الفصل 27 | من 34 فصل

رواية مسك الليل الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سارة طارق

المشاهدات
24
كلمة
2,234
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

"أبوس يدك يا علون، رجعلي ابني، رجعهولي وأنا أعيش خدامة تحت رجليك العمر كله بس رجعهولي، أحب على جذمتك هاتلي ضنايا." كانت تبكي بقهر وهي تنحني برأسها عند قدميه تقبلها. وبعدها وجدت جسدها يُلقى على الأرض أثر ركلة زوجها لها.

ارتَمَت على الأرض ووقع شالها من على رأسها وانفرد شعرها الطويل على ظهرها. ولكن وجدته يمسك شعرها ويلفه حول يديه ويجرجرها ورائه، ولا يعي لصرخاتها واستغاثتها تلك بأن يتركها. ولم يعبئ بأنها مازالت في مرحلة النفاس ما بعد الولادة. صاح علوان وتحدث بغضب: "ابنك ده تنسيه خالص، ولو مجروحة جوي هات لي غيره."

قالها وهو يلقيها في الغرفة على الأرض الصلبة ويغلق الباب بالمفتاح. وابتسم ابتسامة صفراء برزت منها أسنانه السوداء من أثر التدخين. لم يعبئ بصراخها وتركها وخرج من البيت كله وهو يرقص ويهز كتفيه وجسده بخفة، ويخرج المال من جيبه يرفل به. "يا وبور يا ولع، دوج الفحم وأنا أجولك ولع، تدوج الفحم." ظلت تصرخ وتضرب بكل قوتها على الباب حتى يفتح لها، ولكن لا حياة لمن تنادي. وسمعت صوت باب البيت يُقفل وعلمت أنه تركها كالعادة.

وهنا انهارت على الأرض وظلت تلطم على صدرها وتندب حظها. "هاتولي ابني، هاتولي ابني ياكفره، حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم. آه يابني ياللي ملحقتش أفرح بيك زي ما معرفتش أفرح بنفسي ولا بشبابي. آه ياضنايا خدواك من حضني غصب. يا ولداااااااي، يا حتة من جَلبي، أبوك داس عليا وخدك غصب. يارب رجعلي ابني لحضني يارب."

ظلت هكذا حتى فقدت وعيها كالعادة من شدة التعب. فهي من بعد والدتها وخطف ابنها، وهي تصرخ وتبكي وتستنجد بزوجها ليجلب لها ابنها، ولكن كالعادة لا يهتم لها. ولا يشعر بذنب أبدًا، بل يحبسها ويخرج للهو، ولا كأنها كلبة في البيت وليست زوجته. ويجدها كل يوم ملقاة على الأرض فاقدة الوعي، يحملها ويضعها على الفراش ولا كأن شيئًا حصل من الأساس.

وهنا خرجت تلك الصغيرة التي تخبئ نفسها في زاوية بعيدة حتى لا يراها أبوها خوفًا من أن يبيعها مثل أخيها. فقد أهداها عقلها الصغير لتلك الفكرة، ظنًا منها أنها هكذا تختبئ منه وأنه لن يجدها. وهي تختبئ في زاوية بين أريكتين موجودين في بهو البيت. كان جسدها الصغير يرتعش وتملك الرعب من قلبها حتى أصبح جسدها عبارة عن قطعة من الثلج المجمّدة من شدة خوفها. تريد أن تذهب لترى أمها ولكن تخشى أن يراها والدها ويبيعها أيضًا.

ولكن لم تتحمل صرخات والدتها وذهبت لتراها. حاولت الخروج من تلك الفتحة الصغيرة بصعوبة لأنها ضيقة بعض الشيء، ولكن في النهاية نجحت وتحركت لغرفة أمها لتراها لأن صوتها هدأ مرة واحدة. وهنا علمت أنها فقدت وعيها مثل كل يوم. فتحت الغرفة بالمفتاح بالنسخة التي تخبئها معها. ووجدت والدتها ملقاة على الأرض مثل كل يوم. تحركت بعيدًا عنها لتجلب الماء لتوقظها به.

جلبت الماء وجثت أمام والدتها ورشت البعض منه على وجهها لتفيق، ولكن لم تنجح تلك المحاولة. رشت مرة أخرى عليها ولكن زادت الماء بيدها، وقد نجحت وفاقت والدتها. نظرت تلك السيدة التي تدعى إخلاص، وهي في حالة تتقطع لها الألباب (القلوب) من شدة همها وحزنها على فقيدها. فتحت إخلاص عيونها ونظرت لابنتها بحزن ملأ قلبها لأعوام كثيرة منذ أن تزوجت من هذا الذي يدعى رجل أمام الناس فقط، وهو بالأصل ذكر عديم الشرف والأمانة والمسؤولية.

ووجدت إخلاص ابنتها نجاة التي لا يتعدى عمرها الخامسة عشر عامًا، رغم جسدها الصغير هذا. نطقت إخلاص وهي تلهث بصعوبة وتمسك بابنتها، مأنها طوق نجاة لقلبها: "نجاة، هاتِ أخوكي لحضنك يابنتي، هاتي أخوكي لحضنك. رجعيه وعرفيه مين أهله ياضنايا. ابعدي عن أبوكي يانجاة، اهربي، دوري على أخوكي، دوري عليه ورجعيه يابنتي متسبيهوش للغريب يربيه." هزت نجاة رأسها بخوف من حالة والدتها: "حاضر ياما حاضر، هرجعه حاضر متخافيش."

احتضنت أمها وحاولت أن تهدئها حتى هدأت وسكتت عن وصاياها لها أن تجد أخيها. أخرجت نجاة أمها من بين أحضانها، وجدتها لا تتحرك وعيونها متجمدة في مكان واحد ولا تتحرك. هزت نجاة أمها ولكن دون فائدة. "أما، ياما، أما، فُوجي ياما بالله عليكي. مالك بس؟

ياما اصحي، والله هروح لشيخ الجامع وأخليه ينادي عليه في الميكروفون عشان الناس اللي خدوه يرجعوه، متخافيش، بس انتي فُوجي لنفسك أكده. بصي أنا هسيبك وهروح لشيخ أحمد ينادي عليه في الجامع الكبير عشان الناس كلها تسمع وهرجعلك." "بتعملي إيه يا مزغودة عندكِ؟ وازاي دخلتي هنا وأنا معايا المفتاح؟ انطقي...

ولكن صمت عندما وجد جسد زوجته ملقى أمامَه ولونه غريب، كأن النور يشع منه. اقترب ولمس وجهها، وجده بارد. وظل يحرك فيها حتى علم أن الروح فارقت الجسد. جحظت عيناه من هول الصدمة وكأن جسده شُل. "هي أمي مالها يا بابا عاملة أكده ليه؟ نطق بصدمة: "أمك ماتت." أطلقت تلك الصغيرة صرخة قوية تحتضن أمها:

"لأ، أمي لأ. أمي ممتتش، أمي تعبانة بس وهتفوق تاني. ياما فُوجي ياما، جومي متسبنيش لوحدي، مليش غيرك يامااااا. عيشي عشان خاطري ارجعي تاني، أبوس يدك." ظلت هكذا تبكي لترجع من أمها أن تعود، ولكن لم تجبها ولم تعود. نظرت لوالدها الذي يتابع ما يحصل بصدمة وصرخت في وجهه: "انت اللي قتلتها، انت اللي موتها، بجهرتها على نفسها، وعلى أخويا اللي بعته وخدت فلوس مكانه، أنا هفضحك، أنا هخلي الناس كلها تعرف." أمسك بها وكمم فمها خوفًا

أن تنفذ تهديدها له وقال: "اِجفلي خشمك ده، لأحسن أجتلك مكانك هنا. اياكي أسمع لكِ حس، والا هخليكي تحصلي المرحومة أمك، فاهمة؟ زاد بكائها بين يديه وأنفاسها بدأت في التقطيع من أثر ضغط يديه على وجهها. ألقاها على الأرض ونظر لها بشر. واقترب لإخلاص وحملها ووضعها في الفراش وغطى جسدها ووجهها. وأمسك ابنتها من خصلات شعرها وألقاها بجانب أمها. "خليكي جنبيها هنا لحد ما أشوف هجيب مين يغسلها." ثم نظر لجسد زوجته:

"الله يرحمك يا إخلاص، كنتي مرة تعشق الحزن والبكى." هنا صرخت نجاة فيه بقهر: "ماهو من اللي بتشوفه منك، ربنا يرحمها رحمتها دي ومتجيبش اللي يدفنك." "اخرسي يا تربية المرة." قالها وهو يصفعها على وجهها. نطقت من بين بكائها: "أهي تربيتك أنت." هنا جحظت عيناه من وقاحتها عليه. وأمسك شعرها وظل يضرب فيها ويسبها: "بجـا أنا مرة يابنت أخلاص، طب أنا بجا هخليكي تروحي لأمك بجد."

وهنا أمسكها من رقبتها وحاول أن يخنقها، وهي بين يديه تجاهد أن تعيش وتحاول الهرب منه، ولكن دون فائدة. كان ملقى على الأرض وهو فوقها يخنقها بكلتا يديه. ولكن وجدت قطعة المرأة الخاصة بوالدتها وأمسكتها وأصابته بجرح كبير في جانبه الأيمن. وهنا أطلق عاكف صرخة قوية وابتعد عن نجاة ليرعى جرحه، وأن بقوة، فجرحه كبير وعميق. ولكن نظر لمكان ابنته وجدها تمسك بحجر كبير تضربه به في جبهته. وبعدها خر واقعاً والدماء تسيل من جسده. ***

في بيت كبير في الصعيد كما يقولون عنها (فيلا)

كانت تجلس في إحدى غرف هذا البيت وأكبرها فتاة جميلة عمرها لا يتعدى الاثنين وعشرين عامًا. ترسم على محياها ضحكة صغيرة وهي تداعب هذا الطفل الصغير بين يديها وترسم له تعبيرًا مضحكًا على وجهها لتضحكه. بين الحين والآخر تداعب خصلات شعره الطويل الناعم، فهو من الأطفال التي تولد بشعر كثيف. ظلت تداعبها حتى تثاءب وأغلق عينيه للنوم. ظلت تتأمله بحب كبير، فهي تمنت هذه اللحظة حتى أن تأتي. وكان عندها أمل ويقين أن تشفى وتنجب مثل النساء،

ولكن كان للقدر رأي آخر. وعلمت أنها لن تصبح أمًا طوال عمرها. كم هو شعور صعب أن تفقد جزءًا مهمًا في حياتها وهي أن تصبح أمًا لطفل واحد، كانت تتمناه طفل واحد ولا تريد أكثر. ولكن انقطع الأمل، ولكن الله كان له رأي آخر عندما أهداها هذا الطفل.

وأثناء انشغالها في ذكرياتها لم تشعر بدخول زوجها عليها الغرفة وهو يستند على الباب، يتأمل كل حركة تفعلها مع الطفل بسعادة كبيرة. فهو في قمة سعادته أنه جعلها تبتسم مرة أخرى بعد أن ظن أنها نسيت الضحك من كثرة حزنها. "الظاهر إن الباشا جه خدك مني خالص لدرجة إنك محسيتيش بوجودي." يتحدث وهو يقترب منها، يقبلها من رأسها. استقبلته الأخرى بابتسامة هادئة، وأشارت له بعلامة السكوت حتى يخفض صوته. "شش، هتصحيه." اخفض صوته:

"حاضر هوطي صوتي، بس قوليلي الأول مُتيم عامل إيه؟ " قالها وهو ينحني للصغير يقبله. استغربت ما قاله وجعدة حاجبيها قائلًا: "مُتيم، أنت سميته كده؟ هز رأسه بنعم وأخرج شهادة ميلاده وهو يفتحها ويريها لها. أمسكت الورقة وفرحت لحفر اسمها بها في خانة الأم، وأيضًا اسم زوجها يكتب في خانة الأب. يجثو على ركبتيه أمامها يقول بسعادة وهو يلصق جبهته بجبهتها: "مُتيم يونس الهواري." "سعدت كثيرًا بهذا، ولكن نطقت بتساؤل: "اشمعنى سميته مُتيم؟

داعب أنفها ليقول: "حتى يصف ما في قلبي لكِ." مد يده وأخذ الطفل وتحرك به ناحية الفراش ليضعه عليه. وبعدها تحرك ناحيتها وأمسكها من يدها وتحرك ناحية الوجه المحبب لديهم، وهي الشرفة التي تطل على حديقة زوجته التي تزرع فيها الورود وتعتني بها. وقفها أمام الشرفة واحتضنها ويبتسم يشاهد جهد زوجته في الحديقة، فهي التي تحب أن تعتني بها وحدها ولا تريد أن يساعدها أحد. تحدثت هنا وهي تريح رأسها على كتفه: "عجبك الورد الجديد اللي زرعته؟

قبل يدها بعشق يملأ قلبه لها: "جميل يا حبيبتي، شبهك." مسحت وجهها في كتفه كالقطة تقول: "لأ، أنا أحلى." ضحك ملاء فمه على جملتها وهذا جعلها تغضب منه. "بتضحك على إيه، أنا أحلى ولا الورد يا يونس؟ أرجعها لمكانها مرة أخرى وأراح رأسها على كتفه وقال: "عارفة يا نوارة إيه هي أكتر حاجة شدتني ليكي." نطقت بغرور: "اكيد حلوتي." نطق وهو ينظر للحديقة:

"لأ، مش حلوتك اللي شدتني ليكي، لو على الحلاوة فهي ملا الدنيا والبنات في كل حتة، بس مش ده اللي عجبني." "اومال إيه يا أخ يونس اللي عجبك فيا؟ نظر لعينيها:

"معنى اسمك يا نوارة، اسمك معناه النور الواحد. وأنا أول ما عرفتك حسيت إنك فعلاً الوحيدة اللي ممكن تكون نور العمر بتاعي يا نوارة. يعني أنا من غيرك عمري مضلم. فبلاش في يوم تفكري تمشي وتسيبيني لأني عمري ما حبيت الضلمة، طول عمري بحب أعيش في النور لأنه بيديني أمل لبكرة. وأنتِ نورى وأملي لبكرة، فهماني يا نوارتي؟ انتِ الحب اللي استودعته عند ربنا بعد ما وكأنه أمرًا، والله بعتك ليا بكل رضا."

هزت رأسها بنعم رغم عدم فهمها. لم يتحدث هكذا وهو يعلم أنها لا يمكنها الرحيل لأن روحها متعلقة به. لم ترد أن تسأله لماذا يقول هذا لأنها تخشى الإجابة. فنطقت لتطمئنه: "الروح مابتبعدش عن الجسد إلا بإذن ربها يا يونس." قبل رأسها قائلًا بتمني: "بعد الشر عليكي، ياخد من قلبي يديكي يا نوارة البيت." "اسمها من عمري يا يونس." "تؤ، من قلبي، لأن عمر القلب أكتر من العمر المكتوب."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...