الفصل 19 | من 34 فصل

رواية مسك الليل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة طارق

المشاهدات
35
كلمة
1,368
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

في النار وجحيمها يا دوك. مزامنتا مع انتهاء حديثه، أتى صادق برجال الإسعاف ورجاله ليؤمنوا الخروج للرهائن الباقية، ويأخذوا رجال بلال الأحياء منهم والأموات. جمع جميع المصابين. تحرك ناحية رضوان ووقف خلفه. وقبل أن يفتح فمه وينطق، سبقه رضوان لينهي أي حديث قائلاً: "مسك تخرج من الليلة دي بسرعة يا صادق. أنا مش عايز حد يعرف حاجة. خطأ حصل أثناء اشتباكنا معاه وقررنا نتصرف. وأنا متحمل كل حاجة على مسؤوليتي."

كاد ينطق صادق ليوضح له، ولكن لم يستمع له رضوان وهو يتخطاه وبين يده مسك قائلاً بنزق: "مش هتكلم تاني. خلصت كلام."

هكذا خرس صادق وخرج بها. حتى قابل بالخارج بعض الأطباء الذين التقوه. حاول أحدهم أن يأخذها منه ليفحصوها، ولكنه لم يعبئ بهم وتركهم دون كلمة. ذهب بها باتجاه سيارته، فتح الباب الخلفي وجعلها تنام على الأريكة. وبعد أن اطمئن عليها، تركها واتجه ناحية عربة الإسعاف التي تحمل زينة، أرملة أخيه رشاد. أوصى عليها الطبيب الذي سيرافقها للمشفى. وبعد أن انطلقت السيارة بسرعة بها لخطورة حملها بعد كل الأذى البدني الذي تعرضت له.

بعد أن انطلقت السيارة بزينة للمشفى، ذهب لسيارته. لم يعبئ بأي شيء آخر بعد أن اطمئن على الجميع ما عدا زينة. ودعا الله أن تقوم منها سالمة. كان يسير بسرعة معقولة وكان ينظر لها من خلال المرآة. حتى أطال لها النظر قليلاً قائلاً بتنهيدة حارقة: "كله هينتهي يا مسك. وللأبد." وبعد نطقه لآخر كلمة، انطلق بسيارته بسرعة عالية حتى كادت السيارة تتطير في الهواء من سرعتها القصوى، وكأنه سينهي حياته. ***

أما عن السيدة المبجلة، والدة بلال، فهي تجلس في المشفى بجانب ابنة أختها الوحيدة، تيا، التي كانت من ضمن أحد ضحايا بلال. ابنها كان يجلس على الأرض أمام غرفة العمليات بعد أن أصر الطبيب على دخولها ليوقف نزيف رأسها.

تقف بالخارج تولول على تلك الفتاة الشابة التي من الممكن أن تخسر شبابها، تموت بسببها هي وبلال. ولدها الذي تبدل وأصبح شخصًا آخر غير الذي أنجبته وربته بنفسها، وضيعت عمرها السابق في تربيته. وكأن شخصًا آخر يشبه بلال تقمص دوره، أصبح بدلًا عنه. لأنه كيف لرجل مثله أن يكون قاسيًا مع أمه لدرجة أنه يهددها بالموت؟ أم أنها تستحق كل هذا منه؟ قطع تلك الدراما خروج الطبيب لها، ولكن كان وجهه لا يدل على أي خير أبدًا. بدأ القلق والتوتر

يتشكل على وجهها قائلة: "فيه إيه يا دكتور؟ هي جرالها حاجة؟ ماتت؟ تنهد الطبيب بحزن وهو يهز رأسه بلا، ناطقًا: "الآنسة العمود الفقري بتاعها فيه نسبة كسر كبير، وده أدى لشلل نصفي." شهقت نجوان وهي تلطم خدها من الصدمة وهي تردد كلمته (شلل) "للأسف أيوه. ولسه مش هنقدر نحدد الشلل ده هيبقى في إيديها أو رجليها، أو يمكن الاثنين مع بعض. وبعد كده حركتها هتبقى على كرسي متحرك."

انهمرت دموعها حسرة على تلك المسكينة وهي تدعو بداخلها أن يوجد لها حل لتسير على قدمها من جديد. "طب فيه أمل إنها ترجع تمشي تاني زي الأول؟ نطق بحزن: "للأسف لا. مفيش أي عملية لحالتها. بس إحنا آمالنا في ربنا كبير، وكل يوم الطب بيتطور. عن إذنك." بعد تلك الصاعقة التي هبطت على رأسها، وحدها لا تعرف ماذا تفعل مع تيا بعد أن تفيق، أو والدها وأختها؟ ماذا ستقول لهم؟ أن ابنها هو من حاول قتل ابنتكم.

"منك لله يا بلال. هقول لأبوها وأمها إيه؟ هقولهم ابني حاول يقتل بنتكم بس الحمد لله مماتتش بس اتشلت. ينتقم منك ربنا بعدله يا بلال." وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى رأى الله بعينيها عدله كما دعت. تركض باتجاهها لتخبرها بهذا النبأ السيء. وقفت أمامها باكية ناطقة: "ست نجوان، إلحقي. الدكتور بلال جابينه مقتول من الكنيسة وهيودوه المشرحة. تعالي بسرعة عشان تلحقي تشوفيه."

رمتها بتلك الكلمات الخارقة لقلبها كأم، وجعلت جسدها يشل وكأن الروح خرجت من جسدها لتهوي على الأرض. وتحاول الزحف، ولكن أوقف تلك المحاولات جسد ابنها النائم على السرير المتحرك، ويركض به بعض الممرضين نحو المشرحة. صدرت منها صرخة قوية هزت المشفى بما فيها: "بلاااااااااااااال، لاااااااا، يا ابني... يا حبيبي. موت خلاص يا بلال. سبت أمك لوحدها. طلبتها ونولتها من غير توبة يا قلبي. آه يا حتة من كبدي."

ظلت تولول وتلطم خدها. وبعدها فقدت وعيها وهي ترى آخر شيء هو جثة ابنها بلال. ويصدر صوته في عقلها وهو يقول لها آخر جملة قالها لها قبل وفاته: "لسه لحظة موتك مأذنتش يا نجوان. استني الأول لما تتحسري عليا، وبعد كده موتي." وهي قد تحصرت عليه بالفعل. لم يكن مخطئًا. وها هم الثلاثة في المشفى. وكانوا من أكثر الناس التي تبحث عن المال. أي قيمة لهذا المال الذي يجعل الحروب تشن من أجله؟

يا للسخرية. أن نجعل ورقة ملونة مثل هذه تتحكم في حياتنا وتقودنا مثل الحمير لها. وأكبر مثال لكم هؤلاء الحمير، أقصد هؤلاء الثلاثة. أمثال بلال الذي كانت نهايته سكينة من يد حبيبته مسك، ومن سلمه أخيه حجاج. ها هو ملقى في المشرحة، ولم تنفعه كل الأموال التي جمعها بأي شيء. لم تعيده للحياة مرة أخرى. وتيا، التي شلت من أجل ركضها وراء بلال لأجل أموالها، ونهايتها أصبحت على كرسي متحرك.

ونجوان، التي زرعت في ابنها عشق المال وحبه للقيادة دائمًا، حتى لو على حساب الآخرين. ها هي ترى حصاد ما زرعته أمام عينيها. ودماء ابنها متناثرة على الأرض، وكل من سيمر يدوس عليها دون أن يعبئ من صاحبها. ***

ضرب الباب بقدميه وهجم عليها يمسكها من حجابها ويلقيها على الأرض. وظل يضرب فيها بقدمه ثم يده حتى أدمى وجهها. ولم يعبئ حتى بحرمة الميت. لم يعبئ بصراخ تلك المسكينة التي تحت قدميه تصرخ من كثرة الألم، وورد التي تستنجد بأي أحد حتى ينجد مسك من براثن هذا الوحش الذي ظهر لهم من العدم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...