تحميل رواية «مشاعر موقدة» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتهى من إلقاء حصته معهن وما زالت عيناه تتفحصها بغرور، فهو يريد إيقاعها في شباكه وهي لم تراه من الأساس. فقرر العزف على أوتار غيرها الأنثى ليردد لتلك الفتيات: إيه رأيكم يا بنات في شرح النهارده؟ أظن ما فيش مدرس يقدر يشرح لكم مادة الفلسفة والمنطق زي مستر زيد؟ نظرت له الفتيات بحالمية لتردد أحداهن بانبهار وهي تعبث بنظراتها اتجاه صدره، وبالتحديد على تلك السلسلة التي يرتديها، متفحصة إياه من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه بصوت مملوء بالدلال: بجد يا مستر ما فيش حد زيك يقدر يشرح مادة الفلسفة والمنطق بالطريقة ال...
رواية مشاعر موقدة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فاطيما يوسف
بلاش وشك يحمر كده يا حبيبتي، كلنا عملنا كده مع حمواتنا ودي عادات وتقاليد عيلتنا، وأنتِ لازم تمشي عليها.
إلى هنا صمت الكلام على لسانها، والصدمة ألجمت فمها، ولم تعرف بما ستفعل. هل ستنصاع لأمرهم وتُذل من أول يوم لقدومها ذاك المنزل أم ماذا؟
أما "هاشم" فكان ينظر إلى الموقف بعينين متسعتين، ووالدته ترد لهم النظرات بتحدٍ، واشتعلت الأجواء. فنظرت إليه حنين تستنجد به أن ينقذها من ذاك الموقف البشع من وجهة نظرها بشدة، لينطق متسائلًا باستنكار لما يحدث:
ــ هو في إيه يا ماما؟ وإيه اللي بيحصل ده؟ وبناتك واقفين في وقت زي ده في شقتي بيعملوا إيه؟ وإيه اللي هم بيطلبوه ده أصلًا؟!
فضّوا الحوار اللي ما لهوش 30 لازمة حالًا، علشان مش عايز مشاكل من أولها.
كانت إحدى شقيقتيه ستتحدث وترد بدلًا عن والدتها، إلا أنها منعتهم لتنظر إلى ابنها بتحدٍ وهي تعيد على مسامعه ما قالته ابنتها بتأكيد أذهلهم:
ــ لا يا عين أمك، الحوارات دي أنت ما لكش فيها. نسوان إخواتك اللي تحت عملوا معايا كده، وهي مش أقل منهم في حاجة، وأنت عارف هم مين وولاد مين بالظبط. ودي عوايدنا وتقاليدنا، العروسة عندنا لازم تعدي من تحت إيدين حماتها وتطلب منها الرضا، وأنت ما تتدخلش في الحوار ده خالص، طلّع نفسك منه، لأن العادات والتقاليد بتاعتنا ما بنخالفهاش أبدًا.
خلل أصابعه بين خصلات شعره الفحمي وهو ينظر إلى والدته بذهول، لينفخ بضيق وكاد أن يتحدث، إلا أن "حنين" نطقت تلك المرة برفض قاطع لتلك المهزلة وذاك الهوان الذي يريدون أن يضعوها فيه من أول ليلة لها في هذا المنزل، وهي لم ترضَ بالذل أبدًا:
ــ العوايد والتقاليد اللي أنتم بتتكلموا عنها دي يا حماتي انتهت من زمان. إحنا دلوقتي الزمن اتقدم، وما أعتقدش إن حد بيصدق في الخرافات دي، وأنا عمري ما أعمل اللي أنتم عايزيني أعمله ده. يستحيل أذل نفسي لأي مخلوق على وجه الأرض، أيًا كان مين وأيًا كانت العواقب.
اشتعلت الأجواء بينهم من كلام تلك العروس التي ترفع رأسها في السماء أمامهم وترفض ما قالوه بعزة، لتنطق شقيقة "هاشم" وهي تنظر إليها بغل وهي تضع يدها في خصرها وتهز جسدها بغيظ شديد:
ــ يبقى أنتِ كده يا حبيبتي مش هتعمري في البيت ده. طالما داخلة لنا بكبر وبتكلمنا من طراطيف مناخيرك. إحنا عندنا هنا أمي الكل في الكل، وكلامها يمشي على الكبير قبل الصغير، وعلى الراجل قبل الست. وإن ما كنتيش تاخدي رضا حماتك قبل ما تعتبيها، يبقى مش هتعتبيها، وتروحي على بيت أبوكي بفستان فرحك، وتجيبي لنفسك ولأهلك الفضايح والعار لما يلاقوكي راجعة لهم ليلة فرحك بالفستان، واقعدي خلي جنبهم بقى طول العمر.
انفعلت "حنين" بشدة من ثرثرة تلك المرأة وكلامها العنيف وتحكمها بها، لتهبط دموعها بغزارة على وجنتيها وهي تنظر إلى "هاشم" تستنجد به مرة أخرى أن يفض ذاك النزاع ويبعدهم عنها ويكتم أفواههم عن ما قالوه، ليقحمهم بالرد القوي وهو يحتضن زوجته برعاية وتملك بإحدى يديه، وباليد الأخرى يشير إلى شقيقتيه آمرًا إياهم أمرًا لاذعًا لا يقبل النقاش، مما أذهلهم:
ــ أنتِ مين أنتِ وهي علشان تتحكموا فيها وأنا واقف؟ وتقرروا مصيري ومصيرها وكأني قرطاس لب واقف قدامكم؟!
طب لو سمحتي منك ليها، اتفضلوا من غير مطرود من شقتي، ومش عايز أشوف واحدة فيكم تعتب عتبتها ثاني لو هتعملوا لي مشاكل من أولها.
واعملوا حسابكم إن أنا مش زي أي حد، ومش هرضى إن حد يذل مراتي ولا يجي عليها ولا يأمرها تعمل حاجة هي مش عايزاها. وأنتم الاثنين طلعوا نفسكم بره حياتي نهائي، روحوا شوفوا حياتكم وحالكم، واعملوا القرف اللي أنتم بتقولوا عليه ده في بيوتكم، أما أنا محدش يحكم عليّ في بيتي مهما كان.
ويلا من غير مطرود ثاني مرة.
هنا نطقت والدته بتعجب مغلف بالاستنكار، بعدما تشعب الغضب برأسها وتتطاير الشر من عينيها:
ــ أنت اتجننت!
أنت بتطرد إخواتك البنات من شقتك من أول ساعة البت دي دخلت فيها بيتنا؟!
إزاي تتعداني؟ تتعدى أمك يا هاشم وتعمل كده!
أنت كده بتستدعي غضبي عليك، وأنت عارف كويس لو غضبت منك مش بصفى بسهولة؟!
قبل أن يتحدث "هاشم" ويجيب والدته، هتفت "حنين" باستنكار لطريقتها، فهي لن ترضى بالذل أبدًا:
ــ لو سمحتي يا حماتي، أنا جاية البيت ده علشان جوزي مش متجوزة أمه ولا إخواته.
أنا أشيلكم على راسي من فوق لو هتعاملوني باحترام. ثاني حاجة أنا لما تيجي تتكلمي عني تقولي حنين مش بت. أنا متعلمة تعليم عالي وخارجة من بيت ناس ولاد أصول، وما ينفعش أتعامل بالطريقة دي من أول ساعة ليا في البيت ده.
ثم أكملت وهي ترفع فستان زفافها بكلتا يديها وتعطيهم ظهرها منتوية المغادرة، مما أذهل "هاشم" وجعله يتمسك بها:
ــ وإذا كان على كلام بنتك إني مش هعتبها وهرجع بيت أبويا، ما عنديش مشكلة خالص. على الأقل بيت أبويا بيت العز اللي عمري ما اتهانت فيه، طول عمرهم بيعاملوني على إني ملكة متوجة، وزي ما بيعاملوا مرات أخويا اللي دخلت بيتنا ورحبنا بيها ومعملناش معاها زي ما أنتم عايزيني أعمل كده، يبقى همشي وحتى لو هقعد من غير جواز طول العمر بس هقعد بكرامتي في بيت أبويا، البيت اللي عشت فيه معززة مكرمة طول حياتي اللي فاتت.
كادت أن تسير لتتخطاه، ولكن يده حالت دون ذلك، فقبض على ذراعها بقوة يوقفها ناهرًا إياها بسيل من الغيظ تدفق بين حروفه:
ــ أنتِ رايحة فين يا بنتي أنتِ!
إيه الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده؟!
اثبتي مكانك لو سمحتي، مش عايز لعب عيال، أنتِ مش متجوزة عيل ما يعرفش يفض مشكلة تافهة زي دي.
ثم أعاد النظر إلى ثلاثتهن وغمغم بهم بحروف مشدودة بالغضب، فظهرت ابتسامة ساخرة على وجوههم، واندثر خواء عيناهم وتلك الغيرة الهوجاء من "حنين" لدفاع أخيهم عنها بتلك القوة تبعثرهن، واحتلت ساحة عيناهن، ليستطرد بشراسة:
ــ قسمًا عظمًا لو ما أخدتيش أختك ونزلتوا دلوقتي أنتِ وهي، لا هتشوفوا مني وش عمركم ما شفتوه قبل كده. وابعدوا عني وعن حياتي، يا إما أنتم عارفين إيه اللي هيحصل بالظبط. ومفيش واحدة فيكم تعتب شقتي مرة تانية إلا إذا كانت جاية ناوية الخير، غير كده مش عايز أشوفكم ولا عايز مشاكل من ناحيتكم.
ثم علا صوته بحدة أرجفتهم:
ــ اطلعوا بره أنتِ وهي، جاتكم القرف، نكدتوا عليا ليلة فرحي.
ارتعبت كلتاهن من تهديده، فهم يعرفونه جيدًا. إذا وصل لقمة غضبه سوف يجعلهم يندمون، وأول الندم هي رفد أزواجهم من مصنعه، فهم يعملون عنده برواتب لم يحلموا بها.
فتمسكت إحداهن بيد الأخرى، ولكن دواعي الشر داخلهن أجبرت لسان إحداهن على بث السم قبل أن يغادرن:
ــ إحنا ماشيين، ومفيش داعي إنك تحمر لنا عينيك وتهددنا. إحنا مش شغالين عندك، إحنا أخواتك يا هاشم بيه، وإحنا الغلطانين إننا عايزين نعملها مننا واحدة زينا ويكون قلبها على قلبنا. عمومًا إحنا ماشيين، وشقتك دي مش هنعتبها ثاني، وانسى إن ليك إخوات بنات.
مع السلامة ياما، بعد ابنك ما طرد بناتك من بيته، ملناش مجية هنا ثاني ولا عندك ولا عنده. يلا يا نشوى.
غادروا المكان بعد أن أفسح لهم أخيهم المجال للمغادرة وهو يبسط كف يداه مرحبًا بخروجهم من شقته ومن المنزل بشكل عام، فرفعت والدته حاجبيها ساخرة باستنكار، لتنطق باندفاع وحدة مقصودين وهي تنظر إلى ولدها بغضب عارم:
ــ أنت اتجننت! بتعلي صوتك على إخواتك وبتطردهم من بيتي قدامي بدون ما تعمل لي أي اعتبار؟!
قلبي وربي غضبانين عليك يا هاشم بسبب اللي أنت عملته. إلا إخواتك البنات ما ينفعش تعمل معاهم كده، وإنك تبهدلهم بالشكل ده، ولا تخرجهم من بيتك وهم مكسورين الجناح. وأنا كمان نازلة وسايبها لك مخضرة لست الحسن والجمال اللي من أول ما رجليها دبت في البيت طردت إخواتك وغضبت قلب أمك عليك.
ثم تحركت خطوتان وأكملت وهي تنظر داخل عينيه بنفس الغضب وهي تشير بسبابتها إلى عروس ابنها باحتقار:
ــ وأنا برضه مش هعتبها لك ثاني، ولساني مش هيخاطب لسانك، ولا أنت ولا دي بنت الأصول.
مسح "هاشم" على خصلات شعره المصفف بعناية وهو يشعر بالاختناق الشديد من غضب والدته عليه وكلامها الثقيل ونظراتها المحترقة لزوجته المسكينة، وهو يمنعها من النزول متقدمًا منها واضعًا يديه على كتفها وحاول جذب رأسها لمراضاتها:
ــ يا أمي ما ينفعش اللي بيحصل ده بجد!
يعني ينفع تنكدوا عليا أنتِ وبناتك يوم فرحي، وكمان عايزة تنزلي زعلانة وغضبانة عليا كمان؟ هو ده يرضي ربنا؟
حاولت نزع رأسها من بين يديه بحدة وهي تمسك بكف يديه وتُبعدُها عنها لتهدر به بصياح غاضب وهي تنظر إلى تلك الواقفة نظرات نارية:
ــ ما هو باين من عتبة البرنسيسة إن أول حاجة تحصل ما بينك وما بين أمك تغضب عليك علشان تعرف إنها أقدام وأعتاب.
ابتلعت "حنين" أنفاسها بصعوبة بالغة، لتنطق بنبرة متوترة للغاية والحروف تتلجلج على لسانها ونظراتها زائغة بينهم لتلقي على مسامعهم ما أذهل "هاشم":
ــ بعد إذنك يا ماما، حطي إيدك علشان هخطّي تحتها وآخد رضاكي اللي أهم حاجة في ليلتي النهاردة.
اتسعت مقلتا "هاشم" مما ردده فاهها ليسألها بذهول:
ــ أنتِ بجد هتعملي كده برضاكِ يا حنين؟!
لو مش حابة بلاش، أنتِ محدش يقدر يغصبك على حاجة أنتِ مش عايزة تعمليها؟!
زاغ بصرها وشعرت ببعض القوة والانتصار من مساندته لها، ولكن فكرت سريعًا، فهي لم تُرد معاداة حماتها من أول وهلة لها في هذا المنزل، وإن لم تفعل ما طلبته منها ستضعها في رأسها ولم تهنأ مع هاشمها وستعيش حربًا هي في غنى عنها في بدء حياتها، لتومئ برأسها للأمام مؤكدة له مما أدهش الأخرى:
ــ متأكدة يا هاشم، مفيهاش حاجة. وبعدين مامتك بقت مامتي التانية، ولما ماما تطلب حاجة يبقى من عيوني.
ثم تحدثت برقة اصطنعتها بذهول مصاحبة لبعض الدلال وهي تطلب من حماتها ذاك الذي أدهشها هي الأخرى وجعل نظرات عينيها تسهمت أمام تلك العروس الغريبة في تصرفاتها:
ــ ممكن تحطي إيدك يا ماما علشان أنفذ العوايد والتقاليد اللي في عيلة جوزي حبيبي؟!
رفعت حماتها حاجبها باندهاش ثم نطقت باستفسار مغلف بالاستنكار:
ــ طب اشمعنى دلوقتي يا مرات ابني، وبعد ما كسرتي بخاطر بناتي كمان وخلتيهم ماشيين زعلانين ومتنكدين من بيت أخوهم ومطرودين كمان وكأنك قصداها؟!
لم تُرد تلك الحنين اختلاق منازعات بينهم، واستخدمت عقلها أمام تلك العنيدة المتسلطة ثم بررت موقفها:
ــ معلش يا ماما، أنا لسه عروسة وصغيرة ومعرفش حاجة عن الحاجات دي واتاخدت مرة واحدة. حقك وحقهم عليا، وبكرة هخلي هاشم يكلمهم يعتذر لهم وأنا كمان.
لوت تلك الأخرى شفتيها بامتعاض لتفرد يدها على وسعها، وعلى الفور خطت "حنين" من تحت إبطيها وهي تشعر بالاستياء من تلك الفعلة، وملامح وجهها انقلبت من السعادة في يوم زفافها إلى العبث، ولكن الأخرى نظرت إليها بأعين ساخطة وهي تردد باستياء ومباركة معدومة الفرحة والذوق:
ــ مبروك يا عروسة. أنا نازلة.
غادرت المكان بحدة دون أن تحتضن تلك العروس المسكينة التي رضخت لرغبتها، وتلك الفعلة تعني الكثير والكثير، وأول المعاني لتلك الحنين أنها وقعت في فخ الحموات الأفاعي وعليها أن تتحمل.
أما "هاشم" فأقدم إليها رافعًا رأسها أمام عينيه وهو يحتضن وجنتيها وثبت أنظاره داخل عينيها بنظرة حنونة سحرت حنينه وأنسَتها ما حدث. كم أنتِ مسكينة يا "حنين"، من مجرد نظرة أفقدتك صوابك وخر قلبك صريعًا تحت أجنحة شوق الهاشم!
لينطق هو بصوت أجش خشن متأثرًا بقرب امرأته، بل حسناء بنات حواء، بما أرجف القابع بين أضلعها من همسه:
ــ مبروك يا حنيني. شكلك كان زي القمر في الفرح، كنتِ أميرة.
اتسعت ابتسامتها الحالمة مرحبة، متمنية أن يتحدث معها الباقي من عمرها بذاك الهمس الحساس ونفس تلك النظرات التي بها عبر عن شوقه للنيل من اقترابها وسحبها لعالمه. ثم أومأت إليه وعينيها تتطاير منها قلوب حمراء مردفة برقة:
ــ الله يبارك فيك يا هاشم، ويارب دايما عيونك يشوفوني حلوة.
نظر إلى عينيها وقال بتلهف لاحتياجه الاقتراب منها، فهي حينما أصبحت أمامه وحدهم ورائحتها الجميلة التي عبأت صدره أسكرته كأي رجل في اقتراب أنثاه تتحكم به غريزة مراوضتها، ثم قبلها من وجنتيها قبلات رقيقة ناعمة جعلتها تاهت في لحظة ونسيت كل شيء حدث منذ قليل من مجرد لحظات في أول لقائهما، ومع كل قبلة ينطق بهمس أجش جعلها هامت به عشقًا وتجاوبت معه وهي تضع يدها خلف رقبته محتضنة إياه:
ــ أنا نفسي في قربك قوي يا حنين. مشتاق ومكنتش عارف إني هبقى كده. ملهوف عليكِ.
لم يمهلها وقتًا للتفكير ولا أن تستوعب قوانين بدء القرب وسحبها لعالمه الخاص بطريقته، طريقة رجل وجد امرأته بين يديه وليست قوانين المحبين، فلم يفقهها ذاك الهاشم جيدًا، ولكنه كان في عالمه معها رجلًا أنانيًا في متطلباته، وكأنها تفقهها جيدًا. تائهًا بين يديها بما يريده فقط دون أن يجعلها تستوعبه أو يعطيها فرصة الدلال عليه. وانتهت ليلتهم بعدما فاض بها وفاضت به، ينام بعيدًا عنها وليست ساكنة لأحضانه كما حلمت تلك الهائمة مرات ومرات بأنها ستسكن أحضان حبيبها بعد لقائهم العاصف واقترابهم المحبب إلى قلبهم، ولكن هيهات "حنين"، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وباتت ليالٍ عديدة على ذاك النظام دون أي حديث بينهم، فقط اقتراب يلبي رغبة جسده في امرأة حللها الله له، كان كالآلة معاملته معها أخذ ورد دون عطاء فياض من المشاعر الجميلة بين كل زوجين. وهي إلى الآن مستسلمة لطريقته أو رافضة أن تشاور عقلها الأمر، ويبدو أنها لم تستوعب إلى الآن.
نظرت إلى سيارتها المحشورة بين الحائط وسيارة أخرى تقدمت عليها، ولم تعرف كيف ستتحرك فشعرت بالإحباط الشديد وهي تحدث حالها بقلة حيلة:
ــ يا ربي أعمل إيه دلوقتي؟ عايزة أروح عشان ألحق المحاضرة على اللاب؟!
ثم نظرت حولها كي ترى طريقة تستطيع الفكاك بسيارتها، ولم تعرف ومحاولتها باءت بالفشل، فذهبت إلى ذاك الرجلين الواقفين بجانب إحدى السيارتين المحتجزة لسيارتها الصغيرة كي تطلب منهم العون:
ــ بعد إذنك يا باشمهندس، ممكن أعرف عربيات مين دي؟ عايزة أخرج عربيتي علشان أروح ومش عارفة أعمل إيه، ممكن تساعدوني؟
أجابها أحدهم بكبرياء من أسفل نظارته دون اعتناء بها أو أن يكترث لذهابها:
ــ معلش مضطرة تستني لما رسلان بيه يخلص محاضراته ونتحرك بالعربيات، ما عندناش أوامر إننا نحركها من مكانها.
رفعت حاجبيها ساخرة باستنكار باندفاع وحدة مقصودين:
ــ نعم!
حضرتك بتقول إيه؟
أنا مش فاضية إني أقف أستنى حد، أنا عندي ميعاد محاضرة لازم ألحقها.
وبعدين مين رسلان ده اللي أنا هقعد أستناه لحد ما يخلص براحته عشان أطلع بعربيتي؟ هو في إيه بالظبط ولا أنتم مين أصلاً؟
تمتم الرجل الآخر ببرود دون أن ينظر لها:
والله دي أوامر ولازم تمشي على الكل، حضرتك لو مش عاجبك الباب يفوت 100 جمل، روحي لعميد الجامعة، لكن إحنا ملزمين بأمان رسلان باشا وسواقين العربيات مش جاهزين ولا موجودين إنهم يحركوها من مكانها.
جحظت عينيها لحديث ذاك الآخر وتلك الطريقة المهينة التي تعاملوا بها معها لتنطق بحدة:
والله الأوامر دي تمشي عليكم أنتم، أنا ما ليش دعوة بالحوار ده، أنتم اللي حجزتوا على عربيتي وزنقتوها وسط العربيات بتاعتكم، فالأوامر دي ما تخصنيش.
ولو سمحت عيب اللي بيحصل ده، كلم رسلان اللي أنت بتتكلم عنه ده خليه يحرك عربياته علشان أمشي، مش ناقصة تفاهة هي، ما عنديش وقت أنا أستنى سيادة معاليه لما يتكرم ويتعطف عليّ علشان أتحرك بعربيتي، مش فاهمة إيه التهريج اللي بيحصل ده؟
بعد أن انتهت من كلماتها وجدتهم يقفون كما الأصنام، ففقدت آخر ذرة صبر في تأدبها معهم، فهي بطبعها خجولة ولا تحبذ المشاكل ولا الصياح ولا أن يعلو صوتها في مكان خارج بيتها، ولكن صدق المثل: اتقِ شر الحليم إذا غضب. فتحركت خطوتان تجاه إحدى السيارتين ثم قامت بالدق على سطح السيارة بزهق لم تصل إليه قبل ذلك:
حرك العربية بقى وكفاية مهزلة يا عديم الذوق منك ليه.
كان يقف جانبًا بكل برود يشاهد تلك الفتاة التي يعلو صوتها أمام حراسه مستندًا على الحائط وقد منع حراسه من التفوه ببنت شفة حينما رأوه. كان يستمع إلى صياحها وحينما دقت على سيارته لم يتحمل فاقترب منها وهو ينظر إليها من أعلى إلى أسفل مرددًا بتهكم:
وأنتِ بقى قد خبطتك على العربية دي يا بتاعة أنتِ؟
قال كلامه الهمجي مشيرًا لسيارته التي تقف بجانبها، فأومأت هي برأسها ساخرة بتلقائية من تلك الطريقة التي لم ترَ مثلها من قبل، ويبدو أنها ستواجه في تلك الجامعة من كل الأناس على مختلف التربية والذوق ما لا يعد ولا يحصى، ولكنها أفحمته بما جعل عروق رقبته بردت من ردها:
البتاعة دي لما تكون بتقصد سلة الزبالة اللي أنت حاجز بيها على عربيتي مش أنا يا بتاع أنت؟
بعد أن أنهت كلماتها الساخرة منه والمهينة له لمحت أثر تلك الإهانة تنحر كبريائه بين أغوار عينيه التي أصبحت أشد ظلمة وقسوة، فاقترب منها وعلى حين غرة ضغط بيده على ذراعها أكثر وهو يحدق بها بغضب عارم يصحبه الصياح المتكبر:
أنتِ شكلك مش عارفة وقعتي مع مين يا زبالة يا لمامة..
قبل أن يكمل طريقته المعتادة في التعالي على أي شخص حاولت نزع يدها من قبضة يديه ولكنها لم تفلح لتنظر داخل عينيه مرددة بقوة وحزم:
شيل إيدك يا متخلف أنت. وأنا مش مستعدة أكمل النقاش الدنيء ده معاك يا نرجسي يا متخلف. اللي زيك انقرضوا من زمان.
ثم على صوتها هادرة به وهي تحاول فكاك ذراعها:
شيل إيدك عني يا وقح.
حاولت نزع ذراعها من بين قبضته بالقوة فأصبحت أمامه ليعود هو ويجذب يديها معًا بقوة خلف ظهرها. ثم اقترب منها حتى أصبح ظهرها ملاصقًا لصدره ليقترب من أذنها هامسًا بخشونة لاذعة وغضبه منها يتضخم بين ضلوعه فلم تفعلها إحداهن وتهينه فكلهن أمامه يخرون بطاعة وتمني أن ينظر إليهن فقط عدا هي:
إن ما وريتك الوقح ده هيربيكي إزاي ما بقاش أنا رسلان أحمد شفيق. ده أنا هنسيكي اسمك وشكلك ومش هخليكي تشوفي لحظة فرح واحدة في حياتك.
رمشت بأهدابها وهي ترفع عينيها التي تتلألأ جواهرها مما حدث لها ثم تحدثت بنبرة مملوءة بالحسرة وما زال قابضًا لذراعها:
صحيح مش كل ذكر راجل، وأنت النهاردة أثبت لي إن كلاب الشوارع الحيوانات أرقى منك يا اسمك إيه أنت. سيب إيدي علشان عيب تتهجم على بنت وتستقوي عليها.
وأكملت بنبرة أكثر هدوء وهي تستفزه أكثر كي تثأر لكرامتها:
ولا مامي معلمتكش الرجولة والإتيكيت والجنتلة يا واد يا بت.
انتفضت أعينه بحدة وهي يطالع تلك الشرسة التي أهانته ولكن تحولت ملامحه إلى البرود.
وقذف بها بعيدًا عن يديه وكأنها عبدة أمامه.
نظرت إليه فلاحظت تمدد ملامحه بضحكة هادئة ثم همس في مسامعها بصوت هدر مخيف لها:
طب يا حلوة أنتِ عجبتيني وهوريكي الواد البت ده هيعمل معاكِ إيه. هدخلك الجحيم على الأرض. هخليكي تتوسلي إن أرحمك من اللي هعمله فيكِ ومش هتعرفي ولا هتلحقي تفرفري حتى. هركبك قطر الموت على إيد رسلان وادعي إن ربنا ينجدك من إيدي بالسلامة علشان أنا هفرمك.
أعلى ما في خيلك اركبه يا متعجرف يا اللي ما شفتش رباية في بيتكم.
تمتمت بها ببرود حافظت عليه فنظر لها من أعلاها لأسفلها متجاهلًا استفزازها ليتابع بصوته الأجش:
ده أنا هركبك الخيل ده وهسفرك بيه على الهادي لجهنم الحمرة بس أنتِ ابقي وريني لسانك ساعتها.
ثم صاح لحراسه مشيرًا إليها:
البت دي ما تباتش في بيتهم النهاردة، عايزها هي واللي خلفوها تحت رجلي فاهمين؟
حركوا العربيات دي خلوها تشم نفسها قبل ما أقطعه لها.
ما إن تحركت السيارات وتحررت سيارتها حتى استقلتها على الفور وقبل أن تغادر نظرت إليه قالت بقوة من نافذتها وهي تنظر بتحدي وقوة غريبة داخل عينيه:
إذا كان الله معنا فمن علينا. وأنا ما بخافش غير من ربنا وهو أماني وحصني وقوتي وهدعيه بكل نفس فيّ يوريني عجايب قدرته فيك وفي غرورك علشان تعرف إن في رب أقوى منك ومن نفوذك وهابص جوه عينيك وأنا باشم نفسي بالقوة وباقولك طظ فيك يا تافه يا ابن مامي.
غادرت بسيارتها ولم تكن تعلم أنها بتلك القوة ورغم أن داخلها كان مرتعبًا إلا أنها كانت تمتلك قوة عجيبة لأول مرة تكتشفها في شخصيتها فلأول مرة تتعرض لذاك الموقف الراهب لها ويبدو أن أيامها القادمة في تلك الجامعة ستكن مليئة بالمواقف الكثيرة وعليها أن تدرب شخصيتها على ردود الأفعال غير المتوقعة كي تستطيع التعامل مع مختلف الشخصيات النرجسية.
وصلت إلى منزلها بوجه متجهم لتستقبلها والدتها بالأحضان الحانية كالمعتاد منذ أن ذهبت إلى الجامعة ولكنها استشفت معالم الحزن على وجهها فسألتها بنبرة قلقة:
مالك يا ليلى وشك متغير وباين عليكِ الزعل مش زي كل يوم، مالك يا حبيبتي؟
تنفست بضيق وقصت لوالدتها كل ما حدث لتشهق والدتها بقلق عارم مما استمعت إليه:
إزاي تقفي تواجهي موقف زي ده لوحدك يا ليلى، ليه ما كلمتنيش أو كلمتِ بابا كنا جينا لك فورًا بدل ما كنتِ عرضتِ نفسك للخطر، أنتِ غلطتي يا ليلى؟
هدأت والدتها وهي تربت على ظهرها:
يا ماما أنا هتعرض لمواقف كتير محتاجة إن أنا أسد فيها بنفسي، مش كل مرة يحصل معايا مشكلة أو حد يتعرض لي المفروض إن أنا أتصل عليكِ أو على بابا، المفروض إن أنا أعتمد على نفسي وأحل مشاكلي اللي بتواجهني علشان أقوي نفسي شوية بدل الخيبة اللي أنا فيها دي، وبعدين الموقف خلص أنا قلت له كلمتين وهو قال كلمتين وخلاص.
هزت رأسها برفض تام لتسألها باهتمام:
مش كل المواقف اللي ما تتصليش بينا فيها، موقف زي اللي كنتِ فيه بين تلاتة رجالة، ما كنتيش تقفي معاهم في نفس المكان ممكن كانوا يعملوا فيكي حاجة أو يبهدلوكي وأنتِ لوحدك بينهم، وكمان عايزة أعرف اسم الولد ده، أنتِ بتقولي إنه معاه عربيات وحراس، فاكرة اسمه؟
طمأنت والدتها:
يا ماما إحنا كنا في جراج عمومي واقف فيه ناس حوالينا والكاميرات مالية المكان ما كناش لوحدنا، وأصلاً لو كنت هاقف معاهم لوحدنا في مكان عمري ما كنت هارد وكنت هاخرج على طول بس هم استفزوني بطريقة ما تتخيلهاش. وآه فاكرة اسمه كان بيقولوا بكبر كده: رسلان أحمد حمد شفيق.
فكرت قليلًا في الاسم لينطق فاها بدهشة:
رسلان أحمد شفيق ومعاه عربيات وحراس؟!
ثم أمسكت هاتفها وبحثت عن الاسم وما إن أتتها مؤشرات البحث حتى احمر ماء وجهها وهي تفتح صفحته وتأتي بصورته وتعرضها أمام ابنتها متسائلة إياها بقلق:
هو ده زميلك في الجامعة اللي حصلت ما بينك وما بينه المشكلة يا ليلى؟
تعمقت بالنظر في الصورة جيدًا لتحرك رأسها بتأكيد مجيبة إياها بتعجب:
أيوه هو يا ماما بس إزاي قدرتي تعرفي إن هو مع إن مؤشر البحث جايب كتير بنفس الاسم؟
تنفست والدتها بذعر بان على معالمها وهي تعاتبها بحدة خفيفة:
علشان ربطت الاسم بالعربيات والحراس وطلع زي ما أنا فكرت، الولد يبقى ابن وزير التربية والتعليم وحضرتك وقفتي قصاده الند بالند وهددك، مش كل المواقف يا ليلى لازم تبقي شجاعة فيها وتدافعي عن حقك. في مواقف الهروب فيها أفضل حل لحد ما تشوفي هتاخدي حقك إزاي. أنتِ غلطتي لازم عقلك يميز، لقيتي حراس واقفين على عربياته امشي يا بنتي وسيبي المكان واطلبي أوبر والعربية موجودة مش هيجرى لها حاجة أنا دلوقتي مش بقيت مطمنة خالص وربنا يستر.
تمتمت "ليلى" بذهول عقب استماعها لحديث والدتها وللعجب أنها شعرت بالخوف:
ابن وزير معقولة!
"أنا ليه خفت يا ماما لما أنتِ قلتي لي كده؟ مش عارفة حسيت إن قلبي مقبوض وخفت دلوقتي من تهديداته ليا، مع إني كنت مفكرة إنها فشخرة كذابة على الفاضي منه علشان يرسم نفسه قدامي إن هو قوي وما فيش حد زيه. هو ممكن يعمل لي حاجة يا مامي؟"
حاولت والدتها رسم الهدوء إجبارًا عنها، ثم احتضنتها برعاية وهي تربت على ظهرها بحنو مطمئنة إياها، ولكن داخلها ليس مطمئنًا للغاية:
"ما تقلقيش يا بابا، أنا جنبك وبابا كمان هيبقى جنبك ومفيش حاجة تخليكي تخافي أبدًا طول ما إحنا عايشين. المهم عدي اليومين الجايين، ما تروحيش الجامعة، وبعدها عندك أسبوع رحلة شرم اللي منظمها اتحاد الطلبة. يمكن العشر أيام دول كفيلين إنهم يخلوه ينساكي ويعدي الموقف بسلام. ولو تعرض لك في أي مكان امشي وسيبيه، أو أي حد يتعرض لك امشي وسيب المكان فورًا، وحاولي تقفي في أماكن دايمًا مليانة ناس، وخلي بالك على نفسك وما تقلقيش."
يجلس الثلاث أصدقاء كالمعتاد في ذاك اليخت ليتحدث "زيد" عارضًا عليهم:
"ما تجيب مراتك يا هاشم اللي أنت ما وديتهاش شهر عسل ولا خرجتها أي مكان وتيجي معايا رحلة شرم، وأنت كمان يا يحيى هات بنت خالتك تطلع الرحلة معانا وتنسى اللي حصل لها شوية. وكمان يمكن تلاقي فرصة إنك تقرب منها وترتبطوا ببعض بدل ما هي مقفلة في وشك كل الأبواب. إيه رأيكم ونتجمع كلنا هناك؟ بصراحة أنا محتاج الرحلة دي قوي واعتقد أنتوا كمان."
اختمرت الفكرة برأس "يحيى" وقرر تنفيذها ليطلب من "زيد":
"تصدق فكرة حلوة، طب اعمل حسابنا أنا وهي. أنا هبلغ خالتو وهخليها تقنعها، وأنا يا قاتل يا مقتول معاها النهاردة وهتطلع الرحلة يعني هتطلعها معايا."
أما "هاشم" هتف رافضًا:
"لا يا عمنا أنا مش فاضي ولا ليا في الحوارات دي. أنت عارف الشغل عندنا ما ينفعش أن أنا أسيبه وأسافر أسبوع بحاله، فكك مني."
لكزه "زيد" على كتفه ناهيًا إياه:
"يا عم هاشم حرام عليك! البنت اللي أنت متجوزها هتطفش منك بسبب شغلك اللي ما بيخلصش. هي ليها حق عليك برضه، اديها من وقتك شوية وما تنكدش علينا واطلع معانا الرحلة دي. إحنا كلنا محتاجينها، بطل قفش بقى كفاية اللي أمك وأخواتك عاملينه فيها وهي مستحملة ما بتتكلمش."
شجعه "يحيي" هو الآخر:
"بصراحة هو عنده حق يا هاشم. إحنا كأصحابك بننصحك لوجه الله، لأنك بجد مش قادر تسيطر على الوضع عندك في البيت بسبب أمك وأخواتك، وكل إنسان وله طاقة. ولو طاقتها استنفذت بسبب عمايلهم هتضايق وهتزعل كتير، وأنت اتعودت على وجودها في حياتك، فمن الأفضل إن أنت تديها حبة اهتمام شوية أكتر من كده. أنت يومك كله شغل وتيجي تسهر معانا شوية وتروح تنام جنبها على السرير. بتفطر لوحدها وبتتغدى لوحدها. يا دوب بتجمعكم طقة العشا وبس. فيها إيه يعني لما تجيبها وتسافر الأسبوع ده؟ على الأقل كل ما تفكر في حاجة تضايقها تفتكر الأيام الحلوة اللي أنتوا قضيتوها مع بعض، وإن في نفس حلو وتغيير في حياتكم، فتتراجع إن ممكن يحصل تاني. أنا رأيي إن أنت كده غلط زي زيد قال بالضبط."
نفخ "هاشم" بضيق وهو يخلل أصابعه بين خصلات شعره المصفف بعناية، وقد ضاق به ذرعًا من حكواهم:
"بتفكروني ليه يا جدعان بالنكد اللي أنا عايش فيه بسبب حوارات أمي ومراتي؟ ما أنا باجي أفك معاكم هنا بسبب شكواهم هم الاتنين من بعض. أنتوا السبب، أنا كنت قاعد في حالي ولا جواز ولا يحزنون، وحوارات الحريم دي كنت مكبر دماغي منها. أنتوا اللي خليتوني أدخل المعركة دي وأنا أصلاً مش ناقص وجع دماغ."
رفع "زيد" حاجبه باستنكار:
"والله على أساس إن حضرتك سقناك من إيدك وديناك عند المأذون بالعافية، أنت كنت شاري يا عمنا وباصم بالعشرة كمان وكنت مستعجل على دخول العش من ساعة ما كتبت الكتاب. وبعدين هو أنت كنت هتترهبن يعني؟ ما دي سنة الحياة وأنت مجبر إن أنت تخلي بالك من مراتك وتراعيها، وبلاش شغل تكبير الدماغ بتاعك ده، واعمل حسابك هتطلع الرحلة يعني هتطلعها. تروح للغلبانة اللي أنت سايبها في البيت دي وتبلغها إن ميعادنا بعد بكرة 5 الفجر. على الأقل تحس إنها ست متجوزة ومسؤولة من راجل يا جدع مش من آلة."
لكمه "هاشم" في كتفه لينهره:
"هو إيه يا عمنا طريقة كلامك دي؟ هو أنا كنت مقصر معاها في إيه يعني؟ طلبات البيت وكل حاجة ببعتها لها لحد عندها معززة مكرمة. مش بخليها تتعب نفسها في شغل البيت، بجيب لها حد يساعدها كل أسبوع. موفر لها عيشة كريمة وكل طلباتها مجابة. أكتر من كده إيه يعني؟ ناقصها إيه علشان تطلعوني مذنب معاها ومقصر في حقها؟"
أجابه "يحيى" بعمق:
"ناقصها أهم حاجة يا هاشم، ناقصها جوزها يبقى موجود معاها أكتر من كده. ناقصها حضن يطمنها كل لما تكون محتاجة لك وقت ضيقة من اللي أمك وأخواتك بيعملوا فيها. ناقصها أهم حاجة في الدنيا قلب يحتويها ويحن ويطبطب عليها. الحاجات دي بالنسبة للستات أهم من الفلوس والطلبات وكل حاجة. الست مستعدة تشتغل في بيتها وتراعيه بإيديها وتجيب طلباتها بنفسها بكل سعادة وراحة بال طالما الإنسان اللي معاها بيحتويها قلبًا وقالبًا. وأظن أنت فاهم قصدي إيه، لكن أنت بجد في عالم موازي خالص، ملكش غير متطلباتك الجسدية معاها وبس، وصدقني هييجي يوم وهتلاقيها نفرتك وأنت اللي وقتها هتتعب، فلازم تصلح علاقتك بيها من البداية كده قبل ما تعصى وقلبها يقسى."
أغمض جفنيه يفكر في حديثهم ونصائحهم له ويوزنها في عقله، وللأسف وجدهم محقين. ثم قام على الفور من مكانه تاركًا إياهم ليذهب إلى بيته فهي إن ضاعت منه لن يستطيع العيش بدونها فقد تعلق بوجودها معه للغاية.
كانت تجلس في شرفة منزلها، المكان المفضل لها، بجانبها "سماعة بلوتوث" يصدح منها صوت غنواها الحزينة التي تحبذ استماعها كثيرًا بعدما كانت لا تسمع غير الأغاني الرومانسية كأي فتاة. فمنذ أن تزوجت من عدة شهور وهي على تلك الحالة وحيدة، تجابه حرب مع حماتها وشقيقات زوجها بعقل إلى الآن. حرب فوق مستوى قدراتها ولم تستطع تحملها ولكنها إلى الآن صابرة.
كانت في منزل والدها تشعر بالأنس دومًا، فوالدها كان مهتم بوالدتها بشدة، كان مخصصًا لها وقتًا بعد الانتهاء من عمله وبالتحديد ساعة العصاري، يجلس معها ويتحدثون في أمور الحياة. كان يقف بجانبها في كل مشاكلهم كتفًا بكتف ولم يتركها وحدها. لقد تربت في منزل والدها على الألفة بينهم ولم تشعر بالوحدة ولا أصابها اكتئاب قبل ذلك في منزل والدها بسبب التآلف بينهم دومًا.
أما في ذاك المنزل الواسع تعيش وحدها طيلة الوقت ولم ترَ زوجها إلا وقتًا قليلًا جدًا من اليوم، مما جعلها تشعر باستنفاذ طاقتها للحياة يومًا عن يوم وإلى الآن لم تنطق.
دلف إلى المنزل ينادي عليها حينما لم يراها على التخت في انتظاره ليلًا كالمعتاد:
"حنين، أنتِ فين؟"
استمع إلى صوت الموسيقى آتٍ من مكان الشرفة فذهب إليها، وجدها تستند على الأريكة مغمضة العينين ترتدي بيجامتها ذات اللون الرمادي ووجهها يبدو عليه الحزن.
جلس بنصف جسده بجانبها ثم خلل أصابع يديه بين خصلات شعرها بحنو مناديًا إياها:
"حنين، بنادي عليكِ مش سامعة؟ إيه الأغنية واخداكي قوي كده لدرجة محستيش إني جيت؟"
فتحت عينيها وأومأت برأسها وملامحها تنبض بالتساؤل قبل لسانها وهي تردد ببرود:
"معلش أصل متعودتش تيجي بدري كده. تحب أجهز لك العشا قبل ما أنام ولا اتعشيت مع أصحابك؟"
سألها باستغراب:
"إيه ده أنتِ هتنامي بدري كده؟"
أجابته بملل:
"آه كويس إنك جيت بدري علشان عايزة أجهز لك العشا وأنام مش قادرة أقعد."
جلس أمامها ليبدأ كلامه هاتفًا بصوت أجش ثابت وعيناه تلتقط نظراتها المستكينة بخواء غريب وهو يشعر بانطفائها اليوم غير كل يوم وهو يحتضن وجنتيها بين كفي يديه:
"مالك يا حنين؟ مش عوايدك الصمت التام والنفور اللي أنا شايفه في عينيكي ده النهاردة؟"
أغمضت عينيها وهي تتململ بوجهها بين كفي يديه وكأنها تريد نزع يده من أسفل شعرها لتنطق بما أذهله:
"مفيش ده العادي بتاعي كل يوم من ساعة ما جيت المدفن ده، بس أنت النهاردة اللي مركز معايا شوية؟"
"مدفن! أنتِ مسمية بيتك وعيشتك معايا بالمدفن؟! جملة استنكارية مغلفة بالذهول الشديد فلم يكن يتوقع ردها ذاك ليكمل هو بحدة خفيفة:
"أنا بجد مصدوم من كلامك يا حنين. أنتِ مالك كده النهاردة ولا كالمعتاد هتشتكي لي من أمي وأخواتي أول ما تشوفيني؟"
أجابته ببرود تام بكلمتين فقط:
"مش هشتكي تاني متقلقش. عن إذنك."
كادت تسير لتتخطاه ولكن يده حالت دون ذلك فقبض على ذراعها بقوة يوقفها ناهيًا إياها بسيل من الغيظ تدفق بين حروفه لبرودها معه تلك الليلة وتجاهلها له وطريقتها ككل:
"هو أنا مش بكلمك؟ أنتِ سايباني ورايحة فين؟ أنطبتي يا حنين معايا علشان شكلك كده ناوية على نكد بطريقتك دي وقلبة بوزك اللي ما لهاش لازمة."
نزعت يده برفق لتستأذن منه بنفس طريقة التجاهل:
"تمام واضح إنك اتعشيت يبقي مليش لازمة، أنا داخلة أنام عن إذنك."
لم تمهله أي فرصة للكلام ثم تركته ودلفت إلى غرفة نومهم وخلعت ردائها الأعلى وبقيت بتلك البلوزة الشفافة بأكتافها العارية وكادت أن تسحب الغطاء لتنام إلا أنه لحقها قبل أن ترتمي بجسدها على التخت وأدارها إليه بذراعين قويتين حتى ارتطمت بعظام صدره القوية ينظر إليها برغبة:
"طب إيه أنتِ وحشاني قوي على فكرة ونفسي في حضنك."
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة تقاوم اقترابه منها ولم تنتبه لأي كلمة مما قالها، تلك الحرارة التي تسكن جسده من طريقته في مطالبته إياها ألهبت مشاعرها الفوضوية بمجرد أن شعرت بها أنفاسه... رائحة عطره...
للحظة شعرت أنها تستطيع ترجمة شعورها… أنها مطمئنة مغمورة العواطف بين مجروحة المشاعر من إهماله لها ونبذه وحتى نقده المستمر لها. مجروحة الكرامة لشعورها أنه مجبر على ذلك الزواج منها، يقضي فترات من الوقت معها فقط يريح وجعه الجسدي واحتياجه فقط لجسد أنثى يفرغ شحنة عواطفه الباردة داخلها.
حاولت جاهدة السيطرة على مشاعرها وإخماد ثورة مشاعرها في قربه فهي لم تعود حالها أن تكون على الهامش معه ولن ترضى بالفقير القليل الذي يعطيه لها من مشاعر هي تستحق أكثر من ذلك فنزعت يده برفق من على كتفيها معللة بما أغضبه:
– معلش مش قادرة النهاردة تعبانة شوية ومش لازم كل يوم يعني.
حاول رسم الثبات أمامها ونسيان تجاهلها له ثم ابتسم بهدوء وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوان ثم نظر إليها وقال بنفس الرغبة وهو ينظر إليها بنظرات اشتهاء لها تحفظها جيدًا:
– بس أنا عايزك قوووي النهاردة أكتر من كل يوم.
ثم رفع عينيه وهمس باسمها بصوت أجش وهو يقبلها من عينيها قبلة راغبة جعلت جسدها تفكك للغاية:
– حنيني سبيلي نفسك وأنا أنسيكي التعب يا حبيبي لأني مش هسيبك النهاردة وأنتِ بالجمال ده كله، عايزك يعني عايزك.
تذوق دموع عينيها المالحة بين شفتيه وهو يقبل وجنتيها فذهل لذلك ثم نفخ بضيق:
– الله بقى أنتِ في ايه بالظبط النهاردة بحايل فيكِ وأنتِ مصممة على النكد، بقرب منك وأنتِ بتبعدي هو أنا مش على مزاجك وهواكِ النهاردة يا هانم ولا ايه؟
وأكمل بنبرة ساخرة:
– وبعدين تعبانة من ايه ما شغل البيت بجيب واحدة تساعدك فيه ومش بخليكِ تنزلي تجيبي طلبات ومستتك على الآخر علشان في آخر اليوم لما أجي أطلبك ما تقوليليش تعبانة.
انقلبت الدموع الصامتة إلى شهقات مكتومة أذهلته لتنطق بنبرة مملوءة بالحسرة وقد قررت إخراج ما تحمله في صدرها بعد أن استمعت إلى سخريته من حزنها:
– والله! كل اللي أنت شايفه إن أنت مش على مزاجي ولا على هوايا؟!
هو كل الاحتواء ليا إن أنت تخفف عني في البيت ومسؤولياته؟!
للأسف أنا وقعت في فخ الراجل النرجسي الأناني اللي مبيشوفش في مراته غير إنها جسم يفرغ رغبته فيها، مبيشوفش إنها إنسانة بتحس وليها حقوق احتواء ليها أكتر من كده.
واسترسلت حديثها وهي تضع يدها على وجهها تشهق بشدة:
– أنت أناني يا هاشم، أو بمعنى أصح أنت غلطة عمري في الاختيار إنك تكون شريك حياتي، أنا قرفت من عيشتي معاك ومن وجودي بين حيطان البيت ده اللي هتطبق على نفسي، زهقت وقربت أنطق الكلمة اللي مكنتش متوقعة إني هنطقها بالسهولة دي.
ما أن أنهت كلماتها التي أنهكت قواها فالتقطت أنفاسها بصعوبة، نهض ليقف أمامها يرمقها بدون أي تعبير وهو يسحبها من يدها ملقيًا إياها على التخت ثم هبط بجسده واستعلاها وقبض على ذراعيها ناطقًا بقسوة انتابته أثر كلماتها:
– وأنا بقى هوريكي الأناني والنرجسي على أصوله يا حنين وهاخد حقي منك بمزاجك أو غصب عنك علشان تبقي ترمي كلامك اللي زي السم ده قدام جوزك يا متربية.
جزت على أسنانها وصاحت به:
– ابعد عني لو عندك ذرة رجولة ومتاخدنيش غصب عني.
ضغط بيده على ذراعها أكثر وهو يحدق بها بنظرات أرعبتها.
لمحت تلك الإهانة تنحر كبريائه بين أغوار عينيه التي أصبحت أشد ظلمة وقسوة.
ففتحت فمها تحاول التبرير بحروف مشتتة ونظرة عينيه تشعرها أنه ذئب يعج عويله نظراته لها كسهام نارية فخرج صوته هادئًا وكأن الكون يخلو من أي أصوات سواه وحادًا وكأنه شفرة لامعة بما جعلها ندمت:
– هوريكي الرجولة على حقها دلوقتي وهعيشك ليلة من أسود ليالي العمر، انتهى الكلام.
قبل أن يقترب منها كالأسد الجائع وضعت كف يدها الصغيرة على صدره تتوسل إياه بعينين تلمع بالدموع:
– بلاش يا هاشم، بلاش تخليني أعيش ليلة مقدرش أنساها، بلاش توحش نفسك أكتر من كده أنا بنساش الوجع والإهانة بسهولة.
اظلمت نظرات عينيه أمامها وهو يرى ارتجاف جسدها أسفله ولكن…
رواية مشاعر موقدة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فاطيما يوسف
قبل أن يقترب منها كالأسد الجائع، وضعت كف يدها الصغيرة على صدره تتوسل إليه بعينيها اللامعتين بالدموع.
"بلاش يا هاشم، بلاش تخليني أعيش ليلة مقدرش أنساها، بلاش توحش نفسك أكتر من كدة. أنا بنسى الوجع والإهانة بسهولة."
اظلمت نظرات عينيه أمامها وهو يرى ارتجاف جسدها أسفله، ولكن كلامها اللاذع له آلمه. عجباً لك أيها الهاشم، ترى منها جرح كرامتك ولا ترى وجيعتها؟ أي عقل وأي رحمة تفكر بها أيها الرجل الأناني؟
ظلت كلماتها تتردد في أذنيه حتى نطق لسانه بجمود وهو يعتليها:
"إذا كنتِ مبتنسيش الوجع والإهانة بسهولة، فأنا كمان مش هنسى إهانتك لرجولتي وكرامتي وكلامك الكبير لجوزك يا محترمة يا متربية. واللي هعمله دي معاكي حلالي، وانتِ مجبرة تنفذي أوامر جوزك وتطيعيه وتكوني رهن إشارة لرغبته فيكِ."
حاولت إفلات يديها من بين قبضتي يديه المتمسكة بها، وما زال يعتليها عارياً الصدر بعد أن خلع قميصه ورماه أرضاً، ليسمعها تهمس بحزن آلامه:
"أنا مش مجبرة إنك تاخدني غصب عني، إنت كدة كأنك بتعتدي عليا وأنا عمري ما هقدر أنسى لك موقف زي ده أبداً. أرجوك سيبني وبلاش تزود أوجاعي، منك وجع كبير قوي، ويبقى ده اللي هيقضي على محبتك في قلبي."
ضحكة ساخرة خرجت من فمه على كلامها، ليعقب عليه لما رآه هراء. ولما أرشده له عقله، وما زال متمسكاً بها، واقترب من عينيها قليلاً لينظر داخلهم بنفس نظرات الرغبة كي يؤثر عليها ويفوز في معركة نيله منها برضاها.
"إنتي متعرفيش حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'قيل لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أيُّ النساءِ خيرٌ؟ قال: التي تسرُّه إذا نظر، وتطيعُه إذا أمر، ولا تخالفُه في نفسِها ومالها بما يكره'."
وأكمل ضاغطاً عليها كي يجعلها تستسلم أخيراً:
"وإن الست اللي تتمنع على جوزها الملايكة بتلعنها لحد ما تصبح، وأنا عايزك وبشدة وانتِ بتتمنعي عليا، فخليكي عارفة إن الملايكة هتلعنك لحد ما تصحي."
زاغت نظرات عينيها هلعاً من كلامه ومن طريقته في إقناعها، لتسأله وهي تشعر بالضياع بين يديه:
"إزاي يعني ربنا يفرض حاجة زي دي على الست لو جت لها ليلة جوزها مزعلها ومش مؤهلة نفسياً ولا قادرة تبص في وش جوزها حتى، يحكم علينا بحكم زي ده؟ أنا مش مصدقاك."
"آهٍ منكِ حنيني وألف آه. لتلك الدرجة تنفرين مني ولا تريدين لقائي ولا أحضاني؟ هل وصل بك الحال هاشم أن تسمعيها من فمها وأن تقفي على أعتاب أحضانها أنك مرفوض؟ ماذا عن كرامتك يا رجل وأنت تريدها أن تسكن أحضانك وأنت غير مرغوب؟"
ثم سألها بصوتٍ ممتلئ بالحسرة لكلامها، بما جعلها لوهلة ندمت على ما قالت:
"يااااااااه، مش قادرة تبصي في وشي! جالك قلب تقوليها يا حنين؟ جالك قلب ترفضي حضني وتتعاملي معايا بالأسلوب والنفور ده وأنا عمري ماشفت ولا اتمنيت ست غيرك؟"
وأكمل وهو يضع يمناه على صدرها، وبالتحديد موضع قلبها، وهو متأثراً بكلامها الجارح:
"ده أنا سامع صوت دقات قلبك بتناديني، ولهفة عينيك بتأنبك على كلامك لهاشم، وأنفاسك المسلوبة في قربي، وكل انتفاضة لجسمك وانتِ بين إيديا بتقول لك حرام عليكِ قربي ده، هاشم حبيبك بلاش تبعدي، بلاش تعملي فيه كدة؟"
ثم زادها من الشعر بيتاً بما جعلها شعرت بالندم، وانقلب حزنها على حالها إلى تأنيب ضمير بما قالته له وأنها جرحت كرامته كرجل:
"طب يا حنين من النهاردة أنا مش عايزك ولا هقرب منك ولا طايق أبص في وشك، مش أنا الراجل اللي يبقي ملهوف على الست بتاعته وهي ترفضه، ولا أنا الراجل اللي تهنيه في رجولته ويشوف النفور في عينيك وفي كل حتة فيكي منه ويقرب. أنا عمري ما هقرب منك تاني خلاص، شلت منك ومش قادر حتى أكون موجود في المكان اللي انتِ موجودة فيه علشان متحسيش بالاختناق في وجودي."
ابتعلت لعابها من هيئته المدمرة لأنوثتها وكلامه وطريقته التي جعلتها ندمت ندماً شديداً على ما قالته. وسوس لها عقلها بأنه ليس له ذنب بأفعال أمه ولا شقيقاته، بأنه لن ولم يرى امرأة غيرها، بأنه رجل متعب في عمله طيلة اليوم وحينما يعود إلى منزله لابد أن يرى زوجته بابتسامة عريضة لابد أن ترسمها رغماً عنها كي تخفف عنه عبء العمل الشاق. تملك شعور الندم منها بطريقة لا توصف، وتبدل المظلوم إلى ظالم. حقاً أنت بارع أيها الهاشم في قلب الموازين، تُرفع لك القبعة.
نهض عنها بمشاعر صلبة جامدة وهو يدفعها بيده بعيداً عنها، وكأنه بتلك الحركة يثأر لكرامته التي أهينت برفضها. وتركها وقام سريعاً منتوياً الخروج من الغرفة. لم تعبئ لتلك الحركة المهينة، فقد دفعها بحدة. وكل ما تراه الآن نصب عينيها أنها المخطئة بشدة، وأنها ستنام ليلتها ملعونة من الملائكة وسيغضب عليها الله. ولن تعيش لحظة سعيدة بعد ذاك حتى يرضى عنها هاشمها، روحها التي سكنت داخلها، نبض قلبها ودقاته، وبدونه ستفارق الحياة. عشقها ومعشوقها ووليد حبها الأول كان على يديه.
قامت سريعاً كي تلحق به. وقبل أن يغادر الغرفة، احتضنت ظهره من الخلف بتملك وهي تضع رأسها على ظهره، ناطقة باعتذار وندم جعلته شعر بالانتشاء وهو يقف مكانه مغمض العينين، يكبت شعور الاحتياج لها الذي تأجج في صدره من قربها كي لا يضعف. ونفسه تنهاه أن يقترب وتأمره بأنه لابد أن يؤدبها على كلامها الجارح لرجولته.
"أنا آسفة يا هاشم، حقك عليا. متسبنيش أنام لوحدي وتخرج أرجوك، أنا نفسيتي متدمرة بسبب إني..."
لم يجعلها تُكمل تبريرها، فضغط على يديها المحاوطة لخصره بشدة آلمتها. وكأنه بتلك الحركة ما زال مشتاقاً لقربها وتفريغ شحنة الاحتياج إليها كجسد امرأة يهوى تواجده بين أحضانها المثيرة له. ولكنها فهمت ضغطه على يديها بأنه غاضباً منها ويعنفها. لينطق أخيراً بقسوة:
"بسسسسس، متكمليش حجج فارغة. إنتي من شوية قلتي إنك مش عايزاني وإني أناني ومش راجل وكمان نرجسي، وإنك مش طايقة تبصي لوشي. أنا دلوقتي بقولك خلاص يا حنين، انتهى الأمر. ومن النهاردة مش هخليكي تلمحي وشي ولا تشوفي خلقتي اللي معصباكي."
ثم استدار إليها قابضاً على ذراعيها، هادراً بها بعيني محمرتان جعلتها ترتعب بل وخافت منه:
"ابعدي عن وشي الساعة دي، أنا بقي اللي مش طايقك ولا طايق أسمع صوتك."
ثم قصد جذبها من يدها بشدة حتى جعلها ترتطم بصدره في حركة أذابت إثنتيهم وأهلكت حصونهما. ثم نظر لشفتاها قاصداً التأثير عليها كي يجعل نيران الاشتياق له تندثر في جسدها كما كانت حالته. وابتلع لعابه وبدأ صدره ينتفض ويعلو ويهبط من شدة احتياجه لها هو الآخر. وبالفعل قد وصل لمبتغاه في جعلها تستكين، ولو كان الأمر بيدها لطلبتها صريحة منه بأنها تلهث لاقترابه منها، ونجح الهاشم بالفعل في تبديل الأدوار. فما كان حالها أفضل منه، كانت تنظر لعينيه بفاه مفتوحة مرتعشة وقلبٍ يرتجف يريد الارتماء داخل أحضانه ونسيان كل ما قالته له وأحزنته به. تود قولها صريحة "أريدك هاشمي".
ظلا كلاهما على وضعهما ينظر إلى الآخر بحسرة. فهو يريد وهي أصبحت تريد بل وتتوق بشدة. ولكن الله يفعل ما يريد. ليدفعها في صدرها بحدة خفيفة، تاركاً لها الغرفة بعد أن تيقن من رؤية رغبتها به. فلقد رآها في عينيها اللامعتين بشغف الاقتراب له، وفي دقات قلبها التي تخفق بين ضلوعها، وفي ارتجافة جسدها بين يديه وأمام صدره الذي شعر بارتجافتها. وفاز الهاشم وهو يتحرك من أمامها منتصراً، لتنادي عليه بهمس خفيف، نادم، محتاج لأمان أحضانه. فالمرأة كائن رقيق، هش، ضعيف، وأمانه أحضان خِلٍّ يعشقه.
"هاشم، متسبنيش، أنا محتجاك، ارجع أرجوك، متسبنيش في ضلمتي لوحدي. أنا من غيرك ولا حاجة."
"هاشم"! أين هاشم؟ لقد رحل بقلب عنيد أيها الحنين. ويا لكِ من قسوة عقابه! أعانكِ الله عليها. لقد نظرتي له منذ أول لقاء لصدره العريض وتخيلتي فيه بأنه سيكون كافياً لاحتوائك، فهو صدر متسع ويستحيل أن لا يستطيع احتوائك. لكن ذاك الصدر المتسع ترككِ في أضيق الضيق ومفترق الطريق تتألمين وحدكِ. فذهبت إلى تختها وارتمت عليه تبكي بشدة وتسهر على نواح معذبها في غيهب الغسقِ.
أما هو، دلف إلى الحمام يريد أن ينزل تحت الماء الغزير المثلج كي يطفئ نيران جسده من أمرين وشتان بينهما، ألا وهما: إهانتها وكلامها الجارح، ورغبته بها. فقد أهل مشاعره وأحاسيسه وأفكاره بأنه سينالها. خلل أصابعه بين خصلات شعره كي يهبط الماء على رأسه يجعله يفوق ويهدأ من ثورانه. ولكن رائحتها المسكرة ما زالت عالقة بين أصابعه. ارتجافة جسدها لاحتياجها له تجعله يرتجف هو الآخر وهو بعيداً عنها. وبات كلاهما خسران، وفاز العناد بملاذٍ ليلتهم.
في شروق الشمس أعظم آيات الجمال، فما إن تبدأ أشعتها بالتسلل رويداً رويداً، حتى تُلصق بياضها على وجه الحياة. فتتلوّن الأرض بكلّ ألوانها الزاهية، فتظهر الأشجار والزهور والطيور والفراشات، بعد أن كان يطمسها الظلام ويغطّيها بسواده. تأتي الشمس لتزيح كلّ تلك العتمة بأشعتها الذهبيّة الرائعة، وكأنّها تطبع على جبين الكون قبلة.
استيقظ هاشم بعيني مشوشة من أثر النوم متأخراً على صوت هاتفه يعلن عن وصول مكالمة. حاول تدليك جبينه كي يجبر حاله على الإفاقة، ثم أجاب الهاتف بصوت ناعس:
"إيه يا ابني بترن الساعة 7:00 الصبح؟ في إيه؟ أنا نايم متأخر ومش شايف قدامي."
أجابه "زيد" بحيوية وهو يضع البرفيوم الخاص به كي يذهب إلى الجامعة. فاليوم الذي يمارس فيه التدريس في كلية الصيدلة بالنسبة له أعظم ساعات الأسبوع، لأنه سيرى ليلته واليوم فقط أسعد من أي يوم، فسيلتقي معها في محاضرة سوف يلقيها عليهم بعد أن فعل الكثير والكثير كي يصل إلى المدرج الخاص بدفعته كي يقف أمامها ويريها كم هو ناجح وكم هو فطن يستطيع الوصول إليها في أي مكان، فهو لن ولم ينساها ولن ينزعها من رأسه. ثم أجابه بتأكيد أزعج ذاك الـ"هاشم":
"اعمل حسابك أنا هأكد على الحجز النهاردة تذكرتين ليك انت والمدام، ومفيش مفر يا هاشم، أنا ويحيى اتفقنا عليك خلاص."
انتفض "هاشم" من نومه عقب استماعه لما قال. فكيف سيذهب معه إلى تلك الرحلة وبينهما تلك المشادة الشديدة؟ فمنعه برفضٍ تامٍ:
"استنى يا زيد بلاش، أنا مش عايز أروح، ما عنديش وقت وكمان مليش في الحوارات دي، إنت عارف. روح إنت ويحيى، فككم مني بقى، ما اصطبحناش على الصبح."
صمم "زيد" على أن يفعل ما قاله، معلِناً إياه بأمر لا يقبل النقاش:
"أنا مش بتصل بيك عشان استأذنك يا هاشم، أنا بتصل عشان أبلغك وعدي أيامك معانا يا حبيب أخوك، علشان إنت هتيجي يعني هتيجي. سلام يا عمنا."
أنهى "زيد" المكالمة ثم أغلق الهاتف سريعاً قبل أن يتحدث، وقد انتوى أن يحجز له هو وزوجته إجباراً عنه، ثم هاتف "يحيى" يسأله هو الآخر عن مجيء ابنة خالته:
"إيه يا أستاذ يحيى، جاي إنت كمان ولا أحجز لك إجباري زي الشيف هاشم؟ عملت إيه مع المزة؟ هتيجي معاك أحجز لها ولا هتيجي معانا لوحدك؟"
أجابه "يحيى" بثقل من أثر النوم:
"في حد يتصل على الصبح كده يا ثقيل انت؟ ولا علشان وراك جامعة النهاردة فصاحي كلك حيوية علشان هتشوف حبيبتك؟ قارفنا معاك على الصبح يا عم، ما كنت اتصل كمان شوية، هيجرى إيه يعني؟ وبعدين إيه كلمة مزة دي يا ابني؟ ارتقي شوية، عمر "ليلى" ما هتشوفك طول ما انت بتقول مزة دي، هو أنا مش قايل لك 100 مرة يا واد انت ما تقولهاش؟"
رفع "زيد" حاجبه ساخراً من طريقتهم معه:
"تصدق بالله إنكم عيال ومش رجالة؟ ما تفوق يا واد منك ليه؟ الحركة بركة والصحيان بدري حلو ونشاط للجسم. وخلصنا بقى يا عم، احجز لك ولا إيه إنت كمان؟ أنا مش طالع الرحلة دي غير بيكم، فاهمين ولا مش فاهمين؟"
أجابه "يحيى" بثقة:
"احجز يا عم، أنا هروح لخالتو على الضهر كده علشان أقول لهم وأقنع "نور" إنها تيجي معايا، ما تقلقش، هعرف أقنعها. احجز انت بس."
تبسم "زيد" ضاحكاً من ثقته:
"إيه يا واد يا يحيى الثقة اللي انت فيها دي؟ يعني إنت ضامن وباثم بالعشرة موافقتها؟ ده انت باين يا واد إنك انت الواد اللي فينا وبتعرف تثبت المزز صحيح. تحت السواهي دواهي."
ضرب "يحيى" كفاً بكفٍ وهو يضع الهاتف جانباً مكبراً في وجهه بفكاهة:
"الله أكبر على الصبح يا ابني! هو انت متصل عشان تنق عليا؟ روح يا عم الله يسهل لك، بلا سواهي بلا دواهي، ده أنا أغلب واحد فيكم."
أنهى المكالمة كلاً منهما وعلى وجوههم الابتسامة. فحقاً من يصنع الابتسامة على الوجوه العابثة غير الصديق الصدوق الصادق. كان "هاشم" ما زال يجلس على تخته يفكر كيف سيبلغها بتلك الرحلة وبينهما كما يقول المثال، مصانع الحداد؟ فهو لن يستطيع الإفلات من صديقيه. فقام من مكانه قاصداً التوجه إليها كي يبلغها. فهو وضع أمام الأمر الواقع وعليه التنفيذ، ولابد أن تعلم كي تقوم بتجهيز حالها وإخبار والدتها بسفرهم.
دلف إلى الغرفة التي أنيرت قليلاً بفضل ضوء الشمس الساطع من النوافذ بأقدام واهية كي يستعد نفسياً للحديث معها. فـ"هاشم" في خصامه شديد للغاية، صعب لا يلين بسهولة، ولكن هي الظروف من ساقته إليها. وصل إليها وجدها تغط في سباتٍ عميق وتحجب خصلاتها السوداء الطويلة المجعدة الرؤية عن عيناها. ابتعل ريقه بصعوبة بالغة وهو يراها بتلك الهيئة المثيرة لرجولته. ثم رفع خصلاتها قليلاً كي يرى وجهها، ولكن صُدم حينما رأى عينيها المنتفختين ويبدو أنها كانت تقضي ليلتها بكاءً ووجنتيها وأنفها شديدي الإحمرار. فلوهلة رقَّ قلبه لحالتها المذرية تلك ولام حاله على إحزانها. واقترب منها ليدفن يده بين خصلات شعرها ويجذب إحداهم بين يديه، فاستفزه رائحة شعرها الذي يعشقها بشدة. فجذبها برفق ناحية أنفه ليشتمه بعبقه المحبب إلى قلبه، وقد عادت مشاعره الرجولية تتأثر بقربها من جديد. ظل متمسكاً بخصلاتها يشتمها بنهم إلى أن تململت في نومها، فتركهم على الفور كي تستيقظ فاجأة وترى فعلته. ثم حاول تنظيم أنفاسه وتهدئة مشاعره الثائرة داخله وهمس باسمها برفق كي لا يزعجها في نومها:
"حنين، حنين فوقي عايزك."
فاقت على صوته يناديها وهي تشعر أنها تحلم. ولكن حينما فتحت عينيها وجدته أمامها، فتقابلت نظراتهم. وهي لم تصدق أنه يقف أمامها كي يراضيها ويعتذر عن ليلته وكلامه الثقيل لها ليلة أمس؟! لتنطق بنبرة مبحوحة من أثر النوم ونظرات متأثرة بحالمية لوجوده أمامها جعلت جسده يهتز ويود إلقاء حاله داخل أحضانها وهي تتمسك بيده:
"ياه، ما قدرتش تنام بعيد عني وتعرف إن ماليش غيرك. أنا بجد بحبك قوي يا هاشم ومقدرش على زعلك."
ثم قامت بنصف جسد وهي تنزع الغطاء عنها، وظهرت أمامه بهيئتها المبعثرة بشكل مثير أمامه، ناطقة برجاءٍ أذهله:
"أرجوك متسبنيش تاني أنام لوحدي بعد ما اتعودت أنام في حضنك وأتنفس نفَسَك. أنا من غيرك ولا حاجة يا هاشم."
وأكملت بنبرة مبحوحة وهي تجلس على ركبتيها على التخت أمامه واحتضنت وجنتيه بعدما جذبته أن يجلس بجانبها:
"أنا بحبك قوووي ومقدرش على بعدك."
لم يستطع كبت جماح رغبته بها الآن ولا السيطرة على حاله، واقترب منها لينال من أنوثتها ما يجعل جسده يرتاح، مما جعلها اندمجت معه في اللحظات الوحيدة السعيدة التي تحياها معه، وباقي ساعات يومها وحيدة، تعيسة، مغمورة بين والدته وشقيقتيه والاربع جدران المحبوسة داخلهم في ذاك المكان. أخيراً مر لقائهم على مهل لإرادته هو ومتطلباته هو، فقد كان مشتاقاً لاقترابها. وبعد ان نهل من شهدها وتنعم في أحضانها ونال من عشقها وقربها، ابتعد عنها وهو يداري عينيه بعيداً عن مرمى عينيها المبتسمة له بصفاء نية، مردداً بنبرة جافة وهو يعطيها ظهره يرتدي التيشرت القطني:
"اعملي حسابك هنسافر بكرة الغردقة أسبوع، أصحابي حجزوا لنا، جهزي الشنط وكل اللي هتحتاجيه."
تفاقم الوجع بداخلها وشعرت بنار هوجاء تحرق أحشائها بالكامل من نبرته الصلبة الجافة معها. ورغم ذلك امتثلت السعادة لكونه أخيراً سيأخذها بعيداً عن ذاك المنزل وتهنئ بجواره أسبوعاً كاملاً بعيداً عن كل الضغوطات في ذاك المنزل. فقامت من مكانها سريعاً وهي ترتدي بيجامتها الشفافة واحتضنته بحب تعبر له عن مدى سعادتها:
"الله، إيه الخبر الجميل ده بجد؟ أنا بحبك قوي يا هاشم وانت روحي وعمري كله."
سحب نفساً عميقاً ثم زفره على مهل وهو يحاول السيطرة على نيران في صدره المولعة في عناقها وابتسامتها، ليصدمها برد فعله:
"دلوقتي حبيبك وروحك، وامبارح أنا مش راجل وأني ونرجسي وأنا كنت جاي لك بابتسامة وكلي اشتياق لقربك وانتِ قلتي لي مش عايزاك."
وأكمل بنبرة حادة وهو يبعدها عنه بقصد جرحها:
"أنا لسه مسامحتكيش ومش قادر أسامحك ولا هعرف أنسى إهانتك."
رمشت بأهدابها وهي ترفع عينيها التي تتلألأ جواهرها، ثم عاتبته بنبرة مملؤة بالحسرة:
"طب ليه يا هاشم قسوتك دي؟ انت صعب قوي وعقابك وخصامك أصعب، حرام عليك تستغل حبي ليك وتستضعفني للدرجة دي."
ابتلع غصة آلامه حينما وقع نظره عليها، وكأن أحدهم غرزه بسكين حاد في قلبه. وهو يرى دموعها، ولكن ما زال كلامها الجارح له عالقاً في عقله كالخنجر المسموم في صدره ويردده ذهنه بقوة: "أناني، نرجسي، لست رجل، مش عايزك". تلك الكلمات التي بنت جسوراً من الوجع داخله وأهانت رجولته، ليتركها ودموعها بقلب قاسي تغنى على ليلاها.
"يا خالتو، دي فرصة كويسة ليها علشان تخرج من حالة الاكتئاب اللي هي فيها، بقى لها أربع شهور حابسة نفسها وما بتخرجش وحالتها كده تصعب على الكافر."
تنهدت بحزن على حال ابنتها وقلبها يتمزق وجعاً على صغيرتها:
"والله يا يحيى، أنا أكره إنها تخرج وتفك عن نفسها، بس مجرد ما قلت لها وعرفت عليها الفكرة لما كلمتني في التليفون بالليل رفضت خالص، وكأنها حبت موضوع الاكتئاب. ما بقتش قادرة تخرج ولا تشوف الناس ولا تتكلم معاهم، ولا عندها طاقة. أي حد يقابلها يلمح لها من تحت لتحت إنها اتطلقت بعد كذا شهر وايه السبب، ويدخلوا في حواراتها وتسمع كلام الناس وهي ماشية بيتنمروا عليها ومش سايبينها في حالها، لحد ما حست إن اعتزال العالم واللي بيأذيها أحسن حل."
تفاقم الوجع بداخله وشعر بنار هوجاء تحرق أحشائه بالكامل لحزنه عليها وعلى حالتها وما وصلت إليه. ثم طلب من خالته:
"معلش يا خالتو، خليها تخرج، نتكلم مع بعض شوية. قولي لها يحيى عايزك وصممي عليها إنها تخرج، وأنا هعرف أقنعها."
حركت رأسها بأسى، ثم توجهت إلى غرفتها وظلت تجارها عدة دقائق تقنعها لكي تخرج تقابله. أما هي، دقات قلبها كانت تتسارع داخلها تريد أن تخرج وأن تراه وتتشبع من رؤياه. فقد شعرت بالوحشة تجاهه بشدة، ولكن تقاوم شعور الاحتياج لرؤيته بغزارة وتقاوم شعور العشق له بشراهة. فهي تريد دفن مشاعرها الموقدة لذاك الـ"يحيى" داخل قلبها بقبضة من حديد. ولكنها لم تستطع السيطرة على إلحاح والدتها وخرجت بقلب يخفق داخلها بشدة. فهي لم تراه منذ شهرين كاملين، وحينما كان يأتي إلى منزلهم كانت تصطنع النوم دوماً كي لا تراه، فهي تريد نسيانه. حقاً، فـ"نور الهدى" أرهقت حالها كثيراً لكي تجبر حالها على نسيان عشق الطفولة ومعذب روحها.
توسعت بسمته ورفرف قلبه بانتصار وهو يراها أمامه أخيراً، فقد كان مشتاقاً بشدة لرؤيتها وقلبه ملتاعاً بسبب ابتعادها. تركتهم خالته وذهبت إلى المطبخ تصنع طعام الغداء كي يتناوله معهم. بعد أن جلست أمامه تحدث بوله كأنه يطير فوق السحاب ويعانق النصر:
"حبيبتي، عاملة إيه؟ أنا زعلان منك قوي يا نور، بقى كده كل مرة آجي أعملي نفسك نايمة وتفكريني مش واخد بالي من كده! ليه بتهربي مني يا نور؟ ليه بتعاندي القدر وعايزة تبعديني عن طريقك بأي شكل رغم إننا احنا الاتنين عايزين بعض؟"
حينما استمعت إلى كلماته كأنها نسمة باردة تخترق نيران شعورها الأهوج، فنزلت كالبرد والسلام على قلبها المسكين الملتاع بهواه المحرم، لتنطق بنبرة خافتة مملوءة بالوجع:
"ما أنا قلت لك الأسباب قبل كده يا يحيى. أنا خلاص أخدت نصيبي من الدنيا، مش مستعدة أدخل تجربة تانية وأشوف ملامات في عيون الناس زي ما بشوف دلوقتي، ولا أسمع كلامي يسم بدني زي ما بسمع دلوقتي. أنا خلاص جربت الارتباط مرة ومش هعيده تاني."
صوت مميت ملأ المكان ونظرات الدهشة حلَّت على ملامحه مستفسراً عما ما ردده فاهها:
"يا نور! بقي يا نور؟ حرام عليكِ بتعذبينا وبتعذبي نفسك ومامتك وباباكِ؟ ملعون أبو الناس اللي يخلّوكي تدفني نفسك بالحياة دول ناس مؤذيين ما لناش دعوة بيهم. الناس مش هيحزنوا عليكِ وانتِ دافنة راسك زي النعام. انتِ ما عملتيش حاجة غلط، يا ماما تجربة وفشلت في حياتك زيها زي أي تجربة ومش بسببها يبقى كده انتهت حياتك. أنا بحبك يا نور وهفضل أقولها لك مرة واتنين وعشرة، أنا مش عايز غيرك. يمكن ربنا خلاني فشلت في التجربتين اللي فاتوا وكنت زيك كده فاكر إن الدنيا انتهت وإن أنا فيا حاجة غلط وإن أنا لازم أعزل نفسي عن العالم، بس عرفت إن ربنا سبحانه وتعالى ما بيمنعش عننا إلا الوحش."
وأكمل بنبرة عاشقة:
"وبعد ما كنت أتعس إنسان في الدنيا وحاسس إن خلاص حياتي انتهت وفقدت الثقة في نفسي، عرفت إن ربنا عمل معايا كده علشان يخرجني من الضلمة وآجي لحدك، آجي للنور الحقيقي اللي هينور حياتي. إدي فرصة لعلاقتنا إنها تخرج للنور أرجوكِ."
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم بعدما استمعت إلى اعترافاته:
"إحساسي وقلبي وشعوري مش زرار بدوس عليه وأقول لهم اتحركو وعيشو واتمتعو. هما كلهم دلوقتي ميتين جوايا مش شايفين غير اللي حصل لهم، مش شايفين غير إنهم محطميين. مش قادرة أسيطر عليهم يا يحيى ولا قادرة أخرجهم من الوجع اللي هما عايشين فيه غصب عني صدقني."
تنهد بضيق، ولكن فكَّر سريعاً وتحدث باستجداء:
"مش لازمن نأمرهم يحبوا مرة واحدة ولا يتحركوا ويتمتعوا. خلينا نبداها واحدة واحدة يا حبيبي. أول حاجة ترجعي تشتغلي وتخرجي وتشوفي أصحابك، وبعد كده هما اللي هيطلبوا منك إنهم من حقهم يعيشوا، من حقهم يحسوا. صدقيني، الحاجة مش بتيجي مرة واحدة."
رفعت عينيها ونظرت بعمق داخل عينيه لتسأله بحيرة:
"طب إيه المطلوب مني دلوقتي أو أبدأ إزاي ومنين؟"
ابتسم بسعادة شديدة لتجاوبها معه، لينطق سريعاً بنبرة حماسية:
"لا، انتِ تسيبي لي نفسك خالص وأنا هخرجك من الضلمة والحزن والكآبة وما لكيش دعوة. أنا أول حاجة حجزت لك في رحلة الجامعة عند زيد صاحبي. الرحلة بنات وشباب، الجامعة منظماها. هناك هتغيري جو وهتشوفي بنات كتير وهتتعاملي مع ناس جديدة وأسبوع بحاله، يعني كفيل يخليكي تحسي إنك برة المكان اللي بيخنقك والمنطقة اللي انتِ عايشة فيها مع ناس ما يعرفوش أي حاجة عنك، هيتعاملوا معاكي لشخصك مش لظروفك. ها، قلتِ إيه؟ وعلى فكرة مفيش مجال للرفض."
سألته بتيهة ممزوجة بهمس مدلل جعل قلبه يخفق داخله حينما نطقت اسمه:
"انت شايف كده يا يحيى؟ يعني مش هندم؟"
اتسعت ابتسامته البلهاء مرحباً متمنياً ليشجعها:
"بصي، انتِ تسيبي لي نفسك خالص وأنا هعرفك على بنات أصحابي كلهم ناس راقية بعيد عن المنطقة هنا، وبعدين أنا هكون معاكِ مش هسيبك وعيني عليكِ مش هتفارقك ولا لحظة يا نوري."
حركت رأسها لأسفل وتبسمت عينيها أخيراً بما جعل قلب ذاك اليحيى يخفق داخله بسعادة لمجرد رؤية بسمتها فقط:
"ماشي، تمام. المفروض أكون جاهزة إمتى؟"
غمز لها بكلتا عينيه بشقاوة:
"أحلى تمام في الدنيا دي ولا إيه؟ هنتحرك بإذن الله بكرة الصبح الساعة 7:00، هاجي آخدك بالعربية تكوني جاهزة علشان نلحق الباص عند الجامعة، وعلى الله تتاخري انتِ عارفاني أنا مواعيدي تظبطي عليها الساعة. ويلا قومي بقى ساعدي خالتو في المطبخ واعملي لي طبق السلطة اللي أنا بحبه من إيدك وانتِ عارفة لما انتِ اللي بتعمليه بخلصه كله."
رفضت بتكاسل وملل:
"معلش يا يحيى، هخلي ماما تعمل لك، مش قادرة أقف في المطبخ ولا أعمل حاجة."
ضيق نظرة عينيه ليأمرها بدعابة كي يجعلها تنغمس في مسؤوليات الحياة كي يلهيها عن التفكير بأي شيء تفعله غير أن تجلس لحالها تستعيد ذكرياتها المؤلمة:
"لا بقى يا حبيبتي، أنا عايزك ترتزي في المطبخ قوي وتتعلمي كل حاجة تخص المطبخ علشان أنا بحب الأكل البيتي وبحب أكل من إيد حبيبتي وكل لما آجي هنا لخالتو تكوني انتِ اللي عاملة الأكل وما تحاوليش ترفضي ولا تقولي أي أسباب علشان أنا همتنع عن أي أسباب يا ست نور، ولازم انتِ اللي تعملي الأكل بنفسك ليحيى، ولا هترفضى لي طلبي وأمنيتي؟"
ضحكت أخيراً ضحكات مسموعة لتقول من بينهن بدعابة مماثلة:
"ياه، ده انت داخل على طمع بقى، ومين قال لك إني هرضى أكون حبيبتك؟"
أعاد نفس غمزاته المشاغبة لها ناطقاً بتأكيد:
"الموضوع خرج عن السيطرة يا حبيبتي، مش برضاكِ. أنا مفاتيح قلبك في إيدي أنا عارف أصلاً وسمعانبضات قلبك دلوقتي بتنادي يحيى، يحيى. فبلاش دور يتمنعن وهن الراغبات عليا، ده أنا اللي مربيكي يا قلبي، ويلا قومي بقى يا كسولة."
تبادلوا الابتسامات والهرج والضحكات، واستطاع يحيى إعادة النور لإضائته اللامعة.
"يعني منك ليه قلت لك أنا عايز البنت دي في أسرع وقت تحت رجلي، وفي الآخر فات امبارح وآدي النهاردة وما شفتهاش. أنا مش فاهم، أنا مشغل معايا بهايم ولا إيه؟"
أجابه أحد حراسه بتبرير:
"والله يا رسلان باشا غصب عننا، هي ما خرجتش من بيتهم ولا جت الجامعة امبارح وآدي النهاردة كمان ما جتش، فعلشان كده ما عرفناش نجيبها لك. لكن أول ما تيجي الجامعة هنجيبها لحضرتك تعمل فيها ما بدالك، هي أكيد مش هتغيب عن جامعتها كتير، مسيرها راجعة."
تأفف بغيظ من تلك الماكرة ليحرك رأسه بضيق منبهاً إياهم:
"اه، قلتوا لي غايبة؟ أول ما توصل عايزها قدامي. وفي حاجة كمان عايز أنبهكم عليها، مش عايز بابا ولا ماما يعرفوا أي حاجة عن الموضوع ده، مش لازم تدوهم التقرير بتاع كل حاجة بتحصل ما بيني وما بينكم، علشان لو هم عرفوا مش هيحصل لكم طيب. يعني كل حاجة تحصل من السكات."
حرك أحدهم رأسه بطاعة تامة لما يأمرهم به، ووقف هو يضرب كفاً بكفٍ يتآكل غيظاً من هروب تلك التي عاندته وتحدته ووقفت أمامه دون خوف من هيئته.
وعلى صعيد آخر، كان يلقي المحاضرة بحزنٍ شديدٍ. فتلك كانت المحاضرة الأولى التي سيلقيها عليهم في وجود ليلته، وشعر بالحزن الشديد لغيابها اليوم عن الحضور، وكأن الحظ التعيس دوماً مصادراً إياه معها. كان يلقيها بفتور وشعور بالنقصان بدونها. كان ممنيّاً عيناه رؤيتها والتشبع من ملامحها التي شعر بالوحشة تجاهها كثيراً. بعد الانتهاء من إلقاء محاضرته، خرج من المدرج بقلب يائس للغاية. شعوره بالحزن لعدم رؤيتها كشعور الطفل المحروم من أحضان والدته، وكشعور الغائب عن وطنه المحب والآمن له. ولم يستطيع السيطرة على حاله وذهب إلى مكتبه وأغلق الباب جيداً عليه ووقف أمام النافذة ممسكاً بهاتفه كي يطمئن عليه بالرغم من إقحامه لحاله أن لا يتحدث معها كي يتركها تحدد مصير علاقتهم على راحتها. ولكن كيف للقلب الملهوف اشتياقاً أن يصبر في ابتعاد حبيبه؟
ما إن أتاه ردها واستمعت أذنيه إلى صوتها، وكأنه ترنيمة عذبة عزفت على دقات قلبه المسكين في غرامها، وثارت مشاعره الموقدة داخله ليهتف بسلامٍ جارف:
"ازيك يا ليلى، عاملة إيه؟ كنت بدي محاضرة عندكم النهاردة في المدرج بتاعك وما كنتيش موجودة. انتِ كويسة وبخير ولا إيه اللي منعك عن إنك تحضري محاضراتك؟"
أجابت سلامه سريعاً ثم سألته باستغراب:
"أنا كويسة يا دكتور، ما تقلقش عليا، بس هو حضرتك هتدرس لنا محاضرات السنة دي؟"
أغمض جفنيه مستمعاً بالحديث معها وسماع صوتها:
"اها، شفتي قدرك بقى؟ ابقى المستر بتاعك في دروس الثانوية والدكتور بتاعك في الجامعة. مش بقول لك هتروحي مني فين يا لولا؟"
تنفست بصوتٍ ممتلئ بالحيرة لاهتمامه بها الذي لم تتوقعه، فهي طيلة المدة المنصرمة كانت تحاول كبت شعور التفكير به بكل الطرق، لتسأله بتيهة وكأنها تريد نسيان "ليلى" وقواعدها التي أحكمتها على قلبها تجاه الـ"زيد":
"هو انت لسه مصمم على اللي في دماغك وبتفكر فيا؟ إنساني بقى وافقد الأمل، مش عايزك تفضل رابط حالك بيا وبجد مش عارفة انت شايفني إزاي رغم كل محاولات الصد مني ليك؟"
أجابها بصوتٍ ملهوف ومشاعر صادقة حقيقية لم يستطيع السيطرة عليها ولا لديه القدرة التحكم بها وهو يعترف لها اعتراف محب واثق:
"عارفه، أنا أول ما بصيت في عيونك عرفت إن عمري ما هعرف أبص في عين بنت تانية غيرك. أسرتني ودوبتني، مجرد نظرة منك يا ليلى بس كفيلة تعيشني عمر بحاله. لسه بعد ده كله عندك شك إذا كنت بحبك ولا لا؟"
وأكمل وهو يتخيل أنه ينظر في عينيها الساحرتين وكأنها أمامه كي يجعلها تتأثر بشعوره وتريح قلبه المسكين:
"على فكرة مش بس عينيكي هم اللي شدوني، ملامحك، صوتك، هدوءك، رقتك، ابتسامتك، كل حاجة فيكِ بتناديني. مش قادر أشوف غيرك ولا قادر أستوعب إنك تكوني لغيري."
وأكمل بعيني تلمع عشقاً ولهفة:
"باختصار يا ليلى، صوتك، صورتك، ضحكتك، هم هوايا، هم حلم الليالي كل يوم. كفاية بقى يا ليلى، كفاية."
تهدجت أنفاسها بشعور غريب اجتاح أوصالها وهي تستمع إلى كلماته ووصفه الشديد لعشقه لها. كانت تستمع إلى كلماته وهي مغمضة العينين متأثرة بهمساته، تتخيل هيئته وهو يلقي اعترافه للمرة التي لا تعرف عددها على مسامعها. وفي الأخير ناداها هو بهمس حينما لاحظ صمتها:
"ليلتِ."
تمتمت بخجل:
"أمـ...ـم."
سألها برجاء:
"ليه مجتيش الجامعة النهاردة؟ بجد قلبي زعلان منك قوي، صاحي من بدري ومجهز حالي على إن هشوفك وهقف قصادك النهاردة واملي عيني منك، من بقى لي شهرين ما شفتكيش. ومش عوايدك إن انتِ ما تجيش الجامعة أو تغيبي، انتِ بتحبي الإلتزام جداً. قولي لي يا ليلى، هو في حد ضايقك وبسببه ما حضرتيش محاضراتك النهاردة؟"
تخبط صدرها قلقاً حينما سألها ذاك السؤال وتذكرت تلك المقابلة المقلقة مع ذاك الشاب المتهور الذي هددها، ولكنها لم تحكي له عن تلك المقابلة ولا عن التهديدات لتبرر بأية أسباب:
"ليه ما فيش حد ضايقني ولا حاجة، أنا بس تعبانة شوية وقلت أستريح قبل السفر لرحلة الجامعة."
قلق عليها بشدة:
"إيه ده تعبانة إزاي؟ احكي لي يا حبيبي فيكِ إيه؟"
أجابته بطمئنة على حالها:
"ما تقلقش يا دكتور، أنا بخير."
"دكتور، مستر، إيه يا بنتي بقي ارحميني أبوس إيدك، ناديني زيد بقى وبس، احنا بقينا حبايب..." جملة ترجي نطقها ذاك المعذب في هواها الواقف على أعتاب رجاها لتجيبه هي باختصار:
"بلاش بقى شغل الحوارات ده عليا يا مستر أو يا دكتور، احنا لسه ما اتفقناش نبقى حبايب ويلا بقى روح كمل محاضراتك علشان ورايا حاجات كتير بجهزها."
حزن بشدة لانتهاء الحديث بينهم ليطلب منها برجاء:
"بس أنا لسه ما شبعتش من الكلام معاكي يا ليلى، كالمعتاد بتحرميني منك بسرعة قبل ما قلبي يحس إنه اكتفى منك، ولو إني عارف إن عمره ما يكتفي من الكلام معاكِ أبداً. خليكِ شوية مستخسرة حتى شوية الكلام اللي بيصبروني على بعادك وعنادك معايا."
رمشت بأهدابها وهي ترفع عينيها في صورته أمامها على الهاتف لتعلمه:
"بس انت عارف إن أنا مش بتاعة الكلام ولا عندي وقت للكلام وبحب أكون صريحة معاك ومش حابة إن أنا أخدعك ولا أوهمك بمشاعر تحسها مني وهي مش موجودة. ارجوك خلينا زي ما إحنا، انت كنت بعدت وأنا قلت إنت نسيت، فخليك زي ما كنت من فضلك يا دكتور."
صوت مميت ملأ المكان ونظرات الدهشة حلَّت على ملامحه مستفسراً عما ما ردده فاهها:
"ياه، نسيتك! بقى انتِ فسرتي بعادي الفترة اللي فاتت والهدنة اللي أنا اديتها لك إن أنا خلاص ما بقيتش أفكر فيكِ يا شيخة؟ حرام عليكِ."
ثم نظر أمامه وزفر أنفاساً عالية مكملاً بتلهف معترفاً وكأنه يختم على قلبها بميثاق عشقه الموصوم لها:
"يا ليلى، انتِ نبض قلب زيد. انتِ بقيتي حلمه وروحه وعمره. حرفياً قلبي وعقلي ومستقبلي اترهن عليكِ، فبلاش تصعبيها أكتر من كده وتقفليها تقفيلة الضمنة أرجوكِ."
كان زيد وما زال محارباً شجاعاً يقف بكل قوته وأسلحته على أعتاب وطنه ليلته، يُعلمها بأنها الأمن والأمان لوطنه، يطلب منها معاهدة سلام وتوقيع الاستسلام لقلبها بأنها له، لن يستكين ولن يستسلم ولن يصمت على أن يعترف لها وأن يناضل لأجلها مراراً وتكراراً، فهي الليلى ومن كمثلها في قلب زيد!
أخرجت تنهيدة حارة تنم على مدى تأثرها الشديد بكلماته، فهمست بنفس الكلمة:
"اللي عايزه ربنا هو اللي هيكون، ومهما انت حاربت وأنا عاندت في الآخر النصيب غلاب وهو اللي هيحكم ما بيني وما بينك. أما الاعتراف فمش من حقي ولا من حقك، عمري ما أقوله طالما مش في حلال ربنا."
تنفس عالياً لعنادها:
"طب تصبيرة حتى يا ليلى، اعتبريها معونة في حرب حبك اللي تعبني قوي. اديني أمل أعيش عليه إنك في بالك."
قطعت سبيل الأمل وسدت كل الطرق أمامه كالمعتاد:
"معلش، ما تستناش مني أمل ولا أي كلمة ولا وعود، ما أقدرش أكون منافقة، ما أقدرش أدي وعود وأطلع كذابة. أنا يوم ما أقول لحبيبي إني بحبه يبقى فعلاً عن اقتناع من قلبي وعقلي وكل مشاعري، مش في لحظة تسرع ولا لحظة صعبانية أو علشان أنا عارفة إن الكلمة دي كبيرة وهيترتب عليها حاجات كتير، فمش حابة أقولها إلا لما أكون قدها."
تنهد وبعيني بائسة رضخ لحديثها، فما لديه سوى الصبر وتحدث بتلبية:
"حاضر يا ليلى، بس برده هستنى ومش هفقد الأمل لحد آخر نفس فيا. ممكن تخلي بالك من نفسك لحد ما نتقابل بكرة؟ زعلت قوي إني ما شفتكيش النهاردة، بس هصبر نفسي إنك هتبقي قدامي في الرحلة أسبوع بحاله."
انصدمت من آخر كلماته لتسأله بذهول:
"إيه ده رحلة إيه ومين؟ هو انت طالع معانا رحلة الجامعة؟"
رفع منكبيه باستكانة ليخبرها:
"إزاي مش هطلع وأنا اللي عامل الرحلة ومنظمها ومكلم الجامعة عليها وعملت اجتماع مع اتحاد الطلبة في كل الأقسام وعملنا لها حملة إعلانية رهيبة وأنا دافع في الحملة دي أكتر من ميزانية الجامعة نفسها وكنت حريص جداً إن الحملة الإعلانية تبقي في قسمكم زيادة شوية وأنا اللي حاطط البرنامج ومخفض في الأسعار ومتفق مع الشركة السياحية علشان برده الكل ما يفوتش رحلة زي دي، وقلبي كان واثق ومراهن إنك هتكوني منهم. وأنا كمان اللي منظم الأتوبيسات اللي طالعة. انتِ ما تعرفيش أنا ممكن أعمل إيه علشان خاطر أشوفك وأبقى جنبك حتى لو من بعيد."
اتسعت دائرة عينيها بذهول لما استمعت إليه:
"معقولة انت اللي عملت ده كله؟ أنا مش مصدقة نفسي ولا مصدقة اللي أنا سمعته؟"
ضيق نظرة عينيه ثم هتف بنبرة هادية:
"أنا ممكن أعمل أي حاجة وكل حاجة زي ما قلت لك. انتِ ما تعرفيش أنا دماغي دي ما بتبطلش تفكير في أي حاجة ممكن توصلني ليكي."
وأكمل بنبرة حزينة لما وصل إليه حاله معها:
"تعرفي أنا عمري ما كنت كده، أنا طول عمري حاسس إن محور الكون بيدور حواليا. أنا والله العظيم ما غرور في نفسي بس هي كل الظروف اللي كانت حواليا كانت معناها كده. انتِ أول واحدة أحس إن أنا تحت رحمتها، حاسس إن قلبي خلاني مذلول لقلبك ومستعد أتحمل أي حاجة منك، مع إن دي مش شخصيتي. بس كل اللي أنا عايز أعرفه لك يا ليلى إن أنا بتعذب وأنا مش بإيدي أداوي نفسي علشان قلبي مصمم إن دوايا وعلاجي انتِ مش واحدة تانية. ساعات بحس إن ربنا بيعاقبني على كل اللي أنا عملته مع البنات قبل كده فيكِ. أنا مش مستغرب وأنا بعري نفسي قدامك كده ولا إني بحكي لك الكلام ده علشان خلاص أنا اعتبرتك مني، اعتبرتك أنا ولازم أكون كتاب مفتوح قدامك حتى لو كان الكلام اللي هقوله هيأثر على قرارك بالبعاد أكتر، بس أنا اتعلمت منك الصراحة والوضوح وإني أبدأ علاقتي معاكي كأني لسه مولود جديد. سلام يا ليلى."
"يعني إيه هتروح الجامعة في الباص العمومي بتاع الكلية؟ ما ينفعش كده، الحراس مش هيعرفوا يمشوا وراك، إنت كده بتعرض نفسك للخطر وبتخلينا قلقانين عليك. لو سمحت يا رسلان اسمع الكلام وروح بعربيتك الخاصة كده آمن وأحسن."
صمم "رسلان" على أن يذهب مع أصدقائه في نفس وسيلتهم:
"يا ماما بقى أنا زهقت من العيشة دي، زهقت من التقيد اللي أنا عايش فيه. ما تخرجش إلا والحراس معاكِ، ما تروحش المكان ده، ما تعملش الحاجة دي. أنا عايز أكون مع أصحابي في وسطهم في المكان اللي موجودين فيه واحنا رايحين رحلة للجامعة، مش كل حاجة لازم تفكريني إني ابن وزير وإني لازم أمشي على القوانين دي. تعبت من كتر القوانين وتعبت من كتر ما أنتم عايزيني زي الإله. أنا إنسان يا ماما ومن حقي أروح مع أصحابي وأتمتع بشبابي زي ما أنا عايز."
ظلت والدته تحاوره كثيراً ولكنه كان متشبثاً برأيه وتركها وصعد إلى الأعلى بحزن شديد لتلك الحياة التي يعيشها معهم كلها أوامر وتقييدات وعدم حرية دائماً. رأيه مسلوب وإرادته ليست من محضه. لقد سئم كثيراً ذاك الرسلان من تلك الحياة.
"أنا بدور عليكِ بقالي كتير، انتِ فين؟ أنا عرفت اسمك وعرفت عنك كل حاجة وجاية أعتذر لك على طريقتي اللي أنا اتكلمت بيها معاكي، معلش سامحيني أنا كنت متعصب وكان في موقف مضايقني وطلعته عصبيتي عليك إنت، أنا آسف."
ابتسمت له برضا ووجه ملائكي:
"وأنا قبلت اعتذارك. أنا بعتز جداً باللي بيعترف بغلطه، بس ارجوك ما تعملش معايا وأنا مع غيري كده وخصوصاً البنات. ما تحاولش تفرد عضلاتك وتستقوى بنفوذك عليهم."
وعدها بنفس الابتسامة الملائكية وهو يقف أمامها يتشبع النظر في ملامحها:
"خلاص بقى وعد مني إني مكررهاش. ممكن نبقى أصحاب؟ أنا حسيت إن انت ملاك ربنا بعته لي علشان يخليني ما أعملش حاجة وحشة، ممكن يا ليلى؟"
ألقت وجهها أرضاً بخجل:
"شكل دعوتي عليك انقلبت لدعاء ليك إن ربنا يهديك يا رسلان. أنا كمان عرفت اسمك وما عنديش مشكلة إن إحنا نبقى أصحاب."
اعترف لها هو الآخر:
"من يوم اللي حصل وأنا بحلم بيكي وصورتك وطيفك ما بيفارقوش خيالي. ما تبعديش، أنا حاسس إنك ملاك ربنا بعته لي علشان يعلمني حاجات كتير غايبة عني."
رواية مشاعر موقدة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فاطيما يوسف
اعترف لها هو الآخر:
ــ من يوم اللي حصل وأنا بحلم بيكي وصورتك وطيفك ما بيفارقوش خيالي. ما تبعديش، أنا حاسس إنك ملاك ربنا بعته لي علشان يعلمني حاجات كتير غايبة عني.
كان ينظر إليها بعيون تمتلئ غراماً، وكأنه يعرفها منذ زمنٍ بعيدٍ، وهو يمد يده كي تتمسك بكف يدها كالطفل الصغير الملهوف اشتياقاً لأحضان والدته. وللعجب أنها هي الأخرى مدت يدها له، ولكن الأيادي لم تتلامس، وكأنها تعلقت في الهواء. ليحاول الاقتراب من يدها كي يتمسك بها، وكلما يقترب كلما ابتعدت يدها. فعبث وجهه حزيناً ليسألها:
ــ ليه بتبعدي ايدك يا ملاكي؟ قربي مني، شدي ايدي وخديني من الدنيا الوحشة دي. دنيتك أجمل يا ليلى.
حركت أصابع يديها وكأنها تداعبه من بعيد دون تلامس، وتمتمت بوجهٍ مبتسم:
ــ مش دلوقتي. انت محتاج تستقيم أكتر، محتاج تشيل غمام الكبر والسلطة من على عينيك يا رسلان. ووقتها هكون ليك. صدقني، ليلى لما بتوعد بتوفي.
بلل حلقه من كثرة عطشه إليها، ليترجاها بعينيه متلهفة:
ــ طول ما ايدك بعيدة عن ايدي مش هعرف أستقيم. قربيني منك وأنا أوعدك إنّي هستجيب ومش هرد أي محاولة منك لصلاحي. صدقيني، أنا من ساعة ما عيوننا اتقابلوا وأنا قلبي بيلومني على كل كلمة وحشة قلتهالك. سهم يا ليلى رشق في قلبي وقال لي: انت غلطت ومتضيعهاش. دي مش زيهم، دي ملاكك الحارس.
تحركت بخطواتها إلى الخلف وهي تسحب يدها رويداً رويداً، وكأنها بتلك الحركة تسحب روحه معها. وهي تودعه مغادرة المكان:
ــ أنا لازم أمشي يا رسلان. ما ينفعش أقعد هنا كتير. فكر في كلامي. سيبك من الشقاوة والكبر واعرف يا سيدي إن لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر. وأنا عايزاك في الدنيا وفي الجنة يا رسلان. أنا همشي بس سايبة معاك أمانة اللقا مرة تانية، بس هتكون اتغيرت للأحسن ووقتها بقيت إنسان تاني وأنا واثقة من كده. مع السلامة يا رسلان، خلي بالك من نفسك.
حرك رأسه رافضاً بفزع وهو يراها تتحرك من أمامه. وللعجب أن قدميه عاندته وتسمرت مكانها ولم يستطيع الحراك ولا أن يخطو خطوة واحدة كي يتمسك بها. وعبرت عينيه الدامعتين عن حالته وهو لا يملك سوى أن يردد بلسانٍ ما زال ملهوفاً وبشدة لتواجدها معه، وكأنها تسحب الأنفاس من صدره بخروجها من المكان. تلك كانت حالته الصعبة التي يقف مكتوف الأيدي يشعر بها وهو يناديها برجاء:
ــ لا يا ليلى، ما تسيبنيش. أنا من غيرك هضيع. أنا من غيرك هتوه. مليش مكان ولا عنوان. أنا من ساعة ما لقيتك وأنا اعتبرتك عنواني ومكاني. ما تمشيش يا ليلى، ارجعي تعالي. رسلان من غيرك هيضيع.
ظل يهذي باسمها وهو يحرك رأسه وعينيه ما زالت مغمضتين، وعلى وجهه التعرق الشديد بفعل حركته وهو نائم على تخته. ثم استيقظ على صوت جده يحاول إفاقته:
ــ اصحى يا رسلان، اصحى يا حبيبي، انت بتحلم. فوق يا رسلان.
استيقظ مفزوعاً من نومه، ويبدو الذعر الشديد على وجهه، ليجلس جده لأمه بجانبه آمراً إياه:
ــ قبل ما أديك الميه تشرب، امسح على وشك بإيدك اليمين وسمي الله واستعيذ بالله من الشيطان الرجيم علشان يمشي بعيد عنك يا حبيبي. زي ما أنا معودك أول ما تصحى من النوم وبعد كده نتكلم.
تنفس عالياً وهو يتذكر ذاك الحلم الغريب الذي زاره منذ قليل، وهو يمسح بيده اليمنى على وجهه ويردد ما قاله له جده مكملاً كما هو معتاد حينما يستيقظ من نومه:
ــ بسم الله الرحمن الرحيم. أصبحنا وأصبح الملك لله. اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين.
ربت جده على ظهره بحنو، ثم ناوله كوب الماء. فأخذه رسلان وتجرعه بأكمله، فهو كان يشعر بالعطش الشديد وكأنه كان في مباراة ومبارزة شديدة في الحلم أدت إلى شعور حلقه بالجفاف الشديد. ثم سأله جده:
ــ مش هنخلص من كوابيسك يا رسلان؟ أنا مش قايل لك قبل ما تنام تقرا السور اللي انت متعود عليها؟ كنت بتحلم بمين المرة دي؟
على صدره صعوداً وهبوطاً، وهو يتنفس بثقل وألم ممزوجين بالحيرة. ليقص على جده ما حدث بينهم وبين تلك الـ "ليلى" منذ يومين. ثم أكمل وهو يشعر بالذنب الكبير:
ــ بهدلتها جامد وهددتها تهديد شديد. وتقريباً البنت اترعبت مني يا جدو. وما جتش الجامعة بقى لها يومين. والحرس اللي بعتهم وراها بيقولوا إنها ما خرجتش من بيتها. ومن وقتها وأنا مش مستريح ولا عارف أنام ولا عارف أعمل أي حاجة. ولما جابوا لي تقرير عنها عرفت إنها ملتزمة جداً في الحضور من ساعة ما دخلت الجامعة وعمرها ما كانت بتتأخر على محاضرات. وتقريباً كده السبب مني لأني هددتها جامد.
برقت عيناي جده بحدة لما استمع إليه، ليلقي على مسامعه ذاك العتاب الأقرب للوم:
ــ بقى ده الكلام اللي أنا كل يوم والتاني هسمعه لك يا رسلان؟ وأقول لك ما تستقواش على خلق الله بمنصب أبوك. أنا اللي مربيك مش أمك ولا أبوك. ومربيك على الأخلاق والاحترام. تقوم تستضعف على بنت! ودي تاني مرة تعملها. وأنا حذرتك قبل كده. بلاش شغل إنك ابن وزير وتستقوى على خلق الله. وكمان انت عارف إنك من صغرك وهتحلم بكوابيس لو عملت حاجة غلط. ليه تعمل كده يا ابني؟
كانت عملت لك ايه يعني علشان تبهدلها كده قدام حراسك وتهددها وتسبب لها خوف ورعب هي وأهلها؟!
وأكمل بأسى على حاله:
ومش بعيد كمان يقعدوها من الجامعة اللي تعبت عشان تدخلها بمجهودها بسببك عشان خايفين عليها. انت غلطت يا رسلان وأنا ما ربتكش على كده.
كان يجلس أمام جده كالطفل الصغير الذي يعنفه بسبب خطأٍ كبيرٍ. وتلك حالتهم دوماً، فرسلان وجده حالة مختلفة من الاندماج. فهو يعتبر تربى على يديه في حين انشغال أمه وأبيه في عملهم ونجاحهم. وتركوا رسلان مع جده منذ الطفولة. كان مسؤولاً عنه وعن جميع سلوكه، فقد رباه على التواضع والأخلاق. ولكن تلك المرة التي تقابل فيها مع ليلى لم يكن في حالته المزاجية وحدث ما حدث. ليبرر لجده:
ــ انت عندك حق يا جدو، بس اليوم ده ماما كانت متخانقة معايا بسبب الحوارات اللي انت عارفها. وكنت خارج مخنوق بشكل فظيع. ولما رحت الجامعة، أصحابي اللي أنا بحبهم ومتعلق بيهم وانت عارفهم كويسين قد إيه كانوا خايفين يقربوا مني في اليوم ده بسبب اللي ماما عملته فيهم. وكمان حذرتهم ما يتكلموش معايا ولا يعرفوني. قال إيه خايفه على مصلحتي ومش عايزاني أصاحب أي حد. ومراقـ.ـبانـ.ـي. وتقريباً كده بتعد لي حتى الأنفاس اللي أنا بتنفسها.
واسترسل شكواه بنبرة بائسة:
ــ أنا تعبت يا جدو. ولما خرجت لقيتها في وشي وكانت متعصبة وبترزع على عربيتي زي ما حكيت لك. رحت عامل فيها اللي أنا عملته وأنا والله العظيم كنت خارج عن شعوري ومش عارف أتصرف إزاي دلوقتي. ولما كنت هخلي الحراس يجيبوها لي، كنت عشان أعتذر لها عن اللي حصل مني.
ترك جده جميع ما حكى ليسأله بنبرة حازمة:
ــ سيبك من كل ده. هي مامتك عملت كده مع أصحابك زي ما انت ما بتقول؟ ولما ده حصل ما حكيتليش ليه؟ أنا مش قايل لك ما تخبيش حاجة عني يا رسلان؟
قلب عينيه بخوف ليجيب جده:
ــ المرة اللي فاتت انت وهي اتخانقتوا خناقة كبيرة بسببي يا جدو. وسبت البيت ومشيت. وكنت من غيرك عامل زي اليتيم. وما كانتش بترضى تخليني أروح الحارة اللي انت قاعد فيها. وأنا ما أقدرش أستغنى عنك. ولو كنت قلت لك كنت رحت اتخانقت معاها ومشيت زي المرة اللي فاتت بعد ما رجعت هنا بالعافية وخلاص. يا جدو أنا فهمت أصحابي على كل حاجة واتفقت معاهم يريحوا ماما في اللي هي عايزاه وما يبعدوش عني. وطمنتهم إنها مش هتأذيهم.
وأكمل راجياً إياه وهو يرتـ.ـمي في أحضان جده:
ــ بالله عليك يا جدي ما تروحش تقول لماما حاجة. أنا خلاص أصحابي رايح معاهم الغردقة كمان ساعتين. وكمان أنا بعد كده هيبقى ليا شخصية قدامها وهرفض أي حاجة هتفرضها عليا. أنا مش عايزها. وقلت لها إن أنا هركب مع أصحابي الباص ومش هروح بعربيات ولا حراسة. وبعد كده مش هكون ضعيف. وأي حاجة مش عايز اعملها هقول لها لا. زي ما انت ما اتفقت معايا. بس اطلع انت برة الحوار. أنا ما أعرفش أعيش في البيت الخنيق ده من غيرك.
وضع جده كف يداه علي كف يده الموضوعة فوق فخذه، ثم ربت عليها بحنو وأردف قائلاً بطمئنة له:
ــ ما تخافش يا حبيبي. أنا مش هسيبك تاني غير لما أحس إنك قويت وما بقتش تحتاج لي. معلش يا حبيبي، انت قدرك ونصيبك تطلع في الدنيا تلاقي أمك وأبوك أصحاب مناصب والدنيا لاهياهم عن كل حاجة حلوة غير إنهم يبقوا بالشكل اللي انت شايفه ده. يلا قوم صلي الفجر عشان تلحق رحلتك واستمتع وعيش كأنك شاب عادي مش ابن وزير. وهزر واضحك مع أصحابك. بس ما تنساش صلاتك يا رسلان والورد اليومي اللي انت متعود عليه علشان ما تزعلنيش منك. وما تنساش جدو تكلمني مرتين في اليوم على الأقل وتطمني عليك.
لانت ملامحه وشعر براحة اجتاحت روحه لحديث ذاك الجد الحنون الذي وصل لأعماقه وتوغل في روحه، وهو يوعده بابتسامة مشرقة:
ــ حاضر يا جدو. انت عارف إلا صلاتي ما أخليها زي ما انت ما علمتني. بس في حاجة مهمة عايز أقول لك عليها وعايز استشارتك فيها؟
حرك جده رأسه للأمام مبادراً إياه أن يحكي، وهو يستمع إليه بصدرٍ رحب. ليكمل رسلان:
ــ أنا عرفت إن اسمها من ضمن الأسماء اللي طالعة الرحلة. بس مش عارف هتيجي ولا هتخاف برده؟ طب هو أنا لو شفتها يا جدو أعمل إيه أو أتصرف إزاي؟
تنهد جده وأشار عليه باستجواد:
ــ مش محتاجة كلام. تعتذر لها طبعاً عن اللي حصل منك وإنك غلطان بشدة. واعرف يا ابني دايماً إن الاعتذار من شيم الكرام. وإنك لما تعمل حاجة غلط وتعتذر عنها، انت كده مش بتقلل من قيمتك عند الناس. لا، إنت كده بترفع من قيمتك. وهي هتتقبل اعتذارك بإذن الله.
الاعتذار لغة النفوس الراقية التي تحترم ذاتها، ولا يكون إلا بطريقة ودية تعبر عن رقي وفهم المخطئ لخطأه، وحرصه على عدم خسارة من أخطأ بحقهم.
***
ــ إيه يا بنتي؟ شايفك قفشة على حالك قوي. فكي يا ماما، إحنا طالعين نغير جو. سيبك بقى من حوارات البلد وأي حاجة تفكرك بالنكد. أنا عايزك تكوني مروقة دماغك خالص علشان تستمتعي بالمكان اللي إحنا رايحينه والصحبة وكل حاجة. وبإذن الله مش هترجعي يا نوري إلا وانتِ اسم على مسمى.
أومأت برأسها وملامحها تنبض بالتساؤل قبل لسانها، وهي تردد بلا مبالاة:
ــ ما أنا مصيري أرجع للبلد وللماضي اللي محاصرني من نظرات الناس وكل حاجة حواليا. هترجعني للي كنت فيه يعني الأسبوع اللي أنا هبعده هو اللي هيغير الكون حواليا؟
استفزه برودها وحدتها، فراح ينتقد أول شيء يرفضه تماماً في ذلك المزيج الغريب من الهدوء والرقة والحدة:
ــ انت إيه يا بنتي؟ عدوة الفرحة! عدوة البهجة، منبع النكد والقهر لنفسك! يا ماما، ما كانتش أم جوازة راحت في ستين داهية هي وصاحبها. فكي حبيبتي، فكي يا نوري. واعملي حسابك مش عايز أسمع الكلام ده تاني. أنا عايز نور الشقية المبهجة اللي أول ما تشوف يحيى تبتسم وغمازاتها تبان وتقول له حمد لله على السلامة يا شقي.
رفعت حاجبيها ساخرة باستنكار من كلامه لها:
ــ يا ابني، إحنا لسه بنقول يا هادي ولسه في الأول. وبعدين، هو أنا لسه شفت فرح ولا مرح ولا أي حاجة. حتى سيبني أعيش جو الهدوء النفسي اللي أنا فيه لحد لما نروح للهرج والمرج اللي انت تقصده.
غمز لها حينما على صوتها بشغب وهي تهتف بنبرتها المستنكرة، وكأنها عادت إلى شراستها قليلاً في الحديث، ليتفاخر بحاله أمامها:
ــ خطير، أنا عارفني كويس جداً. أعرف أخليكي تطلعي من الهدوء وتضحكي وتغيري فكرتك ومودك المتنكدين. عشان تعرفي أنا مش أي حد برده يا نوري.
ابتسمت مع كل كلمة كان يرددها، وعند كلمته الأخيرة تبدلت الابتسامة إلى مشاعر حقيقية خرجت من فمها تعبر عن ما في قلبها، مما جعل داخله يرجف بأسى عما فعله معها وأوصلها لتلك الحالة:
ــ انت فعلاً مش أي حد يا يحيى. وأنا عارفة كده من زمان. وحتى كمان أعرفك أكتر من نفسي ومن أي حد. بس بقيت أمنيات صعبة ومستحيلة بعد ما كان احتمال تحقيقها ولو عشرين في المية.
صوته خرج متحشرجاً وهو يحاول التبرير، لكنه لا يملك شيئاً يقوله غير الاعتذار لجهله عن مشاعرها له:
ــ حقك عليا يا نور. حقك على قلبي عشان كان غشيم وما شافش طاقة النور والملاك اللي كان هيحاوطه في كل وقت. كان كل كلامك معايا ونظراتك بتقول إن إحنا ما ينفعش نبقى إخوات. بس أنا زي ما قلت لك قلبي كان غشيم، أعمى. بس خلاص، ما بقاش في حاجة تمنعنا إننا نكون لبعض. بس أنا سايبك تاخدي وقت كفاية تداوي فيه نفسك من اللي حصل لك.
ردَّت بصوت يخرج بصعوبة من حلقها وهي تحاول إجبار عينيها على أن لا تدمع:
ــ تفتكر ينفع! أنا لحد امبارح أخته بعتت لي رسالة قذرة على الواتساب لما نزلت منشور على فيسبوك إني طالعة أغير جو في شرم وإني هرجع لشغلي تاني. وكل أصحابي ومن ضمنهم انت علقت لي تعليقات مشجعة. ومع إني عاملة لهم كلهم بلوك، إلا إنها وصلت لي. وممكن كمان تكون جابت رقم جديد مخصوص عشان تحـ.ـرق دـ.ـمي بيه. ويمكن يكون أخوها اللي مسلطها إنها تعمل كده. ولحد دلوقتي مش عايزين يسيبوني في حالي ومش مستوعب إن أنا أجبرته يطلقني ويبعد عني.
وأكملت بنفس لمعة الدمع في عينيها:
ــ ده غير الرسايل القذرة اللي بتجيلي من أرقام ما أعرفهاش واتصالات برده من أرقام ما أعرفهاش. كأنه حالف يلاحقني في كل مكان عشان ما أنساش اللي عمله فيا وأفضل جوه قوقعة الحزن. تقريباً كده عايز يجيب لي عقدة ومرض نفسي. وخصوصاً لما ألاقي كلمة: "آخرك ابن خالتك الصايع اللي خنتي جوزك عشانه". تصور بقى المعاناة اللي انت بتطلب مني أطلع منها.
ابتلع غصة آلامه حينما وقع نظره عليها ولمح لمعة الدموع في عينيها، وكأن أحدهم غـ.ـرزه بسـ.ـكين حاد في قلبه. ثم سحب نفساً عميقاً وزفره على مهل وهو يحاول السيطرة على نيران صدره المولــ.ــعة من تلك الكلمات التي رددها فاهها، ليقسم أمامها بيمينِ واثق:
ــ طب وعهد الله يا نور، لما نرجع لازم نعمل خطوبتنا وأحـ.ـرق دـ.ـمه. ولازم أستخدم معاه أساليب رخيصة زي اللي بيستخدمها بالظبط عشان أجيب له هو عقدة في نفسه. طالما مصمم ما يبعدش عنك ولا هو ولا أهله. وإن ما كنتش أخليه عبرة لمن لا يعتبر، وبعيد عني خالص من غير ما حد يعرف من طريقي، ما بقاش أنا يحيى عشان يبقى يهرتل ويقل أدبه. واعملي حسابك أول ما ننزل من الباص الخط بتاعك ده هترميه وهنشتري خط غيره. أنا مش فاهم إحنا ليه مغيرناهوش أصلاً. ويبقى نبعت لخالتو رقمك الجديد ويبقى يشوف بقى هيبعت الرسايل القذرة دي فين بعد كدة.
ترجته بفزع أن لا يفعل هكذا وأن يبتعد عن طريق ذاك الوغد:
ــ ارجوك بلاش تعمل حاجة يا يحيى. كفاية اللي كان هيجرى لك قبل كده بسببه. هو مسافر وبيحرك كل حاجة من مكانه وباعد نفسه عن المشاكل. أرجوك انت كمان ابعد عنه. أنا مش عايزة لك أي ضرر. وإذا كان على الخط هرميه. بلاش تقرب ناحيته، بلاش يا يحيى.
طمأنها بهدوء وما زال مصمماً على قسمه:
ــ ما تخافيش يا نور. هو مش هيعرف إن أنا اللي هعمل حاجة. أنا هضرب من تحت الترابيزة زيه بالظبط. بس هخليه ينفخ وميلحقش يفتكرك من اللي أنا هعمله فيه. ويبقى يلاحق بقى على البلاوي اللي أنا هعملها له. بس اصبري عليا. وبعدين مش عايزك تخافي على طول كده ولا تقلقي. حرام بجد إنك تفضلي عايشة جوة دوامة الخوف والقلق دي. انتِ لسه صغيرة، مش كلامهم اللي هيدمرك.
وأكمل بتحدي مصاحب للقوة، بعينيه تبرقان شراراً، وهو يردد كلمته الحقيرة لها عنه:
ــ أنا بقى هوريه الصياعة بحق. طالما هو شايف إن أنا صايع.
تلاحقت أنفاسهم بوجع أليم من حالتهم، ولكن حاول هو تنظيم أنفاسه كي لا يجعلها تقلق وكي لا يعطيهم فرصة إفساد رحلتهم. فكل منهم يحتاج للآخر كي يعودوا إلى بلدتهم وهم متفقين على كل شيء، ويجبرها أن تترك الذكريات الأليمة التي تدق دوماً على قلبها كالمطارق.
الذكريات قاموس مليء بالمواقف والمشاعر وبالصور والأشخاص، فتمر بنا الذكريات منها السعيدة ومنها المؤلمة التي نتمنى لو لم تمر بنا. ولكن لا يوجد ذكريات سعيدة فقط، بل عقولنا تمتلئ بالذكريات المؤلمة التي تفقد حتى لذة اللحظات السعيدة. وها هي ذكريات الأمس مؤلمة بعد زواج اندفن بين سراب الخيانة ورحل إلى عالم آخر، وذكريات تعتصر القلب ويلتهب من جمرها.
***
وصلت الحافلات أخيراً إلى البلدة تحت إرهاق جميعهم. وبعد أن انتهوا من إتمام إجراءات دخول الفندق، اتفقوا على أن يرتاحوا عدة سويعات قليلة. فقد وصلوا في الساعة الواحدة ظهراً بعد ساعات كثيرة قضوها في السفر، على أن يجتمع بهم مشرفين الرحلة في الخامسة عصراً بعد أن ينالوا قسطاً من الراحة حتى لا يكونوا جاهدين ويشعروا بالمتعة.
كان هاشم حجزه مع حنين في غرفة واحدة، عدا الباقين. الفتيات في أدوار منفصلة عن الشباب، كل منهم في فلك آخر. في غرفة هاشم وحنين، بعد أن استقروا في غرفتهم، أطلق تحذيراً هاماً وهو يجلس بجانبها بتعالٍ على الأريكة الموجودة بالغرفة، وبالتحديد بجوار النافذة المطلة على البحر. وانطلق فاهه بتحذير:
ــ لو سمحتي، مش عايز أي حد يحس بزعلنا مع بعض. نتعامل قدام الناس على إننا طبيعيين وإن مفيش مشكلة بينا.
رمشت بأهدابها وهي ترفع عينيها التي تتلألأ جواهرها، ثم عاتبته بنبرة مملوءة بالحسرة:
ــ طب ليه يا هاشم؟ خليتنا نسافر وتخليني ما أستمتعش بلحظة إنك أول مرة تخرجني. ده حتى شهر العسل ما رحناهوش. وفي الآخر هتفضل على خصامك وعنادك وهتخليني أكره اليوم اللي خرجت فيه من بيتي معاك. ما خلاص، ما كانوا كلمتين خرجوا مني وقت زهق. هتفضل تعاقبني عليهم حتى في الأوقات اللي انت مخرجني أتنفّس فيها.
ــ للأسف يا حنين، أنا من النوع اللي ما بصفاش بسهولة وما بنساش الإهانة زيك بسهولة. مش دي كانت كلمتك ليا برده وقتها؟
قالها بصوته العميق وبنبرة جافة كأنها صفعة لقلبها المسكين، لتعقب هي عليها بحزن وهي تومئ برأسها للأسفل وعلامات الندم تغزو وجهها:
ــ إحنا ياما هيحصل بينا مواقف. ياما انت هتقول كلام مش هيعجبني وياما أنا هقول كلام مش هيعجبك. كل إنسان منا في ساعة الغضب والزعل من اللي قدامه بيقول حاجات ويرجع يندم عليها وبيعمل أفعال ما بيقدرش يسيطر على نفسه وقتها. وساعتها ما بيبقاش نهاية الكون. فلازم تبلع لي كل حاجة تصدر مني في الوقت ده. وأنا كمان برده أبلع لك أي تصرف يصدر منك في وقت غضب علشان نقدر نكمل مع بعض. يعني بمعنى أصح، مش هنقف لبعض على الواحدة يا هاشم.
وأكملت وهي ترفع رأسها وتلتفت ناحية النافذة:
ــ هي الست بتتجوز راجل أكبر منها في العمر ليه؟ علشان هو اللي يحتويها وقت الزعل وهو اللي دايماً يخلي قلبه كبير ويفوت لها حاجات كتير علشان هو أعقل منها وأكبر منها وهو صاحب القوامة اللي ربنا أدهاله. فكرة إن الراجل يأدب مراته بالهجر والخصام اللي ربنا قال عنهم ما اتقالتش عشان كلمة خرجت وقت غضب الست. لا، اتقالت عشان تتنفذ في مواقف شديدة. أرجوك يا هاشم، ياريت تحتويني أكتر من كده.
عقد حاجبيه بعدم راحة لحالتهم، ثم قال معقباً على رأيها وقرر أن لا يشد حبال الخصام بقوة حتى لا ينقطع، ويذوب في العناد. ثم هدأ من نبرة صوته الجافة وتحدث إليها بنبرة حنونة ولكن بها بعض الكبرياء:
ــ تمام يا حنين، طالما اعترفتي بغلطك أنا مش هعاند. خلينا نستمتع برحلتنا مع بعض. وأوعدك يا ستي إني هحاول أغير من نفسي وأفضي من وقتي في الشغل كتير ونخرج في الوقت اللي انتِ حابة تروّحي عن نفسك فيه. بس على ما أتعود على الحياة الجديدة ما بينا، ما تقفشيش على أي حاجة. ومش لما أرجع من الشغل وأول ما تشوفيني تقولي لي: "أمك عملت وأختك سوت". أنا برده مش عايز مشاكل معاهم ولا عايز نبقى دايماً في حـ.ـرب. عايز أرجع بيتي ألاقي السكون والهدوء ومراتي مستنياني بابتسامة.
ابتسمت براحة توغلت أعماقها وهم على مشارف الصلح بعد الهجر. ثم تأبطت ذراعيه وهي تتمسك بهم بشدة وتنام على كتفه ساكنة بالقرب من أحضانه. ودقات قلبها أعلنت الطبول. وما كان منه إلا أنه رفع يديه محتضناً إياها بحركة أذابت كليهما. فالاقتراب بعد الخصام له لذة مختلفة. يبدأ هادئاً وينتهي بعاصفة مشاعر موقدة جياشة لكلا الحبيبين. لتتمسك بأحضانه بإحدى يديها واليد الأخرى تتوسد صدره العريض وتحركها بعشوائية. حركت ساكن ذاك الهاشم وهي تتمنى الآن فقط القليل من الأشياء التي تسعدها معه بعدما ظنت أن كثيرها يسبب السعادة:
ــ ياه يا هاشم، لو نبعد عن العالم كله والمشاكل ونبقى أنا وانت في مكان لوحدنا. حتى ولو بيت صغير بسيط على قد إمكانياته. بس أنا وانت عايشين فيه براحة بال بعيد عن أي ناس يخلونا نزعل من بعض وبعيد عن أي حوارات يخلونا نبعد عن بعض. دي بقت أكتر أمنية بتمناها.
تنفس صدره عالياً وهو يستمع إلى أمنياتها مجيباً إياها بعملية:
ــ ياه، وإحنا كنا مخطوبين كنت بتقعدي تقولي نفسي في أوضة نوم واسعة وكبيرة وصالة يرمح فيها الخيل وتكون الشقة عموماً دوبلكس علشان أصحابي لما يجولك يشوفوا النعيم اللي انتِ عايشة فيه. دلوقتي عايزة تعيشي في مكان بسيط ما فيهوش أي رفاهية غريبة. انتِ يا حنين!
رفعت مقلتيها الحائرتين وسكنت عينيه الخالية من أي مشاعر وهي تردد بخواءٍ غريب:
ــ كنت بحلم يا هاشم. أحلام جميلة بتحلمها أي بنت في سني. بحلم يكون لي بيت كبير وعريس طول بعرض ويكون جنتل مان زي حلم أي بنت برده. وجنة يعيشني فيها ويدلعني ويسفرني ويخرجني. ونخرج نتمشى أنا وهو تحت المطر في نص الليل ونقف في وسط الشارع ويحضني ويقول لي: "بحبك يا كل ما ليا". كل دي أحلام كنت بحلمها. وأنا بنت كل البنات نفسها في كده. نفسها تعيش الحياة دي. واللي لو عاشتها هتقدر تتحمل أي ضغوطات. لأن الست بطبعها كائن معطاء. ولما تحب تدي تحب تاخد بعشم وزيادة. ويكون اللي معاها أكرم منها. لأن الست بطبعها برده الرقيق كريمة جداً في مشاعرها.
تفهم حديثها ووعاه بشدة. واستطاعت بنبرتها الرقيقة الهامسة أن تأسره بمشاعرها الرقيقة الحالمة. ترك التفكير في كل شئ، التفكير بطبيعة شخصيته الجامدة الصلبة. وقرر الدخول معها عالم الأحلام. تجربة جديدة مختلفة عليه وعلى شخصيته أن يصبح رجلاً رومانسياً بطريقة أنثاه. فجذب يديها وأقامها أمامه واحتضن وجنتيها بحنو جعلها تتملس بين يديه مغمضة العينين. يدق قلبها طبولاً من حركته تلك. ثم قرر نزع حجابها من على رأسها، فهم ما زالوا بملابس سفرهم. ثم نزع دبوس رأسها المحكم لخصلاتها السوداء لينطلق شعرها الأسود الغجري على ظهرها. فدفن يديه بين خصلاته وهو يلقي على مسامعها ما جعلها هامت غراماً وهياماً:
ــ تمام يا مولاتي الأميرة حنين. أوعدك إني في الرحلة دي هنفذ لك كل أحلامك في رحلتنا دي وكل اللي نفسك فيه هعمله لك.
وأكمل بنظرة راغبة في الاقتراب منها كرجلٍ أنثاه المحللة له بين يديه. فهو حينما يقترب منها جسـ.ـده يطالبه بالرغبة بها واشتهـ.ـاء القرب من شفاها المرتعشتين أمامه بصوت أجش متأثر باقترابها:
ــ بس تعيشـ.ـينـ.ـي لحظات تخليني ألهث فيها وراكي. أنا بطبعي راجل بحب قرب مراتي وحضنها. وأنا عايز حضنك وقربك دلوقتي. فمتحرمنيش وتدلعيني.
بللت حلقها من كثرة عطشها هي الأخرى لأحضانه. ولكن ذاك الوقت جسدها هزيل من أثر السفر وقلة النوم:
ــ دلوقتي يا هاشم! أنا رجلي مش شايلاني وعيني مش قادرة أفتحها. خلينا نرتاح شوية وبعدين أدلعك وأبسطك على كيف كيفك.
أصيب بالإحباط من رفضها وشعر بالإهانة مرة ثانية، ليلقي الملام عليها بطريقة حادة:
ــ لا، هو في إيه بجد؟ كل لما أطلبك وأبقى عايزك تقولي: "تعبانة". "مش دلوقتي". "مش عايزة". أنا بجد تعبت من كلامك ده. هو المفروض أأسس رغبتي فيكي على حسب ما تعوزي انتِ وتشاوري. ووقت ما تحسي إنّي على كيفك ومزاجك انتِ؟!
تراجعت سريعاً خوفاً من انقلابه مرة ثانية عليها لتبرر له على الفور:
ــ لا والله مش زي ما انت فاهم. يعني أدخل آخد شاور من أثر الطريق والزحمة والاختلاط والحوارات اللي انت فاهمها دي علشان أكون تحت أمرك يا حبيبي وأنا منتعشة. ده اللي أنا أقصدُه.
لم يريد هو الآخر افتعال مشاكل معها، فتفهم تبريرها ليبتعد عنها مردداً باستحسان:
ــ تمام يا حنين، هستناكي. هخرج أشرب سيجارة في البلكونة على ما تخلصي الشاور. يلا في السريع.
تنفست الصعداء من تفهمه لتبريرها وعدم اختلاقه لخصام آخر، لتخطو من أمامه سريعاً كالهواء. وفتحت الحقائب وأخرجت منها تلك المنامة الحريرية ودلفت إلى الحمام سريعاً وأغلقت الباب خلفها. ثم استندت عليه وهي تتنفس سريعاً وكأنها في معركة وأحد الأعداء يلهث وراءها من شدة الإرهاق التي تشعر بها. ثم خلعت ملابسها ونزلت أسفل صنبور المياه وهي تشعر بارتخاء جسدها من التعب والسفر. وحاولت الانتهاء سريعاً كي تخرج لزوجها الذي ينتظرها على أحر من الجمر. وتعب جسدها وإرهاقها آخر شيء تفكر فيه.
***
أخيراً رآها رسلان تقف على البحر. امسك هاتفه ويبدو أنها تطمئن اهلها عليها. يقف ينتظرها حين تنتهي من مكالمتها وسيذهب إليها كي يعتذر لها عما بدر منه من إجرام. اقترب منها وكانت تعطي وجهها للبحر، ليتحمحم هو:
ــ امممم… مساء الخير يا آنسة ليلى.
استمعت أذنيها إلى ذاك الصوت ويبدو أن أعضاء الحس لديها ترجمته على أنه معروف لديها. لتلتفت بظهرها وإذا بها تشهق برعب من رؤيته أمامها. والخوف سيطر على ملامحها. وكادت أن تتحرك سريعاً راكضة من أمامه. ولكنه تمسك بيديها يمنعها أن تتحرك كي يعتذر لها. وعلى صعيدٍ آخر كان زيد يبحث عنها بعينيه. فهو يريد التحدث معها ومتلهفاً لرؤيتها بشدة. وأثناء بحثه رأى ذاك الموقف من بعيد، فتشنج جسده وبرزت عروق رقبته. فأحدهم يمسك بيدي ليلته وهي تقف مستكينة. والموقف أصبح محتدماً للغاية…
يتبع…..
رواية مشاعر موقدة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فاطيما يوسف
مساء الخير يا آنسة ليلى.
استمعت أذنيها إلى ذاك الصوت، ويبدو أن أعضاء الحس لديها ترجمته على أنه معروف لديها. لتلتفت بظهرها، وإذا بها تشهق برعب من رؤيته أمامها، والخوف سيطر على ملامحها. وكادت أن تتحرك سريعاً راكضة من أمامه، ولكنه تمسك بيديها يمنعها أن تتحرك. كي يعتذر لها.
وعلى صعيدٍ آخر، كان "زيد" يبحث عنها بعينيه، فهو يريد التحدث معها ومتلهفاً لرؤيتها بشدة. وأثناء بحثه، رأى ذاك الموقف من بعيد، فتشنج جسده وبرزت عروق رقبته. فأحدهم يمسك بيداي ليلته، وهي تقف مستكينة، والموقف أصبح محتدماً للغاية.
أما "رسلان"، تحدث سريعاً قبل أن تفقد أعصابها من الخوف منه أولاً، ومن تمسكه بمعصم يديها ثانياً:
ما تخافيش والله، ممكن تهدي ونتكلم مع بعض شوية. أنا مش جاي أئذيكي، أنا أصلاً مش بحب الأذية لحد. أنا جاي أعتذر لك عن اللي قلته واللي حصل مني.
أنهى كلماته، ثم ترك يديها على الفور حينما كانت هي تحرك يديها بعشوائية بين كفاي يديه. ليتركها، ولكن حينما استمعت أذنيها إلى اعتذاره، تعجبت ملامحها. وزار الشك داخلها، لينطق لسانها بدهشة:
تعتذر لي ازاي يعني؟! ولا تكون دي خطة جديدة علشان تعرف تنتقم مني أو تعمل لي أي حاجة وتبان قدام الناس إنك بعيد عنها أو مفيش أي حاجة! الصراحة أنا مش مصدقة اعتذارك ده ولا دخل لي دماغ. علشان الكلام اللي انت قلته المرة اللي فاتت والطريقة اللي اتعاملت معايا بيها ما تدلش على إنك ممكن تعتذر لي عن اللي إنت عملته.
واسترسلت دهشتها وهي تشيح بيديها أمام وجهه:
أصل يعني طبيعي واحد في مكانتك والطبقة اللي انت عايش فيها ما يعتذرش برده. فلو جاي تستدرجني علشان تنفذ انتقامك مني أرجوك بلاش. أنا مش بتاعة حوارات ولا بتاعة خناقات ولا انتقامات. ابعد عني وأنا كمان مش هخليك تلمحني في مكان تاني. وأصلاً لو كنت أعرف إن إنت جاي الرحلة دي ما كنتش طلعتها.
كان "زيد" على بُعدِ خطوة واحدة للتحرك ليذهب إليها، فهو لم يستطيع تحمل أكثر من تلك الدقائق القليلة وهي تقف معه ويرى الإندماج في الحديث بينهم. والغيرة تنهش بقلبه نهشاً، ولكن قبل أن يخطوا خطوة واحدة، أتى "يحيى" صديقه من ورائه وهو يرى الموقف. فهو يعلم كل شيء عنه، وكما أنه عرِف "ليلى" في صباح اليوم، فقد أشار إليها "زيد" كي يعرفها. فتمسك بيديه ناهياً إياه أن يتحرك:
انت رايح فين يا زيد؟ انت اتجننت؟ انت عايز تعمل للبنت فضيحة في وسط الناس؟ هو انا مش عارفك يعني! عصبي ومتهور وما بتقدرش تتحكم في أعصابك. وبعدين يا ابني هي واقفة مع زميلها قدامنا كلنا وبيتكلموا بكل احترام. إزاي تدخل ما بينهم بالشكل الهمجي ده وانت عينك هتطق شرار؟ انت بكده هتخسرها يا زيد.
تآكل غيظاً وهو يحاول نزع يديه من قبضة صديقه المتمسك به بشدة، وهو ينهره على منعه من التحرك:
سيب ايدي يا يحيى، انت عايزني اشوفها واقفة معاه وكان ماسك ايديها و أقف متكتف واتفرج عليهم؟ أعملها إزاي دي يا جدع؟ سيب ايدي عشان أروح أعرفه مقامه و أخليه يبعد عنها وما يقربش منها ولا يلمسها تاني.
ما زال "يحيى" متمسكاً به بقبضة حديدية، لينهره هو الآخر ناعتاً إياه بالغباء:
يا ابني انت مجنون، ما تهدى بقى يا زيد، انت مش شايف هي واقفة مع مين؟ ركز يا حبيبي في الملامح دي. واقفة مع "رسلان أحمد شفيق" ابن وزير التربية والتعليم تقريباً. معاها في الجامعة، هو الشكل بتاعه معداش عليك قبل كده على السوشيال ميديا.
جز على أسنانه بغضب عارم، وهو يقف يدب قدميه بحدة، وكأنه يصارع الأرض. ولو كانت إنسيًّا لجُرحت من دبَّته عليها:
يكش يكون ابن رئيس الجمهورية يقف معاها ليه ويمسك ايديها ليه؟ سيب ايدي يا يحيى، أنا جايب أخري.
تمسك به "يحيى" أكثر من ذي قبل، لأنه متيقناً إن ترك يديه لم يمر الموضوع مرور الكرام. فهو في غضبه غشيماً للغاية، وهو صديقه ولن يتركه لغضبه الأعمى يتحكم به:
افهم يا جدع، انت مش من حقك تقتحم وقفتها مع أي إنسان. خليك راقي يا زيد، انت برستيجك ومستواك ما ينفعش ينزلوا في الأرض. وبعدين اللي هيحصل منك هيبقى على مرأى ومسمع من الناس. الكاميرات حوالينا في كل مكان والناس دلوقتي بتحب الفضايح.
واسترسل نصحه وهو يحاول تهدئته وإغصـ.ـابه على أن يتحرك من مكانه رغماً عنه وهو يشد يديه:
بعدين يا زيد، تفهم منها هي واقفة معاه ليه وتتكلم معاها بهدوء من غير ما تسبب لها هي فضايح ولا تخليها تكرهك. وقتها مش هتسامحك وانت الخسران خالص. معركة حبك معها للأبد. تعالى معايا بس. أنا خايف عليك يا عمنا واهدى خالص. وما ينفعش أصلاً تتكلم مع حد وانت في حالة عصبية ولا معاها حتى هي كمان. وقت ما تهدى تتكلم معاها. لأن الإنسان وقت عصبيته بيقول كلام ما بيعرفش يتحكم في نفسه ويرجع يندم عليه بعد كدة. وممكن هي ما تتقبلش إعتذارك وتكون عنك فكرة جديدة وحشة غير اللي مكوناها عنك. أنا عايز مصلحتك يا صاحبي.
مسح "زيد" على خصلات شعره وقلبه يدق بداخله غيرة عنيفة لم يراها من قبل، ولم يشعر بها جسده الذي اهتز غضباً حينما تقع عينيه عليها وهي تقف تتحدث معه بكل تلك الأريحية. وكأنها تعرفه وبينهما حوار من ذي قبل، مما جعله ينظر بعيناي تطلق شراراً إليهما. ليبرر غضبه لصديقه وهو يتوجع داخله بشدة، وهو يعترف له عن مدى عشقه لـ"ليلى":
انت مش متخيل انا بحبها قد ايه وبغير عليها فوق ما تتخيل. شكل ما يكون ربنا حطها في طريقي عقاب وعذاب ليا مش حب وعشق وغرام بيني وبينها. أنا مش قادر أتخيلها مع حد غيري يا يحيى، مش قادر أقف متكتف وهي واقفة مع شاب زيه. وجوايا بيقول لي ليلى بتضيع منك يا زيد. إنت مش متخيل حجم الحرب والمعاناة اللي أنا عايشها دلوقتي وكل وقت. من ساعة ما حبيتها وقلبي اتعلق بيها و أنا المعنى الحرفي للجملة إن ممكن الانسان يموت من الحب.
ربت صديقه على ظهره بحنوٍ وهو يحاول تهدئته وإخراجه من حالة الغضب والبؤس الشديد بكلمات تريح الصدر. مما جعله تحرك بخطواته معه باستكانة ورضا لأمر الله تعالى. وما زالت عينيه تنظر جانباً عليها بحسرة:
يا صاحبي محدش بيقدر يقف قدام إرادة ربنا ولا القدر ولا النصيب. فلو هي قدرك ونصيبك لو أهل الأرض والسما اجتمعوا على إنهم يفرقوا ما بينكم مش هيقدروا. ولو هي مش قدرك لو عملت إيه بالذي هي مش ليك. فما تحاولش تصعبها على نفسك. هونها تهون يا عمنا. تعالى نشرب فنجان قهوة وبعدين يحلها الحلال واعمل اللي على كيفك واتكلم معاها بس بهدوء علشان ما تنفرش منك من البداية.
تحرك معه وهو مغلوب على أمره، ويدعو ربه داخله وهو ينظر إلى السماء بقلبٍ منفطر. وينكوي من لهيب عشقها الزائد عن الحد في قلبه وعقله وكل كيانه. وعينيه كأنها تنطق إلى السماء "ربي إني مغلوب فانتصر". ولأول مرة "زيد" يشعر بأنه متكتف لا يستطيع الحراك في معركته. حيث كان دوماً مناضلاً لأجل الحصول عليها. ولكن المواقف صعبة وتحتاج الصبر غصباً عنه حتى حتمية الوصول إن أراد الله.
***
ــ ممكن نقعد هنا على الكراسي وأتكلم معاكِ شوية. ويعلم ربنا والله العظيم إني هكون صادق معاكِ في كل كلمة واني مش زي ما انتِ متخيلة يا آنسة ليلى.
وجدت منه استكانة في الحديث، واستشفت من نظرات عينيه أنه صادق. ونظرته لها ليست خبيثة ولا ماكرة. شعر قلبها تجاهه بالارتياح، ولم تعرف ما السبب رغم خوفها الشديد منه منذ قليل. لتومئ برأسها للأمام بابتسامة كعلامة منها للموافقة على الجلوس معه وسماع أعذاره لها:
تمام اتفضل.
تحرك كلاهما للجلوس أمام البحر على الكراسي الموضوعة. فالبحر هو ملجأ للهاربين من الحزن والأسى والوجع والهموم. يعتبر هو السند الوحيد الذي يلجأ له الشخص المتعب نفسيًا ليشكي له همومه ويحكي له عن ما يحزنه وما يجعله لا يرغب في الحياة. وهو مسكن للأحبة والعاشقين. وهو المكان المناسب الذي يحمل عن أي إنسان همومه من خلال أمواجه العجيلة. البحر له جمال وسحر. وهو أيضًا غامض. فوجد به الشعراء والأدباء والكتاب ملهمًا ووجوده أخ ونديم لهم.
بعد جلوسهما، طلب من النادل كوبان من عصير المانجو الفريش. ثم تحدث إليها وبدأ يقص عليها ملابسات حياته لشعوره بالراحة هو الآخر للحديث معها. وحتى تتفهم وتتقبل اعتذاره عما بدر منه من فعل شنيع:
انتِ عارفة يا آنسة "ليلى"، أنا مش زي ما بيطلعوا في التلفزيون والسوشيال ميديا. ابن الوزير الفاشل اللي يؤمر أي حد يطيعه والكل يخاف منه. ممكن يكون تصرفي اللي حصل مني معاكي يوصلك انك تاخدي عني الفكرة دي. لكن انا والله كنت في الوقت ده متخانق مع ماما علشان بتجبرني أعمل حاجات انا مش بحبها. وكمان بالتحديد كانت عاملة موقف مع أصحابي يكرههم فيا ويبعدهم عني. وانا عايش في الدنيا بحسهم هم أصلا اللي انا بتنفس معاهم وبحس إن أنا بني ادم على طبيعتي. ولما رجعت قعدت ألوم نفسي كتير على اللي حصل. ويومين كاملين اللي فاتوا بدور عليكِ والله العظيم عشان أعتذر لك وانت ما جيتيش الجامعة فيهم. حتى شددت على الحراس إنهم لازم يلاقوكي مهما رحتِ أي مكان عشان أعتذر لك. عشان مش متعود أغلط في حد. لأن جدو ما ربانيش على كدة. رباني إني أحترم الكبير والصغير. وإن الكبر والتعالي مش من صفات الإنسان السوي. دي كل الحكاية يعني مش برسم عليكِ وش البراءة ولا إني غلبان علشان أنتقم منك ولا الحوارات دي كلها. ويعلم ربنا إن أنا فعلاً ندمان على الكلام اللي انغا قلته لك وعلى الرعب اللي أنا سبته لك انتِ وأهلك أكيد حكيت لهم. يا ريت تكوني صدقتيني وتفهمتي اعتذاري وموقفي.
ابتسمت ابتسامة رقيقة كمثلها، وعلى دورها تبسم هو الآخر براحة توغلت أعماقه لتلك الرقيقة التي تجلس معه لتقبل اعتذاره بنبرة هادئة:
تمام، وزي ما انت ما جدك علمك إنك تعتذر وقت الغلط. مامي علمتني إن أنا أتقبل اعتذار اللي قدامي بصدر رحب. وإن أنا أعفو عند المقدرة. لأن دي من صفات الإنسان الكريم السوي. وخلاص اعتبر ما فيش حاجة حصلت واحنا أصحاب في الجامعة.
انتبه كليهما على صوت هاتفه يعلن عن وصول مكالمة عبر الفيديو كول لتطبيق الماسنجر. وإذا بصورة جده تترصد الشاشة. لينظر إليها وهو يوجه شاشة الهاتف أمامها ليعبر عن سعادته عندما وصلته مكالمة جده:
شوفي يا ستي أهو جدو بيتصل علشان يشوفني اعتذرت ليكي ولا لا. أنا عارفُه ما كانش هيستنى أكتر من كده. ممكن تشاركيني المكالمة مع جدو علشان يطمن بنفسه إن أنا اعتذرت لك وإن إنتِ سامحتيني؟
هزت رأسها بموافقة لمشاركته مكالمته، فهي تريد أن ترى ذاك الرجل العظيم الذي يراعي ربه في تربية أحفاده بتلك الدرجة التي جعلته يعتذر عن خطأه دون كبرياء. فتح الهاتف وهو يجيب جده بابتسامة مرحة:
أنا عارفك يا جدو أكيد قلقان بسبب الموضوع اللي انا حكيت لك عنه. طمني الأول أخدت الدوا بتاعك ولا كبرت دماغك كالمعتاد؟
أجابه جده بنفس الابتسامة المرحة:
ما تاخدنيش في دوكة يا ولد علشان ما اعرفش عملت ايه في موضوع البنت اللي انت زعلتها وما تشغلش بالك.
أشار إليها برأسه أن يوجه شاشة الهاتف عليها، فابتسمت بموافقة. فأدار الكاميرا ناحيتها وهو يُعلِم جدُه بما حدث بينهم بنبرة مشرقة وتحمل من التفاؤل ما أسعد جده:
علشان تصدقني يا جدو وتعرف إن أنا عمري ما اخلف لك امر ولازم آخد برأيك. آدي ليلى قدامك يعني بالمعنى البلدي زي ما بتقول الجمل والجمال. قوللي له يا لولا ان احنا اتصالحنا وبقينا أصحاب وانك مسامحاني علشان يرضى عني ويبات في حضني زي كل يوم.
احمرت وجنتيها من تدليله لاسمها، وكأنه يعرفها منذ زمن. ويبدو أنه يعتاد على الأشخاص سريعاً ويعتبرهم منه وكأنهم يعرفون بعضهم منذ أعوام وليست ساعات أو من مجرد مواقف. ليبرر "جده" سريعاً حينما قرأ ملامحها الخجولة من تدليل حفيده:
ما تتخضيش يا بنتي لما هو يدلعك. اصل رسلان بياخد على الناس بسهوله. بس قولي لي رضاكِ وجبر بخاطرك ولا بيضحك على جده؟
كانت تحس بالخجل في الحديث معهم، ولكن طريقتهم في الكلام والعشم بها جعلتها تشعر بانهم قريبين منها للغاية. لتجيبه بابتسامة:
والله يا جدو رسلان طلع شاب محترم واعتذر لي جامد وانا قبلت اعتذاره. وخصوصا لما حكالي بعض من ظروفه. وعفا الله عما سلف.
وأكملت بدعابة أضحكتهم لذاك الرجل المريح الوجه، فكانت طلته المُسنَّة تُدخِل البهجة على قلب من يتحدث معه:
مرضيتش ان انا أئذيه و كفى الله المؤمنين شر القتال يا جدو لو تسمح لي يعني أناديك بيها.
ضحكوا ثلاثيتهم، ليرحب بها ذاك الرجل الكبير سناً وعقلاً ونضجاً:
طبعا يا بنتي هو أنا طول يبقى ليا بنت جميلة زيك تقول لي يا جدو. ربنا يفرح قلبك يا حبيبتي. وبالنيابة عن رسلان ما تزعليش وانتوا اخوات وفي مكان علم يبقى نتعامل مع بعض على إننا زملا ونحترم بعض. وانا قلت له كلام كتير والحمد لله هو بيقتنع بسهولة بأنه غلط.
وظلوا يتناولون الحديث بينهم، ومن العجب اندماج "ليلى" معهم. فقد أحست أنها منهم وارتاح لها الجد كثيراً. وبعد انتهاء المكالمة، ظل "رسلان" يتناوب عليها بالأسئلة. عن عائلتها؟ عن ماذا تحب؟ وماذا تكره؟ وكأنه وجد فيها ملاذاً لم يجده في فتاة غيرها. حتى اعترف لسانه تلقائياً وهو ينظر في عينيها بنظرة حنونة مغلفة بالاحتياج:
عايز أعترف لك بحاجة. أنا حاسس إنك شبهي تقربي لي قوي في طريقة الكلام. وتقربي لي كمان في نفس الحاجات اللي احنا بنحبها. وتقربي لي في التلقائية في التعامل مع شخص ما تعرفيهوش.
وأكمل حديثه راجياً إياها:
هو إحنا ممكن نبقى أصحاب يا ليلى؟ أنا حاسس إني ارتحت لك قوي وارتحت للكلام معاكِ. والله العظيم الكلام اللي أنا بقوله لك ده مش مجرد كلام شاب بيقوله لبنت علشان يثبتها. أنا مليش في الحوارات دي خالص صدقيني. أنا اللي في قلبي على لساني وعمري ما بحب ألف وأدور على البنات أو إني أستدرجهم علشان يتعلقوا بيا ويسيبوني. بس أنا حاسس معاكي بإحساس غير.
خجلت من نظراته وتلميحاته، ولكن أفحمته بردها دون خشية أو خجل، فهي في حدود الله لن تستكين أو تضعف مهما كانت المغريات:
كل الكلام اللي انت قلته تمام بشكرك جداً عليه. لكن أنا للأسف من نوع البنات الموضة قديمة قوي أو من النوعية اللي ممنوع أصاحب شباب أو حتى إننا نكون أصدقاء على فيسبوك. يمكن اللي أنا بقوله ده كلام رجعي بالنسبة لبنات كتير. بس أنا ما اتعودتش إن أنا أتصاحب مع شباب حتى لو مجرد زمالة بريئة مفيهاش أي حاجة تغضب ربنا. بس انا مقتنعة جداً بقول ربنا سبحانه وتعالى ولا متخذات أخدان. فما تزعلش من كلامي. احنا اللي حصل بينا كان سوء فهم وعدي على خير. وبيني وبينك كل احترام وإن إحنا مشتركين في جامعة واحدة. بس مش معنى كده ان يبقى في مجال ان احنا نتكلم مع بعض في اي حاجة. حتى لو في أمور الحياة العامة. معلش أنا آسفة جدا.
انقلبت نظراته المترجية الآمنة في وجودها أمامه إلى نظرات حزينة بشدة لما قالته. وشعر بالحزن الشديد في أنه لم يستطيع الحديث معها مرة ثانية بعد جلستهم البسيطة تلك. وفي نفس الوقت اندهش من شدة حيائها واحترامها لدينها و تمسكها في الحفاظ على ثقة عائلتها بها. لينطق بدهشة:
ياه يا ليلى معقول في بنات زيك كده اليومين دول! البنات دلوقتي اتغيروا قوي في لبسهم وفي طريقة كلامهم وفي تقليدهم الأعمى للإتيكيت والمناظر الخداعة. أنا مش مصدق نفسي إن لسة في زيك! مش مصدق نفسي ان انتِ ممكن ترفضي صداقة بريئة لمجرد إنك بتخافي على دينك ومراعية ثقة أهلك فيكِ! أنا من زمان ما قابلتش زيك. لا مش من زمان انا عمري ما قابلت واحدة زيك. كلهم بيحبوا الكلام والضحك والصوت العالي وإنهم واو ويتفننوا يلفتوا الانتباه ليهم. معقولة انتِ بجد وحقيقة قاعدة قدامي؟
نظرت هي إلى أمواج البحر التي تتلاطم إحداهن حول الأخرى وقت الغروب. في منظرٍ يشع في النفس الهدوء والسكينة. لتجيبه بصدقٍ اعتادت عليه:
على فكرة في زيي كتير جداً. بس علشان انت البيئة المحيطة بيك كلها مختلفة شوية عن البيئة المحيطة بيا. ففي كل مكان هتلاقي بنات محترمات كتير أهاليهم ربوهم. وساعات والله بتبقى البنات متربية وأهاليهم معلمينهم يخافوا ربنا كويس. لكن أول ما يخرجوا برة قوقعة الأهل ويقابلوا الأصحاب وزي ما انت ما عارف الصاحب ساحب فبيتغيروا خالص. وبيبقوا بني آدمين تانيين أهاليهم ما يعرفوش عنهم حاجة. بمعنى أصح بيخرجوا قدامهم بمظهر محتشم ويخرجوا برة يغيروا جلدهم وكأنهم بكده هيقدروا يبقوا زي اللي حواليهم وإن كده حلو. بس أنا مختلفة شوية علشان مامي معلماني إن ما ينفعش ابقى بوشين. وإن أنا برايا لازم يكون زي جوايا. هي حسبة صعبة لكن مش مستحيلة. زي انت كده اللي يشوفك يقول ابن وزير ومتكبر والبنات كلها لازم تترمى تحت رجليك. في حين لما تكلمنا مع بعض حسيت انك إنسان زينا عندك مشاعر حب وخوف من إنك تزعل حد. فعلشان كده مش دايماً ناخد بالمظاهر لأنها خداعة.
بلع ريقه بصعوبة بالغة وهو يستمع إلى كلماتها الجميلة التي اخترقت قلبه قبل عقله. ولكن حزيناً على أنه لم يستطيع التحدث معها مرة ثانية. ويشعر بأنها إن قامت الآن سيتمزق قلبه من مفارقتها لمجلسه. ليسألها دون أن يفكر:
طب هو أنا لو حابب أتكلم معاكي او حاسس إن انا نفسي أتكلم معاكي تاني أعمل إيه؟! بجد كلامك جميل وحسيته دخل قلبي. ممكن لو لقيتني في أي يوم من الأيام مخنوق وحاسس بضيقة شديدة وإن الدنيا في عيني صغيرة قوي أبقى أكلمك يا ليلى؟
قامت من مكانها تنتوي مغادرة مجلسه وهي تجيبه ببسمة ملائكية تليق ببراءتها الفريدة من نوعها. وهي تجيبه بكل هدوء:
خدها مني نصيحة. وقت ضيقتك مش هتلاقي غير ربنا في كل وقت وفي أي وقت. ولا يمكن يقفل بابه في وش حد. اشكي له همك واحكي له ضيقتك وهو هيريحك. امسك مصحفك، اذكارك ما تفارقش لسانك. وانت هتحس ان الدنيا دي اقل من انك تضايق نفسك او تزعل على حاجة ما لهاش لازمة. ربنا جميل قوي يا رسلان وبيقف جنب أي حد في أي تعب وفي أي احتياج ليه. بس انت خليك لحوح في دعائك وفي طلبك من ربنا. وهو أحسن علاج وطبيب ومستمع لعباده. ومفيش حد زي ربنا هيخرجك من أضيق مضيق لأوسع الطريق. عن اذنك يا ابن الناس الطيبين.
بمجرد أن قامت للتحرك والابتعاد بعيداً عن مجلسه وقلبه بدأ ينبض بالحيرة والوجع والشوق لمجلسها. وهي لم تفارقه بعد! فماذا عن رحالها يا قلبي؟ ماذا عن اشتياقك لسماع فمها يتحدث أمامك؟ أم ماذا عن عينيك التي حفظت ملامحها وسكنت داخل أعماق روحك أيها الرسلان؟ لينطق هو الآخر بحزنٍ عميقٍ بان على ملامحه واستشعرته هي من نبرة صوته الحزين:
مع السلامة يا بنت الناس الطيبين. ربنا يبارك فيكِ ويحرسك ويحفظك لحين اللقا مرة تانية. عشان قلبي قال لي إن احنا أكيد هنتقابل تاني. وإن دي مش آخر مرة هتكلم معاكِ فيها. وأنا قلبي دليلي وعمره ما كذب عليا.
هكذا اللحظات الجميلة تنتهي سريعاً كمرور العمر. ولكنها تظل محفورة في أعماقنا ولن تُنسى أبداً مهما مر عليها الزمان. وكانت لحظات الــ”ليلى” بالــ”رسلان” جميلة كنسمات هواءٍ رقيقة في صحراء جرداء لا زرع بها ولا ماء. أثرت بكلتاهما بشدة. ولكن؛ هل ستعود اللحظات الجميلة بينهم؟ وهل سيبقى الود يسابقهم أينما كانوا؟ وهل سيتخلى “رسلان” عن لحظات راحته في الحديث معها بعد أن تذوق ملاذها؟
***
ــ يا هاشم قوم بقى كفايه نوم. من ساعه ما جينا واحنا نايمين. عايزاك تخرجني شويه نتصور مع بعض ونتعشى في مكان حلو. احنا مش جايين ننام.
تململ في نومته العميقة وهو يجيبها بلسان ثقيل:
معلش يا حنين سيبيني نايم كمان شويه. وبعدين الليل قدامنا طويل. السفر كان متعب وما لحقتش انام.
دقت على كتفه وعلى ظهره برتابة وهي مصممة على أن توقظه من نومه. فقد استيقظت منذ ساعتين وشعرت بالاكتئاب وحدها في ذاك المكان ولن تتركه:
لا مش هسيبك. كفاية نوم لحد كده. انت بقى لك أربع ساعات نايم واحنا بقينا الساعة سبعة بعد المغرب. قوم بقى يا هاشم ما تبقاش رخم وتضيع علينا اللحظات السعيدة. من أول يوم كل الناس اللي إحنا جايين معاهم نزلوا. حتى أصحابك انا شايفاهم من البلكونة وما رضيتش أنزل إلا لما تنزل معايا.
عرض عليها بلسانٍ ثقيل وعيناي ما زالت ترفض أن تستيقظ. فهو يشعر بثقل في جسده وتكاسل شديد يمنعه من النزول:
خلاص انزلي انت يا حنين وأنا ساعة وهاجي وراكي. اتعرفي على نور بنت خالة يحيى. وانا هفوق نفسي واخد شاور وانزل وراكي على طول.
تاففت بضيق لما عرضه عليها وتحدثت باستنكار:
يوووه بقى يا هاشم بقى عايزني واحده متجوزه وكل البنات اللي كانوا معانا في الباص عارفين اني متجوزه. وفي الاخر انزل قدامهم لوحدي؟ انا هتكسف يا هاشم. المفروض تنزل ايدك في ايدي علشان احس ان انا ليا شكل وقيمة.
بنبره باردة أجابها وهو يضع الوسادة على رأسه:
سيبك من مناظر الكذابة دي وانزلي يا حنين وعدي الساعة دي على خير. ما تبقيش قلق وانا هنزل وراكي يلا يا ماما.
تذمرت بحنق من تكاسله الشديد في عدم الاهتمام بها. وشعورها بالنقصان في كل شيء بسببه. ثم تمتمت بضيق:
تمام يا هاشم مش عايزه منك حاجه. انا هنزل لاني لو قعدت كمان شويه لوحدي هكتئب وانا مش عايزه ابدا وقت متعتنا بخناقات واكتئاب.
كان هو في عالم آخر حينما وضع الوسادة على رأسه كي لا يسمع آرائها بالنسبة له. فارتدت ملابسها التي تناسب ذاك المكان. و التي احضرتها معها من وجهة نظرها. فــكانت ترتدي تيشرت ضيق يبرز نحافة الجزء العلوي لجسدها ببراعة. وأسفله بنطالاً من الجينز ملاصقاً بساقيها الرفيعتين. ووضعت حجاباً على رأسها. ولكن دون إحكامه وهي تخرج خصلة من شعرها كما هي معتادة على تلك الطلة حينما تكون في تلك الأماكن.
بعد مرور نصف ساعة قضتهم في سيرانها على شاطئ البحر في المكان الذي يجتمع فيه أغلب الموجودين معهم في ذلك المكان. رآها من بعيد “زيد” ليشير بأصبعه إليها وهو يتسائل بتعجب:
الله هي مش دي مرات هاشم دي بقى لها نص ساعه بتلف في المكان بضهرها ولسه واخد بالي منها. هو نايم فوق كالمعتاد ولا على باله وسايبها لوحدها. ده ايه البني ادم البارد ده؟
أكد “يحيى” هو الآخر:
وهي تصدق عندك حق. عيل بارد والله لاتصل عليه وادي له كلمتين في جنابه.
وأكمل بنبرة ساخرة وهو يخرج الهاتف من جيب بنطاله:
منك لله انت وهو اصحاب عره واحد نايم فوق وسايب مراته لوحدها والتاني قاعد جنبه احرسه لا يعمل مشاكل وتجرسنا هنا بسبب دماغك المنيلة. والله انا حاسس ان انا عامل زي الست المطلقه المحتاسة بعيالها. ربنا ياخذكم واستريح منكم يا بعدا.
حرك “زيد” حاجبه باستنكار لما قال:
ما تنجز يا عم المهم ما تحسسناش يعني ان انت الواد العاقل اللي فينا. خلص يا عم كلمة خليه ينزل.
ما ان اتاه الرد حتى هدر به:
هاشم باشا غيبوبه بيه. هو انت ما عندكش دم ياض سايب مراتك قاعده لوحدها بقى لها نص ساعه ومش لاقيه حد تقعد معاه. هو انت بتكدر البنت معاك ده انت عيل تجيب شـ.ـلل والله العظيم.
أفاق ذاك النائم من سباته العميق حينما استمع الى استنكار صديقه وصياحه المصاحب للسـ.ـباب:
حاضر يا عم في ايه نازل اهو. هو انتم طالعين ليه زي القضى المستعجل. حتى النوم مش عارف اخد راحتي فيه. تاتكم الهم كلكم.
اما “زيد” لم يستطع صبراً أكثر من ذلك حتى قرر الذهاب إلى “ليلى” والحديث معها. فهو الآن قد هدئ قليلاً. فقام من مكانه مستئذناً مغادرته بذوق:
طيب انا هروح بقى لليلى علشان انا الصبر زهق من صبري وعسل قوي كده سلاموز.
تمسك “يحيى” بيديه ليرشده بتعقل:
بلاش تتكلم معاها بطريقه حاده او تبين ان انت بتحاسبها او تتعصب عليها لو ردت عليك رد ما يعجبكش. خليك جنتل يزيد علشان البنت تحس معاك بالامان فتقول اللي انت نفسك تسمعه. انا بنصحك لوجه الله.
حرك رأسه بابتسامة وهو يربت على ظهر صديقه بامتنان لنصائحه وإنقاذه من موقف كان سيحدث وسيتسبب في أزمة بينه وبين حبيبته. ولن يستطيع الإفلات منه بعد ذلك او الاعتذار. فكفاه لها من الاعتذارات ما كفى. كان يتحرك بخطوات هادئه كمثل هدوء يبحث بعينيه عنها من بعيد. وهو يحاول الاتصال عليها. ولكن يبدو أنها لم تأخذ الهاتف معها. ولكن تصلب جسده وبرقت عينيه مما رآه من منظرها الملفت للنظار من بعيد. والصدمة جعلت عضلات جسده تشنجت. ليتحرك سريعاً بخطوات أشبه للركض. وما إن وصل أمامها حتى تمسك بذراعيها بقبضة قوية لفتت انتباه من حولهم. ولكن ما لفت الانتباه أكثر هو نبرته شبه العالية وهو يصيح بها دون اكتراث لمن حولهم:
يا ليلتك اللي مش فايته ومش معديه. انت ازاي يا بني ادمه انت تنزلي من فوق بالشكل ده وباللبس ده؟ انت اتجننتي؟
صعقت من طريقته ونبرته العالية وصياحه بها أمام الخلائق. والتمعت عينيها بالدموع. ولم يسعفها الكلام أن تجيبه وهي تبتلع أنفاسها بصعوبة بالغة. فلم توضع في مثل هذا الموقف من قبل. لتقول بشفاه مرتعشة:
من فضلك يا هاشم وطي صوتك. عايز تقول اي حاجه تعالى نطلع اوضتنا وقولها ارجوك ما متفرجش علينا الناس؟
لم يستطيع السيطرة على غضبه. فهو في غضبه أعمى وبالتحديد حينما يرى موقف مثل ذاك. ليكمل صياحه بقلة ذوق:
ناس مين يا هانم اللي انت نازله قدامهم بالشكل ده. هو انت مفكراني طرطور علشان لابسه لي جينز وتيشرت ضيق مبين تفاصيل جسمك. انا الغلطان اني وثقت فيك وخليتك تنزلي. انا اللي استاهل كل اللي انا فيه دلوقتي واللي انت فيه.
الى هنا لم تتحمل حينما رات همهمات الجميع من حولهم على طريقته. لتومئ براسها لاسفل وهي تريد ان تنشق الارض وتبلعها ولا ان توضع في هذا الموقف. لياتي صديقيه من وراءه متمسكين بذراعيه وهم يحاولون في فكاك قبضته من ذراعها. ليقول زيد بنبره هادئه وهو يجز على اسنانه كي لا يسمعهم احد من حولهم:
عيب اللي انت بتعمله ده يا هاشم. عايز تقول حاجه لمراتك خدها واطلع اوضتكم فوق وحاسبها زي ما انت ما عايز. انا مش فاهم انت عقلك فين يا اخي على اللي انت بتعمله ده. خدها واطلع لو سمحت.
تحدث يحيى هو الاخر بضيق على تصرف صديقه و وصفه له بالهمجية:
والله انت بني ادم همجي ومتخلف. اتفضل خد مراتك واطلع على فوق وكفايه فضايح لحد كده.
استمع الى نصائحهم. وما زالت عروق رقبته بارزه من شده الغضب. وهو يسحبها وراءه كما تسحب الحيوانات. وما كان منها الا انها خبات وجهها بيديها الاخرى كي لا يراها احد ويحفظ ملامحها. فهي عزيزه النفس ولم يحدث لها مثل تلك المواقف من ذي قبل. وحينما صعدوا الى جناحهم حتى رماها على التخت مكملا صياحه بها بحده ارعبتها:
انا مش فاهم هو انت ما عندكيش عقل علشان تنزلي بالمنظر ده؟ هو انا مش منبه عليك قبل كده اللبس ده ممنوع ومرفوض؟ ازاي تعملي كده وما تراعيش انك ست متجوزه وعلى ذمه راجل مش على ذمه عيل مركب قرون علشان تنزلي بالشكل ده؟
كانت تبكي بغزاره وهي تداري وجهها بين يديها بل وتتفحم من البكاء. وهي تردد كلماتها اللائمة له بنبرة مرتعشه من صدمتها لذاك المشهد الذي حدث عياناً بياناً أمام الجميع:
انا مش مصدقه اللي انت عملته فيها قدام الناس. ازاي تجرجرني وراك كده زي البهيمه وتزعق لي وتتعصب عليا وتهزقني قدامهم بالشكل ده. انا بجد مش مسامحاك المره دي بالذات. عمري ما هسامحك.
رفع حاجبيه ساخراً من اعتراضها الاهوج من وجهه نظره:
هو انت كمان ليكي عين تتكلمي وتعترضي على طريقتي؟ انت الغلطانه علشان انت عارفه انك ما ينفعش تنزلي بالشكل ده واني عصبي وما بقدرش اتحكم في تصرفاتي لما بشوف غلط منك. انت مش متخيله انت منظرك عامل ازاي وانت نازله كل معالم جسمك باينه وشعرك والبنطلون اللي انت لابساه. انا اللي مصدوم فيك والله وعمري ما هسامحك على انك غفلتيني ونزلت بالشكل ده قدام الناس واصحابي كانوا تحت كمان.
شهقات عاليه خرجت بأنين من صدرها. وهي لم تصدق ان اول يوم لهم في تلك الرحله يحدث بينهم كل ذاك الصياح وامام جميع الخلق. حتى ارتمت على التخت تسد اذنيها عن صياحه الغاضب بها. وما زالت شهقاتها تعلن عن حزنها لتلك الحاله التي تعيشها معه. وهو لن يكف عن الكلام. ظل يردد على مسامعها كلماته اللاذعة الشديده لتلك المسكينة. ثم تركها صافعا الباب خلفه. وهي في حاله يرثى لها. فلم يكن هاشم لينا هينا معها ساعه الغضب. ويبدو انه لم يعرف وصيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته الوداع الاخيره حينما قال استوصوا بالنساء خيرا فانهن لكم عوان. وحينما قال رفقا بالقوارير. وليت كل رجل يعرف وصايا رسول الله. حتى وان اخطات فالعقاب على الخطأ يقوم بطريقه راقيه هادئه بعيدا عن الناس وعيونهم. ولكن هل ستسامح حنين هاشم تلك المره ام ماذا يخبئ لهم الزمان والمكان والمواقف والظروف؟
***
كان يخطو اليه بخطوات حالمه. وهو يتتوق لرؤيتها والحديث معها. فكانت تجلس على الشزلونج امام حمام السباحة وهي تتصفح هاتفها. حتى وصل اليه ملقيا السلام كما تحب:
السلام عليكم ورحمة الله. سيدتي الجميله ممكن لحظات بسيطه اتكلم معاكي فيها. ومش مسموح ليكي بالرفض خالص يا لولا.
تنفست بحيره لأمر ذاك العنيد:
يادي لولا اللي مش هنخلص منها. انا اسمي ليلى وانت المستر او الدكتور بتاعي. بلاش نشيل الالقاب دي لو سمحت. ما تخلينيش احس بالندم اني جيت الرحله دي. انا جايه عشان انبسط مش هغضب ربنا.
تنفس هو الاخر بضيق من تمسكها الشديد معه:
يا بنتي ابوس ايدك ارحمينا. بقول لك وقت بسيط. هو انتِ ايه قلبك ده جليد ما بيرقش. ارحميني بقى وهقعد على فكره مش بمزاجك.
رفعت حاجبها لطريقته معها لتنطق باستفسار:
نعم يا دكتور. حابب حضرتك تقول ايه في السريع كده علشان العشاء قربت تاذن وانا بحب اصلي اوقاتي بالتزام؟
غمز بإحدى عينيه مرددا بلهفه قبل ان تغادر مجلسه سريعا فهو يعلمها جيدا:
أمممم… حابب اقول انك وحشاني قوي واحشني الكلام معاكي. بس كده.
تاففت بضيق لطريقته التي تنهيه ان يتحدث بها معها دوما:
طب وبعدين حضرتك عرف اني مش هقبل طريقه الكلام دي. ارجوك انا مش حابه كده.
كاد ان ينطق معتذرا عن طريقته مراعيا خوفها من ربها. وانها لا تريد الانخراط في علاقه تسميها محرمه من وجهه نظرها. حتى استمع الى صوت يردد بفجاه جعل كلتاهما التفت الى مصدر الصوت. واعينهم تصممت امام الناطقه:
زيد يا نهار ابيض مش مصدقه نفسي. وحشتيني خالص.
كانت تلك الفتاه شبه العارية بفستانها الاحمر بذراعيها المكشوفه وشعرها الحريري الذي يهبط على ظهرها. تنظر اليه نظرات اشتهاء وهي تقدم اليه بخطوات راكدة. حتى وصلت واستقرت داخل أحضانه وهي تقبله من رقبته بطريقه مثيره. اذهلت ليلى وهي تنظر الى الموقف بذهول. فلم تكن تتخيل ان يحدث امامها ذاك الموقف. وان تراه بعينيها بعدما كانت تستمع الى تلك الحوارات التي تخصه عن الاقتراب من الفتيات. ولم تكن تتخيل انه سيكون بتلك البشاعة. تلاقت عينيه بنظرتها الحزينه للموقف الذي راته فيه. مع نظرات عينيها الصارمه والتي تنطلق منها نيران الغضب الشديد. ليقع قلبه صريعا بين قدميه لما حدث. والذي لن يمر مرور الكرام بينهم. وستضيع كل محاولات اصلاحه الآن بعد ان فسر نظرتها.
رواية مشاعر موقدة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فاطيما يوسف
شوفوا بقى النهارده عيد ميلادي عايزاكم تفرحوني بالتفاعل ماشي عايزه تفاعل على الجروب يا بنات ريفيوهات بقى وتكات وحركات انا اتاخرت امبارح علشان كنت تعبانه بس نزلت لكم النهارده على طول فصل طويل اهو قراءه ممتعه حبيباتي واتمنى منكم التفاعل ويا ريت ترشحوا الروايه في كل الجروبات هي تستاهل والله 🥺
تلاقت عينيه بنظرتها الحزينه للموقف الذي راته فيه مع نظرات عينيها الصارمة والتي تنطلق منها نيران الغضب الشديد ليقع قلبه صريعاً بين قدميه لما حدث والذي لن يمر مرور الكرام بينهم وستضيع كل محاولات إصلاحه الآن بعد ان فسر نظراتها ليبعدها فوراً من عليه ناهراً إياها كي يحفظ ماء وجهه أمام ليلته :
ـ إنتِ اتجننتي ! ابعدي ايدك دي ، و ايه الهمجية اللي انتِ بتتعاملي بيها معايا دي وازاي تقربي مني بالشكل ده ؟!
حزنت تلك الفتاة لصياحه بها ونهره لها أمام الموجودين لتهتف باندهاش:
ـ ايه ده يا “زيد” هو انت بتوجه لي أنا الكلام ده ! أنا حبيبتك ولا نسيت وبينا كلام وغرام .
عـ.ـض على شفتيه السفلى بجنون وهو يمسح على خصلات شعره وينظر داخل عينيها بتحذير ويرسل إليها ملامات وتحذيرات بعينيه كي تفهم وتبتعد حينما كان يوزع نظراته اللاذعة لها ونظراته العاشقة لليلته أمامها وهو يترجاها ان لا تظلمه بفعلة تلك الحمقاء :
ــ أجننتِ يا فتاة كي تأتي وتسحبيني لأحضانك المحرمة وتقبليني من عنقي بعشق أمام عشقي الطاهر المحرم على قلبي !
اللعنة عليكِ أيتها الساخطة سوف أؤدي بشأنك إلى الجحيم إذ لم تبتعدي من أمام ناظريا وتتركيني لحبيبتي أداوي جرحها الأليم فيما رأته الآن، اغربي عن وجهي ايتها الحمقاء ،
ليصفعها بتلك الكلمات الجارحة:
ـ حبيبتي مين أنا معرفكيش يا ماما هي رمي جتت وتلاقيح ولا ايه ؟
كان حقاً في مشهد لا يحسد عليه من هيئته وكرامته التي سقطت أرضاً أمام “ليلى” فقد كانت تنظر للموقف بعيناي تلمع بالدموع وقلبها يخفق بين ضلوعها وتريد التحرك من أمامه ولكن خانتها قدماها وتسمرت مكانها ونظرات عيناهم هي و “زيد” لها ألف معنى ومعنى فخدثته عيناها برجاء :
ــ لاا ليلتي لا تنظرين لي هكذا فأنا حقا تبت وفي محراب عشقك استكنت وفي جميع الحسناوات زهدت وأنتِ وحدَكِ فقط بألف امرأة ليلتي ، أرجوكِ ليلتي لا تتركيني للماضي المشوه يسحبني منكِ فأنا حقا أعشقك “ليلى”
وكأنها وعت رجاء عينيه لها وفهمته جيدا ولكن مشهد قبلة الفتاة لعنقه و احتضانها له جعلها فقدت الثقة القليلة التي بنتها في قلبها له ، حطمت جسر الأسباب التي كان قلبها يضعها لها حتى حدثته عيناها هي الأخرى بملام:
ــ لم “زيد” تصفع قلبي تلك الصفعة الدامية وتريني ذاك المشهد الذي مزق قلبي إلى أشلاء متفرقة وهو ما زال في مهد العشق صبيا ؟!
لقد وجعت قلبي ولوثت عيناي ولم أعرف كيف يستطيع ذهني نسيان ذاك المشهد ومحوه من الذاكرة ؟!
أظن لن يستطيع مهما مر الزمن ، واعلم أن هذا الموقف لن يمر مرور الكرام على قلبي وعقلي المشتت الحائر في عشقك “زيد” لن يمر مرور الكرام زيد أبداً .
عاهدته عيناها وترجتها بكل نظرات العاشقين ودموع المجروحين :
ــ نعم لقد عرفت “ليلى” وما زلت على العهد وافياً ولكن هي الظروف من وضعتني في ذاك الموقف فلتتقبلي توبتي “ليلى” ولا تتركيني للماضي اللعين يسحبني إلى حاضري الذي رسمتك فيه ملاكاً يحاوط قلبي وعقلي وكل كياني ،
اطمئني ليلتي فوالله “زيد” قد زهد جميع النساء لأجل نظرة واحدة من عينيكِ ولن يرى من النسوة غيرك كمثل “يوسف” نبي الله حينما راودته نسوة المدينة مهما وشغفوه حباً اختار الاختباء منهن في السجن لأجل رضا ربه وأنا سأختار زهد النساء لأجل “ليلى”
ثم استكمل المشهد على لسان تلك الفتاة السافرة التي تقف أمامهم تردد له بابتسامة سمجة :
ـ هو انت مش في عقلك ولا ايه يا “زيدو” ده احنا آخر مرة كنا زي السمنة على العسل مع بعض حتى قلت لي اول ما كلمتيني وحشاني وقعدت تتغزل في جمالي لما قلت يا بس انا مش مصدقة ان انت بتعاملني بالطريقة دي والله !
نظر إليها نظرات استحقار أحست بها بشدة مما استدعى ذهولها ثم نظرت تجاه المكان الذي تنظر إليه عيناه لتجده يقف متحسراً امام فتاة تتبادل النظرات غير المفهومة بينهما ولكن استشف عقلها أن من الممكن ان تكون حبيبته أو صيداً جديداً لدى “زيد” ففهمت على الفور وانسحبت وهي ترسل إليه قبلة في الهواء عبر يدها :
ــ شكلك مش فايق دلوقتي هبقى اكلمك بعدين باي باي يا بيبي أغدا القاك ، امووووه .
ما إن تركته ورحلت حتى بصق على أثرها أمام “ليلى” فهي قد جعلت عقله وقلبه يشد في لحظات ويكاد يقفز من بين ضلوعه ويستقر بين يداي ليلته لكي تمتلكه ويعرف ان قلبه يعيش بدقات عشق الـ”ليلى” التي وقفت أمامه تنطق بصدمة جعلته في موقف محرج للغاية وهي تسأله إجباراً عنها ففي هذا الموقف كان لابد أن تتحرك من أمامه وتتركه ولكن وجدت حالها تقف تشاهده وتسمع ماذا يقال ؟
وبعد أن غادرت تلك السافرة قررت أن تسأله بفضول ولن تتركه وتنهي أي حديث بينهما مرة ثانية ولكن خانتها قدماها وخانها كل شيء وهي تتحدث بنبرة تائهة وما زالت لمعة الدموع في عينيها تشق طريقها للهبوط بغزارة :
ــ انت بجد يا “زيد” كل كلامك كان مع اللي زي دول وبالطريقة اللي انا شفتها دي لدرجة إنها تقرب منك وتبوسك من رقبتك وتحضنك ؟
ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وهو لم يعرف بما يجيبها فقد هرب الكلام من على لسانه ولكن نظر إليها بتوسل وهو يجيبها بصدق ولن يكذب عليها أبدا ، يريد أن يعري نفسه أمامها من كل الآثام ، يريد أن تعرف عنه كل شيء ، يريد ان لا تصدم به في موقف يحدث مرة ثانية أمام عينيها ، يريد نفسه أمامها بقلب وليد كما ولدته أمه ليصدمها بإجابته ولكن مع الصدمة تبرير بالكلام وتوسل بالعين وشفقة بالنظرات :
ــ كنت كده يا ليلى والله العظيم من يوم ما اعترفت لك بحبي بطلت كل الحاجات دي بطلت اكلم بنات وكل اللي بيبعتوا لي بعمل لهم حظر على طول انا من ساعه ما عرفتك وانا حاسس اني دخلت دنيا جديده على ايديكي حسيت ان قلبي اتطهر من كل الذنوب والاسامي اللي كان عايش فيها يعني انت بتاخدي ثواب كبير وعظيم قدام ربنا انك خليتي واحد زيي بعد عن كل حاجه وحشه والله العظيم من يوم ما عرفتك واعتبرتك حبيبتي ما خنتك ولا كلمت واحده غيرك ولا عايز ولا طايق اشوف اي واحده انا كان ممكن اكذب عليك واقول لك انا ما اعرفهاش بس انا مش حابب اني ابدا معاكي حياتي غير بكل صراحه ،
واسترسل توسله ولوعته في عشقها وهو يقترب منها بضع خطوات قليلة قاصداً النظر في عينيها بنظرات أرجفت القابع بين اضلعها فعينيه لها سحر غريب يجعلها تتسمر أمامه حتى ولو لم تنطق وهو يقسم بيمين عاشق ملتاع في هوى الـليلى” وغرامها :
ــ أقسم بالله العظيم ما حبيت غيرك ولا قلبي دق لحد غيرك واعرفي يا “ليلى” لو سبتيني انا هضيع وممكن أتفحش أكتر مما كنت ،
انا متمسك بمحراب حبك لدرجة اني ما بقتش اشوف أي طيف بنت حتى لو كانت ملكة جمال بعد ما كانت عيني بتلف وتدور عليهم في كل مكان انا استحق منك فرصة يا “ليلى” اديها لي لأني بجد مش قادر اشوف غيرك ولا قادر اتخيل انك تكوني بخير مجرد الفكره بتموتني .
ابتلعت أنفاسها بصعوبة مرددة باستفسار حائر وهي تمرر لسانها على شفتيها بنبرة مبحوحة أثر كتمها للبكاء :
ــ انسى ازاي انها كانت في حضنك وانها قربت منك بالشكل الحميمي ده !
انت بتطلب مني المستحيل ،
وأكملت بنبرة صوت متحشرجة وما زالت الصدمة تسيطر على معالمها :
ـ تعرف أول مرة أعترف لك دلوقتي انك كنت قربت تاخد مكان في قلبي ، كنت هنسى كل حاجة وكنت هديك فرصة ان احنا نقرب خصوصا لما كان قلبي بيبرر لك انه هياخد ثواب عظيم إنه خلاك على قلب واحد و إنك هتتوب عن كل المعاصي والذنوب وخصوصاً اللي إنت كنت بترتكبها ، كنت هديك إشارات تقرب منك الأمل إن احنا ممكن نكون لبعض بس كنت بتقل قوي علشان أخليك تستقيم أكتر ، لكن لما شفت كده دلوقتي قدام عينيا مكنتش مستوعبة إن الحقيقة اللي انت كنت عايشها بالشكل الفظيع ده يا”زيد” ودلوقتي انا من طريق وانت من طريق .
حرك رأسه رافضاً ابتعادها وهو يشعر باختــ.ـناق انفاسه لمجرد فكرة انه لن يستطيع التحدث معها مرة ثانية ولا أن تبتعد عن مرمى عينيه من الأساس فلو حدث ذلك لانتهى “زيد” وفضل المـ.ـوت عن العيش بدونها وما زال يترجاها :
ـ لو بعدتي يا “ليلى” انا هنهار وهضيع انا من غيرك هاتوه ؛انتِ بالنسبة لي زي الهوا اللي بتنفسه ، عارفة يا “ليلى” انتِ زي الشمس اللي بتطلع كل يوم تنور الدنيا انت بقي بالنسبة لي الشمس اللي نورت قلبي وخلت الدفا زاره ،بعد ما كان صقيع الغوى مضيعني ،
وأكمل بنبرة عاشقة متيمة كي يستطيع التأثير عليها :
ــ تعرفي أقصى حاجة بعملها دلوقتي ان انا بجيب صورك قبل ما انام واقعد اتفرج عليها كتير علشان أحلم بيكِ واقول لك في احلامي اللي ما اعرفش اقوله لك في الحقيقة وأحضنك في منامي لحد ما ربنا يتم نعمته عليا و احضنك في حقيقتي ، تعرفي برده ان لو الموقف ده كان حصل واحنا الاتنين بينا رابط شرعي كان زماني اخدتك في حضني وطبطبت عليكِ قوي واعتذرت لك بدل المرة ألف وحضني كان هيخليكِ تحسي اني صادق في اعتذاراتي لكن دلوقتي مملكش غير الكلام للأسف وياريته شافع ولا نافع وانا شايف نظراتك دلوقتي وفاهم معناها كويس .
لم تستطيع كتم شهقاتها أكثر من ذلك لتنطلق الدموع الصامتة اللامعة في عينيها إلى غزيرة تهبط على وجهها وقررت أن تتحرك من أمامه ولكن حينما رأى دموعها تلك لعن حاله بدل المرة ألف على أنه جعلها ترى ذاك المشهد المؤلم لها ولم يستطيع تركها تمشي من أمامه فهي إن رحلت لن تعود ولن يراها بعد ذلك وستهرب منه من كل مكان بل وستضيع ليلته ليجد نفسه تلقائياً يمسك بكف يدها يمنعها عن التحرك مما جعلها تلتفت برأسها وهي تنظر إلى معصم يديها المقبوض بين يديه وكأن بنظرات عينيها تمنعه أن يفعل ذلك ولكنه كان متشبثاً بها لينطق بنبرة متمسكة بها :
ــ ارجوكِ ما تسيبينيش وتمشي وانا عارف انك مش هترجعي قبل ما تقولي لي سامحتك وهديك فرصة تانية .
جزت على أسنانها غاضبة بسبب تمسكها بيدها:
ــ سيب ايدي لو سمحت الناس بتفرج علينا ما ينفعش ان انت بتعمله ده ؟
حرك رأسه رافضاً وهو يتمسك بيديها بشدة وهي تتململ بين يديه بعـ.ـنف :
ـ مش قادره اسيبها ولا قادر اسيبك تمشي ارجوكي اقعدي نتفاهم مع بعض بكل هدوء ما ينفعش تمشي والموقف متاذم بينا كده.
صفعته بكلماتها :
ــ ما بقاش في كلام بيني وبينك بعد اللي انا شفته بعيني ومهما حاولت تبرر مش هقدر اتقبل المنظر اللي انا شفته يا ريت اقدر انساه يا ريت يا”زيد” سيب ايدي لو سمحت عايزه امشي .
طلب منها برجاء:
ــ طب ممكن نتكلم فون بالليل تكوني هديتي شويه ارجوكِ يا “ليلى” .
حاولت فكاك يديها من قبضته وما زال مشهد تلك السافرة يسيطر على عقلها لتنهره بحدة:
ـ انت مفكرني زي الزبالة اللي كانت واقفة تحضنك من شوية !
وحذاري تقرب مني في أي مكان او تيجي ناحيتي مش هتلاقي “ليلى” القطة البريئة المحترمة لا يا”زيد” هتشوف مني وش عمرك ما شفته سيب ايدي .
تعصب بشدة لصوته العالي وطريقتها الحادة اللاذعة في الرد عليها وصدمته بكلامها له وهو يجز على أسنانه غاضباً وكاد أن يصيح بها فقد فَقدَ صبره بسبب عنادها مهما حاول التبرير لها فلن تستكين،
رآهم من بعيد “رسلان” وهي تحاول فكاك يديها من قبضة يديه ودموع عينيها الغزيرة وصوتها العالي بعض الشيء فشعر بشيء غريب يحدث لها فانطلق على الفور و وقفا أمامهم وهو يحاول إبعاد “زيد” عنها :
ـ ايه ده في ايه يا ليلى انت ماسك ايديها كده ليه سيبها لو سمحت ،
وسألها حينما رأى وجهها الممتلئ بالدموع:
ـ انت كويسه ما تقلقيش انا جنبك ما حدش يقدر يعمل لك حاجه بس بلاش تبكي .
ثم وجه أنظاره إلى ذاك المتمسك بيديها لينهره بحدة وهو يدفعه في صدره كي يبتعد عنها:
ــ انت مجنون في حد يمسك حد غصب كدة ولا أنه يجبره حد يقف معاه ويتكلم بالعافية !
سيب ايديها لو سمحت ما ينفعش ان انت تعمل لها فضيحة في وسط الناس بالشكل ده عيب يا دكتور .
هذا اخر شيء يتوقعه “زيد” ان يقف هذا الدخيل في منتصفه هو وليلى ليترك يديها آمرا إياها وكأنها تخصه :
ـ اتفضلي اطلعي على اوضتك حالا.
بالفعل جرت مسرعة من أمامهم فهي لا تحب لفت الأنظار إليها وبالأحرى لن تحب ان يراها أحد في صورة الفتاه التي يتشاجر لاجلها رجلان فتحركت بأقدام كالهلام سريعاً وتركتهم يفعلون ببعضهم ما يشاؤون فهي في حالة يرثى لها الآن ،
ليتمسك “زيد” بعنقه وهو في حالة خارجة عن الوعي :
ــ انت مالك بيها أصلاً بتتدخل ما بينا ليه هي كانت اشتكيت لك ابعد عن “ليلى” بالذات وملكش دعوة بيها اديني حذرتك بكل هدوء “ليلى” خط احمر .
احمر وجه “رسلان” من تمسك عنقه بين قبضتاي “زيد” ليتمسك هو الآخر بتلابيب قميصه ناطقاً بتهديد وبنفس طريقته بل ويزيد :
ـ انت اتجننت انت مش عارف انت ماسك مين من رقبته بالشكل ده !
ده انا هوديك في 60 داهية وهخليك تتحسر على مستقبلك علشان اللي انت بتعمله ده وانت اللي تبعد عنها وملكش دعوة بيها ومن النهاردة اعتبرها تخصني .
ما ان قال تلك الكلمة بأنها تخصه حتى فقد السيطرة على أعصابه ولكمه في وجهه لكمة شديدة ترنج على أثرها للخلف واجتمع الجميع حولهم وهم يحاولون الفكاك بينهم ولكن كل منهم يبارز الآخر بلكمة لن تفرق عن الأخرى وهو ينطق بتحذير:
ــ لا يا ابن أمك كله اللي هي ، انت إيه أصلا اللي دخلك ما بيني وما بينها ؟
أسلوب غير متحضر ان انت تلاقي اتنين واقفين مع بعض وتدخل ما بينهم ،
عايز تثبت لها ايه يعني بالحركة دي او عايز توري نفسك قدامها ايه يعني ؟
كل منهما يدور حول الآخر متمسكاً بتلابيب قميص الآخر والنظرات مشتعلة بينهم والأجواء أصبحت أكثر عصبية وتوتر والجميع مندهشون على من يتهامسون بحدة لبعضهم ومنهم من يعرف أنها “ليلى” المقصودة ومنهم من يسأل الآخر والموقف أصبح متأذماً للغاية حتى أتى أصحاب “رسلان” من الجانب وأصحاب “زيد” من الجانب الآخر وحاولوا الفكاك بينهم بصعوبة بالغة حتى هدد “رسلان” :
ــ انا هعرفك مقامك كويس علشان تبقى تهلفط بالكلام وما تعرفش انت بتتكلم مع مين .
ما كان من “زيد” إلا أنه عامله بنفس طريقته فصاح به غاضباً هو الآخر :
ــ اعلى ما في خيلك اركبه انت واي حد وراك واذا كنت انت جامد قوي وكبير علشان خاطر منصب ابوك فانا برده جامد وكبير وانت ما تعرفش حاجه وابقى قابلني لما تروح لابوك تعيط له علشان خاطر يعاقبني ونشوف مين فينا اللي هيطاطي التاني يا ابن امك .
هنا سحبه “هاشم” و”يحيى” بشده مبتعدين عن مكان ذاك الـ”رسلان” فتحدث “هاشم” له بنبرة عصيبة لما حدث :
ـ انت اتجننت يا “زيد” انت ازاي تتخانق مع واحد زي ده وكمان بالطريقة الهمجية بتاعتك انت وهو وتمسك في خناقه كمان ؟
انت يا ابني مش خايف على نفسك وعلى مستقبلك اللي انت تعبت فيه عشان تبنيه انت مش عارف إن ابوه ممكن يعمل فيك ايه ؟
وعلى نفس طريقة “هاشم” تحدث “يحيى” وهو يضرب كفا بكف:
ــ ده ايه الرحلة السودا المهببة على دماغكم دي ده كان يوم ما يعلم بيه إلا ربنا يوم ما جيت معاكم انتم الاتنين ما فيش عقل ما فيش أي ذرة تفكير قبل ما نعمل أي حاجة ، انت العصبية واخداك يا استاذ “زيد” وانا عمال اقول لك هدي نفسك وبرده اتخانقت معاه انا مش فاهم انت بتفكر ازاي اصلا ؟!
ثم نظر إلى “هاشم” وهدر به هو الآخر:
ــ ولا انت التاني غشيم من الدرجة الاولى اتعاملت مع مراتك امبارح قدامنا وقدام الناس بهمجية واخدتها وسحبتها وراك ولا كأنها بقرة يا جدع ؟
وتابع صياحه بهم وهو يشير إليهم بكلتا يديه باشمئزاز لعقولهم المتعصبة في حل الأمور:
ـ هو انتو الاتنين في ايه بالظبط انا مش فاهم بجد !
هو احنا جايين أم الرحلة دي علشان ننبسط ولا علشان ننكد على بعض !
ثم وجه حديثه إلى “زيد” برشد مغلف بالحدة:
ـ وانت يا استاذ “زيد” انا مش قايل لك بلاش شغل الخناق ده علشان مش هيجيب نتيجة مع “ليلى” والله العظيم هيخسرك “ليلى” طول ما انت ماشي بدماغك وعصبيتك دي .
أشاح “زيد” بيديه في الهواء وهو يجلس على أقرب كرسي واضعاً رأسه بين يديه قائلاً بنبرة حزينة للغاية وهو يشعر بالتحطم في قلبه وان “ليلى” على طريق الضياع منه :
ــ بس يا “يحيى” والنبي انت مش فاهم حاجة أنا آخر حاجة أحطها في اعتباري “رسلان” ده ، انت عارف زي ما هو ابن وزير انا ليا معارف كتير في البلد ملهمش اول من آخر ومناصب متقلش عن منصب ابوه لو فكر يجي ناحيتي هكلم اي حد فيهم ويتمنوا يخدموني بعينيهم ،و”هاشم” كمان له مناصب كبيرة وحكاية السلطة دي آخر حاجة تفرق ويانا ،
وتابع بقلب متحطم ، شارد، ضائع :
ـ و”ليلى” اللي انت بتتكلم عنها دي خلاص ضاعت مني ، انت ما تعرفش هي شافت ايه ولا شافتني ازاي ؟!
في موقف مهبب ما يعلم بيه إلا ربنا ،
واحدة من البنات اللي انا كنت بكلمهم علشان حظي النحس الهباب شافتني قاعد في أمان الله ابص الاقيها نطت في حضني وهاتك يا بوس في رقبتي ووشي بطريقة ما تتخيلهاش و”ليلى” كانت واقفة وشافت كل حاجة وانا بقيت واقف زي اللي نزل عليه سهم الله مش عارف أعمل ايه غير اني زعقت للبنت دي ،
وبعد ما مشيت “ليلى” اديتني كلام في جنابي وتخيل كانت قربت تميل ليا وكانت قربت تديني فرصة وكانت محاولاتي هتنفع معاها ما تتخيلوش شفت لمعة الدموع في عينيها واني خذلتها كنت حاسس بنبضات قلبها وهي بتدق جواها بسبب انها شافتني في موقف زي ده وقالت لي كلام زي السم وآخرهم اني عمري انا وهي ما هيجمعنا طريق واحد .
تسهمت نظرات كل من “يحيى” و”هاشم” من الموقف الذي ذكره “زيد” ليشفقون عليه ويجلسون بجانبه إحداهم يربت على فخذه والآخر على ظهره فهو الآن محطم للغاية ولم يحتاج إلى تقطيم بالكلام ولا يحتاج العنـ.ـف في النصيحة كل ما يحتاجه الآن هو كلمات مغلفة بالأمل كي يهدأ قلبه المسكين العاشق لتلك الفتاة الأبية لينطق “هاشم” بنبرة صوت مستكينة مهدئا إياه :
ـ خلاص يا “زيد” اللي حصل حصل هتموت نفسك يعني لو ليك نصيب فيها يا عم ربنا هيفتح الأبواب المقفولة كلها ما تعملش في نفسك كده صحتك أهم وربك بيسهل الأمور الصعبة وممكن يخليها ما تهولش الموضوع .
وظل كلاهما يهدئه من مشاعره الموقدة الثائرة بحالته التي تصعب على الكافر بحق الله لقد كانت أعصابه وملامحه ونظرة عينيه مشدودة للغاية وكأنه ان لم يستطيع السيطرة على حاله حقاً سيصاب بذبحة صدرية من حالته المذريه تلك .
*********************
حل الظلام والجو معتم وكانت تلك الحنين جليسة الظلام تؤنسها امواج البحر الثائرة لمشاعرها الملتهبه بالوجع والأنين وقلبها يتخبط شجنا بين ضلوعها كتخبط الامواج واحده تلو الاخرى وهي تحدث حالها وتحكي شكواها للبحر وتتحدث معه عن حالتها كانها هي فكان حديثها المؤثر :
– جلست على شاطىء البحر وحدي ، وحدي تماماً وكنت اظن و أنا آتية له بكل اللهفة والشوق أن يجالسني ونيس الروح ورفيق عشق القلب هاشمي ،
فالشاطىء يخلو من الجميع فى هذه الأجواء العاتمة فقد قررت الهروب من عشقها النرجسي اللعين وكان الجو باردا بعض الشيء ،
لم أهتم أنا بالهواء البارد والأمواج التي تتلاطم واحدة تلو الأخرى بثورة وكأنها تحتج عن شئ ما في طبيعتها الربانية شعورى باحتياجي بالجلوس مع صديقتى موجة البحر الثائرة كان أقوى،
كم أعشق البحر و أعشق تلك الموجة الثائرة التى دائما ما تقول للجميع انتبهوا أني هنا أنى قادرة على التعبير عن وجودي ،
ابتسمت و أنا أشعر باشتياق البحر لي و من اصرار تلك الموجة الثائرة أن تلامسني كأم حنون عاد طفلها الوحيد إليها بعد فترة غياب
لم أشعر ببرودة ماء البحر بل ملأني هذا التلامس دفأ عجيبا لا يصدق ،
جلست أتحدث مع صديقتي موجة البحر حديث يحمل فى صمته كل ما فى نفسي
و ما إن انهيت حديثي الصامت حتى سألتني صديقتي ألم تملي ثورة البحر و الأمواج فقلت بدون أن أفكر لا ،
و تذكرت حوار لي مع عاشق خذلني ذلك كيف هاجمني عندما أدرك أنني لم أعشق غيره يوما ،
ولكن كيف أعشق من كان للاستسلام رمزا فهو سجين شاطئيه لا يستطيع التعبير عن الرفض و يكفى أنه ترك البشر يسلبونه حقه فى التعبير عن وجوده و قاموا ببناء السدود لمنع فيضانه وكبت مشاعره الرقيقة ،
لا يا صديقتي أنا لا أمل البحر و لا أمواجه الثائرة أنني أستمد منك و منه الاصرار على أن يراني الجميع قوية وفجأة نصحتني صديقتي موجة البحر الثائرة بأن لابد علي أن أهرب من عاصفة ستؤدي بسفينتي إلى الهلاك والغرق و إن حدث احتمال النجاة من الغرق مستحيل ،
قامت من مكانها ونفضت تنورتها الواسعة وخطت خطوات سريعة نحو المجهول القاسي قاصدة غرفتها التي تجمعها بسجانها ،
ما إن وصلت حتى وجدته يمسك هاتفها ومن الواضح أنه كان يهاتفها وهي قد نست هاتفها في الغرفة ،
تنحت جانباً بعيداً عنه وهي تجلس على الأريكة تفكر كيف ستبدأ معه الحديث ،
فذهب وجلس أمامها ليبدأ كلامه هاتفاً بصوت أجش ثابت وعيناه تلتقط نظراتها المستكينة بخواءٍ غريب :
ـ كنت فين في الوقت المتأخر ده برن عليكِ وناسية موبايلك هنا ؟
هو انتِ مش هتبطلي العند بتاعك وتنسى ايام زمان ، ايام ما كنتِ بنت لسه في بيت ابوكي !
انتِ دلوقتي ست متجوزة ومينفعش انك تتحركي من غير إذن جوزك ولا ايه يا هانم ؟
اومأت برأسها وملامحها تنبض بالتساؤل قبل لسانها وهي تردد ببرود وتترك جميع ما يقول بل وترميه عرض الحائط :
ـ هو انت اتجوزتني ليه يا “هاشم” ؟
خرج صوته هادئا وكأن الكون يخلو من أي أصوات سواه وحادا وكأنه شفرة لامعة وهو يجيبها :
ـ هم البني آدمين بيتجوزوا بعض ليه من وجهة نظرك العميقة يا أستاذة ؟
رفعت حاجباها ساخرة باستنكار باندفاع وحدة :
ـ اجاوبك بمفهومك انت ولا بمفهومي انا ؟
اقول لك اجاوبك بتفكيرك انت ،
من ساعة ما اتجوزتك وانا حاسة إن أنا عاملة زي الآلة مليش لازمة في حياتك غير لحاجة معينة بس بشوف فيها حنيتك ورقتك وكلامك الحلو وكأني في دنيا تانية بس للأسف الوقت ده نص ساعة أو ساعة بالكتير من يومي وبعد كده بتتحول مش بشوفك ولا بسمع منك اي كلام ولا في اي حوارات بتحصل بينا وترجع تقول لي بتنكدي عليا ،
وتابعت حديثها المشتت بقلب مجروح ولسان يرجف ألما:
ـ انا كنت مفكرة ان انت هتتغير بعد الجواز وان معاملتك ليا ساعة الخطوبة واهمالك معايا كان علشان ان احنا لسه مخطوبين وان انا مش بقيت مراتك وقلت لنفسي اصبري لما نبقى في بيت واحد وحضن واحد هقدر اقول لك فيه كل اللي بيضايقني ، هقدر اشدك للعالم بتاعي العالم الطبيعي اللي بين كل ست وراجل متجوزين لكن للاسف انا فشلت يا هاشم وانت اللي كسبت ونصايح اللي حواليا كانت صح بس انا مشيت ورا قلبي وقلبي خذلني بالقوي وتعلمت درس مهم هعلمه لاي واحده من اصحابي او من اللي حواليا ان الخطوبه والمواقف اللي بتحصل فيها ما هي الا تمهيد للعالم اللي هتعيشي فيه مع الشخص اللي انتِ اخترتيه ومش لازم المواقف تعدي كده لازم تدرس كويس قوي ونتعلم منها ونحللها كتير علشان بعد كدة لما ندخل الحياة الجديدة ما نضطرش ان احنا نخرج من باب الخروج التاني ونهرب هروب ما فيش منه رجعة .
ضم حاجبيه مندهشاً من كلامها وما تلمح له ليسألها باستغراب :
– اه تقصدي ايه بكلامك ده كله ؟
أجابته سريعاً بما صدمه وجعله يقف أمامها غير مصدق :
– اقصد ان انا مش هرضى أعيش كده ولا حياتي كانت كده ولا هستنى لما اموت نفسي بالحياه معاك انا فشلت يا “هاشم” اني اغيرك واخليك تتعامل معايا طبيعي كأي زوج وزوجة بينهم مودة ورحمة وسكينة ولذلك ،
وقبل ان تكمل اندثرت الدموع من عينيها رغما عنها وبرغم من محاوله كبتها إلا أنها هربت وشقت طريقها كي تساعد جسدها على أن يتشنج من شدة ما تتحمله نفسها ،
وتابعت وهي تنطق تلك الكلمة الصعبة التي لم تتخيل نطقها بعد تلك الشهور القليلة من زواجها ولكن الكيل قد طفح والنفس للنفس عزيزة وكانت “حنين” فتاة كالزهور اليانعة بلونها المبهج وأصبحت بلون باهت حينما يراها أحداً يشفق عليها وتلك الكلمة صدمته هو الآخر وجعله رددها بذهول لم يكن يتخيله :
ـ طلقني لو سمحت .
ـ نعم .. أطلقك ! ايه اللي انتِ بتقوليه ده ؟!.. عبارات صادمة نطقها لسانه بنبرة مندهشة استنكارية ليعقب عليها وهو يقترب منها يحاول جذب جسدها إلى أحضانه حينما راى دموعها الغزيرة وما كان منها إلا أنها ابتعدت على الفور ونفرته وكأن جسدها أصابه كهرباء جعلتها ترنجت للخلف وهي تحتضن جسدها بذراعيها وتنزوي في جانب بعيدا عنه وما زالت دموع عينيها خائفة مما أذهله حالها ليحاول الاقتراب منها وهو يردد بدهشة :
ـ ممكن تهدي ، هو انتِ محسساني إنك واقفة قدام هولاكو ! لو سمحتِ عايزين نتكلم مع بعض من غير العياط ومن غير ما تهربي ، اهدي “حنين” لو سمحتِ وتعالي نقعد هنا نتكلم براحتنا من غير دموع ولا خوف .
ما زالت تلتف حول جسدها تخبئه عن عينيه وكأنها ترسل له رسالة أنها فقدت ثقتها به وانها ستستطيع أن تحيط جسدها بيديها بعيداً عنه كي لا يسحبها معه إلى العالم الوحيد الذي يفقهه في أمور الزواج ويؤديه بتمامه وهي ترفض الحديث معه لتحرك رأسها بعشوائية واقتربت مشاعر الخوف تختلط بمشاعر الجنون وهي تهذي بتلك الكلمات المخيفة :
ـ ابعد عني ،ما تلمسنيش ، مش عايزه اسمع صوتك ، مش عايزه أسمع ولا أي كلمة ،ما تلمسنيش انا خايفة منك ، ملكش دعوة بيا ، طلقني أنا عايزة أرجع لماما أرجوك طلقني وسيبني في حالي .
كانت شهقاتها ترتفع وهي تشعر بالاختناق الشديد وانفاسها اصبحت مضطربه للغايه وجسدها يرتعش وشفاها ازرق لونها الوردي وهي تنتحب بشده حتى شعرت من كثره بكائها بالدوار الشديد وزاغت عينيه وما زال لسانها يردد ان يبتعد عنها وهو يقترب منها محاولا تهدئتها وكلما اقترب كلما حاولت الابتعاد حتى اصبحت محاصره بينه وبين الحائط فخيل لها عقلها انها لم تستطيع حمايه نفسها منه وكل ذلك سبب لها ازمه نفسيه في التو والحال مما جعل عقلها لا يستطيع تحامل كل تلك الاشياء لتنسحب الى عالم الاغماء وكانه انقذ عقلها من كثره التفكير والجنون وجسدها من رعشته ووقعت ارضا مغماه عليها لينصدم من حالتها ويقترب منها يرفعها بين يديه حاملا اياها ونظرات عينيه من الخوف عليها يفهمها من لا يعقل،
وضعها على التخت محاولا افاقتها ولكن لم تستجيب فأتى بزجاجة البرفان الخاصة به ثم نثرها على يديه بغزارة وقربها من انفها وهو يحاول تدليكها كي تفيق وبعد محاولات عدة فاقت أخيراً وهي تحرك رأسها بتعب وما زالت دموع عينيها تهبط على وجنتيها وما إن فاقت وفتحت عينيها حتى وجدت حالها أسفله ومحاوطة بذراعيه بشدة وكأنه سجانها فارتعبت مرة ثانية ولم يكن منه إلا أنه نه هبط لمستواها رافعاً إياها قليلاً من على التخت وسحبها داخل أحضانه وقد شعر الآن بجرم ما فعله وما قاله لها وأن حالتها المذرية تلك التي وصلت لها هو السبب الاكبر فيها لينطق معتذراً لأول مرة بعدما أحس بضياعها من بين يديه وبعد تعوده عليها وتعوده على وجودها بجانبه لن يجدها بعد ذلك :
ـ انا آسف يا حنين حقك عليا إني اتعصبت عليكِ وعليت صوتي ، انا عارف اني في عصبيتي ببقى غشيم وببقى مش داريان باللي انا بقوله بس كل ده من غيرتي عليكِ ارجوكي تهدي لأن حالتك صعبة خالص وانا مش متحمل أشوفك كده .
تشنج جسدها بين يديه وهي تحاول فكاك حالها من أحضانه ولكن كان متمسكاً بها بشدة لتقول بصوت هين بلسان ثقيل يرتعش :
ــ ابعد عني ، مش طيقاك ، طلقني .
حاول تنظيم أنفاسه وتهدئه حاله من كلماتها وهو يظفر نفسا عميقا من رئتيه ثم حاول فك حجابها كي لا تختنق تحت رفضها ثم نزعه دبوس راسها ورماه بعيدا وهو يقترب منها ويحتضن وجهها بين كفاي يداه ويضع جبينه على جبينها معتذرا بندم وعينيه سكنت عيناها مما جعلها ضعفت وشعرت بالسكينه بين يديه وهو يقبلها من عينيها تاره ومن جبينها طاره ومن وجنتيها تاره وبجانب شفتيها ومعها كل قبله يتناثر اعتذاره الخارج من قلبه بصوت أجش متأثر بقربها :
ـ انا اسف يا حبيبي ، آدي بوسة لعيونك الحلوين اللي انا دمعتهم ، و واحدة تانية لخدودك اللي انا بكيتهم ، وواحدة تانية لجبينك تعبير عن اسفي الشديد لطريقتي معاكِ ،
ثم دفن خلل أصابعه بين خصلات شعرها ودفن رأسه بين تجويف عنقها مقبلاً إياه برغبة و همس بجانب أذنها بتأثر جعل جسدها هدئ للغاية وكأن بهمساته ولمساته تلك خدر جسدها وأعصابها :
ــ أنا متخيلش حياتي من غيرك ، اتعودت على حضنك ، وهمسك ، وريحتك ، وأنوثتك ، اتعودت على إني أجي أخر كل ليلة أسحبك لحضني وأكافئه عن تعبي طول النهار في الشغل وأنسى كل حاجة وحشة جوة جنة أحضانك يا حنين ،
وما زالت قبلاته تتناثر على عنقها وخصلات شعرها المتمسك بها بقبضتاي يديه وهو يشتم رائحته العطرة المفضلة لديه مكملا بنفس الرغبة :
ـ أنا بقيت مدمنك يا حنيني ، بقيت مش قادر أشوفك ومسحبكيش لحضني وأسقيكِ من فيضان مشاعري ليكِ ، أرجوكِ متسبنيش وتمشي يا حنين أنا من غيرك مش هعرف أعيش .
إبتلعت لعابها من همساته ولمساته المٌدمرة لإنوثتها، فنظر إليها وجدها تبتلع لعابها فابتسم بإنتشاء وأحس بمدى تأثيره عليها وأن أعصابها بدأت تهدأ بين يديه ،
ثم أخرجها من أحضانه واحتضن وجنتيها مرة أخرى ينظر كل منهما للآخر ،
نظر لشفتاها و ابتلع لٌعابه وبدأ صدره ينتفض ويعلو ويهبط من شدة إحتياجه لها،
وماكان حالها أفضل منه، كانت تنظر لعينيه بفاه مفتوحة مٌرتعشة وقلبٍ يرتجف يريد الإرتماء داخل أحضانه ونسيان كل ما أحزنها منه تلك الفترة الماضية ،
بقيا مدة علي وضعهما هذا كلاً منهما يحـ.ـترق شوقاً للأخر،
ثم ستجمعت قواها وتحركت بداخلها روح الأنثي المتمردة المجروحة ى نفضت يدهِ من عليها و ابتعدت قليلاً:
ـ بس انا مش قادرة انسى اللي انت عملته فيا واللي انت قلته لي قدام الناس ؟
إغتاظ منها لابتعادها عنه وتحمحمَ لينظف حنجرته وتسائل:
ـ طب ايه المطلوب مني عشان اخليكِ تنسي طيب ؟
استجمعت قواها أخيراً وتحدثت:
ـ مطلوب منك تكون بني ادم معايا تحس بيا والحاجة اللي انا نفسي فيها تعملها لي مش اللي انت نفسك فيه بس، لما اقول لك انا تعبانة خرجني تخرجني ، اهتم بيا تهتم بيا، لما اعمل حاجة غلط بيني وبينك تيجي وتعرفني الغلط اللي انا عملته مش قدام اي حد حتى لو ماما او حد من اخواتي مش هقبل انك تتعصب عليا او تقل مني قدام اي حد مرة تانية ، لما اقول كلمة ما تعجبكش ما تفسرهاش بمنطقك انت وتزعق لي وتبني عليها مواويل وهي مش في نيتي كدة.
تنفس عالياً لعنادها ثم أجابها مطيعاً :
ـ حاضر يا “حنين” هانم اي اوامر تانية عشان معالي البرنسيسة ترضى عننا وتسيبها من العياط وشغل العيال الصغيرة ده ؟
تدللت عليه وهي تنظر إليه بتعالي:
ـ تمام لما اعوز حاجة تانية أو لما الاقي حاجة مضايقاني بعد كده مش هسكت هبقى اقولها بعدين ،
وتابعت حديثها وهي تنزع يده من عليها برفق وتوسدت بظهرها على التخت مغمضة العينين وهي تأمره بما جعله شعر بالضيق وبرزت عروق رقبته من الغيظ :
– ودلوقتي انا تعبانة ودايخة غطيني عشان عايزة انام .
تحدث غاضباً من ابتعادها عن أحضانه وقرارها للنوم رغما عنه بعدما تأثر جسده باقترابه ومنَّى حاله بلقاء عاصف بينهم:
ـ نعم تنامي مين، ما ترخميش يا حنين هو انت ينفع تنامي واحنا قاعدين مع بعض وتطلعي من حضني وتقولي لي غطيني عشان عايزه انام ؟
ردت بإقتضاب:
ـ اه ينفع وينفع جدا لو مش عاجبك طلقني وانا اروح انام في بيت بابا على كيفي وما حدش يقول لي هتنامي امتى وتصحي امتى ويتحكم في النفس اللي انا بتنفسه.
تحدث بنبرة حادة غاضبة وهو يدثرها بالغطاء جيداً :
ـ تمام نامي وارتاحي براحتك يا هانم انا نازل لصحابي مش عايز منك حاجة .
شبكت يدها اسفل الغطاء وابتسمت ساخرة:
ـ مع السلامة والقلب داعي لك من اعماق قلبي .
تحرك من أمامها بخطوات غاضبة صافعاً الباب خلفه بحدة لتزور البسمة وجهها أخيراً وهي تردد بسعادة بعدما شفت غليلها منه :
ـ أحسن ياروحي ان ما علمتك الأدب بعد كده مبقاش انا “حنين” ان ما خليتك تعد نجوم الليل نجمة نجمة و أخليك خاتم في صباعي ما بقاش انا .
ناقَشوا الحُبَّ؛ فقالوا: أصبحتِ الدنيا دنيا المادة، والروحانيةُ اليوم كالعظام الهرِمة لا تكتسي اللحم العاشق ،
وقال الحبُّ: لا بل المادة لا قيمة لها في الروح؛ وهذا القلب لن يتحوَّل إلى يد ولا إلى رجل .
ناقَشوا الحب؛ فقالوا: إن العصر عصر الآلات، والعمل الروحي لا وجود له في الآلة ولا مع الآلة ؟
قال الحب: لا، يصنع الإنسان ما شاء، ويبقى القلب دائمًا كما صنعه الخالق
**********
تتصفح والده ليلى الهاتف واذا بها تنصدم مما رات فقد كان الفيديو لها هي وزميلها في الجامعه مصورا بدقه لما حدث بينهم في جراج السيارات مع وضع بعد التاثيرات التي تخيل للمشاهد انهم حبيبين يتشاجرون من اجل شيء وبالتحديد حينما اقترب منها ومسك معصم يديها يهزها بعنف ، وتوالت الصدمات عليها والفيديو مكملا للنهايه وهم في رحلتهم تقف بين زيد ورسلان ويبدو انهم يتشاجرون لاجلها وما كان ينطق داخل الفيديو :
ــ الظاهر كدة والله اعلم ان في علاقة حب بين “رسلان” ابن الوزير “احمد شفيق” وصاحبته في الجامعة وشكلهم بيتخانقوا مع بعض وشكل في حوار كبير ما بينهم واضح كده انه بيهددها وهي خايفة في الفيديو لكن في الفيديو التاني حاجة اكبر من كده هو وزميل تاني بيتخانقوا عشانها خناقة كبيرة وشكل الموضوع كبير تابعوا صفحتنا علشان هي اللي هتنزل الأخبار الجديدة عن موضوع ابن الوزير وصاحبته في الجامعة وشكل في بينهم علاقة شديدة خلت الخناقات دي كلها تحصل استنونا في فيديو تاني هنعرف فيه آخر الأخبار عن ابن الوزير وحبيبته .
انصدمت مما رات لتفتح التعليقات وتنصدم من المكتوب من المتابعين وكان احدى التعليقات :
ـ الله يكون في عونها البنت مش بعيد يكون ضحك عليها واستغل ان هو ابن وزير ومشيت معاه في الطريق الغلط وعمل فيها حاجه وحشه لا سمح الله وكانت واقفه بتزعق وبتترجاه ان هو يصلح غلطته ربنا يهد القوي ويعفي بنات المسلمين .
وتعليق اخر :
ـ معلش يعني شكلها واقفه بمزاجها ايه اللي يخلي بنت تتعامل مع الناس اللي زي دي وتودي نفسها في داهية بسببهم الا اذا كانت من اياهم بقى .
وتعليقات وتعليقات منها ما هو سلبي يذبـ.ـح ومنها ما هو ايجابي يقف ويحلل الموقف كما هو ومنها ما هو دعاء لتلك الفتاه الموجوده في الفيديو والاراء التي قراتها كثيره مما جعل قلبها هوى صريعا بين قدميها والموقف اصبح متاذما للغاية ،
وعلى صعيد آخر تجلس والده “رسلان” امام ابيها تعنـ.ـفه بالكلام:
ـ شفت يا بابا آخر دلعك لـ”رسلان” وصلت لحد فين احنا اتفضحنا على السوشيال ميديا وفي كل مكان بسبب انه ما بيعرفش يسيطر على حاله انا قلت له 100 مره ابعد عن الناس ابعد عن اي حد حاول تتجنب الكاميرات اللي بتبقى حواليك في كل مكان وفي الاخر هيلبس قضيه شرف من الناس بسبب انه كان ماسكها وبيهزها بعنـ.ـف في الفيديو اعمل انا ايه في البلوه اللي انا فيها دي انا تعبت .
يتبع…..
رواية مشاعر موقدة الفصل السادس عشر 16 - بقلم فاطيما يوسف
ـ شفت يا بابا آخر دلعك لـ”رسلان” وصلت لحد فين احنا اتفضحنا على السوشيال ميديا وفي كل مكان بسبب انه ما بيعرفش يسيطر على حاله ، انا قلت له 100 مرة ابعد عن الناس ابعد عن اي حد متعرفهوش، حاول تتجنب الكاميرات اللي بتبقى حواليك في كل مكان وفي الاخر هيلبس قضية شرف من الناس بسبب انه كان ماسكها وبيهزها بعنـ.ـف في الفيديو اعمل انا ايه في البلوة اللي انا فيها دي انا تعبت ؟!
اندهش أبيها مما استمع إليه لـيطلب منها وهو يمد يده وهو ينهرها على ضيقها الزائد عن اللازم كالمعتاد :
ـ ممكن تهدي وبطلي شغل تفخيم الأمور والعصبية الزايدة عن اللازمة دي وتوريني الفيديو اللي إنتِ بتتكلمي عنه قبل ما نتناقش في أي حاجة .
2
كانت تهز قدميها بعـ.ـنف وهي لم تستطيع السيطرة على ضيقها فهي لا تحب المشاكل حتى لا تصبح عرضة للتنمر من صديقاتها أعضاء الجمعية الخيرية فهم يتمنون لها كل الشـ.ـر كي تسقط وتمسك إحداهن مكانها وكما أن زوجها في وظيفة حساسة وجميع العيون عليه ثم امسكت الهاتف وأتت بالفيديو ووجهت شاشته إلى والدها فأخذه منها على الفور وبدأ يشاهده وهو يشعر بالاستياء ممن فعل ذلك ثم أعطاها الهاتف مردداً بضيق :
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !
هي حياة الناس وخصوصيتها بقت عرضة لكل من هب ودب يقتحم المجالس لأي حد حتى لو كانت في مكان عام ويصوروهم ويفضحوهم على المواقع دي ؟!
وأكمل بضيق وهو يضرب كفاً بكفٍ ولكن ما أدهشه اللقطة الأخيرة في الفيديو ويبدو انها حديثه للتو لأن “رسلان” لم يبلغه بها ثم حاول تهدئة ابنته الثائرة التي قامت من مكانها تجوب المكان ذهاباً وإياباً وما زال الغضب يسيطر عليها وهي تقرا التعليقات وتفتح جميع الصفحات حتى انتشر الفيديو بسرعة البرق وكأنهم يتسابقون على من يقوم بنشره أولاً كي يحصل على التفاعلات :
ـ يا بنتي العصبية دي مش هتحل ولا هتربط اقعدي بقى علشان نكلم الولد نطمن عليه الأول ونعرف منه ايه اللي حصل وبعدين نشوف هنعمل ايه،
واسترسل حديثه وهو يطمئنها بما يعرفه :
ـ الحكاية كلها كانت مشكلة ما بينه وما بين زميلته في الجامعة موقف حصل ما بينهم واتخانقوا عادي زي اي اتنين زمايل واعتذر لها والموضوع خلص لكن طبعا اللي صورو الموضوع من أوله ربطوه بين اللي حصل في الأول وبين اللي حصل في الرحلة اللي انا ما اعرفش عنه حاجة لسه وعملو الضجة دي كلها حسبي الله ونعم الوكيل فيهم .
انصدمت من كلام أبيها لتتوقف عن التحرك واستدارت بوجهها إليه وهي تسأله بذهول :
ـ ايه ده يعني انت كنت تعرف حاجة يا بابا عن اللي حصل ده وما قلتليش !
ازاي يا بابا تعرف حاجة زي دي وتخبيها عني هو انا للدرجة دي ما بقاش ليا سلطة على ابني وبقى زي الغريب بالنسبة لي وانت اللي بتتحكم في كل أموره وانا ما ليش لازمة في حياته ؟!
انزعج من ضيقها الأهوج عليه وهو ينظر إليها بنظرات ملامة كالمعتاد وهي وعتها جيدا لينطق بحدة لاذعة :
ـ ومن امتى وانتِ فاضية لابنك يا “نعمات” إنتٍ من النادي للجمعية الخيرية لمقابلات اصحابك، مش فاضية ان إنتِ تخلي بالك منه ولا من تصرفاته ولا فاضية إنك تقعدي معاه وتاخديه في حضنك وتتناقشي معاه في مشاكله زيك زي أي أم ،
و استطرد حدته بنبرة متهكمة وهو يهددها صريحاً مما جعل دائرة عينيها تتسع على وسعيهما :
ـ قبل ما تحاسبي ابوكِ إنه واخد باله من ابنك حاسبي نفسك على إهمالك فيه ومش كل مرة هقول لك الكلمتين دول ومش كل مرة تعلقي أخطاء اهمالك على ابوكِ اللي هو أصلاً مربي ابنك من وهو عيل صغير لحد ما بقى عريس في الجامعة ولولايا بعد ربنا كان الولد ضاع،
وعمري ما هسيبه لك ولا همشي واسيبه تاني زي ما عملت قبل كده واسيبه و اضيع تعب السنين في تربيته يروح ، فبلاش الكلام ده تاني علشان ما اغضبش عليكِ واخذ الولد ونمشي من هنا خالص .
تلاحقت انفاسها بغضب من حدة أبيها وقسوته عليها في الكلام دوماً لتجلس على الكرسي أمامه وهي تضع وجهها بين يديها وانفجرت في الدموع وهي تعاتبه:
ـ انت ليه يا بابا دايما تطلعني وحشة في تربيتي لابني وان انا ما بعملش حاجة معاه خالص وما تعبتش علشانه !
انا كنت بنجح علشان خاطر يبقى ليه ام ناجحة يتباهى بها وسط الناس وبعافر مع باباه علشان ما بقاش الزوجة اللي ما لهاش قيمة جنب جوزها ، كنت بعمل كل حاجة عشان أرفع مستواه الاجتماعي والمالي ويبقى له واجهة وسط الناس وفي الآخر تلومني وتعايرني على انك ساعدتني في تربيته ؟!
تفهم كلماتها ووعاها بشدة ليضحك ساخراً من مبرراتها التي لا تدخل عقله ببنت شفه ليكمل حدته معها كي تفيق لولدها وترعاه وتعطيه من حنان الأمومة الذي افتقده كثيراً حتى لا يضيع منها إلى الأبد :
ـ للاسف يا بنتي انتِ فاهمة الأمومة غلط ابنك من وهو طفل صغير كان أقصى أحلامه انك تقعدي تشاركيه مشاكله وخناقاته مع الأطفال اللي زيه ، كانت اكتر حاجة نفسه فيها منك تقعدي تتفرجي معاه على فيلم الكرتون اللي بيحبه ، كان أقصى أحلامه إنك تحفظيه سورة من القرآن الكريم بنفسك بدل ما تجيبي له مدرس ، وعلشان ما لهوش إخوات وانتِ رفضتي تخلفي تاني علشان ما تنشغليش بالعيال عن العمل وجسمك يبوظ كان حاسس إنه وحيد ، كان نفسك تشاركيه حتى في لعبه، كان نفسي يقعد يلعب معاكِ كوتشينة بالساعات زيه زي بقية أصحابه، توديه التمرين مش بالعربية المخصوص، حاجات كتير قوي يا بنتي فاتتك ونقصت ابنك كان بيشوفها قدامه مع أطفال حالتهم المادية أفقر منه بكتير ،
عمر نجاحك في شغلك ما هيحسس ابنك بالنجاح ولا عمر نجاحك في شغلك هيخليه يمشي وسط الناس نافش ريشه ،الحاجات اللي انا بقول لك عليها دي كلها مقصرة في نفسيته علشان كده ما بقاش يجي يحكي لك اي حاجة ولا يعتمد عليك في أي مشاكل تخصه ،
2
وتابع تنبيهه لها :
ـ واحمدي ربنا ان ابوكِ عايش على وش الدنيا كان معاه خطوة بخطوة وكان بيعوض الحاجات اللي انتِ مش بتديها له ، كنت بخلي بالي منه علشان حتى ما يطلعش بيشرب سيجارة حتى ، طلع ولد جميل ملتزم بيصلي ويعرف ربنا ما بيمشيش يقول يا ارض انهدي ما عليكِ قدي ويتفرعن على الناس ، ابوكِ ربى لك ابنك وطلعه لك بذرة طيبة،
عمرك ما رحتِ جبتيه من ديسكو ولا من شقة ليل زي اللي بنسمعه عن ولاد الوزرا احمدي ربنا يا بنتي .
تلك الكلمات التي قالها والدها لم تؤثر فيها كأم فهي لم تعترف بالمشاعر ولا بتلك الأشياء التي ذكرها ابيها تعتبرها تفاهات ثم رمت جميع كلماته عرض الحائط لتقول :
ـ انا لازم اسافر دلوقتي حالا واشوف الموضوع ده واشوف البنت دي علشان لازم الحوار ده يتحل في اسرع وقت .
تقلب وجه أبيها بابتسامة ساخرة عن عدم تأثرها بكلامه ليقوم من مكانه آمرا إياها:
ـ ما تتحركيش من غيري انا هروح معاكِ مش هسيب رسلان لوحده .
استغربت من أمره لتنهاه :
ـ يا بابا انت تعبان ومش حمل ساعات السفر دي كلها وبعدين لما تيجي ايه اللي هيحصل يعني او هتعمل ايه ؟
رمقها بنظرة حادة :
ـ انا اللي هحل المشكلة انا اللي عارف “رسلان” وانا اللي هعرف اتعامل مع الحوار كله مع البنت بعيداً عنك ، إنتِ ممكن تعقدي الأمور وتروحي تتعاملي مع الناس بتعالي كالمعتاد بتاعك فما تفكريش تمشي لوحدك انا هطلع اصلي الضهر وهنتحرك وما تكلميش الولد ولا ترعبيه .
هزت قدميها في الأرض بعـ.ـنف على حدة أبيها معها وتهكمه عليها :
ـ انت ليه محسسني يا بابا انه مش ابني ! انا أمه، من فضلك ما تلغيش دوري مع ابني ولا تحسسه بكده .
أشاح بيده في الهواء كعلامة على عدم اهتمامه لاعتراضها ثم تركها وصعد إلى الأعلى كي يستعد للسفر فقلبه قد تخبط بين ضلوعه هلعاً على أعز الولد “رسلان” قرة عينه وحبيب روحه والجميل الأجمل في أيامه وخصوصاً في كبرَه .
***********
ـ الله مش كنتِ تقولي لنا يا لولا إن انتِ مأنتمة مع ابن الوزير ، وكمان هو والدكتور المز بيتخانقوا عليكِ واللي يشوفك يقول ما بتقوميش من على السجادة من كتر الاستقامة!
ايه يا بنتي ده انتِ طلعتي مسيطرة خالص وما شاء الله عليكِ ما لكيش زيك ما تعلمينا يا لولا .
وأكملت فتاة أخرى وهي تتنمر عليها بطريقة اشد وهي تجلس على المقعد فى مطعم الفندق وبيدها كتاب تقراه وأمامها كوب القهوة بالشيكولا التي تعشقها وكانت مندمجة مع روايتها بل منعزلة عن العالم وكل من فيه فهي حينما تحتاج العزلة تمسك مصحفها تقرا فيه ما تيسر من القران الكريم ثم تاتي برواية تعشقها وتقوم بقراءتها كي تلهي الوقت وتنعزل عن العالم بعد الموقف الذي رات فيه “زيد” وسبب لها جرحا عميقا وما حدث بينه وبين “رسلان” :
ـ هم بيتداروا ورا الحجاب المحتشم واللبس الواسع وهم بيعملوا حاجات احنا ما نعرفش نعملها أتاري مش بالمظاهر يا بنات ، بس انتِ وقعتي واقعة جامدة ابن وزير ومعيد في الجامعه اتنين مرة واحدة يا قادرة عملتيها ازاي دي علمينا يا شيخة “ليلى” .
ثم تفوهت ثالثتهم وهي تعـ.ـض على شفتيها السفلى بإثارة مكملة ما بدآه اصحابها :
ـ لا والاتنين ايه مزز ، مزز يا ولاد حتة على لقمة يتاكلوا حاف ، اه يا بنت الجنية انا المفروض اخاصم البنات دي واجي بقى اتصاحب وياكِ علشان تاخديني في ديلك ده انا غلبان خالص .
كانت تنظر اليهم بشفاهٍ مفتوحة علي وسعهما وعلامات الصدمة ارتسمت على وجهها ببراعة وهي لم تصدق ان تلك الكلمات تقال إليها وهي المقصودة بها ولم تفهم ، عن ماذا يتنمرون ويسخرون ؟
وعيناها تجيبهم وهم يتحدثون بدلا عن لسانها:
ـ ماذا بكِ يا فتاة انتِ وهن ؟!
عن ماذا تقصدون، ومن ماذا تسخرون ، وكيف تقفن امامي وعليا تتنمرون ؟!
ألم تعلموا أنني فتاة جادة ولا أدعي الاستقامة فهي حقاً طريقي !
ما لي أنا بكن ! فأنا ليس لها علاقة بما تقولون ،
ماذا دهاني انا بعقولكم الفارغة فأنا فتاة اعشق الالتزام وليس لي علاقك بما تتفوهون به من جرم عظيم ؟
أجننتُن كي تلقون على مسامعي كل تلك الهراءات وتسبوني بذاك الجرم العظيم ؟!
وعندما انتهت الأخيرة من هرائها ألقت الكتاب من يدها بحدة ثم وقفت أمامهن وهي تشير إليهم بأصابع ساخرة بل تشعر بالاشمئزاز منهن :
ـ مالك منك ليها هو انتو اتجننتو ولا حاجة ، عايزين مني ايه ، و ايه الكلام الأهبل اللي انتو بتقولوه ده ؟
ضحكتا كلتاهن بسخرية شديدة ومطت إحداهن شفتيها للأمام وهي تلقي على مسامعها ذاك الكلام بابتسامة مستفزة وهي تنظر إلى زميلاتها ساخرة من تلك الأبية:
ـ ههه ، ياحرام شكلها يا بنات عايشة في اللالند ومش دريانة انها بقت ترند الموسم وانها طلعت على التلفزيون وبقيت حاجة واو ، بقيتي أمنيات الشباب يا لولو كمان يابنت المحظوظة ،ما تفرجوها يا بنات نفسها وهي على التلفزيون علشان تنبهر .
أخرجت إحداهن الهاتف وأتت بالفيديو المشـ.ـتعل على السوشيال ميديا وعلى جميع الصفحات وهي تعرضه أمامها مكملة سخريتها :
ـ ده انتِ حظك في رجليكِ ركبتِ الترند ولا على بالك وبكرة الصفحات كلها هتجري وراكِ علشان تصور معاكِ اللي حصل ، انتِ عديتي يا لولا ومش بعيد تبقي نجمة السوشيال ميديا بعد كده وتبقي أجمد بلوجر بالخمار صدقي ما شفناش النوعية بتاعتك دي قبل كده .
جحظت عينيها بذهول وهي تتطلع إلى شاشة الهاتف وتبتلع أنفاسها بصعوبة بالغة وصدرها بدا يعلو ويهبط من شدة الصدمة التي لم يستطيع عقلها ولا قلبها تحملها لتجلس على الكرسي بأقدام واهية لم تستطيع الوقوف فهي لأول مرة يحدث معها ذلك فدائماً تمشي جنب الحائط وتتجنب جميع المشاكل وجميع الأشياء التي تجعلها تظهر حتى فاقت على اتصالات والدتها فسحبت هاتفها وجميع اشياءها من على المنضدة وفرت هاربة من أمامهن وصعدت إلى غرفتها وأجابت والدتها وهي تشهق ببكاء مرتفع أرعب والدتها :
ـ الحقيني يا ماما انا في مصيبة ومش عارفة اتصرف إزاي أنا حاسة إن أنا هيجرى لي حاجة ؟
كانت والدتها تقود السيارة بسرعة رهيبة وهي تطمئنها وقلبها ينفطر داخلها هلعاً على صغيرتها :
ـ ما تقلقيش يا ماما انا وباباكي جايين لك في الطريق هو متحرك ورايا على طول كان في مشوار بعيد وكلها ساعتين وهاجي لك مفيش حاجة مستدعيه انك تخافي كده خليكِ في اوضتك لحد ما اجي لك ما تقلقيش يا حبيبة ماما .
2
ارتفعت شهقاتها وهي تستعجل والدتها فهي الآن لاحتياجها بشدة:
ـ ارجوكِ يا ماما تجيلي بسرعة انا مخنوقة أوي وحالتي وحشة ومش مصدقه اللي حصل أكيد حضرتك عرفتِ.
طمئنتها بنبرة حانية :
ـ حبيبه مامي ما تقلقيش ومفيش أي حاجة تستدعي الخوف طالما انتِ بصحتك وواقفة على رجليكِ وأنا وبابي جنبك اوعي تقلقي من أي حاجة اقرأي قرآنك وأذكارك وانشغلي فيهم عقبال ما آجي لك وانسي العالم والدوشة اللي بره دي خالص وكأن ما حصلش حاجة يلا يا ماما خدي شاور الاول وبعدين اقعدي اقرأي القرآن على ما اجي لك .
هي تعلم ان ابنتها راحتها في ذكرها وقرآنها لذلك أرشدتها بتلك النصيحة كي تجعل روعها يهدأ ولكن داخله يتقـ.ـطع ألماً على ابنتها بل وينفطر على وحدتها في ذاك الموقف فأسرعت قيادة السيارة كي تصل إليها على عجل .
***************
كان يدور حول نفسه في المكان بغضب عارم يجوب الغرفة إياباً وذهاباً والغضب يتآكل جسده مما شاهده في ذاك الفيديو والنـ.ـار تنهش في جسده خوفاً من القادم كل شيء يحدث يفرق بينه وبين “ليلته” أميالاً وأميالاً كل الظروف معها ضده وكأن القدر يعاند قصته ويعاند قلبه كي يعـ.ـذبه عـ.ـذاباً شديداً فقلبه قد وصل مرحلة العشق بل وينهار في ابتعاده عنه،
ألف سيناريو وسيناريو يدور بمخيلته يريد الذهاب إليها والوقوف أمامها وتهدئتها من حالة الورع التي بالتأكيد أصابتها ولكن كيف سيفعلها ؟
ثم أمسك الهاتف وحاول الاتصال عليها مراتٍ ومرات ولكن لا جدوى لم تجيبه ليحدث حاله بجنون وهو يلتف حول نفسه ويدور كعقرب الساعة وقت يمر ويضيع وهي في ضياعها وهو يقف متكتف الأيدي بعيداً عنها ،
كان ينفخ بضيق وهو يتحرك في الغرفة وحدث حاله وهو يخلل أصابعه بين خصلات شعره الأسود المصفف ويكاد يصل إلى حافة الجنون :
ـ لما لمْ تجيبيني ليلتي ؟
بحق الله وبحق سمائه وأرضه وجباله وجميع مخلوقاته أجيبي عاشق ملتاع يشعر بالجنون وهو يريد ان يراكِ الآن ،
أريد أن اخفف عنكِ ليلتي ، أريد ان امسح دموع عينيكِ والتي بالتأكيد تغرق وجنتيك الرقيقة، أرجوكِ ليلتي أجيبيني فأنا أشعر بالضياع ، لا ؛ الضياع كلمة قليلة لما اشعر به ، بل أشعر بالهلاك ليلتي ، أجيبيني أرجوكِ ليلتي ،
وأكمل حديثه مع نفسه ولكن بصوت مسموع وهو يحمل هاتفه ومفاتيحه عازماً الذهاب إليها وليكن ما يكن ،
ـ لا انا هروح لها واللي يحصل يحصل مش هقدر استنى اكتر من كده انا كده ممكن يجروا لي حاجة من القلق عليها .
حاول مهاتفة “يحيى” كي يأتي معه ويسانده في موقفه فهو الآن باحتياجه أكثر من اي وقت ولكن أطبق على فمه بحزن شديد حينما وجد هاتفه مغلق ، فتحرك بخطوات سريعة حتى وصل إلى غرفتها فهو يعلمها جيداً وقبل أن يدق على الباب مسح على وجهه بحيرة ممزوجة بالحسرة ولكن حاول تهدئة حاله وتنظيم انفاسه قبل أن يدق على الباب ثم حاول الاتصال عليها مرة أخرى قبل أن يفعلها ولكن لم تجيب هذه المرة أيضاً ليدق على الباب بهدوء دقتين حتى سمع صوتها المتحشرج ويبدو عليه أنها كانت تبكي بشدة مما جعله اغمض عينيه بحزنٍ شديد على حالة حبيبته ، معشوقته ، وأنيسة روحه ، فأجابها بصوت هادئ حتى لا يسمعه أحد ويلفت الانتباه لهم :
ـ انا يا “ليلى” بحاول أرن عليكِ وانت مش بترد عليا لو سمحتي محتاج أتكلم معاكِ شوية ضروري .
ما إن استمعت إلى صوته وهي في حالتها المنهارة تلك حتى وضعت حجابها على رأسها بإحكام وفتحت الباب ثم صاحت به بحدة لاذعة :
ـ انت كمان بعد ده كله ليك عين تيجي لحد عندي !
ابعد عني بقى انا اتدمرت بسببك ومستقبلي ضاع بعد ما كنت بعيد عن كل الشبهات وعن اي حاجة وحشة بقيت البنت اللي الشباب بتتخانق عليها ، بقيت أقذر مثال سيء للبنات بعد ما كنت قدوة حسنة والناس كلها بتتباهى بيا في كل مكان ،
ثم أكملت بعدما هبطت دموع عينيها بغزارة ولم تستطيع المكوث في عينيها أكثر من ذلك:
ـ ابعد عني ، امشي مش عايزه اشوفك تاني ولا عايزه ألمح طيفك يا”زيد”،
ثم حاولت كتم شهقاتها وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة وتمسح دموعها الهابطة على وجنتيها بحدة وهي تخبره بما صدمه :
ـ اقول لك على حاجة كمان انا هغير كلية الصيدلة دي نهائي ومش هروحها تاني وهغير المحافظة وهغير كل حاجة وهاخد سكن طالبات في كلية بعيدة علشان مش عايزه اشوفك تاني ولا اعرفك انا اتدمرت بسببك ،
ثم شهقت مرة أخرى بطريقة تدمي القلوب:
ـ انا اتدمرت حرام عليكم انا ما استاهلش كده .
كانت حالته في ذاك الوقت كالواقف على شفا حفرة من النـ.ـار يريد أن ينهرها على طريقتها معها وفي نفس الوقت يريد أن يأخذها بين أحضانه ويخفف عنها آلامها حتى نطق لسانه معاتبا إياها بردٍ يحمل القسوة بين طياته وهو لم يستطيع تحمل كلامها ولا انها ستفارقه وعينيه حمراء من اثر الغضب الشديد كمثلها :
ـ إنتِ جايبه قسوة قلبك دي كلها منين يا “ليلى” بجد ؟!
يعني هو إنتِ عايزه تركبيني غلط وخلاص !
الفيديو الاولاني كان مع الزفت اللي اتدخل ما بيني وما بينك ومش عارف طلع لنا منين ده وهو السبب في كل اللي حصل وبرده بتطلعيني انا السبب انا تعبت منك وتعبت معاكِ وتعبت من حبك،
وأكمل وهو يدعي على حاله أمامها مما جعلها تنسى ما حدث وفزعت من دعائه على حاله :
ـ انتِ عارفه يا “ليلى” انا بقيت بتمنى الموت ، عارفة كمان هدعي على نفسي قدامك علشان تستريحي مني ومن خلقتي ، يا رب اموت يا شيخة علشان ما تشوفينيش تاني ، يا رب تدهسني عربية تجيب أجلي من كتر ما انا ماشي بفكر فيكِ وفي إني ازاي اخليكِ تكوني ليا استريحتي يا “ليلى” .
فزعت بشدة من طريقته في دعائه على حاله وشعرت بالذنب لما وصل له الآن ولكن هي حالتها هي الأخرى يرثى لها ، أحست باهتزاز قلبها بسبب حالته ودعائه على نفسه ورجف جسدها امامه وكاد ان يتحرك بعد أن ألقى قنـ.ـابله الموقوتة من فمه إلا انها بتلقائية تمسكت بيده على حين غرة وهي الأخرى في حالة اللاوعي مما أذهله لتنهره بفزع:
ـ حرام عليك يا “زيد” ، ايه الكلام اللي انت بتقوله ده ، ازاي تدعي على نفسك بالطريقة البشعة دي ؟!
لو سمحت ما تعملش كده تاني انت ما تعرفش ان الانسان لما يدعي على نفسه ربنا سبحانه وتعالى بيستجيب ما تعرفش قول ربنا عن الدعاء ده بالذات لما قال في كتابه العزيز
” ويدعوا الإنسان بالشر دعائه بالخير وكان الإنسان عجولا” .
كان في حالة ذهول من حالة الذعر التي انتابتها لأجله فلم يكن يتخيل أنه سيرى نظرة عينينها المرتعبة عليه يوماً من الأيام ليسألها بلسان مترجي أن تجيبه بما يريح قلبه وعقله وهو يتعمق النظر في مقلتيها بنظرة سحرتها بل وأربكتها للغاية وأنستها الموقف والمشكلة التي وضعت فيها ككل فالأنثى في حالة ضعفها تحتاج إلى من يجعلها تشعر بالأمان ، تستند على أول يد تمتد إليها:
ـ ياه أخيراً شفت نظرة الخوف والرعب في عينيكِ عليا ومنطقتيهاش ، وشفت نظرة الحب في عينيكِ ولسانك وبردو ما نطقتيهاش ونظرة اللهفة والانجذاب وبرده لسانك بيعند ومنطقهاش ،
وأكمل وهو ما زال متمسكاً بيديها وهي في عالم آخر وهو ينظر داخل عينيها الممتزجة نظراتها ما بين لمعة الدمع وسحر العشق له النابع من عينيها ليذوب قلبه أكثر وهو يشدد على كف يديها الصغير وقلبه يدق داخل ضلوعه دقات سريعة بخفقان يكاد يشق الضلوع وينفـ.ـجر ليترجاها بنبرة صوت متلهفة خشنة تليق برجولته :
ـ “ليلى” قوليها بقى انطقيها بقى وانسى كل اللي حصل وتعالى أفتح صفحة جديدة معاكِ بـ”زيد” جديد خالص ،
وأكمل بصوت أجش ونبرة ثائرة وهو ما زال يضغط على كف يديها بإحساس مفرط وأنفاس متلاحقة وكأنه يلهث في محراب عشقها:
ـ كلمتين اتنين بس يا “ليلى” سهلين جداً لأنهم طالعين من قلبك إذا كنت أنا حسيتهم وقريتهم في عينيكِ وسمعتهم في دقات قلبك مليون مرة قبل كدة ، نفسي أسمعها من بين شفايفك ‘بحبك زيد’ .
يا لك من خبير أيها الـ”زيد” في قوانين النساء ،لقد عزفت على أوتار حساسة داخل قلب برئ ليس يفقه في أبجديات العشق حتى الألف والباء ، أقف أمامك وقلبي يدق بعـ.ـنف
في صراعٍ قويٍ بين المعقول واللمعقول ولا أعرف من أين أبدأ وإلى سأنتهي وكأنه حضر الغباء ، منذ قليل كنت أفكر بأنني أريد اختنـ.ـاقك بين يداي والآن لم أعرف كيف السبيل لمسيرتنا وكيف سأعيش معك بهناء ،
نطق لسانها بوله وهي تشعر بفكاك جسدها وكأنه أصيب بماس كهربائي فكك أعصابها من لمسته الدافئة وهي تشعر بأنها غائبة عن العقل ، تائهة وليست في عقلها أبداً كأنها في عالم آخر ليخونها لسانها وكأنه مغيب هو الآخر أو متأثر بحالة تنويم مغناطيسي جعلها نسيت كل شئ وتاهت في سهام عينيه العاشقة حتى النخاع :
ـ طب كلمة ‘بحبك’ هقولها ازاي وأنا عارفة إني هندم عليها وانها هتتعبني وانك مش هتكون ليا وان…. لم تكمل بسبب أنه وضع يده على شفاها مانعاً إياها أن تكمل وهو في حالة تأثر شديد بما قالته لتنطق عيناه بدلاً عنه برجاء عاشق متيم :
ـ اصمتي ليلتي ، كفي عن الحديث في حضرة تلك الكلمة ، دعينا نتأثر بها ، ننسى الزمان والمكان والمواقف والظروف وكل شئ ونسعد قلوبنا بها وتستكين أرواحنا بصدى سمعها ، لا أريد من لسانك أن يقل شيئاً بعد تلك الكلمة أريد منكِ تكرارها فقط إذا تحدث ،
ثم همس بمشاعر موقدة كادت أن تقتلع قلبه وتضعه بين يديها :
ـ ياه يا “ليلى” عذبتيني وفرهدتيني وتعبتِ قلبي معاكِ بس هو قال لي بدل المرة ألف إنه مش خاين لي ومش هيعشق ولا هيحب غير اللي تحبه وقد كان صدق وعده ونصر خليله وأعز جنده وهزم حزبه وبقى قلب “ليلى” ملك قلب “زيد” وحبيبه يا حبيبي.
حاولت سحب يدها المتخدرة من يديه وبدأ عقلها يعود لوعيه وهي تشعر بحالة غريبة لم تشعر بها من قبل وهي تطلب منه بنبرة تصحبها التيهة :
ـ امشي يا “زيد” أرجوك امشي .
هتف بتمسك تواجده معها وهو يشعر بأنه الآن على شفا حفر من أنهار العسل المصفى في اقترابها وغمغم بتأثر :
ـ أمشي ازاي وأنا أقدامي غرزت بين قلبك مش قادر أتحرك غير لما أطمن وقلبي يطمن .
ابتلعت أنفاسها وهي تهمس بتأثر مماثل :
ـ أطمنك ازاي وأنا أصلاً قلبي مليان خوف ومش مطمن يا “زيد” .
حرك رأسه للأمام مترجياً إياها بلهفة وشوق:
ـ قولي له متخافش انت في أمان مع “زيد” طمنيه يا “ليلى” اني هحافظ عليه وهحاوطه برموش عيوني وهحرسه من الدنيا باللي فيها ، قولي له اني محتاج أسمع منه كلمة ‘بحبك’ صريحة وواضحة علشان يرتاح بقى بقى لي سنة بتـ.ـعذب كفاية يا “ليلى” .
بللت شفتيها الجافة من أثر البكاء وأثر أنفاسها المتلاحقة وهي تترجاه بهمس ناعم جعله وقف أمامها يريد اختـ.ـطافها بين أحضانه ويسقيها من عشقه أنهاراً من خمر الجنة ستستشعر حينها لذة طعمه :
ـ يا”زيد” حرام عليك بقى انا مش قادرة آخد نفسي ولا قادرة استوعب انت بتلاحقني أوي انا مش متعودة على كده حاسة بحاجة غريبة ، حاسة برعشه في اعصابي ودقات قلبي مش مبطلة امشي بقى أرجوك انت .
أقف على قلبها وعقلها الآن قلبي لا تتركها حتى تنطقها هي الآن في مرحلة السكر من تأثيرك عليها وأوشكت على نطقها ، تشبس “زيد” برحالها واسعى جاهداً بكل ما أوتيت من قوة وجاذبية حتى تعترف بها ، شن عليها جميع الأسـ.ـلحة حتى تسكن محراب قلبها ويأمن قلبك ، فهمس بوله :
ـ طب قوليها واوعديني انك مش هتكوني غير ليا وأنا أمشي يا كل العمر يا عمري .
بللت شفتيها السفلى بحركة منها أذابت قلبه المسكين فقد أنساها ذاك العاشق الولهان كل ما حدث لها ، أنساها الموقف الشنيع الواقعة به ، أنساها البكاء والهم والحزن ،
أأنت ساحر “زيد” أم أنت ماهرٌ بارع في جذب التفات أنثاك !
فلترحم قلبي الضعيف فلم يعد يتحمل عنادك وتشبسك ، فلترحم مسكيناً في الغرام ألا وهو قلبي الصغير ،
ما زال ينظر إليها نظرات أربكتها ، سحرتها ، أدخلتها عالم الغرام والهيام معه بكل سهولة دون أن ينطق لسانه ،
أحقاً نظرات العاشق لمعشوقه تقـ.ـتل العهود مع النفس !
تذيب الجليد الممتلئ في العقول والقبول !
تكسر الحواجز ، وترمي بالقوانين عرض الحائط !
اهدا قلبي فما عدت تتحمل الصد أمامه ، مسكين قلب “ليلى” لينطلق لسانها برقة بالغة أذابت ذاك العاشق وجعلته لم يصدق الآن أنه سمعها نطقتها وهي مغمضة العينين ولم تستطيع أن تضعها في عينيه وتواجه جيوشها الساحرة بتيهة وقلقلة لسان لأول مرة يعترف بها :
ـ بـ حـ بـ ك .
قالتها وصمت لسانها وأكملت عينيها بدلاً عنها :
– كيف جعلتني أحبك إلي هذا الحد؟
كيف خلقت اللهفة في عيني وفي كياني؟
نعم جعلتني أجن بك، أتخيلك في كل شئ، أتخيل وجهك في كل مكان وأسمع صوتك في كل لحظة، اشعر بقربك في كل مكان وأشعر بحرارة أنفاسك ، وأتذكر أن بيني وبين رؤيتك ملايين الحواجز إلا إني أعشق هذا الحب ، اعشقك “زيد” بل عشقــــــــــــــك حياة .
ابتلع أنفاسه هو الآخر وهام بها عشقاً في تلك اللحظة وود ان يجذبها في تلك اللحظة إلى أحضانه كي تطفئ حرارة جسده المتلهفة لقربها ، لم يكن يتخيل أنه حين يسمعها منها انها ستكن بذاك الجمال وان مشاعره الموقدة ستثور عليه وتطالب بالمزيد ،
ولكن ماذا تطلبي مني مشاعر “زيد” لا تطمعين ونيستي واهدئي من ثورانك فقد اعترفت “ليلتك” أخيراً ، فما كانت من عينيه إلا أنها لبت نداء عينيها برغبة ووله :
ـأحبّكَ جدًا و أعي تمامًا ما معنى أن يموت أحدهم في الحُب , و يُهزم بألف قرارٍ في الحُب , و يغرق في الحُب دون إيماءه كفٍ تُنجيه , أحبّكَ جدًا و ما كُنت أعلم بأن الحُب برقٌ و إعصارٌ و ريحٌ و بردٌ و ثلجٌ و إختلالٌ و إتزان , و ما كنت أعلم بأنني سأعلن فنائي و إتزاني في حضرة عينيكَ .
وبين “زيد” و”ليلى” دارت النظرات والهمسات
فقال لها : أحبُكِ ،
قالت :
ـ شكراً
فقال لها:
ـ رد الحب كرد السلام أما بمثله أو بأحسن منه .
أجابت :
ـ وعليك الحب ورحمة العشق ونبضاته .
يتبع…..
رواية مشاعر موقدة الفصل السابع عشر 17 - بقلم فاطيما يوسف
ماذا عن كلمة من أربعة حروف فقط قيلت بعد انتظار دام طويلًا، ولهفة سهرت لها الليالي؟
أتدرون ما صداها وماذا تمثل لي أيها المشاهدون؟
فلتأتون معي أحلل لكم كل حرف بها ماذا يعني لي؟
ولكن اعرفوا الكلمة أولًا: "بحبك زيد" قالتها لي ملاكي المتحرك على مشاعر قلبي.
فأولها "الباء" وتعني أنا لها بحر، عذب مياهه يروي ظمآن صدرها العطشان.
وثانيها "الحاء" وتعني أنها حرب خاضتها بشجاعة وكنت محاربًا قويًا استطعت امتلاك مدينتها بجيش فياض المشاعر من أسلحة وذخيرة لا تنتهي، بل هي عرض مستمر وفزت بقلبها بسلام وأمان.
أما عن ثالثها ورابعها "الباء ثم الحاء" بساط كبير فردته لها، سأحملها عليه وأهرب بها وأسابق الريح وهي على ظهره تستريح في عالم نمكث به وحدنا وأمامنا النجوم وتحدنا الكواكب من جميع الجهات وتحدثها عيناي أمام ضوء القمر ذاك النجم المعتم لكنه يبعث نور، ونور قلبي حتمًا سيرزقها الاطمئنان.
كان معكم "زيد" من إذاعة هوى "ليلى" العاشق الولهان لأميرة الزمان.
بعد أن استمع اعترافها بحبها له ثارت مشاعره الموقدة داخله لينطق أخيرًا بعد أن نظم أنفاسه:
ـ حمد لله على السلامة يا "ليلى"، أخيرًا قلتيها أنا مش مصدق نفسي والله.
ثم تعمق النظر في ملامحها وجدها حزينة وما زالت لمعة الدموع عالقة في عينيها فأحس بالوجع الشديد ولربما كانت نادمة على اعترافها ليسألها بنبرة خافتة وداخله يتقطع:
ـ ليه لمعة الدموع دي يا "ليلى" وليه عيونك مش فرحانة وأنتِ بتقوليها؟
ثم أكمل بتأثر وهو يبتلع ريقه بصعوبة بالغة والسؤال يكاد يخرج من فمه رغماً عنه:
ـ معقولة؟ أنتِ قلتيها غصب عنك وفي لحظة ضعف منك وأنتِ مش حساها؟!
شعرت بقشعريرة سرت بجسدها من تأثرها بنظرة عينيه التي تتحدث عشقًا.
ثم حمحمت وتحدثت بصوت يكاد يسمع من شدة خجلها وهي تومئ رأسها لأسفل:
ـ لا يا "زيد" أنا قلتها لك بقلبي كمان مش بلساني بس، اللي مخليني كدة إني مش عارفة الجاي ولا ضامنة الظروف ولا هعرف أوعدك بأي حاجة تطمنك لأني مليش سلطة على نفسي.
تحدث بنبرة واهنة والحزن يكسو صوته وملامحه من حيرتها وحكمها على علاقتهم بالوأد دائمًا:
ـ هتفضلي لحد امته مش واثقة إني فعلًا حبيتك وإني اتغيرت وإنك قدرتي تحولي الإنسان الضايع المفتقر لمشاعر الحب إنه بقي ناسك في محراب حبك يا "ليلى".
وأكمل باستفاضة وهو ينظر لها نظرات ساحرة:
ـ عارفة يعني إيه ناسك في حبك؟
يعني بقت عيوني مبتشفش غيرك ودقات قلبي مدقتش لغيرك، مشاعري مولود جديد اتولدت على إيدك.
وتابع برجاء عاشق متيم:
ـ أرجوكِ يا "ليلى" انسي اللي شفتيه مني واللي عرفتيه عني وكل حاجة وحشة، وده لسبب واحد بس تعرفي إيه هو؟
رفعت مقلتيها الحائرتين وسكنت عينيه العاشقتين وهي تسأله بنظرة هائمة جعلت قلبه دق بوتيرة سريعة وشعر بأنه على أعتاب الوصول إلى قصر ليلته أخيرًا وهي تنتظر إجابته، فأكمل وهو ينظر لها بإعجاب من نظراتها وحديثه مغلف بالمكر والدعابة:
ـ علشان لما أتولد على إيدك يبقى لازم تاخديني جوة حضنك وتعلميني كل حاجة وتضميني لصدرك، ما أنتِ بقيتي ماما وأنا صدقيني هبقى ولد مطيع جدًا، هتمسك في حضنك جامد وهسمع الكلام وعلشان أنا كدة هبقى شطور وهسمع الكلام هتكافئيني كل شوية ومرة تديني بوسة من خدودي وهرد عليها أنا باتنين ومرة من عيوني وهرد عليها بعشرة ومرة من هنا..
وأكمل بنظرة ساحرة وهو يشير إلى شفاه كي يسحبها لعالمه الفياض من المشاعر الجميلة التي يفقهها جيدًا ويعلم قوانينها بشدة وحقت احمرت وجنتيها من تلميحاته الجريئة فهذه فرصته ولابد عليه أن يستغلها ولن يتركها أبدًا تمر مرور الكرام:
ـ ومرات من شفايفي اللي كلهم شوق يدوقوا طعم الهنا وريحة الورود من شفايفك، وأنا دول بالذات هردهم بسخاء حكم أنا في كرم الحب وقوانين القرب معطاء قوي يا لولا.
شهقت عاليًا بخجل من تلميحاته وطريقته ونظراته التي تتآكلها وكأنها فريسة وأمامها ذئب جائع بل متعطش بشدة، وحينما تصبح فريسته بين يديه سيلتهمها دون أن يترك لها مساحة للابتعاد ولو قليلًا لتنطق بذهول:
ـ هاااااااا؟ أنت جرئ قوي بجد وأنا صفر المية في طريقتك دي! أنت بدئتها من الآخر يا "زيد"، أرجوك أنت بلاش تستعجل النهايات وخلينا نشوف طريقنا المتنافر هيتقابل إزاي؟
استند على حافة الباب وهو يرفع حاجبيه ساخرًا من براءتها مستنكرًا كلامها:
ـ هما الكلمتين دول يعتبروا نهايات بالنسبة لك؟!
ثم غمز لها بطريقة أخجلتها وما زالت ابتسامته العاشقة تزين محياه وهو ما زال يشاغبها بحديثه المرح:
ـ ده أنتِ طلعتي طيوبة خالص يا لولا! طب ما دي البدايات يا روحي، لو عايزة بقى ملخص بسيط للنهايات يبقى جيتي في ملعبي وهفتح لك دراعي بالأحضان ويا أهلًا بالمعارك بقى والله يعينك.
رفعت حاجبها لطريقته مرة أخرى وما زال الذهول مسيطر عليها، ثم تذكرت ما حدث لتلتمع عينيها بالدموع مرة أخرى وهتفت بنبرة صوت مختنقة من البكاء المتحجر في عينيها:
ـ أنت شفت الفيديو اللي نزل على الفيسبوك والإنستجرام وأكيد طبعًا غرق اليوتيوب ماهم لما بيصدقوا!
وأكملت بعينين دامعتين وقد تحررت الدموع منها مرة أخرى وهي تشعر بأنها أصبحت عرضة للقيل والقال:
ـ أنا اتفضحت وبقيت البنت اللي بتعلق المعيد بتاعها وزميلها ابن الوزير وإني بدور على الشهرة وبتدارى ورا التدين والالتزام لكن ربنا فضحني وحاجات كتير قوي وما خفي في النفوس كان أعظم.
دق قلبه بعنف داخل صدره حزنًا عليها وشعر بالخزي من حاله لما وصلت إليه، ثم تحمحم لينظف حنجرته عله يستطيع إخراج صوته وبالفعل تحدث بكلمات تهدئها:
ـ عادي يا "ليلى" متتحامليش على نفسك شوية وهينسوا كلامهم الفارغ ده.
ثم تذكر بداية الفيديو وسألها سريعًا:
ـ بس الفيديو بادئ غريب شوية، أنتِ قابلتي اللي اسمه "رسلان" ده قبل كدة وحصل بينكم مشادة ومسكك من دراعك وكان بيتعامل معاكِ بعنف زي اللي شفته في الفيديو؟
أومأت برأسها للأمام تؤكد له ما رآه وهي تخفض بصرها للأسفل بنظرات خجولة ليجز على أسنانه غاضبًا وعيناه تصوب تجاهها نظرات نارية أرعبتها:
ـ وأنتِ إزاي تسمحي لنفسك إنك تقفي معاه في جراج لوحدكم وإنه يمسك دراعك ويقرب منك بالعنف ده، ده أنتِ كنتِ في حضنه يا "ليلى
يا شيخة أنتِ كمان واقفة تشكري فيه وتوصفي له براءته وحنيته!
وأكمل بقسم:
ـ يمين بالله يا "ليلى" لو فكر يقرب منك ثاني لهنسفه ولا هيهمني أبوه مين ياكش يكون ابن رئيس الوزرا حتى، أنتِ خط أحمر وممنوع الاقتراب.
رفعت حاجباها ساخرة باستنكار باندفاع وحدة:
ـ أنت مجنون يا "زيد"؟ أنت ازاي تشتم الألفاظ دي قدامي وتعلي صوتك كدة؟ اظهر وبان بقى على حقيقتك!
ضرب باب الغرفة بقدمه وبنفس الصياح هدر بها وما زالت الغيرة العمياء تحتل جسده المشتعل وقلبه الذي يدق بعنف وهو يريد الآن خنق ذاك المتداخل بينهم دون رأفة:
ـ يعني عايزاني أعمل إيه وأنا شفت البيه وهو بيضحك لك وبيبتسم وبيقرب على شط البحر وداخل يتسرسب لك وأقف ساكت ومضايقش ولا أتخنق ولا أزعق؟
وأكمل بحدة وهو يلومها:
ـ لا وكمان الهانم واقفة بتوصف لي شهامته ورجولته وإنه ازاي طيب ومحترم، بذمتك أجيب الهدوء ده منين إلا إذا كنت بني آدم بارد معنديش مشاعر ولا رجولة يا هانم؟!
ثم هدأ من نبرة صوته مكملًا بنظرات عاشقة جعلتها تبدلت من حالة الغضب إلى حالة الشعور بالشفقة عليه:
ـ أو ما بحبكش وعايز أتسلى بيكِ شوية فهتغاضى عن أي حاجة أو أي موقف شفته ومش هعلق لك على أي تصرف يا "ليلى" علشان أعرف أشقطك كويس وأحب فيكِ يومين ولما مزاجي يقفل أمشي.
وأكمل بنبرة عاشقة متيمة:
ـ أنا بحبك قوي قوي وبغير عليكِ قوي ومش متحمل إنك تقربي من أي حد أو أي حد يقرب منك.
وتابع باعتراف جعلها تشعر بالشفقة والعطف على حالته المسكينة في عشقها:
ـ وأنتِ واقفة معاه كنت هتجنن، كنت هجيب من السما حتة وكنت عايز أجي أشدك من قدامه وأخطفك لأي مكان بعيد عن أي حد، كنت عايز أعلي صوتي قدام الناس كلها اللي يعرفونا واللي ما يعرفوناش وأقول لهم دي بتاعتي دي تخصني ما حدش يقرب منها.
كنت عايز أولع فيه وفي المكان لولا إن صاحبي كان ماسكني بقبضة من حديد كان زماني عامل مشاكل معاه قدامك فوق ما تتخيلي.
شفتي وصلت في حبك لدرجة إيه يا "ليلى" وفي الآخر تقولي لي ما تتحكمش وأنا ما أخصكش.
وأكمل بحزن أدمى قلبها وقد التمعت عينيه بدمعة أبت أن تفر منه:
ـ أنا حاسس إني أنا من كتر حبي فيكِ هموت من الحب لو ما بقيتيش لي، مش عارف ده عقاب من ربنا ولا عذاب ولا حاجة حلوة ولا حاجة وحشة ولا كل اللي أنا فيه ده اسمه إيه؟!
أنا كنت قابلك البنات اللي بتتمناني وبتتمنى تتكلم معايا وبتتمنى قربي وبتتمنى بس نظرة مني وأنا كنت بشاور لهم بس، مش عارف إيه اللي حصل لي؟!
مش عارف ليه أنتِ بالذات وأنتِ معاندة ومش فاهمة مشاعري ولا فاهمة حبي وتعلقي بيكِ، أنا مش متحمل أي حاجة تبعدني عنك وأي شخص يقرب منك يا "ليلى" مش متحمل افهمي بقى.
صدقيني يا ليلتي أنني أغار وشعور الغيرة في يمثل قليل من الجمر على قليل من النار هو بركان صغير داخلي، هو إحساس بالموت قربك، هو شعور برغبة الانتحار، فقط أشتعل من رأسي إلى قدمي.
شعرت بقشعريرة سرت بجسدها من تأثرها بنظرة عينيه التي تتحدث عشقًا وألمًا، أحست به من كلماته وكادت أن تجيبه إلا أنها استمعت إلى رنات هاتفها في الداخل فجرت سريعًا وأمسكت به وجدته والدتها ويبدو أنها قد وصلت، فخرجت إليه وهي تخبره بقدوم والدتها:
ـ ماما أكيد وصلت تحت.
ثم فتحت الخط وأجابتها:
ـ حمد لله على السلامة يا مامي.
أجابت والدتها:
ـ الله يسلمك يا بابا، أنا تايهة ممكن تنزلي لي في الاستراحة نطلع سوا.
ـ حاضر يا مامي خمس دقايق هكون قدامك.
قالتها وهي تنوي النزول وتنظر إليه:
"مامي جت، هنزل اطلعها لأنها تايهة في المكان، عن إذنك."
منعها من النزول مشيرًا إليها بكف يديه:
"خليكِ، هنزل أنا أجيب الدكتورة لأني محتاج أتكلم معاها شوية."
سألته باستغراب:
"إيه ده هو أنت تعرف مامي؟"
حرك رأسه للأمام وأجابها بنظرة حزينة وداخله غير مطمئن للقادم:
"أنا أعرف عنك كل حاجة يا ليلى، وبقرب من أي حاجة توصلني ليكِ، وأنا عرفت إن مامتك أقرب شخص ليكِ، هي صديقتك ووالدتك وأختك وهي كل حاجة ليكِ. يمكن أنتِ ما تعرفيش إن اللي بيحب حد بيهتم بكل تفاصيله وبكل علاقاته، بعد إذنك هنزل أجيبها."
تنفست سريعًا ودخلت إلى الغرفة، ثم تحركا من أمامها، وكليهما داخله يدق بوجع ويتنبأ لقدوم حدث لم يسرهم.
وصل إليها بعدما دارت عينيه في المكان، وما إن لمحها حتى ذهب أمامها ببسمة بشوش ووقف يمد يديه باحترام:
"إزيك يا دكتورة، نورتي شرم."
بادلته السلام بابتسامة باهتة لما حدث منه ثم سألته بعتاب:
"الله يسلمك يا دكتور. أنا زعلانة منك قوي، ينفع اللي حصل هنا مع إنك وعدتني قبل ما تسافروا الرحلة دي وقبل ما تعملها إنك هتحافظ عليها وهتخلي بالك منها، مش هتعمل فيها كده؟ تقوم تتخانق أنت وصاحبك وهي واقفة في الوسط وتخلوا سمعتها كده؟"
وأكملت عتابها بنظرة تدل على الخذلان منه:
"ما أخذتش منك على كده يا زيد، أنت وعدتني وعدين قبل كده ونفذتهم، ولو كان في موقف حصل اضطر إن أنت وهو تمسكوا في بعض كنت المفروض تبعدها خالص عن المكان وتتصرف، لكن ما يحصلش اللي حصل، أنا بجد مصدومة فيك."
ابتلع ريقه بخجل من ملامها ليبرر لها بصدق نابع من عينيه واستشفته هي بحنكة نظرًا لذكائها في قراءة من أمامها:
"والله يا دكتورة أنا بعمل كل حاجة بوعدك بيها. وعدتك قبل كده لما كانت بتذاكر للثانوية إني هبعد عنها وبعدت، ووعدتك لما بلغتك بقرار التدريس في الجامعة إني مش هحاول أضايقها بس هاخد فرصتي في إني اثبت لها نفسي إني استحقها، واستأذنتك بدون أي تطاول جارح ليها لا بالكلام ولا بالفعل ولا أعمل لها مشاكل، وأنا نفذت وعودي. حتى قبل ما نطلع الرحلة دي عرفتك على كل حاجة علشان مش حابب اللف والدوران عليها من وراكِ. وحضرتك دكتورة نفسية وتفهمي في نظرات العيون وتفهمي كمان في الأشخاص اللي قدامك إذا كانوا بيحوروا ولا لأ! أنا صادق جدًا في مشاعري وواضح جدًا، وعمري ما تصنعت شكل ولا أسلوب ولا طريقة."
وأكمل دفاعه عن حاله بيمين صادق:
"والله العظيم اللي حصل بمحض الصدفة من غير ما يكون له ترتيب، وكله ما تعداش الخمس دقايق وجودها في الفيديو، واللي كان بيصور استغل الخمس دقايق دول، وقبل ما أكمل مع البني آدم ده الخناقة قلت لها اطلعي على فوق، مش ذنبي والله كل اللي حصل تدابير القدر يا دكتورة."
رمشت بأهدابها وهي ترفع عينيها تنظر داخل عينيه وتختبر نظرات الصدق بهما ثم عاتبته بنبرة مملوءة بالحسرة لما حدث:
"للأسف كنت المفروض تتحكم في غيرتك قدام الشخص ده وتبقى أعقل من كده يا زيد، مامة الولد جاية في الطريق هي وجده، والمشكلة شكلها مش هتتحل بالسهولة دي لأن الموضوع بقى رأي عام لأنه شخصية مشهورة."
أقسم لها مرة أخرى:
"والله أنا وهي كنا واقفين في حالنا، بتكلم معاها عادي زي ما بتكلم مع أي طالبة، وبصراحة شدينا مع بعض شوية كالمعتاد وزي ما حضرتك عارفة، بصيت لقيته جاي قدامنا وحصل اللي حصل في الفيديو. مع إني لما شفتهم واقفين مع بعض وكانوا قاعدين قدام شط البحر بيتكلموا، قعدوا تقريبًا حوالي ساعة، ما تتصوريش حضرتك حالتي كانت عاملة إزاي وقتها، حرفيًا كنت بولع نار كانت قايدة فيا، لكن تماسكت نفسي جدًا علشان الوعد اللي وعدته لك، وقلت ما تعملش مشاكل ولا فضايح من أولها وبعدين أفهم منها في إيه، لكن البني آدم السمج ده هو اللي دخل ما بينا وهو السبب في ده كله."
اتسعت دائرة عينيها بذهول وهي تسأله بدهشة:
"هي ليلى ورسلان كانوا قاعدين مع بعض وبيتكلموا وساعة كمان؟!"
ثم قامت من مكانها بتعجل والقلق ينهش صدرها:
"معلش يا زيد وصلني لأوضة ليلى، لازم أفهم الموضوع. باباها على وصول وما ينفعش أبان قدامه مش فاهمة حاجة ولا عارفة حاجة عن بنتي."
وقف هو الآخر أمامها وهو يخبرها بصدق بما صدمها قبل أن تتحرك، فهو لم يسمح للظروف ولا المواقف أن تفرق بينهم:
"في حاجة مهمة عايز أعرفها لك يا دكتورة علشان تحطيها في اعتباراتك وأنتِ داخلة تحلي المشكلة دي، وكالمعتاد مش حابب أخبي عنك أي حاجة في أي تطور ما بيني وما بين ليلى."
وأكمل وهو يومئ بنظرات عينيه للأسفل بنظرة حزينة:
"ليلى النهاردة اعترفت لي إنها بتحبني، وسألتها إذا كان اعترافها ده في لحظة ضعف منها، أكدت لي إنها عمرها ما تنطق حاجة مش هتحس بيها. يا ريت يا دكتورة نتعجل بخطوة الارتباط وكل واحد وقتها هيلزم حدوده."
كانت تعلم بأن صغيرتها تعشقه وبشدة من أول مرة أخبرتها أنها حائرة وتراه أمامها في كل مكان حتى في أحلامها، منذ تلك اللحظة علمت أن صغيرتها عاشقة له، ولكن خطوة الارتباط ليست سهلة وليست مبنية على الحب فقط ولا على المشاعر المتبادلة بانجذاب بين الطرفين! بل هي خطوة لها قوانين وحسابات أخرى، فهتفت بتعقل:
"ما أقدرش أديك وعد بأي حاجة ولا أرد على كلامك حتى من غير ما أقعد مع بنتي وأفهم منها وأتكلم معاها، وبعد ما المشكلة اللي حصلت دي تتحل وقتها يا زيد هحط طلبك في الاعتبار وهنتناقش فيه أنا وأنت وهي لأول مرة مع بعض، بس أرجوك عايزة أطلع لها دلوقتي لأن أنا اتأخرت عليها زيادة عن اللزوم، وزمان مامة الولد هي كمان على وصول، وأكيد هنجتمع مع بعض كلنا، فممكن تروح تستريح وتريح أعصابك، وكل حاجة ما بينك وما بينها لسه بين إيدين القدر."
أومأ برأسه بحزن شديد وداخله ينبض بقلق عارم وأن القادم ليس لصالحه بالمرة، ونظرات عينيه تفطر القلوب فالحزن ارتسم على وجهه ببراعة.
أخرج هاتفه كي يتصل بصديقه يحيى، فهو يريد البوح بما في صدره من حزن عميق له، وإلى الآن هاتفه مغلق، فمسح على شعره بضيق شديد وتحرك يجلس أمام البحر والقلق والحزن هما سيدا الموقف معه، يكاد يحترق بنار تتآكل به وتنهش في صدره مما يشعر به.
*************
كانا يجلسان على متن الباخرة منذ ساعتين في ذاك الجو الرائع وهو يسرق معها من الزمن والظروف لحظات من رواق البال فهتف بدعابة:
"أحسن حاجة إن الواحد قفل تليفونه وأنت كمان، وبعدنا عن العالم اللي هناك دي، احنا مش جايين نتنكد، مش سايبين نكد في البلد وجايين نتنكد هنا كمان. أقول لك على حاجة، احنا المفروض نفضل هنا لحد آخر اليوم وبعدين نبقى نروح نشوف الدنيا وصلت لإيه ولا إيه رأيك يا نوري؟"
ابتسمت له بعينين عاشقة وهي تشجعه:
"أحسن حاجة فعلًا، بجد أنا كنت محتاجة الخروجة دي قوي بعيدًا عن المشاكل اللي بتحصل من ساعة ما جينا مع أصحابك."
واسترسلت حديثها وهي تنظر إلى المكان بسعادة وراحة اجتاحت أوصالها وهي تأخذ نفسًا عميقًا تستنشق به رائحة الهواء والبحر والطبيعة الخلابة حولها:
"وكمان المكان هنا جميل قوي والجو تحفة بجد، ما أنحرمش منك يا يحيى ولا إنك بتحاول تسعدني وتغير لي المود المقريف اللي بقى مصاحبني على طول."
كان يجلس أمامها مباشرة ويفصل بينهما تلك المنضدة، ثم قام من مكانه وسحبها برفق حنون من يدها وتحركا سويًا وصعدا سطح الباخرة يشاهدان صراعها مع البحر وهي تبحر مياهه بسلاسة وتواجه الريح ببسالة، ليتمسك كلاهما بالعمود الحديدي الواقف بالقرب من حافة الباخرة ليتحدث هو بانتشاء لوجودهم في ذاك المكان الرائع وحدهم ويحكي لها بصدق عن مشاعره:
"تعرفي إني نفسي أبقى زي السفينة اللي راكبين عليها دي، أبقى قوي ضد الأمواج مهما كان ارتفاعها وضد الرياح مهما كانت عاتية، وأواجه كل المشاكل اللي هتقابلني وياكِ بشجاعة علشان أثبت لك إن أنا فعلًا جدير بيكِ وإن أنا عايزك علشان نفسي نكون مع بعض مش علشان أي مبررات تانية عقلك يخيلها لك."
ردت بصوت يخرج بصعوبة من حلقها وهي تحاول تخبئة سحرها به وبالمكان وبوجودهم مع بعضهم الآن كي لا تفضحها عينيها:
"أنت حبتني بجد يا يحيى ولا أنا صعبت عليك وتجربتي الصعبة اللي أنا مريت بيها خلتك تشفق عليا وعلى حالتي وتفكر فيا كنوع من العطف عليا لأننا متربيين سوا ومفارقناش بعض؟"
اعتدل بوقفته وانتصب وهو ينظر داخل عينيها مؤكدًا عليها وهو ينظر إليها بوله:
"طب مش مصدقة عيوني وهي هتبص لك وتأكد لك إني بحبك بجد يا نور؟! ولا دقات قلبي في قربك ما تثبتش حبي ليكِ من غير كلام؟!"
وأكمل بنبرة عاشقة متيمة لها وهو يؤكد لها أنها معشوقته مرارًا وتكرارًا:
"أنتِ تتحبي قوي على فكرة يا نور وأنتِ اللي كتير على أي حد حتى أنا."
ثم نظر إليها بهيام وهو يريد بكل قوته أن يخرجها من حالة الكآبة والحزن:
"أنا اللي مربيكِ على أيدي. نسيتي إني أنا اللي علمتك الألف والباء؟ نسيتي إني كنت باخدك من إيدك وأوديكي الدروس وأنتِ صغيرة وأعدي بيكِ من الأماكن اللي كنتِ بتخافي منها؟ نسيتي إن كنت بسهر معاكِ ليلة العيد علشان أخدك من الصبح نصلي العيد مع بعض وما نسيبش بعض طول اليوم لحد ما النوم يفرقنا إجباري؟!"
بللت شفتيها الجافة وهي تنظر إلى السماء وقت الغروب ثم أخرجت ما تحمله من أوجاع منه في صدرها:
"أنت ما تعرفش إن كل الحاجات اللي أنت بتقول عليها دي محفورة جوايا، عمري ما نسيتها، بس اتوجعت منك قوي لما رحت خطبت مرة واتنين، كنت بتثبت لي إن أنا مش في دماغك غير أخت وبس، فقدت الأمل وعرفت إن أنت مش نصيبي ولا ينفع تكون حبيبي."
لعن حاله بدل المرة ألف على حزنها ويأسها منه وأنه جرحها ذاك الجرح الدامي لقلبها ومشاعرها الرقيقة لينطق معتذرًا بندم وهو يجذب يديها بين كفي يديه ويحتضنهما بعشق:
"حقك عليا يا نوري أنا أستاهل كل الحاجات الوحشة تحصل لي على إني خليتك تحسي الإحساس الصعب ده، بس والله أنا كنت شارد وما عرفتش قيمتك ولا إني بحبك إلا لما ضيعتيني، يمكن الاتنين اللي أنا خطبتهم وسابوني كان علشان خاطر ما شافوش في عيني لهفة عليهم زي لهفتي عليكِ، حقك عليا يا عمري."
تململ كف يدها بين يديه بحرج أحس به ولكن سألها بعينين تلمعان بابتسامة العشق وهو يحاول سحبها معه لعالمه:
"أنتِ إمتى عرفتِ إنك بتحبيني؟ أو الإحساس بالحب اتأكدتِ منه أي وقت بالظبط، ملهوف قوي إني أعرف؟"
أجابته بصوت هائم بنفس رعشة الشفاه مع ابتسامة سعادة ظاهرة داخل عينيها وهي تقرأ نظرات العشق في عينيه لترجع بذاكرتها إلى الوراء وقت أن تيقنت من عشقها له وبدأت تقص عليه بعينين زارتهما الابتسامة أخيرًا:
"من أول ما دخلت ثانوي كنت عند خالتو وأنت كنت لسه مبتدئ تدي دروس وكان عندك حصة وقتها وكنت مستنياك لما ترجع، التليفون رن وخالتو كانت مشغولة في المطبخ فأنا اللي رديت، وقتها كانت واحدة صوتها ناعم بنوتة وبتسأل عليك أنت فين ولازم تكلمها ضروري لما تيجي، سألتها عن اسمها قالت لي همس، ساعتها حسيت بنار قايدة في قلبي، أول مرة أحس بيها لما عرفت إن في بنات بتكلمك وإن أنت تعرف بنات غيري، وقتها شعوري وأحاسيسي كلها تجاهك اتنقلت في مكان تاني خالص، وأنا ما كنتش فاهمة ولا عارفة لحد ما بقيت أركز معاك وفي كل المواقف اللي بتحصل حوالينا من البنات، ولما كنت بتيجي تحكي لي عن صاحباتك اللي قابلتهم في الجامعة ولا اللي بتقابلهم في أي مكان في مطعم مثلًا، كنت بتقطع من جوايا وكنت ببقى عايزة أمسكك أخنقك ولا إن واحدة غيري تبص لك ولا واحدة تحاول تاخدك مني."
ثم أخفضت بصرها للأسفل وأكملت اعترافها بخجل ونبرة أقرب للهمس:
"من وقتها وأنا عرفت إن أنا بحبك يا يحيى قوي."
شاغبها بدعابة حينما رأى خجلها وهو يهمس لها:
"طب كنتِ لمحتي لي ولا اعملي أي منظر كده ولا تعالي قولي لي بحبك زي اللي لسه طالعة من بقك دلوقتي وخلتيني واقف قدامك مش على بعضي يا بنت قلبي وعمري."
حاولت نزع كفي يديها حينما شعرت بحرارة يديه بين يديها:
"طب سيب إيدي بقى وخلينا نرجع كفاية كده؟"
رفع حاجبه باستنكار لطلبها وهو مازال يشاغبها:
"آه أنتِ بتهربي يا ماما بعد الهمسات والنظرات والحرارات اللي اشتعلت والجو بقى غروب ورومانسي يعني طبيعة وبحر وهوى نقي ووجه حسن وأنا وأنت ولا حد تالتنا يعني فرصة رومانسية لن تتكرر مع اتنين عشاق وتقولي نمشي؟"
وأكمل وهو يغمز لها بكلتا عينيه بشقاوة:
"طب ما تسيبيني أكلل الاعترافات القمر دي مع الغروب فعلًا علشان اللحظات دي ما تتنسيش يا نوري، صدقيني هاخدك معايا للسحاب وهطيرك في عالم جميل."
اتسعت مقلتاها من كلامه لتغر فاها بدهشة ناطقة اسمه بذهول:
"هاااااااا؟ يحيى!"
نظر لها مضيقًا عينيه مصطنعًا عدم الفهم وقوس فمه بتسلٍ عندما شعر بخجلها مما أسعد قلبه وتحدث بوله:
"عيونه."
شعرت بقشعريرة سرت بجسدها من تأثرها بنظرة عينيه التي تتحدث عشقًا.
ثم حمحمت وتحدثت بصوت يكاد يسمع من شدة خجلها:
"بطل بقى شغل المراهقين ده ويالا نرجع وماتحاولش تستغل ضعفي يا بن خالتي."
"أموت أنا في الشراسة يا قلب ابن خالتك." قالها ببسمة خفيفة زينت محياه وأكمل وهو يشير بيده إليها أن تتحرك:
"يلا يا ملاكي الجميل أنا بشاغبك بس مش أكتر، أنا أحب أعمل كل حاجة في وقتها من غير استعجال علشان تتعمل بمزاج، وأنا أحب المزاج العالي يكون على الظبطة التمام، لما نرجع بقى من السفر أروح لخالتو ونظبط الكلام يا بنت خالتي."
وتحركا كلاهما للرجوع بعد قضاء تلك الأوقات السعيدة واختطافها من الزمن.
***********
"إزاي الفيديو ده حصل يا رسلان يا ابني، وإيه اللي خلاك تدخل خلاف زي ده فهمني يا حبيبي؟"
صاحت به والدته وهي تنظر بحدة إليه:
"هو أنت لسه هتطبطب يا بابا بعد البلاوي اللي شفتها في الفيديو؟ ده ولد مستهتر ومش واخد باله هو مين ولا ابن مين، وإن شاء الله هيبقى هو السبب في البلاوي اللي هتحصل لنا أنا وباباه."
هدر بها أبيها حينما رأى الحزن على وجه حفيده:
"اسكتي يا نعمات، لو هتلفطي وهتقولي كلام أهبل ما يحلش الموضوع يبقى تاخدي بعضك وارجعي لجمعياتك ومالكيش دعوة بالولد وأنا كفيل أحل المشكلة."
جزت على أسنانها بغضب من حدة والدها بها أمام ابنها ليعود النظر إلى حفيده وهو يربت على فخذه بحنو اعتاد عليه:
"احكي لي يا حبيبي ومش عايزك تضايق، أي مشكلة وليها حل بس أنت اطمن وماتخافش من أي حاجة ولا أي حد طول ما جدو حبيبك جنبك."
ارتمى رسلان في حضن جده وهو يقبله من رأسه قائلًا بامتنان:
"ربنا يخليك ليا يا جدو وما يحرمنيش منك أبدًا ولا من وجودك جنبي."
ثم خرج من أحضانه وبدأ يقص عليه كل شيء لينزعج جده معاتبًا إياه:
"ليه يا بني دخلت نفسك في المشكلة، أنت غلطان يا رسلان، ممكن يكون خطيبها أو أخوها أو ابن عمها وأنت ما تعرفش لأنك ما تعرفهاش ولا تعرف عنها حاجة، ودلوقتي المشكلة بقت كبيرة جدًا والدنيا مقلوبة وبقت قضية رأي عام."
أخفض بصره للأسفل ثم نطق نادمًا:
"أنا عارف إن أنا غلطان، بس يا جدو أنا استريحت لها وحسيت إن البني آدم ده بيترازل عليها فرحت غصب عني وحصل اللي حصل بس بدافع الجدعنة والله يا جدو."
ضربت والدته كفًا بكف وما زالت غاضبة منه:
"جدعنة!"
والله أنت هتجيب لي جلطة، أنا قايلة لك تجنب المشاكل العادية تقوم تتخانق مع بنت في مرة وتروح تتخانق مع واحد علشانها في مرة تانية، والفيديو جايبك همجي وبتاع سلطة وبتستخدم سلطتك على بنات الناس وشايفينك متحرش واللي شايفينك بلطجي. اقرأ الـ بتاع الناس يا أستاذ! إن ما كانتش المشكلة دي تتحل النهاردة باباك وضعه هيبقى خطير جدًا والدنيا هتتقلب على ابن الوزير المتحرش البلطجي وبتوع حقوق الإنسان هيتنططوا فوق دماغنا وهلم جر بقى.
نظر "رسلان" إلى جده نظرات استفهام وكأنه يسأله عن صدق حديث والدته ليحرك رأسه بأسى:
ـ كلام والدتك صح جدًا يا ابني، المشكلة كبيرة للأسف، ده غير الاتصالات اللي جت لوالدك بتهديد مباشر إن المشكلة دي لازم تتحل بأقصى سرعة على بكرة الصبح بالكتير.
ابتلع "رسلان" ريقه وزاغت نظرات عينيه بخوف لينطق بتساؤل:
ـ طب الحل إيه في المشكلة دي يا جدو؟
هنا أجابته والدته بحزم:
ـ مفيش غير حل واحد، أنت والبنت تعلنوا خطوبتكم وتتم الخطوبة فعليًا وهنعزم فيها كبار البلد والموضوع يتدارى على إنها كانت خناقة عادية بين واحد وخطيبته والناس اتدخلت في خصوصياتكم ونقلب الرأي العام لصالحنا.
سألها والدها:
ـ عندك حق يا بنتي، وكمان علشان سمعة البنت اللي هتروح في الأرض بسبب كلام الناس عنها، بس هتعملي كدة إزاي ويا ترى أهلها هيوافقوا على الحل ده ونلم الموضوع ده بسرعة علشان جوزك برده ما يتأذيش؟
أجابته سريعًا وهي تنظر له باستجداء:
ـ ما أنا كلمت مامت البنت وهي بعتت لي رسالة إنها وصلت وهنقابلها كمان نص ساعة بالضبط ومحتاجة حضرتك معايا يا بابا في إنك تقدر تقنعهم؛ لأنها شكلها مش ست ضعيفة ومش سهلة خالص.
حرك رأسه للأمام بموافقة:
ـ هو أنا أقدر أسيبك يا بنتي؟ أنا جنبك ما تخافيش، هقوم أصلي المغرب وبعدها نتوكل على الله وإن شاء الله الموضوع هيتحل والخطوبة هتتم.
كان سعيدًا لذاك الخبر ولهذا الحل ولم يعرف لِمَ السبب، وقلبه يدق بداخله بدقات لا يفهم معناها ولكن يشعر بالسعادة وداخله يردد "رب ضارة نافعة".
*****************
ـ إيه يا "ليلى" التطورات دي كلها وأنا ما اعرفش عنها حاجة كده برده تهز ثقتي فيكِ؟
أدمعت بحزن على كلام والدتها لها لتحاول التبرير:
ـ والله يا ماما كنت هكلمك لسه وأحكي لك على اعتذاره ليا وأخلاقه معايا وإنه طلع مؤدب خالص وكان موقفه معايا كان بسبب زهق من ضغط والدته عليه واعتذر لي كتير كمان وكان جنتل جدًا معايا يا ماما، وبعدين كنت واقفة أنا و "زيد" وشدينا مع بعض كالمعتاد وفجأة لقيت "رسلان" اتدخل وفكره بيضايقني وحصل اللي حصل.
نظرت إليها والدتها ونطقت بأسى:
ـ وطبعًا الولد الكاميرات محاوطاه من كل مكان من غير ما ياخد باله؛ لأنه شخصية مشهورة وهيعملوا ترند من وراه يجيب لهم ملايين في أي خبطة!
ثم أكملت بحزن على حال هؤلاء الشباب:
ـ للأسف بقوا اسمهم قناصين السوشيال ميديا واللي بسبب تدخلهم في حياة الناس بكل الطرق غير المشروعة لازم الناس تتدارى بعد كده وتلبس أقنعة علشان ما يبقوش عرضة للفضايح والقيل والقال! حسبي الله ونعم الوكيل في كل مؤذي!
ثم احتضنت ابنتها الباكية وقبلتها من رأسها:
ـ ما تقلقيش يا ماما أنا جنبك وبابي كمان وصل تحت أهو وهنجتمع مع الولد وأهله كلنا كمان دقايق علشان نحل المشكلة الجامدة دي وربنا يستر بإذن الله.
**********
بعد مرور حوالي ساعة كانوا مجتمعين في مطعم الفندق وبعد أن قضوا عدة دقائق في التعارف على بعضهم وتحدثوا في بداية المشكلة، تحدث "رسلان" باعتذار موجه إلى والدي "ليلى" كما فهمه جده:
ـ أنا بعتذر لحضراتكم جدًا بأسف شديد على اللي حصل مني تجاه الآنسة "ليلى" في الجامعة وإني ما امتصتش غضبها وهي بتخبط على عربيتي واتعاملت مع الموقف بعنف لا يصح أبدًا!
وأكمل بندم حقيقي:
ـ وأنا عارف ومقدر إن أسفي ما يعتبرش تصليح للخطأ الشديد ده بس ربنا يعلم إني كنت في حالة نفسية صعبة جدًا بسبب مشاكل عندي!
واستطرد شرحه للموقف وهو يوجه نظره إلى والدة "ليلى":
ـ والدكتورة عارفة كويس الإنسان لما بيخرج عن شعوره وبيبقى في حالة غضب شديدة بيبقى خارج عن الوعي، فأنا نادم جدًا وكمان اعتذرت للآنسة "ليلى" ومستعد لأي ترضية ترضي حضراتكم عن الشيء المخزي اللي حصل مني.
هتف والد "ليلى" لذاك الشاب الخلوق وهو يتقبل اعتذاره بصدر رحب:
ـ أسفك مقبول يا ابني ويسلم الناس اللي ربوك على إنك راجل تعتذر وقت الغلط؛ لأن الاعتذار من شيم الكرام، وأنتوا باين عليكم أهل كرم ومش زي ما بنسمع عن أصحاب السلطة.
هنا نظرت "نعمات" و "رسلان" إلى أبيها، ذاك الرجل الخلوق صاحب النصائح الجهبذية والمنقذ للمواقف الصعبة، وغير ذلك ثمرة تربيته في "رسلان" واضحة للجميع ليتحدث الجد أخيرًا:
ـ يمكن "رسلان" علشان طيب، اللي ماشيين وراه بالكاميرات عديمي الذمة والضمير مقتحمي الخصوصية هما السبب في اللي حصل، وإنهم استغلوا الموقف الأول وربطوه بالموقف الثاني وعملوا فضيحة كبيرة للولد والبنت والموضوع انتشر بطريقة صعبة ومخيفة، وللأسف مفيش غير حل واحد تسمعوه من راجل عجوز زيي!
وتابع رشده لهم ببشاشة وجه وهو يبسط الأمور:
ـ نعلن عن خطوبة الأولاد وإنهم مقري فاتحتهم ونعمل خطوبة كبيرة رد على الفضيحة الجامدة دي وبعدين يحلها الحلال.
انقبض قلب "ليلى" لذاك الحل المستحيل من وجهة نظرها وحدثت حالها وهي تنظر إليهم نظرات مشوشة:
ـ ماذا تقولون أنتم عن خطبتي لهذا الـ "رسلان"؟!
كفوا ألسنتكم واسحبوا هرائكم هذا! بحق الله لو حدث ما تقولون حتمًا سينهار عاشق مجنون وملتاع بهوى "ليلى" بريء أحبني بجنون وصار يتنفس عشقي حتى عبأ صدره كله بهوايا ولو خرجت منه حتمًا سيذهب إلى الجحيم!
لاااا والأدهى أنني علقته بحبالي واعترفت له بعشقي اليوم له وأذهب إليه غدًا بالفراق!
يا إلهي ساعدني يا إلهي أنقذ عاشقين سوف يفرقهم القدر، لقد كان منذ قليل ثائرًا كعاصفة شديدة تقتلع برياحها الأخضر واليابس من غيرته فقط علي، فماذا عن ارتباطي بغيره؟!
آااه "زيدي" يا لك من مسكين! يا لنا من مساكين! حتى فاقت على رأي أبيها الذي قضى على آخر ذرة عقل لديها وهو يردد لهم:
ـ الظاهر مفيش غير الحل ده علشان نردم على الفتنة دي.
ورددت عينيها الحزينة:
ـ لقد ضعتِ "ليلى" في رداء الهوى الكذاب، الويل لك "زيد"، الويل لنا.
رواية مشاعر موقدة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطيما يوسف
أو ع ما يكون اللي في بالي صح يا “زيد” علشان لو صح تبعد عنه خالص ؟
حرك رأسه بتأكيد
ــ هو يا أمي .
اتسعت دائرة عينيها بذهول لينطق لسانها
ــ ابن وزير التربية والتعليم ؟!
جز على أسنانه غاضباً من هلع والدته حينما استمعت إلى اسمه وتمتم بحدة
ــ ومالك خفتِ كده ليه يا امي يكش يكون ابن رئيس الجمهورية حتى هو ده اللي يفرق لك ؟
وضعت إحدى يديها في خصرها والأخرى على جبينها ومن ثمَّ مسحت على شعرها بغضب ثم تحدثت بنفس حدته
ــ اه طبعا يفرق لي انت ابني البكري؛ ابن عمري وخايفه عليك ومش هسيبك تضيع مستقبلك ولا انك تحط نفسك جوة المخاطر دي علشان خاطر واحدة هيجي غيرها ألف واحدة .
وأكملت نصحها وهي تجلس بجانبه وتنزع يديه المحتضنة لوجهه بحزن وهي تشجعه بقلب أم ينفطر على ولدها
ــ فوق لنفسك يا “زيد” أنا مش عايزه أخسرك يا ابني كفاية حالتك دي وكفاية اللي انت وصلت له لحد كده ؛ إنت عملت اللي عليك وخلاص الباقي عليها هي لو هي فعلا عايزاك وبتحبك .
وتابعت تشجيعها له وهي تربت على ظهره بحنو ثم جذبته إلى أحضانها برعاية وكأنه طفلاً ما زال في المهد صبيا
ــ اما هي شكلها حبت ابن الوزير واختارته فابعد عنها يا ابني وشوف غيرها انت اللي يتمنوك كتير اشمعنا دي اللي هتموت نفسك عشانها ؟
تمسك بأحضان والدته بشدة وكأنها أحضان الأمان ؛ أحضان الاستقرار ، الأحضان التي سيلقي بداخلها كل أحزانه وآلامه وأوجاع قلبه المنفطر ألماً لأجل عشقه الضائع وهو يصحح مفهومها عن عشقه لها وتعلقه الذي اصبح كالإدمان بها
ــ أه يا أمي ما فيش غيرها وما فيش زيها في الدنيا اساليني انا .
وأكمل بنبرة ساخرة على حاله
ــ انا اكتر واحد يعرف البنات كويس قوي وأكتر واحد كلمت بنات بكل الطرق اللي تتخيليها، وأكتر واحد أعرف اذا كانت “ليلى” في زيها ولا لا ،اعمل ايه غصب عني بحبها مش قادر انساها ولا قادر اتخيل انها ممكن تكون مع غيري عايزاني أنسى ازاي كده بكل سهولة يا امي ؟!
شعرت بالحزن الشديد لأجل وجعه فقررت الضغط على مكان ألمه لتضع يدها موضع قلبه وهي تدق على صدره بقسوه رغماً عنها كي تخرجه من حالته وتجعله يفيق
ــ الكلام ده لو كانت بتفكر فيك ؛ أو شايفاك من الأساس ،انت بقالك اكتر من سنك ونص بتجري وراها وهي في كل مرة بتصدك ،هي مش بتحبك يا ابني عشان تعلق نفسك بيها للدرجة دي وتضيع مستقبلك ونجاحك وشغلك وتقعد تندب وتقفل على نفسك اوضتك وانا اتحسر عليك وعلى شبابك الضايع بسبب انها مش شايفاك يا “زيد”جرى ايه يا ابني خرج قلبك من قوقعة “ليلى” دي بقى وعيش حياتك وصدقني هتنسى الأيام ياما بتنسي احبك محبوناش .
ما زال داخل احضانها متشبثا بها وحينما استمع الى كلامه خرج منها خائفاً من وصفها يترقب نظراتها لضياعه ولكن حينما ذكرت عدم محبتها له أكد لها بعيناي قوية
ــ للدرجة دي أنا في نظرك معدوم الكرامة يا ماما علشان أجري ورا واحدة مش واثق ومتأكد من حبها لا دي كمان اعترفت لي بإنها بتحبني وجداً كمان انتِ ما تعرفيش تفاصيل الموضوع يا ماما .
جحظت عينيها بذهول لما قال
ــ بتحبك واعترفت كمان ؟!انت عايز تجنني انت وهي يا “زيد” ولما هي بتحبك واعترفت اتخطبت لغيرك ليه يا ابني وعمال تبهدل في نفسك بالشكل ده ليه وتقهرني عليك ؟
تحدثَ بصوتٍ مهزوز وملامح مقهورة
ــ اتخطبت لغيري علشان عقاب ربنا ليا في الذنوب اللي انا عملتها ، اتخطبت لغيري علشان الظروف اللي حطيتها وحطتني في الموقف ، ده حضرتك لو بتقعدي على فيسبوك كنت عرفتي ايه اللي حصل وانها بقت ترند بسبب خناقة حصلت ما بينا انا وهي وابن الوزير وبسببها لازم يتخطبوا .
وأكمل بأسى وما زالت لمعه الدموع عالقة في عينيه تأبى بكبرياء أن تغادر مقلتاي ذاك الـ”زيد”
ــ وخلاص ضاعت يا ماما بعد ما كان أمل اللقا ما بيني وما بينها قرب وكنا خلاص هنفتح صفحة جديدة ؛ صفحة عشق “زيد” لـ”ليلى” وكنت هخطبها وهتجوزها وهنعيش انا وهي مع بعض وهنسى معاها كل الذنوب اللي انا عملتها وكانت هتبقى المغفرة اللي ربنا بعتها لي علشان اتوب على ايديها وأتبرأ من الآثام.
سألته بخوف
ــ فيديو ايه ده وانت بتتخانق مع واحد زي ده ما خفتش على نفسك وانت بتعمل كده ؟
طمئنها بروح منهكة
ــ ما تقلقيش يا امي انا ما فيش خطر عليا في أي حاجه الولد لما سألت عنه عرفت إنه مسالم جدا ومش بتاع مشاكل ومش عايش الدور إنه ابن وزير ، وانا أصلا مشكلتي ما كانتش معاه لكن دخل فيها مجرد ما خطب “ليلى” وهنا بقى هتبتدي الحـ.ـرب اللي بجد .
شهقت برعب وهي تضـ.ـرب يدها على صدرها مانعة إياه
ــ حـ.ـرب ! ابعد بقى عن الموضوع ده طالما بقت مع غيرك ورضيت بالحل السهل ومتعبتش علشان تدافع عن وجودك في حياتها زي ما انت تعبت وعافرت يبقى كفاية قووي لحد كده ، ابعد عنها يابني وعن الولد ده أبوس ايدك .
واسترسلت بتخوف
ــ مش كل مرة الولد هيفضل مسالم ومانع أهله عن أذيتك وطالما عافر علشان تبقى معاه يبقى مش هيسبها لك .
هتف بنبرة حـ.ـارقة لوالدته وهو ما زال يبرر لها
ــ يا ماما انا لسه مسمعتش مبرراتها هي أكيد اتغصبت أنا هتكلم معاها وهشوف حصل كدة ازاي ، وقدرت إنها تعمل فيا كدة ازاي وتكون مع غيري وهي بتحبني ؟
إلى هنا ولم تستطيع التحمل لسذاجته أكثر من ذلك فعـ.ـنفته لأول مرة منذ أن أصبح شاباً بصوت مملوء بالحدة والتحذير لما سيفعله
ــ انت بتخرف بتقول ايه انت ؛ ازاي تفكر تقرب من واحدة مخطوبة وبقت مع غيرك ده قمة قلة الدين .
وأكملت بذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي تتبع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ــ انت متعرفش إن “لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه” وإنها دلوقتى لا يجوز شرعاً ولا عادات ولا تقاليد انك حتى تقرب منها ولا تكلمها ، كفاية بقى ولا تسمع مبررات ولا يحزنون واقفل الموضوع ده على كده لو سمحت يا ابني إحنا مش عايزين فضايح ولا بهدلة لينا وراك على أخر الزمن .
واسترسلت بقهر على حالته
ــ احنا بقينا في زمن التشهير بحياة الناس وسمعتهم علشان خاطر الزفت الترند اللي لسه قايل عليه ، وكمان الولد شخصية مشهورة والعين كمان بقت عليكم في الجامعة .
وأكملت بقسوة في النصح كي تحافظ عليه
ــ أنا بأمرك دلوقتي لو شفتها ماشية من الشرق تمشي انت من الغرب ولو لقيتها واقفة في اليمين تروح انت في الشمال ، واعمل حسابك لو جريت لنفسك المشاكل يا “زيد” بسببها قلبي وربي غضبانين عليك لو هي خليت وعايزاك نبقى نروح لها بالأصول والصح لكن أي قرب منك ليها دلوقتي يبقى قمة الغلط وقلة دين وأخلاق ، انظبط بقى وكفاية شرود وقلة احترام لربك ولدينك طول حياتك لحد كده واستقيم علشان ربنا يشفى قلبك وعقلك يا ابن عمري .
بعدما استمع إلى كلماتها وتحذيراتها ازدادت أوجاعه داخل صدره بما يكفي ويفيض وهو يشكو لها بعينيه
ــ لم يا أمي تلك القسوة في نصحي فأنا عشقتها بكل جوارحي ؟!عيني لاترى إلا برؤية عينيها ، وأذناي لاتسمع إلا نبضات قلبها ، وروحي دوماً متلهفة لقربها ، ونفسي وعقلي يتنفسون قربها ، لما قُبلت كل محاولاتي معها بالفشل والابتعاد عني ؟لما لم تكن “ليلى” لـ”زيد”ـها وفرقنا الزمان ونفرتها الظروف مني ؟!لما كل شئ معها منذ عشقي لها يتفقان معها على صدِّي ؟!ألا لعنة الله على الظروف والمواقف والمحاولات الفاشلة التي وقفت جميعها في افتراق “ليلى” لكل جوارحي وأصبحت ضدي ،أعدك يا أمي أني بعد الآن سأستقيم فكل جوارحي ماتـ.ـت بابتعاد ليلتي ، فالعين ستحرم رؤية غيرها ، والقلب لم يدق سوى لعشقها ، والأذن لم تسمع صوت أنثوى بعد سوى صوتها ، أقسم لك برب السماء أني بعد الآن لا أرى ، لا أسمع ، لا أتكلم مادامت “ليلى”لم تكن لي ، فأنا الآن أصبحت راهباً ، نافراً، لجنس حواء وكفاني شوقي لعينيها سيروي ظمئي للعشق بقية عمري .
ثم ارتمى في أحضان والدته وهربت الدموع المتحجرة من مقلتيه رغماً عنه على كتفها ، حقا فهو عشقها حتى الموت من غيرها ، فاللعنة لك عشق “ليلى” كل اللعنة .
************
ــ انا اعترفت له بحبي يا مامي وأنا مكنتش اعرف إني هكوم مع غيره والظروف هتجبرني أبعد عنه، زمانه بيقول عليا خاينة ، زمانه كرهني يا امي .
وأكملت وهي تشهق دموعاً غزيرة في أحضان والدتها نظراً لمشاعر الأنثى الرقيقة داخلها
ــ انا جرحته وتعبته وقهرته أوووي وأنا عارفة قهر الرجال صعب ومميت ، وعمره ما هيسامحني ولا هيعرف يعيش بسببي .
ثم خرجت من أحضانها وهي تنظر داخل عينيها وتلقي اعترافاتها على والدتها بما أدهشها
ــ فاكره يا مامي لما كنت بقول لك انا ما اعرفش يعني ايه حب ، ومفهمش يعني ايه اعرف ان الانسان اللي قدامي ده بيحبني ولا لا ؟لكن انا بقول لك دلوقتي انا عرفت وتأكدت ازاي ؛ نظرة عينيه ليا كأني بالنسبة له أمنية كبيرة بل أهم أمنية في حياته اني اكون ليه ، كلها خوف عليا من أي حاجة تمسني ؛ ومني إني أبعد وما يشوفنيش تاني أو أسيبه ؛ خوف على قلبه ومشاعره إني أجرحه ، نظراته كلها ليا كانت بتأكد لي إن أنا بالنسبة له العالم والدنيا وكل حاجة حلوة ومن غيري مش هيعرف يعيش ولا هيعرف يكمل انا مش عارفة لو عيني جت في عينيه بعد كده هواجهه إزاي ؟!انا موجوعة قوي يا ماما قوي فوق ما تتخيلي ، ما كنتش اعرف ان الحب بيعمل كده !
انفطر قلب والدتها لاجل شعورها المتخبط داخلها فقد انغرست صغيرتها في رحلة العشق الممنوع بل تيقنت انها تعشقه بشده فعينيها يملاها الحزن بطريقه لا توصف لاول مره تراها عليها ولكن فكرت بذكاء كالمعتاد مع ابنتها لتحاول تهدئتها
ــ شوفي يا لولا حبيبتي ربنا خلقنا في الدنيا مش علشان نعيش مرتاحين طول عمرنا ولا علشان ما نتعبش ونعافر علشان نوصل للحاجة اللي احنا عايزينها علشان لما تبقى بين ايدينا نحافظ عليها كويس قوي دي حكمة ربنا في في الدنيا لما قال “ولقد خلقنا الانسان في كبد”يعني هيفضل في مشقة ، وكمان معروف إن الإنسان في الدنيا دي برده ما بيختارش حاجة كل ظرف وموقف والحياة كلها من تدابير ربنا سبحانه وتعالى وطبعا دي حاجة صعبة جدا على الإنسان ان هو يتحملها لأن الدنيا تحملها بشهواتها ومغرياتها مسألة معقدة جدا ربنا قال في كتابه العزيز “إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ”يعني عرض الدنيا دي على الأرض والسما والجبال ورفضوا ان هم يحملوها وشفقوا على نفسهم منها وابتعدوا وعرضها على الإنسان وقبلها وكان ظالم وجاهل لنفسه لأن التحديات فيها شاقة جدا .
وتابعت تشجيعها ببث قوة الإيمان بأقدار الله وإرادته داخلها
ــ بس بقى اللي بيفرق هنا اللي إيمانه قوي واللي إيمانه ضعيف ، وانا يا بنتي ربيتك على إنك تبقي قوية ، مش عايزاكِ تضعفي يا “ليلى” مش عايزاكِ تستسلمي ؛ من حقك تحبي ومن حقك تختاري اللي إنتِ بتحبيه ومن حقك تكوني معاه .
وأكملت بحنكة وسرعة بديهة لتفهم الموقف بطريقة اعتادت عليها تلك العبقرية نظراً لمهنتها
ــ إنتِ تعرفي ان ربنا ما بيعملش حاجة وحشة أبداً وان اللي عمله معاكِ انتِ و”زيد” هيثبت قد ايه حبكم كان ينفع يكمل ولا لا ؟هنشوف اذا كان هيقدر يصمد قدام انك خلاص ما بقيتيش معاه وانك اتخطبتي لغيره هيرجع لنفس الطريق اللي كان فيه ولا لا ؟ولا هيتغير ويبقى حاجة جديدة مستقيم فعلاً ولا هييأس بعد ما يتيقن من ضياعك ؟كان لازم اختبار قوي جداً زي ده لـ”زيد” وسبحان الله الظروف اللي عملت الاختبار ده مش بتدابير من ايدينا ولا باختلاق لمواقف ولا أي حاجة تخصنا كله من عند ربنا .
ثم بررت لها الأسباب الواضحة كي تقنعها وتجعلها تهدأ
ــ أول حاجة علشان يختبر مشاعرك ويشوفك بتحبيه ولا لا ، تاني حاجة يمكن لما تتعاملي مع “رسلان” تفتكري إن “زيد” كان حب مراهقة وتحبيه ومن حقك على فكرة إنك تختاريه هو لو قلبك دق ومال ناحيته لأن “زيد” كان محاصرك من كل اتجاه فبالتالي قلبك وعينيكِ ما شافوش غيره ،ومن حقه هو كمان على نفسه إنه يستقيم وده الاختبار اللي هيخليه يعرف اذا كان هيرجع للي كان فيه بعد ما يكتشف ان انتِ ضعتي من ايديه ولا لا، علشان كده انا عايزاكِ قوية زي ما انا ما معلماكي وزي ما انا ما متعودة منك تمام يا بابا .
ما زالت اللهفه والوجع ينخران في صدرها وحتى بعدما اقتنعت بمبررات والدتها ومحاولة طمئنتها إلا أنها أخفضت عينيها للأسفل وسألتها بخجل
ــ طب بعد اذنك يا ماما انا حابة ان انا اعتذر له وشايفة ان من باب الذوق والأخلاق ان انا لازم أعرفه الظروف من غير تفاصيل،و ما تقلقيش مش هقول إن الخطوبة صورية أو أي حاجة لأني انا عارفاه ممكن في أي موقف يحصل في الجامعة يتعصب ويقول عادي علشان يغيظ “رسلان” بس علشان انا اعترفت له بحبي وهو دايماً كان بيقدرني فلازم أعتذر له .
وضعت كفاي يداها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتاي صغيرتها وتحدثت بحب صادق ظهر بيناً داخل عينيها وهي تشجعها
ــ طبعا يا ماما الاعتذار واجب أنا كنت هقول لك أصلا تعملي كده لأن ما ينفعش إنسان ادانا مشاعر وكان مهتم جداً لدرجة انه وافق يشتغل في الجامعة علشان بس يثبت لك ان هو جدير بيكِ وبعد كمان ما افصحتي له عن مشاعرك وفي الآخر نسيبه كده تايه اعتذري من غير ما تدي أي وعود فهماني يا “ليلى” ؟ودايما يا بنتي في كل علاقاتك ما تديش وعود لحد إلا لما تكوني واثقة ومتأكدة انك قدها وإن الظروف مش هتقدر تخليكِ تخلفي الوعد علشان ما نبقاش من المنافقين اللي الرسول صلى الله عليه وسلم قال عنهم اذا وعد أخلف .
هرولت إليها وارتمت داخل أحضانها الحانية وتحدثت وهي تتمسح بها بحنو
ــ انا بحبك قوي يا مامي ربنا يخليكِ ليا ،بجد إنتِ الدليل اللي بيرشدني عن التوهة في طريقي ، انتِ كل حاجة حلوة في حياتي يا مامي ربنا يخليكِ وما يحرمنيش منك ابدا .
ضمتها أكثر تلك الحنونة وقربتها لصدرها وتحدثت بنبرة محبة لابنتها
ــ ولا منك يا حبيبة مامي ده دوري تجاهك و واجب عليا يا حبيبة قلبي وعلشان لما تبقي مامي جميلة في يوم من الأيام تعملي مع أولادك كده زي ما انا ما بتعامل معاكِ بالظبط بكل حب وهدوء ونقاش راقي ربنا يخليكِ ليا انت واخوكِ وما يحرمنيش منكم ويبارك في عمركم يا حبايبي .
************
يهبط الأدراج بطلته الشامخة ومظهره المنمق كالمعتاد وقبل أن يذهب إلى عمله دلف إلى والدته كي يلقي عليها تحية الصباح ويطمئن عليها ويتبارك بها قبل أن يذهب إلى عمله وجدها تجلس أمام التلفاز تشاهد أفلامها العربية القديمة فهي تعشقها بشدة مقبلاً رأسها باحترام
ــ صباح الخير يا أمي ، عاملة ايه ، انا رايح الشغل عايزه حاجة قبل ما امشي ؟
ضيقت نظرة عينيها ثم رمقته بنبرة هادئة بعدما ردت صباحه
ــ صباح النور يا هاشم يا ابني أيوه اقعد عايزاك في حاجة مهمة.
نظر في ساعته وجد أنه متأخراً اليوم على غير عادته فسألها
ــ حاجة مهمة ولا إيه يا ماما ، اصل انا النهاردة متأخر لو ينفع تتأجل لحد ما اجي تمام ؟
زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل وهي تنظر على هيئته من أعلاه لأسفله وهتفت بنبرة ساخرة
ــ ما انت من ساعة ما اتجوزت الكونتيسة وما بقاش عندك وقت تقعد مع امك ولا تشوفها بقيت اشوفك زي الضيوف بالضبط ،لا و ايه كمان بقيت تأخرك عن شغلك وتاخدك تسهرك بره وترجع انت وهي في انصاص الليالي اما لما امك تكون عايزاك وعايزه تقعد تتكلم معاك شوية تستعجل وتقول شغل ومش شغل وانت لابِد جنبها بعد ما تيجي من الشغل تخرج لك ساعتين وتيجي تلزق فيها .
تأفف بحدة لحديث والدته الصباحي المزعج له لينطق بتبريء لتلك المسكينة النائمة على تختها فوق
ــ أوووووف يا أمي، بقى علشان مرة واحدة من ساعة ما اتجوزنا خرجتها واتعشينا برة من بقى لنا شهور متجوزين وتقولي كل يوم بخرجها يا ماما حرام عليكِ !
مطت شفتيها بامتعاض وهدرت به
ــ اه خش في عبي يا ولا آمال سفرية شرم الشيخ دي كانت ايه يا عين أمك كنتو رايحين في رحلة علاج ولا انا مش واخده بالي ؟!
وتابعت بسخط
ــ وكل يومين والتاني رايح عند اهلها ده انا ما بشوفكش انت وهي تنزلوا تقعدوا معايا زي ما انت بتروح تقعد مع اهلها .
رفع منكبيه باستكانة وبنبرة تقطر دفاعاً تحدث شارحاً
ــ اهلها مين يا ماما اللي انا بروح اقعد معاهم !انا ببقى نازل لاصحابي وباخدها في طريقي تروح تشوفهم وتطمن عليهم وانا ما ببقاش معاها ده انا ما رحتش عندهم من ساعة ما اتجوزنا في الشهور دي كلها تلت اربع مرات على بعض .
أشارت إليه أن يجلس مرة أخرى بعدما قام منتوياً الذهاب إلى عمله آمرة إياه
ــ اقعد كدة متستعجلش على مفارقة مجلس امك يا ابن بطني ،الله يسهل لك انت وهي يا اخويا انت هتاكلني علشان بنصحك تخلي بالك من شغلك وما تخليش جري النساوين وسهوكتهم ياخذوك في دوكه وتنسى مشاغلك اللي تعبت فيها من وانت عيل صغير،وأكملت متسائلة إياه بحنق
ــ هي الحلوة بقى لكم داخلين على ست شهور اهي ما شفنالكمش بشارة حمل يعني ولا حاجة ده اخواتك الله أكبر عليهم اذا كانوا البنات ولا الصبيان من تاني شهر بشروني اشمعنا انت يا نن عيني أنا عايزه أطمن عليك وعلى خلفك زي ما اطمنت على اخواتك وشايفاك عاجبك دور العريس اللي ما زهقتش منه والسهوكة بتاعه مراتك المدلعة قولي شكلها لا لها في الخلف ولا يحزنون ومش في دماغك الموضوع ده.
نظر لها مضيقاً عيناه وقوس فمه ناطقاً بتعجب
ــ يوه يا امي خلصنا منها هتتجوز امتى عشان عايزه افرح بيك لـهتخلف امتى وهلم جر ،طب وهي الحاجات دي يا ماما بايد مراتي ولا بايدي ؟!
الحاجات دي بايد ربنا وقت ما يبعت لنا رزقه في الخلفة هنقول لا يعني هي برده ما لهاش ذنب وبعدين يا أمي احنا لسه ما بقلناش ست شهور زي ما انتِ ما قلتي،ثم قام من مكانه مستئذناً سريعاً قبل أن تدخل في أحاديث أخرى كالمعتاد عن زوجته وحياتهم وهو لا طاقة له أن يستمع إليها غير ذلك كفاه اليوم ما سمعه منها
ــ بعد اذنك انا عايز امشي بقى ومستعجل على الشغل وربنا يسهل.
ودعته بنبرة ساخرة ، ثم انتوت على أن تتحدث مع زوجته في ذاك الموضوع فهو الحديث معه لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يجعل بالها يرتاح وستستغل فرصة نزولها اليوم في أي وقت وستحادثها ،بعد مرور عدة ساعات وبالتحديد في الساعة الواحدة ظهراً كانت “حنين” تهبط الأدراج هي الأخرى وهي تنتوي الذهاب إلى والدتها بعدما استأذنت من زوجها كي تتناول معها الإفطار فهي تستيقظ من نومها متأخرة كعادتها منذ أن تزوجت ولابد أن تمر على حماتها قبل ان تغادر أي هذه هي تعاليم “هاشم” من باب المعرفة فقط حتى يكونوا مطمئنين عليهم كما أخبرها قبل ذلك ”ـ صباح الخير يا ماما ، عاملة ايه ؟
أجابتها بنبرة باردة
ــ صباح النور يا “حنين” ، بخير نحمده .
لاحظت ارتدائها لملابس الخروج فسألتها بتدخل
ــ على فين العزم ان شاء الله ؟
أجابتها بنية صافية
ــ رايحة عند ماما شوية وهرجع على طول مش هتاخر انا استاذنت من “هاشم” بس قلت انزل اطمن عليك قبل ما امشي .
رفعت حاجبها لما استمعت اليه ثم تحدثت بنبرة صريحة وطريقة جامدة
ــ هو انت يا حبيبتي مش كنتِ عند امك امبارح وأول امبارح هو كل يوم ولا ايه ؟ولا انتِ مفكرة إن الجواز كل يوم خروج ودخول !إذا كان جوزك مشغول في شغله ومش واخد باله من الحاجات دي فأنا واجب عليا انبهك ان كده عيب ما ينفعش انتِ بقيتي ست متجوزة ومش كل يوم والتاني رايحة عند امك مش شايفه سلايفك فوق كل واحدة فيهم ليها يوم عند أمها بتروحوا كل أسبوع غير كده لازمين بيتهم وشايفين أمورهم وأحوالهم مستقرة اما انتِ حالك مش عاجبني .
انزعجت “حنين” من اعتراضها على طريقة حياتها فهي وزوجها أحرار فيما بينهم ولكن ردت بأدب فهي مهما كانت أم زوجها ولها حق الاحترام مهما قالت
ــ كل واحد حر يا ماما يمشي حياته زي ما هو مرتاح وعايز سلايفي عندهم ولادهم ومشغولين بيهم اما انا ببقى لوحدي اكتر الوقت عشان “هاشم” في شغل طول النهار وما بيرجعش إلا بعد نص الليل فبروح لماما شوية أفك عن نفسي مع اخواتي ايه العيب في كده يعني ؟
وكأنها الفرصة أتت لها على طبق من ذهب لتنطق على الفور بما صدم “حنين”
ــ حلو قوي جيتي لي في نقطة مهمة كنت عايزة أفاتحك فيها ،ايه اللي ما خلاكيش تدوري على الحمل والتأخير لحد دلوقتي وانتم متجوزين بقى لكم ست شهور مش واخدة بالك انك اتاخرتِ زيادة عن اللزوم ؟
ابتلعت غصة مريرة وهي تستمع إلى تلك الكلمات المريرة التي أشعلت النار داخل صدرها وتحدثت بتساؤل واستغراب
ــ طب انا في ايدي ايه اعمله يا ماما كل حاجه وليها وقتها لما ربنا يريد انا ذنبي ايه ؟
لوت شفتيها بامتعاض وهي تحدثها بجبروت دون أن تراعي مشاعر تلك المسكينة
ــ اه ذنبك يا حبيبتي انك مش فاضية تشوفي حالك في ايه وتروحي للدكتور بدل ما انتِ رايحة لأمك كل يوم والتاني ومش سائلة في نفسك ،مش الواجب عليكِ تروحي يمكن يكون فيكِ حاجة لا سمح نلحقها في الأول كده قبل ما الموضوع يتعقد .
ثم أكملت بقسوة في الحديث
ــ ويكون في معلومك انا ابني سليم 100% راجل ابن راجل زي ابوه واخواته ما يعيبهوش حاجة وانا واثقة ومتأكدة من كلامي يعني لو كان في عيب للتأخير يبقى منك انتِ فتتشطري كده وتاخدي أمك ،أو تاخدي جوزك وتروحي تشوفي ايه اللي مأخر الحمل الشهور دي كلها ، انا عايزه اطمن على ابني واشوف عوضه زي اخواته .
تحدثت بدموع متحجرة داخل عينيها وهي تشعر بالإهانة من تلك الكلمات التي القتها على مسامعها بكل قسوة وبشاعة دون ان تاخذها رأفة لتلك الـ”حنين” لتنطق بهدوء وهي تسحب حقيبتها وتغادر المكان
ــ حاضر يا ماما هبقى اروح للدكتور واشوف عن اذنك .
أجابتها متهكمة بكلمات خرجت من بين أسنانها بحدة
ــ اذنك معاكِ يا حبيبتي وما تنسيش اللي انا قلت لك عليه .
خرجت الأخرى بدموع تلتمع في عينيها ويبدو ان الدموع هي طريقها منذ ان أقدمت على هذا المنزل،ما عليكِ “حنين” فهذا اختيارك وهذا شأنك من البداية فلتتحملي كل العواقب فليس الزواج كقصور الجنان وليست كل الأزواج كالفرسان وليست كل الحموات أمهات، فلتصمدي أمام كل العواصف حتى تصلي إلى طريق هادئ ثم بعدها تستريحين عزيزتي .
***********
في القسم الخاص بكلية الصيدلة بعد ان بارك الجميع لـ”ليلى” و”رسلان” على إعلان خطوبتهم كما اتفقوا على كل شيء حينما تقابلوا في الجامعة وهم يسيرون بجانب بعضهم أمام الجميع ، وأخيراً تركهم الجمع الذي كان حولهم ثم طلب منها
ــ ممكن نقعد مع بعض نص ساعة بس يا “ليلى” عايز اتكلم معاكي شويه معلش .
حاولت تهدئة أعصابها من التوتر والقلق في جلستها معه فهو ليس له ذنب هو الآخر في التفرقة بينها وبين “زيد” فهو لم يعرف عنها ولا عن علاقتهم ببعض شيئاً ، وهي لم تُعامل أحداً في يوم من الأيام بطريقة حادة فهي تربَّت على الءوق لتجيبه برقي يليق بتلك النقية
ــ تمام ما فيش مشكلة بس ممكن نقعد في المكتبة علشان ما بحبش جو الكافيتريات ولا بحب ألفت الانتباه ليا في أي مكان .
تبسم بحالمية لها فهي تشبهه في أمور كثيرة ليشير بيده وهو يعاملها كالأميرات
ــ اتفضلي مولاتي الأميرة “ليلى” نروح للمكتبة مكان جميل وهادي .
لانت ملامحها وشعرت براحة اجتاحت روحها لحديث ذالك الراقي في معاملته الفريدة لها التي وصلت لأعماقها وتوغلت في روحها فهي تحبذ دوماً تلك العلاقات المبنية على الذوق الرفيع ،حينما وصلوا إلى المكتبة سبقها إلى تلك الطاوله وجذب الكرسي كي تجلس عليه بكل اهتمام ووقار وهو يردد بترحاب
ــ اتفضلي يا برنسيس .
ابتسمت برقة لطريقته معها ثم جلست على الكرسي وهو جلس أمامها متسائلاً اياها
ــ تحبي تشربي حاجة او تحبي تفطري اجيب لك اي حاجه يعني تاكليها في السريع شكلك لسه ما فطرتيش ؟
أجابته بهدوء وخجل
ــ شكرا جدا يا “رسلان” بس انا ماما مش بتخليني انزل من غير ما افطر وكمان مش بتحبني أكل من بره وببقى جايبة معايا المج الحراري في قهوتي اللي بحب اشربها لو انت حابب ممكن نشربها مع بعض ؟
تقبل عزيمتها بصدر رحب بل طريقتها تلك سهلت عليه البدء في الحديث معها بما يريد ليحرك رأسه للأمام مع ابتسامة واسعة غزت ملامحه زادته وسامة على وسامته
ــ طبعا اشربها معاكي هو انا طول عزومه البرنسيس ليلى ليا ده انا يزيدني الشرف والله اني اشرب معاكِ من نفس اللي انت بتشربي منه ،ثم أكمل بنبرة مرحة للغاية جعلتها تكتشف به الخفة المقبولة للغاية
ــ يلا ناوليني ايغاها كي اتمزج بصنعها أيتها الجميلة الرقيقة.
ابتسمت برقة بالغة لطريقته الجميلة معها ثم أخرجت المج الحراري وأخرجت معه كوبان من البلاستيك الصالح للمشروبات الساخنة فهي دوماً تأتي بكوبٍ زائد لعل إحدى صديقاتها تتناول معها المشروب ثم بدأت بسكبه وناولته إياه ،أما هو حينما تناوله منها كان ينظر في عينيها نظره متأثرة بوجوده معها ليلمس أصابع يديها دون قصد منه وحينما حدث ذلك أحس بشعور جميل توغل جسده وكأن لمسته لأصابعها الصغيرة كـماس كهربائي جعل جسده يهتز داخله بتأثر ، أما هي خجلت بشدة وسحبت يديها فأخذ منها الكوب وتذوقه بشهية ثم تحمحم برجولة وهو يشكر صنيع يديها
ــ ايه الظبطة التمام للقهوة دي يا لولا حقيقي طعمها هايل اعملي حسابك تجيبي لي منها كل يوم معاكِ وتبقى قهوة الصباح اللي بتظبط الدماغ من ايد ست البنات .
حركت رأسها بخجل من ذوقه وحديثه وطريقته الهادئة معها لتشكره بذوق مماثل
ــ شكراً جداً ده من ذوقك والله.
قوس فمه بطريقة مازحة جعلتها تعجبت لينطق هو بدعابة
ــ هو ايه اللي كل شويه شكرا ايه يا ماما هو انت قاعده مع خالتو ولا عمتو بتشكريهم على اي حاجة ،وأكمل بصوت أجش ونبرة راجية وهو ينطق اسمها برجولة
ــ ” ليلى” ممكن ندي بعض فرصة ان احنا نفهم ونعرف كل حاجة عن التاني وننسى إن احنا اضطرينا نعمل خطوبة ، ممكن تسيبي نفسك وقلبك في خلال الفترة دي معايا يمكن ربك مغير القلوب يآلف قلوبنا على بعض انا بجد محتاج آخد الفرصة دي منك قوي يا “ليلى” ،وأكمل بنظرات مترجية وعيون تنطق غراماً بها فهو منذ أن حلم بها وهو يراها ملاكاً جميلاً أرسله الله إليه كي يبدأ معها رحلة عشق هادئ وجميل كشخصيته
ــ مش عايزك تكوني قافشة قوي كده وانتِ قاعده معايا او لو حصل أي موقف واضطرينا نقعد مع بعض ، نفسي بجد إنك ما تكونيش خايفة ومضطربة وتعملي حساب لأي حد حوالينا غير نفسك وراحتك وبس ،من الآخر انا عايزك تطمني يا “ليلى” في العلاقة البدائية اللي بيني وبينك لأنك لو اطمنتي وحسيتي بالأمان يبقى أنا كده قدرت أعبُر أول طريق هدنة ما بين قلبك وقلبي .
ابتلعت لعابها بخجل من حالها فكيف لها أن ترد على ذوقه معها وكلماته الراقية بأن تكسر له قلبه بصدها فهو خلوق للغاية في الحديث معها ، راقي لأبعد الحدود ، غير مسيطر من بداية علاقتهم ببعض ، ولكن أجابته بصدق عما يجيش في صدرها
ــ بصي يا “رسلان” يا ريت من البداية بيني وبينك تعرف ان انا مش بميل في العلاقات بسهولة أرجوك حاول تتحكم في عواطفك ومشاعرك وانفعالاتك العاطفية معايا علشان الخطوبة هتنتهي في شهور قليلة ومش عايزه أنهيها وانا مسببة لك جرح كبير يوجع قلبك أرجوك ما تخلينيش أحس بالذنب تجاهك .
تحمحم لينظف حنجرته عله يستطيع إخراج صوته بعد سماعه لكلامها والذي يبدو ان محاولاته البدائيه لجذبها اليه لم تؤتي ثمارها وبالفعل تحدث
ــ صدقيني يا ليلى انا عمري ما هقدر ااذيكي ولا اطالبك بحاجة تجاهي انتِ مش حاسه بيها انا ما ارضهاش على رجولتي ما مرضاش اني أكمل معاكِ بعد كده وانتِ مش حاسه بيا ولا راضية بالعلاقة بيني وما بينك .
في تلك النقطة قام عقلها وقلبها معا بمقارنة بينه وبين عاشقها الذي دوماً كان يردد أمام عينيها مرارا وتكرارا انها لها وأنه لن يتركها وأنها مهما صمدت ستكون له وستعشقني ودوما كان يردد لها بأن الزيد لليلاه والليلى لزيدها ولكن نفضت عن حالها ذاك الفكر وهي تجيبه بكل هدوء
ــ اكيد “رسلان” وأكيد كمان ربنا مخبي لنا حاجات كتير احنا مش عارفينها واللي عايزه ربنا في العلاقة ما بيني وما بينك هو اللي هيكون وانت ربنا يريح بالك وقلبك دايما يا رب .
تبسم برجولة مهلكة لأي فتاة ثم نطق مداعباً إياها
ــ بصي هو بعد الرقه في الكلام دي وبعد الدعاء الحلو ده فانا احب اقول لك انا متمسك بيكي قوي يا لولا والتذهب الرجوله الى الجحيم بصي انا بجد سعيد ان احنا فتحنا قلبنا لبعض ومرتاح جدا للعلاقه الهاديه دي ومرتاح جدا لتفهمك للموقف وانك وقفت جنبي اصلا مجرد وقفتك جنبي بانت ليكي في قلبي حاجات كثير قوي يا ليلى وانا بجد عايز اخذ فرصه في قلبك ومش محتاج منك غير تفتحيه وما تحاوليش تصدي الفرص اللي هتجمع ما بيني وما بينك بامر من القدر ،وأكمل بصوت هائم بها وهو يعترف لها
ــ تعرفي إن أنا حلمت بيكِ ، ومش بس كده انتِ كمان مديتي ايدك وحضنتِ ايدي وقلتي لي في الحلم ان انا عمري ما هسيبك وهكمل معاك بس انت استقيم صدقيني يا “ليلى” كل كلمه بقولها لك خارجة صادقة من قلبي ،وأكمل بنبرة متأثرة باحتياجه لوقوفها بجانبه وارتباطها به وهو يتعمق النظر في مقلتيها مسحوراً بها
ــ وأنا من يوم ما حلمت بيكِ وانا قلبي اتعلق ، ومن وقتها صوتك ، وصورتك ، وكلامك ، وملامحك البريئة مبيفارقوش بالي ، حسيت انك ملاك بعته لي ربنا ولازم اتمسك بيه .
يا الهي نفس الكلام الذي يقوله لها زيدها دوماً ، نفس النظرات الهائمة بها ، نفس العيون المسحورة باقترابها ،ولكن ليست نفس دقات القلب ولكن كلامه أصابها برعشة غريبة اجتاحت أوصالها وهزت مشاعرها المقيدة بعشق “زيد” وتلك الرعشة سببت القلق داخلها ،وفي نفس المكان كان يشاهدهم عاشق مجروح ينظر عليهم بنظرات من شدتها لأحرقت الأخضر واليابس ، حيث كان يجلس في المكتبة يراجع بعض الأبحاث التي تنفعه في محاضراته وكما أنه متطلع دائماً لكل جديد في علم الكيمياء ويحبذ القراءة فيها كثيراً وكان لديه محاضرات اليوم ولكن متأخرة قليلاً فقرر أن يذهب إلى المكتبة كي يقرأ ويراجع كتاباً قد شاهد إحدى صفحاته على تطبيق الفيسبوك صدفة وقرر قراءته والاطلاع عليه وعلى المعلومات التي تنفعه بداخله ،منذ أن دخلوا إلى ذاك المكان وهو كان يقف يعطيهم ظهره يبحث عن الكتاب وما ان التفت حتى انقبض قلبه حينما وقعت عيناه عليهما كان يجلس والنـ.ـيران تتأجج داخله بشدة يشعر بأنه يحـ.ـترق كلياً ، ينظر عليهم بحسرة يريد الذهاب إليها وجذبها من يديها ولكم ذاك المتداخل بينهم يريد أن يمسكها من يدها ويقول لها أمام الجامعة بأكملها أنها له وأنها تخصه ولكن “زيد” ليس كل ما يتمناه المرء يدركه وتلك الوعود الذي اعطاها لوالدته هي التي تقف سداً منيعاً عنهم وكما أنه لا يريد اختلاق المشاكل لها ولكن كان داخله يتحدث إليه ويجبره على الشكوى بصمت قاتـ.ـل دون ان يفتح فمه
ــ اتجلسين معه ليلتي ، تبتسمين له وتعطيه إشارات الود بعينيكِ الساحرتين !لما ليلتي تفعلي بها هكذا، أتعطيه مشروباً صنعتيه بيدك، اتحكين له عن يومك وتشكين له همك ؟!لما يا القدر مازلت تعـ.ـذبني لما جعلتني أراها معه ، لما كسرت بخاطري لما ؟!يا الله ارحم عبداً يتذوق مرارة عشق من ليس له ،ثم قام من مكانه و قرر مغادرة المكتبة فهو لم يتحمل مكوثهم أمامه وهم يتحدثون كعاشقين فداخله ينفطر بل يتقطع ألماً ،رأته نعم لقد رأته وهو يفرد طوله ويتحرك بجانبهم فدق قلبها بوتيرة سريعة ، دقات تلو دقات عنـ.ـيفة هزت جدار جسدها ، ثارت مشاعرها المحتاجة للحديث معه والوقوف أمامه وان تشتم رائحته التي وبفضلها منذ أن علقت بيديها وردائها في أول لقاء ومواجهة بينهم في منزله وظلت معاها إلى أن وصلت منزلها أيام وأيام تفكر به كلما اشتمت رائحته داخلها وعينيها تطالع عينيه ، حقا لقد شعرت بالوحشة لك زيدي ، اللعنة عليكِ أيتها الظروف الحمقاء في ابتعاد حبيبي عني ورؤية انكساره أمامي ،رآها “رسلان” قد تصنمت عينيها على شئ ما فاندهش لذالك فتلقائياً أدار رأسه كي يرى على من تنظر ليجده ذاك الدكتور الذي كان يقف معها ، فتقابلت ثلاثية الأعين بنظرات مختلفة بينهم ،وقرر “زيد” بعد أن رأوه أن يذهب إليهم بشجاعة أذهلت كلتاهما وهو يبارك لهم بشعور والله كأنه مذبـ.ـوح ولكن ساعة الأقدار تعمى الأبصار ، خافت بشدة من اقترابه منهم أن يفتعل مشاكل معهم ككل مرة ولكن صدمت حينما استمعت إلى مباركته بصوته المنكسر ولكن قامته وعينيه تنظر إليهم بشموخ ،كان في قمة أناقته ببذلته السمراء وطوله الفاره وشعره المصفف بحرفية ورائحته العطرة بشدة التي أغمضت عينيها أمامهم وهي تعبئ بها صدرها قدر المستطاع مما جعل كليهما يفسر غمض عينيها على هواه لينطق أخيراً بنبرة جامدة
ــ مبروك الخطوبة يا شباب .
أجابه “رسلان” بذوق يماثل ذوقه
ــ الله يبارك فيك يا دكتور ، عقبالك .
أما هي فتحت عينيها وتقابلت نظراتهم ولم تستطيع الرد عليه لتومئ برأسها للأسفل حينما قرأت نظرات الخزي منها في عينيه ،انطلق سريعاً بقلب ممزق ومشاعر موقدة تمتلئ من الوجع والغيرة ما يكفي ويفيض ،أما هي استئذنت منه بأعجوبة كي لا يكشف أمرها وذهبت إلى محاضراتها ومما أدهشها ولم تكن تعلمه انها محاضرته هو عليهم ،كان يقف في المحاضرة يلقيها بحرفية أمامهم ويتهرب من نظرات عينيها ممتنعاً رغما عنه بكبرياء عن النظر إليها مما جعله تشعر بوجعيته وانفطر قلبها لحالته ،بعد أن انتهت المحاضرة والتي كانت بمثابة جلسة العذاب لكليهما حتى حمل أوراقه وحقيبته وفر هارباً من أمامها فكفاه وجيعة طيلة تلك الساعتين المنصرمتين ، وذهب إلى مكتبه واغلق الباب خلفه ورمى حقيبته ثم جلس على الكرسي يستند برأسه وهو يحاول انتظام أنفاسه التي كانت محبوسة بالقرب منها فهو جاهد حاله بشده على ان يستكين امامها ولكن لا القلب رحمه ولم يدق لها ولا العقل انتهى عن التفكير بها ولا الجسد المفكك باقترابها لملم حاله المبعثر ،وبعد قليل استمع الى دقات على مكتبه فأذن للطارق بالدخول فإذا به ينصدم من رؤيتها أمامه ليتشنج جسده وتتصلب مشاعره في لحظة حاسمة فارقة بينهم وقبل أن ينطق لسانها نطقت عينيها بوحشة وعي تتذكر أحد أبيات الشعر
وﷲ إنَّ الشَوقَ فاقَ تحمُّلي يا شوق رِفقًا بالفؤادِ ألا تعي؟
” مُنِعتُ عَنِ التَسليمِ يَومَ وَداعِها فَوَدَّعتُها بِالطَرفِ وَالعَينُ تَدمَعُ وَأُخرِستُ عَن رَدِّ الجَوابِ فَمَن رَأى مُحِبّاً بِدَمعِ العَينِ قَلباً يُوَدِّعُ عَلَيكِ سَلامُ اللَهِ مِنّي تَحِيَّةً إِلى أَن تَغيبَ الشَمسُ مِن حَيثُ تَطلَعُ ،
قرأ نظرات عينيها فخفق قلبها ولكن أغمض عينيه كي لا يضعف أمامها ، كي يبث لسانه وعقله القوة أن يتحملان لحظات اقترابها حتى استمع اليها تقول بلهفة بعدما أعطاها الإذن بالدخول و أشار إليها بيديه ان تجلس
ــ ازيك يا “زيد” ، عامل ايه ؟
أمسك لسانه بتملك عن نطق وحشتها له دائما كما كان يردد على مسامعها ونظر داخل عينيها وتحدث بعيون ترقرق بها قطرات الدمع قائلاً بجمود اصطنعه بأعجوبة بجواب أذهلها و صدمها
ــ و انتِ مالك يا آنسة بحالي.
كانت تنظر له بقلبٍ يتمزق وعيونٍ جاحظة غير مصدقة ما تراه أمامها من جسد متصلب وأذنٍ تتمنى عدم تصديق ما تستمع إليه من جمود شديد أذهلها ولم تتوقعه بعد ثم تحدثَت بصوتٍ مهزوز يخشى أن ينصدم أكثر
ــ حقك عليا يا “زيد” ، حقك على قلبي ، حقك عليا في وجعك ، وقهرتك مني وبسببي .
ابتلعت لعابها بمرارة لما تشاهده من كم الألم الذي يظهر بعينيه ويمتزج بصوته ونظرات عينيه الملامة لينطق هو بوجع يملأ العالم بأكمله مما جعل لمعة الدمع ظهرت في عينيها على حالته التي تنفطر لها القلوب
يتبع…..
رواية مشاعر موقدة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فاطيما يوسف
حقك عليا يا “زيد”. حقك على قلبي، حقك عليا في وجعك وقهرتك مني وبسببي.
ابتلعت لعابها بمرارة لما تشاهده من كم الألم الذي يظهر بعينيه ويمتزج بصوته ونظرات عينيه الملامة. لينطق هو بوجع يملأ العالم بأكمله مما جعل لمعة الدمع تظهر في عينيها على حالته التي تنفطر لها القلوب.
“عملتِ فيا كدة ليه يا “ليلى”؟ كسـ.ـرتي قلبي وشتتي روحي وسودتي الدنيا في عيوني أوووي ليه؟”
وأكمل بعينيه تنطق ملامة قاسية وهو يستنكر أسفها.
“وجاية تقولي آسفة؟”
“هي للدرجة دي الكلمة دي في وجهة نظرك هتصلح اللي انكـ.ـسر جوايا منك؟”
فركت كفيها معًا بتوتر بالغ وارتجفت قدميها بشعور غريب اجتاح جسـ.ـدها. ولم تعرف بما تجيبه. وها هي تستجمع قوتها وتجلس أمامه تتهرب من أسهم عينيه المتربصة لها. وتهمس بتعلثم وأسف.
“حقك على قلبي يا “زيد” والله كان غصب عني. اضطريت أنا وبابي ومامي للخطوبة. مكانش في حل قدامنا علشان سمعتي وعلشان شكلي قدام قرايبنا أعمامي وأخوالي مبقاش البنت السيئة.”
واسترسلت بعينيها زائغة وهي تشعر بالقلق والتوتر الشديد من رد فعله.
“وكمان علشان “رسلان” ملهوش ذنب إن باباه ومامته يتضرو وسمعتهم وشغلهم كان هيتدمروا. والله العظيم انت فاهم “رسلان” غلط وإنه سئ ووحش لكن هو…”
لم يدعها تكمل ما قالت حتى دق على سطح المكتب بحدة أرعبتها وهدر بها بعينيه تنطق شراراً. وكاد قلبها أن يهوى بين قدميها من شدة غضبه واحمرار عينيه اللامعتين بنـ.ـيران لو اشتعلت تكاد تحـ.ـرق الأخضر واليابس.
“رسلان”؛ “رسلان”! وزفت إيه بقى يا شيخة إيه بقى؟ عملتِ في حسبتك ضرر الباشا وأهله وحوارات قرايبك وكل اللي حواليكِ وأنا ومشاعري واحساسي اللي بيمـ.ـوتوني بالبطئ بسببك مش في حساباتك يا هانم؟”
ثم وضع القلم من بين أصابعه التي تتحرك أمامها بهوجاء وأنزل عينيه عنها وتمتم باقتضاب وهو يكمل لومها من قسوة مبرراتها.
“التمستي الأعذار لكل اللي حواليكِ وكلهم صعبوا عليكِ وخفتِ عليهم وعلى شغلهم ومنظرهم وحياتهم وأنا أولـ.ـع بجـ.ـاز ولا أروح أموت علشان أريحك مني ومن محاصرتي وتعيشي وتتجوزي الباشا ابن الباشا.”
حركت رأسها برفض قاطع لما يقوله. ناظرته بعينين رافضتين للفهم الخاطئ وهمست برجاء مبطن.
“أرجوك يا “زيد” بلاش تعمل في نفسك كدة. أنا والله العظيم بنهار من جوايا ومش قادرة أشوفك كدة ولا قادرة أعيش حياتي ولا أنام ولا أكل ولا أشرب ولا أذاكر.”
وأكملت بصوت مختنق من ذكره لسيرة الموت وهي تناهه بنبرة مرتعبه.
“بلاش كل شوية تقول أمـ.ـوت أنا والله العظيم ما هتحمل يجرى لك حاجة بسببي. أنا اعترفت لك بحبي وفي نفس الوقت قلت لك متستناش مني وعود أنا مش قدها. أنا مخدعتكش ولا وهمتك أنا كنت واضحة وصريحة جداً معاك علشان مش حابة أجرحك ولا أتعبك.”
انتصب بهدوء وسار حتى أصبح على مقربة محدودة منها وتمتم بقسوة وهدوء.
“لا برافو كلام مقنع يا “ليلى” هانم. إنتِ دايما الملاك اللي مش بيغلط ولا يدوس على حد.”
ثم تخلى عن هدوءه وهو ينحني أمامها ناظرًا بداخل عينيها. يتمتم بنفس القسوة التي اكتسبها قلبه وعقله من قسوتها عليه دومًا.
“هو انتِ كدة مجرحتنيش لما رحتي اتخطبتي له وهتلبسي دبلته في ايديكي وأنا بقالي سنتين بحاول معاكِ وبجري وراكِ وبعافر وغيرت الوحش اللي في حياتي كلها علشان خاطر عيونك لما تكوني قدامي أبص فيهم بقوة ونفس راضية اني عافرت واتغيرت علشان حبي وبدل ما أبص في عيونك وأنا مكسور من أخطائي أبص لهم وأنا متيم بغرامي اللي عافرت علشان أنوله؟”
ثم تصنع الصمت والهدوء لعدة ثوانٍ يستوعب فيها أنها أصبحت لغيره وابتسم بجفاء متابعًا.
“جالك قلب تقعدي معاه وتتكلمي وتبتسمي وتدلي قهوة عاملاها بإيديكي إزاي يا “ليلي”؟”
ثم ضـ.ـرب على سطح المكتب وأخيرًا تخلى عن نبرته الباردة والصوت الهادئ وهدر بها.
“يكون في علمك إنتِ كده خاينة يا “ليلى” خاينة.”
نظرت إليه باندهاش فأكمل بوجع يملأ العالم بأكمله.
“أيوه متبصليش كده وتستغربي من وصف الكلمة علشان ده احساسي ووجعي اللي انتِ وصلتيه لي من ارتباطك بغيري. كلمة بحبك اللي انتِ قلتيها لي لوحدها عهد بالبقاء وإن قلبك بقى ملك قلبي. نظرة عيونك اللي شفتها بدل المرة ألف وهي مغرمة بيا عهد ليا بإنهم ملكي ونظراتهم مخصصين ليا بس يعني هيخونوني لما تبصي له وتقعدي لوحدكم ويحق له يبص فيهم ويحب فيهم كمان ما هو لما هيصدق انتِ بقيتي خطيبته.”
ثم اقترب منها مرة أخرى بدون حسبان وهو يعتبر خارجًا عن الوعي وهو يجذب كف يدها المرتعشتين ويحتضنهم بين كفاي يديه بتملك مما جعلها ترتعب من اقترابه وهيئته وشعور الاختناق الذي أصابه. وأكمل.
“حتى ايدك دي اللي هيمسكها علشان يحط الرباط القوي اللي هيجمعك بيه ويحل له بعد كدة إنه يكلمك ويحب فيكِ ويقول لك الكلام اللي هيموت ويقوله ويوريكي الغرام اللي يشدك بيه ناحيته من حقي أنا يا “ليلى” من حقي علشان محدش يحسسك بإحساس لمسة الحب والدفا ورعشة الكفوف لما يسكنوا بعض غير لمستي أنا وقلبك ومشاعرك مش هيتهزوا لحد غير “زيد” يا “ليلى”.”
أخرجت حروف اسمه بتأنٍ ونعومة تستطيب حلاوتها بفمها وروحها قبل خروجها له. وكأنها تهمس له بعشقها الجارف له وتؤكد له صدق كلماته ككل مرة ودفاعها عن أبسط حقوقها به ألا وهو بأكمله. وخرجت الكلمات المبررة لكلماته من بين أسنانها برهبة من ردة فعله.
“زيد” انت فاهم غلط والله دي مجرد خطوبة بس وهو مش بيحبني ولا هيقول ولا هيعمل أي حاجة من اللي في بالك ولا في خيالك. مفيش بينا أي مشاعر ولا كلام من ده خالص والله العظيم. الحوار كله محتاج حبة صبر. شوية وقت وبعدها ربنا يعمل اللي فيه الخير. بس والله العظيم يا “زيد” أرجوك تهدى وتفهم اني مش بمشي أوزع مشاعر حب على كل واحد هيقول لي كلمتين حلوين. بس بردوا مش عايزة أديك وعد بأني ليك وأنا مش عارفة القدر ولا حكم ربنا في حياتي بس جيت أطمنك وأعتذر لك.”
مسح الآخر على خصلاته الفحمية وخرجت ضحكة متهكمة من شفتيه القويتين تبعها مستكملًا باقي آلامه الموجهة لها من فؤاده ليلوم قلبها الذي أحبه ولا يزال يحبه بل ولن يتوقف يومًا عن حبه.
“صبر! بطلوا ده واسمعوا ده يا عالم.”
وأكمل بصوت عالٍ هادرًا بها وقد فقد قدرته على تحمل حديثها أكثر من ذلك.
“أكتر من كدة صبر؟ طب إزاي؟ أنا جريت وراكي شهور وسنين. عملت المستحيل علشان خاطر أثبت لك اني فعلاً أستحقك. بقى عايزاني أصبر والهانم رايحة جاية معاه وبيسيب لك عيونه الزرق وأصبر؟ عايزاني أتحمل وأصبر وانتِ على اسم غيري ومن حقه يكلمك في التليفون ويسهر مع حضرتك الليالي يتغزل في جمال الهانم وعيونها اللي دوبوه؟”
“بأي حق وأي قلب عايزاني أصدق كلامك الأهبل ده. مختوم أنا على قفايا أو دق عصافير علشان معرفش إن البيه ابن الباشا بيحب الهانم.”
واستطرد نهره بنفس الحدة وهو يبتلع غصته بمرارة.
“البيه اللي من أول ما بصيت ليه وهو قاعد قدامك في ثانية عرفت واكتشفت انه عاشق وولهان قدام الأميرة “ليلى”. أنا خبرة يا هانم وأفهم في الحوارات دي جامد.”
وأكمل محذرًا إياها.
“وعايز أقول لك إنك مش هيقدر علشان إنتِ بتحبيني ومش بس كده انتِ بتتنفسيني يا “ليلى” بجري جوة عروقك. مشاعرك اتولدت على ايدي. مش هتقدري تشوفي راجل غيري ولا قلبك هيدق لراجل غيري. ولا لسانك هيعرف ينطق كلمة ‘بحبك’ غير ليا أنا بس. عايزة تتخطبي لي وتلبسي دبلته وتعلقيه بيكِ أكتر وانتِ مش هتقدري تديه حاجة متملكيهاش إزاي؟ عايزة تحطمي قلب كمان معاكِ ليه يا “ليلى” انطقي ليييييه ومشاعرك وقلبك واحساسك مكبلين بعشق “زيد”؟ اهربي يا “ليلى” قبل فوات الأوان وقبل ما تخسريني علشان مقبلهاش على رجولتي وكبريائي إني أكون على الرف أبداً. اهربي قبل ما تعلقيه بيكِ أكتر وانتِ قلبك مش في ايدك وكل حاجة وأي حاجة تغور في ستين داهية واختاريني مرة واحدة في حياتك يا “ليلى” في الوقت الضايع قبل ما أضيع وانتِ كمان هتضيعي وهو كمان هيضيع علشان انتِ بتحبيني أنا فاهمة بتحبيني أنا.”
لم تسعفها الحروف لتخرج لتوقف سيل طعناته الخبيرة التي تُغرس بمهارة بمضغتها الباكية. ولم ترأف بها الدموع لتهطل وتهدئ من ألم نيران كلماته الناشبة بصدرها. بل وجدت نفسها تستقبل قسوته وجفائه وغلظة حديثه بعينين شاخصتين به وملامح مقتضبة دون المزيد. وهو يعريها أمام نفسها لتنخرط في بكاء غزير وهي تتذكر وعد أبيها لهم. فهي ضعيفة لن تستطيع الصمود أمام كل تلك العواصف. لتنطق بما صدمه.
“مقدرش يا “زيد” غصب عني والله العظيم مقدرش. انت متتصورش الجيران حوالينا شكل ما يكون صدقوا. وعمتي اللي ما صدقت كلمت ماما وقالت لها هي دي بنتك المتربية بنت الناس تبقى على الملأ كده. بابا وماما بسبب اللي حصل معايا وبيتقال عليا موجوعين وبلغوهم انه قاري فتحتي والخطوبة كمان أسبوع. مينفعش ارمي كل ده ورا ضهري علشان حبة صبر منك.”
وأكملت بنحيب وهي تعترف له مرة أخرى دون الشعور بالذنب تجاه “رسلان” فخطوبتهم صورية وليس له عليها أي حق ودموعها الغزيرة تنهمر على وجنتيها.
“أنا أضعف من إني أعمل كدة. أنا بحبك انت والله العظيم وانت عارف ومتأكد من ده. ارجوك اتحمل علشان خاطري طول عمرك معايا معطاء للحب والصبر بلا حدود.”
تهدج صدره بألم وملامحه انقلبت ساخرة وهو يسألها.
“بتراهنيني على صبري يا “ليلى” في اني اشوفك معاه عادي وأصبر؟ اشوف نظراته المغرمة بيكي واتحمل؟ اشاهد حفلة خطوبتكم العظيمة اللي الإعلان عنها مغرق السوشيال ميديا؟ اسكت عن كلام الناس وتعليقاتهم عن قصة الحب الأسطورية لابن الوزير وصديقته في الجامعة التي عشقها منذ أول لقاء بينهم ومنذ أن تلاقت أعينهم؟!”
وأكمل وهو يجز على أسنانه غاضبًا.
“قاسية أنتِ أووي، ومش أي قساوة. روحي يا شيخة ربنا يسامحك على قلبي ووجعي بس أنا مش مسامحك ولا دموعك دول أثروا فيا علشان أنا مصعبتش عليكِ. أو جايز محبتنيش كفاية لدرجة تخليكي تدافعي عن حبنا بكل قوتك. أو أنا ساذج لدرجة خلتني اصدق لآخر لحظة انك هتيجي تقولي لي خبر الخطوبة ده غلط.”
تنفست بصعوبة وكأنه سحب جميع الأكسجين بالغرفة من حولهم. وتمتمت بعدم تصديق لما ردده الآن.
“يعني إيه يا “زيد” انت مش مسامحني. والله أنا بحبك انت وهو مفيش أي حاجة هتبقى ما بينه وبينه. افهم بقى أوضح أكتر من كدة إيه.”
ثم نظرت داخل عينيه تستعطفه بكل ما أوتيت من قوة.
“أرجوك يا “زيد” اعذرني. أرجوك أنا مش قد اللوعة والحيرة ولا قدك ولا قد لومك ولا قد شوقك ولا أنا قد الحاجات دي كلها ولا حتى قد جرحك مني. أنا لسه في بداية المشاعر سنة أولى في الحب والعلاقات. يعني طفلة مشاعرها اتولدت على ايدك والطفل لا يلام وبيصبروا عليه وهو بيتعلم وبيطولوا بالهم كمان. أنا بترجاك.”
ما زال على نفس غضبه ليهدر بها ثانيًا دون مراعاة لدموعها. فقلبه يشتعل نـ.ـيراناً شديدة هوجاء لهيبها يحـ.ـرق روحه بشدة. وهو يضـ.ـرب بقبضتيه على المكتب أمامه وكأن تلك الحركة المصاحبة له منذ أن دلفت هي الوحيدة للتعبير عن وجعه.
“عايزاني اعمل كده إزاي وانتِ مخطوبة لواحد غيري ما بقاش من حقي افكر فيكِ ولا ابص عليكِ ولا حتى من بعيد ولا اني اشوفك في خيالي. شفتي وصلت بينا لدرجة إيه. عايزاني اصبر إزاي و أخلي قلبي يحبك وانتِ بقيتي لغيري. انتِ ما تعرفيش شرعي ربنا اللي انتِ علمتيه لتلميذك النبيه يا استاذة يا عظيمة أعملها إزاي دي ردي؟”
تنفست بصعوبة وكأنه سحب جميع الأكسجين بالغرفة من حولهم. وتمتمت بوجع وهي تترجاه.
“طب انت بتزعق قوي وبتعلي صوتك وبتخوفني أكتر ليه كده حرام عليك بجد؟”
مسح الآخر على خصلاته الفحمية وخرجت ضحكة متهكمة من شفتيه القويتين تبعها مستكملًا باقي آلامه الموجهة لها من فؤاده ليلوم قلبها الذي أحبه ولا يزال يحبه بل ولن يتوقف يومًا عن حبه.
“الصوت العالي من واحد مجروح حبيبته بين ايديه بعد اعترافها بحبها ليه وهتروح لغيره بكل بساطة أقصى حاجة يقدر يعبر بيها عن وجعه.”
ثم أدار جسده للناحية الأخرى بعيدًا عن مرمى وجهها وهو يأمرها بالمغادرة. فليست جلستهم ذلك تؤتي ثمارًا نافعة فلا تسمن ولا تغني من جوع لوجعه وحل لمشكلتهم بل زادته حيرة وألمًا على آلامه.
“اتفضلي روحي شوفي حياتك وطلعيني بره حساباتك. ما تقلقيش مش هضايقك في أي مكان ولا هقف قصادك في أي حوار نهائي ولا هعمل لك مشاكل. أنا كبريائي وكرامتي ورجولتي عندي أهم من أي حاجة في الدنيا وأهم من إني أوطي نفسي وأذلها قدامك أكتر من كده وأنا ليا ربنا وأنا وقلبي هنعرف نطبطب على بعض ونداوي بعض بعيد عنك يا “ليلى”. مع السلامة.”
بعدما استمعت إلى كلماته اللائمة لها اهتزت مقلتاها ببسمة شاحبة ورجفة وصلت له وجعلته يشيح ببصره عنها بكبرياء حتى يظل على موقفه معها. مما جعله يفترس شفتيها المرتجفتين وتحمل وجعها وروحها المشـ.ـتعلة التي خابت ظنونها به. وتخطو نحو الباب دون حرف واحد. ولكنها توقفت قبل خروجها بعدة خطوات واستدارت ببطء كعجوزٍ كهلة. وأبصرته بنظرة مخيبة للآمال ونازفة للتوقعات. وهمست ضاغطة على حروفها.
“أنا بتوجع زيك بالظبط ويمكن أكتر كمان علشان أنا محطوطة في ظروف صعبة. بس الفرق بيني وبينك ان انت قوَّام عني هتقدر تتحمل وتصمد. أما أنا ربنا معايا.”
تابع خروجها بعينين حزينتين على ما وصلا له وقلبًا يتقلب على الجمر مكورًا قبضته بعنف راغبًا بلكم ذاته على ما اقترفه بحقها وما جعلها تعيشه الدقائق الماضية. ثم أسند رأسه على الكرسي مغمض العينين. تأبى دموعه أن تهبط على وجنتيه بكبرياء وداخله يتصارع معه بل يلومه ولكن دون صوت وهو يحدثه بعتاب صارخ.
“صَدَقُوكَ أيها الحب بأن عذابك أمر عذاب للمحبوب وكل الأحباب. آه قلبي المعذب، كيف نفرت حبيبتك، قسوت عليها، لم ترعى دموعها، ولم ترأف بها؟ كيف فعلت هذا بـ”ليلتك” “زيد”؛ كيف أدمعتها وكيف آلمتها حتى وإن آلمتك؟ كنت تمسك بيديها لا تتركها لحزنها فهي روحك وقلبك بل وأنفاسك. آه ربي على هذا العـ.ـذاب في ابتعاد “ليلى” عني وقربها من غيري ارحم قلبي يا الله من العـ.ـذاب فلترحم قلبي من ألم البعاد انه لإحساس موجع يدمي روحي وقلبي وكل كياني فلتغفري لي قسوتي عليكِ “ليلى” سامحيني وسامحي لساني على جُرحك الكبير حبيبتي.”
“أنا جايو لك علشان أخطب “نور” لـ”يحيى”. البنت تمت عدتها من بقى لها كذا شهر و”يحيى” بيحبها وعايزها وكفاية عليها تعب ومرمطة لحد كده من جوازتها الشوم اللي فاتت.”
ابتلعت شقيقتها ريقها بعدم تصديق لما استمعت إليه لتسألها بتأكيد.
“انت بتتكلمي بجد “يحيى” عايز يخطب “نور”؟”
عقدت شقيقتها حاجبيها بتعجب لذهولها.
“اه مالها “نور” لما يخطبها “يحيى” ناقصها إيه علشان تتجوز وتحب وتتحب وتعيش حياتها من أول وجديد مع واحد يصونها ويحافظ عليها؟ ومش هتلاقي أحسن من “يحيى” ابن خالتها اللي مربيها على ايديه وهيقدر يحميها ويسعدها يا اختي وانتِ عارفة كده.”
نطقت شقيقتها بحيرة وهي تحكي لها عم يؤلمها ويؤرق صدرها على صغيرتها.
“انتِ مش فاهماني يا ام “يحيى”. الموضوع مش زي ما انتِ ما متخيلة. الست البشعة حماتها ما بتبطلش مراقبة ليها في الرايحة والجاية وكل شوية يلقحوا عليها ويلسنوا بالكلام. وكمان سبب طلاقها اللي المتخلف جوزها داير يقولوا للناس انها كانت علاقة بابن خالتها. نقوم احنا بعد ما تنتهي عدتها على طول نخطبهم لبعض ونأكد كلام الناس وبنتي سيرتها تفضل لبانه في بقهم في الرايحة والجاية.”
حركت شقيقتها وجهها وعينيها تمشط المكان حولهم وهي تنهرها.
“طب بس علشان البنت ما تخرجش على فجأة وتسمع كلامك الهايف ده. مصلحة بنتك ولا كلام الناس يا حبيبتي؟ احنا ولادنا عندنا أهم من أي حاجة ما يتكلموا ويغوروا في 60 داهية ويقول اللي هم عايزينه لينا ربنا هياخد لنا حقنا منهم تالت ومتلت.”
وتابعت نصحها وهي ترشدها إلى الطريق الصحيح الذي يجب أن يفعلوه بعيدًا عن هراء الناس.
“وبعدين احنا مالنا ومالهم طالما البنت والولد مرتاحين لبعض وعايزين بعض والقرار بمحض إرادتهم. فـليه نقف في طريق سعادتهم علشان كلام الناس والهبل اللي انتِ بتقوليه ده. لا بجد عقليتك ما عجبتنيش في النقطة دي. انتِ متعلمة ودماغك واعية ومثقفة ومش معقول كلام الست المفترية دي هيخليكي تخافي لدرجة انك تخلي بنتك تدفن راسها في النعام وما تواجهش المجتمع العقيم ده وتحرم نفسها من أبسط حقوقها إنها تختار اللي قلبها حبه وارتاح معاه.”
تفهمت ما قالته بل وعته بشدة ولكن داخلها متخوف فسألتها بحيرة.
“طب ما هي كانت قدامه السنين اللي فاتت دي كلها وراح خطب غيرها اتنين اشمعنا دلوقتي حبها وخد باله منها إلا إذا كان شفقة منه على بنت خالته ودور جدعنة وكدة بنتي هتخرج من تجربة صعبة تروح لتجربة أصعب إنها تعيش معاه وهو مش بيحبها.”
واسترسلت حيرتها بتخوف على ابن شقيقتها أيضًا.
“وكمان “يحيى” ذنبه إيه إن هو يحط نفسه وحياته ومستقبله في جوازة وهو بيعتبرها زي اخته. إحنا كده بنظلم الطرفين وبنفكر غلط. انا وإنتِ بعيدًا عن كلام الناس وافتراءات الست البشعة دي افهميني يا اختي.”
ابتسمت لها شقيقتها بود وهي تطمئنها بما حكاه لها “يحيى” عن اقترابهم وعلاقتهم العاطفية وشعورهم بالحب الشديد لكل منهم لدى الآخر.
“لا من الناحية دي اطمني خالص. هم الاتنين متفقين ومتفاهمين مع بعض ويا ستي اكتشفوا ان هم بيحبوا بعض وربنا ما أردلوش إن هو يتجوز واحدة من الاتنين اللي خطبهم وأراد لها إن هي تطلق من العرة اللي كانت متجوزاه علشان خاطر يعرفوا إن هم الاتنين بيحبوا بعض بس كانوا مستنيين الوجع يا حبة عيني هو اللي يخليهم يتقابلوا.”
وأكملت بمحبة وود.
“وبعدين أنا مش هلاقي عروسة لـ”يحيى” ابني زي “نور”. أنا اللي مربياها واحنا الاتنين حافظين طباع بعض وبنرتاح جدًا مع بعض فمن الآخر تشيلي الخوف من قلبك وتبلغي باباها وتاخدي رأيه وتقنعيه كمان علشان نيجي نخطبها ويتجوزوا على طول. هو شقته جاهزة انتِ عارفة.”
وظلت كلتاهن تتحدثان بود حقيقي والفرحة أخيرًا زارت بيت “نور الهدى” ووعدتها أنها ستقنع زوجها بالموضوع وأن تمامه سيكون في خلال خمس عشرة يوم بالكثير.
“هو انا كده اتأخرت على الحمل يا ماما. حماتي ما بقاش ليها شغلانة غير متأخرة في الحمل ليه بقى لك ست سبع شهور متجوزة وحالتك زي ما هي وانا ابني سليم وما فيهوش حاجة لازم تروحي تشوفي نفسك. وبتقول لي كلام يوجع قوي وانا مش فاهمة حاجة؟”
رفعت والدتها حاجبيها باستنكار لما استمعت إليه من ابنتها وهي تلعنها بضيق شديد.
“شفتي الولية العقربة وهي واثقة من ابنها قوي كده ليه؟ هي جت مغسلة وضامنة جنة. ما متسكتلهاش. قولي لها ما تدخليش اللي ما لكيش فيه. ولا قولي لجوزك يبعد كلام أمه السم ده عنك. هو لسه في حموات بالشكل ده؟ ما مرات اخوك قعدت سنتين عقبال ما حملت وربنا كرمها مفيش مرة جرحت شعورها ولا قلت لها ليه ومش ليه. حتى بعد ما عرفنا ان التأخير منها هي كنا مراعيين شعورها وما جرحنهاش.”
ذرفت عينيها دموع الوجع فهي لم تحكي لوالدتها عن ما تعاصره مع زوجها والمشاكل التي تحاوطها من كل صوب وحدب معه. فلقد ربتها أمها على عدم خروج سر بيتها ومشاكلها هي وزوجها مهما حدث. فهم سيتصافون في النهاية والأهل سيحملون في صدورهم البغض لبعضهم. ولكن والدتها فسرت دموعها بسبب كلام حماتها لها فشجعتها وهي تأخذها بين أحضانها وتردد على مسامعها ذاك الاقتراح.
“بصي انتِ ولا تقولي لها ولا تعيدي لها ولا تقولي لجوزك حاجة. هي أمه وملهوش ذنب في اللي بتقوله لك ولا يقدر يزعق لها ولا يقول لها حاجة. انتِ ترجعي تشتغلي تاني زي ما كنتِ بنت. تخرجي وتشوفي الناس وتجددي طاقتك. انتِ كنت بتشتغلي هنا ومش فاضية لا تسمعي لدي ولا لدي. قولي لجوزك انك عايزة ترجعي شغلك. انتِ كنتِ شغالة في وظيفة حلوة في البريد وانتِ قلتي إنهم طلبوكي تاني فروحي يا بنتي اشتغلي. وكده كده جوزك ما بيرجعش إلا بعد نص الليل من شغله ومن قعدته مع أصحابه وانتِ كنتِ بتروحي الشغل من 11:00 الصبح يعني بتصحي براحتك برده لحد أربعة العصر تيجي تشوفي شغل بيتك واللي وراكي وبتاخدي كمان يومين في الأسبوع إجازة تنضفي فيهم شقتك. الشغل أحسن ليكِ.”
مسحت دموع عينيها بلهفة وكأن اقتراح والدتها كطوق نجاة بالنسبة لها. فهي لم يأتِ ببالها تلك الفكرة التي نالت إعجابها بشدة لتهتف بحيرة.
“بجد يا ماما يعني أنا ينفع أشتغل وأطلب من “هاشم” إنه يسيبني أرجع الشغل تاني تفتكري هيوافق ولا هيعمل لي فيها حوار؟”
استغربت والدتها حيرتها لتشجعها أكثر.
“وايه اللي هيخليه يرفض طالما مش هتقصري معاه وانتِ هتطمنيه انك هتاخدي بالك منه ومن البيت وكده أفضل ليكم انتوا الاتنين. على الأقل الشغل هيغير طاقتك وهيخلي نفسك مفتوحة للحياة وترجعي بيتك ملهوفة للقعدة فيه وما تحسيش بالملل لحد ما ربنا يكرمك بالحمل وبعد كده لو لقيتي نفسك قادرة توفقي بين الحمل والبيت وبعد كده الولاد والشغل كملي لو مش قادرة خلاص عندك اللي يشغلك. فاتحيه و”هاشم” عقله كبير ومش هيمانع.”
وظلت تشجعها حتى ملأت الفكرة عقلها وغذته بشدة. وبعد أن انتهت جلستها مع والدتها عادت إلى منزلها بطاقة متجددة لاقتراح والدتها. ثم قررت أن تصنع عشاءً رومانسيًا له تفاجئه به وترتدي لباسًا يعجبه بشدة وأن تجعله يقضي ليلة تغمره بها من الحب والغرام كي تفاتحه فيما تريده وتستطيع السيطرة على عقله كي يوافق بكل سهولة. وتلك الطريقة التي تعجبه بشدة بل وتؤتي ثمارها معه. فهي تعلم أنه يعشق اقترابها ويعشق لهفتها عليه ومبادرتها باحتضانه وأن تكون بين يديه برغبتها الشديدة قبل رغبته.
بعد عدة ساعات قضتها بين المطبخ وترتيب المنزل وملئه برائحة العطور التي تبعث في النفس الراحة النفسية. ثم تنعمت بحمام دافئ وارتدت قميصًا باللون الأسود فداك اللون يجعلها جذابة للغاية. ونثرت من العطور التي يعشقها بسخاء عليها. وانتظرته ولم تمكث كثيرًا حتى استمعت إلى صوت المفتاح يعلن عن وصوله. فجرت سريعا كي تستقبله بالأحضان. وما أن وصلت إليه حتى نظر إلى هيئتها وعينيه تبرقان بلمعة الذهول من مظهرها المثير لرجولته ناهيك عن رائحتها التي عبئت صدره وجعلته يود سحبها لأحضانه الآن. ولكن فاجأته باحتضانها له واستقبالها الملكي له وهي تقبله من وجنتيه برقة.
“حمد لله على السلامة يا بيبي. نورت البيت وقبلهم قلبي يا هشومي.”
قابلها بعناق حار مماثل لعناقها ناطقًا بصوت أجش ونبرة رجولية جانب أذنها وهو الآخر محتضنًا خصرها بتملك راق له.
“الله إيه الاستقبال الملكي ده اللي ما حصلش من ساعة ما اتجوزنا ولا مرة. معقول اكون وحشتك لدرجة انك يا “حنين” هانم تقربي منك لنفسك وتبقي ملهوفة كده عليا مش مصدق نفسي والله؟”
قبلته قبلة شغوفة بذاك المشهد الذي راق لها وهي ما زالت متعلقة بأحضانه. لتهمس له هي الأخرى بنعومة أثارته.
“ايه رأيك في الاستقبال بذمتك ما عجبكش. أنا قلت أعمل تغيير في حياتي وحياتك وأفاجئك كل شوية بحاجة جديدة علشان أغير الروتين الممل اللي في حياتنا.”
احتضن خصرها بكلتا يديه وهو يشدد عليه بقبضتين قويتين نظرًا لتأثره باقترابها المثير له. وهو يغمز لها بعينين تتآكلهما.
“عليا النعمة استقبال أحلى على الأحلى يا حنيني. كتري بقى من المفاجآت الحلوة دي علشان خاطر تلاقيني كل شوية مش عايز أبعد عنك وأسيب أصحابي والدنيا واللي فيها طالما القعدة هنا وياكي هتبقى بريحة السحر والجمال ده كله. بالراحة على هشومك يا حنون.”
تآكلت شفتيها بخجل من تلميحاته تلعثمت من كلماته وإيحاءاته ومراوغة حديثه. فقررت الانسحاب من أمام ذلك الساحر بطلته المهلكة وضحكاته المثيرة لقلبها المسكين. وهي تسحبه إلى الداخل بكفاي يديها الصغيرتين حينما وجدته سوف يسحبها لعالمه الخاص وتنتهي ليلتهم سريعًا ناهية إياه وهو يتحرك معها بإرادة مسلوبة.
“تعالى بقى أوريك العشا الجميل اللي أنا عاملاه لك بإيدي. عاملة لك أكتر حاجة انت بتحبها محشي ورق عنب وملوخية وبط حاجة كده آخر حلويات من إيد حنون. لسه الليلة طويلة يا روحي مش عايزين نبدأها وننهيها بدري كده. الليلة هتبقى على كيفي وهبسطك وهدلعك دلع مشفتهوش في حياتك.”
أجابها بصوت هائم وقد أثارته بحركاتها الجريئة تلك وهو يجلس بجانبها ملتصقًا بها.
“شوفي أنا سايب لك نفسي خالص اعملي اللي على كيفك طالما هتبقى كل حاجة بالشقاوة والجمال ده فانا كلي ملكك من ايدك دي لإيدك دي وليذهب أصحابي إلى الجحيم طبعًا طالما الليلة البدر فيها منور قوي بالشكل ده لازم نقعد ونتريث ونتملى في جماله ونقول في أشعار كمان.”
غمزت لها هي الأخرى بشقاوة وهي تبتسم له بدلال وبنظرة سحرته للغاية.
“الله انت بتعرف تقول شعر يا “هاشم” لا بجد مش مصدقة.”
داعب وجنتيها بسبابته وهو يغازلها.
“أنا لحد من دقيقتين اتنين ما كنتش أعرف بس قدام عيون وسحر وجمال ودلال “حنين” هانم لازم الحجر ينطق يا قمر الليل ونجومه وسماه وانتِ وأنا.”
نطقت بصوتٍ هائم بنفس رعشة الشفاة مع ابتسامة سعادة ظاهرة داخل عينيها لكلماته الساحرة.
“طب بقول لك إيه كفايه بقى يلا ناكل وبعدين نشرب عصير فريش ونقعد نتفرج على فيلم قديم محملاه. حابة ان احنا نقضي ليلة كلاسيكية رومانسية زي أفلام الأبيض والأسود إيه رأيك؟”
هتف متعجلًا بلهفة لاقترابه منها وهو يغازلها بعينين راغبتين.
“طب بذمتك هقدر أقعد جنب القمر ده إزاي ونتفرج على فيلم ساعتين وأنا ملهوف ومشتاق قوي كده لا مش هقدر صدقيني.”
مطت شفتيها للأمام بحزن مصطنع ثم هتفت بدلال جعله يطيعها بعميان.
“لا بقى أنا اللي هرتب الليلة دي هنعيشها إزاي على كيفي أنا مش على كيفك انت وفي الآخر نحكم مين فينا لياليه وترتيباته أحلى من التاني تمام نعتبره تحدي؟”
غمز لها بعينين تتآكلهما.
“انت تأمر يا باشا البشوات خلاص نمشيها على مزاجك وطالما مزاجك بادئ رايق قوي كده تبقى نهايته حاجة فل الفل بإذن الله. قبلت التحدي وأنا عارف إن أنا اللي هخسر بس مش مشكلة طالما انتِ الكسبانة.”
ابتسمت له بنعومة ثم بدأ كلتاهما في تناول العشاء تحت سعادتها وسعادته. وهي تطعمه بيدها وهو الآخر يطعمها بيده لأول مرة بينهم. فكانت جلستهم ساحرة للغاية لكل منهما ما بين شقاوتها وإثارتها له وما بين همساته ولمساته التي يحاصرها بها كل وقت وحين.
مر الوقت بينهم سريعًا حتى قضيا عدة ساعات من الجمال والدلال لكليهما وانتهت بلقاء عاصف كان فيه قائدًا مغوارًا للغاية. كانت تستند برأسها على صدره وهو ينفث سيجاره كالمعتاد. ثم بدأت بالحديث عما تريده وهي تحسس على صدره بحنو كي تجعله يوافق على طلبها سريعًا دون غضب منه.
“المديرة بتاعتي في الشغل قبل ما اتجوز كلمتني وقالت لي ان هي عايزاني ارجع المكتب تاني وان مكاني لسه زي ما هو وما حدش قدر يسد فيه ولا عرف يعمل اللي انا بعمله. وانا بصراحة يا بيبي بحس بالملل طول النهار وانا قاعدة لوحدي ونفسي ارجع الشغل تاني علشان ما احسش ان حياتي فارغة ما بين التلفزيون والسرير وماما وحاسة باختناق رهيب. أرجوك توافق.”
قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجبًا.
“شغل! شغل إيه يا “حنين” اللي انتِ عايزة تخرجي له كل يوم وممكن كمان يخليكي تقصري معايا هنا في البيت وتقولي لي بقى تعبانة. عايزة أنام بدري علشان اروح الشغل بدري. أصل معلش واعذرني يا “هاشم” معلش الشغل كان مهلك النهاردة والحوارات دي أنا في غنى عنها خالص. أنا حابب وجودك هنا في البيت واني ارجع ألاقيكِ بكامل أناقتك وحيويتك زي النهاردة كده.”
وأكمل بتبرير.
“انتِ وانتِ بنت ما كنتيش مسؤولة من بيت ولا في راجل مسؤول منك ولا الحوارات دي خالص؛ وبعدين أنا بسيبك تروحي لمامتك زي ما انتِ ما عايزة وساعات بتروحي لاخواتك وساعات بتخرجي تقابلي أصحابك يعني مش قافل عليكِ ولا كاتم حريتك لدرجة انك تشتغلي وانتِ متجوزة.”
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم.
“الحوار كله ان انا مش بروح لماما كل يوم وكمان بروح وقت بسيط وبرجع وانت يا “هاشم” بتخرج الصبح الشغل من الساعة عسوة وما بترجعش إلا علشان تتعشى وتستريح شوية صغننين وتخرج تاني. وانا طول الوقت ده ببقى لوحدي وببقى مخلصة كل اللي ورايا. والله العظيم بوعدك ان انت لو وافقت ان انا اروح الشغل مش هقصر في البيت خالص والليلة اللي انا عيشتها لك دي هعيشك أحسن منها مليون مرة طالما المود بتاعي متظبط.”
ثم قبلته من وجنته بنعومة وهي تتدلل عليه.
“ارجوك توافق يا روحي وانا والله ان لقيت مني تقصير هقعد مني لنفسي بس بجد انا مخنوقة وصدقني انت هتنبسط اكتر بحياتي الجديدة دي بعد الشغل علشان مش هيبقى عندي الفراغ اللي يخليني اكتئب وانكد عليك وعليا.”
ضيق نظرة عينيه ثم رمقها بنظرة حائرة لينطق بغيرة.
“الشغل ده كل يوم يعني هتقابلي ناس وهتلبسي وهتتشيكي ورجالة تشوفك وتتغزل فيكِ وحوارات تانية خالص. أنا هبقى مش مطمن لو حصلت لك وهبقى قلقان عليكِ ومش مستريح وخصوصًا انك بتتعاملي بعفوية مع أي حد. بلاش يا بابا حوار الشغل ده.”
حزنت لرفضه ثم ابتعدت عن أحضانه وأولته ظهرها وهي تردد بحزن وصل له من نبرتها.
“خلاص يا “هاشم” براحتك مش عايزة اروح ولادي شكرا.”
نفخ بضيق لحزنها ثم فكر سريعًا وهبط لمستواها واستلقى بجانبها محتضنًا ظهرها ليهمس لها بموافقة رغماً عنه.
“خلاص يا “حنين” ارجعي الشغل بس لبسك اللي احنا متفقين عليه ما يتغيرش. ما ينفعش تقصري معايا ولا في البيت. ما ينفعش تتكلمي مع أي راجل ايا كان وتقولي زميل عمل ما عنديش أنا الحوارات دي. تاخدي بالك من نفسك كويس وتحطيني دايما في اعتبارك إن أنا راجل غيرتي غشيمة جداً على أهل بيتي من أي موقف ومن أي حد. أنا وافقت علشان ما تزعليش ومش حابب خنقتك اللي انتِ بتتكلمي عنها وخصوصًا ان أنا فعلاً بتأخر برة كتير.”
انتفضت من مكانها بسعادة عارمة وهي تحتضن وجنتيه بعدم تصديق لقراره بالموافقة.
“بجد يا “هاشم” وافقت بجد أنا مش مصدقة نفسي والله؟!”
اقترب منها ليزيح خصلة فوق عينيها يتلمس وجنتها نزولاً إلى فكها. ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه ناطقًا بغرام.
“طب بذمتك بعد الليلة ولا ألف ليلة وليلة اللي أنا عيشتها النهاردة دي اقدر أرفض للقمر طلب. أبقى أنا راجل غشيم بقى وما بفهمش وبصراحة أنا شيف حلواني يعني بعرف أقدر الحلويات والجمال والجميلات بمهارة. وكل ما توريني كل ما هو جميل كل ما هتشوفي “هاشم” جديد خالص غير اللي انت تعرفيه يا حنون.”
عضـ.ـت على شفتيها بدلال وغمزت له بشقاوة نالت إعجابه بشراهة لتنطق بسعادة.
“هو انت لسه شفت حاجة حلوة. ده انا من دلوقتي لحد الصبح هوريك اللي عمرك ما شفته يا روحي وطول ما انت باسطني ومفرحني طول ما انا ما هرفعك معايا للسما وأخليك آخر رواق يا عمري انت.”
قابلها بصدر رحب وهو يشعر باختلاف في علاقتهم اليوم بالتحديد منذ أن تزوجها. يا لها من ماكرة تلك الـ”حنين”. فقد لعبته بما يثيره وتجعله يلهث ورائها واستخدمت سلاح المكر الأنثوي كي توقعه في شباك مرماها واصطادته في الوقت المناسب كي تحصل على ما تريد بكل سهولة منها. والآن ابتدت “حنين” فك شفرات “هاشم” ومعرفة كيفية التعامل معه بعدما فقدت الأمل وكانت حزينة. فكل امرأة إذا عرفت مفاتيح زوجها واستطاعت الحصول عليها ودرستها بجدية سوف تهنئ. فـبيدها سعادتها وسعادة منزلها لا غيرها. فـحواء هي التي أخرجت آدم من الجنة وهي التي أقنعته بذلك وانتصرت “حنين” في ثاني معركة لها مع معذبها.
كان يجلس في ذاك اليخت ينتظر أصدقاءه “هاشم” و”يحيى”. فقد تحايلوا عليه اليوم كي يخرج معهم ويعود إلى جلستهم كي يخرج حاله من حالة الاكتئاب الشديد التي أصابته. فاليوم خطبة “ليلى” و”رسلان” وجميع الصفحات تعلن عن ذلك بكثرة. وكلما أمسك الهاتف وتصفح الفيسبوك والانستقرام يجد ذلك الخبر المميت له. يجلس ينتظرهم بقلب يشتعل نـ.ـيراناً شديدة وهو يتصفح الهاتف بإهمال حتى تصممت عيناه أمام ذاك البث المباشر من حفل خطوبة “ليلى”. قام من مكانه وهو يلف حول نفسه بالهاتف ويشاهد البث بعينين تنفطر ألماً وغيرة. وهو يرى الجميع يبارك لهم ويرى ذاك الـ”رسلان” ينظر لها بتلك الحالمية والغرام. يقسم بداخله أن أحشاءه تكاد تتقـ.ـطع من شدة الغـ.ـضب والغيرة لما يراه. يود أن يكسر الهاتف أو أن يلقي بحاله داخل غيابات البحر وتغـ.ـرقه الأمواج وتلقي به بعيدًا حتى تهلك روحه دون أن يسبح ولا أن يرى ليلته تُطَوَّق بذاك الخاتم الملعون من غيره. وفرت الدمعة العزيزة من عينيه بقهر شديد وهو يحدث حاله بصوت عالٍ جعل العامل باليخت والمبتعد عنه قليلًا يندهش من هيئته وصوته وغضبه.
“لا يا “ليلى” مستحيل ده يحصل مستحيل تكون لغيري. آه مش قادر أتحمل ولا قادر أتصور إن كل ده يحصل. عقابك شديد قوي يا رب. عقابك مش قادر أتحمله ولا أتصوره.”
ما زال يدور حول حاله بغضب عارم وهو يمسح على خصلات شعره بحدة والدمع الهاربة مازالت عالقة بوجنتيه تعلن عن خسارته في عشق “ليلى” بشدة. ثم ابتسم ساخرًا حينما شاهدها لم تعطيه يدها كي يلبسها الخاتم بحجة الحرام والحلال وجعل والدته هي من ألبسته لها. كان البث بالنسبة له كبث الموت حتى أتى “يحيى” مسرعًا حينما هاتفه العامل وأخبره بحالة صديقه وكان على وصول. وحينما رأى حالته تلك أصابه الحزن بشدة. ثم جذبه من يده وأجلسه على الأريكة الموجودة في اليخت وهو يحاول تهدئته.
“اهدأ يا صاحبي ما تعملش في نفسك كده. الحكاية كلها قسمة ونصيب. كفاية بقى عذاب لنفسك يا “زيد” كفاية حالتك صعبة جداً وكله بإرادة ربنا وقدره وهي مسيرة مش مخيرة وانت عارف كده كويس وهي شرحت لك الظروف. يمكن ربنا بيديك فرصة تعتبر نفسك ومشاعرك ويشوفك إذا كنت هترجع للي كنت فيه ولا لا ولا هتقدر تصمد والشيطان ما يغلبكش تاني. فكر فيها من ناحية تانية يا صاحبي علشان تهونها على نفسك.”
على صدره بنبضات مرتفعة تعلن عن عصيان قلبه عليه من شدة ألمه وحزنه ليبرر لصديقه وهو يقسم له بأيمان وعهود يثق منها ثقة عمياء.
“اختبار ربنا صعب قوي يا “يحيى” مش قادر أتحمله والله العظيم ما قادر ولا متخيل ولا متصور إزاي هقدر أشوفها واحط عيني في عينها بعد كده؟ إزاي هقدر أهدي قلبي واقول له انها ليك وهو مش قادر يتحمل ان في غيري معاها؟ إحساس مميت صعب عمرك ما هتحس بيه علشان انت ما جربتوش قبل كده. والله العظيم أنا بحبها بجد والله العظيم عمري ما كنت هرجع للي كنت فيه وكل يمين كنت صادق معاها فيه، وكل وعد وعدته لها كان من قلبي وعمري ما كنت هخلفه بس ربنا مش رايد انها تكون ليا.”
حاول “يحيى” رسم الابتسامة على وجهه جاهداً ببراعة كي يخرج صديقه من حالة الضيق الشديد التي انتابته لينطق بدعابة.
“يا عم إحساس مين ده أنا اتسابت مرتين وما عملتش في نفسي اللي انت عملته في نفسك ده. هونها على نفسك يا عم “زيد” دي مجرد خطوبة وأنا واثق ومتأكد إنها مش هتكمل طالما جات لك لحد المكتب واعترفت لك انها لسه بتحبك وانها انجبرت على حاجة زي دي وقالت لك اصبر. هدي غيرتك شوية واتحكم في المشاعر اللي ثايرة جواك وان شاء الله ربك رب قلوب وهيهونها.”
نظر له بعينين حائرة وهو يسأله بتيهة.
“تفتكر هقدر أشوفها وأنا عارف إن هي معاه وما أحسش بالوجع تفتكر هقدر أتحمل “يحيى”؟”
شجعه صديقه بمثابرة ليقوي عزيمته.
“لازم تقدر يا “زيد” انت طول عمرك قوي وطول عمرك محدش كسرَك وما تخليش أي حد يكسرك. انت عملت اللي عليك ودافعت عن حبك بكل شجاعة وقوة وىثبت لها بدل المرة ألف مرة إن إنت بتحبها وانك اتغيرت عشانها. الدور والباقي عليها هي. انت خلاص عملت اللي عليك يا صاحبي والكورة في ملعبها. لو هي بتحبك بجد وعايزاك بجد هترجع لك وهتكون لك. أما لو مشيت ورا مشاعرها وقدر “رسلان” ده يسحبها للعالم بتاعه يبقى تنسحب بكرامة يا صاحبي وتعرف إن هي ما حبتكش كفاية علشان تقاوم قصاد أي مشاعر تحارب حبها ليها. وربنا هيبعت لك الحب الحقيقي اللي هيقدرك ويختارك ويتعب عشانك.”
وأكمل نصحه وهو يربت على ظهره برجولة.
“أنا طول عمري واخد عنك إنك قوي وعمرك ما ضعفت أبداً مش عايز أشوفك بالشكل ده تاني يا “زيد” أرجوك.”
سأله “زيد” بحيرة وتطلع لما بعد.
“طب أعملها إزاي أو أحارب الشعور المميت اللي جوايا ده إزاي لما أشوفها؟”
“تجاهلها يا صاحبي اعمل نفسك مش شايفها. حسسها بكرامتك ورجولتك إنك مش هتتذلل لها. لما تلاقيها موجودة في مكان دور وشك الناحية التانية واعمل نفسك ما شفتهاش. خليها تحس إن إنت فعلاً هتضيع من إيديها عشان تخلص من مشكلتها دي وتجيلك. يا أما كده يا إما مع السلامة. هو اللي خلقها ما خلقش غيرها يعني….”
تلك الكلمات التي نطقها “يحيى” بنصح ونضج شديد بعدما مر بتجربتين مريرتين كانت ستؤدي بمستقبله ومشاعره إلى الجحيم. ولكن قوَّى حاله وخرج من تلك التجارب وهو يتعلم منها بأن نفسه عزيزة عليه ولها حق أن يكرمها لا أن يهينها. لينطق “زيد” بروح منهكة.
“حاضر يا “يحيى” وده اللي لازم يحصل بعد كده.”
“أما يا بت اتعرفت على حتة واد إنما إيه يابت أوز موز حاجة فخامة مسافر الإمارات والواد عضلات طول بعرض والفلوس زي الرز وعنده شقة هنا في كومباوند في التجمع وحاجة كده آخر حلاوة ومنجهة. ثبته ووقعته غرامي واول ما يرجع من السفر هيجي يخطبني على طول واروح بقى أعيش في المجتمع الراقي وأسيبكم مع المجتمع البيئة.”
هللت صديقتها بعدم تصديق وهي تنفث سيجارها أمامها هي الأخرى وكلتاهما تتنفس الدخان بشراهة.
“بجد يابت يا نوجا احكي يا بت اسمه إيه، ووقعتي عليه إزاي ده وهل يعرف ماضيكي الأسود المهبب ولا داخل على غفلة عين أمه.”
سحبت نفسًا عميقًا تخرج الدخان من حلقها بتمرس شديد للتدخين وهي تنفي تمامًا ما قالت صديقتها.
“لا لا ماضي إيه وزفت إيه ده. عارف إن أنا ما بقومش من على المصلية. وبعدين يا اختي هو ماله ومال الماضي بتاعي. هو ملهوش علاقة غير بالوقت اللي عرفني فيه وبس. واسمه نادر يابت من الحارة التانية اللي جنبنا اصطدته من على الفيسبوك كان صديق عند واحد أنا أعرفه وشفت صورته ودخلت له وعملت نفسي البريئة العفيفة ووقعته ده ما أخدش في إيدي غلوة.”
قهقهت صديقتها وهي تبارك لها.
“يادي الفرح والسرور بقى نوجا مكاتب هتستقيم وهتتجوز يا ناس. ده انت مدوباهم بعدد شعر راسك ورحتي كذا مرة عملتي عملية ترقيع. يلا يمكن ربنا يهديكى على ايديه.”
ضحكت هي الأخرى لتنطق بسخرية.
“ده أنا هتوب وهتوب طالما هسكن في المجتمع الراقي يا ربش انتِ وليلة، ليلة، عند العريس، ليلة، ليلة عند نادر دودو.”
وظلت كلتاهما تضحكان بشدة وسخرية على ذاك الـ”نادر”. ويبدو أنه سيقع وقعة مهيبة للغاية. فل تصحبه عناية الله على ما سيرى.
يتبع…..