كان يجلس مع أبيه يرجعان بعض الأوراق. كانت ذبلت عيناه وكان بلكاد يفتحهم بصعوبة شديدة من كثرة التعب، فهو لم ينم منذ يومين إلا بضع ساعات فقط. رأى جابر رضوان وهو يثائب والأرهاق ظاهر جداً على وجهه. لام نفسه لأنه ضغطه في العمل معه هذا الأسبوع. "رضوان، قوم يا والدي. اطلع ريح. كفاية شغل النهارده وبكرة خده إجازة وارتاح. يلا، وأنا هخلص بقية الورق الصبح." مسح رضوان عيونه بأصابعه حتى يستطيع أن يفتحهم ليقرأ
الورق الذي بيده ورد عليه: "لا يا بابا. أنا خلاص قربت أخلص أهو، وبعدين إجازة إيه يا بابا اللي هاخدها؟ أنت نسيت اللي ورانا بكرة؟ ده بكرة يوم طويل قوي." علم جابر أن رضوان لن يتحرك بسهولة، فخطف من بين يديه الورق ليجبره أن يصعد ليرتاح. "هات الورق ده كده. يلا على فوق. خليني أطلع أنام أنا كمان. أنا تعبان بقالي فترة." انتفض رضوان من مكانه وذهب لأبيه الذي كان يجلس على الكرسي المقابل له وينظر له بخوف شديد. "مالك يا بابا؟
فيك إيه؟ أكلم الدكتور؟ " قالها برعب على أبيه، فصحته في تلك الفترة أصبحت ضعيفة. "لا يا والدي أنا بخير، بس أنا قصدي أني تعبان من الشغل ومنهادة الفلاحين." رد رضوان على والده بيأس منه. "ما أنا قولتلك يا بابا أنا موجود أهو بدالك وهباشر كل شغل بنفسي بس أنت ترتاح وبلاش تجهد نفسك." وقف جابر وأمسك عكازه واستند عليه وهو
يخرج وخلفه رضوان ويقول: "أنا لحد ما أموت هفضل أشتغل وأتعب لحد ما أموت. لازم تبقى الأرض والطينة آخر ريحة أشمها يا ابني. إحنا عمرنا ما قولنا على شغل الأرض ده شغل كده عشان الفلوس. لأ، الأرض دي الفلاحين اللي زي حالتنا أكده بيعتبروا أن الأرض دي هي بنتهم اللي لازم ياخدوا بالهم منها لتتلف أو زرعتها تبوظ منها. دول بيهتموا بيها أكتر ما يهتموا بنفسهم. وفي حد يقدر يستغنى عن بنته؟
"آه يا حج فيه، في ناس استغنت عن بنتها خلاص." نطقها بحزن وهو ينظر لعين والده، يعلم أن جملته تلك ستصيبه في مقتل. نظر جابر له بنظرة تحذير توحي بعدم التحدث مرة أخرى حتى لا تكون العواقب سيئة. تركه جابر ليصعد، ولكن تجمد في مكانه عندما سمع رضوان يقول: "مشتاقتش ليها يا بابا لحد دلوقتي؟ لسه قلبك مش عايز يرق ليها بعد كل السنين دي؟ فرت دمعة من عيون جابر ولكن أزاحها بسرعة ونطق بنبرة حازمة: "اطلع لمراتك يا رضوان."
"يا بابا سندس... ضرب جابر بعكازه على السلم ويقول بحزم: "جولت اطلع على أوضتك يا رضوان." ابتلع الآخر غصته ونظر بحزم لأبيه الذي لن يتخلى عن عناده أبداً ولا حتى لأقرب الناس على قلبه. "حاضر يا بابا، اللي تؤمر بيه."
صعد رضوان للأعلى وترك أبيه ما زال يقف في مكانه ينظر للبيت يتذكر ذكرياته معها وهو يركض ويلعب معها في كل جزء من هذا البيت. لقد كانت به حياة تلك الفتاة، لقد كانت الشمس الذي ينير قلبه، ولكنها تخلت عنه وهان عليها قلبه وأخذت نورها وأعطته لشخص آخر غيره. وجد زوجته تمسك كف يده بين راحتها وتربط عليه وعينها تدمع وتحسه على الصعود. نظر لها جابر وهو يدمع ويقول بغصة تألم قلبه: "زي ما هان عليها قلبي تهون عليا يا رجاء."
صعد مع زوجته وهو تتكئ عليها ليصعد لغرفته. *** دخل غرفته وجدها تضع يدها على خدها تزفر من ضيقها، فهي تكاد تختنق، فهي لم تخرج منذ 3 أسابيع. آخر مرة كانت عندما تشاجرت في المستوصف وقضت اليوم كله عند زينة وأختها ورد. مسح على وجهه وتنهد بضيق هو الآخر وجلس بجانبها ووضع يده على خده مثلها وقلد جلستها كما تفعل ونظر أمامه مثلها وظل ينزفر في ضيق. "جايلك يا عبد المعين تعين، لقيتك يا عبد المعين عايز تتعان...
اتخرس كده وأدي قاعدة." نطق بسخرية وضيق. ظل في حالة البؤس تلك لمدة طويلة حتى لم تتحمل مسك وصرخت في وجهه: "لأ، أنا مش قادرة أتحمل. أنا متجوزاك دلوقتي بقالي أكتر من شهرين، ومخرجتش، غير مرتين بس. قوم خرّجني بدل ما أنت قاعد زي خيبتها كده." "أنا خيبتها؟ "لأ زيها." نطقتها لتصحح له الجملة. اتسعت عيناه واتغاظ من لسانها اللي يقذف الكلمات ولا يبالي.
"تصدقي بالله أنا كنت ناوي أخرجك بكرة، بس خسارة فيكي. خليكي قاعدة بقى تكلمي الحيطان." انتفضت بسرعة من مجلسها واتجهت له: "لأ ونبي يا رضوان بالله عليك أنا بجد زهقانة، ونفسي أشم هوا. بالله ما تلغي الخروجة، عشان خاطري." ابتسم لها قائلاً بحب: "خاطرك غالي يا مسك." اتسعت بابتسامتها فرحت كثيراً. "شكراً قوي. أنت بجد أحلى زوج في الدنيا، ربنا يخليك ليا." "بجد أنتي شايفاني كده؟ " هزت رأسها بمعنى نعم. سعد كثيراً بتصريحها هذا.
"وعشان الكلمتين الحلوين دول تعالي نقعد فوق على السطح شوية، مع بعض ومن بكرة الصبح نخرج ونشتريلك هدوم." أخذها من يدها وصعد على سطح البيت وكان السطح واسع جداً. كان السطح يحتوي على غرفة صغيرة بها سرير وأمام الغرفة طاولة وركنة صغيرة للجلوس ومن فوق الغرفة عرش صغير يملأه الورود. فكانت تلك جلست رضوان المفضلة هو وأخيه رحمه الله. اقتربت من الركنة حتى تجلس ولكنه منعها وأمسك يدها. "هو أنا ممكن أطلب منك طلب صغير؟
" هزت رأسها له فنطق وعيونه تلمع في تلك اللحظة: "هو أنتي ممكن تقعدي وأنا أنام وأسند راسي على رجلك؟ " نطقها ببعض الخجل وهو يحك يده في رأسه. ابتسمت له وجلست وأمسك يده تشده. "تعالى يا رضوان." سعد كثيراً بموافقتها تلك. نام على قدميها وظل ينظر للسماء ووجدها من تلقاء نفسها تمد يدها داخل خصلات شعره تمسحها له برفق. "شعرك حلو قوي وناعم عجباني لمعته وكان نفسي أسألك بتحطله إيه عشان يلمع كده."
"ده بس عشان إيدك لمسته." ظلت تضحك بقوة وهي تهز رأسها بيأس. "هتفضل طول عمرك كلامنجي وبتعرف تثبت اللي قدامك." أثناء حديثها رفعت يدها عن شعره لأنها كانت تشير بيدها أثناء حديثها. تضايق من هذا وعاتبها قائلاً: "أنتي مش بتكلمي بإيدك يا مسك؟ نظرت له بعدم فهم، فأمسك يدها ووضعها داخل شعره وقال: "متبعديش إيدك عني، أنتي بتكلمي ببؤك مش بإيدك، حتى لمستك متبعديهاش عني يا مسك."
ظل يتسامران كثيراً حتى أخبرته أن يحكي لها قصة قد سمعها وتعلم منها شيئاً. فقال: "بصي أنا بحب قصص سيدنا محمد وزوجاته. في كل مرة بقرأ حكاياته مع زوجاته كل ما بيزيد شوقي ليه وبتعلم أن أول ما يبقى عندي زوجة أطبق عليها كل اللي اتعلمته من معاملته لزوجاته."
"أنا كمان بحب حكاياتهم قوي وخصوصاً مع عائشة كنت بحب حبه ليها وأدبه وصبره عليها. تعرف أنه حبها لدرجة أنه كان عنده استعداد يصبر عشانها العمر كله. أنا كنت دايماً بدعي وأقول يا رب ارزقني حب كحب سيدنا محمد لعائشة." "أحكيلك عنهم؟ " هزت رأسها بحماس. قال هو يتذكر
قصة كان يحبها من قصصهم: "طب بصي يا ستي، صلي على النبي. كانت نقطة ضعف آمنة عائشة أنها في شبابها مكانتش بتعرف تطبخ، فا في يوم اتحدت نفسها وطبخت شوربة لحمة. وخدت حبة شوربة وحطتهم في طبق، وجريت بيهم على آمنة سودة وكانت دي زوجة النبي برده بس كانت سيدة عجوز. المهم آمنة عائشة أخدت الشوربة، وراحت بيها لسودة عشان تدوقها عمايل إيديها. لقت عند آمنة سودة حبيبنا وشفيعنا محمد، وبكل حماس أدت آمنة عائشة الشوربة أو المرقة، لآمنة سودة
عشان تدوقها وتقولها رأيها. بس آمنة سودة رفضت وخافت قالت أنها خايفة لبطنها توجعها من طبخ عائشة. فآمنة عائشة اتحرجت جدا، وصرخت في آمنة سودة وحلفت أنها لازم تدوق الشوربة غصب عنها وهددتها أنها لو مشربتهاش هاتشيل الشوربة بإيديها وتبهدل بيها وشها. فضحك النبي عليه الصلاة والسلام على غضب عائشة الطفولي، ولكنه وجد آمنة سودة ترفض أن تشرب الشوربة ولقى آمنة عائشة بتنفذ تهديدها ليها ودلقت الشوربة عليها وغرقت وشها بيها.
في اللحظة دي ضحك الرسول بشدة وقام مكتف آمنة عائشة لآمنة سودة وقال: "يا سودة هيّلي بعض المرق في يدك وألقيه عليها مثل ما فعلت معك وهذا حقك." بالفعل ردة ليها سودة عملتها وغرقتها بالشوربة، فا آمنة عائشة فضلت تصرخ وتحاول تهرب من النبي عشان آمنة سودة متلمسهاش بس النبي كان مكتفها لحد ما خلى آمنة سودة متعادلة معها. زعلت آمنة عائشة جدا ومشيت وهي زعلانة جدا شايفة أنها هي المظلومة مع أنها هي اللي بدأت فعلتها مع آمنة سودة ...
وخلاهم متعادلين. أنا بحب الجزء ده من القصص لأنها اتعلمت فيه أكتر من حاجة، بس قبل ما أقولك إيه هما انتي قولي كده استفتي إيه من القصة الصغيرة دي." "استفدت أن الرسول رغم حبه الكبير لآمنة عائشة، أنها عادل بين زوجاته وأنه خلى آمنة سودة تاخد حقها منها. ومستغلش حبه ليها بطريق غلط وخلى آمنة عائشة تغرق آمنة سودة وتمشي بدون ما آمنة سودة تاخد حقها رغم عشقه لعائشة إلا أنه عادل مع زوجاته كلهم."
ابتسم لها رضوان لفطنتها وصفق لها لتشجيعها. "راڤو عليكي يا مسك، بس فيه حاجة كمان. الرسول كان بيتعامل مع دلال وغضب وشقاوة زوجته بكل حب وابتسامة. كان بيخلي زوجاته يمارسون أنوثتهم زي ما يحبوا مش زي رجالة تانية بتدمر أنوثة الست وبتلغيها لدرجة أن ممكن الست تنسى أنها ست."
"صح عندك حق، بس دول مش رجالة دول يتقال عليهم أشباه الرجالة. بس أنا فرحانة بالوقت اللي قضيناه ده. الجو على السطح تحفة لدرجة أنه عدل مزاجي جدا، فاليك طلب عندي أنفذهولك." اعتدل رضوان وقام من على قدميها وأمسك يدها التي كانت تداعب بها خصلات شعره، ونظر له بشوق وأمل كأنه كان ينتظر منها أي شيء. "هي أمنية مش طلب....
نفسي في عيل منك يا مسك." قالها وهو ينظر في عينيها يتمنى أن توافق. لكن كسر الإحباط على وجهه عندما اصفر لون وجهها ونزعت يدها من يده وارتعش بدنها بخوف وابتعدت عنه قليلاً فشعر هنا أنها لم تحبه بعد. فعلم أنه أمامه الكثير ولكنه سيتحمل لأجل حبه لها، فهي تستحق أن ينتظر لأجلها سنوات، فغير مجرى الحديث وأخفى حزنه داخل قلبه.
"يلا ننام عشان عندنا يوم طويل، وأنا عارفك لما بتخرجي بره البلد مابترجعيش إلا لما تكوني متكيفة من الخروجة." قالها وهو يسحبها من كتفيها بيده وذهابا لغرفتهم لينام. فهو أكثر شخص يحتاج للنوم، فهو لم ينم منذ مدة طويلة ويحتاج على الأقل يوم كامل لينامه ويعوض به تعب العمل به، ولكنه سيتخلى عن تلك الراحة لأجلها فهي قد ضجرت من الجلوس في البيت، فهو انشغل بالعمل ونسيها.
في الصباح، استيقظت مسك مبكراً وظلت كما هي نائمة على السرير لم تتحرك تتطالع وجه رضوان، ككل يوم.
ودار في عقلها حديث رضوان لها أنه يريد أن ينجب منها. رغم هذا الخوف الذي يتملك منها عندما تشعر أنه يريدها رغم علمها أنه يحبها، ولكنها لا تريد فعل هذا إلا وهي تشعر بحبه في قلبها وهذا صعب في الوقت الحالي لأنها ما زالت تتعافى من أثر حبها الأول. نعم، لم يتبقى غير الأثر فقط، فهي تعافت من تلك العلاقة بنسبة 90%. ولكن هناك شيء هي نسيته. حركت يدها على وجهه وظلت تحركها بهدوء.
وتقول في بالها أنها تجاوزت كل هذا بفضله هو. نعم، لقد كان الدواء لكل جروحها. لم تتوقع يوم أنها تتعافى بهذا الشكل السريع وهذا كان فضله هو. رغم هذا لم يستغلني ولم يفكر أن يستغل مساعدته لي حتى يرضي نفسه، بل انتظرني وأرى في عيونه أنه سينتظر لأخر العمر. لكن هي لم تجعله يشقى معها مجدداً، يكفيه ما فعله لأجلها، يجب عليها هي أن تفعل شيئاً لأجله وترضيه. يكفيها أنه أحبها وانتظرها في الحلال، لقد كانت مطلبه من الله ودعوته. رغم معرفتها منه مقدار حبه لها إلا أنه خسر عليها من أن يعصي الله فيها ويفرقهما، فانتظرها، وكانت النتيجة الآن هي معه على سنة الله ورسوله. رغم كل الصراعات التي مرت بها إلا أنها معه فعلاً. أن الله قادر على كل شيء.
اقتربت منه ونزلت بمستوى رأسها على أذنيه وهمست فيها بشيء ما جعل رضوان يستيقظ وفتح عينيه وتقابلت عيونهما معا وظل ينظر لها مدهوشاً، ولكنها ابتسمت له حتى لا يندهش. نظرة تخبره أن يطمئن وتجعله لا يخشى عليها. "مسك... أنا... " نطقها بفرحة. رفع يده في الهواء يحتضنها. ولكن قطع تلك الفرحة طرقات الباب وصراخ أمه من الخارج. وفجأة وجد أمه تصرخ في وجهه مباشرة حتى تجمدت حركته وهو أمام وجه مسك. "الحق يا رضوان زينة مرات أخوك بتولد....
أنتوا بتعملوا إيه؟ رسم وجه باكٍ على وجهه ونطق بقهر: "لسه ملحقتش يا ماما لسه ملحقتش أعمل حاجة... الله يخربيت زينة وعلى اليوم اللي شفتها فيه. هي حبكت دلوقتي يعني." لم تتمالك مسك نفسها وضحكت ملا فمها على تعبيره المغتاظ. نظر له بغيظ شديد. "بتضحكي؟
أقول على حاجة أنتي بنت فقر ولله فقر. يا عيلة يا فقر وأنا أفقركم. ماهو أنا كده دايماً ماليش حظ." قالها وهو يأخذ جلبابه ويركض للخارج حتى يكون مع أرملة أخيه ويقف بجانبها. خرج وترك أمه تنظر لأثره بعدم فهم ومسك كادت تسقط من الفراش على الأرض من كثرة الضحك وتهز رأسها في يأس. فهو أقل الناس حظاً. انقلب الموقف من لحظة رومانسية للحظة درامية حزينة بنسبة له. هزت رأسها بيأس منه وانفاسها تكاد تتلاشى من كثرة الضحك.
"طول عمرك فقر يا رضوان." وقامت من مكانها لتستعد لتذهب لزينة لتكون معها في تلك اللحظة الصعبة. *** في المشفى العام. تنام على الترولي وتصرخ من الألم وأمها تمسك بيدها وتحاول أن تطمئنها وتهدأ من روعها فالخوف يكاد يقتل زينة مع آلام الولادة الصعبة تلك. "متخافيش يا ضنايا ربنا يحميكي ويقومك بسلامة، شهلي ونبي... فين الدكتور؟
ظلوا يركضون بفراشها حتى وصلت لغرفة العمليات فزينة لن تستطع أن تلد طبيعي لأن رحمها لم يفتح ولهذا سيتم فتحه بجراحة (قيصري) أدخلوها العمليات ودخلت أمها معها حتى أخذت جرعة البنج الكلي وفقدت وعيها وبعدها خرجت وهي تبكي وتخشى على ابنتها من تلك الجراحة. بعد خمس دقائق من دخول زينة وصل رضوان عند باب الغرفة وهو يلهث. فهو أخذ المسافة كلها ركض لأن سيارته تعطلت في نصف الطريق. "طمنيني يا خالة بقالها قد إيه جوا... حد طمنك طيب؟
"لأ يا ابني لسه محدش طمني عليها أصلها لسه داخلها مكملتش العشر دقايج (دقائق) . ادعيلها يا ولدي ربنا يجبرها." قالتها وهي تبكي بخوف شديد. "ادعيلها. القيصرية دي أنا مابحبهاش واصل... ده بيفتحلها سبع طبقات من بطنها يا ابني يعني مش سهلة واصل. يا حظك الجميل يا بنتي يا حظك الجميل يا ضنايا." ربت على ظهرها يحاول تهدئتها بكل هدوء وحنان. "أهدي يا أمي إن شاء الله هتقوم بسلامة، متخافيش دا القيصري بقى أسهل من الطبيعي كتير دلوقتي."
صفقت أم زينة بيديها بصدمة. "والله يا ولدي إحنا كنا قاعدين مفيش حاجة ومش حاطين في بالنا موضوع الولادة ده لأن الدكتور محدد لها معاد كمان أسبوعين. بس يشاء ربك أن وجع الولادة يجيلها مرة واحدة أكده من غير إنذار." نظر له بدهشة. "إنذار يا إيه يا أمي هي حريقة دي ولادة؟ وبعدين ماتستغربيش أوي كده أن جالك الوجع بدري دا عشان حظي الحلو بس النهارده. أصل بعيد عنك مش مكتوبلي أفرح مع بنت الحاجة اللي متجوزها دي...
والله كانت جوازة فقر." قالها بعد أن يأس من زيجته من مسك. "بقى كده مش هي جوازتي فقر؟ طب وأنا بقى خليها فقر على طول يا ابن الحاج جابر وأبقى تف على خلقتي لو فرحتك حتى، وانسى أي حاجة خلاص كان فيه وخلص." قالتها مسك وهي تضع يدها على خصرها وتنظر له والشرار يتطاير من عينيها. نظر رضوان باتجاه الصوت وجدها هي تقف بتلك الوضعية المستفزة وهي تصرخ في وجهه وتضع يديها على خصرها، فلم يتمالك نفسه ونظر لها بتحذير ونطق بهدوء.
"صوتك علي يا مسك." "أنا صوتي يعلى براحته و... " ولكنها لم تكمل جملتها وبلعت ريقها بسبب اقترابه منها ونظراته التي احتدمت أكثر. قطعت الحديث خوفاً منه حتى خبأت وجهها بشالها الطويل حتى لا ترى عينيه. "إحنا في مستشفى وأياكي أسمع حسك. وبعدين مين جالك تخرجي من غير إذن؟ أنا مقولتش ليكي تخرجي، بس هأجل الحساب بعدين احتراماً للمكان والظرف اللي إحنا فيه."
"استهدي بالله يا ولدي محصلش حاجة، هي متقصدش." قالتها أم زينة لتجعله يهدأ. ولكن الجميع صمت عندما لمح قدوم جابر ورجاء. وبعد نصف ساعة خرجت زينة من العمليات وأنجبت ولدين مثل القمر يشبهان أبيهم كثيراً وتم نقلها لغرفة عادية. وبعد ساعتين كان الجميع يلتف حولها بعد أن اطمئنوا عليها وعلى صحتها هي وأولادها.
أمسكت رجاء حفيدها الأكبر وجابر مسك أخيه الأصغر، فبينهم أربع دقائق. بكت رجاء وهي تحمل حفيدها وتنظر أيضاً لحفيدها الآخر في يد جابر.
"بسم الله ما شاء الله، اللهم لك الحمد. أهو أنا دلوقتي أقدر أقول أن نار فراق ابني قلت كتير عن الأول وأن ربنا عوضني بيه من جديد. بص يا جابر بص كله رشاد الخالق الناطق كأن الزمن رجع بيا وأنا شايلة رشاد بين إيديا بعد والدته. سبحان الله مسابش حاجة من أبوه، هو رشاد." قالتها وهي تبكي بفرحة كبيرة. رد عليها جابر وعيناه تدمع يشاركها الفرحة أيضاً.
"وأنا كمان حاسس أن الزمن رجع بيا بس الواد ده كله رضوان وهو صغير نسخة رضوان حتى بص يا رضوان بص ولاد أخوك شبهك أنت وأخوك كأني شايلكم بين إيديا يا ولدي. وكأن ربنا أراد أن يجمعكم من تاني." اقترب جابر من سرير زينة التي تحاول أن تتمالك آلام ولادتها. اقترب منها وقبل رأسها ونظر لها نظرة أب نزلت عليه معجزة أعادت له ابنه الذي حرم منه مبكراً. أدمعت عيون زينة بحزن وأخبرته:
"كان نفسي يكون موجود معايا قوي. كان نفسي اللحظة دي متعديش من غيره. وحشني قوي." حزن الجميع لأجلها وانقلب الفرحة لحزن على ذكر رشاد الشاب الجميل في الشكل والطباع، فهو شخص يستحق أن يحزن الجميع لأجله طول العمر. ولكن أراد الله أمانته فاستردها. مسح جابر على شعرها. "أرادت ربنا يا بنتي هنعترض ولا إيه؟ أنتي هتكفري. وبعدين متجلبهاش محزنة بقى. مين جالك أن رشاد مش معاكي؟
رشاد روحه محوطانا كلنا دلوقتي وشايفك وشايف عياله وفرحان بيهم. يا بنتي الميت مبيفارقش أهله وبيبقى موجود معاهم وبيفرح لفرحهم وبيحزن لحزنهم. يعني لو عايزاه يبقى فرحان افرحي بعياله. وبعدين ربك عوضك بحتة منه، لأ حتة أبيه. ربنا كريم وعوضك بعد منه انتين يعني بدل الراجل رجلين أهم يسدوا عين الشمس."
نطقت رجاء: "اسم الله عليهم عرسان زي القمر شبه أبوهم وعموهم. متحزنيش يا بنتي وأرمي حملك على الخالق هو أدرا الناس بحالك وحالنا وهيجبر جلبك بس انتي اصبري." هزت زينة رأسها ومسحت دموعها ونظرت لجابر ورسمت ابتسامة صغيرة على محياها. "محدش هيسمي عيالي غيرك يا حاج." نظر الجميع لها وابتسموا لذلك الخبر. حتى أيضاً سعد جابر كثيراً بهذا الاقتراح فهو كان يتمناه أن يسمي أحفاده كثيراً.
"دي وصية رشاد الله يرحمه. دايماً كان بيقول محدش هيسمي ولادي غير أبويا. وأنا دلوقتي مكانه فبطلب منك تسمي أحفادك." اقتربت رجاء من جابر وضموا الاثنين معاً ونطق جابر بفرحة كبيرة. "الكبير هيبقى رشا لأني عمري ما أتمنى أن اسم ولدي يتقطع من بيتي. والتاني هيبقى اسم خليل رشاد وحبيبه رضوان لأن الاسمين دول لازم ميتفرقوش مهما حصل."
تفاجأ رضوان لهذا الخبر وفرحت مسك بهذا حتى أبدت زينة رضاها على الأسماء وسعدت بتسمية رشاد مجدداً. وهنا ظل الجميع يهلل بفرحة كبيرة لحضور أول أحفاد عائلة النمر لدنيا. وهنا أرادت مسك إغاظة رضوان رداً على ما قاله عنها وعن زواجه منها. قالت بحزن مصطنع: "بس أنت مالكش حق يا حاج تسمي رضوان. هو إحنا كنا خلصانين من الأول ولسانه الطويل لما هتجبلنا نسخة تانية منه؟
دا كده الدنيا هتتهد. أصل بعيد عنك الكبير حظه مقندل فشخ. أما الصغير بقى هيبقى حظه عامل إزاي؟ أكيد هيورث حظ عمه الوحش." اندهش رضوان منها وأشار على نفسه بصدمة. بينما الجميع ضحك لدعابتها. "بقى أنا اللي حظي مقندل يا بنت الحاجة زينات، وزعلانة أوي أن هيبقى فيه رضوان صغير." ردت عليه تأكيد ما قالت: "أي نسخة منك للدنيا تاني هتبقى نهاية العالم، ونهايتنا إحنا كمان." رفع رضوان حاجبه بسخرية. "نهاية العالم؟ أنتي شايفة كده؟
ردت بتحدي: "آه ومش شايفة غير كده." ابتسم رضوان بتحفز وشمر ساعديه ونظر إلى والدته. "أنتي يا ماما كنتي بتقولي على ولاد رشاد إيه من شوية؟ ردت رجاء: "بقول اسم الله عليهم عرسان زي القمر." ابتسم بخبث وهو يقترب من مسك التي ظلت ترفع له حاجبيها بعدم فهم وتنظر له بغباء. "طب وعد مني يا ماما أن عرايس العرسان عندي." قالها وهو يمسك مسك من لياقة عبائتها الخلفية ويجرها أمامه. هنا
نطق جابر بدهشة وعدم فهم: "رايح فين يا ابني بس وسيبنا." "الله ما قولنا يا حاج رايح أجيب عرايس للعرسان ولاد أخويا و أهو زيتنا يبقى في دقيقنا." قالها وخرج من المشفى بأكمله تحت نظرات الجميع وأيضاً صرخات مسك التي تستنجد بأي أحد تراه حتى يبعدها عنه، ولكن لم يفلح كل هذا فقد أخذها غصباً وذهب بها في سيارة أبيه للمنزل. لقد أقسم على أن يقطع لسان تلك الفتاة التي بعثها القدر له لتمحي ذنوبه من الحياة.
صرخت فيه: "أنت ماسكني كده ليه؟ هو أنا دكر بط قدامك؟ ابعد عني يا جدع. هو أنت مش بتقول عليا فقر؟ نزلني بقى وروح شوفلك واحدة حظها حلو." أمسك يدها وقبلها وقال بعشق يذيب ثلوج القطب الجنوبي كله: "أنتي الفقر اللي أتمناه قلبي عمري كله ولا يمكن أبدله بحظوظ الدنيا كلها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!