تحميل رواية «مسك الليل» PDF
بقلم سارة طارق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ون طعنه ) _________________________________________كانت تجلس بجانب جثته والدماء يملئ المكان ، ويملاء ثيابها كانت تنظر لدماء من حولها براحه كبيره وشكل جسده الممزق من الطعنات كان يدخل عليها السعادة ، فهذه نهاية كل رجل سولت له غريزته القذره بكسر فتاة أخرى ، وقتل برأتها وعقابه منها كان عشرون طعنه ولكنها استدارت عندما سمعت صراخه ، نظرت له وهى تبتسم وشاورت له باسكين ، ووضعت يديها الأخرى فى الجسد الممزق أمامها واخرجتها وهى ممتلائه بدماء ، وقالت وهى تبكى بفرحه شديدة" كده نبقا خالصين " ******************...
رواية مسك الليل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة طارق
لم ينم في تلك الليلة بعد رحيله من عندها.
لم تعرف جفونه طريق النوم ولو لدقيقة واحدة.
دخل بيته وسار لطريق يحفظه عن ظهر قلب منذ صغره.
توقفت قدمه عندما وجده أمامه.
ابتسم له بشوق كبير.
وزادت ابتسامته عندما سمع صوت صهيل حصانه بعد رؤيته، كأنه يعبر عن شوقه لصاحبه.
اقترب منه رضوان ومسح على ظهر حصانه قائلاً: "أنت كمان وحشتني أوي يا سلطان. إيه، نفسك في جولة زي بتاعة زمان؟"
ثم تنهد بحزن قائلاً: "أنا كمان نفسي في الجولة دي أوي، عايز أطير يا سلطان... أصل صاحبك زهق من العيشة على الأرض، فنفسه يرجع يطير من تاني."
قالها وهو يخرج حصانه من أسطبله، ولكن توقف عندما سمع صهيل حصان أخيه رشاد، كأنه ينادي عليه يسأله عن صاحبه.
خطى رضوان نحو حصان أخيه الأسود، فلطالما عشق أخيه هذا اللون، غير رضوان الذي كان حصانه لونه أبيض.
اقترب من حصان أخيه وربط عليه بحنان.
كان يلمس مكان جلوس أخيه على الحصان.
بكى وهو يتذكر أخيه وهو يتسابق معه.
كان أخيه أكثر مهارة منه في ركوب الأحصنة.
هو من علمه، وهو من شجعه على الركوب من صغره.
"آه يا أخي، كم اشتقت إليك."
سمع صهيل حصان أخيه كأنه يسأله عن رشاد.
خرجت نبرة رضوان باكية: "صاحبك معادش موجود معانا يا أصلي، صاحبك مشي وسابنا، مشي حتى من غير ما يسلم."
ترك رضوان الحصان أصلي وذهب للحصان.
رغم صهيل حصان أخيه كأنه يصرخ وينادي صاحبه.
ركب رضوان حصانه وخرج به وظل يركض بالحصان بسرعة كبيرة جداً.
لم يشعر.
لم يسمع.
أي شيء غير صهيل حصان أخيه.
انهمرت دموعه بوجع شديد.
"ألا لتلك الدرجة الحيوان يكون وفي لصاحبه أكثر من وفاء بني آدم لبعضهم؟ كم يؤلمه أن يرى الوفاء في عين الحيوان ولا يراه في عين إنسان مثله."
"يشعر بوجعك، لديه قلب مثلك، شيء ورغم كل هذا يؤذيك في أعز ما تملك."
ابتسم بسخرية وهو يسمع صهيل الحصان.
كم تمنى أن يرى أخيه الرحمة في عيون قاتله، لكنه لم يرى إلا الغدر والكره.
لقد غدر به، وغدر بأخيه وهو على قيد الحياة.
كان من يرى رضوان في تلك اللحظة يقول إنه يطير بحصانه في الهواء وليس فقط يركض بسرعة.
كانت سرعته تجعل الحصان عندما يقفز يطير عالياً في الهواء ثم ينزل بقدمه على الأرض بكل ثقة ومهارة.
كان شعر رضوان يتطاير مع الهواء بسبب سرعته، وكلما نزلت خصلات شعره على وجهه يرجعها للخلف مجدداً.
هنا ظهر شبح ابتسامة صغيرة على ثغره عندما تذكر أخيه وهو يتشاجر معه.
"يابني جلتلك أحلق شعرك ده عيب والله، دا انت خلاص شهادة الثانوية هتطلع وهنجدم لك في الجيش، هتروحلهم بشعرك ده إزاي؟"
كان شعر رضوان كبير وناعم جداً يغطي رقبته، فهو منذ طفولته وهو يكره أن يحلق شعره، يحبه طويل وخصلته كبيرة، فهو كان وسيم جداً فيه.
نظر له رضوان بضيق وهو يحاول أن يسبق أخيه، ولكن شعره يعوقه قليلاً بسبب الهواء وماء المطر.
تأتي خصلات شعره تنزل على عينيه ويعوقه على السير بشكل جيد بحصانه.
"سبني الله يبارك لك يا رشاد عشان أنا مش شايف قدامي أصلاً وممكن أقع بسبب شعري ده من على الحصان وأتكسر، وساعتها لا هطول جيش ولا شرطة."
هنا توقف رشاد حصانه بسرعة ملفته وأشار له أن يتوقف مثله.
ونزل أخيه من على حصانه ووقف أمامه.
"أوعك تخلي حاجة تافهة زي دي تمنعك عن حلمك، لو شعرك ده هيكون سبب إنك تبعد عن حلمك، أحلقه. وبعدين بلاش تقول على نفسك كده، بكرة إن شاء الله هتبقى ظابط جد الدنيا كلها والبدلة اللي هتلبسها هتديك هيبة فوق هيبتك، وساعتها هتلاقيني جايلك وباشتكيلك وبأقولك الحقني يا حضرة الظابط فلان الفلاني، جه عليا وهاتلي حقي منه."
ضحك رضوان على حديث أخيه.
"لا عاش، ولكن اللي يجي عليك يا خويا وأنا موجود، دا أنا هجيب لك حقك تالت ومتلت كمان، بس حد بس يفكر يقرب منك وساعتها محدش هيجيب لك حقك غيري، وبكرة تشوف."
ربط رشاد على ظهر أخيه قائلاً: "يعني أطمن إن لو جرالي حاجة هيبقى فيه راجل من بعدي بيجيب لي حقي."
قبل رضوان رأس أخيه قائلاً: "ربنا يديك طولة العمر يا خوي، متقولش كده. وبعدين إحنا اللي طول عمرنا بنتحامى فيك، بس عشان أطمنك فأنت وراك راجل يا خوي، أوعى في يوم تقلق."
خرج رضوان من ذكرياته على صوت أحد الغفر وهو ينادي عليه.
فأوقف حصانه واقترب من الغفير قائلاً بصوت مختنق: "في حاجة يا رضا بتنادي؟"
"أيوه يابيه، دا أنا واقف بنادي عليك بقالي ساعة وانت في دنيا تانية خالص."
هز رأسه رضوان بتعب ناطقاً: "في حاجة؟"
"أيوه يا بيه، في واحدة بره عايزة تجيب لك ضروري، بتقول مش هتمشي غير لما تشوفك."
استغرب رضوان كثيراً، فمن تلك التي تريده في هذا الوقت المبكر؟
نظر لساعة يده وجدها السادسة والنصف صباحاً.
وأي شيء ضروري تريده منه في هذا الوقت؟
تنهد رضوان بتعب، فهو لا طاقة له لأي شيء، ولكنه ضغط على نفسه وأمره أن يحضرها له بالداخل.
أعاد رضوان حصانه لمكانه وألقى نظرة على الحصان أصلي، وجده ساكن في مكانه، فعلم أنه قد تعب من كثرة صهيله، كأنه قد استسلم للأمر الواقع.
خرج من هذا الإسطبل الصغير ودخل بيته وذهب لغرفته بتثاقل وتعب كبير، فهو يحمل هم كبير فوق كتفيه.
دخل الغرفة واغتسل وارتدى ثياب غير التي كان يرتديها.
وأرجع شعره للخلف وهو ينظر للمرآة، فكان رضوان طويل القامة وشعره الأسود الذي شبه لون عينيه أصبح قصير عن ذي قبل بحكم عمله في الجيش.
نزل رضوان بتثاقل، فهو كل ما يريده الآن هو أن يرى ماذا تريد تلك المجهولة، وبعدها يريد قسط كبير من الراحة له ولعقله الذي أنى من كثرة التفكير في كل شيء.
فهو أصبح الولد الوحيد لعائلته، وكل شيء أصبح على عاتقه بعد أخيه.
"رضوان بيه، الست اللي طلبتك جوه في المكتب."
"تمام يا سعاد، أنا هدخلها، بس لو سمحتي عايزة منك فنجان قهوة تقيل وسادة عشان مش قادر أفتح عيني."
أومأت له باحترام وذهبت لتعد القهوة كما طلبها.
ذهب رضوان باتجاه مكتب والده وفتح الباب، ولكن علت الدهشة وجهه عندما وجد والده مستيقظاً ويجلس على مكتبه وأمامه سيدة لم يرى ملامحها جيداً بسبب هذا الشال الذي تضعه على رأسها ويغطي أغلب وجهها.
"صباح الخير يا با، إيه اللي صحاك دلوقتي؟"
جابر: "صباح النور يا ولدي، تعالى اجعد."
جلس رضوان كما طلب والده ونظر لتلك التي تجلس أمامه ولا يفصل بينهم غير طاولة صغيرة.
هنا تحدث جابر وقطع لحظات الصمت تلك.
"البنت دي عايزة تقولنا حاجة مهمة أنا وأنت، وأصرت على وجودك أنت بالذات."
نظر له رضوان بريبة، فهي تنزل رأسها لأسفل وتفرك كلتا يديها ببعضها، يبدو عليها بعض الخوف والتوتر الشديد.
تحدث جابر ليطمئنها قائلاً: "اتكلمي يا بتي وجولي عايزة إيه، وأهو رضوان موجود أهوه زي ما طلبتي."
حاولت تشجيع نفسها قليلاً ورَفعت رأسها ونظرت لرضوان، مما جعله يستغرب وجودها هنا في بيته وإصرارها على وجوده.
هنا تحدث رضوان: "أنتي، أنتي إيه اللي جابك هنا، وعايزة إيه؟" قالها ببعض الحيرة.
نظر له والده ونهره: "رضوان، ميتى بنكلم ضيوفنا بالشكل ده ها؟" ثم نقل نظره للفتاة التي رمقت رضوان ببعض الضيق على طريقة حديثه معها.
ابتلعت ريقها وأخرجت بعض الهواء لتهدأ هذا الصراع الذي بداخلها، فهي تعلم أن ما ستقوله لن يكون هيناً أبداً عليهم.
نظرت لجابر قائلاً بنبرة مرتعشة قليلاً: "يا حاج جابر، أنا ابقى زينة فتحي، أمي بتها الست هناء، أنا اللي لحقتني من إيد الشيخ عبدالله وهو بيضربني في السوق لما كان عاوزاني أسلم بالغصب."
هنا تذكرها جابر: "أيوه صح، انتي زينة، كيفك يا بتي وازي أمك وأخوكي كلكم بخير صح؟"
ردت عليه بصوت متقطع: "بخير يا حاج، بس بس أنا اللي مش بخير، وعايزة، عايزة..." ابتلعت ريقها وهي تقول: "عايزة حق ابني يا حاج."
دهش رضوان حديثها كثيراً: "حقك ابنك، هو انت عندك عيل؟ انتي متجوزة؟"
كان هذا سؤال رضوان لها.
"أيوه متجوزة، وجوزي انت عارفه كويس يا رضوان بيه."
مل جابر من حديثها هذا، فحثها على الحديث بكل ما بداخلها مرة واحدة حتى يفهم.
"معلش يا بنتي، قوليلنا كل اللي جواكي عشان نفهم، بس الأول أنتي أهلك عارفين بجوازك ده ولا لأ؟"
زينة: "عارفين يا حاج، أمي عارفة إني متجوزة وعارفة مين جوزي، بس أهل جوزي هما اللي مش عارفين إنه ابنهم متجوزني. ودلوقتي أنا حامل في الشهر الرابع وبطني قربت تكبر، والناس هتاخد بالها إني حامل. فكل اللي عايزاه إن ملجاش حد يقول عليا ماشية مع حد في الحرام ويطلع علينا سمعة، رغم إني متجوزة على سنة الله ورسوله. فكل اللي عايزاه إن أهل جوزي يعترفوا بيا أنا وابني ويقولوا جدام الناس كلها إني مرات ابنهم."
رضوان: "طب وجوزك ميعترفش بدا ليه؟"
ابتلعت غصة مرة في حلقها قائلة: "جوزي مش هيقدر يعمل كده لأن خلاص ماعدش ليه كلمة، أهله بس اللي يقدروا يعملوا كده."
تنهد جابر بحزن دفين، فهي بحديثها هذا فتحت له جرح كان يظن أنه التئم منذ سنين، ولكنه مازال حي.
قد شعر به بحديث تلك الفتاة التي تشبه عمر ابنته وقصتها تشبهها بعض الشيء بحاله.
أنها أخفت زواجها عن الناس، ولكن الاختلاف أن ابنته هربت لتتزوج بدون علمهم، أما هذه تزوجت بعلم أهلها فقط.
جابر: "قولي اسم جوزك يا بنتي، وهاتي عقد جوازكم. ربنا يعمل اللي فيه الخير، وإن شاء الله ابنك هيكتب باسم أهله وهيعترفوا بيه غصب عنهم."
هزت رأسه وخرجت ورقة مطوية وأعطتها لجابر، ولكن رضوان أمسكها منها وفتحها ليقرأ ما بداخلها ويعرف إذا كانت شهادة أصلية أم مزيفة.
كان يقرأ اسم الزوجة، وبعدها انتقلت عينها لاسم الزوج، مما جعله يهب واقفاً وهو ينظر لها بصدمة كبيرة.
هو ينظر لها وكأن القط أكل لسانه ولم يقوى الحديث.
وصدمته الكبيرة بما قرأ.
أمسك جابر الورقة ليرى ما بها ليجعل ابنه على تلك الحالة.
قرأ جابر اسم الزوج، قرأ بصدمة وبصوت كاد يكون عالياً: "اسم الزوج رشاد جابر النمر، ابني!"
قالها وهو يقع على كرسيه وتقع الورقة من يده، ونظر للأمام بصدمة.
"كيف؟ كيف يتزوج ابني من ورائي؟"
نظر لزينة التي تجلس وجهها في الأرض وتفرك يدها ببعضها، فهي كانت تخشى من تلك المواجهة منذ موت رشاد زوجها.
عم الصمت المكان، لم يتحدث أحد منهم.
حتى قطع هذا الصمت صوت رجاء التي دخلت وجدتهم وجوههم مضطربة.
جابر يجلس على الكرسي وينظر أمامه، ورضوان يقف وينظر لتلك الفتاة بنظرات كادت تحرقها.
"إيه مالكم؟ ومين دي؟"
وقفت تنتظره في مكانهم المخصص الذي يتقابلان فيه بعيداً عن عيون أهل بلدتهم.
وجدته يأتي بخطوات بطيئة ويلتف حول عينيه السواد بسبب قلة النوم واصفرار وجهه ملفت جداً لكل من يراه.
حزنت لرؤيته بتلك الحالة المتهالكة.
خرجت أفكارها على إلقائه التحية لها.
ردت بفتور وحاولت التدخل في الموضوع الذي أتت من أجله.
"اسمع يا بجا يا بلال، أنا مش هستنى لما تروح في داهية ويتقبض عليك وتروح مني بسبب أخوك وعمايله المهببة زي وشه. أخوك على عيني وعلى راسي، بس لازم تتصرف بالعقل مش تتستر عليه وتخلي البلوة تبقى اتنين لما يتقبض عليكم."
احتدت عين بلال وتتطاير الشر من عينيه، وأمسكه من معصم يدها وضغط عليها بكل قوته وجعلها تقترب منه أكثر حتى أصبح لا يفصلهم غير مسافة قليلة.
"وإنتي عرفتي منين بقا موضوع أخويا يا مسك؟ من اللي قالك؟ وأنا مجبتش ليكي سيرة، وأكيد مش أختك اللي قالتلك عشان هي أصلاً مشفتش حجاج بعد اللي حصلها في الليلة إياها."
قالها وهو يجز على أسنانه.
جحظت عين مسك ولم تهتم للألم في يدها بعد أن استمعت ما قاله بلال.
"انت كنت تعرف باللي حصل لأختي بسبب أخوك، كل ده ومقولتليش؟ يعني أنت مهرب أخوك وأنت عارف أنه السبب في اللي حصل لأختي؟ ورغم كده خبيته. دا أنت حتى كان قدامك فرصة إنك تساعده وتساعد أختي ونعرف مين اللي عمل فيها كده وأنت ولا أنت هنا. كنت أناني وخبيت أخوك على حساب أختي وشرفها اللي ضاع. أنا بس عايزة أسألك سؤال، لو ليك أخت وحصل معاها كده، كنت تتمنى إن يجي حد ويعمل اللي عملته ويخفي الحقيقة زي ما عملت ويضيع معاها كمان حقها؟ كنت هتبقى مبسوط لما يحصل في بنات البلد زي ما حصل لأختي؟ رد عليا، سكت ليه؟"
أمسكته من لياقة قميصه قائلة وهي تصرخ بوجهه: "سكت ليه؟ اتكلم! كنت معايا كل ده وأنت عارف إن أخوك اللي عارف مين اللي اغتصب أختي وماشي معايا ومكمل عادي من غير ما تفكر فيا ولا حتى ضميرك يوجعك؟ يعني كنت بتضحك عليا كل ده؟"
مسح دموعها قائلاً: "كان عنده حق رضوان لما قالي إن مش هاينوبني منك غير وجع القلب ليا ولا لأهلي."
كادت تتحرك ولكن أمسكها بلال مرة أخرى.
وعند ذكرها لرضوان جعلته يفقد أي ذرة صبر له وزاد غضبه لدرجة جعلت مسك تبتلع ريقها وارتعش جسدها بسبب نظراته النارية الموجهة لها.
حاولت الإفلات منه والركض بعيداً عنه، ولكنها لم تستطع، فهو أحكم قبضته عليها.
"وإنتي إيه اللي جاب رضوان ليكي؟ عرفتيه منين؟ وكلمتيه إمتى وإزاي؟ انطقي قبل ما أدفنك مكانك، انطقي!"
حاولت التماسك والتحلي ببعض الشجاعة أمام نبرته الشرسه.
"أوعى بعد عني، وإلا والله أصوت وألم عليك الناس، سيبني."
ضحك بلال بصوت عالٍ ونظر لها بسخرية: "طب ما تجربى كده صوتي، لما حد يجي يلحقك هتقوليله إيه لما يسألك إيه اللي جابك هنا في الحتة المقطوعة دي؟ ها؟ مظنش إنك غبية لدرجة إنك تفضحي نفسك وتفضحى أمك وأختك معاكي بعد ما ربنا سترها عليها."
وجدها هدأت وتوقف جسدها عن التحرك بعد أن كانت تعافر للفرار منه، وتصنمت مكانها.
"أيوه جدعة يا مسكي، اهدى كده وخلينا نتفاهم بالعقل كده بدل الهليلة بتاعتك دي اللي ملهاش أي ثلاثين لازمة ومش هينوبك منها غير الفضيحة. وتقوليلى بقا قابلتي رضوان فين واتفقتوا على إيه؟"
كانت مسك تنظر له بصدمة كبيرة وتهز رأسها برفض، كأنها لا تصدق ما تسمع ومن من تسمعه من الرجل الذي كلما حلمت أن يكون زوجها، الرجل الذي وهبته قلبها وحبها وأصبح له مكانة كبيرة بحياتها أكثر منها هي شخصياً.
لدرجة هذه كانت غبية وعمياء حتى لا ترى كل هذا الشر في عينيه.
وأيضاً يشك بها أنها تحالفت مع رضوان ضده.
"أنا مش قادرة أصدق، انت، أنت يطلع منك كل ده؟ طب ليه؟ عملتلي إيه عشان تخدعني بالشكل ده؟ توهمني إنك بتحبني لدرجة دي؟ طلعت رخيصة بنسبالك؟ يعني أهددك إني هصوت تقولي صوتي وافضحى نفسك؟ لدرجة إيه سمعتي ملهاش قيمة عندك؟ اخس عليك يا بلال، ومنك لله على حرقة قلبي وقلب أختي وأمي بالشكل ده."
وقف أمامها قبل أن تتركه وتبتعد عنه مانعاً إياها من الذهاب قائلاً بنبرة هادئة: "استني بس يا مسك، متزعليش مني. والله أنا ما قصدت حاجة من اللي قولتهالك. أنا بس لما جت سيرة حجاج اتعصبت، بس انتي السبب، انتي عارفة إن حجاج نقطة خطر في حياتي ومحبش أي حد يقرب منها، ممكن أموته. دا أخويا وخايف عليه، يعني المفروض تقدري ده."
"يعني أنت عايزني أقدر إن ده أخوك وبتخاف عليه، وأنت ماتقدرش إن ورد أختي ومن حاجتي أجبلها حقي من اللي عمل فيها كده؟ لاه يا يا بلال، أنا من هنا ورايح مش هقدر حاجة. وأخوك عمره ما هيبقي أحسن من أختي وهتشوف أنا هعمل إيه. ويامين بالله لخلى البلد كلها تتف عليك أنت وأخوك. وهقدم فيه بلاغ في الجسم (القسم) وهقولهم إنه هو اللي اغتصبها وأجهر قلبي عليه زي ما جهرت (قهرت) قلبي على أختي ورد أكده."
ذهبت وتركته، ولكن توقفت عندما سمعته يقول: "لو سيرة أخويا جت في أي حاجة يا مسك، هقول إن أختك اللي جتله برجليها وخلى الفضيحة ليها هي مش لحجاج، وأنا أقدر أعمل كده وأنتي عارفة كويس. فاعقلي كده وحافظي على أختك وخلي الطابق مستور عشان لو اتكشف ممكن تطرده من هنا، واختك هتتطلق، أصل جوزها عمره ما هيستحمل الفضيحة برضه ولا أهله هيرضوا بيها بعد كده. فكري كويس يا بنت زينة وشغلي مخك بدل ما... انتي عارفة بقا من غير ما أقول، الفلوس بتعمل العجب."
ذهب هو وتركها على وضعيتها الصامتة تلك تنظر أمامها، لا تعرف من هذا الذي يتحدث.
هذا ليس بلال، هذا شخص آخر، هذا شيطان تجسد على شكله بالتأكيد.
هو ليس بلال، الرجل الذي عشقته وعرفت الحب عند رؤيتها له وتعلقت به من أول محادثة لهم معاً.
وقعت على الأرض وظلت تبكي وتصرخ بداخلها على مرارة ما سمعته منه.
هي من فعلت بنفسها كهذا، هي من سلمته قلبها رغم عدم وجود أي رابط يجمعهم سوياً أمام الناس والعالم بأكمله.
وبعد كل هذا يأتي ويهددها أنه سوف يخرب عليها حياتها وحيات من يخصها لو دافعت عن أختها.
أي بلد تلك التي تجعل الناس يزورون الحقائق من أجل بعض المال؟
تدوسون على شرف فتاة من أجل بعض المال؟
أليس تلك نهاية العالم؟
ولكن هل ستخاف وتصمت؟
هل سيتغلب عليها حزنها وتنسى حق أختها؟
آه شعور أن ليس عندك شخص بحياتك يجلب لك حقك هو شعور مؤلم جداً.
"وأنا مليش غيرك يارب، مليش إلا أنت يارب. أنا عارفة إني غلط كتير، بس محتاجك تسامحني، محتاجالك تجبلي حقي يارب، أنا ضعيفة مش عارفة أعمل إيه. أنا اللي كنت فاكرة نفسي هقدر على أي حد، كلمتين منه هدوني وخلوني صغيرة قوي قدامك وقدام نفسي. عايز حق أختي منهم يارب، يااااااارب."
تلك الكلمة الأخيرة التي أخرجتها مسك بصراخ كأنها خرجت من أعماق قلبها الذي يئن الآن من صدمته في حبه الأول الذي طالما ظنته أنه الأول والأخير.
الآن هذا القلب عرف أنه هو الأحمق لأنه شعر بشيء باتجاه هذا الشيطان.
ظلت تدور حول نفسها وهي تكاد تختنق من كثرة قلقها على ابنتها.
فهي استيقظت ولم تجدها على فراشها.
والآن الساعة العاشرة وقد تمت مسك في الخارج ما يقارب الثلاث ساعات، ولم تأت.
وبحثت عنها والدتها ولم تجدها.
تخشى أن يكون حصل شيء ما.
فزينة أصبحت تقلق بصورة غريبة بعد ما حصل مع ورد ابنتها في تلك الليلة السوداء عليهم جميعاً.
تثاءبت ورد التي تجلس وتنظر لوالدتها بعينين ناعستين.
"ياما جلتلك ماتقلجيش، مسك مابتخفش عليها، تلجيها بتتمشى شوية ولا حاجة. أهدي بس وهتلجيها جاية."
لم تستطع زينة السماع لابنتها.
ولمعت في عقلها فكرة ما.
"بت يا ورد، انتي بت، فُوقي يابت يا جذمة، فُوقي يابت، انتي لحقتي تنامي؟ انتي لسه كنتي بتتحدتي معايا. الله يخربيتك يا بعيدة، قومي، قومي وانتي شبه دكر البط اللي لسه بايض بيضة ونايم على نفسه كده."
"إيه ياما، عايزة مني إيه؟ مش كفاية مصحيني من النجمة ومخليني جايلك وش الصبح، وكمان مش عايزاني أريح هبابة."
"يابت الجذمة، أختك ومش لاقينها، وإنتي كل اللي همك إنك تنامي؟ إيه معندكيش دم؟ خلي عندك حبة من الأحمر وصحصي معايا كده."
هبت من مكانها وفركت عينيها بانزعاج وهي تنظر إلى والدتها بضيق.
"أهو صحيت أهو."
ضربت زينة فخذها وهي تكاد تفقد عقلها.
"يابتي أنا قلبي مش مطمن، حاسة إنه فيها حاجة عفشة حصلتلها. أنا قلبي وجعني عليها، وحاسة إن ضنايا بيتوجع ومش عارفة أعمل إيه ولا مكانه فين."
هنا انتاب ورد القلق، فأمها لن تقول مثل هذا الحديث وتكون مخطئة، دائمة الشعور بها هي وأختها.
"طب اهدى ياما وتعالي نروح ندور عليها تاني ويمكن نلاقيها."
"أيوه، إحنا ندور عليها تاني، وتكلمي بدر جوزك وتخليه يدور عليها معانا. يلا البسي شالك وأنا كمان هدخل أجيب شالي وندور عليها، على الله بس نلاقيها، وبعدها هديها بصرمة على دماغه هي واللي خلفتها، بس أشوفها وأطمن بس."
رواية مسك الليل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة طارق
رضوان حالف ليقتل اللي قتل أخوه، يعني زي ما اتقتل بظبط. يعني زي ما رشاد مات بطلقة في قلبه واتذبح بسكينة، يعني يدوبك تلحق تودع رقبتك. ده لو مقدرتش أهربك قبل ما يوصلولك. المكان هنا جديد آه بس مسرهم يعرفوا زي ما عرفوا مطرحك الأولاني. غبي ومتخلف وعمرك ماهتكبر أبداً.
تركه بعد وصلة الصراخ دي وهو يكاد ينفجر، فكل شيء خطط له قد فشل فشل ذريع. ترك حجاج ينظر لأثره بصدمة تكاد عيونه تخرج من محجرها بسبب ما تفوه به، جعل الذعر والحيرة يأكلانه حياً.
لمح بعينيه المنتفختين دول هاتف قد وقع من أخيه. نظر له وهو يكاد يجن، هل يسلم نفسه ويرفع حمله من على أخيه أم يستعين بأحد حتى يخلصه من ورطة أوقع نفسه فيها ومن بطش أخيه عليه؟
بكى بهستيرية كطفل ضل الطريق ولا يعرف مكان بيته ليذهب إليه ويحتمي بجدرانه وهو بين أحضان أمه.
"يارب، يارب أنت اللي عالم إني والله ما كنت قاصد ولا كان في بالي إنهم هيعملوا مصيبة زي دي. انجني يارب، انجني واديني فرصة أتوب وأستغفرك عشان تشفع عني. يارب فرصة، فرصة واحدة بس وأنا والله ما هأرجع لأي معصية تاني، بس أنت ابعتلي اللي ينجدني من الورطة اللي أنا فيها دي. اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني يااااااارب."
هكذا ختم دعاءه وهو ما زال على وصلة البكاء دي، يكاد يتوقف قلبه من كثرة بكائه وخوفه من القادم في دنياه وآخرته.
وأثناء بكائه، أتى الله له بتلك الفرصة اللي خلت عيونه تخرج من محجرها وهو يرى هذا الضوء أمامه يعلن عن هذا الاسم اللي حفظه عن ظهر قلب.
"جمال طه" هكذا ظل يردد. ذلك الاسم وهو ينظر لشاشة الهاتف اللي أمامه. يكذب عقله وهو يصور له الأفكار السيئة دي، فربما تكون مجرد صدفة، ولكنها غريبة. صدفة غريبة في هذا التوقيت بالذات.
***
بحثوا عنها في كل مكان حتى تملك منهم اليأس وذهبوا للبيت، وتركوا بدر ما زال يبحث عنها. كان القلق قد نهش في قلبها حتى جعلها تموت من الخوف على ابنتها، فهي منذ الصباح لم تعد ولا ترد على أي اتصال يأتيها على هاتفها.
كانت تضرب فخذها من حين لآخر وتولول على ضياع ابنتها.
"آه يا مركب يا بنتي، مسك راحت وأنتي قاعدة محلك سر. خلاص البت كده اختفت ملهاش أي أثر. رحتي فين يا نظري، رحتي فين يا ضنايا. يارب رجعهالي سالمة غانمة يارب. بعد عنها كلاب السكك ومتوجعنيش فيها هي كمان. كفاية عليا أختها واللي حصلها."
كانت تبكي وهي تتحدث بانهيار تام، ولكنها صمتت عندما أدركت زلة لسانها ونظرت لورد اللي نكست رأسها من حديث والدتها. ذهبت لها زينات للاعتذار منها لأنها زلت لسان منها بسبب قلقها على أختها مسك.
ضمت زينات ابنتها ورد بين أحضانها وتربط عليها بحنان أمومي رائع. وكادت تتحدث ولكن وجدت من يطرق على الباب. ركضت زينات وورد بلهفة كبيرة ليروا من الطارق، لعلها مسك أتت لترتاح قلوبهم.
وبالفعل كانت هي مسك الطارقة، ولكن رؤيتهم بتلك الهيئة لم تجعل الفؤاد يرتاح. كان التراب يملأ جلبابها الواسع، شالها الطويل، وعيونها منتفخة من كثرة البكاء، تكاد تخرج من محجرها من كثرة تورمها، وشحوب وجهها. رؤيتها بتلك الحالة جعلت ورد وأمها يقفون مكانهم وكأن الشريط يعاد مرة ثانية، ولكن من يقف على الباب هي مسك الليل وليست ورد اليمن.
كل ما فعلته مسك هو الركض لحضن والدتها وتشبتها بها لدرجة أنها تشبه الطفل الذي وجد والدته بعد فقدانها للأيام. وكأنها بتلك الضمة تبث القوة والقدرة فيها من جديد وتخرج كل الطاقة السلبية التي تملكتها وجعل اليأس والخوف يتملكان من قلبها. أخذت حضن والدتها هو الحامي لها في تلك اللحظة، فلم يعد هناك من يحميها بعد الله. فمن كانت تظنه الحامي لها أصبح هو المخادع الغدار الذي جرح في قلبها بنصل سكين تلم بكل برود دون حتى أن يهتز أمامها.
جاءت ورد وضمت أختها من الجهة الأخرى حتى أصبحت مسك بين أحضان أمها وأختها وبين جدران بيتها.
بكت بحرقة كبيرة وهي تتشبث في أمها بقوة قائلة بمرارة:
"أنا حاسة إن أبويا مات تاني يا أمي وكأن دهرى اتعرى تاني من بعده. أنا اتعرىت يا أمي وملقتش اللي يسترني. ياريتني كنت سمعت كلامك، ياريتني ما كنت عنت وسمعت كلمتك ليا. ياريتني ياريتني. بتك بقت متسواش وأنا اللي خليت نفسي مسواش يا أمي."
بعد دقائق كانت تنام وهي تنظر لسقف غرفتها ولم تجف عيونها عن البكاء. فقد أتى إلى مخيلتها ذكرياتهم معاً وأحاديثه الجميلة التي كان لها تأثير كبير عليها وكانت سبب عشقها له.
**فلاش باك**
كانت تبتسم له وهو ينام أمامها على الأرض العشبية تلك وينظر لها وهي تجلس أمامه وتبتسم له بعذوبة. ومسحت على شعره وهي تقول:
"أنا بنسبالك إيه يا بلال؟"
اعتدل هذا العاشق أيضاً ونظر لها كأنه يحاول تجميع كل ما بداخله لها في جملة واحدة توصف مقدارها بداخله.
"أنتي معطفي الدافئ الذي ألج إليه في ليالي الشتاء القارص يا مسك قلبي."
احمرت وجنتيها مما زادها جمالاً وجاذبية أكثر، فضحك على حيائها. فهي من سألت السؤال والآن تستحي من إجابته.
عبث وجهها وضربته في كتفه لظنها أنه يسخر منها بسبب ضحكاته هذه.
"انت بتتمسخر عليا، ماشي بس انت بقى ولا حاجة بنسبالي."
شهق بلال وظهر على وجهه صدمة مصطنعة وقال بطريقة درامية:
"بقى أنا ماليش لازمة عندك؟ بقى دي آخرتها؟ ماشي يا مسك."
ثم نظر لها وهو يشير بيده في وجهها بطريقة درامية قائلاً:
"لما تعذبين قلبي بتلك القسوة رحماكي يا زاهدة الحب رحماكي."
**باك**
**عودة للوقت الحالي**
انهمرت دموعها أكثر، لا تصدق أن ما قابلته هو بلال رفيق عمرها وحبيب طفولتها والرجل التي تمنته بكل كيانها. وغلب عليها ذكرى اليوم أيضاً، وكان عقلها لا يصدق أيضاً ويعمل مقارنة بين بلال الذي تعرفه وأحبته وبلال الذي رأه اليوم.
ردد صدى كلماتها في رأسها وهو يهددها. أغمضت عينيها وهي تتذكر ما قاله لها:
"لو سيرة أخويا جت في أي حاجة يا مسك، هقول إن أختك اللي جتله برجليها وخلت الفضيحة ليها هي مش لحجاج، وأنا أقدر أعمل كده وأنتي عارفة كويس، فأعقلي كده وحافظي على أختك وخلي الطابق مستور عشان لو اتكشف ممكن تطردوه من هنا."
كانت تضغط على عينيها بكل قوتها وهزت رأسها في محاولة فاشلة منها لنسيان تلك المقابلة التي قلبت حياتها وأحلامها رأساً على عقب.
شهقت وارتجف جسدها وهي تحدث نفسها:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا بلال. يارب تجهر قلبك زي ما جهرت ووجعت قلبي على نفسي. ربنا ينتقم منك، ربنا ينتقم منك على قد الحب اللي حبيتهولك وعلى قد الحياة والعيشة اللي اتمنتها وياك. حسبي أنت ووكيل يا الله، حسبي أنت ووكيل يا الله."
في الخارج كانت ورد تجلس بجانب أمها تحاول طمئنتها على مسك.
"أما متجلجيش (متقلقيش) مسك بخير، محصلهاش حاجة، متخافيش كده، بس كل اللي طالباه منك إنك تسيبيها لحالها لحد بكرة بس وبعد كده نعرف منها كل حاجة حصلت معاها، بس بالله عليكي تسيبيها النهاردة والصباح رباح."
هزت زينات رأسها ولم تنطق بحرف واحد. فهي تعلم أن هناك ما كسر في ابنتها وألام الكسرة ألم تكون في شرفها، فهي بتأكيد في قلبها. نعم هي تشعر أن قلب ابنتها كسر وعلمت من السبب.
ظلت تولول وهي تبكي:
"ياريتك عملتي بكل اللي قولتهولك مكانش ده بقى حالك. عجبك شكلك كده؟ حسيتي بوجع القلب؟ عرفتي إن طريق الغلط آخره غلط يا بنت بطني. عمر ما في غلط ينتهي بصح أبداً. اللي بدايته غلط بينتهي بغلط أكبر يا بتي."
قالتها زينات وهي تندب حظ ابنتها التي تنام بداخل لا حول لها ولا قوة، وكأن هناك من سلب روحها وذهب لبعيد جداً. فتلك التي بداخل ليست مسك ابنتها القوية العنيدة التي تفعل كل ما يحلو لها. لم تعد مسك المرحة ذات الحس الفكاهي العالي، صاحبة الصوت العذب الذي عندما يسمعها أحد يشبهها بمعزوفة رومانسية وليس مجرد صوت جميل. الآن أصبح من يسمع صوت بكائها يشبهها بمعزوفة حزينة لا تعزف إلا على الأموات فقط. تلك ليست مسك الليل ابنتها.
تلك الجملة التي ترددت على عقل زينات أكثر من مرة.
***
مضى اليوم وهو ما زال على حيرته بعد تلك الصدمة والحمل الجديد الذي حمل على أعقابه، وهو زواج أخيه. الآن أصبح رضوان مسؤولاً على حماية بلده وأبيه وأمه، وأعمال والده. والآن تأتي أرملة أخيه ترمي حملها هي وأطفالها على رقبته، فهي حامل في ولدان. آه يا الله اعطني من القوة والصبر لأتحمل كل هذا الحمل يارب، يااارب. تلك هي الكلمات التي كانت تتردد في عقل رضوان. فهو يخشى أن ينهار ويتدمر كل شيء. يجب عليه أن يصمد حتى لو على حساب نفسه، المهم هو راحة من حوله. وهذا هو واجبه، فهو أصبح المسؤول عن كل شيء بعد أخيه رشاد. كان يتقاسم كل شيء معاً، الآن أصبح هو وحده ولا يوجد من يقاسم معه حتى همه. أمسك رأسه من شدة الألم، فهو يكفيه فقط أعباء عمله الصعب.
فرك وجهه بقوة وقام من مكانه وذهب ليتوضأ، فهو في حاجة تامة للسجود بين يدي الله، فهو في أمس الحاجة له لقدرته ولاحتوائه.
توضأ وبدأ في الصلاة وسجد أول سجدة وظل لفترة طويلة لا يعلم عددها، وكأنه نسي نفسه ووجد الراحة التي تمناها. أنهى صلاته وظل كما هو جالس يستغفر ويسبح ربه حتى أتى رنين هاتفه. قام من مكانه ونظر للهاتف.
"حرمت يا رضوان بيه." قالها هذا الجالس على الأريكة التي في غرفة رضوان وينظر له بابتسامة ماكرة جعلت رضوان يلتفت لمصدر الصوت وهو يبتسم له بأخرى أمكر وأخبث منه، ورفع حاجبه قائلاً:
"نفذت."
وقف الآخر أمامه وأخرج من جيبه مسجل صغير يكاد لا يرى بالعين من حجمه الصغير.
نطق بثقة:
"عيب عليك، ده أنا بدر رمضان. يعني مش حاجة زي دي اللي تستعصى عليا. أنت مكلف راجل يا باشا مش راجل كنبة."
ابتسم رضوان بابتسامة واسعة تكاد تشق وجهه بالكامل من حجمها وهو يمسك بذلك المسجل من يد بدر.
بدر بفضول:
"هتعمل بيه إيه بقى؟ هتسلمه ولا في حاجة تانية في دماغك وناوي عليها لبلال؟"
قلب رضوان المسجل بين يديه قائلاً بخبث وهو يغمز له:
"بلال ده حبيبي."
ضحك بدر بقوة ليعلق على جملته قائلاً:
"طالما قلت حبيبي، يبقى الله يرحمك يا بلال أنت وأخوك."
"سيبك أنت بس من اللي في دماغي وقولي عملتها إزاي بقى."
جلس بدر وهو يضع قدم فوق الأخرى قائلاً بثقة:
"أنت بعد ما قلت لمسك على كل حاجة على السطح عندهم عن بلال وأخوه، كنت عارف إنها هتروح لبلال وتتكلمه."
"انجز، أنت بتحكي لي القصة من أولها، ما أنا عارف كل ده. قول من أول ما أخدت المسجل مني."
"الله جرا إيه يا باشا، ما تسبني أحكي المغامرة من أولها. أنت كده بتشتتني وأنا مبحبش التشتيت."
"إسمها التشتيت يا بدر أفندي.. أنت خريج إيه يا ضنا؟" قالها وهو يرفع له حاجبه.
عدل بدر من لياقة قميصه وهو يقول بثقة:
"صنايع قسم زخرفة."
ضحك رضوان بقوة قائلاً:
"أهو بعد تشتيت دي قسم الزخرفة كله متبري منك."
عبث وجه بدر وتذمر ولو رأيته مثل الأطفال قائلاً:
"بتتمألس عليا (بتتريق عليا)؟ طب والله ما أنا مكملها." قالها وهو يضم ذراعيه على صدره وينظر لجهة أخرى.
أمسكه بدر من رقبته بقوة وقرب وجهه من وجهه هو قائلاً:
"انجزي يا حبيبي بدل ما أخليك تكمل وأنت متعلق في البلكونة."
ابتلع بدر ريقه بخوف، فهو يعلم رضوان خير المعرفة. فإذا هدد بشيء يفعله ولا يهمه أي إصابات، فهو يعمل معه في وحدة واحدة في الجيش.
قص بدر كل ما فعله في الصباح وكيف نفذ تلك المهمة بكل سهولة دون أن يظهر في الصورة.
"وبس يا باشا. وهي قالت لي أول ما أجلك أخليها تكلمك."
هز رضوان رأسه ومعالم الضيق على وجهه بعد حديثه قائلاً:
"كلمها يا بدر، أنا كمان عاوزها."
أخرج بدر هاتفه وغير الشريحة التي بداخل الهاتف لشريحة أخرى وكتب رقمها وضغط على زر الاتصال.
عندما سمع رنين الهاتف، أعطى الهاتف لرضوان الذي أخذه وخرج لشرفته ليحدثها بحرية أكثر.
"ألو. أزيك يا ست زينات؟ معاك رضوان جابر."
أتاه رد زينات بنبرة حزينة منكسرة:
"كيفك يا والدي؟ هو بدر جالك؟ وأداك الحاجة بتاعتك؟"
أخذ رضوان نفساً عميقاً وأخرجه بهدوء:
"أيوه يا ست زينات. أنا مش عارف أشكرك إزاي على وقفتك جمينا. أنا لولاكي ما كنتش هعرف أتكلم مع بنتك ولا أخليها تعمل المقابلة دي مع بلال. لولاكي ما كنتش عرفت أسجل كلام بلال. بس أتمنى مسك ما تكونش حست بحاجة حرصاً على سلامتها مش أكتر."
بكت زينات وهي تتذكر أنها أخذت هاتف ابنتها وجعلت بدر يضع فيه تلك الشريحة لتقوم بتسجيل كل شيء في تلك المقابلة بينها وبين بلال.
"معرفتش يا والدي. ولو كانت حست بحاجة ما كانتش راحت قبلته من أساسه. كانت هتخاف عليه."
قبض رضوان على يده بقوة ولكن تمالك نفسه قائلاً لها:
"المهم يا ست زينات، بدر قال إنك عاوزاني. أمري."
ابتسمت زينات لأدبه في الحديث معها:
"ميأمرش عليك ظالم يا والدي. أنا بس كنت حابة أطمن إنك متجيبش سيرة حد من بناتي في أي حاجة. سامحني يا والدي بس إني محلتيش غيرهم."
طمأنها رضوان وأراح قلبها:
"يا أمي متقلقيش. أنا لو كنت حابب إن سيرتهم تيجي في أي حاجة كنت هجيلك وأستأذنك إني أقابل مسك، ولا كنت اتفقت معاكي على موضوع التسجيل ده. متخفيش على بنات والله أنا أفديكم بروحي. اطمني ورد معاها راجل يفديها بعمره. ومسك أنا أفديها بحياتي كلها ولا أخليها بس تنجرح جرح واحد بس. متخافيش عليها هي هتبقى في أمان معايا."
"معاك." خرجت تلك الكلمة من فم زينات باستغراب كبير من حديثه عن مسك.
أدرك رضوان زلة لسانه أمامها واعترافه بمشاعره أمام زينات بتلك الكلمات. فتحدث بطريقة متلعثمة يملأها التوتر:
"قصدي يعني إنك تطمني. هي بنت بلدي وأنا واجبي إني أحميها. يعني دا اللي قصدته."
ابتسمت زينات وشعرت براحة كبيرة تجتاح قلبها بعد حديثه العفوي عن ابنتها مسك وعلى توتره أمامها كأنه فعل جريمة ما.
"روح الله يطمن قلبك زي ما طمنت قلبي يا والدي. وأنا كمان عمري ما هطمن على مسك غير معاك يا رضوان يا ابني."
"بجد يا أمي؟ يعني انت مصدقاني؟" قالها بلهفة كبيرة لحديثها.
نطقت بمكر قائلاً:
"طبعاً يا والدي. هي مش بنت بلدك برده وحمايتها واجبك. ولا هو في حاجة تانية؟"
عبث وجهه وضيق ملامحه:
"أنتي بتلعبى معايا، ولا مش فهماني."
"بص يا والدي، أنت كلامك دلوقتي مش وقته. أنا بنتي جوه نايمة على سريرها شبه الأموات. بعد كسرة قلبها دي وحالها يصعب على الكافر. بس لو عايز تطمن، أنا مش هلاقي لبنتي أحسن منك. على الأقل أنت لما حبيت تتكلم معاها دخلت من الباب واستأذنت أهل البيت قبل ما تعملها. مروحتش من ورانا وكلمتها. كفاية إصرارك على وجودي معاكم على السطح عشان متكونش معاها لوحدكم. بعد اللي عملته ده أنا أشيلك على راسي العمر كله. وتسلم الست اللي ربتك وخلتك راجل ملو هدومك. يسلم أبوك اللي علمك الأصول واحترام حرمة الغريب."
ظل يتحدثان لبعض الوقت وأنها معها رضوان الهاتف بعد أن طمأنها على ابنتها، أو بمعنى أدق طمأن قلبه هو على تلك المسك التي رغبها وبشدة منذ أن رآها بصدفة التي جمعت بينهم منذ أكثر من عشر سنوات.
تنهد بهدوء وبعدها دخل غرفته وجد بدر يتمدد على الأريكة وذهب في نوم عميق وهو ينام بطريقة غريبة ويفتح فمه على آخره ويخرج أصوات شخير عالية ومزعجة جداً.
نظر له رضوان بقرف ونطق بازدراء:
"ربنا يكون في عونها ورد أنها مستحملة صوت الكراكة اللي بيخرجه ده."
ضربه رضوان بقدمه ليجعله يفيق ويذهب لبيته ويعود له في الغد في نفس الميعاد.
فاق بدر وذهب من بيت رضوان كما جاء دون أن يشعر به أحد، وترك رضوان ليفكر في الخطوة الثانية. ولكن قطع تفكيره رنين هاتفه للمرة الثانية بنفس الرقم المجهول الذي اتصل في السابق. هم ليرد، لعله صديقه الذي يقوم بمراقبة البلد معه بخبره ببعض التوترات أو أي شيء مريب حصل في البلد، فهم يتحدثان كل مرة من رقم مختلف عن الآخر.
***
ها هو القدر يعطيني فرصة جديدة لأكون معك، فهل سمحت لي بأن أخطو خطوة جديدة من أجلك حتى أنسيك حزنك وأشبع عيوني برؤياك وأنت على اسمي. أتمنى أن تمد لي يدك لتمسك بيدي لأخطو أول خطوة داخل قلبك. هي فرصة فقط، فرصة لتفتحي فؤادك لي، وأنا أعدك أن أكون أنا الحصن والأمان من كل أذى قد يمسك.
رواية مسك الليل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة طارق
ينام على ظهره على ذلك اللوح الخشبي الذي يبرز منه العديد من المسامير الحديدية الحادة.
ينام على نتوءاتها البارزة منها، يفرد ظهره عليها كأنه ينام على مرتبة أو وسادة أو شيء من هذا القبيل.
وجهه للسماء، يغمض عينيه كأنه يمنع ضوء الشمس من الدخول لعينيه.
ظل هكذا لدقائق، ثم وقف وهو يحرك جسده بحركات رياضية مدروسة، كأنه اعتاد على تلك التمارين الخطيرة وأصبحت من عادته.
لم تؤثر تلك المسامير على ظهره إلا بعض العلامات الحمراء التي ملأت ظهره من نتوءاتها فقط، ولكنه لا يشعر بأي شيء غير مجرد ألم بسيط وقد اعتاد عليه.
حرك جذعه العاري لأسفل بحركة ماهرة ليلعب تمارين الضغط تلك ليقوى قليلاً من قوة ذراعيه وظهره.
ظل هكذا لفترة طويلة لا يعلم عددها.
"٤٠٦، ٤٠٧، ٤٠٨..."
كان هذا صوت صديقه حاتم العراقي، الذي يأتي له دائماً في الصباح وهو من أقرب وأعز أصدقائه له.
وقف جمال عن تمارينها ووقف ليعدل من جسده والعرق يغرق جسده من كثرة تمارينها الصعبة وبسبب تلك الحرارة التي تجلبها الشمس عليه.
أمسك المنشفة وأخذ يمسح العرق وهو يحيي صديقه.
"جمال: صباح الفل يا واد عمي."
"حاتم: حبيب يا جمال، طول عمرك رياضي يا جمال وبتحب الرياضة جداً عنيك. بس مش عارف إيه لازمتها الخشبة اللي مليانة مسامير دي يا ابن الناس. أنا خايف في مرة تنام عليها جسمك يخونك ويغرز في المسامير دي."
ابتسم له جمال وألقى نظرة على تلك الخشبة وقال:
"اللي تخاف منه ميجيش أحسن منه. وبعدين الخشبة اللي بتقول عليها دي ميغرز فيها اللي خايف منها. يعني لو حسّت بس إنك ارتجفت وأنت نايم عليها هتاكلك."
"حاتم: وهي هتعرف منين إني خايف بس؟"
"جمال: أنت اللي هتعرفها، ما أنت لما تنام عليها هتحس بخوفك. جسم يرخى من الخوف فاهوب تغرز. ويبقى الله يحرمك وآخرتك تبقى على شوية مسامير."
ارتبك حاتم قليلاً ونظر لتلك اللوحة بخوف، فهو رغم خوفه منها إلا أن فضوله يقتله لتجربتها بسبب حديث جمال عن نومه عليها وكأنه يشعر بسبب بقوة وطاقة لا حصر لها.
ولكن بعد حديث جمال شعر كأنه ينبهه ألا يستخدمها من ورائه، وكأنه يعطيه إشارة أنه يعرف ما يدور في عقله حول تلك اللعبة.
"حاتم: بص سيبك أنت من البتاعة دي وجولي، الأمير هينفذ العملية إمتى؟ أنت مش شايف إنه اتأخر جوي على التنفيذ؟ أنا بدأت أقلق من التأخير اللي ملوش مبرر ده، حاسس إن في حاجة وإن العملية اتلغت."
"جمال: ومين قال إن العملية هتتلغي؟ العملية هتتنفذ بس الخطة هي اللي اتغيرت. وتم وضع خطة بديلة بس قبل ما العملية تتنفذ لازم في حاجة مهمة تتعمل وأنا لازم أنفذها. ولو اتنفذت، ساعتها هثبت ولائي وبقى أنا الأمير المنتظر وأنتم هتبقوا جمعتي والجيش بتاعي."
جحظت عين حاتم من حديث صديقه ونظر حوله خوفاً أن يكون أحد سمع ما قاله ويخبر الأمير ويتم قتل هذا الأحمق معاقبة على حديثه الغبي مثله.
"جمال: ششش، اسكت خالص! إيه اللي بتجوله ده؟ مش خايف حد يسمعك ويدخل يبلغ الأمير بكلامك الماسخ ده؟"
نظر له جمال بسخرية، فهو لا يهمه أي أحد. فهو الآن مسنود وتحت حماية من هو أكبر من الأمير. هو تحت حماية المؤسس بنفسه والممول لتلك الجماعة.
"جمال: لاه، مش خايف. ولو عايز تدخل جوله بنفسك ادخل. هو خلاص راحت عليه وكلها العملية الجاية وهيحصل اللي راحوا. يعني معادش له عازة. بعد ما الممول طلب منه يلاجي حجاج ويقتله قبل ما الحكومة توصله وهو مش عارف يوصله. أديله أربع شهور."
نظر له حاتم بغيظ قائلاً:
"ما أنت عارف إن أخوه خافيه عن عيونا وعيون الحكومة وإن محدش عارف يوصله لحد دلوقتي. وطالما مظهرش يبقى أحنا في السليم. بلال الأمير جابه وهدده إنه يجول مكان حجاج فين وهو هيساعده. بس بلال نابه أزرق، ومحدش يعرف يوصله ويجيب آخره. ومحدش هيقدر يقرب من حجاج طول ما هو عايش. ولو حد لمسه بس هيبقى عليه وعلى أعدائه. فبلاش حجاج عشان إحنا مش جد بلال المنسي وشره. ابعد أنت عن الحوار ده ومالكش فيه. والأمير لا هو عبيط ولا سهل. ده البصة من عينه بيجيب جرار الواحد ويعرف مين معاه ومين عليه. ده عشان مصلحتك أنت بس يا صاحبي. وخلي بالك لو فضلت على فكرتك دي أنا هبقى عليك مش معاك. عشان أنا مهما كان مش هخون أمير جماعتي."
قال حاتم بنبرة يملأها التهديد والتحذير من تفكير صديقه جمال، فهو بأفكاره تلك يلقي بنفسه في الجحيم بيده. فهو مهما فعل لن يقدر أن يصل لحجاج مهما فعل.
نظر جمال لأثر صديقه بعدما رحل، يعلم أنه عنده حق. فهو يعلم ناب بلال الأزرق وماكره، ويعلم خبث وذكاء أميرهم.
رغم أنهم لم يعلموا بهويته الحقيقية إلا أنه لديه هيبة تجعل من يرى طلته فقط قوتهم تتراخى ويدب الرعب في قلوبهم من غضبه الذي ليس له مثيل.
فغضبه هو الجحيم بحد ذاته. ولكنه سوف يتجرأ ويكمل ما خطط له وينفذ ما طلبه منه هذا الممول ويصبح هو الأمير.
ولو على حاتم فهو صديقه ويخاف عليه ويعلم أنه لم يفتش سره أبداً مهما حصل.
توقف عن التفكير ورجع لتمارينه ليتجهز لتلك العملية التي خطط لها لأيام كثيرة.
دخل داخل مقرهم وهو ينظر أمامه والشرار يكاد يخرج من عينه من كثرة الغضب.
وقف أمام غرفة الأمير وأخرج من جيبه مفتاحاً وفتح الغرفة.
ونظر حوله ليتأكد من خلو المكان ودخل الغرفة وفتح الإضاءة ووقف أمام النافذة وهو ينظر لصديقه جمال قائلاً بسخرية:
"بقى أنت يا جمال عايز تبقى الأمير؟ بس الغلط مش عليك الغلط عليا أنا إني صحبتك واديتك أهمية أكتر من الباقيين. ودلوقتي عايز تخوني. الحمد لله اللي مخلينيش أفتش هويتي ليك، بعد كل تلك السنوات. الآن تتحالف لتصبح أنت الأمير، وتريد أن تصل لحجاج قبلنا لتثبت ولاءك وتثبت أنك أحق بالإمارة. ولكن لن يحدث هذا أبداً طالما حييت حتى لو على جثتك يا جمال. الآن يجب تطهير الجماعة من الخائنين."
قالها وهو يخرج هاتفه ويضغط على رقم ما لتنفيذ ما يريده، وهو ينظر لجمال نظرات الوداع الأخيرة.
"مرحباً بأميرنا، لقد اشتقت إليك... لدي أخبار ليست بعيدة إطلاقاً. لا لم ينفع أن أحدثك إياها على الهاتف يجب أن نتقابل وغداً في مكاننا... حسناً إلى اللقاء... أيها الأمير."
دخل إلى تلك الغرفة التي تكون تحت البيت وتكون مثل السرداب الذي تحت الأرض.
تلك هي الغرفة التي يخبئ فيها أخيه حتى يبعده عن الأعين التي ترصده وتريد قتله بأي طريقة.
فتلك الغرفة لا يعرف عنها أحد غيره هو وأبيه فقط.
دخل وبحث عنه ولكنه لم يجده.
سمع صوت تكسير يأتي من زاوية ما.
ذهب باتجاهها ولكن تفاجأ بخروج أخيه منها وهو يتعثر في خطواته ويبدو عليه الارتباك والقلق مما جعله يشك في أمره.
وتحدث بلال وهو عاقد حاجبيه:
"كنت بتعمل إيه جوه يا حجاج؟"
توتر حجاج من نظرات أخيه المتفحصة له ناطقاً:
"كنت بدور على أي حاجة أسلي بيها نفسي في التربة اللي حبسني فيها دي. أنا مخنوق يا خوي."
"بلال: الأوضة دي أو التربة زي ما حضرتك بتقول هي اللي أوياك ولولاها كان زمانك في التربة فعلاً بس مش دي كان زمانك في تربة بحق وحقيقة وبتتحاسب يا ولد أبوي."
قالها بلال بسخرية من أفعال أخيه الهوجاء.
أمسكه بلال وأجلسه بقوة على الكرسي ووضع على الطاولة أمامه لفافة من الطعام الذي خرجت رائحته على أنف حجاج جعل لعابه يسيل من كثرة جوعه.
"حجاج: الله عليك يا بلال. ده أنا كنت هموت من الجوع والله."
وأثناء تناوله للطعام وقفت اللقمة في حلقه أثناء سماعه لسؤال أخيه:
"حجاج: أنا عاوز تكملة بقية الحكاية بعد ما الشيخ عبد الله الله يحرقوه مطرح ماراح، دخل الزفت الجماعة دي."
أمسك قطعة اللحم ودسها في فمه قائلاً:
"بعد ما قابلت الشيخ عبد الله في الجامع وحكى لي عن فضل الجماعة إنهم غرضهم إنهم ينشروا الإسلام بشكل صحيح وعرّفوا الناس دينهم لأنهم قربوا ينسوه. وجعد يحكي لي عن فضل الجماعة والثواب اللي ربنا هيديه لي لما أهدي شاب أو فتاة لطريق الإسلام. وعن فضل الأعمال اللي من النوع ده. وفي مرة وإحنا في مسجد كانوا بيحكوا عن شاب زيهم فجر كنيسة في القاهرة وإنه صنع القنبلة بنفسه وفجر الكنيسة أثناء الاحتفالية بتاعتهم. وقد إيه كانوا فرحانين بالشاب ده ونفسهم يبقوا شهداء زيه. أنا في الأول اتخدعت وخفت بس الشيخ عبد الله أخد باله وقدر يدخل أفكاره السامة في دماغي وجالي إن حاجة زي دي تعتبر جهاد في سبيل الله زي الجهاد كده أيام الرسول وإن أنا لو عملت كده أبقى زي الصحابة بالظبط لما كانوا بيدافعوا عن الدين الإسلام في الحروب الإسلامية والغزوات. المهم أنا هنا حاولت أشجع نفسي رغم إن في حاجة كانت مانعاني أتكلم وأجاوبهم بس أنا قولت إن لازم أعمل حاجة تنفعني في آخرتي لأني عملت معاصي كتير وكنت حابب أكفر عن ذنوبي. وجولت لهم أنا بعرف أعمل قنابل ومتفجرات وأقدر أصنعهم وأفككهم وإن أنا أصلاً مهندس. من هنا بدأت علاقتي تقوى بشكل كبير وقابلت الأمير الجماعة ورحب بيا جداً وكان هو السبب إني أصنع أول متفجرات العملية اللي بيخططوا لها للأيام الجاية."
"بلال: يعني أنت قابلت الأمير؟ وهو اللي قالك تعمل المتفجرات اللي هيعملوا بيها العملية اللي بتقول عليها دي؟ طب العملية دي هتتعمل فين ومين اللي هيعملها؟"
رفع حجاج كتفيه علامة على عدم معرفته قائلاً:
"والله يا خوي أنا معرفش. هما مرة بيقولوا إنهم هينفذوا العملية في محطة القطر ومرة سمعت إنهم هيعملوها في مكان جديد بيتبني في الصعيد بس مخبرش هو إيه."
هز بلال رأسه في علامة التيه. فهو لا يعلم ماذا يفعل وأن هذا الغبي قد أوقع نفسه في شبكة كبيرة من المجرمين.
ولكن كل هذا كان بسببه. نعم، هو كان عليه أن يبقى أكثر حرصاً على أخيه. هو كان قادر على إبعاده عن تلك الجماعة قبل وقوع تلك الكارثة.
هكذا ظل بلال يلوم نفسه على تقصيره في حق أخيه.
أخرجه أخيه من شروده وهو يطلب منه هذا الطلب الذي جعل غضب بلال يشتعل أكثر منه.
"حجاج: أنا عاوز أشوف أمي يا بلال."
قالها وبعدها ابتعد عددت خطوات عن أخيه بعد أن رأى معالم وجهه تتغير بشكل مخيف جعله يندم ألف مرة قبل أن يطلب هذا الطلب منه.
"حجاج: خلاص خلاص يا خوي اعتبرني مأقولتش حاجة. أنا بس قولت أتأكد من شوقي ليها هي برضه أمي وبقالى ياما ماشوفتهاش ولا هي حتى سمعت صوتي."
قال أخر جملة له بأمل أن يحن قلب أخيه عليه ويجعله يرى أمه ولو لدقيقة واحدة فقط. هي دقيقة ولا يريد أكثر، فقط ضمة منها وينتهي الأمر.
ولكن لم يلن بلال بنبرة الرجاء التي سمعها في صوت أخيه وامسكه من تلباب قميصه وقال بصوت منخفض ولكنه مخيف:
"لو سمعتك بتجيب سيرة أمك تاني أنا اللي هسلمك بنفسي، لأني مش دي الأم اللي توحشك، لأنها السبب في اللي وصلت له دلوقتي. لو كانت ربتك صح كان زمانك بني آدم نضيف والناس كلها بتحترمك لكن طلعتك سكري وبتاع نسوان من مولد لتاني وكل يوم من خيمة لخيمة."
ثم رماه وهو ينظر له قائلاً بقرف:
"ويوم ما اتعدل وتقرر تتوب تدخل في التقيل وتتجنّد وتبقى من ضمن جماعة إسلامية لا ومش بس كده وتقولهم إنك مهندس وبتصنع متفجرات وقنابل. ويا ريت نفعت حتى معاهم ده أنت من أول عملية خسعت وبقيت شبه العيل التائه اللي ضيع كراسة الواجب وخايف من الأستاذ بتاعك اللي ماسك لك خرزانة وهربت منه على أخوك يلحق قبل ما الأستاذ يضربك. ده حتى الليلة كلها مجاش فيها اسم حد غيرك أنت يا حجاج رغم إنك ما قتلتش حد. ومين عارف يمكن تكون عملتها قبل كده ومحدش عارف."
هز حجاج رأسه برفض دموعه تنهمر على وجهه قائلاً:
"والله ما عملت حاجة والله ما قتلته والله ما كنت أعرف. حتى إنهم هيعملوا كده. والله ما قتلته والله ما قتلته يا بلال."
قالها حجاج وهو يرجع للخلف برعب حقيقي حتى كاد يتعثر في خطواته.
ولكن أمسكه بلال وظل يربت عليه بين أحضانه، فشكل أخيه والرعب يتملك منه هكذا يقتله ولا يعرف ماذا يفعل لينقذه من تلك الفاعلة.
فقط يحتاج لبضعة أيام حتى ينتهي له من أوراق الهجرة تلك ليهرب من مصر كلها باسم وشخصية مختلفة تماماً.
سكين، دماء متناثرة في كل مكان، صدى صرخاتها يجلجل في المكان، دموع وخوف ورعب.
ثم تفرح وتضحك وهي تمسك بذلك السكين وتقتله للمرة العشرين وكأن مع كل طعنة ترجع لنفسها من جديد.
خرجت منها شهقة عنيفة وهي تكاد تختنق وتمسك رقبتها تحاول أن تتنفس ويدخل الهواء لرئتيها.
فزع من نومه على أثر شهقتها وصراخها تلك وفتح الإضاءة وركض إليها عندما وجدها على وشك الاختناق.
جعلها تنام وظل يضغط على صدرها لعلها تتنفس وقام لها بتنفس اصطناعي لإدخال الهواء لها حتى تنفست.
وبالفعل ولكن بدأت تتنفس ببطء.
غزا العرق جسدها ووجهها الأصفر الذي أصبح هو واللون الأصفر شيئاً واحداً.
شحب وجهها بسبب ذلك الكابوس الذي جعلها تنتفض أكثر وهي تتذكر ذلك الحلم البغيض وهذا الشخص البغيض الذي رأته في حلمها.
هي لم تر وجهه ولكن ذلك الوشم الذي على كتفه من الخلف جعلها تتعرف عليه وصوته الذي لن تنساه أبداً.
صوته الذي يتردد في أذنها منذ يوم الذي ذبحت فيه.
رؤيتها في ذلك الوضع وشحوبها هذا ونظراتها الذي يملأه الذعر جعلته ينتفض وياخذها بين أحضانه ويبث فيها الأمان ويخبرها أنها بين أحضانه وأنها بخير.
"بدر: أهدي، متخافيش انتي في حضني يا ورد. متخافيش يا جلب بدر. متخافيش من حاجة طالما أنا حي وواخدك في حضني. متخافيش، أهدي يا جلب بدر أهدي......"
ظل بدر هكذا لفترة طويلة يحاول تهدئتها وبث القوة فيها وأخبارها أنها هنا بين أحضانه، أنه لن يسمح لأحد بإيذائها.
ظلت على تلك الحالة لفترة لا يعلم عددها بدر حتى غفت بين أحضانه وظل يرتل عليها بعض آيات القرآن الكريم حتى تنام بهدوء وراحة يبعد عنها الشر.
هو حتى لم يحاول أن يسألها بماذا حلمت حتى تشعر بهذا الذعر والخوف الشديد.
تجنب هذا السؤال خوفاً عليها من الدخول في حالة هستيرية لها. وخاف أن يجعلها تتذكر بعد أن هدأت ونامت.
ضمها بين أحضانه بقوة كأنها طفلته التي يخشى عليها من الهواء الطائر، ويحاول بثها القوة ويحميها وكأن ذراعيه اللذان يحوطان ورد يمثلان سور كبير يحاوط بستان به وردة.
نعم وردة واحدة فقط ولكنها وردة نادرة ورائعة لا يوجد لها مثيل.
لهذا يجب عليه حمايتها. وتلك هي قيمة ورد عند بدر، فهي بنسبة له وردة نادرة الوجود.
ووجدت على تلك الأرض لتزرع في بستانه هو فقط. بستان قلبه.
تتحسس على بطنها وتغمض عينيها وتشعر أنها تلمس أبنائها.
ثم غلبتها عيونها وانهمرت دموعها لتلك الذكرى بينها وبين رشاد.
كانت تتمنى أن يكون بجانبها عندما تلد ويمسك أطفاله ويراهم ويفرح بهم.
لقد مات وتركها هي وحدها ومعها طفلان مسؤولان منها هي.
كما كانت تتمنى أن ترى فرحته عندما تبلغه عن خبر حملها.
ولكن ليس كل ما نريده يحصل.
فلاش باك.
ظلت تدور حول نفسها وهي بغرفتها، يكاد القلق والتوتر ينهشان فيها.
في كل لحظة تمر عليها تنظر للساعة الحائط ترى أن مر الوقت أم لا.
فهي قرأت على هذا الاختبار الخاص بالحامل أن يجب عليها بعد اتباع الخطوات التي ترشدها كيف تستخدمه أن تتركه بضع دقائق لتظهر لها النتيجة بشكل صحيح.
مرت عليها تلك الدقائق كأنها سنوات حتى انتهت المدة الزمنية المحددة.
وركضت لداخل المرحاض وامسكت هذا الاختبار ودعت بداخلها ثم نظرت للنتيجة وبعدها...
لحظة، اثنتين، ثلاثة. وبعدها صرخة كبيرة جعلت أمها تركض باتجاه الغرفة خوفاً أن يكون حصل لها شيء.
وجدت ابنتها تقفز من فرط السعادة البادية على وجهها.
"هناء: بتنطي كده ليه يا بت؟ قطعتي خلفي يا بت المجنونة."
قالتها هناء وهي تصرخ في وجه ابنتها التي توقفت عن القفز ونظرت لأمها باستنكار قائلاً:
"لا وأنتِ بعد السنين دي كلها عايز تخلفي تاني؟ أنتِ مش شايفة الشعر الأبيض اللي على دماغك يا ما. وبعدين ما هو أنتِ قطعتي الخلف فعلاً، ولا هو أبويا رجع من الموت تاني؟"
قالتها وبعدها تأوهت من الألم بسبب تلك القرصة التي تلقتها من والدتها على ذراعها.
"هناء: بس يا جليلة الحية، عيب الكلام ده. وبعدين الدهن في العتاقي يا بنت بطني."
"زينة: منين يا ما؟ هو أنتِ اتجوزتي تاني وأنا مخبرش ولا إيه... يا مصيبتي يا لتكوني عملتيها من ورانا."
كادت والدتها تهجم عليها ولكن تراجعت زينة بسرعة قبل أن تمسكها والدتها.
صرخت زينة بفزع قائلاً:
"أما بلاش إني حامل، والله العظيم حامل."
توقفت والدتها ونظرت لها وبعدها استوعبت ما قالته ابنتها ومرة واحدة صرخت في وجهها برعب وأخرجتها من المرحاض ونهرتها قائلاً:
"تاني مرة متحلّفيش في الحمام، دا مكان مش طاهر وما ينفعش يتذكر فيه اسم ربنا."
وبعدها نظرت لها بسرعة تحاول استيعاب الجملة التي قالتها ابنتها كاملة ورددتها في نفسها.
ثم نظرت بصدمة باتجاه ابنتها لا تصدق ما فهمته. هل هي حامل فعلاً؟
"هناء: أنتِ حامل يا زينة؟"
هزت الأخرى رأسها بنعم وهي تتحسس على بطنها بحركة دائرية حانية.
"زينة: أيوه يا ما أنا لسه عاملة الاختبار دلوقتي وعرفت إني حامل. أنا حامل يا ما هبقى أم. هبقى أم وهجيب عيل من رشاد."
قالتها زينة بفرحة كبيرة وهي تحتضن أمها.
فرحت هناء وضحكت ابنتها بسعادة كبيرة وهي تربت عليها وتدعو لها بالخلف الصالح.
ولكن تلك الفرحة لم تدوم عندما أخرجتها والدتها من بين أحضانها ونظرت لها والخوف دب في أوصالها.
"هناء: ورشاد هيوافق إنك تكملي الحمل ده وهو متجوزك في السر؟"
نظر ت لها زينة بعدم فهم.
"زينة: وهو مش هيرضى ليه يا ما؟ رشاد ابن حلال، هيفرح جوي. مين ميتمناش يبقى أب؟"
هزت هناء رأسها بقلة حيلة تخشى على ابنتها أن تتحول فرحتها الكبيرة تلك إلى حزن أكبر بعد ما عرف زوجها حملها هذا.
"هناء: بس مش في حالتك أنتي يا بنتي. أنتِ عارفة جوازك من رشاد ده كان عشان إيه؟ هو عمل كل ده عشان يستر عليكي من الفضيحة اللي كانت هتجرالك. ولولاه كان زمانك مدفونة تحت التراب. متفكريش إنه هيجي يخلف منك."
اختفت ضحكتها واختفت معها فرحتها وهي تستمع لحديث والدتها.
ابتلعت ريقها ونظرت لوالدتها وتحدثت بتلعثم بسبب القلق.
"زينة: لا لا يا ما رشاد بيحبني. أيوه بيحبني وإلا مكانش زماني حامل منه دلوقتي. هو كان متفق معايا إنه هيتجوزني ويعلن الجواز وبعدها بسنة نطلق. بس هو حبني وجوزنا بقى شرعي مش على الورق بس ودلوقتي تشوفي هو لما يوصل وأقوله هيفرح قد إيه. ااا أيوه هيفرح وهتشوفي."
قالت تلك الكلمات لتطمئن والدتها أو بمعنى أصح تطمئن قلبها وتحاول ألا تصدق حديث والدتها وأنه رشاد ليس هذا الرجل الذي من الممكن أن يرفض هذا الحمل ويقتل أبناءه ويطلب منها الإجهاض.
هل فعلاً سوف يفعلها؟
خرجت من شرودها على صوت رشاد وهو يدخل الغرفة وينادي عليها.
تجمدت في أرضها هي وأمها وشعرت بدماء تفر من جسدها بعد أن رأته ودب الرعب في قلبها.
ونظرت والدتها التي هزت لها رأسها بمعنى ألا تخبره بموضوع حملها منه.
نقلت انتظارها من على والدتها لتنظر لرشاد الذي يقف أمامهم لا يفهم سبب الخوف الظاهر عليهم هذا.
رواية مسك الليل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة طارق
يقف على عتبة الغرفة ينظر لهم بريبة. هم عندما سمعوا صوته ارتجفوا كأنهم رأوا حية أو وحشًا مفترسًا. نظر لزوجته التي تحتضن نفسها بيدها كأنها تحتمي من شيء، وأمها التي ابتسمت له أو جاهدت أن تبتسم له كأنها تخفي شيئًا ما عنه. بتلك الابتسامة شغلت نفسها عنه.
اقترب منهم وقطع حديث حماته وهو ينظر لزوجته زينة التي كانت ترتعش مع كل خطوة يخطوها نحوها.
"مالك يا زينة وشك أصفر وبتترعشي أكده ليه؟ أنتي تعبانة ولا فيكي حاجة؟ أچبلك دكتورة؟" تحدث رشاد بشك وهو يقف أمام زينة.
لمحت تلك النظرة الخائفة التي ظهرت في عينيه ونبرته الخائفة عليها. كادت تلين له وترتمي في أحضانه وتخبره أنها تحمل بين أحشائها قطعة منها ومنه، قطعة أتت خصيصًا لتجمع بينهم العمر كله. كادت تخبره، ولكن لحقتها والدتها وابتسمت قائلة بكذب:
"مفيش يابني أصلها تعبانة... ضغطها نزل عشان مفطرتش وعملت شغل البيت من غير أي لقمة تنزل بطنها تسندها. ما أنت عارف إنها بتسهى عن الأكل وبتنسى نفسها."
قالت هناء لتداري على ما فعلت ابنتها الغبية التي كادت أن تتحدث وتخبره أنها حامل. تخشى أن يفعل بابنتها شيئًا ما. هو أخبرها أن زواجهما سوف يكون في السر إلا أن يعلنه هو في الوقت المناسب وبعدها ينفصلان، ولكن لم يكن في الحسبان حمل ابنتها هذا.
"طب ياحماتي، ممكن نتعبك وتجبلنا أنا وزينة حاجة ناكلها وأنا وعد مني أكلهالك وخليها تصلب طولها." قالها رشاد ليخرجها من الغرفة كي يستطيع أن يتحدث مع زوجته التي كادت عيناها تسقط على الأرض من كثرة إطالة النظر أسفل قدمها بدلًا من النظر في وجهه هو. هنا علم أن هناك ما يخفيانه عنه وسوف يعرف.
أبعد نظره عن زوجته ووجد هناء مازالت معهم في الغرفة ولم تتحرك من مكانها.
"إيه يا ست هناء، انتوا معندكوش حاجة تتاكل ولا إيه؟ أروح أجيب أكل من بره يعني؟"
هزت هناء رأسها وأمتثلت لطلبه وخرجت وهي تدعو الله أن تستجيب ابنتها لها ولا تخبره بأي شيء. قبل أن تغلق الباب رآها نظرة لابنتها بتحذير، وبعدها أغلقت الباب وذهبت لتعد لهم طعام الغداء.
في الداخل، استجابت تلك المسكينة لنظرات والدتها وذهبت للفراش وأدعت الإعياء حتى تهرب من أي سؤال يخرج منه، لأنها بالكاد تقرأ كل ما يجول بخاطره من نظرة عينيه لها.
ظل يرمقها بنظرة مطولة، وبعدها خلع حذائه واقترب من الفراش وجلس بجانبها وأمسك يدها وقبلها وابتسم لها بسمة أثرتها دون أي حديث، فما بالكم أن تحدث.
"مخبية عني إيه يا زينة ومش عاوزاني أعرفه؟ احنا مش اتفقنا إننا نكون صرحا مع بعض؟" حاول أن تكون نبرته لينة ليجعلها تخرج كل ما بداخلها.
هزت رأسها تلك المسكينة بنعم وهي توافقه على حديثه.
امسك طرف ذقنها وجعلها تنظر في عينيه قائلاً: "طب ليه جاية دلوقتي تخبي علي يا زينة؟ دا أنا رشاد جوزك يا زينتي." وكأن بتلك الكلمات جعلها تجبر لسانها على قول ما لا تحمد عقباه.
ابتلعت ريقها وحاولت إخراج الكلمات منها وهي تخرج من جيب جلبابها الواسع اختبار الحمل الخاص بها.
"أنا... حامل... يارشاد." قالتها وهي تريه الاختبار وتضعه في يده.
ومع انتهاء كلماتها سمعوا صوت تكسير خارج غرفتهم. لم تكن غير أمها التي أتت لهم بكوبين من العصير، ولكنها وقعت من أثر ما استمعت له من ابنتها.
أغمض عينيه وضغط عليها بيده قائلاً بجملة واحدة: "قومي البسي هدومك وأنا مستنيكي بره." رما لها تلك الكلمات وتركها وخرج من البيت، وجعل تلك المسكينة تنهار في نوبة بكاء وهي تتخيل نفسها في أسوأ المشاهد هي وجنينها.
وجدت نفسها تقف أمام مشفى خارج بلدتهم. نظرت له وكادت تحدث، ولكنه قاطعها قائلاً:
"انزلي." قالها وهو يخرج من سيارته وينتظرها لتنزل هي أيضًا. نظرت له تلك المغلوبة على أمرها ومسحت تلك الدمعات التي هربت لوجنتيها واحتضنت معدتها وكأنها تودع جنينها، قائلة بحسرة فتاة تمنت أن تكون أمًا ولكن القدر لم يكن في صفها. وبعد أن أهداها ما تمنت وحلمت به، استكثر عليها فرحتها. ها هو يأخذ ما تمنت، وليس أي أمنية، لا، فهو جنينها الذي يسكن الآن بين أحشائها.
خرجت ومشت بجانبه حتى وجدت نفسها بداخل غرفة. لم يلفت نظرها أي شيء، هي فقط كانت تبكي وتحتضن ابنها وتنظر للأرض. كم تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها على أن تقتل ابنها بيدها أو تموت معه ويذهبان معًا للعالم الآخر، يذهبان لدار الحق وخالق الحق والرحمة.
انحبست أنفاسها وهربت الدماء منها عندما وجدت طبيبة تدخل من الباب، وبعدها لم تشعر بنفسها إلا وهي تغمض عينيها ويرتطم رأسها بالأرض ولا تشعر بنفسها.
وبعد مدة طويلة كانت تجلس معه بوهن والتعب ظاهر على وجهها. طلبت منه أن يتوقف بسيارته، تريد أن تستنشق الهواء. أوقف سيارته بجانب الطريق وأخذها في أرض زراعية يجلسان فيها ما يسهل عليهم الأمر، هو أنهم خارج قريتهم بمسافة كبيرة.
نظر لها بجمود قائلاً: "محتاجة حاجة أچبهالك؟"
هزت الأخرى رأسها بمعنى لا. عندما وجدته يدير ظهره لها، نظرت لملامحه التي لا يظهر منها أي شيء، فقط جامدة وباردة مثل الثلج.
كانت تنظر لحالها ولنفسها وتلعن غبائها الذي أوصلها لتلك المرحلة، وتلعن ضعفها الذي كان سببًا في إيذائها وإيذاء كل من حاول مد يده لها لمساعدتها.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تنقض عليه وتدفن نفسها بين أحضانها، وتنهال عليه بكل عبارات الاعتذار له وتسب نفسها لغبائها وضعفها. وكل هذا تفعله وهي باكية بين أحضان زوجها رشاد، الذي كان لها خير الأزواج الموجودين على الأرض في عينيها هي.
لم يستطع أن يقاوم ضعفها هذا وبكائها، فقط ضمها بقوة بين أحضانه ووضع رأسه على كتفها. يريد لومها وعتابها، ولكن حالتها وانهيارها بين أحضانه شعره بضعف والصمت. ظل يهدأ ويمسح على شعرها وهو يتنهد بحزن على ظنها به أنه قد يحزن أن يكون بينهم طفل.
مسكينة، لا تعلم أنه طالما تمنى أن يكون له قطعة منه تمشي على الأرض. لا تعلم أن أجمل ما في الأمر أن تلك القطعة الصغيرة سوف تأتي منها هي، وقد تشبهها في وجنتيها الممتلئتين الذي يكسوهما الحمرة الطبيعية وشخصيتها الهادئة. فهو كلما تمنى أن يرزقه الله بزوجة صالحة هادئة، وها هي تسكن بين أحضانه وسوف يأتي عما قريب الرابط القوي الذي يجعله لا يندم أبدًا من جعلها زوجته.
حملها بين يديه وهو يسير إلى سيارته ليعيدها إلى المنزل وهو ينوي على إشهار زواجهم أمام الناس كلها ويضرب تلك المعتقدات ضرب الحائط. فهو فقط يريدها وأمام الناس، ولكن بعد أن يأتي لها بحقها أولًا. لا يعرف هذا العاشق أن هذا الحق هو من سوف يقوده إلى الموت. رغم إحساسه بهذا، ولكن رشاد من الرجال التي لا يفرق معها حياتها أمام رد حق زوجته مهما كلفه الأمر.
حتى امسك يدها وقبلها وأردف بصدق: "زينة أنا بحبك وقلبي اتعلق بيكي، وعاوزك تعرفي حاجة واحدة بس أنك، أنتي في عينيه يا زينة. فأوعي تخافي من حاجة طول ما انتي شايفة نفسك في عينيه." قالها وهو يمسك يدها يقبلها ويقبل رأسها ومسح دموعها وانطلق بسيارته ليعيدها لبيت والدتها.
"ما خلاص بقا ياعم صادق قولتلك جاي، أعمل إيه يعني أطير؟" ثم أكمل بسخرية: "معلش أصلي مش مركب جنحات... بقولك إيه متزعقش أنا على آخري فلم نفسك بدل ما آجي أديك بوكس يخليك تشوف الدنيا مغيمة و بتمطر كمان في عز الصيف." ختم حديثه ثم ابتسم ابتسامة كبيرة ثم حدث صديقه صادق قائلاً: "طب اقفل أنت ياصادق عشان شكلها كده بتمطر فراولة عندي." قالها وهو يضع الهاتف في جيبه وينظر لتلك الواقفة بجانب أمها في السوق يشترون مستلزمات البيت. طبعاً لم تكن تلك الفتاة غير مسك الليل، فتاته التي عشقها لسنوات.
وقف مكانه وهو يشاهدها تقف بجانب أمها زينات وتنقي الخضروات الطازجة، فأراد أن يلفت انتباهها له. رغم قصر المسافة بينهم إلا أنها لم تراه من الأثاث.
ابتسم بمكر عندما وجد مبتغاه ولمعة في عقله فكرة ما.
"عم مصلحي، عم مصلحي." نادى رضوان. هذا الرجل الذي يجلس أمام طاولة صغيرة لبيع العطور والبخور ومستلزماته. رفع الرجل رأسه وابتسم له بود قائلاً:
"تعالى يابني، عاش من شافك أكده تنسى عمك مصلحي."
ذهب له رضوان وامسك المقعد الذي بجانب عم مصلحي وعدل مكانه حتى يجلس في مواجهة تلك الحسناء السمراء كما يلقبها هو.
"على البال والله يا عم مصلحي، ومجابنيش ليك غير الشوق الشوق وبس والله." قالها بصوت مرتفع جداً لدرجة أنه لفت له الأنظار كل من بالسوق معادها هي.
نظر له عم مصلحي باستغراب شديد بسبب علو صوته رغم جلوسه بجانبه: "انت بتعلي صوتك ليه يا والدي، ما أنا قاعد جمبيك أهو."
لم يعيره رضوان أي اهتمام ونظر لمسك التي لم تلتفت ولم تسمعه من الأساس بسبب تركيزها فيما تفعله.
نظر له بغيظ قائلاً: "هي طرشة ولا إيه؟ دا السوق كله سمعني." فأعاد جملته مرة أخرى قائلاً: "مجابنيش ليك يا عم مصلحي غير الشوق الشوق يا عم مصلحي بص بقا يخربيت أبوك."
انتبه له الجميع معادها، لدرجة أن الناس ظنوه مجنونًا أو به شيء ما، وبعضهم ظنه يتعاطى الممنوعات وأفعاله تلك من تأثيرها عليه.
كانت تتأفف من هذا الشخص الذي يتحدث بصوت عالٍ بهذا الشكل، ولكنها لم تعيره اهتمامًا وظنته أحد الشباب العابثين يحدث أحدًا على مسافة كبيرة عنه.
نظر لوالدتها التي تقوم بسرد قفص الطماطم أمامه لتنقية منها الصالح للطعام: "أما أنا هروح أجيب الموز من عم حسن لحد ما تخلصي."
رفضت والدتها وقالت دون أن تنظر لها: "لأ روحي هاتيه من خالتك لوزة غالبًا هي أولى من عمك حسن."
أخذت المال من محفظة أمها وذهبت لشراء الموز من الست لوزة كما أخبرتها والدتها. وكانت لوزة تجلس بجانب عم مصلحي بمسافة قصيرة، بمعنى أن لوزة بينها وبين عم مصحلي بائعين فقط.
تهللت أسارير رضوان عندما وجدها تذهب لتلك السيدة التي بالقرب منه بمسافة قصيرة.
لمحت هي ذلك الجالس الذي ينظر لها ببلادة لدرجة أزعجتها، فأقامت برد النظرة له ولكن بطريقة جعلته يستشعر أنها تسبه بداخلها.
"يالهوي على القرف بوز النحس هنا. الواد ده من ساعة ما عرفته والمصايب نازلة ترف على دماغي أقسم بالله." قالتها وتشعر بضيق لرؤيتها له أمامها.
وقفت أمام بائعة الموز ونظرت للموز الذي أمامها بفرق، فحالته سيئة جدًا، فعلمت أنه السردة الأخيرة منه.
"إيه دا يا خالتي لوزة، الموز ماله دبلان كده ليه؟" ردت عليه لوزة: "ما انتي اللي جاية في الآخر يامسك يابنتي لو كنتي جيتي الصبح كنت هتلاقي شوية موز مفيش زيهم في السوق... بس أنا كنت عاينه شوية لسوق بتاع بكرة هقوم أجبهملك تنقي منهم."
ذهبت السيدة لجلب الموز لها وانتظرتها مسك.
علم رضوان أنها فرصة لتربية تلك المغرورة على نظراتها له بتلك الطريقة الغاضبة كأنه رأت عدوًا لها.
فابتسم بمكر قائلاً وهو ينظر لها: "الا قولي يا عم مصلحي معندكش إزازة مسك أصلي زي اللي قدام عيني دي؟" قالها بابتسامة عابثة وهو يغمز لها بعد أن نظرت باتجاهه بوجه يملأه الصدمة من وقاحته، فهي علمت مقصده.
رد عليه مصلحي بعد فهم: "هي فين دي يابني؟"
"ملكش دعوة... قصدي يعني عندك مسك أصلي، فلو مش عندك أروح أجيبه، فقولت أسألك. حكم العطور دي بذات ليها زبون معين كده يقدر قيمتها كويس، أصل مش كل من حط ريحة يبقى بيفهم فيها."
وافقه مصلحي على جملته الأخيرة: "عندك حق يابني، في ناس بتيجي تختار إزازة الريحة من شكلها وبس، يهمها الشكل الحلو من بره، وناس زيك أكده ميهمش غير المضمون وبس."
كان ينظر له وكأنه يبعث له رسالة ما. سمعت كل ما قاله هو وعم مصلحي وفهمت أنه يقصد علاقته السابقة مع بلال وأن بلال لم يعرف مضمونها، فكانت له مجرد فتاة أعجبته وأحبها وأرادها، ولكن مع أول مشكلة تركها وكان سببًا في سلب عطر الحب الذي اشتمته معه.
رآها شارده، فعلم أن كل كلمة قالها وصلتها وعلم من اكتساء الحزن على معالم وجهها، فأراد أن يخرجها من نوبة التفكير تلك فأردف بمكر:
"مردتش عليا ياعم مصلحي، عندك مسك أصلي ولا أروح أجيب الإزازة اللي قدامي؟ حكم المسك اللي قدامي أصلي الأصلي نفسه."
"لا عيب عليك دا أنا جايني مسك أصلي من السعودية، إنما إيه هيعجبك أوي حاجة كده مستوردة أصل بلادها."
نظر لها وهو يغمز بطرف عينه: "مفيش أحسن من المحلي ياعم مصلحي، البلدي يكسب دائمًا والله."
احمر وجهها وكان أشبه بقطعة الطماطم من كثرة احمرارها بسبب مغزى حديثه لها. إلى هذه الدرجة وصلت به الوقاحة ليغازلها أمام العامة. تريد أن تقطع له لسانه، ولكن تخشى من الناس أن يشعروا أن الحديث لها هي، فقررت الصمت وشغلت نفسها بتنقيتها الموز الذي أمامها.
لاحظ احمرار وجهها وأبتسم بخبث، فهو وصل لمراده وهو إحراجها، رغم أنها لا تنظر اتجاهه، ولكنه يعلم جيدًا أنها تستمع لكل كلمة يقولها وتفهم معناها جيدًا.
"كان عندي حق والله لما قولت إن السماء بتمطر فراولة حمرا." قالها بسبب احمرار وجنتيها.
نظر له هذا الجالس بجانبه الذي فقد عقله من حديثه الغير موزون، حتى ظنه أن عقله مغيب من شرب الممنوع، ولكنه يعرف أن رضوان ليس من هؤلاء الشباب العابثين الذين يشربون الممنوعات، ولكنه أخاف أنه سوف يفقد عقله من ذلك الشاب، فنطق بسخرية ردًا على حديثه الأخير:
"السماء بتمطر فراولة وحمرا كمان، ياااه تصدق كنت مفكر إن الفراولة لونها أصفر كل ده وإن السماء بتمطر ميه. شوف الدنيا يا جدع الجهل وحش برده."
ضحك رضوان ملء فمه على سخرية عم مصلحي له.
"برده مرضتش عليا ياعم مصلحي، عندك مسك أصلي ولا أجيب أنا واحدة من بره؟"
صرخ فيه مصلحي: "يابني ما أنا قولتك عندي واحدة سعودية لسه جايه من بره على هنا طازة لسه بشوكها."
"تؤ... أما أنا ميلزمنيش السعودية، أنا عايزها مصرية وبنت بلد صعيدية ومن عيلة لما تحتاجه تلقيها سدادة، على رأي الست دنيا سمير غانم الله يمسيها بالخير... ها عندك ولا أروح أجيب الإزازة اللي قدامي والله إزازة مسك ياعم مصلحي أصلي على أبوها، لاء دي المنبع المسك نفسه، آه، دي لو الواحد نقعها في شوية ميه بس والله هنكسب من وراها دهب لدرجة إن مصر هتبقى الأولى على العالم في صنع عطر المسك وهتبقى ريحة ثابتة ثبات محصلش."
"وانت بقا اتثبت من الريحة دي؟" قالها مصلحي بمكر عندما لمح عينيه التي لا تزال على مسك.
رد بتوهان قائلاً: "دا أنا أتثبت تثبيتة ما ثبتهاش أمين شرطة لحرامي جزم في الجامع." قال جملته وبعدها رنت ضحكتها بصوت عالٍ لدرجة أنها لفت الأنظار لها، ولكن تمالكت نفسها بسرعة حتى لا يشك أحد بها، أو حاولت أن تقنع نفسها بهذا، ولكنها لم تقدر أن تمسك نفسها على مزحته السخيفة تلك.
صفق الآخر قائلاً: "لأ أنا أروح أجيب الإزازة اللي قدامي أحسن... عم مصلحي اتصل بمأذون البلد قالها." وكاد يذهب لها بعد أن رآها تذهب بخطى سريعة باتجاه والدتها وكأنها تحتمي بها منه. هو ضحك بقوة عليها على سرعتها تلك فعلم أنها تهرب منه.
فنطق بسرعة قائلاً: "مصيرك يا مسك تيجي بين إيديا وأتعطر بيك."
ولكن أمسكه مصلحي قائلاً: "انت اتجننت يابني؟ مأذون إيه؟ عيب اللي بتعمله ده، إحنا في السوق الناس واقفة هتفضح البنية."
تنهد بخيبة أمل قائلاً: "والله مقصد ياعم مصلحي بس بت الجزمة طارت البرج اللي فضلي من نفوخي، ماهو يا إما هتجوزها يقتلها وحسرها على عمرها قبل ما تحسرني أنا وألقيها في الكوشة جنب راجل تاني."
تحدث مصلحي بتعقل: "طب ما تروح تطلبها من أمها، إيه رأيك بقا في الحل ده؟"
"تصدق كانت فايتة عني دي، ما أنا لو ضامن إنها هتوافق عليا كنت طلبتها من زمان، بس القلب وما يريد بقا ياعم مصلحي وهي قلبها مش ملكي."
"اومال ملك مين يابني؟" نطقها مصلحي بحزن على حال هذا الشاب الذي تغيرت ملامحه المشاكسة لأخرى حزينة. هو من الشباب الذي حظه قليل في كل ما يتمناه، حتى أخيه الذي كان كل شيء له مات وتركه وحيدًا، وأيضًا عندما أحس يحب، ولكن حتى عندما دق قلبه لفتاة وأراد حبها وقلبها وجدها قد سلمتهم لغيره. أليس هذا سوء حظ؟
خرج عم مصلحي من دوامة تفكيره على صوت رضوان الضاحك: "لأ يا عم مصلحي انت فهمت إيه؟ أنا أقصد أنها متعرفش إني عاوزها يعني، عشان كده قلبها مش ملكي، وإن رحت أتقدملها مش هتوافق عليا."
علم مصلحي كذبته، ابتسم لتربية هذا الرجل الذي أمامه. نعم، رجل طالما حافظ على سر أو شرف فتاة مثل مسك يبقى رجل. فهو لا يريد أن يسوء سمعتها حتى أمامه، رغم معرفة رضوان له أنه لن يتحدث عنها أو يفتش سره، ولكن أراد أن يجعلها متصانة كما يقولون.
"راجل يابني، طالما بتحافظ على سمعة بنات الناس تبقى راجل من ضهر راجل، بس خلي عندك يقين بربنا إنه عمره ما بيرد دعوة لمؤمن أبدًا، وانت ابن حلال وربنا عمره ما هيخيب ظنك أبدًا، بس انت اصبر وادعي."
حاول رضوان تغيير الأجواء والمزاح كعادته قائلاً: "والله صابر وبدعي ياعم، بس دي مينفعهاش دعوة وسلام، اللي زي دي محتاجة دعوة مني قصاد الكعبة يمكن تحن وتلين وتنسى."
ختم حملته مع ارتفاع ضحكات مصلحي بقوة على مزاحه وعهده، وربت على كتفه قائلاً: "رب الكعبة هو رب كل مكان، بس انت محتاج تكثف الدعاوى شوية يمكن تأثر فيها ولا حاجة."
غمز له رضوان بعينيه بمشاكسة: "ماشي ياعم مصلحي، هكثفه. يلا أطير أنا بقا عشان ورايا مشوار."
"طب وازازة المسك؟" قالها مصلحي بصوت عالٍ.
"لأ الإزازة دي متلزمنيش، أنا قولتك عايزها أصلي... أو يمكن استناها منك هدية في الفرح." قالها وهو يودعه ويذهب لصديقه صادق الذي سوف يدفنه بالحي بعد أن يذيقه من العذاب ألوانًا وأنواعًا بعد تأخره كل هذا عليه.
وقفت بكل كبرياء وهي تضع قدم فوق الأخرى وهي تنظر لمنزل الزوجية الذي سوف تسكن فيه عم قريب. فكان المنزل مساحة كبيرة وبه غرف كثيرة، وأساس المنزل حديث جدًا وديكورات المنزل عصرية جدًا وجذابة تجعلك تظن أنك بأحد القصور الفخمة في القاهرة. ولكن أكثر ما يشغل بالها الآن هو كيف سيكون جناحها الذي سوف تسكن فيه مع زوجها المستقبلي.
قاطع تفكيرها على صوت حماتها المستقبلية نجوان، والدة بلال، التي هي خالتها وحماتها مستقبلاً.
"ها ياروحي السفر كان صعب عليكي ولا كانت رحلة لطيفة؟"
ردت بلطف وصوت ناعم يناسب مع هيئتها: "لأ يانوجا كانت رحلة صعبة أوي، انتي عارفة إني مبحبش السفر في العربيات، بس زي ما بيقولوا لأجل الورد يتسقى العليق."
ضحكت نجوان على حديثها الأخير ناطقة: "لأ متقلقيش من ناحية الورد، فاهو دبلان خالص ومحتاج اللي يرويه بماية الحب عشان يرجع زي الأول."
"متقلقيش على الورد، دا أنا هراعيه أوي وأخليه شبعان ومش هيحتاج أي راعية من أي حد تاني، بس خليكي معايا على الخط بس."
قطع حديثهم دخول بلال المفاجئ الذي جعل تلك الفتاة تقف على قدميها تنظر لهيئة هذا الرجل الذي أسرها منذ طفولتها.
نظرت له وهي تتأمله بعيون ماكرة، فهو طوله مناسب لها كثيرًا وذو جسد قوي وذو بشرة بيضاء اللون وعيون سمراء، تخفي وراءها الكثير والكثير. غير مركزه كطبيب وشهرته الواسعة رغم عمله في الصعيد، ولكنها لم تجعله يجلس هنا طويلاً وسوف تقنعه بالعمل في القاهرة، فهذه فرصة لتوسيع شهرته وكسب المال أكثر.
هذا مكان يدور في عقلها، ولكنها انتبهت على صوت عالٍ بجانبها جعلها تنتفض وتخرج من دوامة أفكارها لزواجها المستقبلي.
فاقت على هذا من خالتها نجوان: "تيا حبيبتي مالك؟ بلال بيسلم عليكي وانتي مش بتردي عليه."
نظرت لهذا الواقف أمامها يبتسم بعملية ويبادلها نظراتها بالمثل.
"إيه يا تيا؟ أنا حلو أوي كده لدرجة إنك تسرحي فيا ومتسمعنيش؟" أردف بمكر، فهو عندما رآها فورًا علم بلعبها هي ووالدته، يظنون أنه سوف يقع في حبها، ولكن مساكين لا يعلمون أنه قد وقع قلبه أسير لفتاة واحدة فقط ولن يكون لغيرها مهما كلفه الأمر.
نظرت له الأخرى وألقت نظرة أولاً على خالتها التي تركتهم لتعد لهم مشروبًا باردًا.
أردفت بدلع وهي تبادله نظراته بخبث: "إذا كان الواحد ما يسرحش فيك انت يا بيلى هيسرح فين؟ معقولة الحلاوة دي كلها تقف قصاد بنت ومتسرحش فيها؟ دي حتى تبقى عامية ومحتاجة تكشف نظر."
ضحك ملء فمه وهو يقترب منها وجعل مسافة قصيرة بينهم قائلاً: "يبقى انتي لازم تكشفي نظر يا روحي عشان انتي مش شايفة كويس."
"تؤ، دا أنا نظري ستة على ستة ولما بشوف، بشوف صح أوي ومبختارش أي حد، والا مكنتش اخترتك، يا بيلى." قالتها وهي تقرب يدها من وجهه، ولكنه علقت يدها في الهواء بعد أن أمسكها بلال وهو يبعدها عنه وينظر لها بتحذير من لمسته مجدداً. ولكنها لم تؤثر فيها وما زالت تبتسم له وتنظر لعينيه، ولكنها انتبهت لحديثه الأزع لها.
"كان عندي حق لما قولتك إنك لازم تكشفي نظر، لأنك المرادي نظرك خانك وخلاكي تشوفي وتحاولي تقربي من حاجة مش ملكك ولا عمرها هتكون ملكك يا تيا." قالها وهو يتركها ويذهب لغرفته، ولكن أوقفته كلماتها المليئة بالغرور مثلها.
"تيا لما بتحط عينيها على حاجة بتبقى بتاعتها بكل سهولة، يعني اللي مش ملكي بخليه ملكي أنا وبس يا بيلو." قالتها وهي ترسل له قبلة في الهواء.
ضحك ملء فمه قائلاً وهو يصعد على السلم: "نجوم السما أقربلك يا قلب بيلو." نطقها بسخرية من حديثها الجريء، فأتى في مخيلته مسك وحديثها معه. فرغم حبها له لم تتجاوز حدودها معه أبداً رغم تلك السنوات التي قضوها سوياً، ظلت تحافظ على نفسها لآخر لحظة. لا، لا يوجد وجه مقارنة بين تيا ومسك.
تيا جريئة جداً وجرأتها تلك تجعله يتقزز منها رغم جمالها، ولكن مسك قلبه ليس لها مثيل أبداً ولن يكون يكفيه براءتها التي تجعله يتمنى أن تكون ملكه فقط ويترك تلك البلدة ويهرب بها لبعيد. ولكن الصبر فقط وسوف يأخذها لبعيد لمكان لا يعرفهم فيه أحد ليعيشا سوياً براحة وسعادة ولن يكون هناك أحد لعوق زواجهم من بعض. فها هو قد اقترب من إنهاء موضوع أخيه وبعدها سيكون شاغله الشاغل هي مسك الليل.
وقف على أعتاب بيتها وأخذ نفسًا عميقًا يحفز نفسه لما سيسمعه منها بعد أن طلبت منه أن يأتي لها لأن عندها ما تريد إخباره شيئًا بخصوص أخيه رشاد. وها هو يجلس أمامها ينتظر لما ستقوله له بخصوص أخيه. نظر لها بعيون خبيرة، فرؤيتها وهي تفرك يديها والتوتر والخوف ظاهرين عليها هكذا يجعل حدثه ينذره بخطورة ما ستقوله له.
حاولت التحدث بنبرة هادئة ويعطيها الأمان لتتحدث معه بحرية تامة: "زينة انتي أكيد مش جايباني هنا إلا عشان حاجة مهمة وأنا حاسس إنها تخص موت رشاد، فلو عندك حاجة مهمة فعلاً قوليها لو يهمك أن حق جوزك وأبو ولادك يرجع. بس قبل دا كله عاوزك تطمنيني ومتخافيش من حاجة، انتي في عينيه يا زينة وعيالك دول ولاد أخويا يعني ولادي."
رفعت رأسها عند نطقه جملته لها: "انتي في عينيه." وهنا انهمرت دموعها على وجنتيها وهي تتذكر تلك الجملة التي كان زوجها يقولها لها دائماً، فهو عندما يريد طمئنتها كان يخبرها أنها في عينيه ولن يتركها أبداً.
أتت تلك الذاكرة على بالها الآن.
"بحبك يا رشاد بحبك وهفضل في خدمتك لأخر العمر بعد ما سترتني، وخدتني وأنا أرض بور ما نفعش لحاجة، وجيت انت وخليت الأرض البور الناشفة دي لأرض زراعية فيها كل الخير والأرض دي جوها جزء منك يا رشاد وشايلة بدل الزرعة اتنين." قالتها وهي تحتضن بطنها وتبكي بفرحة كبيرة. وكان الله عوضها وجعل بعد العسر يسر، وها هي بين أحضان رجل قد تجمعت كل الطيبة والحنان ليصبح زوجها.
هزت رأسها له وكأنه يؤكد له ما جال له بخاطره قائلاً فرحة عارمة: "أيوه يا رشاد أنا حامل في تؤام."
صدم رشاد بما سمعه منها وهو ينظر لها ببلاهة: "طب إزاي واحنا كشفنا في المستشفى والدكتورة قالت إنك حامل في عيل واحد؟"
أجابت زينة قائلاً: "أنا روحت أنا وأمي عند الدكتورة في المستشفى في بلد جنبينا وقالت لي إن ساعات الكيس التاني مبيظهرش في الأول، واديني أهو حامل في توأم وهتبقى أبو العيال وتنسانى."
ضحك رشاد ملء فمه قائلاً وهو يحتضنها: "مقدرش أنساكي يا أم العيال، انتي في عينيه يا زينة." قالها وهي يكاد يشعر أنه يحلق في السماء من فرحته.
زينة... زينة... زينة انتي سامعاني؟ خرجت على تلك النداءات من فم رضوان ليجعلها تستفيق من شرودها هذا.
خرجت تلك المسكينة البائسة من ذكرياتها الجميلة على الحقيقة المرة ونظرت لأخو زوجها الحبيب.
"أنا هقولك على كل حاجة يارضوان بس عاوزك تحلفلي برحمة أخوك إنك هتحميني مش عشاني دا عشان عياله." قالتها وهي تشير على بطنها.
هز رضوان رأسه قائلاً: "أوعدك يازينة أنا قولتك انتي وعيالك في عينيه."
"لأ متقولش كده تاني أنا محبش أسمع الجملة دي غير من رشاد، عاوز رنتها في دماغي تبقى من صوته هو مش من حد تاني."
رواية مسك الليل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة طارق
انزعلت عن العالم وهى تتذكر ما حصل لها. كانت تشبه الورود البيضاء التي تتفتح في فصل الربيع، وينهال عليها الناس لشرائها من كثرة جمالها.
كانت شابة صغيرة تبلغ من العمر تسع عشر عامًا في ريعان شبابها، جميلة هادئة تعشق الحياة. إلا أن انقلبت حياتها صدفه غريبه جمعتها معه في مكان واحد، أو كما كانت تظن هي أنها صدفه. وبعدها علمت أنها صدفه مدبره، لكن علمت بعد فوات الأوان.
تسير بهدوء ناحية جامعتها وتمسك بيدها حقيبة صغيرة وضعتها على كتفها بعد أن مرت بتفتيش، وبعدها دخلت وهي تزين فمها بسمة صغيرة. فهو حلمها يتحقق وتلتحق بالجامعة كما تمنت طول حياتها، ويعطيها الله فرصة لتكمل تعليمها وتلتحق بكلية التجارة.
هرولت بسرعة تريد أن تتفقد الجامعة، تريد مشاهدة كل مكان بها، تريد حفظ كل طرقاتها لتشعر أنها ليست نائمة وأن هذا ليس حلم بل حقيقة. ولكن أثناء مشاهدتها لأركان جامعتها، وجدت نفسها تلقى على الأرض أثر دفعة فتاة لها أثناء سيرها.
رفعت زينة يدها لأعلى تتحسس كوعها الذي أصيب أثر دفعة تلك الفتاة التي تسير بطريقة عشوائية ولا تأبى لأي أحد. وجدت زينة آثار الدماء على كوعها وظلت تلعن وتسب في تلك المجهولة التي أصابتها بهذا الشكل، ولكن خرجت من دوامة سبابها على صوت تلك الفتاة.
"أنا أسفه بجد، ما أخذتش بالي منك. أنتِ كويسة؟" قالتها راوية وهي تمد لها يدها لتساعدها على النهوض.
لم تمسك زينة يدها ونظرت لها شرزاً وهي تكاد تموت وجعاً بسبب إصابتها.
"وأنا أعمل إيه بأسفك ده بعد ما بهدلتيني بالشكل ده؟ حتى بلوزتي اتبهدلت دم. ابقي خلي بالك المرة الجاية يا آنسة وبصي قدامك بدل ما تخبطي في الناس كده. ولو نظرك ضعيف اِلبسي نظارة." قالتها زينة بعصبية وهي تتحسس كوعها وتحاول كتم الدماء منعًا لتلويث ثيابها التي كانت مكونة من بلوزة بيضاء وجيبة من اللون الأسود وتغطي شعرها بطرحة لونها أسود.
تركت راوية تنظر لها بضيق، تعلم أنها مخطئة ولكنها لم تقصد. حتى تهينها بهذا الشكل.
تحركت راوية لتبحث عن كليتها، فهذا يومها الأول في الجامعة، فهي نقلت من جامعتها لتلك الجامعة، فهي في الفرقة الثانية كلية آداب فرنسي.
بينما زينة ظلت تسأل بعض الفتيات عن مكان المرحاض حتى دلتها إحدى الفتيات عن مكانه. دخلت ولكن تجمدت ونظرت بصدمة لما تراه. تفتح فمها حتى كاد فمها يصل للأرض على أثر صدمتها.
فكانت تشاهد بعض الفتيات يقفان أمام المرآة وكلا منهما تحمل حقيبة كبيرة بها جميع أنواع المنتجات الخاصة بالتجميل بكل أشكالها وأنواعها.
وكانت المحادثة مع تلك المجموعة الصغيرة المكونة من ثلاث فتيات يتزين أمام المرآة.
"بت يا فردوس معاكي آيلاينر عشان اللي معايا شكله خلص؟" نطقت بها أمل وهي تضع أحمر شفاه لونه أحمر صارخ من شدة ثقل لونه.
نظرت لها فردوس التي توقفت يدها عن وضع الماسكرا على رموش عينيها قائلة بدهشة:
"إنتي لحقتي يا أمل تخلصيه؟ دا إنتي لسه جايباه الأسبوع اللي فات."
لم تنظر لها وهي تردف:
"آه يا اختي خلص. الحاجات مبقاش فيها بركة خالص."
ردت عليها صديقتهم الثالثة ماهي قائلة بسخرية من أفعال فردوس:
"يا شيخة حرام عليكي دا إنتي بتمسكي الحاجة وتحطي منها بافتري ولا كأنك بتحطي في آخر ذاتك. دا إنتي امبارح رسما الآيلاينر رسمة قد صباعي."
ردت عليها فردوس بازدراء:
"وإنتي إيه اللي فهمك إنتي عن المكياج؟ دا الواحدة إن مكانش الآيلاينر يترسم على عينيها كده ويخليها واسعة زي عين الجاموسة ما يبقاش له لازمة."
"وهي الجاموسة بتحط آيلاينر؟"
لم تخرج تلك الجملة من الثلاث فتيات، بل خرجت من فم زينة التي مازالت تستمع لهم وهي تكاد تجن مما ترى وما تشاهده. فهي الآن تشاهد بعض العرائس الحلوة المزينة بعدد كبير من الألوان غير اللائقة على بعضها، جعلها تظن نفسها في سيرك ما وتشاهد مجموعة من البهلوانات يقومون بعرض، ولكن لم يكن مضحكًا على الإطلاق، بل كان عرضًا يثير الاشمئزاز.
نظرت لها فردوس من أعلى لأسفل تتفحص تلك الدخيلة كما تظنها. وجدتها فتاة جميلة وجهها لم يلمس أي نوع من مستحضرات التجميل، وهذا ما جعلها جميلة جمال هادئ. فوجهها لم يتشوه بتلك المستحضرات إلا في مرات قليلة وفي مناسبات مهمة بالنسبة لها، وكانت تضع القليل فقط.
ردت عليها فردوس بتعالٍ:
"وإنتي إيه اللي فهمك إنتي عن عيون الجاموسة؟ طب دا أنا الواد بتاعي ما يعرفش ينام كده ولا يرتاح له بال غير وهو شايف الآيلاينر وهو مرسوم على عيني. ولو رفضت بقبله بيقلب في صور يشوفهم عشان يتكيف."
نطقت تلك زينة التي تكاد تكون معلوماتها عن الميكاب تتلخص في أحمر الشفاه الخاص بها منذ الابتدائية الذي تضع منه على شفتيها ووجنتيها بأصبعها حتى لا ينتهي ويبقى معها لأطول فترة ممكنة.
"لا، إحنا عندنا في البلد جاموسة بس مبتحطش الآيلاينر ده." نطقتها باستغراب شديد.
نظر الفتيات الثلاثة لبعضهم، وبعدها انفجروا في الضحك على تلك الحمقاء التي أخذت الجملة بجدية، فهم لم يقصدوا المعنى الحرفي للجملة وإنما هذا مجرد تعبير مجازي ليس إلا.
اقتربت منها فردوس بخبث قائلة:
"تعالي يا حلو وأنا أفهمك."
أخذتها فردوس وأوقفتها أمام المرأة وكادت ترسم لها عينيها، ولكن أوقفتها يد ماهي التي نطقت بصدق:
"بلاش يا فردوس، والله شكلها كده أحلى من غير حاجة. ما تبوظيش شكلها."
نظرت لها فردوس بغيظ تحسها على الصمت حتى تستطيع تشويه ذلك الوجه الجميل وجعلها يشبه وجهها الذي تشوه من كثرة مستحضرات التجميل التي تضعه على وجهها بشكل دوري على مدار اليوم.
ففردوس رغم أنها جميلة إلا أن ثقتها المنعدمة بنفسها جعلتها تضع تلك الكمية المريبة ظناً منها أنها هكذا ستصبح الأجمل. كاذب من أخبرها هذا، بل جعلت نفسها تشبه البهلوان الذي يضع تلك الكمية حتى يضحك الناس عليه وعلى شكله، فهي قد أضاعت جمالها الطبيعي بتلك الأدوات الاصطناعية.
كادت تقرب القلم لترسم عين زينة، ولكن هربت زينة من أمامها ودخلت أحد المراحيض الخالية وأغلقت بابها عليها وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة، فنظرات تلك الفتاة لها لم تكن بريئة أبداً.
أخرجت زينة هاتفها لتحدث والدتها قائلة بغباء:
"أما هو إحنا مش بنحط آيلاينر لجاموسة بتاعتنا ليه؟"
خرجت من دوامة ذكرياتها على هزة قوية من والدتها.
"سرحتي في إيه تاني يا زينة؟ إنتي مش خلاص قولتي رضوان على اللي تعرفيه؟"
ردت تلك الضائعة:
"سرحانة في خيبتي يا ما. سرحانة في عقاب ربنا ليا. كنت مفكرة إن خلاص خدت عقابي من حاتم بالعملة فيا، أتريني خدته في رشاد يا ما وراح وعمره ما هيرجع تاني. راح بسببي يا ما راح بسببي. هوري وشي إزاي لعياله لما يجوا على وش الدنيا؟ هقولهم أبوكم مات بسبب أمكم اللي هي أنا. هقولهم مات عشان يجيب حقي من اللي خد شرفي. يا ما أقولهم إيه؟ أقولهم إيه؟" قالتها وهي تضرب نفسها وتبكي، يكاد قلبها يخرج من فرط حزنها على حبيبها رشاد الذي قتل غدرًا من بعض الذئاب البشرية التي تقتل وتنهش بلا رحمة ولا شفقة.
أمسكت والدتها يدها بقوة حتى تستطيع أن تسيطر على تلك النوبة التي تأتيها كلما تتذكر رشاد زوجها.
"استهدي بالله يا بنتي واستغفري ربك. دا عمره ومكتوب له، هيموت إزاي من قبل حتى ما يتولد. دا نصيب."
ظلت هناء تهدئ ابنتها حتى استكانت بين يديها.
نطقت بحنان لتهون على ابنتها التي تخرج شهقات إن سمعها كافر قلبه من حديد لانخلع قلبه من شهقاتها تلك التي تعبر عن مدى الحزن والحالة البائسة التي بها تلك الضائعة التائه في حياتها.
"اهدئي يا ضنايا، اهدئي. اسمعي يا حبيبتي إحنا موجودين في الدنيا دي عقاب من ربنا وأي حاجة بتحصلنا دي بتبقى امتحان كبير ربنا بيختبر صبرنا فيه. موت رشاد مش بسببك، دا مقدر ومكتوب وإحنا مجرد أسباب يا بنتي. أنا مش بقولك كده عشان ما تعاتبيش نفسك، لأ، عاتبيها على الغلط اللي عملتيه بس أوعي تعاتبيها على موت رشاد عشان ده قضاء ربنا. إنتي غلطي وتبتي وربنا غفور رحيم. هيقبل توبتك دي وهيردلك حقك من كل اللي ظلمك وبكرة تشوفي ولادك لما يجوا بسلامة هيعوضوكي عن كل حاجة عفشة حصلتلك. قومي صلي لربك وهو قادر يشفي جرحك. نزلي دموعك دي وإنتي بتصلي وبين إيدين ربنا هو أحن عليكي حتى مني ومن أي حد."
سندتها حتى دخلت واغتسلت لترتمي بين أحضان خالقها تشكوه همها وضعف حالها.
تائه ضائع خائف يخشى كل شيء، يبكي أمام قبر أخيه. يشكيه من الهم الذي يحمله فوق ظهره، يخبره أنه خائف من كل شيء، يخشى أن يتأذى أحد من أهل البلد، يخشى على أبيه وأمه ومن قبلهم زوجته وأبنائه. يخشى ألا يكون كتفيه قويان بما يكفي لحمل تلك الأمانات فوق كتفيه. نعم، هي ليست أمانة واحدة بل أكثر بكثير. أمانة ليست فقط مستقرة على أهله، لا، بل أمانة بعدد أفراد بلدته وسكان مصر كلها. نعم، فكواة الجيش المصري يحملان أمانة كل شخص في مصر كلها حتى يطمئن أهل البلد لا يخشون شيئًا مقابل قلقهم هم وعدم نومهم براحة بال مثلهم هم. كما يلقبون حراس المحروسة، وراضوان أحد هؤلاء الحراس فعل المستحيل ليلقب بحارس المحروسة.
لمس قبر أخيه بيده وهو يتذكر لقاءه مع زينة.
"أنا كنت في كلية تجارة، وقابلت واحد هناك اسمه حاتم ذكي نعمان. كان دكتور عندنا في الجامعة واتعرفنا على بعض وحبينا بعض، أو زي ما كنت فاكرة إن ده حب."
رغم الضيق الذي اعتلى صدر راضوان ولكنه لم يظهر هذا على وجهه، لقد كتمه كي تكمل ولا تخاف منه.
تنهدت بضيق قائلة:
"لما اتعرفنا على بعض قال لي إنه بيحبني. الأول استغربت إنه حبني بسرعة كده وإحنا ما نعرفش بعض غير من أسبوعين. سبته ومشيت مردتش عليه. بعدها مرة في مرة طلب إنه يتجوزني بس لما طلب مني إننا نتجوز في السر لحد ما يكون نفسه ويقدر يجي يتقدملي وطلب إن جوازنا يبقى في السر لحد ما يقدر يقنع أهله ويتجوزني ونسافر لأخوه بره."
هنا حاولت كتم شهقاتها ولكنها لم تستطع وانهمرت دموعها.
"فضل ورايا وضحك عليا باسم الحب وإنه مش قادر يبعد عني وإنه مش حابب يعمل أي حاجة حرام. لما لقيتني رفضت وقطعت علاقتي بيه حتى محاضراته ما بقيت أحضرها، بطل يكلمني. قلت إنه يأس مني ومبقاش يكلمني أو حتى يسأل. بعدها روحت الجامعة السنة اللي بعدها لقيت مكالمة من حد على تليفوني وكان رقم غريب."
أنهت محاضراتها وكانت تشعر بتعب، فكان يوم مرهقاً جداً لها وكان كل ما تريده هو أن ترتمي في حضن وسادتها وتنام بعمق حتى تنتهي من إرهاقها هذا.
وجدت هاتفه يعلم عن اتصال لرقم غير مسجل عندها، لم تعره انتباهها ولكن وجدته يتصل مرة أخرى. تنهدت بتعب وقامت بالرد.
"السلام عليكم."
صمتت عندما وجدته حاتم.
"إزيك يا زينة عاملة إيه؟ أنا كنت بكلمك بس عشان عاوزة أقابلك وأقولك خبر حلو."
نطقت زينة بضيق:
"حاتم أنا مفيش بيني وبينك أي حاجة حلوة أو وحشة. إحنا اللي بينا كان غلطة وانتهت."
رد الآخر بسرعة قبل أن تغلق الهاتف:
"استنى بس يا زينة واسمعيني. أنا كنت حابب أقولك إن ظروفي خلاص اتحسنت وهقدر أتقدملك وأتجوزك قدام الناس كلها بس كل اللي محتاجاه منك نتقابل في أي حتة."
ترددت الأخيرة من مقابلته، فقلبها ينذرها ألا تفعل. وبالفعل رفضت وأغلقت المكالمة معه وأخبرته أنه إن كان يريد مقابلتها فليأتي لبيتها أمام أهله ويبلغها ما يريد.
وأثناء خروجها وجدت من يمسكها ويدخلها سيارة أجرة وينطلق بها قبل أن يمسكه أحد رجال أمن الجامعة، وكان ملثماً حتى لا يعرف أحد، وكانت السيارة بلا أرقام حتى لا يعرفه من صاحبها.
خلع هذا الملثم شاله وكشف عن وجهه وهو يبتسم بخبث قائلاً:
"اللي ميجيش بالحب تجيبه بالعافية."
قالها حاتم وهو ينظر لجسد تلك المسكينة النائمة بسبب ذلك المهدئ الذي وضعه على وجهها حتى يمنعها من الصراخ.
وها هو حاتم نجح في أن يضيع طريق السيارات التي كانت تركض ورائه، يعلم أنها مخاطرة كبيرة ولكنه فعلها كثيراً وليست تلك أول مرة.
صدم راضوان بسبب ما سمعه منها، كيف وصلت حقارة هذا الشاب لتجعله يخطف فتاة وأخذها بالغصب لأنها رفضت أن تكون زوجة له في السر.
ولكن ما شتت انتباهه هو ما دخل أخيه بتلك القصة. فسألها راضوان ليستفسر أكثر.
"طب رشاد دخله إيه في اللي بتقوليه ده، وإيه اللي حصل ليكي؟"
تظافرت الدموع فائلاً بقهر:
"هكملك وتعرف دخل رشاد إيه."
كانت ممددة لا حول لها ولا قوة، بسبب تأثير المخدر الذي اشتمته. ملابسها ممزقة، شعرها مبعثر، تكاد تشبه الأموات بسبب هيئتها وشحوب وجهها الملفت. تململت في نومتها وحاولت فتح عينيها ولكن أغلقتها بسبب آلام رأسها التي تجعل الرؤية مشوشة لديها. قررت الفعل أكثر من مرة حتى استطاعت فتح عيونها وهنا انكمشت ملامحها عندما وجدت نفسها في غرفة غريبة عليها. نعم، هذه ليست غرفتي ولا هذا سريري و... هنا استفاق عقلها ويتذكر ما حصل لها وأن هناك من اختطفها.
وجدت نفسها تلقائياً تنظر لجسدها وهنا انكمشت على نفسها وعندما وجدت أنها فقدت أعز ما تملك علمت أنها فقدت نفسها.
كادت تصرخ ولكن سمعت شجار أحد بالخارج وهذا ما جعلها ترتعد أكثر من السابق.
"إنت أكيد اتجننت يا حاتم، إنت البلوة اللي عملتها دي أنا مش هشيلها معاك. افرض دلوقتي اتعرفت عليك وبلغت عنك، ساعتها هتودينا كلنا في داهية."
نطق حاتم بضجر:
"كنت عاوزني أعمل إيه يعني؟ أنا حاولت معاها أكتر من مرة وهي رفضت. أنا كنت عاوزها، وهي اللي نشفت دماغها يبقا تستاهل بقى. اسمع، أنا جايبك هنا عشان البت دي هي اللي هتجيب لنا المعونة بتاعة الجماعة بعد ما اتمنعت."
نظر له الآخر باستفسار:
"إزاي؟ زينة اللي هترجع المعونة اللي ممنوعة علينا بقالها أكتر من شهر، دا محدش قدر يرجعها أبداً."
غمز له الآخر بخبث قائلاً:
"نخليها من حريم الأمير الجديد، وأهي بت حلو وجميلة وتجذب أي راجل ليها من أول نظرة. وهي اللي هتجيب لنا داع الأمير ويمكن كمان تساعدنا إننا نتخلص منه وساعتها تبقى إنت أو أنا الأمير الجديد."
"أنا لا عايز أبقى أمير ولا غيره، خلينا بس في المهم دلوقتي، إزاي هنقدمها للأمير وإزاي هنقنعها بكده؟"
غمز له حاتم قائلاً بعبث:
"هنقدمها إزاي دي لعبتك إنت، إنت مش دكتور نسا برده؟ هنقنعها إزاي بقى؟ فاسيبها عليا أنا يا دكتور بلال."
ظل يتحدثان تحت أنظار تلك المسكينة التي تستمع لخطتهم القذرة لقتلها مجددًا، وأنها ستصبح كبش فداء لأوغاد مثلهم. كتمت شهقاتها، وضعت يدها على فمها تمنع خروج أي صوت لها حتى لا يعرفوا أنها استيقظت واستمعت لهم.
خرجت من توهانها على صوتهم:
"إنت عملت إيه في الفيديوهات اللي صورتها لك، والورق اللي بعتهولك على التليفون؟"
ابتلع حاتم المياه التي كانت في حلقه وترك زجاجة المياه أمامه قائلاً:
"متقلقش، جمعتهوملك كلهم على فلاشة وخبيتها جوا في الكتب بتاعتي."
ثم تنهد بضيق:
"أنا قرفت يا بلال، بقالنا قد إيه بنصور العمليات اللي بنعملها عشان ننيل ونبعتها للبوليس ونبلغ عن الزفت الأمير معتصم ونخلص منه. معتصم لو اتقبض عليه يا أنا يا إنت هنبقى مكانه وفي الحالتين إحنا الكسبانين، بس أنا مش عارف إنت مستني إيه."
جلس بلال جواره وترك الأوراق التي كانت بيده ونطق بذكاء ثعلب يملأه المكر:
"لو بتكره واحد وعاوز توديه في داهية هتستنى لما يعمل مشكلة وتبلغ عنه ولا تستنى لما تجمعله كذا مصيبة حلوة كده عشان يروح بلا رجعة؟ لو اتقبض عليه تضمن منين إنه ميجبش سيرتك في الموضوع إنت والجماعة بتاعتك؟ أنا ممكن أجاريك في الكلام وأعمل اللي إنت عاوزه وأبعت الفلاشة، بس لو معتصم اتقبض عليه من أول قلم هيجركوا وراه زي الفراخ الديكة، وأنا كده بره اللعبة مش عليا حاجة ولا حد يعرف بيا."
هنا احتدت عين حاتم قائلاً بضجر:
"بس إنت معانا يا بلال وهتجر معانا يا بلال."
هنا علت ضحكات بلال قائلاً بسخرية:
"وأنا مين بقى اللي هيعترف عليا؟ وأنا محدش بيشوفني ولا يعرفني غيرك، حتى لما بعالجكم ببقى متخفي. متقلقش عليا أنا واخد كل الاحتياطات اللي تحميني منكم ولو حد فكر بس إنه يجيب اسمي هنهيه هو وعائلته كلها. إلا لو إنت غدرت بيا وجبت سيرتي ساعتها هطلع منها زي الشعرة من العجين وأسيبك إنت تلبس لوحدك يا حلاوة."
رغم غضب حاتم من أن حديث بلال صحيح ويعلم أنه ثعلب ولا يستطيع أحد أن يوقعه بسهولة، ومن يفكر في أن يغدر ببلال سوف يقع في جحيم غضبه الشديد الذي يجعلك تتمنى الموت أفضل من بأي طريقة أفضل من أن تموت على يده.
أخرج بلال من حقيبته حقنة ويسحب بها سائل من زجاجة صغيرة وهو يبتسم من جانب شفتيه.
"إحنا هندهالها دلوقتي."
نطق بلال دون أن ينظر له قائلاً:
"لأ، إنت اللي هتديهالها أنا مش لازم أظهر عشان هي عارفة شكلي كويس."
ثم نظر في ساعته:
"فاضل عشر دقايق ومفعول المخدر ينتهي، فلازم تخدها قبل ما تصحى وتعملنا قلق."
رد حاتم عليه بمكر:
"طب ما تخليها زي ما هي يمكن تحمل واهو تولد ونبيع العيل للناس اللي بتتعامل معاهم، الدنيا مزنقة مع أخوك اليومين دول على الآخر."
أخذ بلال حقيبته ورد عليه وهو يتجه للخارج:
"العيون اليومين دول متفتحة على الدكاترة، وأنا مش هغامر بسمعتي عشان خاطر واحد مفلس زيك."
خرج من الشقة وترك حاتم ينظر له بضيق، ولكنه رغم غضبه من هذا الرجل سليط اللسان إلا أنه لن يستطيع أن يتفوه بكلمة مع هذا البلل.
أخذ الحقنة واتجه للغرفة ليحقنها لها حتى لا تستطيع أن تحمل منه.
رواية مسك الليل الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة طارق
تسللت بهدوء تام، وفي كل خطوة تخطيها تنظر حولها لتتأكد أن لا أحد يراها. تكاد أنفاسها تخرج بصعوبة من شدة خوفها، ظلت هكذا حتى وصلت لتلك الغرفة التي يعيش فيها ابنها الوحيد، الذي رماه أخيه فيها بحجة أنه يحافظ عليه. لكنها لا تصدق ما يقوله، فهي تعلم نواياه الخبيثة جيدًا، فبلال يشبه أباه في كل شيء، حتى في خبثه ومكره وعشقه المريض للمال، حتى لو على حساب أقرب شخص له.
ترقرقت الدموع بعينيها عندما وجدته ينام وهو ينكمش على نفسه بتلك الطريقة. وجهه الشاحب وهزلان جسده الذي كان يملأه العضلات، والآن في هذه الأشهر أصبحت تلك العضلات مجرد ترهلات من كثرة الخوف والرعب الذي تملك من ابنها وقلة الطعام.
اقتربت منه وسقطت على ركبتيها وأخذته بين أحضانها، وظلت تبكي على حال صغيرها وتدعو على من تسبب له في تلك الحالة المزرية.
بعد أن اطمأنت على حاله، وأخذها بين أحضانه وأفرغ كل ما بداخله بين أحضانها، وظل يدعو أن يعود لأحضان أمه من جديد بدون خوف أو رعب.
ربطت على كتفيه وهي تبتسم له قائلة: "كله هيرجع يا ولدي، بس الصبر".
هز رأسه لها وهو ينظر أمامه يعيد حساباته من جديد قائلاً:
"فعلاً ياما الصبر، وأنا والله صابر وربنا يستر".
ثم استدار لها قائلاً بشك:
"عملتي اللي قولتيلي عليه ولا معرفتيش؟"
أخرجت من جلبابها كيساً أسود به أوراق مطوية وأعطتها له:
"هما دول اللي لقيتهم في المكان اللي قولتيلي عليه، بس أنا حاولت أعرف دول بتوع إيه، بس أنت عارف إني مبعرفش أجري. وكمان لقيت بتاعة سودا صغيرة كده، بس مخبرش بتاعة إيه، بس قولت أجبهالك يمكن يكون ليها لازمة ولا حاجة".
بحث داخل الكيس حتى وجد ذلك الشيء الأسود الذي تتحدث عنه والدته:
"ابتسم باتساع وأردف بخبث قائلاً: كده تمام أوي ياما، أنا من بكرة هبعتلك كل اللي اتفقنا عليه، بس خلي بالك وأنتي بتستلمي الحاجات دي محدش يشوفك. أنا عاوزها عملية نضيفة ياما، أبوس إيدك مش عاوز أي غلط، الغلطة الواحدة هتبقى بعمر ابنك".
دق قلبها من شدة الخوف، ولكن رغم كل هذا الخوف الذي ينهش في قلبها خوفًا على ابنها، إلا أنها ستحاول حتى تبعده عن كل شيء قد يؤذيه، حتى لو على حساب نفسها.
ربطت على كتفيه قائلة:
"متخافش يا والدي، ربنا هينصرنا إن شاء الله".
تنهد الآخر بخوف شديد، يشعر أن هناك شيء خاطئ سوف يحدث معه، ولكنه لن يتنازل عن حلمه أن يهرب من بلدته بأي طريقة كانت.
"ادعيلي ياما"، قالها بقلب قرع من شدة الخوف.
بكت تلك المسكينة قائلة:
"بدعيلك يا ضنايا، ربنا يسلمك من كل شر ويبعد عنك كل حاجة تأذيك، حتى لو كانت نظرة. روح ربنا ينورلك طريقك، بس أنت سلم أمرك وتوكل عليه".
هز الآخر رأسه وهو يرمي حموله على ربه ليرحمه من كل هذا العذاب الذي ينهش فيه. وبعدها أخرج أمه بصعوبة وتأكد بعدها أنها أغلقت الباب عليه كما كان. فمن حسن حظه أن أمه تحمل معها نسخ لمفاتيح أي حجرة في البيت كله دون علم أي أحد غيره.
عاد كما كان وأخرج الهاتف الذي جلبته أمه له بعد أن اتصل بها من هاتف بلال الذي قد نسيه عنده في السابق وأخبره بمكانه وأن تجلب له هاتفًا صغيرًا دون أن يشعر أحد.
***
"ناوي على إيه؟" خرجت تلك الجملة من صادق، الذي يطالع بعينيه الثاقبة كل تحركات راضوان التي لا تنذر بأي خير بعد الآن.
رد عليه راضوان وعيونه مليئة بجحيم سوف يذيقه لكل من تجرأ على فتاة ومس شرفها ولو بكلمة فقط. هو يكاد يموت عندما يضع أخته الوحيدة مكان تلك الفتيات أمثال ورد وزينة. فهو حميته كرجل لن تسمح أبدًا أن يتعرض أهل بيته لتلك المواقف التي أقل ما يقال عليها قذرة. أقسم على أن يؤذي أي شخص وسوس له شيطانه لمضايقة فتاة، سوف يقطع له لسانه ويعلقه على رقبته ليجعله عبرة لمن يعتبر.
"ناوي على كل شر يا صادق، وحق لا إله إلا الله، هرجع حق كل بنت في البلد ضاع شرفها على إيد شوية (...) زي دول، حتى لو كانت على حساب حياتي كلها، حتى لو هضطر أجي على حساب مهنتي". قالها وهو يقوم من جلسته على الأرض وينفض يديه. وعيناه يملأها الغل والغيرة الشديدة على عرض بنات بلدته.
أمسكه صادق من تلابيب ملابسه وجعله يستدير له:
"انت تقصد إيه بأنك هتجيب حقهم حتى لو على حساب مهنتك، أوعى يكون هتعمل اللي في بالي؟"
نزع راضوان يده صديقه قائلاً وهو ينظر في عينيه:
"هو اللي في بالك يا صاحبي، ولو فيها موتي".
"لأ مش هيبقى فيها موتك يا راضوان، دي هيبقى فيها سجنك يا سيادة الرائد"، قالها صادق بسخرية.
رد عليه راضوان وهو يسير ويبتعد عنه:
"كله يهون قصاد إني أطفي النار اللي حرقت كل أب وأم على بنتهم يا صاحبي. الموضوع بنسبالي دلوقتي بقى أهم من رشاد، لأني اتأكدت إن أخويا مات راجل زي ما عاش طول عمره راجل".
صرخ به الآخر حتى يتوقف:
"أنا مش هسمحلك بكده، ده على جثتي يا راضوان، انت كده بتضيع مستقبلك يا غبي".
ولكن لم يجد أي رد منه وظل يبتعد حتى اختفى من أمام نظره.
جز صادق على أسنانه حتى كادت تتهشم ببعضها، ومسح وأرجع شعره بغضب شديد وهو يسبه، فهو عندما يكون بهذا العند سوف يدمر كل شيء، وهو يشعره بقرب النهاية أكثر. يخيفه هو هدوء راضوان المثير برعب. نعم، فراضوان عندما يتكلم بهذا الهدوء أعلم بأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، ولن تكون أي عاصفة عادية، بل عاصفة سوف تكون مبنية على الكره والغل والغيرة الشديدة، عاصفة سوف تمحي كل شيء قذر على وجه تلك الأرض لتنظفها. ولكن كما لكل حرب ضحايا، أيضًا لكل عاصفة ضحايا، ولن يكون هو أحد تلك الضحايا هذه، حتى لو كانت على حساب صديقه.
***
تجلس على سور هذا القصر وتتابع بعيونها لتلك الأرض من حولها، فبعد مدة سوف يصبح كل هذا ملكه. فهي ليست بالفتاة الغبية التي تتنازل على كل هذه الثروة وترفسها بقدميها، بل سوف تحتضنها بين يديها لتشبع رغبتها المريضة في التملك. كعريسها العنيد صاحب القلب الحجر واللين في نفس الوقت، فهو يصبح حجر على أي أحد إلا على ثلاثة: أمه، وأخيه، و... تلك المسك التي عشقها بطريقة طالما تمنت هي أن تحصل على ربعها فقط منه.
تنهدت بضيق وهي تحاول تشجيع نفسها بأنها لم تخسر في أي تحدي مع أحد، فلن تأتي مثل تلك الفتاة وتجعلها هي تخسر. وتحدثت مع نفسها قائلة:
"إيه يا تيا، من امتى بنخسر ولا حد بيهز شعرة فينا. البنت وهتعرفي إزاي تبعديها عنه، واللي مبيفهمش براحة بنفهمه بالعافية. وبلال راجل وهتقدري تملي دماغه، بس لازم نشتغل على نفسك أكتر من كده".
قالت آخر جملة وهي تنظر لجسدها الممشوق وتداعب خصلاتها الحرير وترمش بعيونها الساحرة. ناطقة بثقة:
"مع إني زي القمر من غير أي حاجة، بس كل يهون عشان نرضيه ونميل قلبه". قالتها بصوت يكاد يكون مسموع.
"ده لو لاحظ أصلًا إن فيكي حاجة متغيرة"، قالتها صفية والدة حجاج وهي تنظر لها بسخرية متعمدة لإثارة غيرتها، فهي تكره تلك الفتاة التي تشبه نجوان في طمعها وحبها للمال.
استدارت تيا لمصدر الصوت، وبالفعل كما توقعت صفية، نعم من غيرها يخرج السموم من فمه غيرها. ابتسمت لها تيا بمكر وتلاعبت بالحديث لترد لها حديثها المزعج:
"إيه ده يا صفية، انتي لسه عايشة؟ ده أنا قولت إن ربنا رحمنا وخدك لعنده لما جيت ومشفتش وشك، بس الظاهر إن مليكيش مكان عند ربنا. طب ما تشوفي في المتحف المصري كده، يمكن ليكي مكان جنب المومياوات الخدم اللي بيكونوا مطحونين جنب الملوك اللي زيي كده".
ضحكت صفية ملء فمها وهي تنظر لتلك الساذجة التي ظنت أنها سوف تغلبها في الحديث، لا تعرف أن التلاعب بالحديث هي هوايتها المفضلة في الحياة.
"لأ يا عنيا، أنا يوم ما أروح المتحف المصري هروح، وأتفرج عليكي وأنتي حتة جثة مرمية في جلب علبة إزاز (زجاج) ومحنطينك عشان مفيش تربة رضيت بجثتك العفشة دي". قالتها وهي تستدير لتعود لغرفتها، ولكنها توقفت وأدارت نفسها لها لتزيد من إشعال النار التي اشتعلت في تيا بعد حديث صفية عنها.
نطقت صفية لإثارة غيظها أكثر قائلة:
"آه بالحق، قبل ما أنسى، كنت جايه أنصحك نصيحة صغيرة كده. عمره الحب مكان بالجمال والحلاوة، الحب ده بينبع من القلب الحبيب ويوصل لقلب المحبوب، زي الرابط كده. واللي بيقيس الحب بشكل الجسم والوش، ده يبقى مريض وعاوز يتعالج يا أما، بيبقى نواياه خبيثة ناحية اللي عجباه. وأنتي نواياكي مش بس هي اللي خبيثة، ده قلبك كمان خبيث، ميعرفش غير حب حاجة واحدة بس، وهي المال. عشان كده عمرك ما هتعرفي توصلي مع بلال لأي سكة، وكل ما تحاولي تجمعيه معاكي في سكة واحدة هتلاقيه قافلهالك ضبة ومفتاح. واحتمال كبير يرمي المفتاح في البحر لسمك يبلعه عشان متلجيهوش تاني. مسك قدرت تكسب كيان بلال كله مش بجمالها ولا شكل جسمها، هي كسبت عشق بلال ببساطتها في حياتها وصدقها مع نفسها ومع حياتها ومع بلال، عشان كده نصيحة بلاش تضيعي وقت على الفاضي وتدمرى حيات بنت ملهاش أي ذنب إن الراجل اللي بتحبيه حبها وهو اللي لفى وراها لحد ما تعلق بيها".
نظرت لها تيا بغيظ يكاد الحقد يخرج من عينيها وهي تستمع لقصة حب بلال مع تلك الفتاة:
"وهي فيها إيه مش عندي عشان يحبها هي أكتر مني، ومع إنه عارفني قبل منها؟ ليه هي وأنا لأ؟ إيه اللي عندها مش عندي؟"
"لو على اللي عندك وعندها، فأحب أقولك إنك عندك اللي هي عمرها ما تفكر إن يكون عنديها أصلًا، ده لو بتتكلمي عن الحاجات اللي بتجيبها وبتشتريها الفلوس اللي طيرت عقولكم. بس لو هتكلمي عن الحاجات اللي منعرفش نشتريها بفلوس الدنيا دي كلها، فأحب أقول إن مسك بنت بسيطة آه، بس عندها كرامتها وشرفها وقلبها اللي خلى واحد زي بلال بجبروته يقع في حبها لدرجة إنه ممكن يبيع نفسه لأجل ابتسامة أصغر منها بس، ممكن يقتل نفسه عشان ترضى عليه. يعني دي واحدة لا فارق معاها فلوس ولا ملك ولا حتى شهرة أو سلطة، دي واحدة عاوزة الستر والكلمة الطيبة من الرجل اللي هيبقى جوزها، غير كده، ميلزمهاش حاجة، مش زي ناس عندها استعداد تقلل من قيمتها وقيمة أهلها، عشان خاطر الجنيه".
صمتت صفية ونظرت لتلك الواقفة أمامها، ثم بصقت في وجهها وهي تنظر لها باشمئزاز ثم تركتها ورحلت.
اتسعت عين تيا من تلك الفاعلة التي قامت بها صفية وتقليلها منها بتلك الطريقة المهنية، ولكن ما صدمها أكثر أنها لم تستطع أن ترد عليها. هل غلبتها تلك المرة وأخذت الجولة الأولى منها لصالحها؟ ولكن لأول مرة تشعر أنها عاجزة عن الرد على أحد.
استدارت بجسدها عندما سمعت صوت بلال وهو يخرج لشرفته ويسند بكلتا يديه على السور. ظلت تتابعه وتنظر له وتفكر في القادم معه كيف سيكون.
أما عند بلال، فظل يتابع السماء، ويتخيل أن النجوم ترسم له وجهها أمامه. ظل يتطلع لذلك الوجه الذي رسمته النجوم له بشوق كبير، اشتاقها كثيرًا. نعم، لقد أوقعته تلك الفتاة البسيطة في شباك حبها، وليس هناك مفر من تلك الشباك أبدًا، حتى لو كان هناك مخرجًا له، لن يستخدمه مهما حصل، لأنه أصبح يهوى شباكها كما يهواها هي.
أخرج هاتفه وبحث به حتى وجد صورة لها قد صورها له منذ بضع أشهر. ظل يتطلع لضحكتها ووجهها البسيط والبرئ. نعم، هي بسيطة في حياتها وجمالها، ليست أجمل الفتيات ويوجد من هم أجمل بكثير، ولكن رغم جمالها العادي هذا استطاعت دون مجهود منها أن تجعل قلبه يهوى بين قدميها. جعلت بلال الذي يعرف بقوته وشدته ورأسه المعروف للأعلى أمام الناس، يقع تحت قدميها عبدًا عاشقًا يقول لها: "أأمري تطاعي مولاتي".
أخرج شريحة من جيب بنطاله وأدخلها في هاتفه وكتب رقمها وقام بالاتصال بها، فهي وضعته على قائمة المحظورين حتى لا يستطيع أن يحدثها أبدًا. لم يجد ردًا، فقام بفتح تطبيق الواتساب، وكتب لها:
"لقد اشتاق قلبي لكِ، كشوق الأب لابنته بعد سنين بعاد، واشتياق الأم لابنها بعد عذاب الحمل، واشتقت كاشتياق العبد الفقير لبيت الله وزيارته للكعبة الشريفة، واشتياق الحبيب لمعذبته القاسية التي تركته وحيدًا في الصحراء الحارقة دون ظلها الحامي وبرودة نسيمها التي تشع منها عطر المسك. ألن يلين قلبك لقريني أم وجدت البديل عني؟ لا تبتعدي عني بعد أن جعلتي الصلب يلين بين يديك وجعلتي قلبي المالح عذبًا بعد نبضه لكِ".
*بلال*
كانت تلك رسالة بلال لمسك الليل، حبيبته الوحيدة والأبدية كما يقول دائمًا.
***
هناك ما يزعجها أثناء نومها. صوت صراخها وهو يدوي في كل مكان. دماء متناثرة على يدها. أصوات صراخ أطفال ونساء، حتى الرجال يصرخون. وتقف هي بعيدة عنهم تنظر لهم بصدمة، تشعر أن لسانها مقطوع في تلك اللحظة وهي ترى انعكاسها أمامها يصرخ بقوة. الدماء تملأ ثيابها بسبب هذا الجسد الذي بين أحضانها. وكانت بقهر كبير وتهز رأسها بقوة كأنها ترفض الواقع وترفض ما تراه.
كادت تقترب ولكن وجدت من يعيق حركتها بسبب حبل لف حول رقبتها حتى يتخلص منها. حاولت مسك أن تنجد نفسها وحاولت أن تنادي لانعكاسها، ولكن لم يسمع لها أحد وكأنها شبح لا يراه أو يسمعه أحد. ولكن ما صدمها هو أن من يخنقها هو. لم تصدق ما تراه، ولكن وجدت أنفاسها تتلاشى بقوة.
هنا شهقت بقوة وجسدها كله يرتعش وتتحسس على رقبتها بهستيرية وكأنها تحاول أن تنبه جسدها وعقلها أنها بخير. أمسكت كوب الماء وشربت منه القليل حتى تهدأ، ولكن لم تهدأ وصورة الدماء عليها لم تفارق مخيلتها. ولكن من الذي بين يدها أو من هي؟ نعم هي، فهذا الجسد الذي كان يقبع بين أحضانها في حلمها كانت ترتدي ملابس سيدات، يعني أن من كان بداخل أحضانها سيدة أو فتاة. وطريقتها في البكاء بتلك الطريقة جعلت جسدها ينتفض، تخشى أن يكون هناك شيء يؤذي أمها وأختها. ولكنها استعاذت بالله من الشيطان وحاولت أن تطمئن نفسها أن هذا مجرد حلم سيء حتى تهدأ من خوفها هذا.
ولكن فاقت على هاتفها ينبئها بوجود رسالة لها على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي.
اقتربت مسك من فراشها وأمسكت الهاتف بتثاقل، ولكن تجمدت ملامحها عندما وجدت رسالة بلال أمامها ومن رقم مختلف وجديد.
ترقرقت الدموع في عينيها وكتمت شهقة كانت تخونها وتخرج من فمها، ولكنها كتمتها بيدها.
أغمضت عيونها وتنهدت في نفسها بوجع شديد يملأ قلبها.
"ليه عملت فينا أكده من الأول يابلال؟ بعد ما خدعتني جاي تقول إن وحشتك؟ ياريتها سهلة زي الأول وأنا كنت رجعتلك، بس دي تاني مرة تدوس على قلبي فيها يابلال، والمرادي بالذات مش هرجعلك حتى لو هعيش على ذكراك أنا وقلبي العمر كله. مع السلامة يا قلب مسك".
قالت آخر جملة وهي تمسك الهاتف وتقوم بحظر رقمه من جديد، ولم تكتفِ بهذا فقط، بل أغلقت هاتفها حتى تمنع أي شيء يأتي منه مجددًا. تخشى أن تعود إليه من جديد وتتهاون من جديد وتدعس كرامتها تحت قدميها من أجله، ولكن لن تفعل هكذا بعد الآن، حتى لو يذوب قلبها به عشقًا، فسوف تجعل من كرامتها وشرفها تاجًا على رأسها لبقية حياتها، فليس هناك أحد يستحق أن تتنازل عن كرامتها مهما كان عزيزًا.
***
صد أذان الفجر في جميع أنحاء البلدة.
الله أكبر الله أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمد رسول الله.
استيقظت على صوته وقاومت دفء فراشه لتستجيب لنداء ربها وتقيم فرضها.
بعد أن أدت صلاتها وختمت صلاتها، قررت الجلوس عند النافذة لقراءة وردها اليومي.
عندما بدأ بتلاوة آيات الله، لمحت بعينيها هذا التائه يسير كالمغيب. لمحت ذبلان وجهه وبنيته التي أصبحت ضعيفة جدًا، وتلك الهالة السمراء حول عينيه. حزن قلبها ودمعت عينها على حال هذا الشاب الذي كان من خيرة شباب البلدة وكان أقواها وأذكاها، وكان من أكثر الشباب أدبًا واحترامًا لكبير قبل الصغير. أهذا هو راضوان الشاب الذي تتحدث عنه البلد كلها عن جماله وأخلاقه في مساعدة الناس؟
نادته لتحدث معه، فهي عندما بدأت تعرف عليه شعرت كأنه ابنها الذي لم ترزق به بسبب حديثه الجميل معها، وخصوصًا كلمة "أمي" التي يقولها لها تهز قلبها كأم. كم تمنت أن يعطيها الله ولدًا مثله.
"راضوان يا ابني، أنا خالتك زينات تعالي".
تابعته بعينيها حتى أتى لها وسلم عليها. حزنت لرؤيته بتلك الحالة الواهنة.
ابتسم له راضوان بتعب:
"كيفك يا أمي، عاملة إيه؟"
طرب قلبها لسماع كلمته قائلة:
"بخير يا ضنايا، انت أخبارك إيه، عامل إيه في الدنيا؟"
تنهد بحزن:
"تايه والله يا أمي، بس بإذن الله كل حاجة هترجع زي الأول. متخافيش على بناتك، أنا قولتك فداهم رقبتي. ومتخافيش محدش عرف حاجة عن ورد، أنا عرفت أخفي الخبر عن الناس كلها. اطمن يا أمي، أنا وعدتك بحمايتهم لآخر نفس فيا".
بكت زينات وربطت على كتفيه:
"روح ربنا يبارك فيك يا ولدي ويسلم اللي ربوك وخلوك راجل جد الدنيا، يارب يطمن قلبك زي ما بتطمن قلوبنا".
مسحت دمعاتها:
"يبختها اللي هتبقى من نصيبك يا ولدي، والله أمها هتبقى داعيلها ساعة فجرية بنت المحظوظة دي، والله كفاية إنها هتتنعم في حنيتك، ده كفاية قلبك اللي زي البفتة".
ضحك راضوان ملء فمه حتى امتلأت بطنه من طريقة حديثها قائلاً:
"مش لدرجة دي يا أمي والله، ده أنا كده أتغر وآخد في نفسي مقلب كبير جدًا، أنا والله شاب عادي زي أي حد".
ضربته على كتفيه بضيق مصطنع:
"اسكت يا واد، أنت مش عارف قيمتك. بص لنفسك يا واد يا خايب... هو انت عندك كام سنة يا ابني؟"
نطق بمراوغة وهو يسند يده على النافذة بجانبها ويغمز لها:
"تديني كام يا عروسة؟"
"أديك 27 سنة كده.... إيه عروسة يا قليل الحيا؟"
ضحك راضوان:
"يعني عاملة توصفيني وتعكسيني ويسلم جمالك وحلاوتك وتربيتك، ويابختها اللي هتجوزها، وشوية تقوليلي عندي كام سنة، وشوية تقوليلي يا أمي. وعمالة تغزلي فيا... لأ على فكرة أنا مهري غالي ومش هتقدري عليه".
ابتسمت زينات له بحنان وربطت على كتفيه قائلة:
"والله يا ابني، لو العروسة هي اللي بتدفع للعريس لكنت دفعتلك كل اللي أقدر عليه، بس مش عشاني، عشان مسك بنتي. لأنك أنت الراجل الوحيد اللي ممكن أطمن على مسك معاه. أنا عارفة إنك ممكن تستغرب كلامي وممكن تقول عليا ببيع بنتي ليك أو بعرضها عليك، بس ربنا يعلم إني قد إيه نفسي أطمن عليها قبل ما ربنا يستلم أمانته. ربنا يرزقها بواحد ابن حلال زيك، يا بيك أنت عشان عارفة اللي في قلبك ليها، كفاية عندي لمعة عينيك دي لما جت سيرتها".
ربط راضوان على يدها قائلاً بابتسامة باهتة:
"ربنا يديكِ طول العمر وتفرحي بيها، إنما فكرة أنها تكون ليا أو لغيري دي بتاعة ربنا. أنا عن نفسي نفسي مسك تبقى في بيتي النهارده قبل بكرة. بس عمري ما هعمل كده وأنا عارف إن قلبها مش معايا أو يكون عندي حتى شك إنها مش هتحبني. أنا آه بحبها، بس لا يمكن آخدها غصب عنها. أنا بخاف حتى أكلمها ألاقي ردها وحش فأبعد عنها".
ظل يتحدث ويعترف بما في قلبه واندماج في حديثه دون أن يشعر بتلك الواقفة خلفهم وتستمع كل ما يقولونه. وتسمع بأذنها اعتراف راضوان بحبه لها منذ كان صغيرًا. حزنت لأجله مسك، فهي تشعر ما يقوله، وتعلم أن ألم الحب ثقيل جدًا، ولكن مهما حصل لن يشعر بما تشعر هي به الآن.
تنهدت بضيق قائلة في نفسها:
"ابتعد أنت الآخر، يكفيني ما أنا عليه. لا أريد حمل ذنبك، فقلبي لن يتحمل تجربة أخرى ممكن أن تكون فاشلة".
رواية مسك الليل الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة طارق
دخل عليه وجده يجلس ويضع قدم فوق الأخرى وينظر له ويبتسم وهو يخرج دخان سيجارته من فمه وأنفه وينظر له نظرة تشمل بلال من رأسه لأخمص قدميه.
ورحب به بسعادة كبيرة، لأول مرة يرى بلال من أخيه حجاج ترحيب مثل هذا.
"أهلاً يا أخوي يا ابن أبوي، وحشني يا غالي، فين مش باين بقالك يومين."
رفع بلال حاجبه ونطق بسخرية:
"ودا اسمه إيه أن شاء الله، من امتى وأنت بترحب بيا بحرارة كده، مالك يا ابن صفية؟"
أخرج حجاج السيجارة من فمه وبعدها أخرج الدخان من فمه وأنفه، وهو بعدها ضحك بقوة ونطق بألم داخلي:
"بتحبني يا بلال؟"
كان هذا السؤال الذي طرحه حجاج على أخيه.
رغم استغراب بلال من سؤال أخيه، ولكنه رد بحنان أب قبل أن يكون أخ كبير:
"ولا عمري حبيت حد زي ما بحبك، ولله يا حجاج معزتك في قلبي كبيرة أوي لدرجة أن لو ليا ولد مش هحبه وأخاف عليه زيك."
احتضنه حجاج وانهمرت دموع عينيه على كتف أخيه، شعر بذنب كبير تجاه أخيه.
ضمه أكثر وهو يلقي عليه كل كلمات الاعتذار والشكر الذي يعرفها.
كلما شعر بذنب يضمه أكثر حتى كادت تتهشم ضلوع بلال بين يد أخيه.
"مالك يا حجاج... فيه إيه؟"
وقبل أن يكمل بلال سؤاله لأخيه، سمع رنين هاتفه، فحرر نفسه بصعوبة من بين أحضان أخيه ورد على المكالمة.
رأى حجاج نظرات أخيه التي انقلبت بشكل مخيف، حتى عيونه أصبحت لون الدماء، مما جعله يبتلع ريقه ويتراجع للخلف برعب.
وكل ما نطق به بلال في حالته المرعبة تلك هو:
"هما فين دلوقتي؟"
وبعد أن سمع الرد انطلق للخارج بسرعة رهيبة وهو ينوي قتل أي أحد يأتي على طريقه.
وها هي أتت بقدمها له رغم أهميتها له سابقاً.
***
أتت لمقابلتها، رغم معرفتها أن تلك المقابلة بنسبة كبيرة لن تمر على خير، ولكنها أقنعت نفسها أن لتلك المقابلة ستنهي كل شيء لترتاح، أو كما ظنت أنها ستريح نفسها.
خرجت من شرودها على صوت تلك الضيفة الثقيلة على قلبها.
نطقت تيا بتعجب ساخر:
"إيه ده، مسك الليل جت تقابلني بنفسها، لا أنا كده ممكن أشك إنك بتحبيني وليا دلال عليكي."
ضحكت مسك بسخرية قائلة:
"لا دلال ولا اعتدال، أنا جيت هنا عشان عاوزة أعرف إيه اللي عاوزاه مني وطلبتي تشوفيني ضروري بسببه يا تيا."
نطقت تيا بتعجب:
"هو أنتي ليه بتكرهيني يا مسك؟"
"أظن أنتي مش جايباني هنا عشان تسأليني أنا ليه بكرهك. بس أحب أريحك، أنا لا بحبك ولا بكرهك، أنتي كلك على بعضك كده متفرقيش معايا. يا ريت يا تيا تدخلي في الموضوع على طول وجولي عاوزة مني إيه."
"ليه انتي يا مسك؟" نطقتها تيا بألم، ولكنها تمالكت نفسها.
"ليه إيه بقا؟"
اقتربت منها تيا ونظرت في عينيها ببعض الحقد:
"ليه انتي دوناً عن البنات كلها تقع في حبك؟ عملتي إيه ليه عشان يعشقك بشكل ده؟ مع إنك عادية جداً زي أي حد وبلال اتعامل مع الأجمل منك بس محدش قدر يلفت انتباهه ولو بنسبة بسيطة. حتى أنا بنت خالته اللي كنت أقرب واحدة ليه مقدرتش ألفت نظره ليا كحبيبة... وحتى انتي بكل سهولة أخدتيه مني."
نطقت بحقد دفين بسبب شعورها بالنقص أمامها رغم أنها تفوقها جمالاً.
"إزاي عملتي كده؟ إزاي خليتيه يحبك بشكل ده؟ عملتي له إيه؟"
"عمل." نطقتها مسك بكل سهولة.
"إيه؟ بتقولي إيه انتي؟"
رفعت مسك إحدى حاجبيها وردت:
"إيه... انتي دلوقتي بتسأليني بلال حبني إزاي وجوبتك أهو، عملت له عمل."
ثم أكملت بسخرية:
"روحت لشيخة فطيما المغربية وعملت له عمل إنه يعشقني وميشوفش غيري."
هنا شعرت تيا بسخريتها منها:
"انتي بتريقي عليا؟ انتي بتسخري من كلامي؟"
"اسمعي يا تيا من غير رغي كتير، أنتي عارفة كويس إن إجابة سؤالك ده مش عندي. إجابة السؤال ده عند بلال. بلال هو اللي حفر ورايا عشان بس أبص له بصة واحدة."
هنا صرخت تيا بها قائلة بغيظ:
"ليه اشمعنا انتي؟ فيكي إيه مش عندي؟ أنا حتى عندي كل حاجة. عندك إيه انتي عشان يبصلك؟ على الأقل أنا تيا هانم بنت الحسب والنسب والجاه، انتي مين وعندك إيه عشان يبصلك ويسبني؟"
"قلب." نطقتها مسك بكل بساطة.
"مش بيقولوها كده بالمصري... عندي قلب بيحب بصدق، عندي قلب ميعرفش غير الصدق وحب الشخص مش حب ماله وواجهته ولا منصبه. عندي قلب حفر جواه اسم بلال بصدق، عشان كده بلال مش بس حبني لا ده بقى هيمان بيا عشان لمس إني صادقة في كل كلمة بقولهاله. لمس فيا صدق مشاعري ليه. عشان كده سلم لي قلبه على طبق من دهب. عرفتي ليه بقا؟ أظن أنا كده جاوبت على كل سؤالك وعلى الأسئلة اللي لسه مجولتهاش."
بكت تيا بقهر قائلة:
"أنا بحب بلال يا مسك، وأنتي السبب في إنه ميحبنيش مع إني كنت مستعدة أحط كل ما أملك تحت رجليه وأكون زي ما يحب بس هو مكانش شايف غيرك انتي بس. عيون بلال مش بتشوف غير مسك الليل وبس ولسانه مش بينطق غير اسم مسك كل لحظة بتعدي لازم يكون فيها، مسك. مسك. مسك. مسك. مسك. لحد ما كرهتك وكرهت اسمك لدرجة إني كنت بتمنى موتك على إيدي."
قالت تيا آخر جملة وشعور الغيرة والحقد يتملكان منها بشكل مخيف.
ولكن لم يؤثر في واقفتها، لم تشعر بالخوف بل بالشفقة عليها وعلى حالها الذي لا يسر لا عدو ولا حبيب.
"بصي يا تيا خديها نصيحة مني، أوعي تتنازلي عن أي شيء ممكن يقلل منك أو من شخصيتك عشان حد. وأوعي تحبي حد زيادة عن اللزوم، عشان متوجعيش قلبك على الفاضي وتذلي نفسك مع واحد مش شايفك."
قطعت تيا حديثها وهي تصرخ في وجهها:
"مش شايفني بسببك انتي!"
ضحكت مسك بسخرية:
"انتي بتضحكي على مين يا تيا؟ أنتي كنتي عارفة كويس إن بلال عمره ما هيبصلك بصة تانية غير إنك أخته وبنت خالته وصاحبته المقربة. غير كده انتي متأكدة إنه عمره ما هيشوفك حبيبة أبداً. بس انتي لما شفتي حب بلال ليا مع إني أقل منك جمالاً ومال زي ما بتقولي، فهنا نار الغيرة بدأت تحرق فيكي وحسيتي إنك انجرحتي في أنوثتك عشان سابك وراح لغيرك. بس أحب أقولك إن انتي اللي جليتي (قلتي) من نفسك بنفسك. الحب عمره ما قل من حد، دا إحنا اللي بنقل منه لما بنستخدمه في الديرة، زي ما عملت مع بلال كده وبدأت أكلمه وأقابله من غير أي حاجة تربطني بيه. عرفتي بقا إن البني آدم هو اللي بيقلل من نفسه مش الحب اللي بيقلل منه. بصي الحب بيتبني، الأساس بتاعه القبول بين الطرفين. لقيتي القبول منه وأثبتلك ده قدام الدنيا بحالها يبقى ياحظك. إنما لو من طرف واحد فدا ميقلش منك أبداً، لأ دا يخليكي متغلطيش تاني وتعلقي نفسك بحبال ديبا من الأول مع حد مش شايفك من الأول. فهمتي بقا؟"
"طب ما انتي بتحبي بلال في السر ولقيتي منه حب كبير ليكي."
هنا نطقت مسك بحزن:
"في الآخر فوقت على قلم كسرني وكسر أمي، وفتفت قلبي مية حتة، بس أنا راضية لأني عارفة إن كل اللي حصلي ده عقاب من ربنا ليا، وأنا راضية بعقابه ومش عاوزة غير الغفران. كفاية إنه لحد دلوقتي ساترني."
مسحت تيا دموعها ونظرت لدموع مسك ونطقت بعدم فهم:
"يعني إيه كلامك ده؟ أنا مش فاهمة حاجة."
"يعني إني وبلال طريقين استحالة يتجابله في سكة واحدة ولا يجتمعوا مع بعض. أنا خلاص نهيت أي حاجة تربطني ببلال وخلاص بقا بنسبيلي ماضي وكان، وبدأت أتعايش من غيره."
"ودا من إمتى؟" قالت تيا بصدمة.
"من مدة." ثم نظرت لها وابتسمت بهدوء قائلة:
"مبروك عليكي بلال. ولو كنتي شايفة إن أنا اللي مانعة بلال إنه يشوفك، فخلاص أحب أقولك إن مسك نهت بلال من حياتها."
"بس هو منهاش علاقته بيكي، هو لسه بيحبك."
"خلاص صدقيني أنا مش هقدر بعد اللي حصل أشوف بلال حبيب ليا أو زوج."
قالت تيا باستغراب:
"هو إيه اللي حصل؟"
ردت مسك بهدوء لتنهي النقاش:
"مفيش حاجة حصلت، وأنا اللي عندي قولته، بلال انتهى من حياتي. بس نصيحة مني بلاش تقللي من نفسك تاني عشانه، عشان محدش بيحس بالوجع إلا صاحبه. والله انتي من جواكي معدنك طيب، رغم كل الوحش اللي بتظهريه من بره بس أنا حاسة إن فيكي حتى كويسة، فعشان كده الحقيقي نفسك قبل ما تضيعي نفسك مع واحد مش شايفك أصلاً، وعمره ما هيديكي الحب اللي انتي عاوزاه. بلاش يا تيا، بلاش بلال، اشتري نفسك بدل ما تبيعيها برخيص."
قالتها مسك وتركت تيا تنظر لأثرها وهي تفكر في كل حرف قالته. هل ستشتري نفسها أم تعود لذلك الأعمى وتحاول من جديد وتستغل عدم رجوع مسك له؟ كل تلك الأفكار وأكثر تدور داخل عقل تيا الآن ولا تستطيع أن تأخذ قرار حتى الآن.
***
طرق الباب بقوة حتى فتح وظهرت من ورائه، فهو يعلم من رجاله أنها بمفردها في البيت، فاستغل تلك الفرصة لينفرد بها ويخبرها بما لديه.
"إيه اللي جابك عندينا يا ابن نجوان؟ عاوز منينا إيه تاني يا بلال؟"
دفع بلال الباب بقوة حتى جعلها تتراجع للخلق، كادت تقع ولكن تمالكت نفسها على آخر لحظة وأغلق الباب من خلفه.
صرخت به زينات لفعلته تلك:
"عاوز إيه يا وش البومة؟ بعد عنا بقا كفاية وجع قلب بتي اللي كنت سبب فيه من الأول، بكفيانا شرك."
كان ينظر لها ببرود رغم النيران التي تشتعل في داخله تجعله يريد قتلها بين يديه ليريح نفسه ويشعر بأنشوة أنه وأخيراً تخلص منها لياخذ مسك قلبه ويتزوجها دون أي مشاكل تأتي منه ل تنهي زواجهم.
صرخت له زينات مرة أخرى قائلة بغضب:
"اطلع بره، وإياك أشوفك جدام بابنا بس، هولع فيك."
قطع حديثها قائلاً:
"إيه اللي بين رضوان ومسك يا زينات؟" قالها بهدوء رغم غضبه.
ذنبته زينات وصرخت في وجهه:
"اخرس، قطّع لسانك! أنا بنتي أشرف من الشرف وملهاش أي علاقة بأي جنس مخلوق، ورضوان ده أنضف من إن اسمه ينطقه واحد زيك على لسانه الزفر."
هنا صرخ في وجهها ولم يعد يتحمل، لقد انتهت كل ذرة هدوء لديه:
"قسماً بالله لو عرفت إنك بتكلمي مع الزفت ده تاني في موضوع جواز مسك لكون قتلتك وحرقت جثتك وأرمي رمادك في الترعة ولا أخلي حتتك ترتاح في تربة. لو بس عرفت إنك بتكلمي معاه أصلاً أو جبتي سيرة مسك وياه هقتلك يا زينات، هقتلك."
ردت الأخيرة بتبجح دون أن تخاف منه قائلة بقوة أم:
"وأنا لو هيبقا آخر يوم في عمري مش هخلي مسك ليك، يا إما لرضوان يا بلاش. كفاية إنه بيحبها بجد."
صرخ بها بلال وأمسكها من ذراعها بقوة دون أن يعبئ لسنها أبداً:
"طب ما أنا كمان بحبها وانتي عارفة دا كويس، فإيه هو وأنا لأ؟ فيه إيه زيادة عني عشان تتمنيه ليها وترفضيني... انطقي."
هنا ابتسمت باستهزاء قائلة:
"فيه، إنه راجل تربية راجل مش تربية مرة زي نجوان."
وكأنها بتلك الكلمات أشعلت فتيل غضبه حتى جعلته يمسكها من رقبتها بكلتا يدها ويضغط عليها ليقتلها ويخنقها بقوة حتى ازرق وجهها وشفتها وأصبحت على حافة الموت.
وهنا أطلق بلال صرخة قوية جداً بسبب ألم قوي أصاب يده مما جعلها تنزل من على رقبة زينات.
ونظر حوله وجدها مسك وتمسك بيدها سيخ حديد ضربته به على يده.
وقبل أن يستوعب أي شيء تلقى واحدة أخرى على قدمه جعلته يصرخ أكثر ويقع على الأرض من أثر تلك الضربة القوية التي تلقاها.
هرولت مسك لأمها حتى تطمئن عليها، وجدتها تحاول أن تستعيد أنفاسها من جديد، فحمدت ربها أنها أتت في الوقت المناسب.
هرولت تركتها لتأخذ أنفاسها وذهبت لذلك الخائن كما لقبته، وبصقت في وجهه.
صرخت في وجهه:
"ليه؟ ليه تعمل فيها كده؟ عاوز تقتلها عشان إيه كل ده؟ عاوز تخلص على أمي يا رخيص."
بادلها الصراخ وهو يحمل يديه على جسدها كأنه شل:
"أمك اللي زعلانة عشانها دي، بتبيعك لرضوان ابن جابر النمر وعاوزة تجوزك ليه؟ عشان تبعدك عني."
"وعشان عاوزة تجوزني غيرك تقوم تموتها؟"
"وموت أي حد يحاول يبعدني عنك ويملكك غيري. أنتي ملك بلال المنسي وبس، ملك بلال، ملكي أنا فاهمة ولا أفهمك."
دفعته مسك بقوة أوقعته بسهولة بسبب قدمه التي أصابتها بضربة قوية.
ونزلت لمستواه قائلة:
"دا بعينك يا بلال إنك تلمس شعراية واحدة مني بعد اللي شفته منك ده. اطلع بره ومشوفش وشك تاني وإلا والله لأكون مخلصة عليك بإيدي دي، وأرميك لكلاب السكك تنهش في عضمك."
تمالك بلال آلامه وأمسكها من شعرها بقوة وجعل وجهها مقابل وجهه ونظر لعينيها بتوعد قائلاً:
"وأنا لو هقتلك بإيديا دي هي يبقى أهون بكتير إن غيري يملكك يا مسك. مش بعد الحب اللي حابيتهولك تكوني لغيري. انتي ملكي أنا وهتفضلي ملكي أنا سامعة؟ لو مش هتبقي ليا في الدنيا، يبقى التربة أولى بيكي لأنها هي الحاجة الوحيدة اللي هتبقى أولى بيكي مني أنا."
قالها وهو يلقيها على الأرض كما فعلت به.
ولكن توقف عن السير للخارج على صوت صراخها قائلة:
"يبقى الموت أهون عليا من إني أكون ليك."
ضحك بسخرية قائلاً:
"والله لأخليكي تيجي تطلبي الجواز مني، ويمكن كمان أخليكي تنزلي قدامي ومعاكي الخاتم وتطلبي الجواز مني. إيه رأيك بقا؟ فكرة مش كده؟ ولا أقولك؟ ما يصحش برضه، هركع أنا ليكي وأقدم لك الخاتم يا ستي يلا عشان مبقاش حرمتك من حاجة."
"دا بعينك يا بلال يا منسي."
"هتشوفي يا قلب بلال المنسي. والله ما هتكوني لغيري إلا على موتي."
قالها وهو يخرج من البيت بأكمله وهو ينوي على فعل أي شيء حتى تخضع له تلك الحبيبة التي عشقها قلبه وبسبب غبائه وإهماله أضاعها من بين يديه.
وكأن الحل الذي سيجلبها له ركعاً أتى إليه دون عناء أي مجهود.
ابتسم بمكر وهو ينظر لذلك الاسم الذي ينير شاشة هاتفه ويغمز قائلاً:
"كده يبقى كل حاجة مترتبة إلا حاجة واحدة، لو اتنفذت صح يبقى مبروك عليا مسك، وكل حاجة. وبعدها أقدر أقول لنفسي، مبروك يا عريس."
***
حل الليل أخيراً بعد تعب هذا النهار الذي مر على البعض بسلام والبعض الآخر مر عليه كنقطة سوداء التي لن ينسوها بحياتهم أبداً، ستظل ذكرى لعينة لديهم.
رغم ألم جسدها قامت من فرشتها تشعر أنها مازلت لا تستطيع التنفس كالسابق.
ولولا مسك ابنتها أخذتها على المشفى فور ذهاب بلال، كانت قد ماتت.
شعرت وهي بين يدي ابنتها أنها لو توفاها الله، كيف ستعيش مسك بدونها؟ من سيحميها ويبقا معها؟ هي الآن تمثل لها الحامي، ولكن بعد أن تموت من سيحميها ويبقا لها الحصن المنيع الذي يحميها من غدر البشر الذين يعشقون مص دماء الفتيات الضعفاء أمثال ابنتها.
انهمرت دموع زينات.
انقبض قلبها، شعورها أن الموت قريب منها وفي أي وقت تقبض روحها لخالقها وتترك مسك وحدها.
فاقت من شرودها هذا بعد أن عقدت العزم على حماية ابنتها بطريقتها، حتى لو كان هذا سيكون ضد رغبة ابنتها، ولكنها أم، ويقتلها هذا الشعور البشع الذي يجعلها تتخيل أن ابنتها تقع بين يدي ذئب مثل بلال.
أتكأت على نفسها حتى وصلت لغرفة ابنتها التي انتفضت من نومتها بفزع عندما وجدت والدتها تتحرك بصعوبة اتجاهها.
ساندتها مسك حتى أجلستها على الفراش وعدلت وضعيتها ببعض الوسادات حتى تكون جلستها مريحة.
عاتبتها مسك وهي تنطق بحزن:
"ليه تعبتي نفسك بس يا ماما؟ كنتي ناديتي عليا وأنا كنت أجيب لك لحد عندك و..."
قاطعتها زينات وهي تخرج أنفاسها بصعوبة:
"أنا كويسة يا بنتي بس كنت محتاجة منك طلب مهم أكده."
قالتها زينات وهي تطالع وجه ابنتها وتحاول التماسك أمامها حتى لا تضعف وتنهمر دموعها وهي تقول:
"عاوزة أطمن عليكي يا مسك، قبل ما أقابل وجه كريم... ومهما يحصل اسمعي كلامي للآخر، دا لو عايزة تريحي قلبي عليكي."
شعرت مسك بالخوف وانتفض جسدها:
"قصدك إيه يا ماما؟ وبعدين، الأعمار بيد الله. أحب على يدك متقوليش كده. إن شاء الله أنا وانتي لأ يا ماما."
وانهارت مسك واحتضنت أمها وظلت تبكي بوجع تخشى فقدان أمها، فهي متعلقة بأمها بشكل كبير. رغم خلافاتهم الدائمة معاً إلا أنها تحبها وستظل هي الحامية لها في تلك الحياة بعد الله سبحانه وتعالى.
ظلت تضم ابنتها بقوة كأنها تخبرها بطريقة غير مباشرة: دعيني أشبع منك قبل أن أغادر.
بكت مسك أكثر بسبب ضم والدتها لها بتلك الطريقة جعلتها تشعر أن والدتها قد ترحل فعلاً وتتركها وحيدة.
انقبض فؤادها وارتجفت أوصالها لذلك الشعور السيء الذي شعرت به لتو.
أدق باب بيتهم في تلك الساعة المتأخرة.
أخرجت زينات ابنتها من بين أحضانها بصعوبة لتجعلها ترى من الطارق، ولكنها أبت أن تتركها.
ولكن فعلتها بسبب إصرار والدتها.
تحركت كالمغيبة لدرجة أنها كانت تصطدم في أي شيء يقابلها لا ترى بسبب بكائها.
وجدت بدر يقف على أعتاب بيتهم ومعه سيدة غريبة لأول مرة تراها.
انقبض فؤادها لفكرة أن تلك المرأة لها علاقة بالعمل الذي يكون مع الأموات، ك مغسل وتكفين الميت.
أسترحل أمها فعلاً؟
كادت تقع ولكن لحقها رضوان الذي أتى من خلف بدر كأنه توقع انهيارها بسبب ارتجافة جسدها بشكل غير طبيعي بالمرة.
وهذا كله سبب الخوف، الخوف من الحرمان والفقد.
حملها بين يديه ينظر لها بشفقة وهي فاقدة الوعي.
وضعها على تلك الأريكة الخشبية وطلب من بدر كوب ماء وطلب منه أن ينصرف، ولكنه لم يتحرك إلا بعد أن نظر له رضوان بعينيه نظرة جعلته ينصرف كأنه أخبره ألا يخاف عليها.
وضع يده في الماء ونثر على وجهها قطرات المياه.
حزن لشحوبها هذا، فهذه ليست مسك تلك الفتاة اليافعة الجميلة، ذات ضحكة يرن صداها كل مكان تذهب إليه.
الآن أصبحت تشبه العجائز وكأن الحزن حولها من فتاة في الحادي والعشرين من عمرها إلى فتاة من يرى شكلها يقول صغيرة ولكن في السبعين.
ولكن مهما أصبح عمرها ومهما ذهب جمالها تستظل عطره الجميل الذي يفوح في أيامه القادمة معها.
ظل ينثر عليها القطرات دون أن يلمس وجهها ولكنه يجلس وينظر لها حتى اهتزت جفونها، فعلك أنها ستفيق الآن.
فاقت تلك الفتاة ونظرت لهذا الجالس أمامها، لا ترى شكله بوضوح، ولكن بعد أن فاقت بشكل كامل وضحت لها الرؤية وجدته هو ومن غيره يفعل هذا، رضوان هذا العاشق الذي اعترف بحبه لها أمام والدتها دون أي خوف أو خشية، فقط قال ما في قلبه كأنه شيء ثمين يعتز به ولا يريد إنكاره أبداً ولا إخفائه.
ولكن قطع وصل النظرات هذه بدر وهو يدعوهم للدخول لأن زينات تريدهم الآن.
نظرت زينات لتلك ابنتها التي تجهل حتى الآن لما توجد تلك السيدة الغريبة ولم رضوان أيضاً هنا وبدر.
أخذت زينات أنفاسها بصعوبة لتجيب ابنتها على سؤاله الذي قرأته في عينيها.
أمسكت زينات كف يد ابنتها وضغطت عليها بقوة قائلة:
"دي يا مسك الست مروة مأذونة من البلد اللي جنبينا واللي هتكتب كتابك على رضوان... وقبل ما تقولي أي حاجة دي وصيتي ليكي يا بنتي."
الصمت ثم الصمت لا يوجد غيره، وكيف تتحدث بعد أن ألجم لسانها الآن بسبب تلك القنبلة التي ألقتها والدتها في وجهها.
أتريد تزويجها لرضوان وماذا قالت وصية؟
لم يأتي منها أي شيء غير أنها ارتمت في أحضان والدتها تبكي وتحتضنها بشدة.
"خليكي معايا يا ماما وأنا والله هعمل كل اللي أنتي عاوزاه بس خليكي متمشيش، خليكي يا ماما."
قالتها بقلب يحترق لفكرة بعدها، فما بالكم أن أصبحت تلك الفكرة حقيقة وواقع تتعايش معه وهو الوجود دون أمك.
رواية مسك الليل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة طارق
دخلت غرفته دون إذن واقتربت منه ونادت له حتى ينتبه لوجودها.
وياليتها لم تفعل ودخلت غرفته دون إذن منه، هنا أشعلت فتيل غضبه.
وقد صب عليها غضبه كله، وأمسكها من مرفقها وقام بإلقائها خارج الغرفة بكل إهانة.
وبصق في وجهها، وهي على الأرض تنظر له بصدمة.
لم تتوقع أن يقوم بفعل هذا معها.
"احترم كرامتك شوية بقا، ولا هو اللي زيك معندوش."
"لو رجلك خطت الأوضة دي تاني، هقطعهالك، واخليكي تدوقي طعم العجز."
"بلال انت اتجننت، إزاي تعمل كده؟"
صرخت بها نجوان وهي تهرول ناحية تيا تحاول أن توقفها، ولكنها لم تستجب لرفعتها.
بل تنظر له في صمت ودموعها تنهمر على وجنتيها.
ويدور في رأسها جملة واحدة: "تلك نهايتك يا تيا أن يتم التقليل منك. ومن بلال الرجل الذي دهست كبريائك وكرامتك من أجله."
ألقت خالتها بعيداً عنها، وقفت على رجليها وقامت بضربه بكل قوتها على جنتيه.
كانت صفعتها قوية لدرجة أن صداها رن في أرجاء البيت.
وضع بلال يده على جانب ثغره، ابتسم وهو يمسح الدماء التي نفذت بجانب فمه.
وبعدها قام بإمساك شعرها وجرها على الأرض تحت صرخاتها، وهي وأمه التي تحاول أن تبعده عنها.
ولكن لم يستمع لأي أحد، وقام هذا الشيطان برميها على درجات السلم بكل جبروت، بدون حتى ذرة شفقة.
ألقت كالخرقة التي لا قيمة لها.
وبعدها تركها تلاقي مصيرها بعد تلك الرمية العنيفة التي رمى بها لابنة خالته.
صرخت نجوان بانهيار وكادت تهرول لها، ولكن تمسك بها بلال ومنعها من اللحاق بتيا.
وقرب وجهه من خاصتها.
"عشان تحرمي تاني مرة إنك تختاري ليا حاجة أو تدخلي في حياتي."
"ولو في مرة فكرتي إنك تلغي حاجة في حياتي، هلغيكي انتي كأم ليا، ونهايتك هتبقى زي بنت أختك كده، ميتة."
قال آخر جملة وهو يشاور لها على تلك المسكينة التي تتسطح على آخر درجة السلم، قاتعة للأنفاس ورأسها ينزف.
ارتعبت نجوان من نظرات ابنها، فلأول مرة ترى كل هذا الغضب والغل الذي اجتمع في عيونه.
هل سيقوم بقتلها فعلاً؟ هل تجرأ لتلك الدرجة عليها؟
ارتجفت أوصالها وتراجعت للخلف، كادت تسقط هي أيضاً خلف تيا.
ولكن أمسكها من مرفقها وقام بإلقائها على الأرض أمامه قائلاً بشر:
"لسه لحظة موتك مأذنتش يا نجوان، استني الأول لما تتحصري عليا وبعد كده موتي."
وبعدها تركها وركض خارج البيت.
مر من جانب تلك الملقاة أمامه، سائحة في دمها دون أن يهتم، كأنها دجاجة أو حيوان ميت وليس من بني آدم.
وكان كل هذا تحت عيون صفية والدة حجاج، التي صورت كل هذا بهاتفها.
"أماااااااا"
تلك الصرخة خرجت من مسك التي تحتضن جسد أمها زينات وتهزه بكل قوتها حتى لا تتركها.
"لا يا ماما، احنا متفقناش على كده، قومي أبوس رجلك، أنا من غيرك مسواش."
"والله لعمل كل اللي انتي عايزاه بس ماتفرجينيش، متموتيش."
"اصحي يا زينات، هانت عليكي يا مسك، هانت عليكي تسبيني لوحدي، هانت عليكي ضناكي."
"رحتي وسبتيني لمين يا ماما؟"
"لا يا زينات، احنا متفقين نفضل سوا، يا زينات قومي، يا أمي قومي."
"لأ لأ، لو الدنيا كلها سبتني انتي متبعديش يا زينات."
"هانت عليكي مسك وورد تفوتيهم لحالهم؟"
"يا قهرت قلبي وحزني عليكي يا ماما، يا كسرتي من بعدك يا أغلى الناس."
"آه يا ماما، آه لو أعرف إنك هتفوتيني."
الكل كان في حالة صدمة بسبب هذا الموت المفاجئ الذي كان صدمة للكل، ومن ضمنهم رضوان، الذي انهمرت دموعه بغزارة وهو يتذكر آخر حديث لها معه.
وكأنها كانت تشعر أنها ستفارق الدنيا، ولهذا أخبرته أن يتزوج من ابنتها ليطمئن قلبها.
"زينات: رضوان يا ولدي، أنا خابرة إن اللي قولته صدمة ليك، وانت استحالة توافق على كده، بس اعتبرها يا ولدي خدمة بتقدمها لأم جلبها وجعها على بنتها اللي فضللها من الدنيا."
"أنا قلبي اطمن على ورد مع جوزها بدر، وعمري ما هرتـاح غير ومسك مراتك توافق يا ولدي تتجوز بنتي وترضى ست خلاص رجليها والقبر."
"أنا خايفة عليها من غدر الناس."
مسح دموعه وأغمض عيونه يحاول التماسك أمام الجميع، ولكن لم يقدر.
فحنان تلك السيدة لا يوصف، لقد شعر أنها أمه الثانية، وكأن الدنيا تأخذ منه كل من يكون معه وبجانبه كـ رشاد أخيه.
وأمي زينات كما أحب أن أقول لها.
اقترب بدر من جثمانها وقبل رأسها وبكى بغزارة.
هو قد تعلق بتلك السيدة بكل قلبه، أحبها بطريقة كبيرة كأنها أمه هو وليس أم زوجته.
ويتذكر أحاديثه معها.
"زينة: يا واد يا بدر، أوعاك تجل عقلك وتمسك إيد البت، ولله العظيم أكون قطعتك وأشحتها ببصلة وأبعتها لأمك في رغيف عيش."
"خلي بالك من ورد يا بدر، وخليك ضلها يا ابني، وأوعا تسيبها ولا حتى تبعد عنها."
"لو غلطت سامحها وعرفها غلطها واعتبرها بنتك قبل مراتك، وعوضها عن غيابي يا ابني، وقول لأمك ورد أمنتها لحد متجيلي."
أغمضت مسك عيونها المنهمرة من كثرة بكائها، وهي تتذكر كل لحظة مرت عليها مع أمها.
"مسك: بتي يا مسك، يا جاموسة، استني أختك بدل ما انتي عمالة تلغي لوحدك زي البهيمة."
هزت رأسها وكأنها تراها أمامها وتبكي.
"حاضر يا ماما، هستناها."
أتت على بالها ذكرى أول يوم مدرسة لها ولأختها.
"مسك: خلي بالك من أختك يا ضنايا، أوعي تخلي حد يزعلها ولا يضربها، خليكم مع بعض دائماً، متفرقوش بعض."
"عودي نفسك تقفي معاها في الصعب قبل السهل، وفي الوحش قبل الحلو، أوعي تسمحي لحد من زمايلكم يجيبكم على بعض ولا يزعلك منها."
"خلي أختك دايماً عندك، هي الأول والأولة في كل حاجة وأي حاجة."
"كل شيء بيتعوض في الدنيا دي يا ضنايا، إلا الأخوات عمرهم ما يتعوضوا، فاهمني يا مسك؟"
"خلي بالك من تصرفاتها عشان انتي عارفة إنها مش بتفكر قبل ما تتصرف."
ردت عليها مسك قائلة بطفولة:
"متجلجش يا ماما، ورد أمانتي، وأنا كمان أمانتها، متخافيش علينا واصل، أحد واحد يا ماما وهنفضل كده العمر كله."
صرخت بقوة وهي تزيد من احتضان جسد أمها:
"في أمانتي يا ماما، متجلجش."
أتت ورد والسعادة تفور بها:
"مسك.. أنا قتلته، قتلته وخدت حقي خلاص مبقاش موجود."
قالتها بفرحة هستيرية غير طبيعية بالمرة، وهي ترفع السكين أمامهم وهو مليء بالدماء.
وهرولت على زوجها بدر تبشره أنها أخذت ثأرها من الشخص الذي نهش عرضها.
ولكنها توقفت محلها ونظرت لجسد أمها الذي وقع من يد أختها بسبب ما تفوهت به.
ولكن ما جمد ورد في محلها هو وقع النصف العلوي من جسد أمها على الفراش دون حركة.
وهنا علمت أن والدتها قد رحلت.
"فصرخت بألم هز كيان الحاضرين حزناً."
"أماااااااا"
ينتفض جسده من الخوف، فتلك المقابلة سوف تحدد مصيره.
وأن يكون حراً، من جديد، حتى لو على حساب أخيه.
يعلم أن كل هذا ليس له إلا نهاية واحدة فقط، وهي حريته على حساب تقييد أخيه.
شهق عندما وجد جسده يرتد للخلف بقوة وفمه ينزف أثر تلك اللكمة القوية.
ولم يكد يفيق من أثرها حتى انهال عليه هذا المجهول بأكثر من لكمة، حتى جعل جسده كله يئن من الوجع وجعل وجه ينزف من كل شبر بها.
بصق الآخر على حجاج وهو واقع على الأرض.
وعلى الجانب الآخر صفية تنظر لابنها وتبكي ولا تستطيع أن تصرخ.
ولكن تحملت أن ترى ابنها يذل هكذا حتى تضمن بقاءه معها.
نقلت أنظارها على بدر الذي ينظر لابنها بكل غل.
وجدته يجلس أمامه ويمسكه من تلابيب ملابسه ويقرب وجه له ويحدثه.
"بدر: أقسم بالله لولا إني عارف إنك مرة كنت قتلتك، بس كفاية عليك ذلّك قدام الناس وقدام نفسك."
"واحمد ربنا إن رحمتك بعد اللي حصل لورد، لأن انت أوسخ وأقل من إني أدخل السجن عشان كلب ذليل زيك."
قام برميه على الأرض مرة أخرى ونظر له باشمئزاز.
ثم نقل أنظاره لصفية التي تقف في الزاوية تبكي على حال ابنها وتندب حظها على تربيتها الفاسدة له.
نظر له بدر بضيق قائلاً:
"فين الورق، والكارت الميموري، أخلصي."
هرولت له تجلب له كل الورق التي جمعته من مكتب بلال وأعطته له.
"هبعتلك حاجة على التليفون هتعجبك جوي، بس لازم تهرب ابني النهارده."
وافقها بدر وخرج من المكان من تلك النافذة الخلفية للمنزل حتى يخرج دون أن يشعر به أحد كما دخل لحجاج.
خرج وهو يسب ويلعن في نفسه أنه لم يقتل ذلك الحجاج على يده.
فهو كلما تذكر أن جسد زوجته أن يكشف أمامه يثور ويريد أن يذهب ويقتلع له عينيه التي تمعنت بها.
آه يا الله ماذا يفعل.
حتى تلك الغبية ورد التي أدخلت نفسها في جريمة قتل مثل التي فعلتها.
يكاد عقله يقتله من كثرة التفكير.
يريد أن يبعدها عن أي شيء قد يؤذيها، حتى لو قال أن هو القاتل وليس هي.
سوف يفعل أي شيء مهما كان خطورته حتى تكون بأمان.
وجد رضوان يسبقه ويتصل هو ويخبره أن يأتي في المكان الذي حصل فيه تلك الجريمة.
كانت بجانب جسد أمها تبكي بحرقة وقهر ولا تصدق أنها قد خسرت أمها.
هل فعلاً ذهبت وتركتها وحدها؟
تريد أن تصرخ وتوقظها لتودعها فقط.
هل جاء لكِ قلب لترحلين وتتركينني وحدي؟
تلك هي الكلمات التي كانت تثر بها ورد أمها وهي تضمها وتودعها الوداع الأخير.
وفي زاوية الغرفة تجلس تلك الضائعة تنظر لأختها وأمها.
لا تعرف ماذا تفعل، أتبكي وتتحسر على موت أمها؟
أم تصرخ وتتحسر على مصيبة أختها؟
ماذا تفعل؟ لا تعرف ما تفعله.
منذ موت أمها قبل الزواج ودخول أختها وهي ملطخة بالدماء.
يكاد عقلها ينفجر، تكاد تموت رعباً بعدما قصت أختها لها ما حدث.
فلاش باك:
صرخ بفرحة هستيرية:
"قتلته، خدت حقي، خدت حقي وقتلته! دمه أهو، غرقت دمه في هدومي عشان كل ما أشوفه افتكر إني أخدت حقي."
هرولت إلى زوجها:
"حقي رجع يا بدر، مراتك جابت حقها، حتى بص."
قالت آخر كلمة وهي تخرج السكين وتريه له وهو مليء بالدماء.
وبدر زوجها ينظر لها بصدمة كبيرة وكأن شل جسده.
ولكن بعدها انتفض عندما وجد جسدها يقع عليه وتفقد الوعي وتتركهم كلهم في صدمته وتغيب عن الواقع.
حتى رضوان ظل يتابعها بدهشة.
وبعد أن فاقت ظل يستجوبها حتى بدأت تقص لهم ما حدث لأنه علم من بدر أنه ترك زوجته نائمة في منزلهم وخرج دون أن تشعر به.
فلاش باك:
كانت نائمة في ثبات عميق.
لم تشعر بهذا المتسلل الذي دخل عليها غرفتها وكمم فمها حتى يتم تخديرها بشكل كامل حتى لا يشعر به أحد.
حملها وقام بنقلها لسيارة التي تنتظره بالخارج.
وبعدها ذهب لمكان يعرفه عن ظهر قلب وينظر لها ويبتسم بمكر.
"حامد: ولله ووقعتي معايا تاني يا ست ورد، دا أنا من المرة اللي فاتت وأنا متكيف منك."
"دا اللي يعرفك الصراحة ما يقدرش يستغنى عنك أبداً."
قالها وهو يطالع جسدها الذي يكاد يكون مغطى في تلك العباءة المنزلية.
أوقف السيارة بسرعة وخرج منها وحمل ورد بين يديه وأدخلها داخل هذا العش الصغير.
وأراح جسدها على فرشة بالية على الأرض وتركها على مضض.
"ثواني يا حلوة وراجعلك."
خرج حامد وأمسك هاتفه واتصل ببلال.
"حامد: الو... حصل يا دكتور، البت تحت إيدي، عايزها تبقى تبقى تعمل اللي اتفقنا عليه وتخرجني بره البلد كلها زي ما وعدتني تجيب ورق السفر، تستلم أخت الغالية، سلام يا دوك."
أغلق معه الاتصال ودخل لتلك الغافية وجلس بجانبها وهو يطالعها بنظراته الوقحة وقائلاً:
"أول مرة شفتك وأنتِ داخلة الليلة اللي قتلنا فيها رشاد، وأنتِ عايشة في دماغي."
"آه ومن قلبك الحنين اللي دخلك لغاية عندنا."
أمسك شعرها ولفه حول إصبعه.
"إيه يا حلوة؟ كنتِ مفكرة نفسك هتلاحقي رشاد؟ إيه مش شفتي السكينة اللي بلال المنسي شق بيها جسمه وباعني عشان أكمل عليه وأتاوي جثته؟"
"آه متستغربيش، بلال مش بيبان لحد إنه تبعنا، تبع الجماعة الإسلامية أو الإرهابيين على حسب ما بيسمونا بتوع الإعلام. الله يسامحهم بقى، ولله ظالمين."
اقترب منها كأنها تستمع لما تقوله.
"بتقولي إيه؟ إزاي رشاد عرف بلال؟ وأنا بقول إن محدش يعرفه إنه تبعنا. عرف من مراته زينة، أصلها الوحيدة اللي قدرت تعرف السر اللي بلال حاول يداريه سنين. وجه بقى سي رشاد ياخد حق مراته زينة مني أنا وبلال، بس بلال كان أذكى وأمكر منه، لما قابله كان عمله كمين وقتله."
"إيه؟ بتسألي عن زينة؟ لا زينة بلال اكتفى بتهديدها لو فتحت بوقها بكلمة هيقتلها هي واللي في بطنها ده بعد ما باست رجله وحلفت إنها مش هتفتح بوقها وبلال عشان قلبه رهيف سامحها وسابها في حالها."
"بس تعرفي أنا أحب أشكر الظروف اللي خلتك تقعي تحت إيدي واتعرف عليكي أصلاً. أنا بضعف أوي وخصوصاً النوعية الرقيقة اللي زيك كده."
"لا انتي الظاهر المخدر تقيل عليكي، لازم تفوقي ليا كده عشان نعرف ناخد وندي بشكل ودي، أصل أنا أحب الست تبقى فايقة كده. أنا عمال أتكلم من الصبح وأنتي ساكتة، حابب أنا بقى أسكت وأسمعك انتي ولا إيه؟"
نطق آخر كلمة وهو يخرج من جيبه زجاجة فتح غطائها وقربها من أنفها لتستيقظ.
وبالفعل استيقظت وأخذت دقائق حتى استوعبت أين هي ومع من.
فهو أخبرها أنه حامد الذي قام بالاعتداء عليها في تلك الليلة المشؤومة.
انتفضت بزعر وارتعش بدنها من الرعب وظلت تبكي وتصرخ.
ولكن كامرأة سابقة لم يسمعها أحد.
حاولت الركض ولكن كان هو الأسرع وأمسكها من يدها وضرب جسدها في جدار الخوص.
واقترب منها وكاد يلمسها إلا أنها ضربته أسفل بطنه مما جعله يتألم.
وقبل أن تركض أمسكها، ولكن تلك المرة أخرج خنجره أمام عينيها وقام بتهديدها به.
هوا قلبها تحت قدميها وظلت تنظر له وللخنجر الذي بيده.
كان شكله ليس بوعيه كأنه يتناول أحد المواد المخدرة للعقل.
ظل يداعب وجهها بالخنجر ويحدثها أن تهدأ وأن كل شيء سيمر بسهولة دون أن يشعر أحد كمرة سابقة.
وقعت على الأرض وغطت وجهها بيدها تبكي وتحاول أن تتذكر كيف أتت إلى هنا.
تنادي زوجها بدر حتى يلحقها من تلك الكارثة للمرة الثانية.
ولكن اشمئز جسدها عندما شعرت بقرب هذا الوقح منها.
ولكنها أقسمت أنها لن تجعله يقترب منها غير وهي ميتة.
أمسكت حفنة من التراب وألقتها في عينيه.
لا تعرف من أين أتتها تلك الشجاعة.
لأول مرة شعرت أنها ليست خائفة وهي تقترب منه وتستغل أنه يحاول أن يزيل التراب من عينيه ويصرخ من الألم.
وانتزعت الخنجر منه.
حاول أن ينظر لها ولكن وجدها دون مقدمة ترفع الخنجر وتحاول أن تهوي به عليه.
ولكنه هرب.
ولكن من أثر التراب الذي على عيونه وقع.
وهذا ما جعلها أسهل بالنسبة لها.
غاب عقلها في تلك اللحظة.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تغرز الخنجر في صدره.
وتليه بطعنة.
أخرجه حتى خرجت أنفاسه الأخيرة.
لم تشعر بنفسها وهي تعطيه الكثير من الطعنات حتى أصبح المكان من حولها مليء بدمائه.
توقف خارج هذا الخوص وهو معه الورق الذي طلبه منه حامد.
ولكن توقف عندما شعر بخيال أحد يرفع سكين ويهبط بها على أحد.
هرول ناحية الشرفة ليرى ما جعله يتجمد.
ورد قتلت حامد.
هذا ما جعله يدخل ويقف أمامها مشلولاً من الصدمة الغير متوقعة منها.
كل ما يدور برأسه كيف فعلت هذا.
كانت تجلس بجانب جثته والدماء يملأ المكان.
ويملاء ثيابها.
كانت تنظر للدماء من حولها براحة كبيرة.
وشكل جسده الممزق من الطعنات كان يدخل عليها السعادة.
فهذه نهاية كل رجل سولت له غريزته القذرة بكسر فتاة أخرى.
وقتل براءتها وعقابه منها كان عشرون طعنة.
ولكنها استدارت عندما سمعت صراخه.
نظرت له وهي تبتسم وشاورت له بالسكين.
ووضعت يديها الأخرى في الجسد الممزق أمامها وأخرجتها وهي ممتلئة بالدماء.
وقالت وهي تبكي بفرحة شديدة:
"كده نبقى خالصين."
اقترب من جثة حامد ونظر لها.
نطقت كالمغيبة قائلة:
"زي ما قتلني قبل كده، قتلته."
نطقتها بكل بساطة وخرجت وهي تمسك بيدها الخنجر وتحدث نفسها كأنها مجنونة.
ولم تشعر بنفسها إلا وهي أمام منزلها.
عودة للوقت الحالي:
لم ينطق أي أحد بعد حديثها غير رضوان الذي هبطت دموعه بغزارة بسبب ذكر مقتل أخيه.
ونطق بنبرة مخيفة:
"انتي قولتي إنك كنتِ متخدرة، إزاي عرفتي إن بلال هو اللي قتل أخويا رشاد بسكينة وعرفتي اللي حصل لمراته؟"
"هو كان مخدرني بس أنا كنت سامعة وحاسة بكل حاجة بس حاسة إن دماغي تقيل وجسمي تقيل ومش عارفة أفوق."
"بس لما بدأت أفوق فكرت إنه حلم لحد ما استوعبت إن كل اللي حصل... كان حقيقة."
قالت آخر كلمة وارتمت في حضن زوجها وظلت تبكي تخشى أن يكون أحد رآها بتلك الهيئة.
صرخ رضوان ونطق بنبرة يملأها الجحيم وكأنه سيحرق كل من يراه:
"ورحمة أخويا ما هيتطلع عليك نهار يا بلال غير وأنا شاقق جسمك نصين وفاصل رقبتك دي من على صدرك."
"مبقاش رضوان ابن جابر النمر إلا ما خليت أرض البلد كلها تشرب من دمك."
يقلب في هاتفه ويبحث عن الفيديو الذي صوره لورد وهي تقتل حامد ويبتسم بمكر.
فهو كان يخطف ورد ليضغط على مسك وأمها ليتزوجها.
ولكن أتى له حل آخر أجمل بكثير وعلى طبق من ذهب.
أن يجعل مسك فقط تتزوجه، بل سوف يضمن وجودها معه للأبد دون أن تبتعد عنه.
يحزنه أن تكون معه بالغصب بعد كل هذا الحب الذي كان بينهم.
ولكن مهما حدث لن يجعلها تكون لغيره أبداً، وخصوصاً لرضوان.
إما تكون معه في الدنيا، أو يقتلها ويقتل نفسه بعدها.
في كلتا الحالتين لن يبتعد عنها أبداً.
قطع تفكيره اتصال منها، كأنها خرجت من تفكيره.
آه، سعد كثيراً لاتصالها هذا وظن أنها حنت له أو أن تكون ورد أخبرتها أنه رآها وهي تقتل حامد وتريد منه أن يصمت أو تشكره لإنقاذ أختها كما تظن.
أجاب بلهفة كبيرة قائلاً:
"مسكي، أنا مش مصدق إنك بتتصلي بيا، يارب أكون وحشتك زي ما وحشتيني."
ولكنه هب واقفاً وانفخت عروقه بعد ما سمع صوته.
"مش عيب يا دكتور تدلع واحدة متجوزة برده."
"اسمع يالا، رضوان النمر مابيضربش حد في دهره."
"لما يحب يضرب بيضرب وهو واقف في وش عدوه عشان يزله ويدوقه العذاب ألوان قبل ما يموت."
"وياويلك من عذاب رضوان يا ابن المنسي، وحياة أمي اللي قهرتها على موت ابنها لقطع من لحمك نساير نساير بحق كل دمعة نزلت منها هي وأبويا على رشاد."
"استعد بقا عشان أول ضربة هتجيلك كمان خمس دقائق، يعني يدوبك تلحق تودع."
قالها وأغلق الخط وجعل بلال يقف في غرفته كاتماً لا يعرف ماذا يفعل أو كيف يفكر.
وكيف عرف أنه هو من تخلص من رشاد؟
لم يأتي في باله إلا زينة.
صرخ بجنون:
"آه يا بنت الـ... أنا اللي غلطان إني سبتك تعيشي من الأول، بس وحياة أمي ما هسيبك."
جاء له اتصال قبل أن يخرج من غرفته رد.
"لو فاكر إن كلامك ده هيهز مني شعرة تبقى غلطان، مش بلال اللي يقع بسهولة دي، تبقى بتحلم وهتحصل أخوك."
رد عليه رضوان بمكر وعيون حمراء كالدماء:
"وليه أنا اللي أحصله؟ ليه متقولش الغالي اللي مخليه هو اللي هيحصله، واهو يونسوا بعض في الآخر."
"دا كفاية إنه سلمك ليا بكل سهولة، يلا قول باي لحجوجه."
أغلق رضوان الخط وجعل بلال يركض بأقصى سرعة ناحية الغرفة التي يخبئ بها أخيه.
ولكن لمح أخيه وهو يركض ناحية الحديقة الخلفية.
ركض ورائه وظل ينادي عليه.
ولكن الآخر عندما استمع لصوته خاف وركض بسرعة أكبر بعد أن رأه يركب سيارة ويهرب بها.
صاح بلال:
"حجاج استنى يا غبي هيموتوك حجاااااج."
ولكن الآخر هرب ولم يستمع لما قاله.
لم يجد غير أن يركض ورائه بسيارته وبالفعل انطلق ورائه ليوقفه.
ولكن الآخر ظن أنه يركض ورائه حتى يقتله لأنه سلم لهم كل الأوراق التي كان يخبئها في خزنة مكتبه السرية.
ولكن وجد سيارة حجاج تتوقف بعد أن انحدرت لجانب مظلم.
ولكن انحدرت بقوة بسبب تلك السيارة التي توقفت أمامه سيارة أخيه.
وجد مجموعة من الرجال يتوجهون نحو حجاج ويأخذوه ويلقوه بسيارة أخرى.
أسرع بلال بسيارته ولكن وجد من يقطع عليه طريقه حتى يهربوا بأخيه.
نزل من سيارته وهو يصرخ وينادي على أخيه.
ولكن كان قد ذهب معهم.
وجد من يتصل به مرة أخرى ولكن تلك المرة كان رقم رضوان.
رد بسرعة بكل غضب:
"قسماً بالله لو أخويا جراله حاجة لكون مصفى عيلتك كلها وما هيكفيني أخوك بس، انت فاهم."
ضحك رضوان ملء فمه قائلاً بسخرية:
"وانت مفكر إني مرة زيك عشان أخليك تقرب من أهل بيتي وأنا عايش؟ زي ما عملت معاك دلوقتي وأخدت أخوك قصاد عينك، أخويا اللي قتلته دا راجل عشان يوم مات على إيد كلب زيك، كان غدر ماتوجهش بيك."
"لكن أنا هموتلك أخوك قصاد عينك، بس لازم تتذل الأول."
"واه نسيت أقولك إن حجاج ميستاهلش منك الحماقة دي كلها على فكرة، بس نقول إيه، طبع البيع والغدر في دمكم من زمان وزي ما بعته هو باعك ليا برخيص أوي."
"وقدامي ورق وتسجيلات توديك لعشماوي على تروسكل جرة حمار."
"بس ولا يفرق معايا، أنا كنت ناوي آخد حقي بقانون، بس لاء، اللي زيك ميستاهلش يستنى أكتر من كده."
"ووعد مني بكرة مش هيخلص غير ودمك مغرق البلد كلها، ومهما تحاول تهرب مش هتعرف خلاص، يا بيلي النهاية بدأت خلاص."
"ونهايتك على إيدي أنا رضوان جابر النمر، سلام يا دوك، واه بلاش تتصل بالمدام عشان مش هترد عليك، أصلها عروسة بقا ومشغولة حبتين."
"انت بتقول إيه؟ مسك اتجوزتك انت؟"
قالها بفم فارغ من صدمته.
ولكن وجد الخط قد أغلق قبل أن يتحدث.
ضغط على الهاتف بكل غضب وثائر كابركان قائلاً:
"عملتيها يازينات."
قالها وهو يلقي الهاتف في الأرض صارخاً:
"يبقى عليا وعلى أعدائي، محدش في البلد دي هيعيش، وأولهم ريحة المرحوم أخوك."
"هقتلك يارضوان، هقتلك قبل ما تلمس شعرة منها أو من حجاج."
في الصباح استيقظت زينة باكراً، فاليوم العيد وسوف تذهب للكنيسة هي وأمها وأخيها.
أنهت أعمال المنزل مع والدتها وارتدت ثيابها، فهي تنوي الذهاب باكراً حتى تدعو لزوجها وأبنائها أن يلدها بأحسن حال.
أنهت بسرعة كبيرة ونادت على أمها.
"زينة: أما إني أنا همشي وابقى حصليني انتي وجرجس."
ردت عليها والدتها من الداخل:
"خلي بالك على نفسك وأني هحصلك طوالي."
هنا خرجت وكأنها يوم جديد وجميل في حياتي، تشعر بشعور جميل اليوم.
ولا تعرف ما سبب هذا الحماس الذي يملأها.
ولكنها قررت قبل أن تذهب للكنيسة أن تذهب أولاً لمدفن زوجها وتقرأ له الفاتحة.
فهي حفظتها من أجله، رغم أنها مسيحية، ولكن تعلمتها من أجله.
"كله تمام زي ما طلبت والقوات محاصرة الكنيسة، بس القادة موجودين و..."
ضرب رضوان على الطاولة بيده بقوة ونظر لصادق بغضب شديد.
"أنا اللي هخلص على بلال يا صادق، ولا يهمني لا قادة ولا غيره، ابقوا اسجنوني، ولا أقولك أنا بره العملية دي وساعتها هتولع."
"رضوان افهمني، كل ده عشان..."
"ده حق أخويا يا صادق، لو انت مكان وأخوك هو اللي اتعمل فيه كده هتسكت؟"
"ماتنطق، أنا لو مش هاممني الناس كان زماني قتلته من الأول، ومكانش هاممني حاجة لا العملية ولا عن مكان الجماعة."
"بس أنا دوست على نفسي واستحملت النار اللي قايدة جوايا على فراق أخويا وصبرت عشان الناس."
"ودلوقتي القوات في طريقهم لبقية الجماعة ولما يتم القبض عليهم ونتأكد إن مفيش أي حاجة والناس بخير، ساعتها بلال يبقى بتاعي ومحدش هيقول غير كده."
هنا دخل بدر وهو يهرول باتجاه رضوان.
"الحق بلال في الكنيسة ومعاه زينة مرات أخوك و مسك. لما عرفت إنه ناوي يفجر الكنيسة راحت على هناك وهربت من الحارسة."
"ورد لسه مكلماني."
لم يستمع لباقي حديثه وهب واقفاً ليلحق تلك الكارثة.
فهنا كل شيء تغير.
فهناك أناس حياتهم بين يديه.
فأسرع ركض واتجه نحو الكنيسة، فهو كان يعلم أن بلال لن يموت بتلك السهولة وأنه سوف ينتوي على فعل أي شيء قبل موته.
ولكن لن يسمح له مهما فعل، ولكنه كان مستعداً له بكل ومتحفزاً لأي شيء من ناحيته.
ركب سيارته بعد أن ألقى حجاج بها، وبعدها انطلق لمكان الكنيسة.
وجد عدد كبير من قوات الجيش والشرطة محاصرة للمكان وعدد كبير أيضاً من الجماعة توجد بحديقة الكنيسة.
وكلا منهم يرتدي حزاما ناسفا.
وفي الداخل يوجد بلال مع عدد كبير من المدنيين الذين أتوا للصلاة في الكنيسة.
وكان يجلس بلال على المنضدة أمامهم وبين يده زينة التي تبكي وتحتضن بطنها خوفاً على أبنائها.
نظر له بإشفاق مصطنع.
"بلال: بطعيتني ليه دلوقتي؟ مش انتي اللي وصلتينا لهنا؟ ما انتي لو كنتِ دخلتي لسانك جوه بوقك مكانش كل ده حصل."
"نعمل إيه؟ الفتنة مرض يا زوزو، انتي متعرفيش إن الفتنة أشد من القتل."
"يعني انتي هتتحسبي أكتر مني، لأنك هنا فتنتي عليا، وكمان رشاد مات بسببك على إيدي، ودلوقتي الناس الحلوة دي هتموتك بسبب بردو... يا فتّانة."
نطق بسخرية منها وهو يحاول بث الرعب فيها.
ولكنها لم تصمت بل ردت عليه رغم ارتعاش نبرتها قائلاً:
"أوعى تفكر إن الموت والحياة بإيدك يابلال، دا كله بإيد ربنا."
"وزي ما أخذت أرواح الناس بإيدك غدر، هيبعتلك اللي ياخد روحك بإيديه ويخلص الناس من شرك وقرفك."
"واكيد انت عارف هو مين كويس... آآه آآه."
قالت آخر جملة وصرخت بسبب ضغط بلال على شعرها بقوة وألقاها على الأرض بقوة غير عابئ بحملها.
وقعت على الأرض وأمسكت ببطنها وشعرت بألم قوي في بطنها.
حاوطتها بيدها وهي تبكي بسبب خوفها.
فتلك الألم لا تبشر بالخير.
الناس ينظرون لها بإشفاق ولكن لا يستطيع أحد أن يتحرك من مكانه خوفاً على عائلته.
بسبب إمساك ذلك الرجل بجهاز تحكم في كل المتفجرات التي زرعها داخل الكنيسة.
وبكلمة واحدة منه ينفجر كل شيء ويصبحون رماد.
أمسك بلال جهاز الاتصال بينه وبين رجاله.
"بلال: وصل."
رد عليه الآخر:
"لسه مش باين يا باشا، أول ما يجي هنعرفك على طول."
"أغلق الاتصال" فهو ينتظر قدوم رضوان على أحر من الجمر.
فهو لن يموت بمفرده أبداً، يجب أن يكون معه أنيس.
وظل يضحك بقوة كأنه لا يعبئ بحياة أي أحد.
كأن أرواح الناس لا تعني له أي شيء ولا تقدر رخيصة كما يقول.
في الخارج وصل رضوان حيث يقف قادته وأمن نفسه جيداً وارتدى ثياب الجيش الخاص به.
فهو يفضل أن يموت وهو يرتديها، فهو عمله أن يضحي بحياته مقابل أي روح أخرى غيره مهما كانت هي وحياة الناس في الداخل مسؤوليته.
تحدث أحد القادة:
"انت عارف كويس اللي هتعمله، أنا عاوزه حي يا رضوان، حياتك قصاد حياة الناس اللي جوه."
"محدش هيقدر يدخل غيرك، هو مستنيك، انت خلي بالك كويس وأعى تخليه يستفزك بأي طريقة."
"وقبل أي خطوة فكر في الناس والأطفال اللي جوه."
"ربنا معاك يابني، يلا قول ورايا."
"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله."
"رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً."
"ربنا معاك يابني."
ردد وراه الشهادتين وبعدها أخذ نفس عميق وقبل أن يخطو خطوة واحدة نظر لصديقه بعينه يبعث له رسالة ما.
هز له صادق رأسه بالموافقة ونظر له بمعنى لا تقلق.
وبعد أن اطمأن أن صديقه سوف يمنع مسك من الدخول وأعطته أمر أن يمنعها بأي طريقة كانت.
فحمايتها مسؤولية صادق الآن، فهو لا يعلم أن خرج منها سوف يكون حي أم سوف يستلم أهله جثته أيضاً كأخيه.
وصل عند البوابة ودخل ومعه عدد من الرجال وتم تفتيشه جيداً ليتأكدوا أنه ليس معه أي سلاح.
وبعد أن تأكدوا من تفتيشه أدخلوه إلى القاعة التي فيها بلال.
وجد بلال رجاله يمسكونه ويدخلونه عليه.
فرحب به بسخرية:
"أوه سيادة الرائد بنفسه هنا، إيه ياباشا إحنا مش كان اتفاقنا إن أنت اللي هتقتلني؟"
"شوف الدنيا أنا اللي أجيبك وأقتلك وانت لسه عريس، دا حتى عيبه في حقك إيه العروسة وشها وحش عليك."
"أصلها قديمة وقد مسك عمره ما يبقى حلو غير مع بلال."
"وانت مين قالك إنها مش حلوة عليا؟ دا حتى مسك الليل نورت حياة رضوان النمر."
"وبعدين مش عيب عليك تعمل كل ده يوم صبحيتي ياراجل؟ عيب عليك، هي دي مباركتك ليا؟"
"دي نقطتك، لاء يابني شكلك مالكش فيها ومش بتاع واجب خالص، دا حتى العروسة تزعل."
غمز له بلال:
"وأنا ميرضينيش أزعل العروسة بردوه."
أشار لأحد رجاله قائلاً:
"هاتها."
نزلت هذه الكلمة مثل الصاعقة على رضوان الذي نظر باتجاه الآخر.
وجد الرجال يجرون زينة بحالة لا يسر لها، ومسك التي تحاول أن تخلص نفسها منهم.
ولكن هدر به رضوان عندما وجدهم يلقون زينة على الأرض بكل إهمال وظل يسب فيهم هم وبلال.
وحاولت مسك أن تركض نحوها ولكن منعوها.
ظلت تركل فيهم حتى ألقوها أمام قدم بلال.
رفعت رأسها تنظر له بكره وبعدها بصقت في وجهه صارخة فيه:
"أنا بكره نفسي إني في يوم حبيتك واحد زيك، أنا فعلاً كنت عمياء لما وثقت في واحد كافر زيك، ماهو اللي ميهابش من ربه يبقى كافر."
"ملعون أبو اليوم اللي عرفت فيه واحد زيك، أنا بقرف منك، سامع، بكرهك يابلال وهفضل أكرهك لآخر نفس فيا."
"آه."
صرخت بسبب تلك الصفعة القوية التي ألقاها من بلال.
وعلى إثرها نزفت من فمها.
"بلال."
صرخ بها رضوان وهو يحاول أن يفلت من بين يدي رجاله.
"خليك راجل لمرة واحدة في حياتك وطلع الحريم بره خلفنا والناس دي ملهاش ذنب في حاجة، مشكلتك معايا مش معاهم."
رد بكل سهولة واستفزاز له:
"تؤ، لكل حرب ضحايا، والقاعدة من غير ستات تبقى ناشفة وأنا بصراحة طول عمري واخد على القاعدة الطرية."
قالها وهو يقترب من وجه رضوان.
الذي بدوره قام بالبصق في وجهه.
مسحها بلال بكل برود قائلاً:
"فيه إيه يا جماعة؟ هو أنا شكلي وحش ولا مش عاجبكم ولا فيا حاجة غلط؟ ولا انت بتحب تقلد المدام."
رد عليه رضوان الاستفزاز:
"اه بحب أقلدها أصلها عندها ذوق في كل حاجة، ويوم ما تفلت على حد يبقى عجبهاش ويستاهل التف عليه زيك كده، اتفو."
قالها وهو يبصق عليه مرة أخرى.
قام بلال بلكمه بقوة في معدته مما جعله يتأوه بألم.
وظل رجال بلال يقيدون حركة رضوان بقوة حتى ينتهي سيدهم من ضربه.
ظل بلال يركله في معدته حتى خرجت الدماء من فمه.
أمسكه بلال من لياقة بدلته قائلاً:
"أوعى تنسى إني كنت ذوق المدام، ولا نسيت؟"
رد عليه رغم الآلام التي تنتهش في معدته:
"لأ متقلقش من الناحية، ماهي حسنت ذوقها لما رمتك في أقرب مقلب زبالة واتجوزتني أنا وسبتك زي الكلب."
"بس إيه رأيك في ذوقها الجديد، حلو مش كده؟ أجنن أنا برضه."
لم يتحمل بلال كل ما يقوله رضوان رغم أنه يعلم أنه يستفزه ويغيظه بالحديث.
ولكن لم يستطع أن يستمع للمزيد وظل يضرب فيه رغم محاولات رضوان الإفلات من قبضت رجاله عليه حتى يريه نفسه.
ولكن التف الكل حول رضوان حتى يمنعوه بالقوة.
فهو بنيته قوية جداً والتف حول أكثر من سبعة أشخاص حتى يستطيعون تقييد حركته.
ظل بلال يضربه حتى نفذت قوته وشعر بالتعب وأنت عظام يده.
مسح العرق من على وجهه وتركه.
ولكن التفت له ورآه يضحك بقوة.
"بلال: إيه يادوك تعبت ولا إيه؟ هو دا كل اللي عندك ياراجل؟ عيب عليك ولله."
أخرج بلال سكين من جيبه ونظر له بكل غل.
"لأ عندي ده كمان، تحب تجربه؟"
فاقت مسك بعد أن غابت عن الوعي بسبب صفعة بلال القوية لها.
ووجدته يمسك السكين لرضوان.
صرخت قائلة:
"بلاش يابلال، عشان خاطري بلاش تموته."
استدار لها بلال صارخاً فيها:
"إيه خايفة عليه؟ هو ده اللي فضلتيه عليا؟ هو ده اللي اتجوزتيه وسبتيني؟ سبتيني عشان ده؟ دا كلب ولا يسوى وهوريكي هعمل في إيه قدام عينيكي، ياعروسة...."
استغل رضوان انشغال بلال بالحديث مع مسك وانشغال رجاله أيضاً.
وقام بحركة قوية جعلت بعضهم يرتمون على الأرض واستطاع الإفلات منهم.
وقام بإمساك بلال من رقبته وتقييد حركة يده التي تحمل السكين وأخذه منه.
كل هذا حصل في لمح البصر بكل مهارة كأنه متدرب على تلك المهارات حتى أتقنها بكل سهولة.
قيد حركة بلال بقوة ووضع السكين على رقبته.
رضوان قائلاً وهو يضغط بنصل السكين على رقبته:
"تحب نقضيها راجل لراجل ولا أخلص عليك وملكش دية عندي؟"
ضحك بلال ملء فمه قائلاً:
"أوكي وأنا معنديش مانع، بس خل بالك كل القنابل الموجودة هنا مش بتعطل غير ببصمة صوتي أنا وبس، يعني لو مت مش هموت لوحدي كده كده مش فاضل كتير."
نطق ببرود.
"يلا اتشهدوا يا جماعة.. آه، سوي نسيت إنكم مسيحيين، طب المسلم هنا يتشاهد طيب."
نطقها وهو ينظر للناس.
لم يتحمل رضوان بروده واستهزائه بحياة الناس.
وقام بلفه له ورمى السكين وظل يضرب فيه بقوة.
قام أحد رجاله بتقييد رضوان ولكنه قام بضربهم واحداً تلو الآخر.
وهنا تدخل صادق صديقه من نافذة في سقف الكنيسة ومعه مجموعة من العساكر والضباط.
وبعد أن استطاعوا بكل مهارة أن يتخلصوا من الرجال المحاوطون للكنيسة في الخارج.
ترك لهم رضوان أمر المدنيين لحمايتهم وللمجموعة الأخرى ترك لهم رجال بلال.
وأقام هو بإمساك بلال وظل يتبادل الضرب ولكن تغلب رضوان في النهاية لقوة بنيته ومهارته التي تفوق بلال رغم قوته.
ظل رضوان يضرب فيه بكل قوة حتى وقع الأرض كالميت.
وأخرج سلاحه وكاد يطلق عليه النار.
ولكن منعه صديقه صادق الذي هرول إليه بعد أن تأكد من أن الجميع خرج حتى زينة نقلوها على المشفى ومسك رفضت الخروج دون رضوان.
منعه صادق:
"بلاش يا رضوان، إحنا محتاجينه حي، بلاش غضبك يعميك، محدش يعرف يعطل المتفجرات غيره، بلاش عشان خاطر الناس يا صاحبي."
اقتربت مسك منهم ونزلت أمام بلال وهي تنظر له بحسرة.
"مسك: عجبك اللي أنت فيه ده دلوقتي؟ شوفت عمايلك السودا وصلتك لفين؟ جولي يابلال استفدت إيه من جيتلك في الناس؟"
"لمرة واحدة بس، اعمل حاجة تنفعك في آخرتك."
"جولي كلمة السر يابلال، جولها، عشان خاطري."
سعل بلال وحاول الوقوف ومسح الدماء التي نزلت من أنفه وفمه.
ولكن فشل أن يقف بسبب وجع جسده.
فنطق بسخرية:
"هاتي ودنك أقولك."
قام صادق بتفتيشه وجد الجهاز الذي يمنع تفجير القنابل ولكن لن يعمل غير ببصمة صوته.
حاول التحدث بهدوء:
"بلال، انت مش هتستفاد حاجة من موت الناس."
"ولو هنموت أخوك هيحصلنا هو كمان ويموت."
وجد بلال أخيه بين يدي أحد العساكر يقيدون حركته.
وكانت حالته مزرية ويبكي.
ولكن ما صعب عليه الأمر عندما وجد أخيه يصرخ ويبكي ويترجاه أن يغلق تلك المتفجرات حتى لا يموت.
"حجاج: مش عايز أموت يابلال، أبوس إيدك جولهم كل اللي هما عايزينه، أنا مش عايز أموت، أبوس رجلك يا خوي، بلاش تقتلني."
قالها حجاج بانهيار خوفاً من الموت.
صرخ فيه بلال:
"خايف من الموت، ومخفتش منه ليه وانت بتسلم نفسك لكلب زي ده ويتسلمهم أخوك بكل سهولة؟"
"اديتهم كل الورق اللي يديم أخوك، ودلوقتي عايزني ألحقك من الموت؟"
"بعد ما غدرت بيا، دا أنا كان عندي استعداد أعمل أي حاجة وأخسر أي شيء عشانك حتى لو حياتي."
"خسرت البنت الوحيدة اللي حبيتها بسببك وعشانك، ودلوقتي بتترجاني بعد ما بعتني لرضوان؟"
"لأ يا حجاج، هنموت كلنا، أنا مش هموت لوحدي وأسيبكم تتهنوا في الدنيا."
أمسكت به مسك تترجاه:
"بلاش يابلال عشان خاطري، الناس ملهاش ذنب، قول كلمة السر يابلال، جولها."
"عايزة تعرفي كلمة السر؟ انتي كلمة السر."
"انتي الكلمة اللي هاتحي الناس دي، بس بصوتي أنا مش حد تاني."
بكت مسك بانهيار وقامت لأول مرة باحتضانه.
تحت عيون رضوان الذي كاد يقتلعها من أحضانه.
ولكن منعه صادق وأشار بعينيه أن يصمد.
ولكن ما جعله يتجمد عندما سمعها تقول:
"لدرجة إني بحبك يابلال؟ أنا كمان لسه بحبك."
"وعشان بحبك ومقدرتش أكون لراجل غيرك."
خرجت من أحضانه وهي تنظر لعيونه المدهوشة من فعلتها وما قالته.
هزت رأسها وهي تبكي:
"أيوه أنا متجوزتش، ولله ما اتجوزت، أنا وهو كنا هنتجوز بس بس."
زادت في بكائها قائلة:
"أمي ماتت قبل ما نكتب الكتاب... كانت وصيتها إني أتزوج رضوان بس أمر الله نفذ قبل كتب الكتاب."
ظلت تبكي وهي تقول:
"بس مش هقدر أكون لغيرك حتى لو هلغي وصية أمي، أنا بحبك يابلال وعمري ما شفت راجل في حياتي غيرك."
"ولو هتموت لازم أموت معاك، ولو مكنتش ليك في الدنيا هكون ليك في الآخرة ومش هبعد عنك مهما حصل، حتى الموت مش هيبعدنا عن بعض."
لم يصدق أذنه.
حتى رضوان وصادق اللذان وقفا مصدومين.
صرخ فيها رضوان لا يصدق ما يسمعه منها:
"انتي اتجننتي؟ إيه اللي بتقوليه ده؟"
"أنا أبقى مجنونة فعلاً لو بعدت عنه، أنا لسه بحبه، وعمري ما أحبك."
"ابعد عني انت عشان عمرك ما هتلاقي فيا الست اللي بتتمناها، أنا عمري ما أحبك."
"اخرج يلا وخد صاحبك، أنا مش هخرج ولا هبعد عنه، ابعدوا عننا، سيبونا لبعض حتى لو بالموت."
هنا اقتربت من بلال ونظرت له بشوق كبير ولمست وجهه بيدها حتى جعلته يغمض عينيه ويشعر بها.
وسمعها وهي تقول بصدق:
"بحبك يابلال."
نطق الآخر بهيام رداً عليها وهو مازال على حالته تلك.
"وأنا بحبك يا مسك."
"تم تعطيل القنابل."
تلك الجملة صدرت من الجهاز الذي تمسكه مسك الليل بعدما خدعت بلال وقرأته منه.
وهنا فتح عينيه بصدمة كبيرة وهو ينظر لها بصدمة.
"لماذا فعلتي هذا؟ كيف خدعتيني؟"
تلك هي الأسئلة التي سألها بلال لنفسه.
لم يأخذ وقت طويل للتفكير.
فأخرج سلاحه ووجه ناحيتها.
وكل ما يرن في عقله في تلك اللحظة أنها خائنة له ولحبه.
وقبل أن يضغط على الزناد كانت رصاصة رضوان تستقر في كتفه بدلاً من رأسه.
فقد ضرب صادق يده وجعل الرصاصة تنحدر لكتفه.
ولكن لم يعجز أمام تلك الرصاصة التي اخترقت جسده.
بل ما عجله يعجز فعلاً هي عندما وجدها تقتله دفاعاً عن نفسها.
أمسكت السكين وقامت بطعنه في قلبه.
انهمرت دموعه ولم ينظر لسكين الذي تعلق داخل صدره بسببها.
بل اقترب وضمها حتى مات بين أحضانها.
وقبل أن تخرج آخر أنفاسه نطق بضعف.
"ها قد تحققت أمنيتي ومت بين يديك يامسك قلبي."
من قتل يقتل ولو بعد حين.
وهو قتل وأزهق نفوس كثيرة بغير حق.
وها هو يقع قتيلاً وصريعاً بين يديها.
ويموت كما أمات الكثير.
ولكن ما يهونها عليه هو أنه مات بين يديها وكأنها آخر دعواه وقد نفذها الله.
للقطعة التي في قلبه البيضاء التي أحبها بها بصدق.
ويقع القاتل العاشق بين يدي محبوبته قتيلاً.
رواية مسك الليل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة طارق
في النار وجحيمها يا دوك.
مزامنتا مع انتهاء حديثه، أتى صادق برجال الإسعاف ورجاله ليؤمنوا الخروج للرهائن الباقية، ويأخذوا رجال بلال الأحياء منهم والأموات. جمع جميع المصابين.
تحرك ناحية رضوان ووقف خلفه. وقبل أن يفتح فمه وينطق، سبقه رضوان لينهي أي حديث قائلاً:
"مسك تخرج من الليلة دي بسرعة يا صادق. أنا مش عايز حد يعرف حاجة. خطأ حصل أثناء اشتباكنا معاه وقررنا نتصرف. وأنا متحمل كل حاجة على مسؤوليتي."
كاد ينطق صادق ليوضح له، ولكن لم يستمع له رضوان وهو يتخطاه وبين يده مسك قائلاً بنزق:
"مش هتكلم تاني. خلصت كلام."
هكذا خرس صادق وخرج بها. حتى قابل بالخارج بعض الأطباء الذين التقوه. حاول أحدهم أن يأخذها منه ليفحصوها، ولكنه لم يعبئ بهم وتركهم دون كلمة. ذهب بها باتجاه سيارته، فتح الباب الخلفي وجعلها تنام على الأريكة. وبعد أن اطمئن عليها، تركها واتجه ناحية عربة الإسعاف التي تحمل زينة، أرملة أخيه رشاد. أوصى عليها الطبيب الذي سيرافقها للمشفى. وبعد أن انطلقت السيارة بسرعة بها لخطورة حملها بعد كل الأذى البدني الذي تعرضت له.
بعد أن انطلقت السيارة بزينة للمشفى، ذهب لسيارته. لم يعبئ بأي شيء آخر بعد أن اطمئن على الجميع ما عدا زينة. ودعا الله أن تقوم منها سالمة.
كان يسير بسرعة معقولة وكان ينظر لها من خلال المرآة. حتى أطال لها النظر قليلاً قائلاً بتنهيدة حارقة:
"كله هينتهي يا مسك. وللأبد."
وبعد نطقه لآخر كلمة، انطلق بسيارته بسرعة عالية حتى كادت السيارة تتطير في الهواء من سرعتها القصوى، وكأنه سينهي حياته.
***
أما عن السيدة المبجلة، والدة بلال، فهي تجلس في المشفى بجانب ابنة أختها الوحيدة، تيا، التي كانت من ضمن أحد ضحايا بلال. ابنها كان يجلس على الأرض أمام غرفة العمليات بعد أن أصر الطبيب على دخولها ليوقف نزيف رأسها.
تقف بالخارج تولول على تلك الفتاة الشابة التي من الممكن أن تخسر شبابها، تموت بسببها هي وبلال. ولدها الذي تبدل وأصبح شخصًا آخر غير الذي أنجبته وربته بنفسها، وضيعت عمرها السابق في تربيته. وكأن شخصًا آخر يشبه بلال تقمص دوره، أصبح بدلًا عنه. لأنه كيف لرجل مثله أن يكون قاسيًا مع أمه لدرجة أنه يهددها بالموت؟ أم أنها تستحق كل هذا منه؟
قطع تلك الدراما خروج الطبيب لها، ولكن كان وجهه لا يدل على أي خير أبدًا. بدأ القلق والتوتر يتشكل على وجهها قائلة:
"فيه إيه يا دكتور؟ هي جرالها حاجة؟ ماتت؟"
تنهد الطبيب بحزن وهو يهز رأسه بلا، ناطقًا:
"الآنسة العمود الفقري بتاعها فيه نسبة كسر كبير، وده أدى لشلل نصفي."
شهقت نجوان وهي تلطم خدها من الصدمة وهي تردد كلمته (شلل):
"للأسف أيوه. ولسه مش هنقدر نحدد الشلل ده هيبقى في إيديها أو رجليها، أو يمكن الاثنين مع بعض. وبعد كده حركتها هتبقى على كرسي متحرك."
انهمرت دموعها حسرة على تلك المسكينة وهي تدعو بداخلها أن يوجد لها حل لتسير على قدمها من جديد.
"طب فيه أمل إنها ترجع تمشي تاني زي الأول؟"
نطق بحزن:
"للأسف لا. مفيش أي عملية لحالتها. بس إحنا آمالنا في ربنا كبير، وكل يوم الطب بيتطور. عن إذنك."
بعد تلك الصاعقة التي هبطت على رأسها، وحدها لا تعرف ماذا تفعل مع تيا بعد أن تفيق، أو والدها وأختها؟ ماذا ستقول لهم؟ أن ابنها هو من حاول قتل ابنتكم.
"منك لله يا بلال. هقول لأبوها وأمها إيه؟ هقولهم ابني حاول يقتل بنتكم بس الحمد لله مماتتش بس اتشلت. ينتقم منك ربنا بعدله يا بلال."
وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى رأى الله بعينيها عدله كما دعت. تركض باتجاهها لتخبرها بهذا النبأ السيء. وقفت أمامها باكية ناطقة:
"ست نجوان، إلحقي. الدكتور بلال جابينه مقتول من الكنيسة وهيودوه المشرحة. تعالي بسرعة عشان تلحقي تشوفيه."
رمتها بتلك الكلمات الخارقة لقلبها كأم، وجعلت جسدها يشل وكأن الروح خرجت من جسدها لتهوي على الأرض. وتحاول الزحف، ولكن أوقف تلك المحاولات جسد ابنها النائم على السرير المتحرك، ويركض به بعض الممرضين نحو المشرحة.
صدرت منها صرخة قوية هزت المشفى بما فيها:
"بلاااااااااااااال، لاااااااا، يا ابني... يا حبيبي. موت خلاص يا بلال. سبت أمك لوحدها. طلبتها ونولتها من غير توبة يا قلبي. آه يا حتة من كبدي."
ظلت تولول وتلطم خدها. وبعدها فقدت وعيها وهي ترى آخر شيء هو جثة ابنها بلال. ويصدر صوته في عقلها وهو يقول لها آخر جملة قالها لها قبل وفاته:
"لسه لحظة موتك مأذنتش يا نجوان. استني الأول لما تتحسري عليا، وبعد كده موتي."
وهي قد تحصرت عليه بالفعل. لم يكن مخطئًا. وها هم الثلاثة في المشفى. وكانوا من أكثر الناس التي تبحث عن المال. أي قيمة لهذا المال الذي يجعل الحروب تشن من أجله؟ يا للسخرية. أن نجعل ورقة ملونة مثل هذه تتحكم في حياتنا وتقودنا مثل الحمير لها. وأكبر مثال لكم هؤلاء الحمير، أقصد هؤلاء الثلاثة.
أمثال بلال الذي كانت نهايته سكينة من يد حبيبته مسك، ومن سلمه أخيه حجاج. ها هو ملقى في المشرحة، ولم تنفعه كل الأموال التي جمعها بأي شيء. لم تعيده للحياة مرة أخرى.
وتيا، التي شلت من أجل ركضها وراء بلال لأجل أموالها، ونهايتها أصبحت على كرسي متحرك.
ونجوان، التي زرعت في ابنها عشق المال وحبه للقيادة دائمًا، حتى لو على حساب الآخرين. ها هي ترى حصاد ما زرعته أمام عينيها. ودماء ابنها متناثرة على الأرض، وكل من سيمر يدوس عليها دون أن يعبئ من صاحبها.
***
ضرب الباب بقدميه وهجم عليها يمسكها من حجابها ويلقيها على الأرض. وظل يضرب فيها بقدمه ثم يده حتى أدمى وجهها. ولم يعبئ حتى بحرمة الميت. لم يعبئ بصراخ تلك المسكينة التي تحت قدميه تصرخ من كثرة الألم، وورد التي تستنجد بأي أحد حتى ينجد مسك من براثن هذا الوحش الذي ظهر لهم من العدم.
رواية مسك الليل الفصل العشرون 20 - بقلم سارة طارق
كانت تصرخ وتستنجد بإى أحد يساعدها ولكن لم يتحرك أحد رغم هذا التجمهر. الذى ذهب ورأها بسبب صراخها والسبات التى تمر عليها من فم
هذا الجاحد الذى يمسكها من خصلات شعرها ويجرها على الأرض دون. أن يعبئ لجسدها الذى ينزف بسبب احتكاكه فى الأرض بقوة ... غير الأحاديث التى يلقيها عليها تدنس شرفها
صرخ بصوت جهورى وينادى على صاحب المنزل الكبير الذي يقف أمامه بعد أن رما مسك تحت قدميه وترك شعرها ولم يعبئ بتلك العيون التى تخترق جسدها الذى تعرى من فوق عبائتها التى تمزقت بسببه ظل يضرب البوابه بقوة حتى أتى مجموعه من غفر البيت وأشارو بأسلحتم عليه
ولكنه لم يعبئ بهم ولا بأسلتحهم وظل يصرخ
وينادى صاحب البيت مرددا بغضب جحيمى وكان وجهه أسود قاتم من شدة غضبه قائلا
" اخرچلى ياكبير البلد أخرچ ياعمدة الصعيد يا نائب البلد ياللى بتقعد تدى دروس عن الشرف والعرض تعالا وشوف أبنك اللى بتجولنا انك مربيه على الشرف والأصول تعال وشوف الظابط بتاعك اللى المفروض يحمى بناتنا ويحافظ على شرفهم بعد ما أختي الله يرحمها استئمنته عليها جام خان الأمان وضحك على بنتنا وضيع شرفها ورمها بعد ماخد عرضها خدها لحم ورمها عضم بعد ما خد حلاوتها .... " ولكنه صمت واحتدت عيونه بعد أن رأى رضوان يركض بإتجاهه بسرعه يهرول ناحيته رضوان الذى أصبح فى نظره خائن الأمانه
وأكل لحوم الولايا مثل مسك
هرول بإتجاهه وأمسكه من جلبابه وهو يهزه بقوة صارخا فى وجهه
" أنت اتجننت ازاى. تعمل فيها كده " وبكل غضب رفع رضوان يده فى الهواء ليلكم هذا المجنون الذى فعل بحبيبته هكذا ولكن تعلقت يده فى الهواء بسبب صوت والده
" رضوان نزل يدك " جملة بسيطه ولكنها جعلت هذا النمر الذى كان على وشك أن ينقض على هذا البغيض ويأكل حلمه هو ليس هى ولكن جملة والده جعلته يرجع عما كاد يفعله والقاه بعيدا عنه بعنف كاد يوقعه ولكن الآخر تمالك نفسه على اخر لحظه
وبلهفه اقترب منها ولكن كانت عصه والده تحجز بينه وبينها وبسرعه رفعه رأسه والده وينظر لعينيه كأنه يترجاه يتركه حتى يطمئن عليها
ولكن كانت نظراته جابر جامده محذره وصارمه ليبتعد عنها وألا يلمسها وبالفعل نطق جابر بصوت بارد
" بعد عنها هنبعت اللى ياخدها " قالها وأشار لأحد الغفر أن يأتى بأحد من المنزل ليحمل مسك لدخل وأكد عليه أن تكون سيدة بها عافيه لتحميها لداخل
لم ينتظر رضوان كثيرا وقام بخلع عبائته وألبسها أيها وتجمعت الدموع بعينيه وهو يسمعها تتأوه وهو يرفعها ليزل الجلباب على جسدها يغطيه ويداريه عن كل تلك العيون التى تجرح فيه فكان كتفها الأيسر ظاهر وجزء من ظهرها وتظهر جزء من قصبة قدمها
تأكد أنهارى جسدها بأكله وساعده مقاسه الكبير فى ذلك لكبر بنيته الجسديه ، وأمام أعين الجميع يقترب منها رغم تأوهها وضعفها تحاول لتبتعد ولكن لم تقدر وخانتها قوتها بسبب هذا العذاب الجسدي الء نالته من يد خالها ، فرطت دمعه من عينيه لرؤيته لها بهذا الشكل ولم يتحمل أن يصمت على ما جرى لها
هاب واقفا وانتقض عليه رضوان كالنمر الذى ينقض على فريسته ليقتلها ونهش لحمها يجعله كما يقال
( هيخليه نساير ) امسكه رضوان من لياقة جلبابه وقامت بضرب بجبهته فى رأس رجب مرتين وبعدها بضربه بعض اللكمات فى جميع اتجاهات وجهه حتى ادما وبعدها قام بضربه بقدمه أسفل بطنه وقام برميه على الأرض وكان سوف ينقض عليه ولكن كانت عصى والده هى الفيصل بينهم وصرخ فى وجهه ليبتعد ولكن كاد لاول مره يخالف رأى والده ولكن
ولكن هدر والده صارخا " بسرعه يا بهايم حد يمسكه جبل ما يموته فى يده ، بدل ماتبجه الچنازه حاره والميت كلب "
هدر فيهم رضوان وهو يصرخ بهم حتى يتركوه ليلقن هذا الكلب درسا لن ينساه ابدا ولكن لم يستطع الإفلات فقد انقض عليه أربع أشخاص من غفر والده حتى لا يستطع الإفلات منهم
" سبونى ، عليه ولله يارجب لا خليك عبره فى البلد كلها واخلي الدنيا كلها تتف عليك ... وبقولهالك قدام الناس دى كلها لخليك توطى تبوس رجل مسك اللى دنست فى شرفها بالباطل وفضحتها وعبت فى عرضها قدام اللى يسوه واللى مايسواش .... ولا أقولك محدش منهم يسوا ، كل الناس دى متسواش بصله طلما جوم وراك يتفرجه ومحدش منعك يبقوا نسوان وعايزه تلبس طرح زى نسوانهم اللى واقفين جمبهم" ثم اكمل وهو يبصق على رجب وعلى هذا التجمع قائلا بحسره
" أتفو على الرجاله اللى سمحوا لكلب زيك يهين بنت أخته و يجرجرها فى الشارع لحد هنا ... انتوا بتتفرجوا على أيه مصعبتش عليكم وهى بتستنجد بيكم أيه كان شكلها وهى بتجرجر فى الأرض عجابكم كنتوا بتتفرجوا على لحمها اللى أتعرى قصدكم وبينزف أتفو عليكم دا انتوا شنباتكم دى كلها منظر بس '
كان رضوان يعطي ظهره لرجب وكان يسب فى الناس ولكن استغل ىحب انشغال رضوان عنه وحاول الوقوف من جديد واسترجاع بعض القوة حتى لا يتغلب عليه رضوان ويجعله أمام الناس هو الكاذب
فنطق بصوت جاهد ليرفعه حتى يسمعه كل الناس
" خليكم شاهدين يابلد أنه اتهجم عليه وضربنى قدامكم عشان بدافع عن شرفي وشرف بنت أختى ، هاني وأنا فى بتهم وهانكم معايا عشان يلغوش علينا ومنعرفش الحقيقه ، بس انى مش هسكت ولا هخليهم يضيعوا حق بنت أختى ويصيعوا سمعتها
زى مابنتهم فضحتهم وهربت مع عشيجها وفضحتهم
جدام الدنيا بحالها عايزين بنت أختى بجا خاطيه زى بتهم " هدر بكل تلك الكلمات ولم يعلم أن بتلك الكلمات كتب حروف أسمه على لوح قبره ظن أنه كهذه سوف يكسب تعاطف الناس معه ويصمهم إلى صفه ولكن لا يعلم أن من يضع نفسه فى خانة المتفرج لا يساعد أحد ولا ينضم لأحد فقط يشاهد من بعيد دون. أن يقترب
وتلك الكلمات نزلت على جسد رضوان مثل ضربات الكرباج التى يتلقاها المجرمين فى المعتقلات
كادت قدم جابر تخونه ولكنه تمالك نفسه لأخر لحظه فما سمعه لتو عن ابنته ليس هيننا وخصوصاً عندما يكون الحديث صحيح ولكنها مهما فعلت لن يسمح لأحد أن يتحدث عنها بإى سوء
أما عن رضوان فهو قد وضع يده بجانب خصره يبحث عن مسدسه ولكنه تذكر أنه لا يرتدى جلبابه
ولكن وجد والده يتجه ناحية رجب حتى وقف أمامه ونظر له بشر وبعدها قام بصفهه على وجهه صافعه سمع صداها كل من كان يتفرج عليهم قلت لكم الناس تحب المتابعه فقط ، تلك الصفعه كانت قويه لدرجة أنها أراحت رضوان وجعلت يبتسم ببعض الراحه ولكن ليس القلم فقط الذى سيريح رضوان
بعد أن صفع جابر رجب على وجهه صرخ فيه " جطع لسانك أى حد يجيب فى سيرة بنتى ولا يعيب فيها بنتى دى تبقا ستك وست البلد كلها يا رجب الكلب " قال أخر كلمة وبعدها امسك عكازه وقام بضربه على جسده حتى جعل الأخر يصرخ من الألم ولكنه تجرأ وقام بدفع جابر ليبتعد عنه ولكن كانت دفعته تلك قويه كادت أن توقع جابر ولكن كان رضوان الأسرع وأمسك والده حتى استطع جابر أن يستقيم ويقف من جديد وبعد أن تأكد رضوان من سلامة أبيه
نظر لرجب والشر يتطاير من عينيه وكان على وشك الفتك به .... شعر رجب برعب من نظرات رضوان له وجحظت عينيه عندما وجده يتجه به ماثور الهائج ولكن قبل أن يسمه رضوان كان هو الأسرع عندما أخرج سلاحه من جلبابه وأشاره فى وجه رضوان ليبعده عنه وكأنه ظن أن رضوان من النوع الذى يهاب من الأسلحه
ولكنه صرخ رجب فى رضوان وهو يشير له بسلاحه ظنن أنه سيخيفه
" ارجع يارضوان لو جربت ناحيتى ديتك طلجه من المسدس ده فى دماغك وساعتها مش هيبقت ليك عندى دى والناس دى كلها شاهده انى هنا عشان بدافع عن شرف بنت أختى "
" شرف مين يا ابو شرف انت اللى زيك أخر واحد يتكلم عن الشرف بعد اللى عملته ده فيها وفضحتها بالباطل وعريت لحمها وجيبها من بتهم لحد هنا بتجرها زى البهيمه وبتقولى شرف وعرض "
" أيوه شرفها وعرضها اللى انت اخدته غصب ، وخنت الأمانه اللى امنتها لك اختي الله يرحمها زينات " نطق رجب بكل غل وغضب حتى أعماه غضب عما يقوله ويفعله
صرخ فى وجهه رضوان وهو يقترب منه " بردوه هتكلم الكلام الفارغ بتاعك ده وتتهمنى أنى أختها غصب قطع لسانك مسك لسه بنت .... ولكن قطع حديثه صوتها هى ... وهى تستند على يد رضوان من خلفه وبعدها قاومت ألام جسدها حتى وقفت بجانب رضوان تحتضن ذراعه مما جعله يستغرب فعلتها تلك ونظرة لكل ذلك التجمهر وكأن البلده كلها أتت لتشاهدها اليوم وهذا ما جعلها تبتسم بسخرية وخيره عليها وعليهم
ونطقت وهى تحاول أن تنظر لهم بكل عيون جامده بارده قائلا لخالها ولهم أيضا
" مين جالكم أنه أخده غصب ياخال " تمسكت بيد رضوان بقوه وشبكت يديها بيده قائلا بكل برود
" رضوان جابر النمر يبقا جوزى على سنة الله ورسوله وشاهد على الجوازه دى بدر جوز أختى "
وهنا كانت الصاعقه التى أصابت الجميع وكانوا فى المقدمه رضوان وخالها وجابر الذى حول أنظاره لأبنه على. الفور ينتظر منه أجابه لما قالته تلك الفتاة
ولكن لم يشعر الآخر بنفسه بسببه ما تفوهت به ونظر له بصدمه لتلك الكذبه التى قالتها لماذا فعلت هذا
اظنته ضعيفٍ لا يستطيع أن يجلب لها حقها ويكءبهم جميعا وينصرها هى أمام الكل اظنت أن بتلك الفاعله سوف تعيد كرامتها أمان الناس من جديد .
_________________________________________