بلال بضحك عالٍ: عندك حق، وأنا أخذت حقي. وتمام التمام، يلا سلام يا ممدوح بيه، وأتمنى مشوفكش تاني. وسلامي للمدام، باي.
ركب بلال سيارته، وممدوح أيضًا، وذهب كل منهم في طريق مختلف عن الآخر، بعد أن أخذ كلاهما ما يريده من الآخر. ولكن لم يعبأ أحد بتلك الدموع والصرخات المكتومة لتلك السيدة التي بيع قطعة من روحها لامرأة أخرى تعتني به. آه من هذا الفقر الذي يجعل الأهل يستغنيان عن أحد أولادهم لأجل أن يطعموا إخوته. ولكن فعلاً هل السبب الحقيقي هو الفقر، أم السبب فينا أننا نتعامل مع أنفسنا كأرانب تلد دون أن تهتم بعدد أولادها ومن أين تطعمهم؟ ***
كان يسير بسيارته في طريقه لوجهة معينة يعرف طريقها، وكان يبتسم لأنه سوف يراها بعد غياب دام أسبوعًا بسبب عمله. رغم أنه يراقبها من بعيد، تنهد بحب وهو يتخيل أن القدر سيكون حليفه ويكتبها الله زوجة له. وتذكر مقابلتهما في مكانهما المخصص البعيد عن عيون أهل البلدة. كانت تجلس تحت شجرة التوت تنتظر قدومه وهي تغني لتسلي نفسها قليلاً إلى أن يأتي حبيب طفولتها، بلال.
وأثناء غنائها، انتفضت برعب وهي تنظر ليمينها ووجدته يجلس بجانبها ولم تشعر به. وضعت مسك يدها على قلبها بسبب تلك الانتفاضة. مسك بعتاب: اخس عليك يا بلال، بتعمل أكده تخضني. يعني مش هتبطل حركاتك دي غير لما جلبى يقف بسببك في مرة؟ ضحك بلال على شكلها وابتسم بعذوبة وحب كبير: سلامة قلبك من الخضة يا مسك قلبي. هو أنا أقدر برده على فراقك؟ طب أحب مين من بعدك أنا بقى؟ هلاقِي فين واحدة زيك بتخطف قلبي من نظرة واحدة بس منها؟
مسك: أضحك عليا عاد بكلامك ده. من ساعة ما روحت البندر عشان تكمل علامك وأنت اتشقلب حالك. وبقيت أستاذ في الكلام، لأ وبقيت تكلم زيهم كمان. أنا بقيت أقلق منك يا دكتور. كانوا بيعلموك إيه في كلية الطب، الشعر ولا الطب؟ ابتسم لها بلال بعشق ونظر لها في عيونها السمراء التي تخطف قلبه قبل عيونه، وقال بعشق أبدي لن يغيره الزمان مهما طال: ومن لا يتعلم الشعر وهو معه المسك يا مسك؟
يا مسك ليالي وقمر أيامي، يا من سميتِ على اسم عطر رسولنا الكريم، يا من صنعتِ فتنة بين العطور عندما اختاروا المسك لتسميتك به وتركوا باقي العطور، يا من غار منك العنبر والياسمين، كيف لقلبي أن لا يحب مثلك؟ وكيف للسان أن لا ينطق بشعر عند رؤياكِ يا مسك قلبي؟ رغم اهتزاز قلبها من صدق حديثه، ولكنها شعرت ببعض الضيق لحديثه الناعم هذا. أيكفيها ذنوب؟ فحديثه هذا يشعر بالذنب أكثر ويزيدها عليها.
مسك: بلاش الكلام ده يا بلال، عشان أنا مش ناقصة. كفاية إحساسي بالذنب وأنا بقابلك من ورا الناس. كان هتجيب لي كلام حلو وشعر، مش هقدر أستحمل ذنوب أكتر من كده يا ابن الناس. لو حابب فعلاً تطلع اللي في قلبك ليا، يبقى في الحلال على الأقل ضميري ميأنبنيش. أسند بلال رأسه على الشجرة ونظر لها وقال: عن قريب يا مسك. هانت وهاجي لأبوكي وأخطبك، ونبقى مع بعض العمر كله. تنهدت مسك بتعب وهي تنظر له: أمتى يا بلال؟ أمتى بس؟
أنا بقالي كتير بسمع منك حديثك ده ومبتعملش حاجة. بلال: خلاص يا مسك. هانت وهاجي وأتقدم لأبوكي ونتجوز على طول. مسك: وهتعمل إيه في أهلك لو رفضوا إنك تتجوزني، إني فقيرة ولا...
بلال: بس متكمليش. أنا محدش يمشي عليا رأيه. أنا بعمل اللي أنا عاوزه. ولو إنتي فقيرة دلوقتي، فبعد الجواز هتبقي أغنى ست في الصعيد كلها، والكل هيجي لحدك ويقف لك انتباه. إنتي هتبقي مرات الدكتور بلال المنسي يا مسك الليل. يعني ماحدش هيبقا أغنى منك هنا. إنتي هتبقي ست الكل، هتبقي مسك الصعيد كله، وبكرة تشوفِي. خرج من أحلامه عندما سمع رنة هاتفه التي أخرجته من خياله الوردي مع عشق قلبه.
ظهرت معالم الضيق على وجهه عندما قرأ اسم غفير بيتهم على الهاتف. بلال بضيق: عايز إيه يا مصلحي السعادي؟ مكلمتك ليا مش بتريحني خالص. فتح بلال المكالمة وتحدث قائلاً: ألو، إيه يا مصلحي؟ حصل حاجة عشان تكلمني؟ هنا تغيرت تعابير بلال واصفر لون وجهه وظهر الخوف على وجهه لدرجة أنه أوقف السيارة بقوة بسبب ارتجافة يده التي سيطرت عليه. صرخ بلال بكل قوته في الهاتف: أنت بتقول إيه؟ جتل مين يا مصلحي؟ انطق!
طب تقفل عليه الباب وما يخرجش من البيت، أنا خمس دقائق وجاي فاهم؟ لو خرجت أنت المسؤول قدامي. قذف بلال هاتفه في السيارة بقوة وظل يلعن ويسب في أخيه بكل الألفاظ التي يعرفها. ضرب الدركسيون الخاص بسيارته وهو يصرخ بشدة قائلاً: غبي، غبي، غباااااااااي! وفتحت على نفسك طاقة جهنم مش هنعرف نقفلها إلا بدمك يا حجاج! قالها وهو يقود السيارة بسرعة ليتجه لبيته ليجد حلاً لإخراج أخيه من تلك الورطة التي أوقعهم فيها. ***
كانت ترتجف في أحضان أختها وهي تتذكر ما حصل معها. كلما تذكرت رائحة فمه الكريهة، انتفض بدنها. ولكنها زادت انتفاضة جسدها بسبب هجوم والدتها وفتحها لباب غرفتهم بتلك الطريقة المرعبة. اتجهت زينات لابنتها ورد وانتزعتها عنوة من بين أحضان أختها مسك، وكان معالم وجهها لا تبشر بالخير أبداً. أمسكتها زينات من كلتا يديها بقوة، ونظرت لها ولحالتها تلك، وهي مطأطئة رأسها ولا تنظر لها.
زينات وهي تجز على أسنانها: بصي في عنيا يا بنت بطني، وجولي مين اللي عمل فيكي أكده؟ انطقي، وإلا والله العظيم لأقتلك، وأشرب من دمك! أوعاكي تكوني مفكرة إني هصدق كلامك الخايب اللي بتقوليه ده، وأنك ماتعرفيش مين اللي ضيع شرفك، لأن الكلام ده تضحكي بيه على أي حد مش أمك يا بنت عوض. انطقي، جولي معاشرة مين في الحرام؟ مين ضحك عليكي وضيع عرضك وشرفك يا بنت زينات؟
كانت زينات تتحدث بصراخ وهي تهز جسد ورد بقوة. وما زاد صراخها هو عدم قدرة ابنتها على النظر في عيونها، وإخبارها بما حدث. انهارت ورد في البكاء من جديد وهي ما زالت تنظر رافضة النظر لوالدتها. وحاولت مسك تخليص أختها من يد زينات. مسك بخوف: أما بالله عليكِ، سبيها. سبيها يا ما، وأوعي تظني فيها السوء. دي مهما كانت بتك وتربية إيدك يا ما، على آخر الزمن هتشكي في تربيتك لينا. رمت زينات ابنتها على فراشها
من جديد وهي تصرخ في وجههم: أنا بقيت أشك في كل حاجة حواليه. وطول ما أختك رافضة تقول مين عمل فيها أكده، يبقى وياترى كانت راضية باللي حصلها وحطت راسنا في الطين؟ أختك فرطت في الحاجة الوحيدة اللي لو راحت عمرها ما هترجع تاني وعمر ما حاجة بتعوضها. وقدامها لحد شروق الشمس لو ما حكتش كل اللي عندها، يبقى جهزي الأسود اللي هتلبسيه على روحها. خرجت زينات من الغرفة وما زالت نيران قلبها لم تهدأ على ابنتها التي ضيعت شرفها كما تظن.
انكمشت ورد على نفسها وهي تبكي وتهمس بكلمات غير مفهومة من شدة خوفها. انقبض قلب مسك بسبب انكماش أختها وسوء حالتها أكثر. فهي تشعر بنيران أختها، فهما في النهاية توأم وما تشعر به أختها يصلها.
احتضنت مسك أختها وظلت ترتل عليها آيات الله لعلها تهدأ قليلاً، وتفكر كيف تخرج أختها من تلك الورطة قبل أن ينفضح أمرهم. فالو علم خالها بهذا، لن يصمت إلا هو يشرب من دمائها. ولم يعبأ حتى بكونها مظلومة. غير زوجته التي لن تصمت إلا وهي تفضحهم أمام البلدة، ولن تستغني عن بعض الأقاويل الكاذبة التي ستكون من اختراعها وخيالها المريض. تمسكت مسك بأختها بقوة ونظرت للسماء وهي تستنجد بربها وتدعوه بستره لها ولأختها ووالدتها.
اللهم ما أنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ظلت هكذا طوال الليل تدعو ربها، فهي تخشى من القادم، فقلبها يخبرها أن الأيام القادمة لن تكون هينة أبداً. ***
أسرع حارس البوابة بفتحها عندما وجد سيارة بلال تأتي بتلك السرعة. ففتح البوابة على مسرعيها ووقف مسرعًا بزاوية ما حتى لا يدهسه بلال بسيارته. هو يعلم أن بلال في تلك اللحظة لا يرى أمامه بعد أن علم بتلك الكارثة التي فعلها أخوه. وقفت السيارة بطريقة مرعبة من كثرة سرعتها وتوقفها مرة واحدة، مما أدى إلى وجود عاصفة ترابية بسبب احتكاك الإطارات بتلك الأرضية الترابية.
خرج بلال من السيارة ولم يعبأ ببابها المفتوح وتركها وأسرع بكل طاقته في خطوته ودخل المنزل وهو يصيح بكل قوته. كل الخادمين اللي في البيت يخرجوا بره. مش عاوز أشوف حد خالص، يالا بره. امتثل الكل لطلبه وخرجوا من المنزل وأخبر البعض زملاءهم حتى يذهبوا أيضًا. ثم صرخ مرة أخرى وهو ينادي أخاه الصغير صاحب أكبر كارثة ممكن أن تأتي على رؤوسهم. بلال: أنت فين يا حجاج؟
اطلع لي من أوضة أمك اللي مستخبي لي فيها بدل ما أجي أنا وأطلعك بنفسي يا ابن صفية. في الأعلى، كان يقف في منتصف الغرفة وينظر لوالدته برعب. فهو يعلم أن أخيه لن يمرر ما فعله مرور الكرام. هو فقط يريد الهرب إلى أي مكان قبل أن يتم أخذه من قبل الشرطة في تلك الجريمة، أو يتم قتله وهو ما زال في ريعان شبابه. كانت والدته تقف أمامه وهي تنظر له بحسرة. فهو بسبب غبائه أوقع نفسه في النار، ولن يستطيع أحد إنقاذه مهما كان.
صفية وهي تنهره على فعلته: ليه أكده يا حجاج؟ يا ليه يا والدي؟ توقع نفسك في المصيبة دي ليه؟ حرمتك من إيه ولا حتى شاورت على إيه ومجالكش؟ ها قول لي. دا أنت كنت بتتمنى واحنا ننفذ. فبعد دا كله تروح تقتل؟ لا يا ولد بطني، أنا مش هخسرك بسهولة أكده. مش بعد ما حملت وخلفْت وقعدت أربي فيك 26 عشرين سنة وفي الآخر تموت لي مجتول وتحصرني عليك؟ أنت لازم تسافر بره، أيوه لازم تسافر ودلوك.
ولكنها صمتت أو تجمد لسانها عندما سمعت صوت صراخ بلال في الأسفل. انتفض جسد حجاج وتمسك بأمه بعد أن سمع صراخ أخيه. حجاج برعب: ألحقيني يا ما. دا جه تحت. والله ممكن يقتلني من غير ما يرمش حتى جفن واحد. وزادت رجفته وارتعاشة جسده بأكمله عندما سمعه ينادي عليه بتلك الطريقة المرعبة.
لن تنكر صفية أنها ترتعب من صوت بلال الآن، ولكنها سوف تجاهد حتى تخفي ابنها وتحافظ عليه من براثن بلال ابن زوجها. وظلت تجوب الغرفة بأكملها حتى تجد مخبأ لابنها لتحميه فيه. وبالفعل، هداها عقلها لشيء ما.
في الأسفل، ظل بلال ينادي على أخيه. وعندما لم يأتيه الرد، ركض إلى السلم ووصل لطابق الثانية في أقل من ثانية. فقد كان يقفز على الدرجات، كانت كل قفزة يتخطى ثلاث درجات على الأقل. كان غضبه يعميه عن أي شيء، فقط يريد أخيه أمامه والآن. لم يشعر بنفسه وهو يركل باب غرفة زوجة أبيه بقدمه.
انتفضت وتملكها الزعر من فعلته تلك، فقد كانت تقف في منتصف الغرفة وهي تحدق بعينيها بخوف. ولكنها حاولت تمالك نفسها وهي تقف أمامه. كان يشتعل والشر يتطاير من عينيه وهو يجوب الغرفة كلها حتى يرى أي أثر لأخيه، ولكنه لم يجده. لم يتحدث معها، فقط تحرك بسرعة وهو يبحث في الغرفة وفتح خزانتها وبحث فيها ولم يجده. فتح المرحاض أيضًا ولم يجد به أحد. بحث في كل شيء في تلك الغرفة ولم يجده فيها.
ذهب إلى مكان ما تقف وأمسكها من منتصف ذراعها ونظر لها بعيون جامدة بكل علامات الثوران والهيجان. بلال: ابنك فين يا صفيحة؟ كانت تحاول الثبات وهي تنظر له حتى لا يشك بها: معرفش. أنا مشفتوش من ساعة ما خرج امبارح. زاد من ضغطه على يدها حتى تألمت: قولت ابنك فين؟ وبلاش ملاوعة معايا. حجاج فين؟ يا صفيه، احسلك. وإلا أنا مش مسؤول عن اللي هعمله معاكي. فانطقي واشتري نفسك احسلك. صفية: جلت لك معرفش. مشوفتوش من ليلة امبارح. إيه؟
أحلف لك على مصحف عشان تصدقني؟ هكذا تحدثت معه بعد أن حاولت تجميع بعض من قوتها. بلال: لأ، وتحلفي ليه؟ أنا هخليكي تروحي تحلفي في الآخرة أحسن من هنا. عشان أنا كده كده مش هصدقك. قالها وهو يرفع سلاحه في وجهها ويضعه في منتصف جبهتها ويعيد عليها سؤاله قائلاً في تلك المرة بصراخ أكبر وأشد قوة: حجاج فين بقولك؟ انطقي، وإلا ورحمة أبويا لأقتلك وأرميكِ لكلاب السكك تنهش في عضمك، لأن اللي زيك حرام فيه الدفن. صفية: برضه معرفش ابني فين.
قالتها وهي ترتعش من شكله ووضعه مسدسه بتلك الطريقة على رأسها. جحدها بلال بنظراته وكاد يتهور عليها، ولكنه توقف عند سماعه لصوتها وهي توقفه: أنت اتجننت يا بلال؟ بترفع المسدس على مرات أبوك؟ اخس عليك. هي دي التربية اللي ربتها لك؟ نزل المسدس ده. بقول نزل فورا. سمع بلال لحديث والدته ونظر لصفية بعيون كلها احتقار وقال: أقسم بالله يا صفيحة، لو حجاج ما جاليش بنفسه، لسلمه بإيدي دي. وانسى أنه أخويا. سامعة؟
وعرفيه إنه مش هيقدر يخرج من البيت ده. وخليه مستخبي مطرح ماهو زي النسوان. ماهي المرة لما تعمل مصيبة بتستخبي زي ماهو مستخبي مني كده. كاد يقتلها لولا وجود والدته في تلك اللحظة. تمسك بمسدسه بقوة وظل يضغط عليه حتى يخرج بعضًا من تلك الشحنة الغاضبة التي تملكته. وتركهم وذهب من الغرفة بأكملها. وقعت صفية على الأرض وهي تحاول أن تأخذ أنفاسه بعد أن شعرت أن وجوده في الغرفة سحب كل الأوكسجين الذي بها.
حاولت أن تهدأ نفسها قليلاً ونظرت لنجوان والدة بلال، وأيضًا ضرتها، ونطقت بغيظ: شايفة ابنك وتربيتك الماسخة دي؟ كان رافع عليا طبنجته وعايزة يقتلني. أدي آخرت التربية المصري بتاعك. اغتاظت نجوان من حديثها وإساءتها لها
ولابنها وردت عليها قائلة: التربية المصري بتاعتي دي يا حبيبتي جابت دكتور البلد كلها بتحلف بيه، وشهامته ورجولته، ده غير مصايب ابنك اللي بتخلي الدور والباقي على ابنك اللي ربيته تربية تخليه يقتل الناس ويقصف عمرهم زي ما عمل دلوقتي يا صفيحة أفندي. كادت تذهب ولكنها توقفت
عندما سمعت صراخ صفية: مش هسيب ابني يبقى تحت رحمتكم أبداً. لأ، إني هسفره بره وهخليه يبعد عنك أنتِ وابنك، وما حدش هيحل موضوع ولدي ده إلا إني أنا وبس. وإن شاء الله ربنا ما يحوجني لناس زييكم. نظرت لها نجوان بتهكم وقالت: ربنا يشفيكي يا صفيحة. ويا ريت تسكتي وتفتكري إن ابنك مستخبي في أوضتي، يعني لو كنت عايزة أؤذيه كنت صوت ولميت عليه البيت كله بعد ما نط من بلكونتك لأوضتي. فا يا ريت تقفلي بقك ده ومسمعش حسك أحسن لك.
قالت جملتها وتركتها وذهبت لتبحث عن ابنها وتحاول تجعله يهدأ ليفكر بشكل صحيح دون أي تهور. *** كان يجلس في غرفة مكتبه لا يصدق أنه اليوم دفن ابنه البكري. لا يستطيع التصديق أنه هو من قام بدفنه اليوم. كيف لرجل عجوز مثله أن يدفن شابًا في مقتبل العمر مثل ابنه رشاد.
كانت لحظة ليست صعبة بل مميتة بالنسبة له. كان ينظر لصورة ابنه وفرت دموع عينيه التي لم تجف أبدًا إلا إذا أراح قلبه وهو يرى فاعل تلك الجريمة تحت قدمه يلقيه من العذاب ألوانه كلها دون أي رحمة أو شفقة. وها هو أهم عكازاته التي يستند عليها في تلك الحياة قد رحل ولن يعود له مرة أخرى.
لم يشعر بابنه رضوان الذي دخل إلى الغرفة وجلس في الكرسي المقابل له. فقط كان ينظر لصورة ابنه ولا يشعر بأي شيء من حوله. ولكنه انتبه على صوت رضوان وهو يناديه. رضوان: يا حاج، يا حاج. مينفعش القاعدة دي كده. أنت تعبان من الصبح ولازم ترتاح شوية. أنت مانمتش من امبارح يا با. جابر: وهتيجي منين الراحة وحق أخوك بايت بره يا رضوان؟ مفيش أي عزة هيتم إلا بعد رجوع حق أخوك رشاد. تنهد رضوان بحزن وحاول التماسك أمام أبيه وهو يتحدث.
رضوان: من غير ما تقول يا با، أنا أنهيت كل حاجة. وحق أخويا هيرجع. ومين مكان اللي عملها هجيبه وهخليه تشوفه بعينك وهو متعلق على حبل المشنقة عشان ترتاح وتريح قلبك. ضرب جابر عكازه في الأرض اعتراضًا على حديث رضوان ونظر له بغضب شديد بعد كلماته التي ألقاها على أبيه للتو. جابر: حبل المشنقة إيه وكلام فاضي إيه اللي بتجوله ده؟ أنا مش مخلف مرة عشان تجيب حق أخوها بقانون. أنا مخلف راجل، سامعني؟
راجل. يعني حق أخوك يجي بدراعك أنت مش بدراع الحكومة. يا واكل ناسك. أبدى رضوان اعتراضه على حديث والده: يا با، هي مش سايبة البلد في قانون؟ لو كل واحد جاب حقه بدراعه يا با في البلد دي هتبقى مذبحة ومش هنعرف نلموها من كتر الدم اللي هيبقى لركب. نهره والده وصاح في وجهه: خلي كلامك ده تنصح بيه المجرمين بتوعك. أنا هنا اللي بقول إيه اللي ينفع وإيه اللي ماينفعش. لو مش هتعرف تجيب حق أخوك، قول لي وأنا أجيبه أنا بمعرفتي.
رضوان: يا با، الكلام اللي بتقوله ده عيب في حقي. بس أنا عاوز أفهمك وجهة نظري عاد. أشار جابر بعكازه في وجه ابنه قائلاً لينهي الحديث: هي كلمة. هتجيب حق أخوك زي ما قلت لك هتبقى راجلي وتربية أبوك وأخوك رشاد. مش هتعرف قول لي وأنا أجيبه بنفسي. على الأقل يكون فينا حد يقدر يريحه في تربته. قدامك لحد بكرة الصبح وتيجي تقول لي الأخبار الزينة. أظن فاهميني، عايز الخبر الزين. سلام يا ابن جابر النمر.
قالها وخرج من غرفة مكتبه وترك رضوان في حالة تخبط شديد بين أن ينفذ القانون ويجعل العدالة تأخذ مجراها القانوني، أو أن يرضي أبيه ويأخذ بثأر أخيه بيده ويفتح سلسلة من الدم لن تنتهي إلا عند اليوم العظيم. جلس رضوان على الأريكة وتنهد بتعب وأخفى وجهه في كف يده ولا يعرف ماذا يفعل. ***
كان ينفس كل غضبه في دخان سيجارته وهو يجلس على تلك الطاولة في حديقة منزله. كان يحاول أن يخرج كل شحنات غضبه مع كل مرة يخرج فيها هذا الدخان السام من صدره، ولكن دون فائدة. فكلما تخيل أن من الممكن أن يقع أخيه بين براثن عائلة النمر، يشعر بالرعب يجتاحه. ولكن ليس خوفًا عليه هو، بل على أخيه الغبي الذي ضيع نفسه بسبب تلك المعتقدات الغبية التي سيطرت على عقله وستكون هي سبب هلاكه بدون حتى سابق إنذار.
فاق من شروده على صوت والدته. نظر لها وجدها تقف أمامه. رمى السيجارة من يده احترامًا لها، ونظر في عيونها علم ماذا تريد. فرد وهو يفرك وجهه ونطق بضعف قائلاً: معرفش يا ما، هعمل إيه. معرفش. أنتِ متعرفيش جابر وجبروته. مش هيسيبه يا ما. طاقة الشر اتفتحت علينا وأنا مش هقدر لوحدي. لازم يكون معايا عشان أقدر أخفيه قبل ما يعرفوا إنه هو اللي عملها.
ربتت والدته على ظهره ولكنها تفاجأت بمعرفته بشخصية المقتول، لأنهم حتى الآن لم يعرفوا من هو. والدته: بس أنت عرفت منين أخوك قتل مين واحنا هنا لسه معرفناش؟ أرجع بلال رأسه خلف المقعد وتنهد بخوف جلِي على أخيه. بلال: اتبعت لي صورة على التليفون وهو ماسك المسدس وبيوجه على رشاد ابن جابر النمر.
قفزت نجوان برعب وشهقت بقوة بعد أن عرفت هوية هذا المقتول. والأسوأ هو والده الذي يعلم الجميع مدى صرامته وقوته بين الجميع. الجميع يعرف من هو جابر النمر الذي يهاب الجميع اسمه عند ذكره فقط. رغم أنه شخص يعرف ربه ويرجع حقوق الناس لها، إلا أنه يصبح نمرًا وحشًا عند يمس أحد شخصًا ما ويسلب منه حقًا من حقوقه. فما بالك بابنه، ابنه البكري الذي كان يتفاخر به في كل مكان. غير الحصانة التي معه والتي زادته قوة وهيبة أكثر من السابق.
لمح بلال ارتجافة والدته وتوترها عند ذكر اسم جابر. فهو يعلم أن والدته تهاب هذا الرجل كثيرًا ولا يعلم حتى الآن لما كل هذا الخوف منه. وقف بلال وأخذ أمه بين أحضانه وحاول تهدئتها. بلال: اششش بس متفكريش في حاجة. كل شيء هيبقي كويس. بس إنتِ ادعي لي يا ما، ادعي لي بس.
خرجت نجوان من أحضان بلال ونطقت بفزع قائلاً: أنت أنت مالكش دعوة خالص بالموضوع ده. أنت شيل إيدك. أخوك اللي قتل مش أنت. هو يتصرف ولا أمه تشوف له حل. أنت مالكش فيه، أنت سامع؟ قالتها برعب ظاهر عليها. ومشت بسرعة عندما رأت علامات الاستغراب على وجهه ابنها. هربت قبل أن يسألها عن سبب ردة فعلها. استغرب بلال كثيرًا ردة فعلها، ولكن لم يكترث. فهو يعلم مدى خوفها عليه وعلى سلامته.
بلال: بلال بيه، الحق حجاج بيه في أوضة الست نجوان هانم فوق. كانت تلك الكلمات كافية لتجعله ينطلق كالسهم لغرفة والدته ليرى ما يحصل فيها. ***
كانت تتشبث بسريرها وهي تبكي بقهر على حالها وتحدث نفسها. فقد انتهت كل شيء بالنسبة لها بعد أن انتهك عرضها وشرفها بيد غير شريفة. ففي ليلة وضحاها أصبحت بلا روح. فهي الآن تشبه فتيات الليل، نعم هي ترى نفسها تشبههم بعد أن نُهكت براءتها على يد الذئاب البشرية التي لم يرحموا أبدًا ضعفها ولا صراخها. هي الآن لا تستحق هذه الحياة. من مثلها لا ينفعه إلا الموت. يجب أن تنهي حياتها حتى تخلص والدتها وأختها من ذنبها. فهي خاطئة ويجب قتلها. ولكنه لن تسمح لأحد أن يقتلها ثانيةً. يكفيها المرة الأولى. الخطوة الثانية لقتلها ستصبح على يدها هي. هي من ستنهي حياتها بنفسها.
راقها هذا الحل كثيرًا، فهي تظن أن بفعلتها هذه سوف تزيح أي شيء ممكن أن يلوث سمعة عائلتها.
نظرت في اتجاه أختها وجدتها قد غفت من كثرة التعب. فبكت وهي تنظر لها واقتربت منها وقبلتها وهي تحاول أن تمنع شهقاتها. وبعد أن ودعتها، قامت من مكانها وحاولت أن تتحمل آلام جسدها وخرجت من غرفتها وذهبت باتجاه غرفة والدتها ونظرت لها من بعيد. خافت أن تقترب منها فتستيقظ. اكتفت بالنظر لها ملأت عينيها منها، وبعدها أغلقت الباب ونظرت للبيت ودمعت عينيها وخرجت من البيت بأكمله لتنهي هذه الجريمة. ***
كان يقود سيارته وهو يحاول أن يجد حلاً لتلك الكارثة التي وقعت عليهم دون سابق إنذار، غير تهديدات والده له أنه سوف يتبرأ منه إن لم يأت بحق أخيه بيده. لا يعلم ماذا يفعل، ولكن لن يخون مهنته حتى ولو على موته. غير أن الله وضع قوانين لهذه الحياة، فا من هو ليخالف تلك القوانين؟ لم يجد حلاً غير أن يذهب بعيدًا عن بيته ليفكر في حل يعصمه من الخطأ، وفي نفس الوقت يأتي بحق أخيه ويرضي أبيه.
كان يسير بسرعة كبيرة، ففي هذا الوقت المتأخر يصبح الطريق خاليًا من أي شخص، وهذا ما سهل عليه التحرك بتلك السرعة. وأثناء سيره بسيارته توقف بها وهو ينظر أمامه يحاول أن يهدأ، فهو لم يتعافى بعد من موت أخيه. لا أحد يشعر بالنيران التي تحرقه. خرج من السيارة وسار على قدميه وهو يفكر في حل ما يرضي أبيه. أثناء سيره توقف بصدمة عندما لمح شيئًا غريبًا ما يحصل أمامه في البحيرة.
انتفض بسرعة عندما لمح شخصًا يغرق في تلك البحيرة الممتلئة. لم يفكر الثانية واحدة وخلع حذاءه وقفز في المياه وحاول السباحة بسرعة ليصل لذلك الغريق. وبالفعل وصل له، ولكنه تفاجأ بأنها فتاة. والأسوأ من هذا أنه لن تموت بالغرق فقط، بل هناك من قطع يدها بنصل حاد وجعل المياه تتلون بدمائها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!