الفصل 6 | من 34 فصل

رواية مسك الليل الفصل السادس 6 - بقلم سارة طارق

المشاهدات
30
كلمة
4,937
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

كان يجلس على سطح البيت وهو يعيد حديث زوجته عليه وحالتها الصعبة وانهيارها لسردها لأحداث تلك الليلة مجدداً. لا يعلم من أين أتاه الصبر حتى حكت له كل ما حدث في تلك الليلة المشؤومة لها. ولكن ما جعله يصبر على نيران صدره التي كانت تتزايد من كل حرف تحكيه هو أن شعورها هي أعصب منه مهما كان وجعه، فوجعها هي أكبر.

تنهد هو ينظر أمامه، يحاول أن يعرف من هو هذا الشخص الذي قتل أثناء اغتصابها وكيف كان يطالع في الروح ويغطي الدماء وجهه عندما رأته، ودخل عليها أناس كتفوها وقتلوه. لما لم يقتلوه من أول مرة؟ لما رجعوا له مرة أخرى؟ هناك شيء ناقص في تلك القصة ويجب عليه تكملته حتى يعرف من هذا الوغد الذي نهش لحمها. خرجت

منه نبرة تملأها الضعف: "يا معين أعني، اللهم برحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله. اللهم إنك قلت ادعوني أستجب لكم وأنا عبدك دعوتك فاستجب لي. اللهم آمين آمين آمين، وصلى الله وسلم على نبينا الكريم." ختم دعاءه وهو ينظر للسماء بعيون راجية، وأغمض عينيه كأنه يستمد القوة ويطرد أي شعور بضعف داخله. *** كانت تضع الطعام أمامها هي ووالدتها، وكان بالها مشغولاً ولم تدرك أنها بدلت طعامها مع طعام والدتها.

نظرت لها زينات بتركيز، فهي منذ يومين على تلك الحالة ولا تعرف سبب كل هذا التوهان. "بت يا مسك، انتي يابت فُوقي يابهيمة انتي بدل ما أخلع اللي في رجلي وأديكِ بيه على دماغك." قالتها وهي تهز جسد ابنتها بقوة حتى استفاقت من شرودها. "بتقولي حاجة يا ماما؟ " قالتها بتوتر قليلاً، فهي لا تريد مصارحة والدتها بما تفكر فيه. هنا نطقت زينات بصرامة: "هي كلمة، مخك مشغول في إيه بقالك فترة؟ إيه اللي شاغل عقلك؟

أوعاكي يكون الدكتور يا نور عين أمك؟ ولا مفكرة بجد إنه ممكن يتجوزك ويكسر وصية أبوه؟ انتي خلاص يا بنتي بقيتي مالكيش لازمة، زي الجاموسة اللي نشف منها لبنها وبتحش برسيم على الفاضي." استنكرت مسك تشبيه والدتها لها. "أنا زي الجاموسة يا ماما؟ "أيوه وناشفة كمان، يعني مالكيش غير الدبح كمان." ولوت مسك شفتيها بضيق. "كتر خيرك يا ماما والله، إنك عرفتيني قيمتي عندك، وعند...

قاطعتها زينات وأمسكت يدها ونظرت لها بعيون أم تخشى على ابنتها من عقلها وتفكيرها.

"بصي يا بنتي هما كلمتين حطيهم حلقة في ودنك، اللي يبيعك في أول الطريق ويسيبك، دا تنسيه وتمحيه من دماغك حتى لو رجع يتندم تاني، حتى لو حط تحت رجليكي مال الدنيا كله أوعي تأمنيله عشان زي ما قدر يبيع حبك في الأول هيبيعه في الآخر مهما طالت السنين هيبيعك من غير ما يحس بندم لأنه عارف إنه زي ما رماكي ورجعتيله، فلو عملها تاني برضه هترجعي. يعني رخيصة مالكيش تمن في عيونه. عززي نفسك عشان هي تستاهل، ارفعي كرامتك لفوق قوي عشان هي برضه تستاهل قوي، أوعي ترمي نفسك في حضن راجل باعك عشان حضنك مش رخيص. قولي دايما لنفسك أنا أستاهل سيد الرجالة عشان أنا ست البنات."

ثم تنهدت وقالت: "فهمتي يا بت بطني؟ هزت مسك رأسها وأنزلت عيونها للأسفل. "فهمت يا ماما، فهمت، كسفتيني يا ماما قدام نفسي بكلامك ده." رفعت زينات عينيها لأعلى ونظرت لعيونها. "أوعي يا بنتي تنزلي راسك عشان حد أبداً، أوعي تخلي حد يكون سبب إنك تكسفي ترفعي عينك في حد، لأ يا بنتي بطني ارفعيها لفوق قوي طالما محافظة على نفسك ومحافظة على شرف أهلك."

هزت مسك رأسها، فقد ألجم لسانها لم تعرف بماذا ترد على والدتها، فهي محقة في كل كلمة تقولها. أرادت زينات تغيير الموضوع. نطقت بسخرية مزيفة. "ماتا يعني بقيتي تحبي الخبيزة؟ نظرت مسك أمامها وجدت أنها وضعت طبقها هي أمام والدتها. ابتسمت وقالت: "شكلي اتلخبطت." ثم نطقت بقرف: "خذي يا ماما البتاعة بتاعتك دي، أنا عارفة انتي بتاكليها كيف دي، دا حتى طعمها ماسخ." تشنجت ملامح

زينات وردت عليها قائلة: "بقى الخبيزة ماسخة، ولا البتاع اللي قدامك ده اللي مفهوش طعم من أساسه؟ "يا ماما دي مكرونة بسمنة والسكر حلوة قوي بس انتي طوعيني وجربيها وهى هتعجبك." نظرت زينات للطبق بقرف. "لا شيلي البتاع ده من قدامي وهاتي رغيف ملدن خلينا ناكل." سمعت دقات على الباب، وقامت مسك. فتحت الباب ونظرت للواقف أمامها بإستغراب بسبب نظراته لها. "في حاجة يا أخ؟ أنت عايز مين؟

ابتسم لها بتهذيب قائلاً: "سلام عليكم، أنا رضوان جابر، ممكن أقابل الست زينات؟ "اتفضل يا والدي الشاي." قام من مكانه وأخذ منها الشاي وشكرها. نظرت له مسك بريبة، فمنذ أن أدخلته والدتها البيت وهي تشعر بعدم الراحة له، نظراته لها التي كادت تخترقها من رأسها لأسفلها. وضع كوب الشاي أمامه بعد أن ارتشف منه القليل. "تسلم إيدك يا ست زينات." "بالهنا يا والدي، ها قول لي أخبار الست والدتك إيه؟

والله كان بودي آجي أعزيها بس والله غصب إن الواحد المشاكل مش بتسيب حاله والله." أجابها باقتضاب: "كان الله في العون، بس أنا كنت محتاج أتكلم مع الآنسة ورد ده بعد إذنك." قالها وهو يشاور بيده على مسك. استغربت زينات طلبه هذا، ولكنه سبقتها مسك وسألته. "وأنت عايز من أختي إيه عاد؟ إيه اللي بينك وبينها عشان تطلب إنك تكلمها وتجعد معاك إن شاء الله؟ زينات ببعض القلق: "استني يا مسك، خلينا نفهم منه الأول." استغرب بلال حديثهم.

"أنا بس عايز أسأل سؤال، هو مش انتي البنت اللي انتحرت في البحيرة؟ ردت عليه مسك بغضب: "لأ مش أنا دي أختي، وبرضه هقولك أنت مين وعايز منها إيه." لم يهتم رضوان بها ولا بحديثها ونظر لزينات. "أنا يا حاجة زينات اللي أنقذت بنت حضرتك ووديتها المستوصف يوميها." نظرت له زينات بابتسامة كبيرة. "والله يا والدي ما عرفة أقولك إيه غير ربنا يباركلك في صحتك وينصرك على من عاديك يا والدي زي ما ردتلي روحي تاني ولحقت بتي."

ولكن قاطعها رضوان قائلاً بمكر: "بنتك غالية عليكي يا ست زينات؟ "لأ رخيصة، أصلها لقيتها في الشارع، ما طبيعي غالية عليها يا جدع انت، أخلص قول اللي بعد الجملة دي عشان هو ده المهم." لم يهتم رضوان بها ولا بحديثها وكان مصوب كامل تركيزه على زينات. "ما جاوبتشني يا حاجة." بدأ قلق زينات يزيد أكثر. "أيوه غالية يا ابني بس إني عايزة اللي بعد الكلمة دي زي ما بنتي قالتلك."

"وأنا هقولك يا حاجة على كل حاجة بس برضه أنا عايز ورد تكون معايا هنا الأول." "يا ولدي ورد في بيت جوزها." صدم رضوان من حديثها. "متجوزها؟ طب إزاي؟ ورغم اللي حصلها جوزها باقي عليها؟ صاحت فيه مسك بقوة: "اسمع يا جدع انت هتجيب أدبك يبقى تمشي من هنه وتورينا عرض كتافك." مرة أخرى لم يهتم رضوان بها ولا بحديثها جعلها تغضب ولكن زاد غضبها الضعف بعد حديثه عنها.

"حاجة زينات أنا عايز أتكلم معاكي لوحدنا الأول بعيد عن الديك الشركسي اللي واقف على راسي ده." قالها وكان يقصد بها مسك لإهانتها. زمجر وجه مسك من اللقب الذي أطلقه عليها ولكنها صدمت عندما وافقت والدتها على هذا وأمرتها بدخول إلى غرفتها. دخلت مسك غرفتها على مضض ولكنها لم تقفل بابها تماماً حتى تستطيع استراق السمع وتعرف ماذا يريد هذا الرجل من أختها وأمها.

"حاجة زينات أنا عارف باللي حصل لبنتك وأنها كانت بتحاول تنتحر عشان في ناس اغتصبوها.. وقبل ما تردي عليا أو تقلقي مني فأحب أقولك إن مصلحتنا واحد أو بمعنى أصح طرنا واحد، رشاد أخويا هو الشاب اللي اتقتل في نفس الليلة اللي اغتصبوا فيها بنتك يعني اللي قتل أخويا هو اللي اغتصب بنتك......... *** في غرفة مظلمة، كان يجلس وهو يرتدي ذلك الوشاح الذي غطى وجهه بالكامل ورؤيته عدا عينيه، وهو يتحدث مع زعيمهم عبر الإنترنت. ابتسم

بمكر وهو يتحدث بالعبرية: "لا تقلق سيدي كل شيء يسير كما طلبت، ولكن نحتاج إلى بعض الوقت حتى نضع أيدينا على تلك البلد." تحدث الآخر بوجه يعلوه الضيق: "أمامك فقط بضع أشهر، أنا أريد الصعيد كله وليس تلك البلد فقط، الصعيد من أهم البلاد في مصر وإذا وضعنا أيدينا عليها سيكون باقي البلاد أسهل مما تتخيل وستكون مصر كلها بين يدينا ولكن أنتم من ستصبحوا في الصورة حتى يأتي الوقت المناسب لظهورنا."

"لا تقلق سيدي بالتأكيد رسالتنا وصلت له، وسوف يتنازل عن منصبه، ولن يعاد ترشيحه مرة أخرى، وسيكون أحد من رجالنا هو المرشح بدلاً منه، سوف يخاف على ابنه الآخر، كل شيء تحت السيطرة لا تقلق أنت فقط اترك لي كل شيء أفعله بحرية مطلقة وسوف أفاجئك."

ضحك الآخر بسخرية: "اترك على حريتك، اسمع يا هذا أنت فقط مجرد مأجور أنت ورجالك عندي بالمال حتى تحصل على ما أريد ليس حتى تنتقم من عدوك على حساب عملي، انصت لي جيداً لا تستعمل عقلك هذا في أي شيء دون إخباري حتى لا تهدم كل ما حاولنا بنيانه طوال تلك السنوات. لن أستغني عن جهود بلادي بكل تلك السهولة لأجل انتقامك الغبي، أنت تلعب مع حكومة وجيش من أقوى وأذكى الجيوش على الإطلاق بمجرد أي خطوة تخطوها من رأسك ممكن أن تضيع كل آمالنا التي طالما حلمنا بها لدخول تلك البلد مرة أخرى. اسمعت؟

هيا أقفل وأعلمني عندما تعلم أنه تنازل." نطق بلهفة: "انتظر سيدي أريد فقط أن أسألك عن عملية الاغتيال التي سوف تتم في سيناء، كل شيء بخير هل علم أحد من هؤلاء الطاغوت عن رجالنا هناك؟ أريد الاطمئنان فقط."

"ليس من شأنك السؤال عن حدود ليست من ضمن حدودك أنت، فقط ضع تركيزك على حدودك الصعيدية التي كلفتك بها، وانتظر مني عملية سوف تتم عن قريب عندك، ولكن سوف أعلمك عنها قريباً حتى يتم التخطيط لها لأنها ستكون عملية تزلزل أرض مصر والعالم كله لن يكون هناك سيرة غير عن تلك العملية." قال بابتسامة تملأها المكر الشر وأغلق الخط دون أن ينتظر رد الآخر عليه. أغلق الآخر الجهاز الذي أمامه وابتسم وهو ينظر من أعلى هذا الجبل.

"قريباً جداً ستكون بين يدي يا صعيد بلادي، وبعدها أتخلص منك أنت ولكن بعد أن أراك تزل أمام قدمي، وسوف ترى من منا يستحق أن يكون مكان الآخر." *** اتسعت عينيها من الصدمة بعد أن سمعت كل ما قاله، هزت رأسها يميناً ويساراً بعدم تصديق، لا تصدق ما سمعته أذنيها، لم تشعر بنفسها إلا وهي تخرج وتقف أمامه وتصرخ فيه. "أنت أكيد كذاب، بلال لا يمكن يعمل أكده، بلال حجانى (حقاني)

وبيخاف ربنا، ومش ممكن يهرب أخوه، دا بلال يسلمه بنفسه، انت أكيد مجنون يا جدع انت، روح يلا ارمي بلاويك على حد تاني." حاول رضوان الرد عليها ولكن بهدوء. "لو هو حقاني زي ما بتقولي ما كانش هرب أخوه، أنا مش عايز منكم حاجة كل اللي عايزه إنكم تقعدوني مع ورد يمكن أعرف منها مواصفات أي حد فيهم، أو حتى أي علامة أو دليل في كلامها معايا أقدر بيه أوصل للقاتل أخويا وأخد حقه وحق بنتك ياست زينات." كانت زينات مصفرة الوجه ولكنها

قاومت ونظرت له قائلة: "روح يا ولدي، إحنا مالناش حق عند حد ولو لينا إحنا نجيبوا بنفسينا، وبعدين بتي محدش جرب منها دا حرامي هددها وسرق كل اللي معاه وضربها ورميها في الماية بس أكده، لكن محدش جرب من شرفها، بنتي شرفها متصان مع جوزها." صاح

فيها رضوان بعد حديثها هذا: "بصي بقا يا ست زينات، انتي لو مجتيش معايا دغري، أنا هضطر أعمل استدعاء لبنتك في القسم وهي هتقول كل حاجة، فكري كويس بس خليكي فاكرة إن لحد دلوقتي بتعامل بالحسنة، إني كان همي حق بنتك زي ما هممني حق أخويا، وانتظري مني زيارة تانية ونصيحة مني بلاش تضيعي حق بنتك." أدارت ظهرها له قائلة: "شرفت يا والدي، معلش بجا إحنا اتنين ولايا ومينفعش جلستك هنا معنا كتير."

نظر له ببرود ونطق: "براحتك يا ست زينات بس، خليكي فاكرة أنا كده كده هجيب حق أخويا، بس انتي بتفكيرك ده هتضيعي حق بنتك وهتضيعي دي كمان." كان يقصد بها مسك. وتركهم وخرج. أغلقت مسك ورآه ورجعت لأمها ونظرت لها بصدمة وعدم فهم. "إيه اللي قولتي ده يا ماما؟

كممت أمها فمها قائلة: "هس اقفلي خشمك ده، أياكي تطلعي أي نفس عن مجية الواد ده قدام أختك وجوزها إحنا مصدقنا إن جوزها وعيلته ستروا عليها وعرفوا يداروا على الموضوع، والدكتور نبه على الممرضة بتاعته متطلعش أي كلمة عنها بره، والحمد لله ربنا ستر علينا ومحدش عرف حاجة غير إنها حادثة سرقة بس، عايز إنتي بعد كل ده أسمع كلامه وأكشف المستور اللي ربنا أراد إنه يخفيه." أدمعت عين مسك من تفكير أمها ونظرت لها ونطقت

بعد أن انتزعت يدها عنها: "يعني عشان خايفة من الناس هتضيعي حق بتك، هان عليكي شرفها اللي راح بين إيدين الديابة دول يا ماما، هان عليكي حسرتها على نفسها." ثم صاحت بقوة: "كل ده عشان الناس، خايفة من الناس، ماتا يا ماما وإحنا بنهتم لناس وكلامها." ابتلعت زينات غصة مؤلمة ونظرت لابنتها.

"كلامي خلص خلاص، ولو عرفت إنك جبتي سيرة لأختك أنا هتبرى منك العمر كله، وساعتها مش هتبقي بتي ولا أعرفك." قالتها بكل قوة مزيفة وتركتها ودخلت غرفتها وأغلقت على نفسها بابها وبعدها انهارت في البكاء وهي تهمس: "حقك عليا يا ضنايا بس والله غصب عني، كل ده عشان خايفة عليكي خايفة تسمعي كلمة من حد تخليكي تعملي في روحك حاجة من الفضيحة، وأخسرك." *** في المقابر.

كان يجلس أمام قبر ابنه يبكي على حاله وعلى ما وصل له الآن، لم ينفع أي شيء لا مال ولا سلطة. الآن هو يجلس أمام قبر ابنه البكرى ومهدد بخسارة ابنه الثاني، وجميع عائلته ولا يستطيع أن يفعل أي شيء. كل ما عليه فقط هو تنفيذ ما طلبوه منه حتى يحافظ على أهل بلدته من أي خطر، فهؤلاء معروفون بالغدر. ولكن يصعب عليه أن يتنازل بكل سهولة ويسلمهم بلدته وأهلها ويظهر هو بمظهر الضعف والخيانة في أعين الناس.

وجد من وضع يده على كتفه، عرف أنه رضوان ابنه كل ما تبقى له في هذه الحياة. "متخافش عليا يا بابا، واعمل اللي أنت شايفه صح، بس نصيحة مني يا بابا أوعى تعمل حاجة أو تاخد خطوة مش مقتنع بيها أو تعملها غصب عنك عشان اللي بيروح مابيرجعش تاني." قال آخر جملة وهو ينظر لقبر أخيه وهو لم يتعافى من فراقه حتى الآن. "بس لو منفذتش اللي جاله عليه هخسرك أنت كمان يا ولدي وأني خلاص معدش ليا غيرك أتعكز عليه، خلاص هانت وهقابل رب كريم."

نزل رضوان على ركبته وقبل يمين والده.

"بعد الشر عليك يا بابا، بس أنا جلتلك متخافش عليا ولا على نفسك ولا حتى على البلد يابا أنت مخلف راجل مش مرة، غير كده ولاد الكلب دول مش هيطولوا شبر واحد من أرضنا ولو على جثتي، أنا كده كده كل مرة بخرج فيها لمهمة ببقى عارف إني ممكن مرجعش تاني، بس ولاد الكلب دول مش بيخلصوا بالعكس بيزيدوا وعمالين ينتشروا في كل حتة زي الجراد، بس والله ماهسيبهم في حالهم، وإن شاء الله ربنا هيخلصنا منهم على خير."

نظر لقبر أخيه وهربت منه دمعة ناطقاً. "مبقاش النقيب رضوان جابر النمر نقيب القوات المسلحة المصرية أما جبت حق أخويا وحق كل واحد دمه سال على إيد الخنازير دول، خد وعد مني يا بابا أنا خلاص يا قاتل يا مقتول، بس ساعتها أعرف إن ابنك مات وهو بيقاومهم على قد ما يقدر." قالها وهو يتجه للخارج. جابر من مكانه ونطق برعب: "على فين يا ابني، استنى يا ابني متوجعش قلبي أنا وأمك عليك أنت كمان بكفيانا وجع."

رد عليه دون أن ينظر له: "متخافش عليا يا بابا أنا زميلي في كل حتة، إحنا في كل مكان في البلد دي يابا إحنا لو مكانتش عيونا في كل مكان، كان زمان البلد دي بقت خرابة ومستعمرة كنا هنبقى ضيوف في بلدنا، بس ربنا حمانا وحارس البلد دي عشان كده لازم نقاوم لحد آخر نفس فينا عشان نحافظ عليها، على الأقل نخلي أي أب أو أم أو أخ، يتوجع على حد من أهله زي ما اتوجعنا كده على رشاد."

ثم نظر لقبر أخيه: "بس هو اللي جابه لنفسه، سلام يا حج خلي بالك من بلدك ومتسبهاش بسهولة لأي حد وبعدين أنا كده كده ميت ميت طالما قررت إني أدخل الجيش، بس أرجع وأطمنك برضه الأعمار بيد الله عشان بس متوجعش في قلبك، سلام."

قالها وخرج من المقابر وهو ينوي أن لا يرتاح حتى يجد هؤلاء الأوغاد الذين ظن أنهم ممكن أن يتحكموا فينا أو يأخذوا أرضنا من بين يدينا بسهولة وأراد أن يعرف من هو الأمير الذي تجرأ وجاء لصعيد مصنع الرجال والنساء والأطفال الأقوياء والأشداء فهنا السيدات تصبح رجال وقت الخطر. *** بعد يومين. في مكان يجمع كل رؤساء القوات المسلحة والشرطة.

كان اجتماع يجمع بين كل أفراد البلد ذوي الرتب والسلطة العسكرية في مصر، كانت وجوههم تدل الهيبة والقوة والصمود، أيضاً كان من يراهم فقط بهذا الشكل فقط من الممكن أن يغشى عليه من فرط هيبتهم، يكفي فقط زيهم العسكري وهيبته.

"يا فندم حضرتك إحنا مراقبينهم بقالنا فترة، والحمد لله أنقذنا بلاد كتيرة من حوادث الانفجار والاغتيالات اللي كانوا بيخططوا ليها، أنا بس عايز أعرف إحنا مستنين إيه عشان نمسكهم، إحنا حتى الجماعة اللي في سينا قربنا نوصل لموقعهم بس حضرتك مانع الهجوم عليهم هل تسمح لي أعرف السبب من حضرتك." قال بكل أدب واحترام لتلك الرتبة العالية التي أمامه. أخذ الآخر نفس بعد أن استمع لسؤاله بكل اهتمام ونظر له حتى يبدأ بالشرح.

"إحنا يا سيادة الرائد مش همننا الجماعة أكتر ما همننا اللي بيمون للجماعة ومين هي الدولة اللي ماشياهم وبتديلهم المعونات من الأسلحة والفلوس ومكونات المتفجرات اللي بتبقى على أعلى مستوى، إنما العيال مجرد دروبيه بتمشي بأوامر، يعني سهل جداً يتقبض عليهم إحنا عايزين الأمر مش المأمور." شخص آخر: "تمام يا فندم وبالفعل إحنا قربنا نوصل، وجتلنا معلومات إن في عملية كبيرة هتقوم في الصعيد، وإحنا شاكين إن الأمير موجود هناك."

قائد آخر برتبة مشير: "مفيش حاجة اسمها شاكين يا سيادة المقدم، إحنا عايزين تأكيد، بعدين إحنا عيونا في كل حتة في الصعيد." أحد الضباط: "حضرتك متأكد إن رضوان هيتصرف صح، أنا مقصدش حاجة بس أنا خايف ثأر أخوه ينسيه كل حاجة خططنا ليها ويتصرف من دماغه."

هنا رد أحد أصدقاء رضوان مدافعاً: "رضوان مش الشخصية المتهورة اللي ممكن تتصرف غلط أو يعمل حاجة خارجة عن القانون حتى لو عنده حق، كل تصرفاته قانونية، وبعدين سيادة المشير كان عنده من كام يوم، وبالفعل رضوان اطلع على كل الأوراق، وعرف بالخطة وجاري تنفيذها كما أمر سيادة الأركان." "تمام كده نبدأ بسم الله في عملية تفشيل مخطط الإرهاب في الصعيد." *** أخبرت أختها عن مجيء رضوان لبيتهم وعن الجدال الذي حصل بينه وبين والدتها.

"أنا بس جايه أتأكد منك هل فعلاً لمحتِ حجاج في اليوم المنيل ده." كانت تنظر إجابة أختها بلهفة وهي تدعو الله أن يكون بلال وأخيه ليس لهم أي صلة بما حصل لأختها.

كانت ورد تجلس أمامها ولون وجهها أصبح أصفر للغاية وسحب لونه، كلما تذكرت ما حصل لها، ولكن عصرت رأسها وهي تحاول تذكر أي شيء ولكن كان يصعب عليها رؤيتهم بوضوح بسبب الإضاءة الضعيفة ليلتها، لكنها هبت واقفة عندما لمحت في عقلها صورة لشخص الذي اغتصبها أولاً وكان ذو وشم كبير على يده وشم غريب لأول مرة تراه، كأنه كلمة مكتوبة ولكن بلغة غريبة جداً عنها.

"ها افتكرتي حاجة، أكيد مش حجاج صح قوليلي يلا خليني أرتاح." قالتها مسك بلهفة كبيرة. "هو اللي اغتصبني الأول هو اللي شفته، كان فيه وشم كبير على دراعه كأنه كلمة مكتوبة بلغة غريبة، كلمة كبيرة بس هو ده اللي شفته منه وإنما رجالتهم كانوا كلهم مغطيين وشهم بهباب أسود مش مبين ملامحهم زين." ظهر الإحباط على وجه مسك ولكنها اقتربت من أختها ومسكت يدها لدعمها.

"ورد، انتي أختي وتوأم عمري كله عايزكِ تعرفي إني مش هرضالك غير الخير وبس، أوعي تسمعي كلام أمك وتمشي وراها وتخافي من الناس أو من نظرتهم انتي لازم تقوي عشان حقك يرجعلك." ابتلعت ورد ريقها. "قصدك إيه وحقي هيرجعلي إزاي؟ "إحنا لازم نروح لرضوان وتحكيله اللي حصل لأخوه الأول بعدها أنا هتصرف معاه وهعرف منه مين اللي عمل أكده وعد مني مش هسيبه يتهنى بعمره أبداً." فتح باب الغرفة بقوة ونظروا لبدر الذي شملهم بنظرة لا تبشر بأي خير.

*** كل لحظة تمر عليه ينظر لساعة هاتفه وكان يأكله القلق يخشى ألا تنفذ وعدها له وتأتي، كان ينظر للطريق كل ثانية ينتظر وجودها بفارغ الصبر. ظهر على وجهه تلك الابتسامة المطمئنة عندما وجدها تتجه إليه وتنظر خلفها مع كل خطوة تخطوها باتجاهه. "وحشتني يا بلال." قالتها بكل شوق لهذا الرجل الذي تملك قلبها بكل ما فيه. اقترب منها وهو ينظر لعيونها بلهفة عاشق لها، اقترب ليضع يده على وجهها ولكنها ابتعدت عنه بخجل. "لسة بتكسفي مني؟

" قالها بلال بابتسامة لطيفة زينت وجهه. فركت يديها ببعضهم بخجل ولكنها رفعت عينيها لتقابل خاصته بعد أن ناداها باسمها ولكن بطريقته هو. "مسكي، اشتاقت عيناي لطلتك، واشتاق قلبي لدقاته عند رؤياكي." "بتحبني لدرجة دي يا بلال؟ " باغتته بذلك السؤال لتطمئن قلبها أكثر أو بمعنى أصح ضميرها. تنهد بحرارة قائلاً: "آه يا مسك ليكي في القلب ماليس لغيريك."

بكت وهي تنظر له، انهارت أكثر بين يديه عندما اقترب منها بسبب دموعها الغير منطقية في تلك اللحظة الرومانسية. "مسك هو أنا قولتلك حاجة زعلتك، اهدى طيب متعيطيش عشان خاطري وفهميني إيه اللي زعلك." حاولت تهدئة نفسها ولكن لم تستطع فخرجت الكلمات منها متقطعة. "خ خايفة ت سيبيني تاني، وتبعد." قالها بتلعثم بسبب بكائه.

أشفق عليها فهو سبب حزنها طوال تلك المدة التي تركها فيها ولم ينفذ وعده لها وتزوجها ولكن الآن لم يمنع نفسه من وجودها في حياته وتجرأ ونطق. "مسك تقبلي تجوزيني وبكرة؟ اتسعت عين مسك بسبب طلبه، لم تتوقع أن يكون جريئاً لتلك الدرجة ويريد أن يتزوج بها وغداً، هلت أسارير وجهها وفرحت كثيراً. "أكيد مواف... " لكنها قطعت حديثها عندما تذكرت رفض أمها لبلال مسبقاً، والآن بسبب حديث هذا الأحمق رضوان لن توافق عليه.

استغرب بلال من تبدل حالها من الفرحة للعبوس. "مالك تاني أنا آهو بنفذلك وعدي وعايز أتجوزك، إيه اللي قالبك كده؟ جلست مسك أمام شجرتهم التي اعتادوا على الجلوس أمامها ونطقت بحزن. "أمي مش هترضى، مش هتوافق على الجوازة دي." ثم نزلت دموعها مرة أخرى. "الأول كان أبوك سبب إننا نفترق ودلوقتي أمي هتبقى السبب، بس إني مش هقدر أبعد عنك تاني يا بلال أنا بحبك ومش هقدر أعيش من غيرك ولو أقدر أشوف راجل تاني غيرك في حضني."

ربت بلال على يدها قائلاً: "متقلقيش لو على أمك فأنا هخليها توافق، ولو حتى هتجوزك غصب عنها، بس في الآخر برضه أو غصب عنها هتبقى مراتي وده قرار نهائي، بس الأول هتقدري على ده؟ نظرت له بقلق وخوف كبير لكنها قاومت قائلة: "أنا أقدر على أي حاجة طالما هبقى معاك ومش هنبعد عن بعض تاني."

هز بلال رأسه لها وبدأ يفكر في شيء يجعل والدتها توافق على تلك الزيجة منها حتى لو استعمل معها طرق ملتوية لا يهم أهم شيء أن توافق فهو يريد موافقتها لا يريد أن يحزن مسك ويجعلها تتزوج دون رضاها فهو يعلم أن رضا والدتها أهم شيء عندها وخصوصاً بعد وفاة والدها. ولكن مهما حصل لن يتنازل عنها. فأحمق من الذي يبتعد وهو بين يديه المسك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...