الفصل 30 | من 34 فصل

رواية مسك الليل الفصل الثلاثون 30 - بقلم سارة طارق

المشاهدات
29
كلمة
3,912
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

استيقظ من نومه بعد صلاة العصر، فصل الفروض التي فاتته. أحضرت له مسك الطعام، أكل وذهب يسأل عن والده. أخبروه بمكانه، فذهب إليه وجده يجلس ويتمعن في الأرض الخضراء ويتأمل في نعم الله التي تتلألأ أمامه. اقترب منه وجلس بجانبه. "إيه ياaba، عامل إيه؟ مسألتش عليا يعني؟ رد عليه والده وعيونه ما زالت على الأرض: "كنت بشوف الحكاية اللي بلغتني بيها، وعرفنا لك جرارها، بس طلع الموضوع صعب حبتين." "صعب إزاي يعني؟

"علوان، شغال عند يونس حمزاوي، غفير. علوان ضحك على واحدة مبتخلفش وجالها إن مراته عندها القلب وحملت في العيل ده غلطة. والدكتور بتاعها كان محذرها إنها تخلف تاني عشان المرض اللي عندها في القلب وإنها لو حملت هتموت. المهم ربنا أراد إن أمانته تيجي على الدنيا." "وماتت وهي بتولد مش كده؟

هز جابر رأسه بحزن: "لأ، ربك كان كبير وحصلت المعجزة اللي تخلي الست دي تقوم منها بسلامة. بس كانت تعبانة جوي. المهم علوان كان متفق مع الست دي وضحك عليها، وجالها إنه مش هيعرف يربي العيل ده لوحده وإن مراته هتموت. وعرف يضغط على الست دي ويصحى جرحها من تاني. واتفق معاها إنها تاخد الواد، وتكتبه باسمها لأن كده كده هو مكانش عايز عيال تاني. إنها لو مأخدتوش هيجتله، أو يرميه في أي حتة." "دهش رضوان."

"إنت بتقول إيه ياaba، أنا مش مصدق كل اللي بتقوله. ولو فرضنا إن ده حصل، مين الهبلة اللي تصدق واحد زي علوان إنه يقتل ابنه؟ علوان مش عبيط عشان يقول قدام حد إنه هيقتل. الحكاية دي مش داخلة في ذمتي بتلات تعريفة. وطبعًا هتقول إن الست اللي علوان اداها ابنها دي مسكينة وخدت العيل خوف عليه ليتقتل، وسمته باسمها." نظر له والده نظرة جعلت رضوان يبتلع ريقه،

فنطق جابر: "مش مصدق كلامي إياك. لما أقولك كلمة اعرف إنها صح، لأن الحرف اللي بيخرج من بوقي ختم ياابن النمر. شايفني صغير؟ إياك وبهلفط بأي كلام، ولا شيب شعري خلاك تقول إن أنا خرفت." رجع رضوان في حديثه، صحح لوالده: "لا عاش ولا كان اللي يقول عليك صغير أو شايب ياaba، بس الحكاية بس ناقصها حاجة، في حاجة مش مفهومة في الحكاية دي. وإنت بتحكي حاسك متضامن مع الست اللي خدت العيل دي قوي، كأنك عارفه يعني."

"عارفها ومربيها على إيدي كمان. يا ولدي ربنا ما يجعلك تحس إنك زي الأرض البور اللي مينفعهاش لزرع ولا حتى ينفع فيها بوق ميه. فأي حد هيدوس على وجعك ده ويستغله هتصدقوه."

"معنى كلامك إنها خدت العيل طمع وحب في أنها تحس إنها ست وعندها عيل. بس ده يعاقب عليه القانون. وإنت قولت كمان إنها سمت الوالد باسمها ودي جريمة تانية ياaba. أنا معاك إن إحساس الأمومة بتحلم بيه أي بنت أو ست، بس ده ما يديهاش الحق إنها تاخد عيل من أمه وتقهرها عليه لحد ما تموت. ودي جريمة تالتة. وأنا مش هقدر اسكت على حاجة زي دي، وأرجع الواد لأخته. وعلوان ده حسابه مع القانون هو واللي شارك معاه في الجريمة دي. وبعد إذنك ياaba، تقولي مين الست دي؟

"نوارة مرات يونس حمزاوي، صاحب أخوك رشاد." "إنت بتقول إيه ياaba، استحالة طبعًا. يونس مش ممكن يعمل حاجة زي دي، ولا نوارة مراته ممكن تعمل كده. نوارة أعقل من إنها تحط نفسها في موقف زي ده. مش نوارة ياaba اللي تكون سبب في قتل حد، دي أرق من كده بكتير." تنهد والده وهو يقول: "استغلوا نقطة ضعفها ياولدي، استغلوها صح، وضغطوا على جرحها." "أبا بالله عليك أنا مش فاهم حاجة، براحة عليا واحدة واحدة كده وفهمني."

"خلينا أنا أفهمك يا رضوان، على الأقل لما تسمع من صاحبة الحكاية تفهم أكتر." قالتها نوارة وهي تتقدم منه هو ووالده، وجثّت بجسدها حتى تقبل يده. جابر الذي أجلسها بجانبه قائلاً: "أنا جبتلك صاحبة الحكاية عشان تسمع منها، يمكن ساعتها تعذرها." شعر رضوان أن والده يضعه تحت الأمر الواقع، وهذا جعله يغضب.

"أبا لو فاكر إنك بتستغل معزتي ليونس ونوارة، في إني أضيع حق ست غلبانة زي مرات علوان وعيالها تبقى غلطان. أنا ما يمكن أعمل حاجة ضد القانون. إنتي مش غبية عشان توقعي نفسك في جريمة زي دي، عشان إيه كل ده؟

ترقرت دموعها: "عشان أبقى أم. والله العظيم أنا اتضحك عليا. إنت لو كنت مكاني، ولقيت حد جايبلك أكتر حاجة بتتمناها من ربنا، وبيقولك أهي، النعمة اللي كنت عايزها معايا أهي ربنا أنعم عليا بيها بس أنا مش عايزها ويا تاخدها يا أموتها. خوفت وفرحت وقبلت. اديته مبلغ يسعده في ولادة مراته، بس بعد ما مشي فكرت. استغفرت ربنا وقولت يمكن بيعمل كده عشان حالتهم على قدها ومش هيعرف يربي الواد بعد موت مراته. وبعدها بيومين كلمته وقولتله ييجي

عشان عايزاه، وجهزتله مبلغ وقولت يمكن ربنا بعته ليه عشان أسعده وإن ده اختبار من ربنا ليه، وإني لو ساعته واديتيه فلوس يعمل مشروع أو أي حاجة وحسنت من حالته المادية، ربنا ممكن يكرمني و يخليني أحمل وأخلف وأحس إني ست زي الستات اللي في البلد وأشيل عيل يكون حتة من يونس ومني. والله العظيم ده اللي كان في نيتي ساعتها. بس لقيته جه قبل المعاد اللي اتفقنا عليه وطلب يقابلني، ويونس مكانش موجود في اليوم ده. ولقيته جاي ومعاه متيم،

وبيدهولي ويقول خدي ابنك جه على الدنيا ومحتاج حضنك. وفجأة بعد ما كنت بقوله أنا مش هاخد ابنك، لقيت الواد على دراعي بيعيط. وفجأة سكت وبصلي كده، خلي قلبي بقى من كتر الدق حسيت إن هيقف. أنا لقيت نفسي بضمه لحضني قوي. دموعي نازلة مني زي الشلال وفرحانة قوي كأن فعلاً ابن بطني. وكلامه ليا وهو بيقول ابنك جه على الدنيا وعايز أمه، وكأن الدنيا كلها في اللحظة دي خلت من الناس ومبقاش اللي أنا ومتيم وبس. آه، ما يونس سماه متيم، وكأن

الولد ده هو الوصف اللي بيوصف بيه يونس حبه ليا."

هنا نطق رضوان بحزن: "إزاي يونس يقبل حاجة زي دي ويطاوعك فيها؟ أجهشت في البكاء أكثر: "يونس مكانش يعرف، يونس كان مسافر بيسلم خيول بيعها لواحد في مصر وجه اتفاجئ بالولد عندي. وكدبت عليه ساعتها وقولتله إني اتبنيت طفل من ملجأ. وهو صدق رغم إنه كان رافض التبني. بس زي ما تقول أول ما شاف الولد سكت ومقدرش يعمل أي حاجة وعمل شهادة ميلاد للولد."

هنا نطق رضوان بحيرة: "وأنا مستغرب إزاي علوان جتله الجرأة ويجيلك من الأول ومخافش من يونس؟ هنا ردت عليه نوارة بكسرة: "علوان لما جه وقال لي افتكرت إنه كان طمعان في قرشين، بس الحقيقة إنه طلع مزنوق عليا." قالت وهي تبكي وتضع يدها على وجهها. "أصدق مين؟ " قالها رضوان.

لتجيبه هي: "رحمة هانم، اللي عمرها مرحمتني وخلتني أعيش يوم واحد حلو. رحمة هانم اللي مفيش يوم بيعدي فيه غير وهي معيراني بقلة خلفيتي ومش بتقولي دايماً غير إني أرض بور، وإني حمل كبيرة وأكبر غلطة غلطها يونس في حق نفسه إنه اتجوز واحدة طلعت ست في الشكل وبس. وإنها لازم تجوزه وأول ما يخلف من التانية وأشوف خلفته من واحدة غيري هترميي في الشارع. بس لازم تذلني وتكسرني الأول. على أساس إنها مش ذلاني وكسراني كل يوم بكلامها. أبوس إيدك يا رضوان هي عملت كل ده عشان يونس يطلقني واستغلتني صح وعرفت إزاي تدخلي. أنا قولت ليونس كل حاجة من يومين، ومن ساعتها وهو مش بيكلمني. أنا اعترفت بكل حاجة."

"وإنتي عرفتي إن حماتك ورا ده كله إزاي؟ " قالها رضوان.

"أنا سمعتها بتكلم في التليفون وأنا معدية من قصاد أوضتها الفجر. كانت بتكلم علوان في التليفون، وبيطمنها إن كل حاجة ماشية مظبوط، رغم العكوسات اللي حصلت بس برود حصل اللي إحنا عايزينه. ساعتها معرفتش أعمل إيه وكنت هموت. كان نفسي إنّي أصوت وأفضحها وأجري أقول ليونس بس خوفت لأميصدقنيش وهي ذكية جداً لدرجة إنها ممكن تقلب كل حاجة ضدي، وتستغل كمان إن يونس مقاطعني ومش بيكلمني من ساعتها. ملقتش غير الحاج جابر وإنت تلحقوني. أنا عرفت

إنك كنت مع بنته الكام يوم اللي فاتوا دول، بس أبوس إيدك ساعدني بس من غير ما حد يحس بحاجة. أنا خايفة لحد من أهل البلد يعرف ويعاير يونس أو يتقل منه. أنا مش عايزاه يتعاقب على غبائي وأنانتي. والله العظيم أنا مكانش في نيتي أي أذية لحد يا رضوان، وحياة مراتك مسك لتساعدني. أنا عارفة إنها غالية عندك قد إيه، وإنك مش هترفضلي طلب."

انهمرت أكثر في البكاء على تلك الكارثة التي أوقعت نفسها بها والتي ستتسبب في تحقيق أسوأ كوابيسها وهي أن يتزوج عليها يونس ويتركها. رق رضوان قلبه لها وشعر بألمها، هو يعلم نوارة حق المعرفة، فهي رغم أنها ليست فتاة صعيدية، وأنها أتت على الصعيد بعد أن تزوجت من يونس، إلا أنها في تلك الأعوام التي قضتها هنا أحبها الجميع. اعتبروها من أهل البلدة، بسبب معاملتها الحسنة وطيبة قلبها ونقائها وأخلاقها التي يحلف بها أهل البلدة. ربّت عليها جابر ليهدئها ويجعلها تطمئن، لأنه في تلك اللحظة تذكر ابنته التي هجرته وتركته سندس، فهي كانت أقرب صديقة لنوارة.

"اهدّي يا بتي، والله طول ما إني عايش، ماهخلي مخلوق واحد يزعلك واصل." نطقت نوارة بكسرة: "ما أنا لو كان بابا عايش مكانش كل ده حصلي ولا اتذليت كده، يعم جابر." "اهدّي يا بتي، ليكي رب اسمه الجبار، وهو قادر يجبر بخاطرك، وينتقم من كل اللي جه عليكي. دا كله اللي الظلم والافترا. يا بنتي." هنا نطق رضوان: "متخافيش يا نوارة بس، عشان أساعدك ونثبت الكلام اللي قولتي ده على حماتك، لازم نلاقي علوان."

انهمرت دموعها قائلة: "مش هتلاقيه، أنا اديته فلوس عشان يهرب." هنا نطق جابر: "إنتي اتجننتي إزاي تعملي كده؟ هنا تنهد رضوان ووضع يده في شعره قائلاً بحيرة: "طب هنعمل إيه دلوقتي ياaba هنثبت الكلام ده إزاي، بعد ما المخفي ده هرب؟ ولو نجاة فاقت الشرطة هتيجي وتحقق معاها وده مش هيكون في مصلحة نوارة خالص، وهتلبس كل حاجة لوحدها بعد ما الكلب ده هرب."

نظر له والده نظرة وأعيد: "أنا اللي هثبت كل ده، بمعرفتي ياابني. سيبها على الله وعليا." _السواد أحاط عينيه وسحب وجهه. لأول مرة لا يهتم بمظهره. لم يجافيه النوم منذ يومين. لأول مرة بعد أن تزوجها ينام بدونها على سرير غير سريرهم. لأول مرة لا يتحدث معها طول تلك المدة. لم تحصل ولا مرة أن يتركها هكذا، لكنها يجب أن تعلم خطأها.

ولكن لقد اشتاق حقاً لضمها له قبل النوم، فهو لا يعرف النوم دون احتضانها، لقد تعود على ذلك. لكن هو لن يضعف أمامها بعد ما فعلته به. ألم تكتفِ بحبها الذي أصبح كالدماء التي تجري في عروقه حتى جعلته لا يريد تركها أبداً، حتى عمله يديره من البيت حتى لا يتركها ويبعد عيونه عنها.

قام من نومته وذهب لشرفة وفتحها وجلس على سور الشرفة، وضع كلتا قدميه على السور وسند ظهره على الحائط وهو ينظر للسماء يتأمل بها، يرسم صورتها بنجوم ويبتسم بحزن وخيبة أمل. وجد نفسه يدندن: *لأقعدن على الطريق وأشتكي وأقول مظلوما وأنت ظلمتني لأدعونا عليك في غسق الدجى يبلك ربك مثل ما أبليتني*

كانت تستمع لدندنته تلك وهي تضم قدميها لصدرها وتخفي وجهها بين قدميها وتضم يدها حول ساقيها وتبكي بوجع، خائفة أن يتركها. فكرة أن يونس يطلقها تلك تجعلها ترتعب. وغناؤه هذا جعلها تشعر بأمدا حقارتها وأنانتها تلك. نعم، فهو على حق، لقد ظلمته. وجدت من يفتح الباب ويدخل عليها. رفعت رأسها وانهمرت دموعها أكثر. فرحت لوجوده أمامها مرة أخرى في غرفتهم.

نطقت بفرحة: "يونس، أنا كنت عارف إني مش هأون عليك. عمر نوارة ما تهون على يونس مش كده؟ لم ينطق بحرف واحد، بل تقدم من الفراش ونام عليه وسحبها من يدها وجعلها تنام في أحضانه. كادت تتحدث ولكنه منعها وهو يقول بصوت ضعيف يملأه الألم والإرهاق والتعب: "أنا عايز أنام يا نوارة، أرجوكي سبيني أرتاح."

هنا صمتت ولم تتحدث واستكانت هي أيضاً في أحضانه. وبعد فترة قصيرة جداً غفت، فهي أيضاً لم تنم منذ يومين. وعندما علم أنها قد ارتاحت وغفت، هنا استكان جسده وقلبه وعقله أيضاً. ولأول مرة أرى أن العقل والقلب قد اتفقا على شخص واحد، وهي نوارة. ارتاحت عيونه وضمت جفونه ونام كالمغيب الذي لم ينم منذ سنين، وكأن حضنها كان كالمنوم لوجعه منها. لقد أصبحت نوارة، هي الداء والدواء معاً. لقد كانت مثل أقراص المنوم الذي أدمنها حتى جعله لا يعرف النوم إلا بها.

_كانت رحمة والدة يونس تتحدث في الهاتف وتحاول السيطرة على غضبها من تلك المغفلة الغبية التي تتحدث معها. "بقولك إيه، مش ذنبي إنك معرفتيش تعملي كل اللي قولتهولك عليه، إنتي مش شغّالة دماغك. يلا بقى ابقي وريني شطارتك، ما هو اللي ما يمشيش على كلام رحمة يبقى دي نهايته يبقى زي الكلب اللي صاحبه طفش منه." ردت الأخرى عليها

عبر الهاتف وهي تبكي بحسرة: "يعني ده جزائي إني قبلت إني أتجوز ابنك وهو على ذمته واحدة تانية، في الآخر ألاقي نفسي مرمية ذي الكلبة. ده حتى بعد ما كتب عليا ومن ساعتها ماشفتوش. ده حتى ما استناش يشوفني، ما استناش يشوف العروسة اللي أمه جابتهاله. جه مضى على البيعة ومشي." هنا ردت عليها رحمة جبروت: "وحياتك عندي لخليكي، تيجي هنا وتاخدي مكانها. بس إنتي اصبري عليا بس استحملي شوية بس." "لحد إمتى يا ست رحمة هستحمل؟ لحد ما يتجوز؟

قوللي مين يستحمل إن لو جوزها جبلها في الشارع وعينها جت في عينه ميحرفهاش؟ أنا برده ست لحم ودم، واللي بيجرى فيا ده ميتحملهوش بني آدم." "اجعدي زي خيبتها أكده لحد ما تلاقي بعتلك ورقة طلاقك ويبقي لاطولتي ورد الشام وعنب اليمن." صرخت

في وجهها تلك المسكينة: "حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي. منك لله، إنتي اللي جيتي تقوليلي هتعيش عيشة ملوك وهتبقي ست البيت لما تجوزيه وتجبيله حتة العيل اللي محروم منه هتبقي ست البلد. اديه رماني، عشان مراته ورغم إنها مبتحلفش، بس مش بيقدر على بعدها. روحي ربنا ينتقم منك." قالته وأغلقت الخط في وجه رحمة التي أنزلت الهاتف من على أذنها.

ظلت تبكي على خيبة أملها. لقد حلمت أن تطير في السماء وظنت أن بتلك الزيجة سوف تقتلع نفسها من هذا الفقر الذي عاشت فيه طول حياتها. ولكنها وجدت نفسها تلقى من سحابة أحلامها على الأرض كالسلعة التي بيعت، وألقاها صاحبها دون أن يهتم بها، وكأنها ليست لها قيمة عنده.

لن تنسى اليوم الذي قابلته فيه بعد زواجهم بشهر. كانت تحمل على رأسها حقيبة السوق التي ملأتها بكل طلبات والدتها من السوق وظلت تمشي ببطء بسبب ثقل الحقيبة على رأسها حتى توقفت قدميها عندما رأته يركب على خيله ويتمشى به في البلدة كعادته. أنزلت حقيبتها وتركتها في منتصف الشارع دون أن تهتم لها، وهرولت إليه تناديه، تريد معاتبته على تركها، تريد أن تكون أمام عينيه لعله يرق قلبه لها. "يونس بيه، يا سي يونس."

شعر أن هناك من ينادي عليه، فتوقف بفرسه ونظر خلفه. وجد فتاة لا يتعدى عمرها تسعة عشر عاماً تركض باتجاهه وتنادي عليه بفرحة كبيرة، لكنه لم يعرفها حتى عندما توقفت أمامه. ابتسمت له وهي تقول له: "إزيك يا سي يونس عامل إيه والست هانم عاملة إيه؟ " كانت تقصد والدته. ابتسم لها برسمية: "أنا بخير الحمد لله، والست نوارة كمان بخير، ياشاطرة." هنا كانت الصدمة لها أنه لم يتعرف عليها. فأشارت على

نفسها فنطقت برعشة خفيفة: "إني جهاد، يا يونس بيه. إنت مش عارفني؟ "لأ معلش مش واخد بالي، إنتي محتاجة أي حاجة يا آنسة؟ أنا تحت أمرك." نطق باحترام جعل قلبها يتهشم لدرجة أنها سمعت صوته انكساره. "آنسة... لأ، إني مش عندي طلب، إني عندي مظلمة. بابي." "طب ما تروحي لكبير البلد الحاج جابر وهو يشوفهالك ويجبلك حقك من اللي ظلمك." نطق بكسرة والدمع يتلألأ بعينيها: "ميهونش عليا أجلل منه جدام حد، ولا أخليه يبان صغير جدام الناس."

"هو مين ده؟ انهمرت دمعة منها ونظرت واحنت

رأسها لأسفل وهي تقول: "جوزي يا سعة البيه جوزي. فايتني بجاله شهر من بعد ما كتب عليا ولحد دلوقتي، ماشفتوش. رحل وسابني ولا حتى اهتم بيه. حتى لما لقيته جريت عليه زي الغبية افتكرت نفسي وحشاه بس كسر بخاطري لما وقفت جدامه ومعرفنيش. رغم ظلمه ليا بس مش هاين عليا إني أجلل منه جدام الناس. أصله طول عمره كبير قوي في عيون الناس زي ما هو كبير في عيني أجده. فارس على جواده ولا حد يساوى رمش من عينيه."

كانت تتحدث وعيونها على الأرض بسبب كسرة لخاطرها، ولكن وجدته يرد عليها ما جعلها تشعر بقلة قيمتها: "معلش يا قولتي أمسك إيه، أنا مسمعتش بقيت كلامك. مراتي بعتتلي رسالة على التليفون وخلتني ما ركزتش في بقية كلامك. إنتي قولتي جوزك اللي سافر وسابك ده فين واسمه إيه وأنا هحاول أرجعهولك." اختنقت في البكاء أكثر: "جوزي... لأ خلاص ماتتعبش نفسك يا بيه. عمره ما هيرجع يا بيه. أصله بعيد عنك جلبه مسحور." استغرب حديثها: "قلب مسحور إزاي؟

"بالحب يا بيه، جلبه مسحور بالحب، واللي بيحب بيحس إن الدنيا كلها مبقاش فيها غير اللي بيحبه." "وإنتي إيه اللي خلاكي ترتبطى بواحد متجوز، وإنتي في السن الصغير ده، لافاتك قطر الجواز ولا عنستي؟ إيه اللي يجبرك على اللي إنتي فيه ده؟ "نصيبي الأسود يا بيه." رد عليه

رد قوي ولم يهتم بمشاعرها: "لأ العيب مش في نصيبك، العيب عليكي إنتي اللي وافقتي من الأول على واحد قلبه متعلق بواحدة تانية وحطيتي نفسك في موقف زي ده. وممكن ييجي عليه وقت ويطلقك ويرميكي وتبقى حكمتي على نفسك بالقب زي ده وإنتي في السن ده. تستاهلي كل اللي بيعمله فيكي عشان إنتي رضيتي إنك تجوزي واحدة في واحدة في حياته، ورضيتي تقهريها بس ربنا قهرك إنتي."

ألقى كلماته كلها مرة واحدة ولم يهتم حتى بمشاعرها، وكأنه ألقى عليها ما كان يحمله في قلبه من تلك الفتاة التي تزوجها بالغصب بسبب أمه، ولا يعلم حتى أن تلك الفتاة هي زوجته الثانية. تركها وركض بحصانه بعيداً عنها وتركها في منتصف الطريق كائة لا مأوى لديها، وكأنه هو المأوى وهاجرها وتركها تتعرى بشوارع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...