تنهد بتعب شديد، وآثار النوم ظاهرة جداً عليه. "الكاميرات كانت واقفة، بس وأنا خارج لقيت الممرضة أدتني الحاجة اللي كانت في جيب السديري بتاع علوان. وكان من ضمنهم محفظة ولقيت فيها تليفون وكارت تعريف بتاع واحد من أهل البلد." استغربت مسك حديثه وسألت بسخرية. "مين يا ابني اللي هيبقى معاه كارت تعريف له من أهل البلد؟ دول آخرهم في الكروت، الكارت الفكة أبو 11 جنيه." ضحك على مزحتها وقبّل رأسها.
"طب بقولك إيه، تصبحي على خير بقى عشان مش قادر. أنا من امبارح وأنا بره ولسه ورايا يوم طويل قوي بكرة، وعايز أروح أشوف البنت اللي في غيبوبة دي بكرة، وأطمن عليها." هزت مسك رأسها ونطقت بحرج. "أنا كمان مانمتش من امبارح، فازيح شوية عشان نعسانة." غفا الاثنان معاً، فكل منهم كان جسده يشتاق لنوم وراحة في تلك اللحظة، فكلاهما لم ينم يوم وأكثر، لأنهما لم يستطيعا النوم دون بعضهما البعض. ***
يصرخ من الوجع ولا يعرف ما يحصل حوله ومن أتى به إلى هنا. جثّ بيده على مكان جرحه، وجده لا ينزف. بحث برفق، شعر بوجود خيط الجرح وأن أحدًا قد خيطه له، وبيده الأخرى محلول يوصل له الدم لجسده، وأيضًا رأسه قد عولجت. ظل ينادي بكل ما أوتيه من قوة حتى يستمع له أحد. يشعر ببعض القلق ولا يعرف أين ومتى جاء إلى هنا. هو كان برقة رضوان، وبعدها قد غفا. من المعقول أن رضوان أتى به إلى هنا؟ هل صدق تلك الفتاة؟
ابتلع ريقه، وعقله توقف عن التفكير. كاد يموت خوفًا، فهو يعلم رضوان أنه لا يمزح في الحق، وأن من يستنجد به في شيء يأتي به ولو على رقبته. ولكن خاب ظنه عندما وجد الباب يفتح ويدخل منه شخص لا يشبه رضوان ولا تلك البنية تشبه بنيته. واستغرب كثيرًا، فهذا الشخص يغطي وجهه والإضاءة أمام الباب ضعيفة، ولكنه وجد هذا المجهول يتقدم حتى وقف في الإضاءة. ابتسم علوان بسخرية وعلم من يقف أمامه، وتحدث بسخرية.
"الظاهر إن الخوف بيخلي الناس اليومين دول يخطفوا خوفًا من الفضيحة، وانتوا طلعتوا مش بس بتشتروا العيال، تؤ طلعتوا خاطفين كمان. بس على العموم شكرًا على إنقاذ حياتي، أصل لو ما كانش ده حصل كان زمان رضوان بيه عارف كل حاجة، وطبعًا ده كان ظابط يعني يعرف يجيب الكلمة من بوق الأسد."
وقف هذا الشخص أمامه ونزع الشال الذي يربطه على وجهه خوفًا من أن يتعرف عليه أحد. ونظر لعلوان بشر، فهو يعلم أنه لولا فعلته تلك لكان قال كل ما حدث معهم وأنه اشترى منه الطفل. ضحك علوان عندما وجد وجهه يتطاير منه الشر هكذا. "على مهلك بس ياست هانم، إيه خايفة أوي كده؟ ما أنتي برده حطي نفسك مكاني، لو جت واحدة اتفقت معايا إنها تشتري ابني، وجت بنتك حاولت تقتلك واعترفت عليكي قدام ابن كبير البلد، هيكون رد فعلك إيه؟
ما أكيد هقول على كل حاجة، ما أنا مش هتعك في كل ده لوحدي برده ياست نوارة." صرخت به هي أيضًا. "لأ اعترف عليا، وافضحني أنا وجوزي، إننا اشترينا ابنك، يا متخلف!
أنا مش قيلاك، إني أنا قايلة ليونس إني متبنية الواد ده من دار أيتام في القاهرة. تيجي إنت تتصرف بغباء وتبوظ لي حياتي كلها وتطلعني حرامية قدام جوزي. اسمع يا كلب، إنت هتفضل هنا لحد ما تتحسن حالتك وبعد كده، تاخد بعضك وتطلع من البلد كلها وما أشوفش وشك تاني. خدت نص الفلوس، قادي النص التاني. أهو احمد ربنا إني كنت بعتلك الفلوس وساعتها عرفت كل اللي حصل وعرفت أهربك. بس قسمًا عظيمًا لو عرفت إنك فضلت في البلد بعد ما تتحسن، لكون أنا بنفسي اللي قتلاك ومطلعة روحك بنفسي."
ثم ألقت في وجهه حقيبة بلاستيكية كبيرة. "دول بقيت الحساب، كده يبقى وصلك كل اللي إنت عاوزه، وأنا هعرف أهربك بلد تاني غير مصر، وأهو ترحمنا من خلقتك دي لبقية العمر." "طب وبنتي أسيبها لمين؟ نطقت بسخرية. "إنت هتستعبط يا راجل إنت؟ بنت مين دي اللي خايف عليها؟ ده إنت كان عندك استعداد تموتها يا كلب." "إزاي دي شرفي، دي ضنايا، أنا كنت بخوفها بس."
"طب لو على بنتك متخافش عليها، أنا كده كده لو عليا كنت لميت عيال الدنيا كلها في حضني، متقلقيش عليها في عينيا علوان هي وأخوها." نظر لها بغرابة، فهو لحد الآن لم يفهم تلك المرأة. هل هي فعلًا فتاة طيبة أم امرأة مستبدة وليس لها قلب؟ اشترت طفلًا لتهدأ بها غريزة الأمومة لديها ولم يهمها من ماتت بسبب ضياع طفلها؟ أم هي تلك العطوفة التي ستتكفل بفتاة لتربيتها ولن ترضى أن تتركها في الشوارع؟ "إنتي إيه؟
أنا لحد دلوقتي مش قادر أفهمك. منين حرمتي ابني من أمه، ومنين صعبان عليكي بنتي لدرجة إنك هتاخديها عندك تربيها؟ إيه مش خايفة تعرف أخوها وتفضحك؟ بكت بوجع وإحساسها بالذنب يقطعها إلى أشلاء.
"أنا محرمتهاش، إنت ضحكت عليا وقولتلي إن مراتك بنسبة كبيرة هتموت من عملية الولادة لأنها هتبقى صعبة لأن عندها القلب. أنا كانت نيتي خير وأنت ضحكت عليا. جبتلي متيم وقولت إنها بين الحية والموت، وقعدت تتمسح عليا وعرفت إزاي تضغط على جرحي صح يا علوان. أنا كنت والله كنت عاوزة أعيش الإمومة وأحسها. أنا كنت هجيبها والله العظيم أنا كنت جايلها آخدها القصر تعيش مع ابنها وأعالجها. والله ما كان قصدي أموتها، والله نيتي كانت خير. هي اللي ماتت في نفس اليوم اللي كنت جايلها فيه. والله كنت هاخدها عندي والله."
ظلت تهذي بالكلمات حتى أغرقت الدموع وجهها وصوت شهقاتها المتقطعة عالية لدرجة أنها كانت تختنق وتفقد أنفاسها.
"ست هانم، أنا مليش قعدة في البلد دي. إني خلاص مش نافع لأكون زوج ولا حتى نافع أكون أب يحب أولاده ويحابي عليهم. البت نجاة في عينيكِ، وأنا يومين وهامشي من هنا. توكلي على الله وسرك في بير، وعلى رقبتي إن شاء الله عرفت حاجة متخافيش على سمعة جوزك، خلي بالك على الواد والبت دول أمانتك. خلاص معادش ليهم غيرك. يا رب تجدرى بس تعوضيهم عننا. آهو تكفري عن الذنب اللي في رقبتك، وأنا متأكد من إنك هتحافظي عليهم لأن ضميرك صاحي مش ميت."
*** يجلس في غرفة مكتبه يشاهد صور الخيول التي تعرض في مزاد علني في القاهرة، فهو مهنته هو تجارة الخيول، فتلك ليست مهنته فقط بل هواية حبيبة لقلبه. رفع هاتفه يتصل على أحد ما. "الو، أيوة يا شريف، أنا هشترى الحصان الأسود رقم ٧، وهشترى ٩ أيوة البني، وكنت عاوز كمان الحصان ٦ ودا بالذات تخلص فيه قبل الباقيين. إيه شكله عيان؟ ضحك بسخرية. "هات لي انت بس العيان ده وملكش دعوة، وحياتك هخليه رهوان وهيبقى أحسن. والباقيين...
يا ابني دا نوعيته نادرة يا ابني. ما يعرفش المهرة غير فارس عربي، ودي مهرة متسابش كل اللي هي عايزاه. شوية اهتمام."
أثناء حديثه مع شريف، وجد زوجته تفتح عليه الباب وحالتها صعبة جدًا. عيونها المنتفخة وملابسها الغريبة غير المهندمة. حتى هو لم يعلم متى خرجت. لم ينتظر إلا ثواني عند رؤيتها حتى أغلق الخط في وجه شريف، وذهب إليه، ولكن هي من تقدمت أسرع منه ورمت نفسها في أحضانه وظلت تبكي وتتشبث به كطفلة مخطئة تخشى عقاب والدها. لا يعلم ماذا جرى لها، ولما كل هذا البكاء. يؤلمه قلبه كثيرًا أن يراها هكذا. أهون عليه أن يبكي العالم كله إلا هي. مسح على شعرها يحاول بث بعض الطمأنينة في قلبها، ولكن ظلت هكذا لفترة تحتضنه، تضمه بطريقة غريبة كأنها ستفقده أو هو من سيفقدها. لا تعلم.
"نوارة، اهدى، اهدى عشاني يا نوارة. إنتي عارفة إني مقدرش أشوفك كده. نوارتي لا تبكي، فظلام يحل على قلبي عندك بكائك. وضحكتك، أرني ابتسامتك حتى يهل النور على قلبي كما يهل علينا هلال العيد." ظل يغازلها ويقول أجمل كلمات الحب حتى تهدأ، فكل ما تحتاجه الأنثى وقت ضعفها كلمة تشعرها أنها الأفضل والأحسن في قلبك. كلمة تجعل القلب ينبض بسعادة وينسى الهم والحزن.
ظل معها حتى هدأت، وبعدها حملها لغرفتهم، وأراحها على فراشها ودثرها بالغطاء، وتركها ليجلب لها العشاء. هو عرف أنها لم تتناول الطعام منذ الصباح. ذهب للمطبخ وأعد لها كل ما تحب ووضعه على حامل الطعام وصعد به لها ووضعه أمامها. وظل يطعمها بنفسه، ولكن كانت حالتها لا تسرّه، ولكن أراد أن يجعلها تهدأ أولًا وبعدها يسألها ما بها ويتمنى أن تجيبه، لأنها إن رفضت الحديث لن يستطع الضغط عليها أثناء حالتها تلك.
أطعمها لقمتين وهي تتابعه بعينيها وتنهمر دموعها، فهو يفعل كل ما يريح قلبها. أم هي لم تفعل لأجله أي شيء، حتى إحساس الأبوة حرمته منه. وهو لأجلها قتل غريزة الأبوة بداخله لأجلها، واختارها هي وقتل إحساس الأبوة. لقد فعل لها كل جميل، ولكن هي لم ترد له أي شيء من هذا. بل فقط تزيد همه وتجلب له المصائب، وكم أنا سيئة!
لا يكفي أنه يعاشر امرأة عقيمة، وليس هذا فقط، بل وجلابة مصائب وقاتلة وسارقة وخاطفة، وكل شيء سيء في تلك الحياة ستكون هي وليس غيرها. وجدته يمسح دموعها ويبتسم لها ويقطع لقمة أخرى ويضعها في فمها، وهنا جعلت يده تتوقف عند شفتيها وهي تقول: "أنا قتلت أم متيم." "عملتي إيه؟ انهمرت دموعها أكثر وقالت بهستيرية.
"قتلتها، أنا كذابة، أنا مبخلفش عشان كده خدت ابنها ليا. مفكرتش فيها ومفكرتش فيك، كذبت عليك. بس أنا كنت كنت هجيبها تعيش الباقي من حياتها مع ابنها، بس هي ماتت قبل ما أجيبها. بس ذنبها في رقبتي. ومتيم، مش جايباه من ملجأ لاء دا ابن علوان الغفير بتاعنا. هو كان عارف إني مبخلفش وجاب لي ابنه وقال إن أمه هتموت وكان عايزني أخده أربيه عشان هو مش هيقدر يربيه لوحده عشان فقير. هو استغل ضعفي وضغط على جرح جوايا عمره ما هيشفى. وأنا
استغليت فقره وأديته فلوس، بس، بس نيتي خير. أنا نيتي خير. أنا مش وحشة. أنا، أنا بحبك، وكنت عاوزاك تكون بابا وأنا أكون ماما. خفت تزهق مني وتتجوز. أمك قالتلي هتجوزك، وهتخليني أشوف بعيني فرحك على غيري وأشوفها حامل منك وأنا لاء أنا لاء. مش هتروح لغيري أنا هموت من غيرك أنا مليش غيرك. أنا أنا نوارة مراتك أنا وبس. صح مش كده؟
مش كده يا يونس؟ مش إنت مش هتتجوز وتسيبني؟ مش إنت بتحبني أنا وبس؟ قول اتكلم ماتسكتش." قالت وهي تضربه وتصرخ به حتى يرد عليها. لقد فقدت عقلها في تلك اللحظة وكأنها جُنّت، وهو يقف كتمثال لا يتحرك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!