"إيه يا ماما واقفة عندك ليه؟ تعالي وشوفي عوض ربنا ليا، عوضي بدل العيل اتنين، اداني الولد والبنت، تعالي يا تيته، سلمي على أحفادك." هنا اشتعلت نيران رحمة أكثر لدرجة عمت عيونها. "أحفاد مين يا بنت الراقص... "أما... متكمليش، ومتنسيش إنها مراتي." رفعت حاجبها وضحكت
باستهزاء ونطقت بسخرية: "والله وبقى ليك حس يعلى على أمك، الظاهر إن بنت عزيزة بقى ليها تأثير عليك لدرجة إنها خلتك تصرخ على أمك من غير حتى ما تستحي من صوتك العالي ده. البت دي عملالك إيه؟ جولى دي لو عملالك عمل كان زمانه فك. إيه السحر اللي عملهولك جولى عشان تتمسك فيها كده وتجوزها رغم سمعة أمها اللي زي الطين؟ "أنا مسمحلكيش، أنا أمي أشرف منك ومن عشرة زيك." صرخت بها نوارة ردًا على رحمة.
"شايف يا سبع الرجال مراتك بتهزأ أمك وانت واقف، حتى مردتش عليها." هنا نظر يونس لنوارة وأشار لها أن تصعد للأعلى. وافقت وأخذت منه الطفل وأمسكت في يدها الأخرى نجاة لتصعد معها. تحركت نوارة من مكانها وصعدت درجات السلم حتى وقفت أمام رحمة ونظرت لها بكره ناطقة بقهر: "حسبي الله ونعم الوكيل." ونظرت لها نجاة أيضًا وتأملتها من فوق لتحت، تتأمل هيئة رحمة ونطقت بصوت عالٍ
دون أن تشعر: "لما انتي بمنظرك ده اسمك رحمة، اومال العذاب يبقى كيف؟ دا انتي ناقصك قرون وتعدي مكان إبليس توسوسي لخلق الله." اتسعت عين رحمة من وقاحتها، بينما كتمت نوارة ضحكتها بيدها ولكن تحركت بسرعة عند سماع صراخ يونس عليها. "قلت على فوق يا نوارة." بينما تتابعه أمه وهي تنزل من على السلم حتى وقفت أمامه تهز رأسها بسخرية: "وصلت معاك إنها هزأت أمك قدامك، ومردتش عليها. هي دي آخرة تربية ليك يا يونس." أخذ نفسه عميقًا
ورد عليها: "انتِ اللي جبتيه لنفسك، انتِ غلطتي في أمها وهي ردت عليكي." "بس أنا أمك، لازم تزعل عليا." "وهي برضه دي أمها وهتزعل عليها. اسمعي يا أمي، أنا عمري ما هسمح لحد في الدنيا إنه يجي عليكي أبداً، بس انتِ غلطتي في أمها وهي ردت عليكي، محدش أحسن من حد." أشارت بإصبعها على نفسها بصدمة: "انت بتشبهني بالراقصة دي؟ انت بتساويني بواحدة زي دي سمعتها زي الزفت."
"أنا مليش دعوة بأمها، أنا ليا دعوة بنوارة، هي اللي تخصني. وبعدين أمها تابت من زمان، وأنا عمري ما هاخد نوارة بذنب أمها. والست خلاص تابت عن كل حاجة كانت بتعملها، إيه هنعلق لها المشنقة؟ ده ربنا غفار ورحيم بعباده. إحنا بقى هناكل في لحم بعض؟ ولا عشان الراقصة دي كانت دورتك هتطلعيه على البت؟ الست ماتت وسابتلك الدنيا ومشيت، وانتِ لسه عايشة على اللي فات. فوقي بقى، فقي بقى يا شيخة، أنا تعبت."
هزت رحمة رأسها بصدمة لا تصدق ما يقوله ابنها. كيف أصبح كهذا؟ بتأكيد لقد فعلوا به شيئًا أو شربا شيئًا ما جعله تحت سيطرتهم. هذا ليس يونس. "الناس دي عملت فيك إيه؟ عملتلك إيه بنت عزيزة عشان... عشان تخليك بالحالة دي." نطق ببساطة شديدة: "عمل، عملتي عمل يا ماما وخلتني مش قادر حتى آخد نفسي وهي بعيد عني، ولا عمري هشوف غيرها." "ليه اللي خلقها مخلقش غيرها."
رفع كتفه ونطق ببساطة: "لا يا ماما، خلق غيرها كتير، بس ولا واحدة فيهم زي نوارة، ولا هيكون في زيها. يا أمي، أنا اتخلقت لنوارة وعمري ما هكون غير لنوارة." كان الحديث ينزل على قلب تلك المتخفية خلف الجدار كالبلسم الرطب على قلبها، وكأن القلب يجدد ويزيد حبه له من جديد. هنا علمت أن يونس لها وحدها وليس لغيرها، ولكن انطفأ كل هذا حتى نور وجهها قد اختفى واسودت ملامحها بسبب ما تفوهت به حماتها رحمة. نطقت رحمة بسخرية ردًا
عليه: "ولما أنت عمرك ما هتكون لغيرها، اتجوزت عليها جهاد ليه يا عين أمك؟ صرخ في وجهها لتصمت: "اسكتي يا ماما، اسكتي. أنا قولتلك متجيبيش سيرة الموضوع ده هنا، أنا حذرتك." عاندته رحمة قائلة: "لأ مش هسكت." وظلت تصرخ وتتحرك في البيت كالمجنونة وتنادي نوارة: "يانوارة، يانوارة، يونس متجوز عليكي، اطلعي وشوفي حبيب الجلب اللي ضحك عليكي واتجوز، تعالي وشوفي، يونس ربنا خلاه عمل إيه، زي ما أخدتيه مني جت اللي تاخده منك والعمر كله."
يحاول إسكات والدته ولكنها لا تصمت. فوقف مكانه وظل يتابعها بحسرة على حظه السئ الذي أوقعه في أم مثل تلك. أما تلك المسكينة صدمت مما سمعته، وضعت يدها على قلبها تأوهت منه، شعرت في تلك اللحظة أن قلبها ينقطع لأشلاء. تزحلق جسدها من على الحائط، وقعت على الأرض تبكي بألم، تشعر بضيق صدرها. وهنا كأن الدنيا كلها ضاقت عليها وانفاسها ضاقت، تشعر أن صدرها يضيق عليها. شعرت بلمسة نجاة لها وهي تبكي بهلع عليها. حاولت الحديث ولكن لم تستطع، تحاول أن تشير لها بأصبعها ولكن وقعت يدها على الأرض وأغمضت عينيها وذهبت لعالم آخر.
هنا صرخت نجاة بكل قوتها: "يونس، الحق نوارة، نوارة ماتت." لم يستطع الانتظار بعد تلك المفاجأة، وجد نفسه يحملها ويركض بها للأسفل وأخذها في سيارته واتجه للمستشفى العام، ليتأكد من حملها ويرى ابنه الذي يسكن في أحشائها. يتابعها بعينيه وهي تنام على الفراش أمام الطبيبة تتفحصها. "ها يا دكتورة، فين؟ أنا مش شايف حاجة." "يا أستاذ رضوان، لسه مفيش حاجة ظاهرة." "يعني إيه مفيش حاجة ظاهرة؟
دا إحنا عملنا بدل التحليل أربعة وكلهم أكدوا إنها حامل." ضحكت الطبيبة عليه: "يا فندم، أنا عارفة إنها حامل، بس الحمل مش بيظهر إلا بعد الأربعين. يعني لازم يعدي أربعين يوم على حملها وساعتها يظهر الطفل." "يعني أنا مش هشوف ابني." "لا هتشوفه، بس بعد حوالي أسبوعين كده." نطقت مسك لتهون عليه، لقد شعر بالحزن، لقد تشوق لرؤية طفله في السونار. "معلش يا حبيبي، إن شاء الله هتملى عينك بيه قريب."
نطق بنبرة طفولية قليلاً: "بس أنا كان نفسي أشوفه دلوقتي. والنبي يا دكتور دوري كده تاني يمكن تلاقيه، انتي مبصتيش أوي ناحية الشمال." انفجرت مسك والطبيبة من الضحك عليه وعلى تعابير وجهه: "أدور عليه إزاي بس؟
هو ربع جنيه واقع وهندور عليه. أستاذ رضوان، اتفضل دي قائمة بكل الأكل والشرب بتاعها طول فترة الحمل وخلي بالك من الممنوعات عشان خطر جدًا عليها إنها تاكل أي حاجة من قائمة الممنوعات دي طول فترة حملها. ويا ريت تقلل الملح والسكريات والدهون، والأكل كله يبقى بزيت ذرة، ويبقى 70% من الوجبة خضار، 30% لحمة بدون بهارات كتير ولا دهون. الشطة ممنوعة منعًا باتًا."
أخذ منها القائمة ببعض الضيق ونظر فيها، ثم ساعد مسك لتقوم وتعدل من هندامها. فنطقت رضوان بغيظ: "على فكرة الجهاز ده بايظ." ردت عليه الطبيبة: "هو الجهاز مش بايظ بس نوعه قديم شوية." "يعني أنا لو جبت الحديث هشوف ابني." "يا أستاذ رضوان، الطفل مبيبانش في بطن والدته إلا بعد ما يتم أربعين يوم في أي جهاز، بس أكيد الجهاز التاني بيكون ليه مميزات كتير، بطمنك على ابنك بأدق التفاصيل."
ابتسم لها رضوان: "خلاص يا دكتورة، أنا هتبرع بأربع أجهزة للمستشفى على حسابي الخاص، خلي كل الناس تطمن على عيالها." سعد هذا الخبر الطبيبة كثيرًا، وشكرت رضوان وتمنت له الذرية الصالحة.
خرج بها وهو يضم يديها في يده وكأن العالم كله لا يسع فرحته بهذا الخبر، وكأنه يريد أن يحتفل معه العالم كله. أثناء سيره في طرقة المستشفى تفاجأ بوجود يونس أمامه، فهرول إليه بسرعة ثم قام باحتضانه. ولم يرى رضوان هيئته، قام بضمه بقوة وبعدها أخرجه من حضنه قائلاً بفرحة: "يونس، مسك حامل." "نوارة بتموت." تحدثها في الهاتف
لتخبرها بتعليمات الجديد: "خلاص يا بت يا جهاد، خلاص شكلها كان ميت وهو شايلها وخارج بيها، أنا متأكدة إن كلها ساعات ويجي خبرها، جهزي نفسك عشان تحي تعيش هنا." ردت عليه الأخرى عبر الهاتف: "وانتي إيه اللي يخليكي متأكدة إنها هتموت؟ ما يمكن ترجع تاني. لو فرضنا إنها ماتت، أنا إيه يضمني إنه هيرضى يخليني مكانها؟ دا مسحور بيها ولا يمكن يخلي حد مكانها. همها حصل."
انكمش وجه رحمة قائلة: "عندك حق، يونس قلبه معمي بحب البت دي، جلبه مسحور بيها. طب والحل؟ ابتسمت الأخرى بخبث ورفعت إحدى حاجبيها قائلة: "الحل عندي، بس المرة دي انتي اللي هتمشي ورايا وتسمعي كل اللي أقولك عليه وتنفذيه بالحرف، دا لو عايزة تتخلصي من البت دي سواء حية أو ميتة." انتبهت حواس رحمة كليًا لما تقوله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!