اليوم هو يوم عطلتها. استيقظت من أحلامها كعادة كل عطلة على صوت صياح آتٍ من خارج غرفتها. تنهدت بألم وهي تضغط على عينيها بقوة رافضة تقبل أمر استيقاظها أو التحرك من فراشها إلا بعد خروجه، ولكنها تعلم جيدًا أن أمنيتها تلك دون جدوى، فهو مقيم في المنزل ما يقارب الـ 24 ساعة.
بالرغم من انتظارها كل عطلة أسبوع بفارغ الصبر حتى يستطيع جسدها الارتياح قليلًا، إلا أنها تكرهها بسببه. شعور غريب ينتابها وهي تستمع إلى كل ذلك الصياح والانتقاد والسخط الخارج من فمه عليهم جميعًا. كانت كل صرخة تخرج منه لتقتحم أذنها تشعر بأنها مرت أولًا على قلبها لتترك به ندبة دائمة لا تزول.
تنهدت بألم مرة أخرى تتمنى لو أن لها منزلًا خاصًا، لو تستيقظ ذات يوم فتجد كل تلك التقاليد العقيمة قد اختفت فجأة فتستطيع التحرر والاستقلال بعيدًا عنه. التقطت أذنها اسمها يُلفظ من قبل والدتها فعلمت أن كل سخطه الآن سيتحول نحوها. تنهدت بألم للمرة الثالثة تستعد لاستقبال ما لا يسرها كالعادة. تحدثت والدتها برجاء تستجديه:
-ماشي يا عبد السلام، بس وطّي صوتك شوية، ملوش لازمة زعيقك ده. خلينا نتكلم بالراحة وبعدين حياة نايمة جوه، سيبها تنام شوية النهارده إجازتها. صاح بها بصوت يرج أركان المنزل من قوته: -متقوليش وطّي صوتك، أنا حر أعمل اللي أنا عايزه. اللي عايز ينام هينام في الطبل. الساعة كام والهانم اللي انتي خايفة منها لسه نايمة. تنهدت أمنة بيأس تعلم أنه لا سبيل للنقاش معه بهدوء: -انت عايز منها إيه؟
النهارده أجازتها من الشغل وده اليوم اللي بتنام فيه، سيبها ترتاح شوية. عقد عبد السلام حاجبيه معًا وهو لا يزال محافظًا على نبرته الساخطه بصراخ: -أيوه ياختي دلعيها، مانتي عينيكي المحامي بتاعها. وبعدين محدش قالها تشتغل. هو أنا كنت مستفاد إيه من شغلها ده؟ مبتصرفش عليا منه ومش بتحوش، يبقى تقعد أحسن. هزت أمنة رأسها بحزن قبل أن تجيبه ونبرة الضيق ظاهرة عليها: -يا حول الله يارب. انت عايز منها إيه؟
ماهي شايلة نفسها بنفسها ومتطلبش منك حاجة وكل اللي عايزاه بتجيبه لنفسها. ده غير دراستها مش مكلفاك حاجة وأي حاجة بتحتاجها بتجيبها على طول. عايز إيه تاني ناقص تحاسبها على اللقمة اللي بتأكلها يا عبد السلام!!! اهتزت نبرته قليلًا ولكنه عاود الحديث بنفس السخط:
-أنا مش عاوز منها. بس أنا خلاص الحمل تقل عليا. أنا مش هفضل أصرف عليهم طول عمري. وعشان يكون في علمك أنا مش هصرف على جوازة حد تاني. اللي عايز يتجوز يحوش ويجوز نفسه، كفاية عليا قاعدة لدلوقتي. انتي أهلك رموكي عليا من وانتي عندك 18 سنة وبتك أهي عدت الـ 25 ولسه قاعدالي. أجابته آمنة باستحقار جلي: -إيه اللي انتي بتقوليه ده!! انت بتعاير بنتك عشان لسه لحد دلوقتي متجوزتش يا عبد السلام!! وبعدين انت بتصرف على مين؟
ما هي شايلة نفسها بنفسها والتانية متجوزة وبعيدة هي وجوزها حتى الولا شايل نفسه وأنا بشتغل!! انت شكلك كبرت وخرفت، عيب عليك لو حد سمع الكلام ده يقول إيه! وبعدين أنا أهلي مرمونيش على حد، انت اللي حفيت ورايا سنين وياريتني ما كنت وافقت. لم يجد ما يجيبها به بعد تلك الجملة، فتحرك بنفاذ صبر للخارج مدعيًا العصبية، صافقًا الباب خلفه بقوة.
كانت حياة تستمع إلى كل ذلك الحديث، تشعر بأن كل حرف يتفوه به كالرصاص يستقر بقوة داخل قلبها ليحدث به ضرر دائم من أقرب رجل إليها، من بطلها الأول وسندها في تلك الحياة والدها! مسحت دموعها بكف يدها قبل أن تقرر النهوض، فأمامها يوم طويل عليها قضاؤه. تحركت للخارج تلقي تحية الصباح على والدتها بحب. فبرغم كرهها لكل ما يحدث في ذلك المنزل وأكثرهم ضعف والدتها وقلة حيلتها، إلا أنها كانت الأقرب إليها. ابتسمت لها آمنة تسألها بحنان:
-حياة هتفطري ولا زي كل يوم؟ أجابتها حياة بقلب مثقل، فذكرى كلمات والدها لازالت تتردد داخل أذنها بقوة: -لا يا ماما، مليش نفس. يدوب أستغل اليوم في إني أروح الجامعة أستلم شهادة الماجستير وأقابل محمود وأشتري شوية حاجات ناقصاني وأحضر لاجتماع بكرة. عندي اجتماع مهم جدًا في الشركة وعلى أساسه هتقرر ترقيتي. ادعيلي والنبي يا ماما ربنا يكرميني فيه وأترقى.
عقدت والدتها حاجبيها معًا بقوة بعد دعواتها لها بالتوفيق، فعلمت حياة مصدر قلقها. سألتها بخفوت تعلم الإجابة مسبقًا: -ها يا ماما، في إيه بس؟ اندفعت آمنة في الحديث فور سؤالها: -انتي عارفة يا حياة في إيه كويس. والله يا بنتي لو عرف بموضوع محمود هيخرب الدنيا فوق دماغنا كلنا. ما توافقي يا حياة وتريحي قلبي وتريحه. ثم اقتربت منها تمسح على شعرها بحنان وهي تضيف:
-يابنتي من زمان قالولنا خدي اللي بيحبك، وهو مش بس بيحبك ده بيموت في التراب اللي بتمشي عليه، عايزة إيه تاني بقى؟ حدقتها حياة بنظرة استنكار قبل التعليق على حديثها: -ماما حب إيه اللي بتتكلمي عليه!! انتي بجد مصدقة؟ ده إنسان اتشال قلبه من مكانه من زمان واتحط بداله حجر. وياريت حجر ده حتى الحجر ممكن يلين، لكن ده لا! وكمان إحنا مش قرأنا فاتحة مع محمود امبارح وخلاص، فاضل إيه تاني بقى؟ أجابتها آمنة بلهفة
يشوبها الكثير من القلق: -باقي إنه مش هيستخبى، هيعرف يعني هيعرف ده جواز، ومفيش جواز بيداري. ووقت ما يعرف هيهد الدنيا علينا. ده كل ده مستنيكي يا حياة، أستناكي تكبري وبعدها أستناكي تتخرجي وآخر حجة تخلصي الماجستير بتاعك وهو صابر علينا وساكت. لو كان الموضوع فيه حد غيرك مكنش سكت كل ده أبدًا ولا كان استحمل دلاله عليه كده. ميغركيش سكوته يا حياة أنا أدرى واحدة بيه. لو صبره خلص هيحرقنا كلنا وأولهم محمود.
ارتعشت حياة داخليًا من حديث والدتها، فهي تعلم جيدًا أنه لا ينتمي لعالم الإنسانية، إنه فقط مخلوق بدون قلب، نسى مصطلح الرحمة منذ زمن طويل ويبدو أنه لا مجال لتذكرها مرة أخرى. ولكنها لن تتزوجه، حتى لو كان آخر شخص على وجه الأرض لن تتزوجه، فالموت أفضل لها من معاشرة إنسان بدون قلب. لن تخرج من سجن والدها لتدخل سجن وحش لا يعرف معنى الرأفة. حاولت طمأنة والدتها بشيء هي شخصيًا تفتقده:
-سيبها على ربنا وربنا يستر، المهم بس ميعرفش حاجة وخلاص. كانت على وشك توديع والدتها عندما رأتها تلتقط حقيبة يدها وتذهب معها. سألتها حياة مستنكرة: -ماما! انتي رايحة فين؟ تنهدت أمنة بنفاذ صبر: -هكون رايحة فين يا حياة يعني، مانتي عارفة. زفرت حياة بحنق مبدية اعتراضها: -يا ماما كفاية بقى، الله يخليكي ابعدي عنه واقعدي وكفاية كده. أجابتها آمنة بحدة: -أقعد إزاي يا حياة!
مانتي عارفة كويس اللي فيها. عايزاني أسيبه الشغل عشان ينفذ تهديده ويسجن أبوكي. أجابتها حياة والكره يملأ نبرتها: -أيوه سبيه، انتوا اللي بتدوله الفرصة يتحكم فيكم ويوصل للي هو عايزه لما بتوافقوا على ابتزازه ده. لو كلكم بتقفوا قدامه وتقولوله لأ بعلو صوتكم مكنش عرف يتحكم فيكم بالشكل ده. قاطعتها آمنة بتأنيب واضح: -انتي بتقولي كده بس عشان أبوكي ميهمكيش. لو كان بيضغط عليكي بحد مهم كان زمان رأيك اختلف.
أطرقت حياة رأسها للأسفل بخجل، فهي تعلم بصحة حديث والدتها حتى لو لم تعترف بذلك. فمن أكثر الأشياء التي تمنح فريد رسلان قوته هي قدرته على معرفة نقط ضعف من أمامه ثم استخدامها ضده بدون رحمة حتى يخضع لطلباته. وهذا ما فعله مع والدتها، فهو يعلم جيدًا أن حياة لن تهتم بما يصيب والدها لذلك حول تهديده إلى من يهتم لأمره. اللعنة عليه لو فقط يعلم كم تمقته وتحتقره. *****************
تحركت حياة للخارج بجانب والدتها لترى محمود واقفًا ينتظرها عند مقدمة الشارع. ابتسمت بخجل وهي تراه ينظر لها بإعجاب واضح. كانت حياة فتاة عادية قصيرة القامة ذو جسد ضئيل ولكن متناسق بشكل مغرٍ. ذو بشرة حنطية ناعمة ووجه مستدير تزينه ملامح صغيرة بعيون سوداء فاحمة وأهداب طويلة للغاية وشعر ناعم كثيف يماثلها في السواد. ولكنها أيضًا كانت مثل جميع الفتيات تمتلك جمالها الخاص الذي يميزها. وأهم ما كان يميز حياة إلى جانب شخصيتها الأنثوية الرقيقة للغاية والمتناقضة ما بين القوة والحساسية هي نظرة عينيها. لقد أنعم الله عليها بنظرة عين حالمة تجذب الجميع إليها. وكم سمعت عبارات كثيرة ما بين المتعجبة والحاسدة لتلك النظرة.
تقدم منها محمود يلقي التحية بأدب على والدتها أولًا ثم يخصها بالحديث متسائلًا: -حياة، جاهزة؟ أومأت له برأسها موافقة قبل أن تودع والدتها ويذهب كلٌ في طريقه.
كان محمود موظف شئون الطلبة في الجامعة التي تدرس بها، يكبرها بـ 4 سنوات وذو شخصية حنونة مستقيمة، وهذا بالضبط ما دفع حياة للقبول به. لم تكن علاقتهما مبنية على قصة حب، فقد اقتصر تعاملها معه على دراستها فقط حتى فوجئت به في إحدى الأيام يطلب منها موعدًا رسميًا لمقابلة والدها وطلب يدها. وبناءً عليه وافقت. لم تدرِ أهو عنادًا بوالدتها التي ارتعدت أوصالها بمجرد سماعها خبر طلب شخص آخر خطبتها، أو تحديًا لذلك المتجبر الذي يخشاه الجميع، أم عنادًا بشخصها؟
كل ذلك ليس مهم. المهم أنها وافقت وأن محمود شخص جيد يعاملها بحنان افتقدته من بطلها الأول. وصلا إلى حرم الجامعة فالتقت بصديقتها مريم تنتظرها بتأفف: -إيه يابننتي اتأخرتي لييييه بقالي ساعة مستنيياكي. التفت إلى محمود، ألقى عليه التحية باقتضاب، فانسحب من بينهم متمتمًا: -حياة، أنا هروح أخلصلك الشهادة وأرجع على طول، مش هتأخر. أومأت برأسها له موافقة: -تمام، وأنا ومريم قاعدين هنا لحد ما تخلص. تحرك على الفور يصعد الدرج، عندما
التفتت حياة تؤنب مريم: -يا بنتي فيه إيه مالك؟ مش طايقة محمود ليه؟ أجابتها مريم بصدق: -بصراحة يا حياة دمه تقيل، وبعدين مش حاساه لائق عليكي خالص. يا بنتي ادي لنفسك فرصة تحبي وتتحبي، ليه قافلة على نفسك كده؟ حرام تتجوزي من غير حب ولا مشاعر. نظرت إليها حياة بجفاء: -مشاعر إيه وكلام فارغ إيه! الحياة الواقعية مفيهاش الكلام ده، وبعدين مش يمكن أحبه بعد الجواز؟
ما دام هو شخص كويس ومتفاهم مش هحتاج أكتر من كده. وبعدين يا فيلسوفة عصرك أنا مفطرتش لحد دلوقتي، ممكن تسيبك من نصايحك دي وتيجي نشوف أي حاجة آكلها. هزت مريم رأسها بيأس وهي تدفعها للأمام: -اتفضلي، أنا مش عارفة انتي إيه! إنسانة معدومة الإحساس. ثم رفعت رأسها تنظر للسماء متمتمة بطريقة درامية:
-يا رب البت دي تقع على رقبتها وتحب واحد وتيجي تعيطلي وتقولي مقدرش أعيش من غيره يا مريم. وإنك يا مريم كان عندك حق وإن الحب ده أحلى حاجة في الدنيا. نظرت لها حياة متهكمة: -في أحلامك. ثم ركضت أمامها، تتبعها مريم وهي تدب بأرجلها في الأرض من شدة الغيظ. التقط فريد هاتفه مجيبًا بنفاذ صبر ووقاحة معتادة: -اتكلم! صمت قليلًا يستمع باهتمام وعيناه تضيق بتركيز مع كل كلمة تخرج من الطرف الآخر، ثم هب واقفًا يسأل بغضب:
-انت متأكد من الكلام اللي قلته ده؟ أقسم بالله لو طلع مش حقيقي لأدفنك مكاني. صمت مرة أخرى، ثم سأل وهو يتحرك من مقعده داخل المكتب يلتقط بيده الفارغة معطفه ومفاتيح سيارته: -يعني هي في الكلية دلوقتي وهو معاها؟ جاءته الإجابة من الطرف الآخر قبل أن يغلق هاتفه دون وداع وينطلق للخارج بوجه غاضب وجسد منتفض.
كانت حياة واقفة مع زميلتها مريم عندما شعرت بقبضة قوية داخل صدرها، لم تدري ما سببها، ولكنها عندما رفعت رأسها علمت جيدًا لماذا شعرت بذلك، فهناك زوج من العيون النارية تحدق بها بقوة. شهقت بفزع وهي تتمسك بيد مريم التي التفتت فورًا على حركة صديقتها لتسألها ماذا أصابها. تمتمت حياة بكلمات غير مفهومة، التقطت منها مريم اسم فريد فسألتها مستفسرة: -ماله فريد يا بنتي؟ همست حياة برعب وهي غير قادرة على تحريك عينيها من أمامه:
-فريد هنا. شهقت مريم بدورها قبل أن ترفع رأسها للبحث عنه. بالطبع لم تكن مهمة صعبة، فها هو يقف باسترخاء وتفاخر على مقدمة سيارته يرتدي بدلته الفخمة ونظارته الشمسية، عاقدًا كلتا ذراعيه أمام قفصه الصدري بتأهب. سمعت حياة مريم تتمتم بإعجاب: -واو.. ده حلو قوي يا حياة، مكنتش متوقعة إن شكله حلو كده. نهرتها حياة بعنف: -أنا في إيه وانتي في إيه يا مريم؟ إيه اللي جابه هنا دلوقتي؟ ثم شهقت بفزع: -ينهار منيل! محمود!
ده لو شافه هتبقى ليلتنا مش معدية. ارتبكت مريم بدورها، فكم سمعت من حياة عن ردود فعله المتسلطة إذا علم بإعجاب شخص آخر بها، فما بالك بخطوبة. حاولت طمأنة صديقتها بهدوء بدأت تفتقده: -متخافيش، أنا هروح دلوقتي أعطل محمود ومش هخليه ينزل، وانتي حاولي تخرجي بيه بره الكلية. وأقلعي الخاتم ده بسرعة.
أطاعتها حياة على الفور، وفي حركة آلية منها قامت بخلع محبسها ووضعه داخل جيب ردائها بسرية. أوشكت مريم على تركها، ولكن امتدت يد حياة تتمسك بها بكل قوة وهي تراه يترك سيارته ويتحرك في اتجاهها متمتمة: -متسبنيش لوحدي، ده جاي علينا.
بدأ الذعر يدب داخل أوصالها بشدة وهي تراه يتقدم نحوها. لم تكن تخشاه لشخصه، ولكن كانت تخشى قوته وجبروته وقدرته على إيلام أي شخص دون أدنى إحساس بالذنب. راقبته وهو يتقدم منها ببطء وهي تلوي فمها بسخرية، فمريم محقة. إنه يبدو وسيم فعلًا، ببدلته الأنيقة وساعته الرولكس وعضلاته البارزة وخطوته الواثقة بحيث تعجب به أي فتاة من الوهلة الأولى. ولكن لا أحد يعلم أن خلف هذا المظهر الرائع إنسان مصنوع من الحجر، لا يتألم ولا يرحم ولا يحب، فقط يمتلك.
وقف أمامها بطوله الفارغ يتفحصها عن قرب. كتمت أنفاسها وهي تعد بداخلها للعشرة في محاولة لاستعادة هدوئها. لوى فمه بابتسامة جانبية قبل أن يوجه حديثه لها بتسلية: -لو مكنتش أعرفك كويس كنت قلت النظرة اللي في عينيك دي نظرة أرنب مرعوب من مصيبة عملها وخايف حد يكتشفها.
رفعت عينيها تواجهه نظراته بتحدٍ وكره دون حديث، ولكن ما سرعان ما استحوذ على نظرة عينيها شيء آخر. إنه محمود يهبط الدرج في اتجاهها. يا الله، ألا يوجد مخرج من هذا المأزق؟ اتسعت عينيها بصدمة مفكرة: أيعقل أنه لديه علم بخطبتها البارحة؟ دعت ربها داخليًا أن تكون تلك هواجسها الخاصة. وقف محمود أمامها بابتسامة عريضة كعادته وهو يمد يده ليعطيها شهادتها الدراسية متمتمًا بفخر:
-حياة، اتفضلي الشهادة اهي. ولو احتجتي أي حاجة تاني مش محتاجة تيجي بلغيني بس وأنا هتصرف. بالطبع، من وقت وصوله أمامهم وقد استحوذ على انتباه فريد بالكامل، وها هو الآن ينظر لها شرزًا كأنه قط بري يستعد للهجوم نحو فأرة في أي لحظة. فكرت بيأس: لو تظاهرت الآن بفقدانها للوعي، هل ستتمكن من إنهاء هذا اللقاء؟ أعادها من أفكارها صوت فريد القوي يسأل محمود متأهبًا: -مين حضرتك بقى؟ أجابه محمود على عجل بتفاخر:
-أنا محمود، خطيب حياة وزاملها. الآن ستفقد وعيها حقًا، وليس تظاهرًا. التفت فريد ينظر إليها بحاجب مرفوع يهز رأسه لها ببطء قبل أن يعود بنظره إلى محمود مستنكرًا وهو يرفع كلتا يديه يستند بها على كتفه: -خطيبها! لا مبروك. بس يا خطيبها محدش قالك إنك مينفعش تخطب واحدة مخطوبة؟ كان يضغط بقوة على كل حرف يخرج منه مما جعل حياة ترتجف داخليًا من القادم. أجابه محمود مستنكرًا: -خطيبها! إزاي الكلام ده؟ ثم وجه حديثه لحياة:
-حياة، الكلام اللي بيقوله الأستاذ ده صحيح؟ فتحت فمها تجيبه ولكنه أوقفها نبرة فريد الهادرة: -لما أكون بتكلم معاك متوجهلهاش كلام. لا انت أصلًا متتكلمش معاها تاني، لا وأنا موجود ولا مش موجود. ثم انقض عليه في اللحظة التالية يلكمه بكل ما أوتي من قوة حتى صرعه أرضًا، غير آبهٍ باحتجاجات حياة.
تجمهر حولهم العديد من الطلاب يشاهدون ذلك الصراع الدامي بين زميلهم وهذا الشخص الغريب دون تحرك من أحد منهم للتدخل لفض ذلك الاشتباك، بما في ذلك حرس الجامعة. كانت حياة تصرخ به بقوة متوسلة من بين دموعها المنهارة ليتركه ولكن دون جدوى. جلست بجواره وهو لا يزال يسدد لكماته لمحمود الذي أوشك على فقدان الوعي تتوسله وهي تمسك بكتفه: -سيبه، هيموت في إيديك. الله يخليك سيبه، عشان خاطري كفاية.
نظر لها أولًا بغضب قبل أن يتحرك من فوق محمود الذي كانت الدماء تملأ وجهه وثيابه. اعتدل في وقفته وحاول إصلاح هيئته بغرور قبل أن يحدثها محذرًا: -دي عينة صغيرة من اللي هعمله في أي حد يفكر يقربلك. ثم تقدم عدة خطوات يقترب منها قبل أن يضيف: -انتي بتاعتي أنا وبس. حطي ده في دماغك عشان ترتاحي وتريحيني. دفعته بذراعيها بكل ما أوتيت من قوة صائحة بغضب: -مش هتجوزك يا فريد! صدقيني لو انت آخر راجل في الدنيا مش هتجوزك!
أنا أفضل إني أموت ألف مرة على إني أتجوز واحد زيك معندوش لا قلب ولا إحساس. التوت فمه بابتسامة تحدٍ ثم أجابها بثقة: -هنشوف.. كلام مين اللي هيمشي. ثم تركها واتجه نحو سيارته يصعد بها أولًا ثم يقودها بجنون إلى الخارج. كانت لا تزال ترتجف من هول ما رأته عندما اقتربت منها مريم تحتضنها بقوة وتخبرها أن سيارة الإسعاف في الطريق لنقل محمود لأقرب مستشفى.
وقفت داخل أحد أروقة المشفى بجانب صديقتها مريم تنتظر خروج الطبيب من الداخل بتوتر. وصلت والدة محمود برفقته والده وأخواته تلهث وهي تقف أمام حياة تستفسر منها عما حدث معه. لم تستطع حياة إلا قول الحقيقة كاملة لوالديه دون تحريف. انتفضت والدته تصرخ بها مع صدور آخر الكلمات من فمها: -وانتي مستنية إيه! لما يموت ابني عشان ترتاحي. حاولت مريم التدخل للمدافعة عن صديقتها ولكن أوقفتها يد حياة وهي تتمتم بخجل:
-عندك حق. أنا آسفة ويا ريت تبلغي أسفي ده لمحمود وصدقيني مكنش قصدي أبدًا إني أأذيه وبكرر اعتذاري للمرة الثانية. ثم وضعت يدها داخل جيب ردائها وأخرجت منه محبسها وأعطته لوالدته ثم انصرفت دون كلمة أخرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!