الفصل 3 | من 34 فصل

رواية مسك الليل الفصل الثالث 3 - بقلم سارة طارق

المشاهدات
97
كلمة
4,156
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

وأثناء سيرها وبحثها عن أختها لم تشعر بتلك السيارة التي خلفها. يطلق السائق البوق حتى تنتبه وتبتعد عن الطريق. "يوه بقا دي لو طرشة كانت سمعت بعد دا كله، دي الأموات صحيت من صوت الكلكس." زفر بضيق وهو يقول: "إنتي يا ست ابعدي عن الطريق، أنا مش فاضي لتوهان النسوان ده. بعدي عن الطريق والا والله لأسحقك." زاد غضبه بعد أن رآها لم ترد عليه ولم تتنحى لأي جانب.

أوقف سيارته ونزل والغضب يعتلي وجهه، اتجه إليها ومسكها من معصمها وأدارها له عنوة ونظر لها بغضب. ولكن كل هذا تلاشى بعد أن رأى وجهها بوضوح ونظر لها بصدمة. فاهي تقف أمامه لم يصدق نفسه وابتلع ريقه. كانت تبادله تلك النظرات أيضًا. نظرت بتوتر ونظرت لذراعها الذي لم يفلته من بين يديه. وجاهدت لتتحدث: "بعد إذنك يا أستاذ سيبني، أنت مالكش أي حجة إنك تلمسني، مش مسك اللي تخلي حد راجل غريب يلمسها." كان ينظر لها بصدمة كبيرة.

كيف أصبحت قاسية عليه هكذا. "قولتلك سيبني، أنت مالكش أي حق تقرب مني." نطق بحزن كبير بعد كلماتها تلك. وتركها. هو لم يمسك يدها، بل ملابسها، ولكن هذا أيضًا خطأ. "أنا أكتر واحد في الدنيا دي كلها له الحق فيكي وفي أي حاجة تخصك، أنا الوحيد اللي ليا الحق فيكي يا مسك. بلاش يا مسك بلاش تبقي قاسية أوي كده، والله كل حاجة حصلت كانت غصب عني أنا... "معلش، بأي حق أنت ليك حق فيا؟

أنت غريب عني، دكتور، مفيش أي حاجة تجمعني بيك. اللي في القلوب، خليه القلوب عشان عمره ما هيبقي مبرر لأي حاجة تخالف شر ربنا. لو سمحت يا دكتور إني ما طلبتش منك أي تبرير، لأن كله خلص وانتهى من زمان خلاص. إني ما عدتش فاكرة حاجة أنا... "كذابة يا مسك، انتي عمرك ما هتنسيني. انتي لسه بتحبيني وعارفة إني أنا كمان بحبك. ليه بتعمليني بطريقة دي كأني مسخ قدامك." قالها بحزن على حالهم الذي انقلب رأسًا على عقب بسبب والده. بكت مسك بقوة

عقب جملته الأخيرة ونطقت: "بعد الشر عليك يا بلال، بس صدقني ملهاش لازمة وقفتنا دي ولا أي كلام هنقوله. سيبني يا بلال، كفاية إني بتعذب كل يوم بسببك وبسبب غبائي اللي مشاني ورا قلبي واتعلقت بيك أكتر. ونسيت إن فيه ربنا شايفني وشاهد على كل حاجة." رغم طريقتها الجافة معه، كاد يقترب منها ليلمس دموع عينيها التي تنهمر لأجل جملة قالها. وكادت يده تلامس وجهها، كادت تبعده وهي تتراجع للخلف.

ولكنهم تجمدا عندما سمع هذا الصوت الخشن وهو يقترب منهم. كان الرجل يركض وهو يلهث بشدة بسبب تلك المسافة التي ركضها حتى يذهب لأهل تلك المسكينة التي غدر بها أحد مجرمي البلد كما ظن. "يا سنة سودة، الواحد مش قادر يتنفس، شكل الواحد عجز بدري بدري." قالها من بين أنفاسه السريعة، ولكنه حث نفسه على الركض أكثر حتى يسرع لوجهته.

ولكنه توقف عندما رأى هذا المشهد الغرامي بين طبيب بلدتهم الذي يعد من كبرائها وبين فتاة لم يحدد ملامحها بسبب وقوف بلال أمامها. ولكنه حسم أمره وذهب باتجاهه ليعرف هوية تلك الفتاة. "يا دكتور بلال، إنت إيه اللي موقفك أكده في نص الطريق؟ في حاجة؟ صدم بلال من هذا الصوت الذي يألف صاحبه ونظر باتجاه مسك التي شحب وجهها خوفاً من أن يعرف هذا الرجل هويتها ويفضحها أمام أهل بلدتها. قرر متولي ممرض المستوصف ندائه على بلال.

ابتلع بلال ريقه وحاول الالتفات له دون أن يظهر وجه مسك أمامه خوفًا عليها وعلى سمعتها. التفت له بلال وجعل مسك تختبئ ورائه حتى لا يظهر وجهها أمامه. "في حاجة يا متولي؟ إيه اللي مخرجك السعادي؟ إنت مش عندك نوبتجية دلوقتي؟ إنت متعود تسيب شغلك وتتصرمح؟ قالها بغضب مزيف حتى يلهي عقله عن أي سؤال عن هوية مسك. "آآآ أيوة يا دكتور، أنا عندي نوبتجية بس أنا خرجت من المستوصف عشان أدور على أهل البت اللي جُتلت ورموها في البحر."

جحظت عين مسك مما سمعته وسمع بلال شهقتها من خلفه. وتابع متولي الحديث: "أصل البت دي تبجى بت الحاجة زينات، أم البنات مسك وورد اليمن. بس أنا رايح لها عشان تيجي تشوف بنتها بسرعة وهي الوحيدة اللي هتتعرف عليها، مانت خابر إن بناتها توأم وماحدش بيقدر يفرق بناتها من بعض غيرها هي." شهقت مسك بصوت عالٍ وأطلقت صرخة بعد أن عرفت ما جرى لأختها وكادت تركض ولكن أمسك بلال من معصمها وجعلها تصمت.

"إنت لسه واقف يا ابن آدم، اجرِ بسرعة روح لست زينات وعرفها وأنا رايح أشوف إيه اللي جرى لبنتها بسرعة." انتفض متولي بخوف على أثر صياحه وغضبه وانطلق بسرعة دون أن يضيف أي كلمة أخرى. نظر بلال لمسك والتي انهارت بعد رحيل متولي وكادت تصرخ بأعلى صوتها. ولكن كممها بلال وحملها بسرعة وتحكم في حركتها الهستيرية وأدخلها السيارة وأحكم بابها ودخل هو أيضًا وانطلق بها في اتجاه المستوصف.

نظر لها بلال وحاول طمئنتها على أختها بعد أن رأى حالة الرعب التي تملكت منها. "اطمني إن شاء الله تكون بخير بس انتي أهدي." "إيه اللي انت عملته ده؟ إنت مش بتفهم ليه؟ إنت مالكش حق فيا يا بلال طول ما إحنا غرب عن بعض، افتح العربية دي خليني أشوف أختي." لم يستمع لها بلال وانطلق بسرعة، ولكنه بعد فترة سمع كلماتها المعاتبة لأختها كأنها أمامها. "ليه كده ليه يا ورد؟ بقى كده تهون عليكي نفسك كده؟ هانت عليكي مسك عشان تروحي وتسيبيني؟

أه يا أختي غدروا بيكي مرة ومكفوهمش فجتلوكي؟ استكتروا عليكي العيشة يا أختي؟ أه يا حبيبتي أه يا جلبي أختك، استرها معانا يا رب دا إحنا مالناش غيرك ونبنشغل في رضاك." لم يفهم بلال ما تقوله، ولكنه لم يعقب على حديثها الآن. كل ما يهمه هو رؤية ما حصل لأختها. وقف بلال لمسافة معينة من المستوصف.

"مسك مش هينفع أدخل أكتر من كده، إنتي تخرجي وتروحي لوحدك عشان ماحدش يشوفنا وأنا هروح بس من الباب اللي ورا، يلا بسرعة قبل ما حد يلمحك معايا." نزلت مسك السيارة وركضت باتجاه المستوصف ودخلت وارتطمت بالعامل. "مش تحاسبي ولا هو خلاص ما عادش فيه خشوع ولا تربية عشان تضربي راجل عجوز زي أكده؟ وبعدين ما أنتي كويسة وزي الفل أهو، اومال كنا شايلينك ميتة ليه من شوية؟ قالها بغضب بسبب ألم كتفه الذي أصابه من تلك الضربة.

جعل تلك المسكينة تصرخ وجهها من الصدمة. أيقول حملها ميتة؟ ترجته وسألته عن أختها. فنظر لها بغيظ وأشار لها عن العيادة التي بها أختها. دخلت مسك العيادة دون أن تطرق الباب وتفاجأة بأختها التي تنام بشحوب ودمائها التي أغرقت الفراش الذي تنام عليه. لم ترى مسك الطبيب الذي ينظر لها بصدمة من دخولها بدون إذن. فقط كانت ترى أختها التي تنام بهذا السكون المريب.

اقتربت من ورد بقدم مرتعشة وبأنفاسها التي تتلاشى واحدة تلو الأخرى بسبب تلك الانقباضة التي سيطرت على قلبها. وقعت مسك أمام أختها ونظرت لها وهي تمسك يدها بأمل أن تقوم ورد معها. "ورد ورد حبيبتي جومي يا أختي جومي يلا بلاش جلع بنات ماسخ. جومي (قومي) مع أختك حبيبتك مش انتي دايماً تقوليلي أنا مقدرش أسيبك يا مسك، فإيه خالفتي وعدك ليا وسيبتيني ليه؟ أكده هونت عليكي؟

بس لا، إنتي هتجومي وهتكوني بخير والله لجبلك حقك من اللي عمل فيكي أكده، بس انتي جومي، ج ج جومي قبل ما زينات تيجي وتصحيكي هي. إنتي عارفة هيتعمل فيكي إيه. يلا يلا تعالي معايا عشان تنامي معايا في البيت." لم ترى من أختها أي رد فعل كأنها لم تستمع لأي كلمة قالتها. لتو هنا صرخت وهي تقول: "جومي يا ورد اليمن يلا جومي معايا والا والله العظيم أقطع أي كلام معاكي. إنتي مش بتردي ليه؟ ورد يا ورد اصحي، لا لا لا إنتي مش هتروحي مني."

قالتها وهي تحتضن رأس أختها وتتحدث بهستيرية. "لا مش هتموتي إنتي، إنتي هتفضلي معايا، هنفضل سوا. لا جومي يلا. يارب يارب. لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. اللهم لا اعتراض على قضائك يا رب اللهم لا اعتراض." كانت هذه هي الجملة التي ترددها مسك وهي تحتضن أختها ولم ترى أو تسمع ذلك الطبيب الذي يحاول جاهداً أن يبعدها عن أختها ولكنها كانت متشبثة بها بطريقة غريبة وقوية.

دخل بلال وحاول أن يبعد مسك عن أختها ولكنه لم يستطع فصرخ في الطبيب طلب منه أن يأتيه بحقنة مهدئة حتى يستطيع السيطرة عليها. كانت مسك مازلت على وضعها وهي تحتضن أختها ولا ترى أو تسمع أي أحد في الغرفة. فقط كل ما تراه هو ابتسامة ورد وتسمع صوت ضحكاتها يتردد في أذنها وهي تقول لها: "هو انتي مفكراني لما اتجوز بدر هقدر ابعد عنك؟ تؤ، دا إني هقعد على جلبك أكده ومش هفوتك واصل يا مسك."

كانت تبكي بقهر على أختها تلك المسكينة التي لم ترى في حياتها غير التعب والمشقة حتى لم تفرح بنفسها. "إنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله وإن إليه راجعون، إن لله و و. إاااان إليه رااااج ع ون." هكذا ختمت جملتها قبل أن يسيطر عليها هذا الظلام بعد أن حقن بلال ذلك المخدر في كتفها لترتخي يدها عن جسد أختها ويرتخي معها جسدها بالكامل.

ويلحقها بلال بين ذراعيه وينظر لها بحزن وهو يحملها ويفرد جسدها على تلك الأريكة الموجودة بجانب الفراش. ابتلع غصة قوية وهو يرى جسد ورد أمامه بذلك الشحوب واقترب منها وهو ينظر لها بشفقة على ما حصل لتلك المسكينة. استمع بلال لهذا الصوت الرجولي الذي يناديه وجعله يتجمد بمكانه. نظر له بلال بصدمة وهو يراه يقف أمامه. "رضوان." وفي فجر يوم جديد بدأ على البيت الذي عرف الحزن بابه بعد غياب أحد أفراده وأهمها.

دخل مجموعة من الغفر وحملوا جميع الحقائب الموجودة في منتصف البيت بعد أن أنزلتهم الخادمات كما أمرتهم ربة المنزل بهذا. تنحنح أحد الغفر ونظر لتلك الحقائب بحزن ونظر لرجاء والدة رشاد ورضوان. "ليه كده بس يا ست هانم مكانش له لزوم اللي بتعمليه، والله ما يصح، الحاجة دي... "اعملي اللي بقولك عليه من غير كلام كتير يا منصور، وخد الحاجة دي على بره يلا." قالتها وقلبها يعتصر من الألم.

كم كان صعب عليها فعل هذا ولكن هذا هو الحل الأمثل لها ولابنها. دخل جابر وعلى وجهه معالم الاستغراب لإخراج كل تلك الحقائب من بيتهم مع رجاله. "واخدين الشنط دي على فين؟ هنا تحدثت رجاء وهي تشير له أن يتبعها لغرفتهم. "تعالى نتكلم فوق يا حاج، أنا محتاجالك في حاجة مهمة." قالتها وهي تحاول التماسك قليلاً وصعدت بعدها على السلم ولكنها توقفت ونظرت لتلك الفتاة رشا التي تساعدها في البيت.

"رشا، روحي جهزي كل حاجة زمان الجزار جايب لحمة الدبيحة وجاي، يلا بسرعة من غير لكاعة جوام. أنا عايزة أحلى وأكل يتعمل النهارده ويتوزع على كل الفقراء والمحتاجين في البلد." ثم ترقرت عيناها بدموع وتقول بوجع افتك قلبها. "ابقى اعملي فتة رشاد كان بيحبها ومتكتريش فيها التوم والرز عشان مكانش بيحبهم كتير عليها." قالت وصعدت مباشرة للغرفة بعد أن عرفت أنها لن تستطيع أن تتحكم في بكائها.

بعد أن صعد جابر خلف زوجته لغرفتهم وقف أمامها ليعرف إجابة عن سؤاله. "إيه الحاجات اللي كانت في الشنط دي يا أم رضوان؟ "دي حاجة رشاد ابني يا حاج." ابتلعت غصة مرة وهي تكمل حديثها. "بوزعها على الغلابة، لميت كل حاجة تخصه حتى كتبه هوزعهم على الناس اللي محتاجاها." صدم جابر من تصرف زوجته، فكيف لها أن تستغنى عن متعلقات ابنها الراحل بكل تلك السهولة. فصاح بها: "إنتي أكيد مخك ضرب، كيف تفرطي في الحاجة اللي فيها ريحة ابنك بسهولة دي؟

كانك اتجننتي وعقلك خرب يا ولية." هنا انتحبت رجاء بصوت عالٍ وبكت بشدة ونطقت بقلب عرف معنى القهر والكسرة بعد موت ابنها البكرى. "وتفيد بإيه الحاجة وصاحبها مش موجود؟ ولو على الريحة فرشادي ريحته فينا ومش هتفارقنا العمر، ريحته بشمها في كل مرة ببص فيها لإيدي اللي كان يوماتي يبوسها ويجولي أدعيلي يا ماما. كنت بقوله بدعيلك يا نضري، روح ربنا يكفيك شر ولاد الحرام." وهنا انتحبت في البكاء أكثر وهي تقول بكل ألم.

"بس شكل الدعوة ما اتجبلتش مني وشوفتك يا جلب أمك مرمي في شوال لا حول بيك ولا قوة. غدروا بيك يا حبيبي ولاد الحرام، غدروا بيك كلاب السكك وبعدوك عني قبل ما أفرح بيك وأشيل عيالك، وبدل ما أزفك لفرحك وعروستك زفتك لترابك زفتك لآخرتك يا والداااااااى، يا ولدي، آه يا جهرة جلب أمك وحسرتها عليك وعلى شبابك يا رشاد." رق قلب جابر من أجل زوجته ونزل على قدمه وقربها لأحضانه وهو يشاركها البكاء على ابنه الذي امتلك قلب والده بكل ما فيه.

ونظر لها قائلاً: "استغفري ربك يا أم رشاد، استغفريبه، دي كانت أمانته وردها عنده تاني، ادعينا بس ربنا يجمعنا بيه في الجنة." وابتلع غصة مريرة ناطقاً. "وبدل البكا، زغرتي، أيوه زغرتي، لأن ابنك ربنا هيعوضه وهيزفه في الجنة مع أجمل واحدة من حور العين، واللي ما عرفش يعيشه في الدنيا ربك هيعوضه بالأحسن منه في الجنة ونعمها يا رجاء، ادعيله واحتسبيه عند ربك." كفكفت رجاء دموعها ونظرت لزوجها وحاولت تغير الحديث.

"الشنط اللي تحت دي في ناس أبر منا عاوزانها، إني عارفة أنها من ريحة الغالي بس مافيش صدقة أحلى من إنك توزع الحاجات اللي كان بيحبها على اللي محتاجها أحسن من ركنها، وكمان بعت حد يدبح عشان نوزع لحمة على روحه، إيه رأيك يا حاج." ابتسم لها وهز رأسه بعلامة الرضا على حديث زوجته. "اعملي اللي انتي شيفاه صح، وطالما الحاجة هتتوزع على المحتاج يبجى مقدرش أرفض. ربنا يجعله في ميزان حسناته وحسناتك يا رجاء. أنا جايم أتوضأ وأصلي الفجر."

نظرت رجاء نظرة مطولة على زوجها ثم نقلت بصرها على تلك الصور الموجودة على الطاولة التي أمامها. كانت الصورة تجمع الأخين رضوان ورشاد وهما يحتضنان بعضهما في يوم تخرج رضوان من كلية القوات الفنية العسكرية وعلى وجههم سعادة كبيرة. مسحت الصورة بيدها ودعت لابنها الأول بالرحمة والمغفرة. ثم نقلت نظرها لرضوان.

"ربنا يباركلي فيك يا ابني ويطولي في عمرك ويعوضني فيك خير يا رب ومش أشوف فيك حاجة وحشة واصل، لأن خلاص بعد ربنا ما عادش ليا غيرك." رفعت الصورة لمستواها وقبلتها ثم احتضنتها وظلت تنهمر العبارات الحزينة على فراق الغالي. خرج جابر من المرحاض بعد أن توضأ وجد زوجته مازالت على وضعها ومعها الصورة التي تجمع أولاده بين أحضانها. نظر لها بحزن ولكنه عكف على تركها بمفردها حتى تهدأ لعل تلك الدموع تبرد ولو قليلاً من نار قلبها.

وذهب ليصلي في غرفة أخرى ويتصل برضوان يعرف سبب مبيته في الخارج. في الاستقبال الخاص بالمستوصف. ابتلع بلال رشفة من الشاي وهو يحاول أن يتمالك نفسه أمام هذا القابع أمامه يحدثه. "والله زمان يا بلال، إيه يا راجل لا بتسأل ولا حتى بتعدي تقعد مع الواحد شوية، إيه يا دكتور هتعلى علينا ولا إيه؟ قالها رضوان. ابتسم بلال عقب جملته الأخيرة قائلاً:

"لا أبداً والله بس إنت عارف الشغل مش بيخلص ولا حتى الستات بتبطل تولد، بس إن شاء الله أجيك في أقرب وقت وكمان آجي أشرب مع الحاج جابر القهوة وأعزي في رشاد." "مبنقبلش العزاء يادكتور، بس عندنا بن عادي نضيفك بيه بس ده لو جاي زيارة، إنما لو جي في حاجة تانية يبقى أشربها في بيتكم أحسن." هكذا نطق رضوان بكل صراحة وجدية وهدوء وهو يرتشف آخر ما تبقى في كوبه من الشاي. ابتلع بلال ريقه وهو يحاول أن يجاهد ليخفي توتره أمام رضوان.

فالكل يعرف ماكر رضوان وفراسته التي ورثها عن والده وزاد ذكائه ومكره بعد عمله في الجيش وممارسة المهنة لأكثر من خمس سنوات. لم يعلق بلال على حديثه واكتفى فقط بهز رأسه. "هي البنت اللي جوه دي مين وإيه اللي عمل فيها كده؟ خرج بلال من تفكيره على سؤال رضوان. "دي تبقى ورد اليمن بنت الست زينات مرات الحاج عوض فتح الله، الله يرحمه، بس الدكتور كشف عليها وقال إن هي اللي عملت في نفسها كده مش حد تاني."

استغرب رضوان كثيراً من حديثه وظل يفكر. ماذا يوجد في حياة تلك الشابة حتى يجعلها تنهي حياتها بتلك الطريقة المشينة وبكل سهولة ويسر. وما زاد استغرابه هو نظراتها وابتسامتها له وهو يمسك ذراعها ويحاول أن ينقذها قبل أن تغرق. "بس إنت بتسأل ليه عن كل ده؟ نظر له رضوان بسخرية ونطق:

"على أساس إن اللي قاعد معاك دلوقتي ده بياع كنافة. جرى إيه يا دكتور، إن ظابط وفي جريمة قتل أو انتحار حصلت في بلدي، فأكيد لازم أسأل عن سبب الجريمة دي ولو فيه حد سبب في اللي حصل للبنت دي، فلازم أعرف هو مين ومين اللي باعته، أو عمل إيه عشان يوصل البنت دي لانتحار." نظر له بلال ببعض الإحراج وهز رأسه باقتناع. "تمام، لما تفوق من اللي هي فيه هبلغك وتيجي تستجوبها، دا لو حالتها تسمح."

"تمام يا بلال أشوفك على خير ومنتظرك عشان تشرب معانا القهوة في البيت ده بعد ما أدوق أكل الحاجة الأول." "إن شاء الله، طالما فيها أكل من إيد الست رجاء يبقى جي وش." هكذا تحدث بلال بمزاح. ابتسم له رضوان وهو يصافحه. "أكيد تنورنا في أي وقت يا دكتور، سلام عليكم." بادله بلال المصافحة وهو ما زال على وضعية الابتسامة المزيفة التي يرسمها. ولكن نطق بسؤال ما. "بس إنت اتعلمت تتكلم مصراوي أهو."

"إنت عارف بقى قعدت في الكلية أربع سنين غير شغلي اللي هناك، فبقيت أتكلم مع المصري مصري، والصعيدي صعيدي، وأهو مندا على قد الدنيا بتمشي. يلا أشوفك على خير." قالها وخرج من المكان وهو يمسك هاتفه الذي لم يكف عن الرنين. فكانت بعض المكالمات من والده والبعض الآخر من رجاله الذي كلفهم بمهمة معينة. وكاد يتصل بوالده ولكن وجد الهاتف يرن مرة أخرى. وضع رضوان الهاتف على أذنه ولم ينطق بكلمة.

ظل ينصت للطرف الآخر حتى ينهي حديثه ولكن انتفخت عروقه واحمر وجهه وظل يضغط على كف يده حتى كادت عروقها تنفجر من قوة الضغط عليها. اعصر عينيه بقوة وهو يكاد يقدم على خطوة كان يتمناها ألا يفعلها حتى في أسوأ كوابيسه. "خليه معاكم لحد ما أجيله بنفسي، اياك حد يقرب منه أو يمسه بس، الواد ده بتاعي أنا."

لم ينتظر كثيرا وأغلق الخط وهو مقدم على خطوة يعرف أنها سوف تأتي بنتائج عكسية له ولبذلته العسكرية التي لم يتمناها يوماً أن يخالف قانونها. ولكن لن يكون هذا بالهين أو بسيطاً كما ظن هو. ركب سيارته بعد وانطلق بها بأقصى سرعة وهو يتذكر وجه أخيه الذي كان يملأه الدماء والكدمات. يكاد يجن بسبب ما حصل له، لكن كل هذا لن يمر مرور الكرام.

في المستوصف تابع بلال من النافذة خروج رضوان واستغرب كثيرا ردة فعله بعد تلك المكالمة التي أتت له وجعلت سرعته التي تكاد تنافس الهواء من كثرة سرعته. ولكن أخرجه من شروده هاتفه الذي كان يعلن عن اتصال من والدته. تنهد وحاول الهدوء وهو يتحدث معها. "ألو، أيوه يا أمي.... كاد يكمل حديثه ولكنه استمع لصراخ والدته وصراخ زوجة أبيه من الطرف الآخر من المكالمة. توجس بلال كثيرا بسبب هذا الصراخ وتملكه الخوف. "إيه، وإيه النواح ده.....

اتسعت عين بلال بصدمة بعد حديث والدته وصرخ بصوت جهوري. "يعني هيكون فين، وإنتوا كنتوا نايمين على ودانكم والبهايم اللي أنا عينها في البيت دي عشان تاخد بالها منه كانت فين." لم ينتظر بلال كثيرا وركض للخارج وهو يكاد قلبه يخرج من الخوف على أخيه المتهور الذي وبسبب غبائه رمى نفسه في التهلكة والآن سلم نفسه لمن لا يرحم أحداً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...