالته كرب وقع في بلوة ما يعلم بها إلا ربنا بنت خالته اللي كان بيتكلم عنها ان هو حاسس من ناحيتها بإعجاب قبل ما يروح الجيش ورجع لقاها اتجوزت جوزها يا سيدي ضـ.ـربها علقة موت وسحلها ويحيى كان رايح مع خالته وقتها واتخـ.ـانق معايا والتاني عمل له قضية اعتداء وسمعت ان جوزها الخ…ل رافع عليها قضية شرف وبيسبها في يحيى والعملية ملعبكة خالص معاه وحالتهم ما يعلم بها إلا ربنا وطبعاً الأستاذ جاي له اكتئاب وكل لما اكلمه يقول لي سيبني في حالي أنا مش فاضي لقعدات ولا رايق .
ضـ.ـرب “هاشم” كفا بكف لينطق بسخرية:
ــ يا نهار ابيض هي الدنيا جرى فيها ايه يا جدعان كله بقي بياكل في كله ، منك لله انت ويحيى صدعتوني بقرفكم ده جزاء حنين قالت لي تعالى أخرج معايا علشان تنقي فستان كتب الكتاب وأنا رفضت وقلت لها عندي معاد مع أصحابي ومينفعش مروحش وأصحابي عيال نكد وحاجة أخر وجع دماغ .
استنكر عليه تلك الفعلة لينطق بذهول :
ــ أه يا فقري في حد يطول يخرج مع المزة بتاعته ويقضي وقت معاها ويرفض ! والله انت عيل وش فقر ،
ثم أكمل متسائلاً إياه:
ــ طب يا ترى اديتها فلوس علشان تشتري الفستان ولا انت في البلالا يا شيف ؟
حرك رأسه برفض :
ــ لا مديتهاش وهي مجابتش سيرة وأنا مبهفمش ولا أعرف الحوارات دي .
اتسعت مقلتاي “زيد” ونطق معـ.ـنفاً إياه:
ــ أه يا غشيم ، انت ازاي متاخدش بالك من حاجة زي دي ! ده زمان حماتك واخواتها ملهمش إلا سيرتك وانك بخيل وانك مش بتهتم وزمانهم بردو بيلعبوا في دماغ خطيبتك انك مش مظبوط .
رفع الآخر حاجبه باندهاش :
ــ ليه ده كله يعني ما انت عارف انا أول مرة أخطب ومش واخد بالي ولا أعرف الحاجات دي ، وفيها ايه يعني لما تلمح لي هي بحاجة زي دي !
لكزه “زيد” في كتفه لينهره بحدة :
ــ ماهي لمحت لك بالذوق انك تنزل معاها وانت غشيم ومبتفهمش ، انت عايزها تيجي تقول لك هات فلوس علشان أشتري الدريس ؟!
واسترسل نهره وهو يأمره :
ــ والله انت عيل أهبل ، اتفضل ابعت لها مبلغ محترم على الكاش وقول لها كلمتين حلوين بعد التحويل .
استمع إلى نصيحته وأخرج هاتفه وبدأ بتحويل مبلغ عشرة آلاف جنيهاً ثم أتته رسالة التحويل فأرسلها إليها مدوناً أسفلها :
ــ حنيني ، بعت لك المبلغ البسيط ده علشان تجيبي اللي نفسك فيه ومعلش اني مخرجتش معاكِ علشان تنقي براحتك مع صاحباتك .
ثم عاد يندمج في الحديث مع “زيد ” وقاموا بمهاتفة “يحيى” كي يطمئنوا عليه ،
أما هي كانت تقف في نفس المطعم المتواجد به “هاشم” بمحض الصدفة هي وصديقتيها لتتفاجئ بقدوم رسالته وتتسع مقلتيها ويدق قلبها بعـ.ـنف داخلها فهو قد تذكرها ولم ينساها فهي قد وضعت كلام والدتها نصب عينيها وشغلها كثيراً وها هو ينتشلها من ذاك التفكير لتحتضن هاتفها بسعادة ثم أرسلت إليه رسالة شكر وامتنان :
ــ مرسي لذوقك يا هاشم ، ليه تعبت نفسك أنا معايا فلوس وبابا اداني بزيادة ، أنا كنت عايزاك انت تخرج معايا وانا بنقي فستان كتب كتابنا .
وفي نفس المكان كان يوجد شابان يجلسون على طاولة يتناولون الطعام بجانب طاولة “هاشم” و “زيد” وتحدث أحدهم :
ــ شايف المزة اللي هناك أم عيون لبني دي لابسة طقم شياكة ورقبتها باينة لؤلؤ ياض لؤلؤ ولا كأنها واقفة في شارع باريس مش من مصر .
التفت الشاب الآخر لنفس مكان عينيه ورآها ليعـ.ـض على شفتيها السفلى وهو يغمز لها بوقاحة:
ــ شايفها يا عم شايفها دي فورتيكة ياض ، بص لما يخلصوا طلباتهم نروح ننكشهم ونقعد معاهم ونتعرف من بعيد لبعيد يمكن السنارة تغمز .
إلى هنا التفت كلاً من “هاشم” و “زيد” تلقائياً إلى تلك الفتاتان وهم قد استمعوا إلى كلامهم الوقح لينصدم كلتاهما فلم تكن تلك المقصودة والتي تلتهمها عيناي هؤلاء الأوغاد فقد كانت ترتدي بنطالاً ضيق باللون الأسود ويلتصق بساقيها الرفيعتين وهيكول أسود لنفس اللون ويعتليهم جاكت ثقيل باللون الأحمر يصل أعلى ركبتيها بكثير ويزين رأسها كوفية فقط كحجاب “أيس كاب” باللون الأسود ورقبتها البيضاء ظاهرة ووجهها مزين بتجميل بسيط عدا شفتيها مزينة باللون الأحمر فكانت حقاً ساحرة مبهرة لينطق “زيد” بذهول :
ــ ولا مش دي خطيبتك اللي احنا شفناها في صور خطوبتكم ولا أنا بيجي لي تهيؤات وبشبه غلط ؟!
اعتصر “هاشم” قبضة يده والأخرى ضـ.ـرب بها على المنضدة بعـ.ـنف وهو يجز على أسنانه غاضباً ليقوم من مكانه وهرول إلى هذين الشابين وعلى حين غرة ودون تفكير باغتهم بلكمات في وجههم وهم لا يفهمون شيئاً فكيف له أن يتعرض لهم بتلك الهوجاء ليقوموا من مكانهم وقبل أن يهاجموه قفز “زيد” وحماه من ظهره ليصيح بهم “هاشم ” بانفعال:
ــ ده أنا هخـ.ـزق لك عينك اللي انت بصيت بيها على اللي مش ليك يا حيلتها وهقـ.ـطع لك لسانك بعون الله النهاردة.
فهما ما يقصدانه وانقلب المكان بالضوضاء و التم جميع من بالمطعم حولهم ومن ضمنهم “حنين” التي وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها عندما وجدت “هاشم ” هو مفتعل تلك الضجة الكبيرة ، فحاولت الاقتراب منه كي تنهاه عن المشاجرة إلا أن صديقتها منعتها :
ــ اقعدي هنا رايحة فين ، انتِ هتدخلي في وسط الخناقة اللي مليانة شباب ده كدة هيطين عيشتك أكتر .
حاولت جذب يدها عافية وهي تصيح بها :
ــ يابنتي سيبي ايدي انتِ مش شايفة الخناقة اشتدت وضـ.ـرب مووت ، سيبي ايدي خليني اروح اشوف في ايه ؟
تمسكت بها بشده وهي تنهاها :
ــ يا بنتي اصبري الدنيا انفضت اهي وصاحبه معاه ما ينفعش تدخلي في وسط الشباب اهدي بقى يا ماما .
انفضت الأجواء المشتـ.ـعلة من قبل أصحاب المطعم وسيطروا على الموقف وأبعدوهم عن بعضهم وفضوا الاشتباك لينظر “هاشم ” إلى “زيد” آمراً إياه:
ــ شوف الخسائر اللي حصلت مع إدارة المطعم و حاسب عليها انا هاخدها و ماشي .
حرك “زيد” رأسه بموافقة وانطلق “هاشم” بخطوات غاضبة يقف أمامها ثم سحبها من كف يدها بغـ.ـضب جامح وهي لم تفهم شيء من غضبه الشديد ذاك لتهتف باعتراض على طريقته معها :
ــ هو في ايه ازاي تشدني بالطريقة دي قدام الناس !
طب ما تنادي عليا أمشي جنبك وايه اللي حصل للخناقة دي كلها ؟
سيب ايدي يا هاشم لو سمحت ما ينفعش تجرني وراك زي الخرفان كدة .
تمتم “هاشم” بكلمات لاذعة وقد وصل غضبه إلى ذروته وهو ما زال يسحبها :
ــ انتِ تخرسي خالص وتمشي بالعة لسانك جوة بقك يا هانم وان شاء الله يومك مش هيعدي النهاردة .
لم يعجبها طريقته معها وهي لم تفهم شيء من الأساس لتحاول نفض يدها من بين قبضة يديه ولكنها لم تفلح ويكأنه متمسكا بها بقبضة من حديد لتقف مكانها وهي تهدر به بصوت عالي دون مراعاه من حولهم :
ــ مش همشي معاك ، انت ازاي تتكلم معايا بالطريقة دي وانا عملت ايه أصلاً !
سيب ايدي لو سمحت وانا ارمي لك دبلتك طالما انت هتتعامل معايا بالهمجية دي .
تنهد بضيق وتحدث بغضب أخافها :
ــ هو انتِ لسه شفتي همجية اتفضلي معايا على العربية من غير كلام علشان الناس واقفة تتفرج علينا وانتِ هتعرفي بنفسك ايه اللي حصل يا هانم.
إنتفض داخلها من هيئته الغاضبة وتحركت نحو السيارة وكادت أن تهرب من يديه خوفاً منه إلا أنه جذبها بغضب وتحرك بها إلي الكرسي الأمامي وأجلسها بعنف
وتحدث بعيون تشـ.ـتعل غضباً حتي أنها ارتعبت من هيئته وأغلق باب السيارة بإحكام كي لا يسمعهم من بالخارج :
ــ هو أنا اول قاعدة قعدتها معاكي في بيتكم لما جيت خطبتك من أبوكي أول حاجة نبهتك عليها ايه لو تفتكري؟
ردت بنبرة حادة غاضبة :
ــ أنا مش فاهمة حاجة لو سمحت اتكلم على طول يا اما تسيبني اروح انا مرضاش انك تتكلم معايا بالطريقة المهينة دي يا تقول ايه اللي حصل يا تسيبني ىمشي وانت من طريق وانا من طريق.
كادت أن تكمل صياحها إلا أنه هدر بها و أرعبها وهو ينظر لها بنـ.ـار مشـ.ـتعلة :
ــ ما تعليش صوتك ده نهائي عليا يا حنين في اي وقت حسك عينك صوتك ده يترفع قدامي وده اول تحذير مني ليكي ،
وأكمل حدته بنفس الغضب:
ــ حضرتك خارجة كدة ازاي من البيت و أنا أول حاجة نبهت عليكِ فيها إنك تظبطي حجابك وانتِ خارجة وما تخرجيش وشعراية خارجة منك !
واسترسل حديثه وهو يشير إلى ملابسها مكملا صياحه بها :
ــ لابسه لي بنطلون مبين تفاصيل جسمك والجاكيت اللي عليه قصير خالص ولا كان البرنسيسه عايشه في باريس على راي البقف اللي كان واقف يتفرج عليك ويتامل في جمال الهانم ورقبتها اللي باينه ،
وعلى حين غرة جذب ما ترتديه على رأسها وتدعيه حجاباً بغضب شديد لينسدل شعرها على ظهرها من شدة طريقته التي خلع بها ما يستره مما أذهلها وجعلها تضع يدها على رأسها وجحظت عينيها من فعلته ، أما هو أكمل سخريته منها :
ــ بذمتك ده حجاب تلبسيه على راسك مجرد بس لو واحدة معدية من وراكي او اي حد لمسك غصب هيقع من على دماغك وشعرك اللي انتِ فرحانة بيه خارج نصه وانا منبه عليكِ مش بحب الأسلوب ولا الطريقة دي ويجي واحد سافل يتحـ.ـرش بيكي وهو بيبص لتفاصيل جسمك وانا المغفل اللي خطيبك قاعد بسمع بالصدفة، ما جاش في بالك ان انا ممكن أكون موجود في المكان اللي انتِ موجودة فيه وأسمع طريقة الكلام القذرة دي عنك وواحد بيتغزل فيكِ وفي أناقتك وشياكتك يا برنسيسة هانم .
إبتلعت لعابها وتحدثت بصوتٍ منخفض وهي تسأله :
ــ يعني انت قمت اتخانقت وضـ.ـربته علشان قال كلمتين وأنا واقفة مع صاحبتي وما سمعتش ولا شفت هو قال ايه أصلاً ؟!
نظر لها بحدة جعل الكلام تجمد على لسانها من هيئته المشـ.ـتعلة للغاية:
ــ اه انتِ كنتِ مستنية بقى ان هو يقوم ويتحرك وينفذ اللي كان في دماغه واللي كان هو وصاحبه بيتفقوا عليه يعملوه مع الهانم وصاحبتها وهما قاعدين بيشقطوا اللي شايفينها سهلة ولا ايه بالظبط ؟
ولا كنتِ عايزاني اسمع بيقول رقبتها زي اللؤلؤ وما تعصبش ولا اتحرك من مكاني انا مش ديوث يا هانم !
ابتلعت أنفاسها بصعوبة من كلامه الشديد لها وعينيها تبرقان بصدمة من كلامه الثقيل والذي لم تسمع مثله أبداً لتهتف بذهول :
ــ سهلة ! انت ازاي تقول كده هو انت شايفني ايه بالظبط ؟!
أنا ذنبي ايه في الحقير ده واللي قاله ولا في بصاته ولا في مرضه اللي المفروض يروح يتعالج منه !
ذنبي إيه في قلة أدبه وسفالته ؟
ضحك بسخرية من عقلها الطائش من وجهة نظره لينعتها بالانفتاح الزائد عن الحد :
ــ ذنب حضرتك انك ما خرجتيش ملتزمة من بيت ابوكي علشان واحد زي ده ما يبصلكيش ولا يقول الكلام اللي هو قاله ، ذنبك انك ما تعرفيش تخلي بالك من نفسك كويس وانتِ خارجه مكان وتلبسي كويس وما تلفتيش الأنظار عليكِ وتداري نفسك وتتحشمي شوية ،
لأن الحشمة ملهاش علاقة إنك تبقي مبهدلة أو شكلك وحش أو ما تبقيش أنيقة ،
كتير قوي أنيقات في لبسهم وشيك جدا وفي نفس الوقت محتشمات ويستحيل حد يتحـ.ـرش بيهم ولا بالعين ولا بالكلام وحتى لو ؛ مش هيبقى بالمنظر اللي انا سمعته ،
ثم أدار وجهه في الناحية الأخرى بعيداً عن مرمى عينيها لينطق بما جعلها تصنمت وتوقفت دموعها :
لو هتفضلي كده يبقى كل واحد يروح لحاله انا مش مستعد تكوني في مكان برة ودماغي تلف وتدور في حوارات ما لهاش اي 30 لازمة أانا شايف إنك مش أمينة على نفسك خالص ولا بتهتم بكلامي ولا اللي انا بقوله لك .
نطقت بعدم تصديق وهي تبتلع غصتها بمرارة كمرارة الصبار :
ــ معقولة انت عايز تسيبني علشان حاجة مليش ذنب فيها ؟!
أنا واحدة خارجة باحترامي ولا خضعت بالقول ولا كنت واقفة بتمايص ولا أدلع علشان تكبر الموضوع قوي كده.
إغتاظ منها وتحمحمَ لينظف حنجرته وتسائل:
ــ يعني انتِ لحد دلوقتي مش معترفة ان منظرك اللي انتِ خارجة بيه ده غلط وما يصحش بالرغم من اني نبهتك لحاجة زي دي ؟!
واسترسل بنفس حدته :
ــ ولا انتِ مفكرة نفسك مخطوبة لواحد بقرون لما يشوف منظر زي ده يكبر دماغه ويقول عادي ولما يسمع حاجة زي دي ينفض ولا كأنه سمعها ؟!
انسي يا ماما انا مش كدة ولا عمري هكون كده وعاجبك على كده عاجبك مش عاجبك كل واحد برده يروح لحاله لأن دي طباعي اللي عمرها ما هتتغير وانتُ لازم تاخدي عليها .
انهمرت الدموع من مقلتيها لحدته اللاذعة معها لتتحدث من بين شهقاتها وهي ترمي اللوم الشديد عليه :
ــ انت ليه محسسني ان انا الغلط مني انا لوحدي !
مش شايف نفسك ان انت مهمل في حقي !
مش شايف نفسك ان انا على الهامش في حياتك ؟
انت لحد دلوقتي ما اعتبرتنيش غير خطيبتك اللي انت ملبسها دبلة في ايديها ، مش فرحانة زيي زي اي واحدة مخطوبة ، ولا بتكلمني زي اي بنت مع خطيبها ، ولا بتسألني رايحة فين ولا جاية منين ولا بتاكلي ايه ولا بتعملي ايه ؟
مش بتدخل جوة تفاصيلي ، حتى لما جيت أخرج النهاردة علشان أنقي فستان كتب كتابنا قلت لك تعالى معايا طنشتني عشان تقعد مع صاحبك وسبحان الله أقابلك في نفس المكان اللي انا فيه مع صاحبتي ،
منظري ايه قدام صاحبك ، ومنظري ايه لما انت مهمل فيا بالشكل ده قدام صاحبتي اللي لسه بحور عليها إنك وراك شغل علشان كده ما خرجتش معايا ؟!
أنا لو كنت لقيت منك اهتمام كنت هنفذ كل حاجة انت بتقولها لي اما انت لحد دلوقتي يا هاشم معتبرني واحدة هتتجوزها وخلاص وتقضي معاها وقت وتستريح من قولة هتتجوز امتى وهتستقر امتى ؟!
لحد دلوقتي ما حسيتش منك بأي مشاعر تخليك تتمسك بيا ، علشان كدة كلمة كل واحد يروح لحاله على لسانك بتقولها سهلة جداً وكاني بالنسبة لك حبة هوا مجرد ما تنفخهم هيمشوا من قدامك .
رد بإقتضاب وإلى الآن لم ينسى كلام ذاك الشاب ولا نظراته الوقحة :
ــ اه ده حوار بقى قلب ترابيزة ، قلت لك 100 مرة أنا راجل أفعال مش أقوال ممكن ما اشبعكيش كلام بس برده مش مهمل في حقوقك كخطيبتي ولسه لما تيجي بيتي وتعيشي معايا لما تلاقي مني اللي ما يدلش على إني راجل ومسؤول في كل تصرفاتي معاكي تبقى تحكمي إحنا فترة خطوبتنا قصيرة جدا وانا بحاول اخلص شغل ورايا علشان عارف ان انا هنشغل في أيام جوازنا،
ولا انتِ تعرفي أنا بعمل ايه وانا بجهز لايه علشان افرحك زيك زي أي عروسة، لكن كل اللي في دماغك ان انا بسهرش احب معاكِ على التليفون ،
متسرعة انتِ قوي يا حنين وهوائية زيادة عن اللزوم وانا مش كده انا عقلاني بدرجة ما تتخيلهاش .
ربعت يداها وتحدثت بضيق:
ــ هو انا علشان عايزاك تهتم بيا وتحسسني ان انا ليا وجود في حياتك وتشاركني يومك وانا أشاركك يومي ابقى هوائية في وجهه نظرك ؟!
الشغل ما بينتهيش يا هاشم ولا عمره هينتهي بس لازم ندي لمشاعرنا فرصة انها تتنفس طول ما انت دافس روحك وعقلك جوة دوامة الشغل هتسحبك أكتر و أكتر ،
انا بحاول افك عنك وانت تفك عني تعرفني اكتر وانا اعرفك مش مجرد كلمتين وخلاص على الماشي احنا بنمهد بكلامنا مع بعض لحياة جديدة هنعيشها ، بنعرف طباع بعض أكتر بيحصل مواقف ما بينا بتعرفك انا بحب ايه و أنا اعرف انت بتحب ايه ، وتعرفك أنا بكره ايه وتتجنبه وانت بتكره ايه وأنا اتجنبه ،
ما تسيبناش لما نتجوز وانت تنصدم وانا انصدم ان احنا الاتنين عايشين مع بعض و ما نعرفش أي حاجة عن بعض ،
انت ليه مش قادر تفهم انا اقصد ايه وكل اللي في دماغك كلام حب في التليفونات اللي هو برده من حقي ؟!
نظر لها بشفقة أخيراً على حالتها المتعبة ثم اصطنع الهدوء كي لا يضعف أمام دموعها وتحدث بنبرة هادئة عكس ما كانت تماماً :
ــ اعمل ايه وشغلي واخد كل وقتي ؟
اصبري وكل حاجه هتيجي في وقتها الصبر حلو ؟
نظرت له بإستغراب وتحدثت بنبرة ساخرة:
ــ والله هو شغلك منعك ان انت تخرج تقعد مع اصحابك بالساعات !
اعتبرني زي صحابك ولا انت بترتاح معاهم اكتر ما هترتاح معايا ، بلاش حجج فارغة بتقولها لي ، وشغلك ده برده هيبقى واحنا متجوزين هتبقى تسيبني طول النهار في الشغل ونص الليل مع اصحابك وتيجي تقعد معايا نص ساعة وتنام هي دي العيشة اللي انت عايز تعيشها مع اللي انت هتتجوزها ؟!
تنهيدة حارة خرجت من صدره لاعتراضها الدائم على حياته ليحاول طمئنتها :
ــ مين قال كده ! حياتي قبل الجواز ما فيهاش مسؤولية اما حياتي لما نتجوز هيبقى فيها مسؤولية ، أكيد طبعا مش ههمل معاكي في اي حقوق ولا هسيبك طول النهار والليل زي ما انتِ ما بتتكلمي ، أكيد هخفف شغلي شوية وأكيد هخفف مقابلات مع أصحابي ما تكبريش المواضيع يا حنين وتبني أوهام في دماغك عشان تزعلي نفسك مني على الفاضي .
هدأت قليلاً من كلماته لتنطق بنفاذ صبر فليس لها حيلة إلا الصبر ولن تتركه أبداً مهما فعل فهي تعشقه بشدة :
ــ تمام يا هاشم الأيام هتبين اذا كنت أنا فعلاً هوائية او انك بتفكر صح !
اخيرا هدات الاجواء بينهم لينظر مطولا الى هيئتها التي حركت ساكنه ثم نظر لشفتاها المنتفخة من البكاء وابتلع لٌعابه وبدأ صدره ينتفض ويعلو ويهبط من شدة تأثره لها،
وماكان حالها أفضل منه، كانت تنظر لعيناه بفاه مفتوحة مٌرتعشة وقلبٍ يرتجف يريد الإرتماء داخل أحضانه ونسيان كل ما أحزنها منه من كلماته،
بقيا مدة علي وضعهما هذا كلاً منهما يحتــرق شوقاً للأخر ولكن لن تسمح ظروفهما بمجرد نظرات بينهما ،
ثم إستجمعت قواها وتحركت بداخلها روح الأنثي المتمردة، ولملمت شعرها المبعثر على ظهرها ومن طوله لمس وجهه وهي تجمعه فتمسك به لوهلة جعلتها انتفضت وهو يشم رائحته ويغمض عينيه مما جعل قلبها يدق بعـ.ـنف داخلها من حركته الغير متوقعة تلك لتهمس بتوتر :
ــ هاشم ، سيب شعري علشان ألمه .
تحمحم بغزل أهلكها:
ــ ريحته حلوة وملمسه ناعم زيك يا حنين .
تحرك ساكنها بنبضات شديدة وجسـ.ـدها تفكك من مجرد كلمات قالها أهلكت مشاعرها الساكنة وأثارتها ، و لـوهـلـة غَـاص فـي عـيـنـيـهـا وفـي مـلامـحـهـا الـجـمـيـلـة… لـوهـلـة أخـذه فـؤاده لـشـعـور لا يـنـاسـب ذاك التوقيت ،
ثم أشاح عيناه عنها و زفر أنفاسه بقوة آمراً إياها :
ــ اتفضلي لمي شعرك والبسي الايس كاب التافه اللي انتِ لابساه ده وما يتكررش تاني اللي حصل ولبسك بعد كده يبقى واسع يا اما دريسات يا اما جيبة وبلوزة عادي جدا ،
بناطيل ممنوعة ومكياج وروج زي اللي في شفايفك ده ممنوع برده حطيه في البيت براحتك اما خروج بيه ممنوع ،
ويلا علشان أوصلك وبكرة نبقى ننزل نشتري الفستان اللي نفسك فيه وما فيش نزول لوحدك تاني ولا مع أصحابك حتى كمان بعد كده رجلي على رجلك .
تهللت بسعادة لم تصدقها:
ــ بجد يا هاشم هتنزل معايا بعد كده في اي مكان أنا عايزاه لما اطلب منك ؟
تبسم برجولة أذابتها:
ــ بجد يا قلب هاشم بس لو مش فاضي هتنزلي مع مامتك وهتصوري نفسك وانتِ خارجة واشوف لبسك عامل إزاي وانتِ رايحة الشغل كل يوم تاخدي بالك من الحاجات اللي انا قلت لك عليها يا اما الشغل ده تبطليه انتِ مش محتاجاه بعد كده لما نتجوز عايزك تتفرغي لي خالص.
تعلقت عيناها به بنظرة ضائعة أرجفت ذلك القابع بين أضلعه لتنطق بوله :
ــ ما كنتش أعرف إن انت غيور قوي كده وانك ممكن تقلب الدنيا بسبب كلمتين سمعتهم بجد انا ذهلت من اللي حصل ومش مستوعبة لحد دلوقتي إنك اتخانـ.ـقت الخنـ.ـاقة دي كلها علشان بتغير عليا !
بدا شبح ابتسامة خفيفة على ثغره ولكنها سرعان ماختفت في بحر لهفته للاقتراب منها الآن والنيل من شهد شفتيها ولكن تمسك بشدة أمام رقتها ونظراتها المهلكة لحصون أي رجل:
ــ طبعا بغير وجدا كمان وما بقدرش اتحكم في أعصابي وقت غيرتي علشان كده ما تحاوليش تستفزي غيرتي لأني ممكن اقول كلام يزعلك مني وبقوله غصب عني من غير ما آخد بالي، ويلا بقى يا هانم عشان نتحرك علشان ما ينفعش نفضل كتير كده مش عايز أعمل حاجة تضايقك مني ولا تضايقني من نفسي .
الحب هو أن لا أعزلك عن العالم، الحب أن أتركك بالزحام وأنا أثق أن قلبك لي ، لا يهم كم يبقى لي من عمر المهم أن أبقى معك العمر كله ،
أريد أن أكون شيئاً جميل بحياتك يرسم على شفتيك الابتسامة كلما خطرت على بالك ، ليتني كل شيء تحبه أنت؛ فقد تكسب في يوم ما شخصاً يعادل ما خسرته في حياتك كلها ،
ثم تنهدت بابتسامة حالمة وهي توعده بعينيها:
ــ أما بعد فلن أحب أحداً بعدك، أما قبل فأنا أساساً لم أعرف الحب إلّا بك،
جميل أن تكون شيئاً ثميناً لدى شخص يخاف فقدانك يوماً ، فالشخص المهم في حياتك ليس الشخص الذي تشعر بوجوده ولكنه الشخص الذي تشعر بغيابه ، لو رأيت كيف أحكي للغرباء عنك لحاولت أن تقف في طوابير الغرباء لتحب نفسك من حديثي ، قيدتني بك، حتى وإن لم تكن موجوداً أستشعر طيفك معي ،
الحب أن أكتفي بك ولا أكتفي منك أبداً ، أحببتك جداً لدرجة أنّه عندما تغيب عني يغيب معك كل شيء.
يتبع…..
رواية مشاعر موقدة الفصل العاشر 10 - بقلم فاطيما يوسف
في منزل والد “نور الهدى” استردت صحتها قليلاً، ولكنها ما زالت تتحرك على عكاز نظراً لما حدث لظهرها من أثر لكماته العنيفة. كان الجميع متواجدون معها، يحيى ووالدته ووالده، يتناقشون فيما فعله ذاك الأحمق في زوجته ويحيى.
تحدثت والدة يحيى وهي تنظر إلى شقيقتها وتستسمحها عما حدث لولدها:
ــ معلش يا أختي، حقك عليا. حقك عليا يا أبو يحيى. لو كنت أعرف إن الحقير ده هيعمل كده، مكنتش أخدت يحيى معايا. بس مكانش فيه غيره يوديني، وهو اللي بيروح معايا كل مشاويري لما يكون أبو نور مش موجود.
وأكملت بحيرة وهي تسأل زوجها:
ــ هنعمل إيه يا أبو نور؟ أنا بقول نتنازل عن القضية وهو يتنازل وتطلق، بدل البهدلة والمرمطة في المحاكم. وكمان علشان مستقبل يحيى، كده هيتدمر. ولو الكلية عرفت بالخبر، بعد المحامي خلاص أكد له إنه هيكسب القضية، الجلسة الجاية هياخدوا القضية دي ضده ومستقبله هيضيع وتعبُه علشان يوصل لحقه في وظيفته هيضيع، وهو ملهوش ذنب.
الجميع في حيرة من أمرهم. لقد وضعهم ذاك الأرعن الفاقد للذمة والضمير في خانة صعبة. لقد طعن امرأته في شرفها بقلب من حديد دون أن يخشى. الجميع ينظرون لبعضهم البعض وأعينهم تتساءل ماذا يفعلون الآن.
ثم أنقذتهم نور الهدى والدموع تتلألأ في أعينها، وهي تبتلع أنفاسها بصعوبة. كانت تريد الزج بذاك الأحمق في السجن كي تنتقم مما فعله بها، ولكن ليت ما يتمناه المرء يدركه.
ــ بعد إذنك يا بابي، أنا هتنازل عن حقي في اللي عمله فيا. وكمان هو هرب وساب البلد، يعني كده كده الحكومة على ما تجيبه والمحامي بتاعه يتلاعب، هيكون يحيى ضاع وأنا سمعتي اتشوهت في الأرض. والست اللي جت لمامي حذرتها جامد من كلام حماتي. وأنا لا عايزة أبهدلكم معايا ولا حد يتظلم بسببي.
تعصب والدها بانفعال شديد واحتدم غيظه حتى وصل ذروته. ووجهه ازداد احمراراً من شدة احتقانه وهو يسب ذاك نادر:
ــ ابن الـ…. طينها وهرب. والله ما هسيبه ولا هنسى له اللي عمله فيكي. والله وقسم عليّ لا هخليه يتندم على اللي عمله فيكي. وطالما معرفناش ناخد حقنا بالقانون، علشان هو إنسان سافل ورخيص، يبقى ولكم في القصاص حياة. وزي ما عمل فيكي هعمل فيه، وهحسر قلب أبوه زي ما قلبي اتحسر عليكِ. وهبكي أمه دموع زي ما بكى مامتك دم عليكِ.
ثم ربت على ظهر يحيى وهو يعتذر له على تعبه معهم، وأنه رُمي بالإثم ظُلماً وهو بريء ولم يرتكب تلك الدناءة:
ــ معلش يا يحيى على اللي جرى لك بسببنا. إحنا خلاص يابني هنتنازل عن القضية. وزي ما دخلنا بالمعروف هنخرج واحنا مضروبين بالكفوف. بس ده علشان خاطرك. أنا ما يرضيني مستقبلك يضيع، وعلشان خاطر نور اتمرمطت بما فيه الكفاية وملهاش في بهدلة الأقسام والنيابة والبلاوي دي. ساعات التنازل بيبقى عين الحكمة للأسف.
بكت نور الهدى بشدة، فهي سُحِلت وأُهينت ونالت من العذاب الجسدي والنفسي ما لا يتحمله بشر، والآن ستتنازل ولم تستطع أخذ حقها. وداخلها يغلي نيراناً مشتعلة.
نظر يحيى إلى بكائها وانفطر قلبه لأجلها. فهو الآن يشعر بنيران قلبها وأنها انكسرت بشدة، ليترجاها بعينيه أن تكف عن البكاء، وردد لسانه بمواساة:
ــ مبتبكيش يا نور، الحمد لله إنك خلصتي من عشرته. وإذا كان على حقك، مش هنتنازل عنده. وأنا هقوم محامي كبير يتكفل بالقضية بتاعتي ويجيب لي براءة، وانتِ تقرير المستشفى وشهادة الطبيب والممرضين يودوه في ستين داهية.
تنفست والدته بأنفاس عالية وهي تحرك رأسها برفض على كلامه:
ــ الكلام ده يا يحيى لو كنا بنتعامل مع ناس عندها شرف في العداوة وما بتضربش من تحت الحزام. أما دول إذا خاصم فجر. وكمان الست جارتنا اللي جات لي قالت إن موبايل نور تحت إيديهم. وسهل جداً إنهم يعملوا شاتات بتواريخ قديمة ويبعتوها على موبايلها إنها بتكلم شباب. وممكن كمان يبعتولها صور من صورها وهي واخدة حريتها في بيتها علشان يثبت للمحكمة إنها فعلاً خاينة. والناس لما بتشوف الحاجات دي بتصدقها وبنتي سمعتها هتسوء في الأرض.
واسترسلت حديثها بقلب مولع:
ــ إحنا بقينا في زمن العجايب للأسف. المظلوم بقى ظالم والظالم بقى يدب في الأرض وعينه بجحة وقوية ومفكر نفسه إنه على حق. وبنتي لها ربنا هينتقم منهم. وهحسبن عليهم ليل ونهار، هو وأمه وأبوه. لأنهم طعنوا بنتي في شرفها، يعني قذف محصنات. ودي عند ربنا كبيرة قوي. أما بالنسبة لك يا حبيبي، انت ما ينفعش تتنازل عن مستقبلك بالسهولة دي. انت محتاج شغلك في الجامعة وده حقك بعد تعب سنين مذاكرة ومرمطة. وبرده حق بنتي هنعرف نجيبه إزاي. والزمن بيدور ومهما قعد في غربته مسيره هيرجع. وهيكون الموضوع هدي وهنعرف نجيب حق نور إزاي في الظلام زي ما هو استخدم الظلام. برضه العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم.
بعدما اتفقوا على التنازل بنفسٍ مغصوبة، نزل كلٌ من والد نور ووالد يحيى كي يذهبوا للمحامي ويتفقوا معه على كل شيء. وهو الذي سيتولى الأمر معهم في كل الإجراءات.
أما يحيى، كان جالساً بجوار تلك المنطفئة نفسياً وجسدياً. بعدما دلفت والدتهم إلى المطبخ لإعداد الطعام لحين مجيء الرجال. كان داخله يشعر بالسعادة الغريبة رغم كل ما حدث لصغيرته من آلامٍ، ورغم كل ما تجرعته من جروحٍ أثرت في روحها. إلا أنه الآن عرف قيمتها ولم يفرط بها أبداً بعد ذلك. فقد توجع قلبه لأجلها وتأنَّ كثيراً لوجعها. وعلم بأن دقاته القابعة بين أضلعه حينما كانت تثور داخله قبل سنوات حينما كان يغيب عنها في سفرٍ مع أصدقائه، وحينما ذهب إلى الجيش وعاد يراها فيشعر بنبضاته حينها تخفق، ما كانت إلا نبضات عشقه لها ووحشتها له. وتيقن الآن أنها عشق الطفولة والشباب. فهي مرباة أمام عينيه، رقيقة كنسمة الهواء. ونالت من العذاب ما جعلها هشة للغاية.
كان ينظر إلى ملامحها بتعمق، جعلها تنتبه إلى نظراته تلك. وداخلها لم يفرق عنه بل ويزيد. فهي كانت واضحة من البداية ومشاعرها تجاهه كانت تعلم بها. مشاعر عاشقة، متيمة، بل مغرمة بهواه. فقد ولد القلب على يديه. ولكن كان دوماً يؤكد لها أنها شقيقته وليس إلا، مما جعلها تفقد الأمل به بعدما عانت سنواتٍ كثيرةٍ في عشقه. ولكنها فعلت بحالها فعلة شنعاء حينما استغلت سفره لأداء خدمة الجيش ووافقت على ذلك النادر كي ترغم قلبها على نسيانه. ولكن أحمق ذاك التفكير. فهو ليس مجرد حبيب يُنسى بآخر. هو كان تمني وحلم ولهفة أيام وليالي، بل وسنوات عمرها بأكمله.
أغمضت عينيها حينما استمعت إلى صوته ينادي باسمها، وقلبها ما زال يدق بنفس اللهفة عند سماع اسمها من شفتيه. قلبها الموجوع ما زال يعشقه رغم خذلانه لها وتركها:
ــ نور، انتِ كويسة؟
وأكمل بتساؤل حائر حينما رأى عينيها المغمضتين وتنهمر منهما الدموع الصامتة التي فتكت بقلبه الآن. ولو كان يجوز لجذبها إلى أحضانه كي ينسيها مرار ما شعرت به، لكان اقترب منها ومسح دموعها بأصابعه. ولكن لن يجوز، فأكمل بلوعة:
ــ أرجوكِ يا نور متعيطيش، مش متحمل أشوفك كده. قلبي بيتقطع عليكِ يا بنت قلبي.
فتحت عينيها المغشية بدموعها المريرة وهي تبتلع غصتها بصعوبة. ورددت بخفوت:
ــ أنا كويسة يا يحيى، طالما انت هتبقى بخير.
ابتلع ريقه هو الآخر ليقول بتصميم:
ــ لو التنازل ده هيخليكِ تحسي بالتحطيم ده كله وانك اتظلمتي ومعرفتيش تاخدي حقك، يبقي بلاش منه وأكلمهم دلوقتي حالاً يرجعوا يا نور! كل حاجة تهون إلا دمعة قهر واحدة تنزل من عيونك يا حبيبتي.
ــ حبيبتك… تلك الكلمة الصامتة التي نطقتها عينيها بوجع ولم يجرؤ لسانها على نطقها. ثم أجابته بثقة وهي تثبت له مراراً وتكراراً أنه لن يقهرها غير ضياعه منها:
ــ لااا يا يحيى، انت اللي كل حاجة تهون وكل حاجة تتحملها نور ولا إنك تتأذى بسببي. أنا راضية جداً عن قرارنا كلنا وحقي ربنا مش هيسيبه وهيجيبه لي عاجلاً أم آجلاً. بس انت ملكش ذنب تتأذى بسببي.
تمتم بوجع دون أن يراعي أي حواجز تمنعه عنها:
ــ لا أنا أستحق التعب والأذية واني أتوجع زي ما انتِ ما اتوجعتي وتأذيتي. أنا أستحق إن كل حاجة وحشة تحصل لي علشان اللي جرى لك بسببي يا نوري.
وأكمل بروح منهكة وهو يقترب من جلستها قليلاً ليسألها بما فاجأها:
ــ ليه اتسرعتي وارتبطتي وأنا في الجيش؟ ليه مستنتنيش يا نور على ما ألف لفتي وأرجع لك طالب منك القرب والود والحب؟ كنت هجي لك نادم ومعتذر بعد ما قلبي نضج وبطل حيرة واختارك متكونيش إلا انتِ حبيبة وشريكة باقي عمري زي ما كنتِ شريكة أيام حياتي اللي فاتت وعيشتها معاكِ يوم بيوم.
رمشت بأهدابها وهي ترفع عينيها التي تتلألأ جواهرها. ثم عاتبته بنبرة مملوءة بالحسرة:
ــ ياه يا يحيى، ده أنا استنيتك عمري كله. اتنين وعشرين سنة استنيتك فيهم تقرب مني وتفهم مشاعري اللي اتولدت على إيدك. اتنين وعشرين سنة عمري كله من يوم ما اتولدت وفتحت عيني على الدنيا ومشفتش إلا انت. كنت صديق وأخ وخليل للروح. في حياتي مصاحبتش حد بنات ولا شفت شاب وعيني لمعت إلا انت. كنت كل حاجة ليا، كنت أهم حاجة عندي. كنت روحي لما كان جوايا روح.
صوت مميت ملأ المكان ونظرات الدهشة حلت على ملامحه مستفسراً عما ما ردده فاهها:
ــ كنت يا نور! أمال أنا بقيت إيه دلوقتي وأنا بأكد لك وأنا بكامل قوايا العقلية وبكل دقة في قلبي إنك انتِ روحي اللي عايزة تشدك لحضنها دلوقتي وتطبطب عليكِ يا بنت قلبي؟
سحبت نفساً عميقاً ثم زفرته على مهل وهي تحاول السيطرة على نيران صدرها المولعة من كلماته التي جعلت نبضات ذاك الأحمق داخلها يفضحها أمامه وهو يدق بعنف ويكاد يهرب من بين ضلوعها ويسكن بين يديه. ولكنها حاولت كتم دقاتها وثوران مشاعرها الموقدة وهي تؤكد له بكذب:
ــ أيوه يا يحيى كنت، أنا مبقتش أنفع لأي راجل وليك وانت بالذات.
صوت مميت ملأ المكان ونظرات الدهشة حلت على ملامحه مستفسراً عما ما ردده فاهها:
ــ نعم! ليه يا نور تقولي كده؟ مستحيل ده يحصل ومستحيل أفرط فيكي تاني ومستحيل أسيبك تضيعي من بين إيديا علشان حبة سراب هينتهوا جواكي وترجعي بعدها لحضنك الآمن حضن يحيى يا نور.
أنهى كلماته بنطق اسمها بصوته العميق وبنبرة تمتلئ من المشاعر الموقدة ما يجعل نيران لوعتها تخفق بجميع حواسها. ثم نطقت بتأكيد لرفضه:
ــ كان زمان قبل ما يحصل اللي يحصل، أما دلوقتي انت متنفعنيش ولا أنفعك ولا هنفع غيرك. علشان أنا اتأكدت واتيقنت إني عمري ما هقدر أنساك.
كأنها صفعة لقلبه المسكين الذي هاجت ضرباته بعنف داخله ليؤكد لها هو الآخر مراراً وتكراراً:
ــ ليه مينفعش إن شاء الله! انتِ مش لحد غيري تاني ولا هسيبك لضياع مشاعرك تاني. وإذا كان قبل كده قلبي كان أحمق مش هتتكرر يا نور.
ثم أكمل بتساؤل مرير:
ــ وبعدين إيه حكاية انت بالذات دي! ليه يعني أنا بالذات يا نور؟
ابتسامة مريرة امتزجت بدموعها الغزيرة التي لم تكف عن أن تذرف من عينيها وهي تجيبه بصوت حزينٍ باكي بدموع الفراق المحتوم بينهم:
ــ علشان أنا لو اتجوزتك هثبت لهم إن كنت خاينة واني فعلاً زي ما هما بيقولوا كنت على علاقة بيك وان اللي قاله الحقير اللي اسمه جوزي صحيح. وسمعتي البريئة هتتلوث بالفعل والبلد كلها مش هيبقى ليها سيرة غير نور اللي خانت جوزها مع ابن خالتها وتستاهل اللي حصل لها. وعلشان كده بقولك لو جاي في رجوع انساني.
اعتصر قبضة يديه بغضب شديد وهو يصيح بها بعض الشيء:
ــ ما يولعوا ولا يتحرقوا بجاز وسخ الناس كلها اللي تفكر بالشكل ده. إحنا متربيين مع بعض قدامهم وطول عمري بمشي معاكِ في الشارع قدامهم. وطول عمري كنت سند وأخ ليكي ودرع حامي قدامهم. اشمعنى دلوقتي يعني بقيت أنا في نظرهم خاين وانتِ كمان في نظرهم خاينة؟
تجمدت مكانها في لحظة صمت بينهم. ولكنها أخبرته بصوتها المختنق وبقرارها التي لن تتخلى عنه وهي تحاول القيام من مكانها بصعوبة نظراً لوجع جسدها المصاب:
ــ علشان ده قدري ونصيبي منك ومعاك يا يحيى ميتحملش إلا الوجع والفراق المحتوم. وكأن النصيب في كل مرة بيأكد لي إنك مش ليا واني لازم أعيش محرومة من حبي.
ابتلع غصة آلامه حينما وقع نظره عليها وهي تتحرك بصعوبة من أمامه. وكأن أحدهم غرزه بسكين حاد في قلبه. ولم يعرف بما يفعل. وأثناء تحركها تعثرت في طرف السجادة وكادت أن تقع. إلا أنه أسرع إليها وحاول إسنادها من الخلف ممسكاً إياها بحنو وتملك وهو يجعلها تستقيم في لحظة صامتة بينهم. هي بين يديه لأول مرة بهذا الاقتراب وبتلك المشاعر الواضحة بينهم. كان لا يريد تركها ولا انسحابها من بين يديه. يود أن يتوقف الزمان والمكان الآن في تلك اللحظة. حاولت الإفلات من يديه قبل أن تضعف وتدلي بحالها داخل أحضانه وتبكي بين ذراعيه وتخرج ببكائها مرارة صدرها التي تشعر بها الآن. ليهمس بأذنيها بتأكيد وتملك بأنها له وتخصه ولن يتركها لتفكيرها مهما حدث:
ــ أنا مش هسيبك يا نور ولا هبعد عنك لو انطبقت السما على الأرض.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من اقترابه وهمسه. وأغمضت عينيها بوله وهي تحاول كبح جماح مشاعرها الموقدة. ثم استجمعت قواها وأنزلت يده من عليها وتركته يقف يشعر بالجنون من رفضها. ودلفت بنفس الخطوات البطيئة إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها وهي تضع يدها على وجهها تكتمم شهقاتها كي لا يسمعها في الخارج. وداخلها يعتصر بالآلام التي تكفي العالم أجمع.
كان يتحدث مع أحدهم يحاول تعجيله لأمره الهام حيث كان يلوم عليه:
ــ بقى من امبارح بالليل وانت مش عارف تجيب لي النتيجة. اخص على الصحوبية وعلى الخدمات اللي أنا قدمتها لك يا جدع.
كان الآخر يجلس أمام جهاز الحاسوب يبحث عن نتيجة رقم الجلوس الذي أعطاه له زيد. فهو يعمل بالكنترول المتحكم في نتيجة الثانوية بمركزهم، ليعتذر له عن تأخيره:
ــ يا عم زيد اهدى بقى. من امبارح وأنا بقول لك مش هينفع إلا على بكرة الضهر. ده النتيجة مش هتظهر على المواقع إلا على العشا يا عمنا. خلاص أنا قربت أوصل اهو. اديني بس ربع ساعة. كل تأخيرة وفيها خيرة.
تأفف زيد بضيق لينهره بتعجل:
ــ أقسم بالله يا جدع إما خلصت لا هاجي لك لحد عندك أطبق في زمارة رقبتك دلوقتي. ما تنجز ياض زهقتني.
كان الآخر يعمل بأصابع سريعة على الحاسوب حتى وصل أخيراً إلى النتيجة بعد عناء ساعات. ليلقي على مسامعه اسمها بتساؤل:
ــ الليلات كتير وأرقام الجلوس ورا بعضها. مش مركز قوي. هقول لك الاسم وتقول لي صحيح ولا لا. اسمها ليلى السيد عبد الله المحمدي؟
انتفض من نومته ليجيبه سريعاً:
ــ أيوه هو الإسم. اتأكد الله يسترك من النتيجة قبل ما أروح أبلغها بيها أو أقول لك. صور لي الشاشة وابعت لي سكرين وأنا هتأكد بنفسي.
قام بتصوير الشاشة وأرسل الاسكرين إليه وهو يعلمه بنتيجتها. مما جعله كاد أن يطير فرحاً لأجل ليلته:
ــ جايبة 97%. وتقريباً كده طالعة الأولى على المحافظة. لأن العلامة اللي جنبها بتشير لكده. الحمد لله نتيجتها كويسة جداً بجانب النتايج اللي قابلتني كلها.
على الفور فتح الصورة وعينيه تلمع بسعادة غريبة وكأنها نتيجته هو. ليتحقق منها بعيني كالميكروسكوب. وحينما تيقن منها ردد لصاحبه قبل أن يغلق الهاتف:
ــ ده انت عايز 100 بوسة. عارف لو طلبت أي حاجة. بس طبعاً كمان شوية كده هعمل لك كل اللي انت عايزه ياض. عليا النعمة انت برنس. معلش تعبتك معايا من امبارح. سلاموز بقى.
وعلى صعيد آخر، قامت من على سجادة الصلاة وهي تشعر بالتوتر الشديد. فلم يتبقى سوى سويعات قليلة وتظهر نتيجتها التي ستحدد مستقبلها. وداخلها ملتاع بشدة والخوف يضرب بجسدها بسوطٍ موجع. فتلك كانت حالة ليلى. فهي تخشى بشدة أن لا تحصل على المجموع التي تعبت وسهرت وذاكرت كثيراً كي تصل له.
دلفت إليها والدتها للمرة التي لا يعرف عددها. فوجدتها على نفس حالة التوتر وهي تأخذ الغرفة ذهاباً وإياباً. فمطت شفتيها بملل من صغيرتها المتوترة بشدة. فهي حاولت تهدئتها بدل المرة عشر. لتمسكها من يدها وتُجلِسها على الأريكة الموجودة بالغرفة رغماً عنها. لتقول لها باستجداء:
ــ يا بنتي يا حبيبتي انتِ كده متوترة زيادة عن اللزوم. هتستفادي إيه لما الضغط يجي لك بسبب إنك بتدوسي على أعصابك زيادة عن اللزوم يا ليلى. أياً كانت النتيجة، انتِ تعبتي وسواء جبتِ مجموع يدخلك صيدلة أو أي كلية تانية، ده نصيبك من عند ربنا واللي كاتبه مش هيتغير أبداً. فنحاول نهدى بقى يا ماما. لسه فاضل خمس ساعات على ظهور النتيجة. مش كل شوية هدخل أقول لك الكلمتين دول.
ما زالت على توترها ولم تهدأ من كلمات والدتها. لتنطق بفزع حينما استمعت إلى رشدها:
ــ ما تقوليش كده يا ماما. إن شاء الله أنا هجيب مجموع يدخلني كلية صيدلة. والتوتر ده غصب عني والله. عمال أصلي وأدعي ربنا وأردد الأذكار. بس الحاجة دي خارجة عن إرادتي.
تنفست بصوتٍ عالٍ وصغيرتها لا تزال مرتابة. فتلك كانت حالتها بالفعل. لتقول بنصح:
ــ طب أنا هروح أعمل لك كوباية لبن بالشوكولاتة سخن كده علشان يهدي لك أعصابك ويدفيكي في السقعة دي. وادخلي اقعدي في البراندة شوية. امسكي الموبايل الهي نفسك في أي حاجة. علشان لو فضلتِ على الحالة دي أنا مش هبقى مستريحة. أنا عندي جلسة على اللاب توب كمان دقايق عايزة أركز فيها.
استمعت إلى نصائح والدتها ودخلت إلى الشرفة كي تجلس في شمسها وتهدي أعصابها الراحة. عادت إليها والدتها وهي تناولها مشروب الشوكولا التي تعشقه بشدة. تناولته منها بابتسامة كي تجعلها تستريح من ناحيتها وتذهب إلى جلستها بنفس مطمئنة. كانت تجلس على الأريكة وأشعة الشمس تملأ المكان وهي تمسك بكوب الشوكولا الساخن بكلتا يديها وتنفخ فيه برفق كي يبرد. ووجهها يعود لتوتره الشديد. ثم استمعت إلى هاتفها يعلن عن وصول مكالمة. وجدته رقماً غريباً عنها. ولكن فسرت ذلك بأنها إحدى صديقاتها. فبالتأكيد متوترات هن الأخريات مثلها. لتجيب بتأدب اعتادت عليه عند الرد على الهاتف وخصوصاً على الأرقام الغريبة:
ــ السلام عليكم ورحمة الله. مين معايا؟
دق قلبه بوتيرة سريعة حينما استمع إلى صوتها الرقيق الذي حُرِمَ منه منذ أن تقابل الأسبوع الماضي. وهو يشعر بأنه يريد أن يكون أمامها الآن وهو يبلغها خبر نجاحها بل تفوقها. ثم أجابها بصوتٍ ممتلئ بالوحشة لها:
ــ وحشني صوتك قوي فوق ما تتخيلي. وحشتيني قوي يا ليلى.
تلك الكلمات التي لم يستطع تخبئتها داخل صدره لينطقها لسانه تلقائياً فور سماع صوتها. لتنظر إلى الهاتف بتعجب ثم أعادته على أذنيها مرة أخرى وهي تهتف باسمه بذهول:
ــ مستر زيد!
وأكملت بحدة:
ــ لو كنت أعرف إن انت ما كنتش فتحت خالص. لو سمحت احترم خصوصيتي وان أنا عاملة لك بلوكات من كل مكان وما ترنش عليا تاني.
مسح على خصلات شعره المبعثر على رأسه بإهمال. فهو لم يحبذ تصفيفه بعناية. ليردد بلوعة اعتاد عليها معها:
ــ يعني عرفتي صوتي على طول أول ما قلت الو! عموماً بلاش طريقتك الجافة دي معايا في الكلام. هو انتِ إيه قلبك حجر؟ كفاية بقى يا ليلى. كل أما أقول أسيبك شوية تفكري وتهدي. علشان أنا واثق ومتأكد إن جواكي إعجاب ليا شفته في عينيكِ وحسيته وسمعته من دقات قلبك. ولولا تأكيدي ده أنا عمري ما كنت كلمتك أصلاً. لأني لو شايف منك نفور وانك مش طايقاني مش هكمل. لكن أنا شفت عكس كده. فما تحاوليش تدفني مشاعرك وإحساسك بيت جواكِ بالعافية. علشان القلوب ما بتنجبرش على نسيان العشق يا ليلى.
بللت حلقها الذي جف من كثرة عطشها إلى سماع كلماته المتملكة تلك. ولكن تذكرت ذاك المنشور الذي رأته على صفحته من الإيميل الثاني لها وأتى أمامها صدفة. لتهتف برفض قاطع:
ــ أظن إحنا مش هنقعد نعيد ونزيد في الحوار اللي ما بيخلصش ده يا مستر. روح شوف حبايبك الكتير قوي اللي يتمنوا نظرة منك. اللي يا عيني عليهم ما بيخلصوش وسهرانين الليل على كلام المستر وشقاوته معاهم.
وأكملت باندفاع دون تفكير وكانت لا تود أن تعلمه بما رأته عن تلك المنشورات:
ــ لا ومش بس كده. بينزلوا له منشورات ويعملوا له إشارات علشان يبينوا قد إيه إن هو واحشهم وما بقاش يسأل فيهم.
تبسم ضاحكاً من قولها. فهو تيقن الآن أنها تراقبه رغم حذفها له من جميع مواقع التواصل الاجتماعي. إلا أن كلماتها تلك أثبتت له ما يشعر به في أنها تعشقه كمثله. لينطق بمكر:
ــ الله ده انتِ متابعة بقى وعاملة نفسك من بنها. طب ما تقولي إنك عندك إيميل تاني وعاملة لي متابعة من عليه وأنا ما أعرفهوش وشفتي المنشورات اللي بتنزل على صفحتي ومراقبة الإشارات اللي بتجيلي! طب ممكن أعرف سبب مراقبة البرنسيسة ليلى ليا طالما أنا مش في دماغي وما بتفكريش فيا يا عيني؟
وضعها ذاك الداهي في خانة اليك. فقد خانها لسانها واعترفت بأنها رأت إشاراته الموجهة إليه. وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة ولم تسعفها الكلمات بالرد عليه بقوة كالمعتاد. ولكن استجمعت حيرتها وأجابته بلسان هادئ بأية أسباب حتى لو كانت وهمية من وجهة نظره:
ــ والله مش اللي في دماغك خالص. أنا ولا براقب حد ولا بتجسس على حد حتى لو من بعيد لبعيد. أنا عندي فيس لايت عاملاه احتياطي علشان لما يجي لي حظر تعليقات من على الفيس العادي بروح للايميل التاني. ومكنتش بلكتك منه لأني مش بفتحه كتير. وأول ما فتحته بصيت لقيت الإشارة قدامي لأني بالتأكيد كنت عاملة لك متابعة. واسمي طبعاً مختلف تماماً عن اسم الإيميل التاني. مش حوار إن أنا براقبك ولا بدخل مخصوص أشوف بتنزل إيه ولا مين بينزل لك! الحوار كله صدفة ما تبنيش عليها أوهام في دماغك.
بدا شبح ابتسامة خفيفة على ثغره من مكرها. ولكنها سرعان ما اختفت في بحر لهفته. وهو يبرر لها:
ــ طب عموماً أنا ما ليش ذنب في الإشارة دي. واظن لو رحتي فتحتي المنشور تاني هتلاقيني شلته من على صفحتي. لأني بعدت عن كل البنات اللي أنا كنت أعرفها. علشان أنا قلبي وعقلي وكل كياني ما بقاش غير ملك واحدة بس “ليلى السيد عبد الله المحمدي”.
رفعت جفونها ببطء وقلبها يدق بعنف داخلها لسماع تملكه لها ونطق اسمها بالكامل مما أدهشها. ثم سألته بنبرة هامسة وهي تبتلع ريقها بخجل:
ــ إيه ده! هو انت حافظ اسمي كامل؟ انت عرفته منين؟
أجابها بصوت أجش خشن من فرط لهفته عليها:
ــ اللي بيحب حد بيعرف كل تفاصيله وكل حاجة عنه. بيحب إيه، بيكره إيه، بيحب ينام بدري، ولا ينام متأخر، يومه بيبقى ماشي إزاي؟ وأنا بقى يا لولا علشان قلبي حبك واختارك انتِ، عارف عنك كل حاجة. شفتي بقى انتِ ظلماني إزاي وأنا بحبك قد إيه.
وجدت أنها لا تستطيع مجابهة ذاك الداهي الماكر الذي يسحبها رويداً رويداً إلى عالمه العاشق لها. وصدرها بدأ يعلو ويهبط من فرط تأثرها بكلامه. ولما لا، فهي فتاة في مرحلة المراهقة وما يلقيه على مسامعها يجعلها تتأثر به بشدة. وهو رجل متمرس بطريقته المنتقاة في جذب أي أنثى له وجعل عاطفتها تنصاع إليه بكل سهولة. فهتفت بهدوء بعد أن حاولت جاهدة قدر المستطاع لملمة مشاعرها الموقدة داخلها من كلماته:
ــ لو سمحت ما تتكلمش معايا بالطريقة دي. مش هسمح لك وما تتصلش علي تاني. لأني هعمل لك بلوك مرة تانية. ومن الإيميل التاني بتاعي هعمل لك برضه بلوك من عليه.
نطق سريعاً قبل أن تغلق الهاتف فهو يعلمها جيداً:
ــ بتهربي مني يا ليلى كالمعتاد. وخايفة مشاعرك تواجه مشاعري. مع إنك أقوى من إنك تهربي! واجهيني ولو مرة واحدة. وواقفة قصادي وقولي لي بعين قوية وما أكونش لمحت فيهم نظرة احتياج ليا ولكلامي ليكي ولوجودي جنبك. خليكي شجاعة. لأن الهروب من ساحة العشق أكبر دليل على إنك بتعشقيني زي ما أنا بعشقك بالضبط.
دب القلق في صدرها مع تنهيدة حارة خرجت من ثغرها وهي تشعر بالانجذاب إلى الحديث معه وسماع محايلته لها. فالأنثى تحب شعور أنها دائماً مرغوبة مهما كانت قوتها التي تبنيها بصلابة حول مشاعرها كي لا تضعف. فتمتمت بتلك الكلمات التي تجعلها تهرب كما يقول:
ــ بعد إذنك بلاش طريقة الكلام دي. علشان تأثر عليا. أنا دلوقتي في حالة توتر مستنية نتيجتي ومش عارفة أركز في أي كلمة انت بتقولها من الأساس. فوفر مجهودك لواحدة تانية غيري. سلام.
تأفف بامتعاض لحماقتها معه. ثم ردد لسانه سريعاً قبل أن تغلق الهاتف:
ــ استني يا ليلى ما تقفليش لو سمحتي. أنا معايا نتيجتك. قدرت أحصل عليها من الكنترول.
ثم أكمل بصوتٍ هائم رغم حزن قلبه لصدها له:
ــ مبروك يا ليلى. مبروك النجاح والتفوق يا حبيبي.
انتفضت من مكانها وهي تستمع إلى كلماته وكأنها المنجية من توترها الشديد. وهي تسأله بتأكيد وكأنها لم تصدقه لتنطق اسمه من بين شفتيها دون أي ألقاب. فهي ليست في وعيها الآن:
ــ بجد يا زيد. انت عرفت نتيجتي؟ أيون أكيد علشان كده نطقت اسمي بالكامل؟
ما إن تفوهت باسمه دون ألقاب حتى ارتجف ذاك القابع بين أضلعه. فالعشق لـ زيد مبتغى. رغم لوعته إلا أنه شيء يجعله يشعر بالانتشاء الشديد. ليغمض عينيه وهو يستمتع برنين صوتها وهو ينطق اسمه. ليؤكد عليها النتيجة:
ــ بجد يا قلب وعمر زيد. مبروك عليكِ الـ 97%. وإن شاء الله نتقابل في كلية الصيدلة. ومهما تحاولي تفرّي هتلاقيني قدامك في أي مكان. علشان أنا قدرك ونصيبك يا ليلى ومش هسيبك يعني مش هسيبك.
كانت تدور حول نفسها في المكان ولم تصدق نسبتها المئوية التي استمعت إليها. فبالرغم من صعوبة الامتحانات إلا أنها كانت تتوقع نتيجة أقل من ذلك. فسألته بتأكيد مرة ثانية:
ــ بجد دي نتيجتي؟ أوعى تكون بتتصل بيا علشان تلعب بأعصابي وتقول لي أي كلام علشان تتكلم معايا. بجد هزعل منك قوي وعمري ما هسامحك لو طلعت بتلعب بأعصابي وبتقول لي أي نتيجة توقعتها بذكائك إني هحصل عليها؟
نفخ بضيق من ظنونها السيئة دائماً به:
ــ يا ليلى حرام عليكِ. مش دايماً حطاني في وضع الإنسان اللعوب الكذاب. أنا مش عقلي صغير ولا عيل تافه علشان أتصل عليكِ وأخترع نتيجة من دماغي. دي نتيجتك يا بابا والله العظيم. انتِ جبتِ 97% ومعايا سكرين بالنتيجة كمان. بس ما ينفعش أبعتها لك علشان فيها ضرر كبير على اللي بلغني بيها.
ثم أكمل برجاء عاشق متيم:
ــ أرجوكي ثقي فيا شوية واديني فرصة في قلبك علشان يوضح لك قد إيه أنا بحبك ومحتاجك جنبي. انتِ بالنسبة لي الملاك اللي غير لي حياتي وانتشلني من وهم كذاب كنت عايش فيه. انتِ بالنسبة لي أعظم بنت وأجمل صورة قابلتها عيني. أرجوكِ يا ليلى أنا محتاجك بجد في حياتي.
ارتجف قلبها بعنف لرجاؤه. لتهمس باسمه بتساؤل حائر مرة أخرى:
ــ يعني أفرح بجد يا زيد وأتنطط كمان من الفرحة؟
ــ طبعاً افرحي من قلبك واملي الدنيا حواليكِ بهجة. ربنا ما بيضيعش أجر اللي تعب سنين. لأنك تستاهلي كل الخير اللي في الدنيا يا ليلى. يا ريتني كنت جنبك ويا ريتني أكون معاكي دلوقتي عشان أشوف فرحتك وأضمك بين إيديا. وساعتها هبقى أسعد واحد في الدنيا.
كانت تستمع إلى كلماته بسعادة. وعند نطق عبارته الأخيرة حتى نسيت فرحتها بنتيجتها. وهدرت به بطريقة تهديد جعلته يضحك بشدة:
ــ اتلم يا زيد في الكلام معايا. أنا مش بتاعة الحوارات دي. أنا بنبهك على فكرة. لما تيجي تتكلم معايا مش بحب أسمع أضمك ولا أحضنك ولا الكلمات المقرفة اللي لسانك متعود عليها دي. وإذا كان على النتيجة اللي انت جبتها لي شكراً يا سيدي. مع السلامة بقى.
ضحك بشدة على طريقتها المهلكة في الاعتراض. لينطق بدعابة:
ــ بقى كده يا ليلى. بعد ما سهرت ليلة كاملة جنب الراجل وعذبته معايا علشان أجيب لك النتيجة اللي أكيد من الصبح قاعدة مستنياها ومتوترة. وأول ما تعرفيها تسيبيني وتمشي! يعني كده تاخديني لحم وترميني عضم. اخص عليكِ ما كانش العشم يا لولا. طلعتي من بتوع مصلحتي ثم مصلحتي.
رغماً عنها ضحكت من طريقته. فاستمع إلى ضحكاتها مردداً بمشاغبة أحبها معها:
ــ يا سلام على الضحكة. أهي الضحكة دي بتفتح سكة. وعلى رأي الفنان ضحكت يعني قلبها مال.
ابتسمت من قلبها ثم هدأت من ضحكاتها لتشكرها على اهتمامه بنتيجتها:
ــ بشكرك جداً وانك تعبت نفسك علشان تجيب لي النتيجة.
وأكملت بنفس دعابته:
ــ ربنا يخليك للغلابة يا مستر. سلام.
أغلقت الهاتف على الفور بعد أن انتهت من دعابتها. مما جعله يشعر بالحزن كثيراً. فلم تطول مكالمتهم. فهو كان يُمنِّي حاله بكثيرٍ من الكلام وأن ينال في قلبها مكاناً بعد أن بشرها بنجاحها وتفوقها وأنها وصلت لمرادها. ثم قام بالتدليك على صدره وكأنه يهدئ قلبه من خفقانه الشديد حين يتحدث معها:
ــ معلش يا قلبي. ما انت ياما دوبت قلوب وحيرتهم معاك. لازم تدوب وتتحير انت كمان وتدوق من نفس الكاس. بس برضه مش هيأس يا ليلى ومش هسيبك ومش هتكوني غير ليا مهما مر الوقت ومهما اتوجعت من عنادك وفراقك. بس الوجع لو منك انتِ يبقى أهلاً وسهلاً بصدرٍ رحب.
وأجمل ما قيل عن الحب أنه سلطان. ولذلك فهو فوق القانون. فالحب كالحرب من السهل أن تشعلها ومن الصعب أن تخمدها. وهو اللعبة الوحيدة التي يشترك فيها اثنان ويكسبان فيها معاً أو يخسران معاً. فقد يولد الحب بكلمة ولكنه لا يمكن أبداً أن يموت بكلمة. ففي الحب خطابات نبعث بها وأخرى نمزقها. وأجمل الخطابات هي التي لا نكتبها.
ثم دوَّن تلك الكلمات على صفحته الشخصية وهو يضع قلباً باللون الأحمر وبجانبه حرف L. وكأنه يتيقن من رؤيتها لكلامه. أما هي، أخبرت والدتها بنتيجتها وبكل ما حدث بينها وبين زيد. فتناست والدتها كلماتها عن زيد وصارت تهلل وتكبر بسعادة غمرت روحها وملأت المنزل بالزغاريد لنجاح ابنتها بل لتفوقها. وهي تؤكد عليها تلك الآية التي كانت دوماً ترددها على مسامعها: "إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً".
أخيراً أتى اليوم المنتظر. يوم كتب كتاب هاشم وحنين. والسعادة كانت تزين ملامحهم. فقد كانت حنين ترتدي فستاناً باللون الأبيض ضيق من الخصر ويهبط باتساع. وتاركة لشعرها العنان على ظهرها. فهي تقف في غرفة كلها أصدقائها الفتيات. وكانت جميلة للغاية بمظهرها الرقيق وبعض من لمسات التجميل الرقيقة. تهلل فرحاً بين صديقاتها وهي تنتظر هاشمها بشوق بالغ. فهو في الأيام الأخيرة كان يهتم بها وكان يحاول بقدر الإمكان أن يتحدث معها. ولكن وقت قليل يكاد يطمئن عليها ويعرف بعض الأشياء عن يومها ثم يعود لعمله مرة أخرى.
كان زيد يقف بجواره هو ويحيى يتابعون هيئته بعناية. وهو يردد برفض:
ــ يا عم زيد إنت ويحيى، أنا مش عايز ألبس أبيض. يا عم أنا عاجبني اللوك الأسود وشايف نفسي فيه أحسن من الأبيض. اللبس ده راحات يا جدعان.
أصر زيد على ارتدائه لذاك اللون بالتحديد مشجعاً إياه:
ــ يا غشيم انت في حاجة اسمها ألوان لكل مناسبة. وإحنا الأيام دي الموضة ماشية إن العريس يعمل ماتشينج مع العروسة. فهي لابسة أبيض في كتب الكتاب. انت كمان تلبس. وفي الفرح يا عم ابقى سودها براحتك وعلى كيفك. ومش هتلبس غير اللوك الأبيض يا هاشم. ويلا انجز بقى علشان إحنا متأخرين على العروسة بدل ما تغضب عليك وتديك كارت إنذار من أولها. وأبوك كمان واقف بينفخ برة.
نفخ بضيق لينطق بزهق:
ــ أنا هلبسه وامري إلى الله. بس اعملوا حسابكم أنا مش مستريح في الأبيض في الأبيض اللي أنا لابسه ده.
هتف يحيى بلا مبالاة لذاك المتحجر:
ــ والله بقى مش شغلتنا تستريح ولا مش هتستريح. أهم حاجة إن انت هتروح لعروستك بمظهر يليق بيك وبينا إحنا كمان كأصحابك. ما تعرناش يالا. هيقولوا علينا أصحاب بعير مش عارفين نلبس العريس.
بدأ في ارتداء الملابس وهو يشعر بالاستياء من نفسه. ولكن أصدقاءه كانوا يقفون على رأسه في كل شيء. وبعد أن انتهوا بدأوا بالتحرك إلى منزل العروس. ولكن هاشم صعد السيارة مع صديقيه. وكانوا متحركين بسيارة زيد. ثم وقف بالسيارة أمام محل الورود ليسأله هاشم وهو ينظر في ساعته:
ــ وقفت ليه؟ إحنا متأخرين وحنين بعتت لي كذا رسالة.
أجابه زيد وهو يهبط من السيارة بتعجل:
ــ هنجيب بوكيه ورد عشان تقدمه للعروسة وانت داخل عليها. الشياكة والأناقة والبرستيج بيقول كده. طالما انت دماغك في البلالا كده.
أسرع زيد ليستلم بوكيه الورد. أما يحيى، نطق بسخرية لذاك الهاشم:
ــ هو انت ميح قوي كده يا عم هاشم؟ ده انت في الطراوة خالص ولا تفقه أي شيء في أمور الجنتلة لا مؤاخذة يعني.
برزت عروق هاشم بغضب لسخرية ذاك اليحيى:
ــ بلاش انت والنبي يا عم النحنوح اللي تتكلم عن أمور الجنتلة. ده انت البت ضاعت من إيدك وكان هاين عليها تقول لك تعالى اخطبني بقى. وانت ما شاء الله عليك في الغشومية ما عندكش ياما ارحميني. واما اتجوزت قعدت تنحنح عليها.
وظل كلاهما يكيل للآخر بمشاغبة كعادتهم. إلى أن عاد زيد وهو يناوله برقية الورود وتحرك بالسيارة. ثم سأله باهتمام:
ــ جبت الهدية الدهب اللي أنا قلت لك عليها؟ وجبتها شيك كده حاجة رقيقة ولا عملت نفسك من بنها ونسيت كالمعتاد؟ وما بتفتكرش غير في التورت والجاتوهات؟
أشاح بيده بملل من تحكماتهم ليجيبه وهو يحرك رأسه للأمام:
ــ اه جبتها. وانجز بقى عشان انتوا زهقتوني وجبتوا اخري.
ضحكا كلاهما على خلقه الضيق وتحركوا سريعاً. حتى وصلوا إلى منزل العروس. فتمسك به زيد قبل أن يدخلوا إلى المكان وهو يدلي عليه نصائحه:
ــ بوكيه الورد في إيدك اليمين والهدية في إيدك الشمال. وتطلع على السلم وانت فارق ظهرك. وأول حاجة تعملها أول ما تدخل على العروسة تناولها بوكيه الورد وتبارك لها وانت بتبوسها من راسها بشياكة. وبعدين تطلع الهدية وتفتحها وتقول لها كلمتين حلوين بدل ما انت منشفها عليها. أنا عارفك.
برقت عينيه بحدة بحماقة ذاك الزيد من وجهة نظره:
ــ جرى إيه منك؟ ليه انت هتعلمني أتعامل مع مراتي إزاي ولا إيه! ما تنجز يا عمنا.
هتف يحيى بانزعاج لذاك المتسرع:
ــ لا مؤاخذة يعني يا هاشم. لازم نقول لك الكلام ده علشان إحنا عارفين إنك قفل مع صنف الحريم شوية. وإحنا مش عايزين البنت تتنكد يوم كتب كتابها.
كاد أن يقذفهم ببوكيه الورد. فاعتذروا له عن طريقتهم الساخرة وقاموا باحتضانه قبل أن يدخلوا وهم يباركون له بسعادة حقيقية. فهم فرحون بزواجه للغاية. كانت الأجواء مفرحة وصوت الأغاني يصدح في المكان. وبعد قدومهم وصل المأذون هو الآخر. وبدأوا بمراسم كتب الكتاب في مشهد يفرح القلوب ويدخل السرور على النفوس. فما أجمل أن يلتقي شخصين في حلال الله. انتهى المأذون من عقد كتابهم. ثم أخذ أخو العروس الدفتر وقام بالذهاب إليها كي تمضي هي الأخرى على عقد زواجها. وقد تيقن المأذون من موافقتها.
كانت تمسك القلم وتمضي بيد مرتعشة. فتلك اللحظة من أسعد اللحظات لقلب حواء. وهي تتويج اسمها على من عشقت. فيا لها من فرحة تجبر قلوب بناتنا أجمعين. بعد مرور نصف ساعة كان الجميع يلتفون حول العريس يباركون له من أهله وأهلها بسعادة حقيقية. وحانت اللحظة الحاسمة لأن يدخل إلى عروسه كي يبارك لها. صعد الأدراج. فكان الرجال في الطابق الأول من المنزل. فهو للاستقبال فقط. أما العروس كانت مع صديقاتها في الطابق الثاني.
كان يشعر بلهفة للقائها وهو يصعد الأدراج بطلته البيضاء التي ستخطف قلب حنينه. وبيده الورد وهديتها في تلك العبوة الحمراء الملتفة بشريط لامع نفس اللون. دلف إليهم بخطواته الثابتة المتزنة. وهو يرفع قامته بشموخ فارداً ظهره بوقار. لتلتف إليه أعين جميع من بالحفل البسيط من فتيات وسيدات الحي. وهم منبهرين بعروس حنين التي رفضت كثيراً وكثيراً لأجل ذاك العريس الوسيم للغاية. ثم خطت قدماه إلى عروسه. وحينما وقف أمامها انبهر بجمالها الشديد. وهي تقف بطلتها المتحررة. حيث كان الفستان بأكمام شفافة وشعرها ينساب على ظهرها. أعطاها مظهراً جميلاً للغاية. ناولها الورود أولاً. فاخذتها منه وقلبها يدق بعنف داخلها. ثم جذبتهم إلى أنفها كي تشم رائحتهم الطيبة. فكانت باللونين الأحمر والأبيض فقط. مما نال إعجابها بشدة. ثم اقترب منها وقبلها من جبينها قبله وقار وهو يبارك لها:
ــ مبروك يا حنيني. بقيتي مراتي على سنة الله ورسوله. وبقيتي حنين هاشم عبد الرحمن.
ردت مباركته بخجل وهي تشعر أن الجميع عيونهم منصبة عليهم. وتومئ برأسها للأسفل:
ــ الله يبارك فيك يا هاشم.
ثم قدم لها هديته أمام الجميع. فانبهرت بها. فكانت عبارة عن سلسال من الذهب المرصع بالفصوص البيضاء باسمها. فقد أوصى الصائغ أن يصنعها خصيصاً لأجلها. كانت السيدات تنظر إلى هديته بأعين متسعة وهم يتهامسون مع بعضهم ما بين حاسد وحاقد وفرح من قلبه. ثم بدأوا بالرقص مع بعضهم برقة تليق بهم. حتى انتهت مراسم كتب الكتاب وغادر الجميع. وتركوا العريس لعروسه. الذي ظل يلقي على مسامعها من كلام الغرام ما جعلها تندهش.
وانتهى اليوم على موعد للزفاف بعد أسبوع من كتب كتابهم. كانت حنين في ذاك الأسبوع مشغولة للغاية في تجهيز عشها وفستان زفافها ومكان التجميل الذي ستتوج منه عروس. حتى أتى يومها. وكانت عروساً تشهد له العيون بجمالها الأخاذ للغاية. كانت تتراقص مع هاشمها ومع أصدقائها بسعادة بالغة. وكان هو الآخر ناسياً حاله معها ويرقص بسعادة. حتى انتهت مراسم زفاف حنين وهاشم. واستقلوا سيارتهم للذهاب إلى شقتهم. كي يبدأوا حياة الزوجية. بعد أن وصلوا وودعها أهلها. صعدت إلى الأعلى. وجدت أم هاشم تقف على باب شقتها وهي تمنعها من الدخول. وتليها ابنتيها. لتنطق إحداهما وهي تأمر حنين:
ــ لازم قبل ما تدخلي تعدي من تحت باط حماتك وتبوسي أيديها وراسها وتتمني محبتها وودها.
بهتت ملامح حنين للغاية وهي تنظر إليهم بصدمة. وإلى هاشم بذهول لما يطلبونه منها. حتى نطقت الأخرى حينما قرأت اندهاشها:
ــ بلاش وشك يحمر كده يا حبيبتي. كلنا عملنا كده مع حمواتنا. ودي عادات وتقاليد عيلتنا وانت لازم تمشي عليها.
إلى هنا صمت الكلام على لسانها والصدمة ألجمت فمها. ولم تعرف بما ستفعل. هل ستنصاع لأمرهم وتذل من أول يوم لقدومها ذاك المنزل أم ماذا. أم هاشم كان ينظر إلى الموقف بعينين متسعتين. ووالدته ترد لهم النظرات بتحدي. واشتعلت الأجواء بشدة.