الفصل 5 | من 34 فصل

رواية مسك الليل الفصل الخامس 5 - بقلم سارة طارق

المشاهدات
96
كلمة
5,457
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

احتشد جميع من في القرية حول السيدة المسكينة هي وابنتها، اللذين أوقعهما حظهما العسير مع من لا يرحم. أوقعهم مع أناس يفكرون أنهم أنبياء الله على الأرض، ويمكنهم أن يحركوا الناس كما يريدون، وأنهم يملكون حتى قرار الحياة لكل من يعيش معهم في مكان واحد. كانت صرخاتها هي وابنتها تضوي في المكان. كانت الفتاة تبكي وتصرخ وتحاول أن تفلت نفسها من قبضته التي تمسك بشعرها، وصوت صراخه عليها كاد يصم أذنيها.

"اصمتي يا كافرة، هل تظنين نفسك على الطريقة الصحيحة؟ أنتِ وأمك التي تخرج دون حجاب يغطي شعرها. تصرخون لأنني أريد مساعدتكم، وإخراجكم من تلك الغفلة التي تعيشون فيها. يا لكم من كافرة نصرانية! جزاؤكم جهنم وبئس المصير. ولكن لن يكون في قرية الشيخ عبد الله أي أحد نصراني، كل من يجلس هنا هو مسلم، وكل فتاة أو سيدة عذراء ترتدي النقاب إجباري وتصبح من جوارينا، ولها ثواب عظيم وجزاؤها الجنة ونعيمها و...

"طب مش عاوز ديفيدي بأمرك، ده لسه العرض مخلص، أي جارية هتاخدها من هنا عليها واحدة هدية. وفقها نص سوداني للتسلية يا فندم." تهجم وجه الشيخ عبد الله غضباً ونظر لهذا الصوت الساخر من حديثه. التفت لمصدر الصوت. وجد رضوان يقف ورائه ويبتسم له ويميل برأسه ناحيته، قائلاً: "أهلاً يا غالي، عاش من شافك يا راجل." قالها وهو يصدم جبهته بجبهة عبد الله بقوة حتى جعل جسده يرتد للخلف، ولكمه في وجهه. سقط على الأرض.

كادت زينة تقع معه، ولكن أمسكها رضوان من معصمها ونظر له بتفحص، وهو يعطيها لوالدتها. "خدي بنتك يا ست هناء." وصاح في أحد الغفر: "خد الست هناء وبنتها المستوصف، وتفضل معاهم لحد ما يخلصوا وتوصلهم لحد البيت وتقف عليهم عند الدرج، يلا." قال آخر كلمة بصوت جهوري. انحنت هناء لتقبل يده. "روح ربنا يكفيك شر أولاد الحرام ويسترها وياك زي ما سترتنا." سحب رضوان يده قبل أن تصل لها وابتسم لها.

"يلا يا ست هناء روحي شوفي بنتك وسيبيني أنا بقى أولاد الحرام دول، أنا أقدر عليهم بنفسي." ثم نقل نظره لشيخ عبد الله قائلاً بسخرية وبرود: "ولا إنت إيه رأيك يا غالي، أنفع أخلص عليكم لوحدي؟ نظر له عبد الله باستهزاء له ولغفر أبيه الذين حاوطوه هو وجماعته من كل جهة. "ولكن أنت لست وحدك، أنت معك رجالك. دعهم يرحلون وأرنا أنا ورجالي قوتك التي تتباهى بها أمام الناس. أعطينا فقط الفرصة لنجعلك عبرة لمن لا يعتبر."

فلت من رضوان ضحكة ساخرة وشمله بنظرة مستهزئة. جز عبد الله على أسنانه واغتظ منه وكاد يهجم عليه، ولكن سبقه رضوان ضربه بقدمه وأوقعه على الأرض مرة أخرى ونظر له بقرف. "بقى أنت وشوية الشمامين بتوعك دول تخليني أنا عبرة، أنت نسيت نفسك يا عبد الله ولا إيه؟

أصحى يالا، أنا بنفسي قبضت عليك أكتر من مرة بتشم أنت وشوية الجربيع دول اللي فرحان بلمتهم حواليك. أصحى يالا وفوق أحسن لك. أوعى أكون مفكر إن الدقن اللي مربيها دي هتنسينا ماضيك." "هذا كان في الماضي، الآن نحن نمشي على منهج الله، ونجاهد في سبيل الله، وننفذ قوانينه على أرضه." "واللي بينفذ قوانين ربنا ده، بيرمي أمه في الشارع ويضربها قدام الناس كلها لحد ما...

مارسوها. اتفتحت، والناس لحقوها وخدوها على المستشفى، وكل ده ليه عشان عاوزة تنفذ شرع ربنا وتتجوز. ولولا أنها اتنزلت عن المحضر كان زمانك مرمي زي الكلب في السجن لحد ما تعفن هناك." "هي من عاصتني، وكان علي أن أعرفها عقوبة عصيان الشيخ عبد الله....

لم يستطع رضوان سماع أكثر من هذا، وهجم عليه وظل يضربه بقوة. ولضعف بنية عبد الله لم يستطع حماية نفسه. لم يشعر رضوان بنفسه أبداً، كل ما كان يراه هو تلك السيدة التي كانت تنزف دماؤها أمام عينيه في المشفى بسبب ذلك الحقير ابنها. "عصيان مين يا كلب؟ ليه مفكر نفسك إله وكل الناس عبيد عندك؟ أنت ولا تسوى يالا، أنت شمام يا وسخ، أنا بقى هنا هعرفك عصيان الوالدين بقا عقابه إيه."

صرخ الجميع في رضوان عندما وجد الدماء أغرقت وجه هذا الكلب، ليس خوفاً عليه ولكن خوفاً على رضوان أن يموت في يده. لم يستمع رضوان لأحد، كل ما كان يراه هو دموع والدة عبد الله في أحضانه ورجائها أن لا يفعل شيئاً لابنها أو يؤذيه، وأنها سامحته رغم ما فعل بها. "سامحتك، سامحتك رغم اللي عملته فيها. أنت واللي زيك ماينفعش تعيشوا... "سيبه يا رضوان." كان صوته جابر صارم ليبتعد ابنه عن عبد الله.

توقف رضوان عن الضرب ووقف على قدمه وبصق على عبد الله ونظر بقرف. "احمد ربنا إن في حد نجدك من إيدي تاني. أول مرة كانت أمك اللي فرجت عليها البلد بحالها، ودلوقتي الحاج جابر النمر كبير البلد دي كلها وكبيرك أنت كمان أنت وشوية الخرفان دول." أتى صوت من خلف. "خلاص يا رضوان بيه ابعد خلينا نشوف شغلنا." التفت له رضوان ونظر له باستخفاف.

"أنت لسه جاي يا باشا تشوف شغلك بعد ما المولد اتفضى، يعني لولا إني هنا كان زمان البت ماتت يا أما خطفوها... "سيب الناس تشوف شغلها يا رضوان، وكفاية لحد كده." قالها جابر بحزم حتى يصمت ابنه. "شغل إيه ده بس يا بابا اللي بيعملوه بعد ما المشكلة بتخلص." ثم ضحك بسخرية. "والله ليهم حق بتوع السيما يتريقوا علينا ويخلوا البوليس دايماً يجي في الآخر بعد ما المصيبة بتخلص." ضرب جابر عكازه في الأرض وصرخ في ابنه: "جرى إيه يا رضوان؟

ماحدش قادر يسكتك، ولا معادش ليا كلمة عليك عاد؟ اقترب رضوان من أبيه قبل يده ورأسه. "لا عاش ولا كان يا حاج اللي ينزل كلمة ليك الأرض، حجك على راسي يا بوي." وقف جابر في منتصف السوق وأشار بعكازه للناس التي تملأ السوق وتشاهد ما يحصل دون أن يتحرك أحد للمساعدة. "أخس على كل راجل شاف وليه زي هناء وبنتها وما جربش حتى يساعدهم. سكتوا ليه يا رجالة البلد على المرمطة والمسخرة اللي حصلت دي؟

لو كانت واحدة من حريمكم ولا بناتكم كنتم هتفضلوا تتفرجوا كيف الحريم كده. الجيامة هتهجم ولا إيه لما نخوة الصعايدة تروح منهم كده؟ خفتم من حتة سلاح ماسكه عيل ببريال كيف عبد الله وصحبته؟ أخس." نطقت سيدة من وسط الحشد وهي تذم شفتيها بلامبالاة. "يعني كان هو عمل إيه لدا كله؟ مش كان بيعمل شرع ربنا، وبيعلّمه للولية دي وبتها اللي ماشيين على حل شعرهم كده من غير لا ضابط ولا رابط يعلمهم الحشمة."

كاد رضوان يرد عليها ولكن سبقه والده وهو يشير بعكازه عليها. "وهي الحشمة بنسبالك بس هي حتة الطرحة اللي بتحطيها على شعرك ولا الجلابية الواسعة اللي بتلبسيها؟ الحشمة مش بالبس والحجاب بس، الحشمة كمان إني أحجب لساني إنه يتكلم على الناس بالباطل وردد الكلام زي البغبغان من غير ما أفهم معناه. وإيه يعني لو مش لابسة طرحة على دماغها؟

لا هي مجبرة على ده ولا في حكم في دينهم إنهم يلبسوه، وطول عمرهم ناس في حلهم ومسمعناش منهم أي حاجة. تعبهم كل ده عشان دينهم غير دينكم؟ وفيها إيه يا بلد؟ إنتوا نسيتوا كلام ربكم *لكم دينكم ولي دين*؟ مش الست هناء دي يا عزة اللي لحقت بتك جبل (قبل) ما الجاموسة تدهسها تحت رجليها؟

مش دي هناء اللي لقيتيه واقفة في فرح بتك وفرحنالها زي بتها وأكتر وكانت واقفة تخدم على الناس يوم الفرح كأنه فرحها هي مش فرحكم. بقى دي آخرة معروفها معاكي؟ بس اللوم مش عليكي، اللوم على رجالك اللي مرجعكيش عن الحديد بتاعك ده وخلاكي تنسي الأصول." ارتبك زوج عزة ونظر في الأرض واعتذر من جابر وبخ زوجته وجعلها تعتذر هي الأخرى. "حجك علينا يا جابر بيه، والله دي ولية خرفانة ومعندهاش عقل تفكر بيه."

"عمرنا يا بلد ما فرقنا ما بين مسلم ومسيحي. ماتا يا بلد لقينا واحد مسيحي هنا هان راجل أو ست مسلمة أو اتعدى عليها. طول عمرنا فرحنا واحد وحزننا واحد، حتى بيوتنا واحدة ولقمتنا واحدة، حتى في الحرب واقف جنب المسلم بيدافع عن بلده زيه زي أي حد وبيحافظ على ظهره ساعة الحرب. ماتا لقمة العيش فرقت بين المسلم والمسيحي؟ يا خسارة ويا ميت خسارة عليكم." قالها وذهب لابنه وأخذه معه ليعودوا للبيت مرة أخرى. هنا نطق جابر بحزن.

"رضوان يا ابني، تروح لست هناء النهارده، وتديها قرشين وتشوف طلباتها هي وعيالها، وجولها لو أي حد اتعرض لها بس ولو بحرف تجيلي على الدار." "ربنا يخليك للغلابة يا بابا." قالها وهو ينظر أمامه ولم يلتفت لأبيه حتى، ولكن نبرة صوته لم تعجب والده. "مش هو اللي عملها يا رضوان، الواد ده أجبن من إنه يمسك سلاح ويضرب بيه نملة حتى أو يمسك سكينة يدبح بيها فروجه."

"عارف يا بابا عارف، بس أنا مش مرتاح وحاسس إن العملية دي كبيرة جوي. حاسس إن موت رشاد ده هيفتح ببان ريحها أقوى من أي حد." قالها وهو يتنهد بحيرة وحاول تهدئة عقله من كثرة التفكير. نظر للسماء وقال برجاء: "ألطف بينا في اللي جاي يا رب."

-جمع جميع متعلقاته في حقيبة كبيرة وهو يبكي كلما تذكر شكلها وهي نائمة بهذا الشكل. نزلت دموعه بوجع. لقد ذبلت وردته التي طالما راعاها وحافظ عليها ولم يدع أحد حتى يلمسها. الآن وفي غيابه عنها، استغلوا أن من يحميها دائماً قد ذهب وتركها ليقطفوها ويأخذوا عبيرها ويلقوها في الأرض لتدهسها الأقدام. مسح دموعه وهو يستمع لصوت الدقات المتواصلة على باب غرفته. "قلتلكم مش عاوز أشوف حد." "ولا حتى عايز تشوفني أنا."

اتسعت عيناه بعد سماع صوتها. نعم إنها هي، وردته. أتت إليه. أدار رأسه ناحية صوتها ونظر لعيونها التي مازالت لها تأثيرها عليه رغم ذبولها واختفاء لمعتها. أخفض نظره عنها ونكس رأسه بخجل منها. رفعت يدها على وجهه ورفعته ونظر في عيونه وتحدثت رغم آلام جسدها التي تفتك بها قائلاً: "أنا جاية لحد هنا مش عشان تنزل عينك عني للأرض، لأ. أنا جاية عشان أشوف نفسي، لسه صورتي موجودة في عينيك، ولا اختفت هي كمان." ثم تابعت هي تبتسم براحة.

"بس الحمد لله لسه شايفه نفسي فيك يا بدر، أنا لسه موجودة جواك." كادت تقع ولكن أمسكها بدر وأجلسها على فراشه الصغير، وجلس على الأرض أمامها ونطق بأسف.

"طول عمرك جوايا يا ورد، حتى مهما حصل فيكي هتفضلي جوايا، هتفضلي الوردة الوحيدة اللي بتزين بستان قلبي. بس بس إني ماقدرش أحوط عيني في عينك بعد اللي حصل، ماقدرش أبص لنفسي في انعكاس المرايا وأطل عليا وأشوفني راجل. أنا مستهلكيش. إنتِ عاوزة راجل يحافظ عليكي ويكون قد الأمانة، بس أنا لا كنت قد الأمانة ولا قادر حتى أطل في عيونك الجاية. صورتي اتشوهت فيها."

"آه يا بدري، لو تعرف إن عمر صورتك حتى ما تهتز في عيني. أوعى تشيل نفسك الذنب، لا ده مش ذنبك، ده اختبار من ربنا ليا ولك. لو عاوز تبقى راجل قدامي، فا أحب أقولك إنك هتفضل راجلي طول العمر. ولو عاوز تمشي أمشي يا بدر، إني مش همنعك، لأني عارفة إنك هترجع تاني، وأنا هستناك... هستناك تجيبلي حقي من الذيابة اللي نهشوا في لحمي."

"واه قبل ما أنسى، الديب يا بدر هو اللي يخاف يهجم على فريسته وحارسها موجودة. ده بيستناه لحد ما يبعد وبعد كده يهجم لأنه عارف إنه مهما كان قوته عمرها ما تضاهي قوة الحارس. فهمتني يا بدر؟ يعني اللي حاول يقطف وردتك استناك تغفل عشان يقطفها لأنه عارف إنك أقوى منه، فعمرو ما هيقدر يقف قصادك مهما حصل. دول ناس ما تعرفش غير الضرب في الظهر وبس يا بدر، وما يعرفوش غير الخيانة."

قالتها وهي تحاول أن تستند على أي شيء حتى تقوم. وجدته يمد يده ليساعدها ولكنها رفضت. "لأ، لازم أتعود أساعد نفسي لحد ما أرجع. وأنا عارفة إنك راجع يا بدر، لأن عمر البدر ما يطلع من غير ما يشوف وردته، مش أنت دايماً بتقولي كده. أنا هسيبك تفكر... تعال، عاوزة أعمل حاجة وعايزاك تساعدني قبل ما تمشي." اقترب منها بسرعة وحاول إسنادها.

اعتدلت ورد في وقفتها وحاولت قدر المستطاع رفع جسدها ثم ارتمت في أحضان بدر وضمته بقوة وتشبتت به كأنها صغيرة اشتاقت لرجوع والدها بعد غياب دام طويلاً في الجيش. "كنت منتظراك عشان أدهولك أول ما ترجع. أنا عارفة إنك جوزي وإننا كتبنا الكتاب عند أمي، طالما ما عملناش فرح تجيب خطيبي، لكن أنت جوزي يا بدر، أنا خلاص اتكتبت على اسمك. ولو ندمان ممكن تسب...

"هشششش، ماتكمليش، اسكتي يا ورد، اسكتي. إنتِ خابرة زين إن عمري ما هسيبك حتى لو بموتي." بكى الاثنان في أحضان بعضهما وكانت ورد أكثرهن بكاءً لأنها كادت تنهي حياتها وتحرم نفسها من العيش مع محبوبها وزوجها الغالي نعمة الله لها، وكأن الله يعاقبها بطريقة تجعلها تشعر فيها بمدى غبائها لترك حبيب وزوج مثل بدر واهتمامها لحديث الناس وإنهاء حياتها وتركه. لم يشعران بوقوف مسك والدتها على الباب.

تحمحت زينات لكن لم يستمع لها أي أحد منهم، ومسك تنظر لهم بسعادة كبيرة. رغم فرحتها برجوع أختها لعقلها مرة أخرى، ولكنها شعرت بالحرج من مشاهدة هذا المشهد الرومانسي بين أختها وزوجها. اغتظت زينات من فعلتهم تلك وصرخت بهم حتى يبتعد عن ابنتها. "جرى إيه يا ولاد الهرمة؟ ماتحترموا نفسكم، عيب كده. ده أنا حتى واقفة ما يصحش." ضحكت مسك وهي تنظر لهم. "ما تسبيهمش يا ماما شوية كمان ونبي، ده حتى والله حضنهم أحسن من المسلسلات التركي."

"أقعدي أحسن لك، لسه دورك جاي يا بتاعت بلال." قالتها بهمس وتحذير لابنتها. ابتعد بدر عن ورد ولكنه أعادها لأحضانها مرة أخرى عندما لف ذراعه حول جسدها وضمها له، ونظر لزينات التي تشتعل أمامهم.

"روحي يا ست زينات، بتك خلاص بقت في بيت جوزها ومش هتخرج منه إلا على جثتي. أنا عارف إنك اتجبرتي على كتب كتابي منها وإنك مانعاني عنها ومتعتبراني لسه خطيبها، وإني كنت محترم رأيك في الأول لحد ما عملت الفرح اللي نفسك فيه، بس بعد اللي حصل ليها ده لو اتخليت عنها أبقى مرة ومستحقش جوهرة زي بتك دي. روحي واطمئني. ونامي واعرفي إن حق بتك هيرجع على يدي دي." نظرت له مسك بسعادة كبيرة ولكنها اختفت عندما تذكرت شيئاً ما.

"بس كده يا بدر إنت هتعمل مشكلة كبيرة جوي. إنت عارف إن ماحدش يعرف بجوازك من ورد غيري أنا وأمي وشيخ الجامع اللي كتب كتابكم. كده إنت هتعمل لأمي مشكلة كبيرة مع خالي، وإنت عارف إنه ما كانش موافق عليك، وأمي ضربت بكلمته الأرض وجوزتك ليها... "اسكتي يا مسك." قالتها والدتها بحزم واقتربت من بدر حتى وقفت أمامه ونظرت له بكل قوة.

"إنت لما جيتلي عشان ورد واشتكتلي إن أخويا رفضك، وإن إنت بتحبها ورايدها في الحلال، إني حسيت بعشقك ليها. وكمان حسيت إن بتي ميالة ليك وريداك. ساعتها ضربت بحديد أخويا الأرض وخطبتك ليها من وراه. ولما جيت وجبت مأذون الجامع معاك الدار وجولتيلي إنك عاوزها مراتك وإنك خايف لتخسرها، أنا يمكن عارضت في الأول خوفت على بتي ولسه الخوف ده مستمر معايا، خايفة إني أكون اتسرعت وغامرت بالبت دي وأديتها لواحد ما يقدرش يحميها ويكون راجلها. بس دلوقتي إني عرفت إن ربنا مارزقش ورد بيك لوحدها، لا يا ولدي دا رزقنا معاها كمان. إنت رزق ربنا لينا، إنت راجل وحمايتنا كمان. كتر خيرك يا ابني إنك سترت عرضي."

"ده عرضي أنا كمان يا خالة، ورد في عينيا، ماتخافيش عليها. ومسك أختي وربنا يعلم معزتها عندي كيف أخواتي البنات وأكتر والله." ابتسمت له بعيون تلمع فيها الدموع قائلاً: "ودا العشم يا ابني." نظر بدر للخارج الغرفة وجد والدته وإخوته الفتيات يتابعن الموقف بكل تأثر. ابتسم لهم وعندما وجد يقبلون زوجته بكل سهولة. اقتربت والدته منه وقبلت رأسه قائلاً بفخر.

"طول عمرك راجل يا ضنايا، ويالا ارتاح أنت وعروستك وأني وأخواتك هنحضرلكم لقمة تاكلوها. يالا يا ورد يا بنتي ناميلك ساعة لحد ما الغدا يخلص." "آه ونبي يا خالة سعاد لأحسن عصافير بطني بتنهج من الجوع." قالتها مسك وهي تتحسس موضع بطنها. نظرت له والدتها شرراً. "هتفضلي طول عمرك جعانة مهما كليتي، يالا يا أختي على البيت هناك المش مستنيكي." نظرت لها مسك بتذمر ونظرت باتجاه أختها قائلة. "يعني هي تاكل حمام وأني أقضيها مش؟

والله دا حرام وافتراء." "ماتزعليش يا مسك هبعتلك العضم تمصمصي فيه براحتك." قالتها ورد وهي تدعي الحزن على أختها. "أخس عليكي ما هي دي آخرتها، طب اتكسفي على دمك دا إحنا توأم، أخس على الأخوات لما يبقوا بيذلوا في بعض." ضربت زينات فخذها بكلتا يديها قائلة. "إني عارفة إني مش هخلص منك ومن رغيك عاد قدامي يا آخرت صبري، قدامي على الدار." نظرت لها سعاد بعتاب.

"ملكيش حق والله يا زينات، أخذ على خاطري منك والله. لازم تقعدي وتتغدي معانا، ده إني حتى دابحة دكر بط النهارده إيه سمين وهيستاهل بوجك إنتي وبناتك والله." لمعت عين مسك شعرت بفرحة عارمة عندما وجدت والدتها توافق بعد إلحاح كبير من حمى أختها.

"ونبي يا خالة سعاد متنسيش الورق العنب والرز الأبيض اللي بيبقى عليه صلصة الفته من على الوش ده عشان بيبقى عسل جوي، وورق العنب زوديله شوربة البط شوية عشان يبقى طري كده ويتسف بسرعة، وما تنسيش السلطة عشان ما تخونش." ضحك الجميع عليها وعلى طريقتها في الحديث عن الأكل وأمسكت والدتها رأسها من ابنتها وتصرفاتها الغير عاقلة ولا رزينة أبداً.

-كل شيء في هذه الحياة يعوض، مثل الحب والزواج وأشياء كثيرة من الممكن أن تخسرها وتعوضها من جديد مهما كانت الخسارة مؤلمة. تعوض، الشيء الواحد فقط لا يعوض أن رحل وهو إخوتنا. كان يسير بسيارته بعد أن استطاع الهرب من بيت جابر وأخذ أخيه، والآن يريد أن يبعده عن أي عيون تحاول إيذيته.

أوقف السيارة بمكان بعيد عن الأعين. لقد بعد مسافة كبيرة عن قريته، ولكنه هو الحل الوحيد ليختفي أخيه لبضعة أيام حتى يستطيع أن يجعله يسافر بعيداً عن أي خطر ممكن أن يطاله. "أنزل." قالها بلال بكل صرامة وهو ينظر أمامه. امتثل أخيه لطلبه وخرج من السيارة. أمسكه بلال من ياقته ورجه بقوة وصرخ فيه وهو يلعنه أكثر من مرة على غبائه وذهابه إلى بيت جابر بنفسه. "إنت إيه اللي جرى لعقلك بقا بتروح لحد عنده برجلك؟

إنت اتجننت يالا، مش خايف على نفسك؟ أبعد حجاج يد أخيه عنه وصرخ به هو الآخر، ولكن صرخته كانت مؤلمة، صرخة خرجت من قلبه بسبب تعذيب ضميره.

"آه روحت لحد هناك، عشان ماقدرتش، ماقدرتش أكون سبب في موت الناس. إني كنت مفكر إن كل اللي بعمله ده حب في الله وحب في الدين، بس بس بعد ما شفتهم وهما بينهشوا فيها زي الكلاب الضالة وهي بتصرخ وتستنجد بيا وأني واقف مابعملش حاجة حسيت قد إيه إني كنت غبي لما سلمت نفسي ليهم، وقلت لازم أكفر عن ذنبي وأروح لجابر بنفسي أحسن ما توديني أنت ليه بنفسك."

لم يفهم بلال حديث أخيه، ولكن ما أثار فضوله هو تلك الكلمة الأخيرة التي نطقها أخيه قائلاً بصدمة. "أنا أسلمك ليهم بعد كل اللي بعمله معاك؟ شاكك إني ممكن أعرضك للموت لدرجة دي؟ مش واثق فيا؟ بكى حجاج وهو ينظر لأخيه. "لأ، أنت أكتر حد في الدنيا دي أسلمه روحي وأني مطمئن، بس، بس أنت مت... ماتعرفش حاجة، ماتعرفش أي حاجة. آه يا ورد، حجك عليا ما عرفت أحميكي منهم." حجظت عين بلال حتى كادت تخرج من مقلتيه.

لا يستطيع التصديق أن أخيه وجماعته هم سبب في قتل رشاد وورد أيضاً بعد اغتصابهم لها. "إنت، إنت بتقول إيه يا حجاج؟ يعني إنت السبب في اللي حصل لورد؟ يعني إنتوا اللي اغتصبتوها؟ إنت اللي نهشت في لحمها؟ إنت، دا إنت الوحيد اللي تعرف بعلاقتي بمسك تقوم تسلمها ليهم؟ انحنى حجاج ليد أخيه قائلاً بكل ذعر.

"حب على يدك يا خويا تسامحني وتحميني منهم. أنا لما كنت بين إيدين جابر حسيت إن الموت مش سهل. أبوس رجلك ماتغدرش بيا، أنا عارف إن ما أستاهلش إنك تضحي بحبيبتك عشان. بس ونبي يا خويا إني مليش غيرك، أبوسك رجلك ماتبيعنيش ليهم." أشفق بلال على أخيه وجلس على الأرض مثله ونطق بألم قائلاً. "أنا لو قررت أخسر الدنيا دي كلها عشان أكسبك أنت هخسرها من غير ما يغمضلي جفن." نظر له حجاج بأمل كبير. "يعني مش هتسلمني ليهم، عشان ما تخسرش مسك؟

بكى بلال بحزن ونظر بألم. "يا حجاج، الحب بيتعوض والضنى كمان يتعوض، إنما الأخ عمره ما بيتعوض، وأنا لو خسرتك يا حجاج عمري ما هعرف أعوضك تاني." بكى حجاج حتى انبح صوته وجد أخيه يساعده ليقف على قدمه من جديد. "متخافش يالا، أنا مش هخلي حد يقدر يقرب منك، لو على جثتي، متخافش واطمن، ودا وعد مني." ساعد بلال أخيه حتى يهدأ وركبا السيارة وذهب لوجهة معينة يعرفها بلال لتخبئة أخيه فيها.

-في قسم الشرطة وتحديداً في الزنزانة التي يحتجزون فيها المجرمين لحين عرضهم على النيابة. كان يجلس عبد الله في زاوية بعيدة عن الجميع وينظر لتلك النافذة الصغيرة ويبتسم بسخرية وهو يتحسس جروح وجهه قائلاً بكل كره. "الظاهر يا رضوان إن موت أخوك فرعنك، بس لاه مش أنا اللي أسيب حقي، وبكرة هتشوف أخوك الخاين وعلى يدي دي يا ابن جابر النمر." "بماذا تفكر يا عبد الله؟

إياك أن تفعل أي شيء من رأسك دون أن نتشاور مع أميرنا. يكفينا ما حصل لنا من وراء أفكارك." قالها أحد أصدقائه بغضب شديد من أفكار عبد الله المتهورة دائماً. نظر له عبد الله بسخرية. "الآن أفكاري أصبحت تجلب لكم المصائب، ولكن ارح نفسك، ما أفكر فيه لن ينفذه أحد غيري، فأرح بالك أنت والآن اتركني هيا." صاح فيه صديقه بسبب جحوده واستخفافه بهذه المصيبة التي ورطهم بها.

"اسمع يا عبد الله، أنا لن أتركك ترتكب أي حماقات ممكن أن تودي بحياتنا، وتذكر أنك لست وحدك، وبدلاً من أن تفكر في رضوان، فكر ماذا ستفعل غداً عندما يتم ترحيلنا على النيابة." ثم جلس بجانبه وهو يضع يده على رأسه وامتلأت عيونه بدموع وقال بحزن.

"يا عبد الله، إني خلاص ضعت وضيعت معايا ولادي ومراتي عشان شوية فلوس بتيجي للواحد عشان كلمتين حفظوهم يملأ بيهم دماغ الناس باسم الدين عشان جماعتنا تكبر ونكسب فلوس أكتر. بس دلوقتي إحنا هنا من صباح ربنا ولا في حد جالنا حتى يطمنا إنهم معانا. مش هيسيبونا، غدروا بينا وسابونا وجت الشدة. أنا لو ما لقيتش منهم أي حد يوقف معانا أنا هقول على كل حاجة وزي ما ترسي دنجولها بقى." "وأنت تعرف إيه يا غلبان عشان تقوله؟

ولو تعرف حاجة فين دليلك؟ واسمع يا متولي إياك تجيب سيرة الجماعة في حاجة. الأمير لا يمكن يسيبنا، الأمير لا يتخلى عن رجاله وتذكر أنت هذا، وسوف نخرج منها بكل سهولة. نحن لنا رجالنا في الداخلية وسيهتموا بقضيتنا لا تقلق، وإن سُجنا فأعلم أنك وأولادك وزوجتك في أمان معهم. هيا اذهب ونم واتركني حتى أرتاح قبل أن تصل عربة الترحيلات غداً." تركه متولي على مضض، وقلبه ينذر بشيء خطير.

فهذا الأمير لا يعلمون عنه شيء، هو حتى يتواصل معهم عن طريق عبد الله. وأيضاً هو عبد الله يتواصل معه عن طريق شخص تبع الأمير. نظر متولي من نافذة الزنزانة ونظر للسماء وهو يبكي ويترجى الله بكل خوف وقلق ينهش فيه على عائلته.

"يا رب إني عارف إني عصيتك كتير، بس لأجل حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم تنجدني من اللي أنا فيه يا رب. أنجدني لأجل عيالي ومرتي ما يتبهدلوش ويبقوا عايشين من غير راجل. والله تبت وهتوب أكتر بس أنجدني وارحمني يا رحيم." -اهتز البيت كله من صوت صياح رضوان وغضب الذي أعماه وجعله ينسى أنه يصرخ على والده. "إنت إزاي تعمل كده يا بابا، إزاي تهرب بلال وأخوه من غير ما تعرفني؟

أنت خليت واحد زي بلال يختمني على قفايه يا بابا. أخوه ده كان ديته قلمين وهيقول على كل حاجة وهيقول من اللي كانوا معاه ساعة قتله لأخويا... "أنت بتعلي حسك على أبوك؟ خلاص معادش ليه لازمة قدامك عشان تقف قدامي وتعلي حسك؟ لأ، أصحى يا رضوان، إني ممكن أجيب لك لسانك اللي فرحانالي بيه ده قدام عينيك دلوقتي. أوعاك تكون فكرت إنك كبرت عليا عشان بقيت ضابط في الجيش؟ لأ يا ابن جابر، أصحى أبوك لسه بصحته وهيقدر عليك وعلى عشرة زيك."

تحدث بكل غضب وتحذير لرضوان حتى يفيق لنفسه. هدأت نبرة رضوان قليلاً بعد حديث والده ولكنه جن جنونه بعد أن عرف بمساعدته لبلال حتى يهرب بأخيه. "يا بابا أنا مقدرش أكبر عليك مهما كنت، بس ما تبقاش أنت اللي ساعدت بلال إنه يهرب وعاوزني أضحك في وشك؟ إنت ضيعت عليا فرصة إني أعرف مين اللي قتل أخويا وأخد حقي منه. مش دا برضو كان كلامك إيه اللي اتغير وخلاك تعمل أكده؟ "أنا يا رضوان اللي خليت والدك يعمل كده."

نظر لرضوان ورائه مكان مصدر الصوت وجحظت عيناه عندما رآه أمامه يقف بكل هيبة وشموخ وجعل لسانه يقف عن الحديث ولا يستطيع الكلام. نقل رضوان نظره لوالده ولصاحب الصوت، ولكن تشتت ذهنه عما كان يدور به على صوت أحد غفر البلدة وهو يصرخ وينادي على والده. "الحقنا يا جابر بيه، الحقنا مصيبة وحطت على رؤوسنا كليتنا." انتفض جابر على مصدر الصوت وركض باتجاه الخارج. "حصل إيه ومصيبة إيه اللي بتقول عليها دي يا جدع إنت؟ إيه اللي حصل في البلد؟

حاول الغفير أخذ أنفاسه بسرعة بسبب ركضه السريع قائلاً. "عبد الله وجماعته لقوهم مذبوحين في الزنزانة ومعاد واحد فيهم بس هو اللي عايش، وبيقول إنه عاوزك أنت والباشا رضوان." كانت هذه الكلمات التي خرجت من فم الغفير التي جعلت قلب رضوان يخرج من مكانه وشعر أن الخطر أوشك على الوصول منهم أكثر وأن موت أخيه هذا كان مجرد إنذار بسيط جداً للقادم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...