شحب وجهه وبهتت ملامحه وشعر بقبضة قوية تعتصر قلبه بمجرد سماعه لتلك الجملة التي تفوهت بها زوجة والده، ولم يدرِ كيف استطاع نطق جملته التالية بذلك الثبات: -إيه اللي يثبت لي؟ دوت ضحكة جيهان بثقة جعلت قلبه ينقبض أكثر فأكثر، قبل سماعه لصرخة زوجته التي اقتحمت أذنه بوضوح بسبب لطمة نجوى لها. أغمض عينيه للحظة قبل صراخه قائلاً: -أقسم بالله لو لمستي منها شعرة مش هتكفيني. عيلتك نفر نفر وقبلها بنتك، فهماني!!! هولع فيكم كلكم صاحيين.
أجابته جيهان بعجرفتها المعتادة آمرة: -تجيلي لوحدك مع أوراق تنازل على كل اللي تملكه، فاهمني؟ أجابها فريد بصراخ وهو يركض نحو مكتب والده: -هعمل لك اللي انتي عايزاه بس سيبها. قالت جيهان بجدية: -ربع ساعة تكون حضرت أوراقك. أكلمك أقولك تقابلني فين. أنهت جملتها وأغلقت الهاتف في وجهه مباشرة. اقتحم فريد غرفة والده قائلاً باهتياج: -مراتك خطفت حياة و بتهددني بيها. انتفض غريب هو الآخر من مقعده ليسأله بتعلثم: -بتقول إيه؟
أجابه فريد وهو يتحرك داخل الغرفة كالمجنون، يحاول الاتصال بسائقها وطقم الحراسة الذي كان يرافقها دون رد. صرخ فريد بقوة في قائد حراسته وهو يعود لمكتبه: -اجمع لي كل الرجالة عندك واتصل بكل شركات إسكندرية. عايزهم كلهم مسلحين، فاااااهم. في أسرع وقت تحصلني. كان غريب يركض خلفه هو الآخر وهو يعطي أوامره لرجاله للاستعداد. عاد فريد لمكتبه ومن خلفه غريب الذي سأله بقلق عندما رآه يسحب سلاحه من درج مكتبه ويستعد للخروج:
-إنت هتعمل إيه؟ أجابه فريد وهو يركض للخارج: -مراتي عندها. هستنى. مش هسمح لها تأذيها. هنا تدخل وائل الذي كان يجرى عدة اتصالات هاتفية للتأكد من شكوكه: -فريد.. بيتهيأ لي أنا عندي فكرة حياة فين. توقف فريد ليستمع إليه كأنه طوق النجاة بالنسبة إليه. أردف وائل يقول بثقة: -لو شكي صح.. حياة في مخزن الشركة القديم عندنا. استمع فريد لحديث وائل والذي سرد عليه مكالمة حارسه بالتفصيل ثم قال بلهفة: -أنا لازم ألحقها.
نطق بجملته تلك وهو يعاود الركض للخارج، وركض خلفه كلا من غريب ووائل. وفي الخارج أعطاه وائل عنوان المخزن ثم قال بتخطيط: -اتحرك أنت وهتلاقي رجالي كلهم سابقينك على هناك. هما عارفين مداخل ومخارج المخزن كويس وعارفين هيعملوا إيه. وأنا هبلغ البوليس وأحصلك.
أومأ فريد برأسه له موافقاً. أما عن غريب فقد أصر الذهاب خلف ابنه الوحيد. صعد فريد سيارته بمفرده بعدما صرخ في سائقه لتركها له، وبعدما أعطى فكرة مبدئية لوالده عما يجب فعله، ثم بدأ يقود سيارته نحو العنوان الذي أعطاه له وائل بجنون. دوى رنين هاتفه وعادت جيهان للاتصال به مرة ثانية. أجابها فريد بلهفة بمجرد سماعه صوتها: -أنا مش هتحرك من مكاني غير لما تسمعيني صوتها. وأتأكد إنها كويسة. أجابته جيهان بنفاذ صبر:
-طيب طيب.. دقيقة واحدة. فتحت جيهان مكبر الصوت لتستمع إلى حديثه ثم طلبت من حياة التحدث. هتفت حياة اسمه بصوت باكي: -فريد؟ ارتجف جسده بأكمله بمجرد سماعه صوتها ثم عاد يقول بقوة: -حياة يا عمري متخافيش. مش هسمح لحاجة تأذيكي. أجابته حياة بثقة: -أنا مش خايفة وعارفة إن عمرك ما هتسبيني. بس كنت عايزة أقولك أنا آسفة. أنا كدبت عليك الصبح. أنا رحت المشوار اللي اتفقنا عليه وكنت مستنية أشوفك عشان أقولك الحقيقة. قاطعت
جيهان حديثها قائلة بتأفف: -اخلصي مش هتحكيله قصة حياتك. هتفت حياة بتوسل قائلة: -الله يخليكي أقوله حاجة أخيرة بس وبعدها اعملي اللي انتي عايزاه. فريد لو أنت سامعني عايزة أقولك إني واثقة فيك. بس لو ملحقتنيش عايزك تعرف إن إني مش لوحدي. اللي شكينا فيه امبارح حصل. توقفت قدم فريد عن الضغط على فرامل سيارته ثم سألها بصدمة وعدم تصديق: -حياة!! إنتِ!! هتفت حياة بقوة مقاطعة لتمنعه من الاسترسال: -أنا مستنياك.
سحبت جيهان الهاتف من أمامها ثم عادت تقول لفريد بتهديد بعدما ابتعدت عنها: -تجيلي لوحدك وإلا متحلمش تشوفها تاني. هتف فريد بتوسل مقاطعاً: -لا.. هعمل لك اللي انتي عايزاه بس سيبها. أجابته جيهان آمرة وبقوة: -حضّر اللي طلبته وتيجي لوحدك على العنوان اللي هبعتهولك. أنهت جملتها وأغلقت الهاتف في وجهه ثم تحركت تهتف باسم أحد الرجال من الخارج تستدعيه.
التفت حياة تنظر حولها بذعر بعدما رأت جيهان تقوم بتحضير مسدسها وإعطاء الأوامر لأحد الرجال الذين ساعدوا في خطفها للحذر والاستعداد جيداً لاستقبال فريد. صرخت حياة لوالدها الذي يقف جوارها قائلة بيأس: -إنت هتفضل واقف كده؟ اعمل حاجة.. إنت ليه بتعمل معايا كده.. حرام عليك.. هو أنا مش بنتك؟
.. إزاي تعمل كده.. عملتلك إيه لكل ده.. قول لي حاجة واحدة عملتها ضايقتك فيها.. ده أنا كنت بمشي جنب الحيط عشانك.. بعمل كل حاجة عشان أرضيك.. عشان تفرح بيا.. عشان ترضى عني.. اديني سبب واحد يخليك تكرهني!!! طول عمري بحاول معاك.. بديلك مبررات.. بقول يمكن لو اتعلمت كويس يحبني... لو لبست كويس ممكن يحبني... لو اشتغلت كويس يحبني ويبقى فخور بيا. وحتى لما بعدت عنك واستقريت في حياتي مش عايزني أرتاح.. لييييه!!!
.. إنتِ إزاي أب كده!! .. إزاي جاحد كده!! .. ليه يتمتني وأنا عايشة!! ولما لقيت اللي يعوضني عايز تحرمني منه وتحرمه مني لييه.. قول لي سبب عشان أعذرك لأن أعذارك جوايا خلصت.. اديني مبرر عشان لو كان في عمري باق افتكرك بموقف حلو.. اترحم عليك بدعوة حلوة يا بابا.. أزعل عليك زي كل الناس.
استمع عبد السلام إلى عتابها وقد مزق حديثها قلبه. هو واجهه بما ظل دائما يفكر به ويخشى منه. هو يعلم أنه ظلمها وأنها تكرهه ولا يوجد شيء قد يغير تلك الحقيقة، ولكن الآن لماذا؟ لماذا واجهه في تلك اللحظة وذلك الموقف تحديداً؟ لماذا لم تبتلع فعلته داخلها وتصمت مثلما تفعل في كل مرة يؤذيها؟ لماذا هبت تواجهه وتعاتبه؟ هذا ما فكر به عبد السلام وهو ينزوي بنفسه إلى أحد الأركان القريبة منها ينتظر القادم.
بعد أقل من ساعة كان فريد يركض في اتجاه المخزن بعدما بعث برسالة نصية لوالده يخبره فيها عن عدد الرجال الملثمين وأماكن تواجدهم، ثم ركض بأقصى سرعة إلى الداخل مقتحماً المخزن بعدما قام أحد رجال جيهان بتفتيشه وسحب سلاحه منه. لا يهم. كل ما كان يشغله في ذلك الوقت هو رؤيتها سليمة هي وطفلهم ربما. هذا ما فكر برجاء وهو يبحث بعينيه عنها ويتأكد من سلامتها من خلال نظرته المبدئية له. أومأت حياة برأسها لتطمئنه، فبخلاف تلك الصفعة التي وجهتها لها نجوى والتي أحدثت جرحاً صغيراً بجانب شفتيها والدموع المنهمرة فوق وجنتيها، لم يصيبها أي أذى أو مكروه حتى الآن. هتف فريد في جيهان
وهو يتحرك في اتجاه حياة: -جيهان.. حياة ملهاش دعوة بمشاكلنا. سيبها وحسابك معايا. رفعت جيهان السلاح في وجهه ثم وجهت فوهته نحو صدره وهي تسأله بنبرة عدائية: -جبت اللي طلبته منك؟ تحرك فريد بحذر وهو يوزع نظراته بين جيهان ومسدسها وبين حياة. فعادت جيهان تهتف بعصبية: -اقف مكانك ومتتحركش وإلا المسدس كله هيتفرغ فيك. توقف فريد عن السير ورفع كفه في اتجاه جيهان متمتماً بنبرة ثابتة رغم توترها:
-هعمل لك كل اللي انتي عايزاه بس سيب حياة تطلع الأول. صرخت حياة بها بقوة تعارضه: -لا مش هطلع. أنا معاك للآخر، فاهم. استحالة أسيبك. نظرت جيهان نحوهما شزراً ثم أجابته باستحقار قائلة بلامبالاة: -أنا عن نفسي معنديش مشكلة معاها. نجوى هي اللي هتقرر. هنا تدخلت نجوى صارخة بعصبية شديدة رافعة مسدسها هي الأخرى نحو حياة: -مش ده اتفقنا يا جيهان. لازم تموت دلوقتي.. لازم.. صرخ فريد في وجه نجوى قائلاً بذعر:
-نجووووى.. مش هسمحلك تأذيها. أجابته نجوى بصراخ وكفها يرتعش اضطراباً: -وأنا مش هسيبها تتهنى بيك. إنت ليا لوحدي، فاهم. لوحدي. لازم هي تموت عشان تشوفني. أنهت جملتها تلك وقامت بشد أجزاء سلاحها قبل ضغطها فوق الزناد بكف مرتعش. كان والد حياة يتابع ما يحدث بذعر شديد. هل ساق ابنته كالذبيحة من أجل الموت؟ أيعقل أن يعود من دونها وأن يواري جسدها التراب بسبب فعلته الهوجاء والغير محسوبة؟ فقط من أجل عدة قروش؟
لا.. لن يسمح بذلك. لقد ظلمها بما يكفي وإذا كان لا بد من موت أحد اليوم فليكن موته هو وليس ابنته التي في ريعان شبابها. هذا ما فكر به وهو يركض في اتجاه حياة صارخاً برعب: -بنتي لا.. إلا بنتي.
أغمضت حياة بقوة وهي تمتم الشهادة داخلياً وركض فريد بكل ما أوتي من قوة نحوها، ولكن والدها كان هو الأقرب، فاستقبل الرصاصة بدلاً منها. صرخت حياة وهي مغمضة العينين بعد سماعها صوت إطلاق الرصاصة وفتحت عينيها بذعر تنظر نحو فريد تتفحصه أولاً قبل أن تقع عينيها على والدها الملقى أرضاً والرصاصة مستقرة داخل كتفه. صاح فريد وهو يقف أمام حياة يحميها بجسده:
-إنتِ غلطانة يا جيهان. اتفقتي مع الطرف الغلط. نجوى هي السبب في اللي حصل لبنتك. صرخت حياة بمجرد رؤية جسد فريد يقف أمامها ويصنع ساتراً بينها وبين رصاصات نجوى وجيهان قائلة بتوسل: -لا فريد لا.. ابعد من قدامي.. سيبني وامشي.. متقتلوهش أبوس إيدك أبوس رجلك فريد لا.. خدي كل اللي انتي عايزاه.. بصي أنا هقنعه.. والله العظيم هقنعه يتنازلك عن كل حاجة بس سيبهولي.. أنا مش عايزة غيره.. خدي كل حاجة بس سبيه. ابتلعت حياة لعابها بهلع
ثم عادت تصرخ بهيستيريا: -فريد ابعد عنها وعني.. اقتليني أنا زي ما انتي عايزة بس فريد لاااا.. أنا هخليه يمضي لك على كل حاجة انتي عايزاه بس سبيه يعيش. هتف فريد بها ليوقفها ثم وجه حديثه لثلاثتهم: -حياة اسكتي. نجوى حياتي قبل حياة حياة، فاهماني؟ مش هسيبك تأذيها غير على جثتي. وإنتي يا جيهان فوقي. نجوى سلطت حد عشان نرمين تبقى مدمنة. كفايه جشع وفوقي.
في تلك الأثناء، كان غريب ورجال فريد ووائل استطاعوا بحرفية شديدة، وبسبب كثرة عددهم، التخلص من جميع الرجال المحاوطين للمبنى، وبدأوا عملية اقتحام المكان بسلاسة. كان غريب أول من ركض للداخل، يبحث بعينيه عن ابنه الوحيد، الذي تفاجأ به يقف أمام زوجته، وسلاح كل من جيهان ونجوى موجهان نحوه. أخفضت نجوى سلاحها قليلاً بعد سماعها لحديث فريد، نافيةً بصراخ وموجهةً حديثها لجيهان:
-متصدقيهوش.. عايز يوقع بيني وبينك.. أنا معملتش حاجة لنجوى. قاطعها فريد بحده: -كدابة.. نجوى بتلعب بيكي يا جيهان عشان توصل للي هي عايزاه.. وأول ضحية للعبها ده هي نيرمين اللي استغلتها.. لو فكرتي بعقلك هتلاقي المستفاد الوحيد من اللي حصل هو نجوى.. لو قتلتيني قبل ما اتنازل هيتقبض عليكي وكده كده البوليس في الطريق.. يعني مش هتستفادي حاجة. استمعت جيهان لحديثه، ثم قامت بوضع إصبعها فوق الزناد متمتمة بغل:
-انت لازم تموت عشان أرتاح من رحاب ومن روحها اللي محوطاني بسببك.. لازم غلط زمان يتصلح. صرخت نجوى تستوقفها، وركض غريب هو الآخر بذعر يقف أمام ولده قائلاً بقوة وتصميم مدافعاً عنه: -يا جيهان.. مش هسمحلك يا جيهان.. روحي قبل روح ابني.. مش هسمحلك تأذيه وأنا واقف أتفرج.. غريب زمان مات خلاص. نظرت جيهان نحوه قائلة ببرود: -وماله.. روحك تطلع الأول يا غريب.. ده حتى جيت في وقتك.
جحظت عينا غريب للخارج بعدم تصديق وهو يرى يد جيهان ترتفع بالمسدس في اتجاه قلبه. أما عن فريد، فقد عاود يقول في محاولة أخيرة منه: -جيهان اسمعيني.. رجالتى كلهم بره ومش هتقدري عليهم مهما عملتي.. يعني كده كده مصيرك السجن.. لكن لو سبتينا نخرج دلوقتي أوعدك هعديكي منها.
نظرت جيهان حولها بضياع، خصوصاً وهي ترى رجال حراسة فريد وغريب يقتحمون المكان وبدأوا ينتشرون بداخله استعداداً للقبض عليها في أي وقت. أما عن هاتف غريب، فقد دوى رنينه في المكان بأكمله معلناً عن وصول اتصال جديد له. صرخت جيهان بهيستريا قائلة وهي توجه سلاحها نحوه: -طلع موبايلك ده وارميه قدامي دلوقتي. أطاعها غريب على الفور، وقام بإخراجه من سترته، ونظر به أولاً ثم قال بقلق: -ده رقم دكتور نيرمين.. ده عمره ما كلمني.
صاحت جيهان آمرة: -رد على طول مستني إيه. وضع غريب الهاتف فوق أذنه، واستمع إلى حديث الطبيب، ثم أسقط الهاتف من بين يديه، موزّعاً نظراته بين فريد وجيهان، ثم قال بانكسار: -نيرمين يا جيهان!! .. نيرمين ماتت بجرعة زيادة حد عطالها من بره المستشفى. صرخت جيهان وارتمت أرضاً وهي تنوح بعدم تصديق: -بنتي.. بنتي لا.. أنا عملت كل ده عشانها.. بنتي لا يا غريب.. أنا كنت هسافر بيها وأمشي من هنا.. إزاي تموت.. مينفعش تموووت.. بنتي.
انتهز غريب انهيارها، وبدأ يتحرك ببطء شديد وخطوات حذرة في اتجاهها، ثم جلس بجوارها وسحب المسدس من يدها. أما عن فريد، فقد أشار لرجاله برأسه للتوجه نحو نجوى وسحب مسدسها هي الأخرى، والتي بدأت تضحك بهيستيريا وتتمتم بعدم اتزان: -نيرمين ماتت.. هههههه نيرمين ماتت.. أنا نجحت.. فاضل حياة.. أيوه أنا نجحت.. هههههه. رفعت جيهان رأسها تنظر في اتجاه نجوى التي تهذي بكلمات غير متزنة، ثم سألتها بترقب من بين دموعها المنهمرة:
-انتي بتقولي إيه. أجابتها نجوى وهي تضحك بلا توقف وتتحدث باضطراب: -فاضل حياة ويبقى فريد يبقى بتاعي.. وكل حاجة تبقى بتاعتي. سألتها جيهان بذهول: -يعني إيه.. انتي شماتة في موت بنتي!! ظلت نجوى تهذي بكلمات غير محسوبة: -هههههه كله هيبقى بتاعي.. الغبية أخدت الجرعة كلها زي ما خططت. وجهت نجوى حديثها لفريد مضيفة بثقة: -وانت كمان.. هتعمل اللي أنا عايزاه.. هتجوزني.. هههههه. استقامت جيهان في وقفتها، ثم صرخت بهيستريا:
-مش ممكن.. انتي السبب!! محدش فيكم هيعيش.. مادام بنتي ماتت لازم كلكم تحصلوها وأولهم انتي. أنهت جملتها وقامت بسحب المسدس بقوة من يد غريب، وفي اللحظة التالية بدأت تطلق الرصاص على جسد نجوى وحولها حتى انتهى مخزون طلقاتها على جسدها. صرخت حياة وهي ترى نجوى تسقط أمامها قتيلة في الحال. أما عن الرجال المحاوطين لها، فقد قاموا بتقييد جيهان وسحبها للخارج، وخرج خلفها غريب مطأطأ الرأس بعدما تأكد من موت نجوى.
بعد سقوط نجوى صريعة، ركض فريد في اتجاه حياة قاطعاً المسافة المتبقية بينهم، ثم انحنى بجزعه نحوها ليحل وثاق يدها من خلف المقعد، ثم جثا على ركبتيه يتفحصها بلهفة وهو يسألها بقلق: -انتي كويسة؟ حركت رأسها عدة مرات بقوة موافقة من بين دموعها المنهمرة، ثم سألته بصوت مرتعش: -انت اللي كويس؟ همهم بصوته موافقاً، وهو ينحني برأسه ليحل وثاق قدميها هي الأخرى، ثم عاد ينظر إليها وهو يسألها بشك مصحوباً بقلق مازال يراوده خوفاً عليها:
-حياة.. انتي فعلاً!!
أجابته حياة باحتضان وجهه بين كفيها، ثم حركت رأسها مؤكدة ودموعها لازالت تنهمر فوق وجنتيها مع ابتسامة خافتة بدأت تظهر فوق شفتيها. نظر فريد نحوها لثوانٍ بذهول، ثم فجأة ودون سابق إنذار اعتصرها بين ذراعيه كأنه يريد إخفاءها خلف ضلوعه. دفن رأسه في تجويف عنقها، وبدأت حياة تشعر بدموعه الساخنة تجري فوق عنقها وتجويف كتفها. اتسعت ابتسامتها وازدادت دموعها هي الأخرى كرد فعل طبيعي من تصرفه. رفع فريد رأسه بعد دقيقة ينظر داخل عينيها وبدأ في مسح دموعها بأنامله. ورفعت حياة كفها هي الأخرى تتلمس بأصابعها وجنته وتمحو آثار فرحته التي لم تتخيلها حتى في أحلامها، ثم انزلقت كفها للأسفل حتى تمسكت بكفه واحتضنته، وقامت بفرد أصابعه فوق بطنها قائلة بصوت
متحشرج من تداخل مشاعرها: -ابننا هنا.. حتة منك بتكبر جوايا هنا.. حتة منك عارفة ومتأكدة إنك هتحميها مهما حصل. تلمس فريد بطنها عدة مرات برهبة وإجلال، ثم طبع قبلة عاشقة فوق جبهتها قائلاً بإصرار: -انتي وهو في عيني لحد آخر يوم في عمري. عانقته حياة مرة أخرى بقوة، ثم همست متسائلة وهي تبتعد عنه عندما تذكرت والدها: -فريد.. بابا.. التفت فريد برأسه هو الآخر ينظر لرجال الإسعاف وهم يقومون بعملهم، ثم أجابها مطمئناً:
-متخافيش هيعملوا معاه اللازم. حركت رأسها موافقة وعينيها تتحرك في اتجاه نجوى الصريعة أرضاً والغارقة في دمائها، ثم أخفت حياة في كتفه قائلة بتوتر: -أنا كدبت عليك.. أنا خايفة.. ممكن نمشي من هنا أنا خايفة.
عاد فريد لاحتضانها مرة أخرى بين ذراعيه، ثم استقام في وقفته وبدأ يتحرك بها وهي لازالت بين أحضانه. أخفت حياة رأسها في صدره وتشبثت كفها بستترته بقوة، خصوصاً عند اقتراب خطواتهم من جثة نجوى المسجاة أرضاً، ولم تتركه حتى عندما وصلا لخارج المخزن.
أما في الخارج، فتفاجأت حياة إلى جانب غريب الذي كان يقف بجوار والدها ويشرف على حمله مع المسعفين، ووائل الجنيدي يقف بجوار أحد الضباط ويتحدث معه بودية شديدة. وما أن لمحهم حتى بدأ التحرك في اتجاههم، ثم توقف أمامهم سائلاً فريد باهتمام كبير: -انتوا كويسين صح؟ مفيش مشكلة حصلت جوه لحد تاني؟ أومأ فريد برأسه له إيجاباً، ثم تحدث بنبرة شبه متصلبة: -تمام.. بس محتاج أودي حياة المستشفى يطمنوا عليها للاحتياط.
ربت وائل على كتف فريد كصديق حقيقي، ثم تحدث بمسئولية قائلاً: -روح متشغلش بالك.. أنا كده كده هنا عشان انت عارف المخزن تبع الشركة وأنا اللي قدمت البلاغ فلازم أتابع معاهم.. ولو احتجت أي حاجة أنا موجود. نظر فريد نحوه بامتنان حقيقي، ثم هتف وهو يتحرك بحياة نحو سيارته: -وائل.. التفت وائل ينظر نحوه بتركيز، فأردف فريد يقول بنبرة جدية: -شكراً.. وجودك معايا فرق كتير.
ابتسم وائل متفهماً. أما عن فريد، فلم تصل ابتسامته التي بادلها إياها إلى عينيه. سألته حياة بخفوت وهو يتحرك بها ببطء شديد: -هو إيه اللي جاب وائل هنا؟ أجابها فريد بعدما طبع قبلة حانية فوق شعرها: -حوار طويل هحكيلك بعدين. في ذلك الوقت وأثناء مساعدة فريد حياة لركوب السيارة، أوقفه والده الذي تحرك نحوه يسأله باهتمام هو الآخر: -انت رايح فين؟ أجابه فريد بجمود: -طالع بحياة على المستشفى. قاطعه غريب بحزم: -أوك.. أنا جاي معاكم.
فتح فريد فمه للاعتراض، فاستطرد غريب قائلاً بحسم: -أنا كده كده جاي عشان أطمن عليكم وأشوف الراجل اللي انضرب ده فريح نفسك. ارتخت ملامح فريد وسقط اعتراضه وأغلق فمه على مضض، ثم صعد بسيارته ليجلس بجوار حياة دون تعقيب، ثم أمر سائقه الذي جاء خلفه مع بقية رجاله بالتحرك نحو المشفى الخاص. في المشفى، وتحديداً داخل غرفة الكشف، تحدثت الطبيبة بنبرة عملية مطمئنة:
-متقلقيش يا حياة هانم كل حاجة تمام.. مفيش أي قلق ولا أي خطورة من أي نوع.. عايزاكي بس تبعدي عن أي توتر الفترة الجاية والمجهود يكون في حدود طبعاً. التفتت برأسها تنظر لفريد الواقف جوارها بعضلات جسد متصلبة وملامح مترقبة، توجهت حديثها إليه: -وطبعاً مفيش أي اتصال أو تقارب الشهور الأولى دي.. أنا نبهت على حياة هانم الصبح وبأكد دلوقتي تاني للأمان. أومأ فريد لها برأسه متفهماً بعد سماعه تعليماته، ثم تحركت الطبيبة من
مقعدها مضيفة جملة أخيرة: -ودلوقتي ضغط المدام واطي شوية.. هنركبلها محلول فيه شوية فيتامينات وتغذية تكون ارتاحت وبعدها تقدر تتحرك في أي وقت. بلعت حياة لعابها بذعر ورمقت فريد الذي تحرك ليقف قبالتها ويمسك يدها مطمئناً بنظرة مستنجدة. تحدث فريد إليها بنبرة حانية: -متخافيش ومتتوتريش.. لو مش عايزة أكيد هنلاقي حل تاني.. صح يا دكتور؟ نطق جملته الأخيرة وهو يلتفت برأسه نحو الطبيبة مستفهماً. أجابته الطبيبة بنبرة خالية:
-أها طبعاً زي ما تحب بس يفضل.. أخذت حياة نفساً عميقاً وأغمضت عينيها لوهلة ثم فتحتهم قائلة بتصميم: -لا هركبه.. أوك يا دكتورة ابدئي أنا جاهزة. نظر فريد نحوها متفحصًا بتشكك، فأردفت حياة تقول له بإقناع: -مادام ده الأحسن يبقى لازم أخده عشان خاطره.. وبعدين إنت معايا. ابتسم لها مشجعًا، ثم قام بوضع كفه خلف عنقها ودفعها للأمام قليلًا، ثم قام بطبع قبلة حانية فوق جبهتها متمتعًا بعشق: -أكيد معاكي.
ابتسمت الطبيبة التي كانت تراقبهم باهتمام لها مشجعة، ثم قالت بود: -تمام.. هبعت حد من الممرضات ينقل حضرتك لأوضة عادية وتركب لك المحلول حالًا. بادلتها حياة ابتسامتها المشجعة بأخرى ممتنة قبل اختفائها من الغرفة بأكملها.
بعد دقائق معدودة كانت حياة جالسة فوق فراش وثير ومغروز بكفها تلك الإبرة الطبية التي تمقتها أكثر من أي شيء آخر في الحياة. لاحظ فريد تألمها الصامت من خلال امتعاض ملامحها، فحاول قدر الإمكان تشتيت انتباهها، لذلك هتف متسائلًا باستفسار: -حياة.. هو باباكي كان بيعمل إيه معاكي؟ أخذت حياة نفسًا، وقد بدأ الحزن يكسو ملامحها، ثم قالت بنبرة شبه متوسلة:
-ممكن نتكلم بعدين.. بجد مش عايزة أفتكر أي حاجة من اللي حصلت الكام ساعة اللي فاتوا دول. لم يكن يريد هو الآخر التحدث في أي شيء قد يصيبها بالتوتر، لذلك أسرع يحدثها مطمئنًا بصوته العميق وهو يتحرك ليحتضنها بين ذراعيه: -خلاص انسى. اقتربت حياة منه حتى التصقت به وأراحت رأسها فوق كتفه، ثم أغمضت عينيها بارتياح بسبب السلام الداخلي الذي اجتاحها بمجرد اقترابه منها وعلمها أنها في حمايته وبين ذراعيه. وبعد فترة من الصمت تحدثت
تسأله مستفسرة باهتمام: -إنت كويس صح؟ زفر فريد مطولًا بضيق، ثم أجابها بحيرة: -صدقيني لو قلت لك مش عارف. رفعت حياة رأسها تنظر إليه، ثم مدت أناملها تتلمس برفق ذقنه ووجنته قائلة بتوجس: -إنت مش مبسوط؟ فهم فريد ما ترمي إليه، فأسـرع يقول باستنكار وهو ينظر داخل عينيها: -محتاج أقول لك؟ هزت رأسها نافية ببطء وهي تحدق داخل عسليتيه، ثم أجابته هامسة: -عينيك قالت. أخذت حياة نفسًا عميقًا، ثم أردفت تقول بنعومة:
-إنت عارف إن ثقتي فيك أكبر من ثقتي في نفسي.. مجرد وجودك معايا بيديني الثقة والأمان.. حتى صوتك كفاية. فتح فريد فمه ليجيبها، فسارعت حياة بوضع أصابعها فوق شفتيه قائلة برقة: -ششش.. بحبك. لانت ملامحه وانفرجت أساريره وتناسى للحظات ما مرا به، وتمتم يقول بذعر: -كنت هعيش إزاي لو جرالك حاجة. كانت حياة على علم بصراع مشاعره الداخلي، لذلك طبعت قبلة فوق شفتيه، ثم قالت هامسة لتطمئنه:
-مجراليش حاجة.. وأكبر دليل إنها قدامك سليمة إني مضطرة أستحمل البتاعة اللي بتوجع دي. لاحت شبح ابتسامة فوق شفتيه، ثم سألها باهتمام وهو يقرب رأسه منها ويستند بجبهته فوق جبهتها: -بتوجعك أوي؟ أجابته ممازحة: -الحاجة الوحيدة اللي مخلياني مستحملاها إنك جنبي.. وبعدين أنا أضحك عليا.. أنا مكنتش أعرف إن من أولها أبر كده. اتسعت ابتسامته وهو يتأمل شفتها السفلية المجروحة من أثر لطمة نجوى، ثم رفع أنامله يتلمسها وهو يسألها باهتمام:
-بتوجعك؟ جعدت أنفها بمرح نافية، ثم اقتربت منه تتلمس شفتيه بشفتيها في دعوة منها، تقبلها هو على الفور، وبدأ في تقبيلها ببطء وترو، ثم ازداد في تعميقها شيئًا فشـيئًا. ابتعدت عنه حياة بعد فترة لتلتقط أنفاسها، ثم سألته مستفسرة بقلق بعد تذكرها: -فريد.. بابا. أجابها فريد بهدوء: -ششش.. بابا معاه ولما يخرج هيطمنك.
عادت حياة لتستند برأسها فوق كتفه في انتظار انتهاء محـلولها الطبي، وبعد انتهاء جملته بعده دقائق، دلف والده للداخل متنحنحًا، مما جعل فريد ينتبه له بحواسه، ثم سأله بهدوء: -إيه الجديد؟ أجابه والده بنبرة خالية: -متقلقش الرصاصة طلعت سطحية.. طلعوها واتعاملوا مع الأمر.. يقدر يطلع بكرة عادي.. لو حياة تحب تطمن عليه هو اتنقل أوضة عادية. رفعت حياة رأسها ببطء، ثم تمتمت له بخجل قائلة:
-شكـرًا.. وشكـرًا على كل اللي حضرتك عملته النهارده. ابتسم لها غريب باقتضاب، ثم عادت ملامحه للجمود قبل أن يلتفت بجسده نحو الخارج استعدادًا للخروج. ضغطت حياة فوق كف فريد لتحثه على اللحاق به، وعندما لم يتحرك من جوارها هتفت اسم والده بخفوت تستوقفه: -أونكل غريب.. ثواني فريد عايز يقولك حاجة.
توقف غريب على صوتها واستدار بجسده ناظرًا نحو فريد الذي رمقها بعدة نظرات متوعدة، ثم بدأ يتحرك من جوارها على مضض حتى توقف أمامه. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال باقتضاب وبملامح وجهه مرتبكة: -البقاء لله. ابتسم له غريب ابتسامة باهتة، ثم قال بهدوء مصححًا:
-نيرمين مماتتش.. أنا بس قلت كده قدام جيهان عشان أوقفها عن اللي بتعمله.. بس في الحقيقة رجليها حصلها مشكلة ومبتقدرش تحركها بمعنى أدق يعني "اتشلت عن الحركة".. وأنا دلوقتي رايح لها. ضغط فريد فوق شفتيه بأسف، ثم عاود يقول بنبرته المتصلبة: -لو احتاجت تتعالج بره بلغني وأنا هخلصلك كل المطلوب في أسرع وقت. ربت غريب فوق ساعده باستحسان، ثم أجابه بامتنان وهو يتأمل ابنه بفخر: -عارف إني دايمًا أقدر أعتمد عليك.
أومأ فريد له بعينيه مؤكدًا، ثم عاد يتحدث على مضض: -أنا كنت عايز.. عايز أشكرك إنك وقفت تدافع عني وعن حياة. نظر غريب من فوق كتف فريد محدقًا للفراغ، ثم قال بنبرة ذات مغزى بعدما أخذ نفسًا عميقًا: -ده دين وكان لازم يحصل من بدري.. رغم إني أشك إن ممكن يجي يوم وأسدده وأرتاح منه. فهم فريد ما يرمي إليه بجملته تلك، لذلك حاول تجاهلها وأردف يقول بنبرة شبه مترددة: -غـ.. بابا.. حياة حامل.
ساد الصمت لبرهة نقل غريب خلالها نظراته المشدوهة عدة مرات بين فريد وحياة، ثم ابتسم هاتـفًا بعدم تصديق وبعده كلمات متفرقة: -حامل!!! إنت!!! حفيد!!! أخيرًا. ابتسمت حياة من ارتباكهم ومن ردود أفعالهم المتشابهة ولصراع المشاعر ذلك المتباين فوق وجوههم، والذي أنهاه غريب أولًا بأخذ فريد داخل أحضانه بحب، أما عن فريد فقد تعامل مع والده بجموده المعتاد رغم لمحة الدفء التي لاحظتها حياة داخل عينيه بعدما عاد يجلس جوارها في صمت.
بعد انتهاء المحلول الطبي أصرت حياة على الاطمئنان على والدها قبل ذهابها. دلفت إلى داخل غرفته بتوجس تحاول السيطرة على التوتر الذي انتابها بمجرد مطالعة محياه أمامها. هي لم تخبر فريد حتى الآن ولا تدري كيف تخبره، فداخلها لم يرد إخباره عما حدث رغم علمها التام بخطأ ما تفعله. ربما بسبب حرجها، وربما بسبب خوفها من رد فعله، أو ربما من أجل الاثنين معًا، وهذا هو الأقرب للصواب. فرغم كل شيء هو لا يزال والدها وبداخلها تتمنى بشدة أن
يكون موقفه الأخير تجاهها وحمايته لها بداية جديدة لعصر جديد بمعاملة جديدة. اعتدل والدها من نومته بمجرد رؤيتها تدلف الغرفة، ويدلف فريد خلفها مستعدًا للقائهما. تنحنت حياة محاولة تنقية حلقها والسيطرة على ارتباكها، ثم سألته بنبرة خافتة وهي تخفض رأسها
للأسفل متجنبة النظر نحوه: -عامل إيه دلوقتي. أجابها والدها بانكسار: -الحمد لله.. أخدت عقابي. رفعت حياة رأسها بترقب شديد، وضيق فريد عينيه فوقه، ثم سألته بارتياب: -قصدك إيه؟ أجابه عبد السلام بخزي وهو مطأطأ الرأس:
-أنا عارف إن اللي هقوله ده هيضايقك ومش ضامن تأثيره عليك هيكون عامل إزاي، بس مهما كان رد فعلك أنا متقبله.. لأني كنت السبب في اللي حصل.. جيهان اتفقت معايا إن أجيب لها حياة لحد عندها وأخد فلوس مقابل إنها تجر رجليك وبعدها تسيب حياة، بس مصدقتش معايا.. أو هو ده اللي أنا كنت فاكر هيحصل ومحصلش.. بس وعهد الله ما كنت أعرف إن الموضوع فيه كده.. مفيش أب عايز يموت عياله.. أنا عارف إني ظلمت حياة كتير وضايقتها أكتر، بس عمري ما اتخيلت إني أكون السبب في موتها أو موتك.. أموتها إزاي ودي بنتي!!!
دي مفيش حاجة توجع الأب أكتر من عياله.. عشان كده أنا ندمان وبتمنى من ربنا يسامحني على اللي عملته ده والفلوس اللي أخدتها منها أنا مش عايزها.. خدوها اتصرفوا فيها.. هو فيه إيه في الدنيا أهم من عيالي. بدأت دموع حياة في الانهمار بسبب سماعها لحديث والدها. لم تسامحه نعم، جزء كبير بداخلها لم يستطع نسيان ما فعله بها على مدار سنوات، وجزء آخر يذكرها بالآية الكريمة "وبالوالدين إحسانًا". تنهدت بحزن، ثم قالت باقتضاب:
-متشغلش بالك يا بابا.. المهم إننا كلنا بخير دلوقتي.. وهبقى أطمن عليك تاني. أنهت جملتها تلك ورفعت رأسها تنظر إلى فريد بملامحه الغاضبة، ثم طلبت منه بصوت متحشرج من أثر الدموع: -ممكن نمشي دلوقتي. لم يصدر من فريد أي رد فعل، بل اكتفى بتحريك كفه للأمام في إشارة منه لتتقدمه. تحركت حياة للخارج بخطوات مثقلة، وبمجرد خروجها من الغرفة ووصولها للممر اندفعت تعانقه بقوة وتخفي رأسها في كتفه، وبدأت تشهق بكل ما أوتيت من قوة
وهي تغمغم بكلمات متفرقة: -ممكن نمشي.. أنا عايزة أروح بيتنا مش عايزة أستنى هنا. شدد فريد من احتضان ذراعيه لها، ثم أجابها بحزن لرؤية حالها هكذا: -طب تمام تمام.. بطلي عياط واهدي وهنمشي دلوقتي حالا.. حياة إنتي لازم تهدّي وافتكري كلام الدكتورة. ابتعدت عنه قليلًا، وقامت بمسح دموعها بظهر كفها، ثم سألته بنبرة طفولية: -يعني إنت مش زعلان مني؟ قطب فريد جبينه بدهشة، ثم سألها مستنكرًا: -إنتي بتعيطي عشان فكراني زعلان منك!!
تعلقت بستـرته بكلتا كفيها المتكورة، ثم حركت رأسها على مضض موافقة وهي تنظر داخل عينيه لتستبين رد فعله. رغم غضبه الواضح بسبب مواجهة والدها الأخيرة ومعرفته بما فعله، إلا أنه وجد نفسه يبتسم رغـمًا عنه، ثم قال بمزاح: -وأنا اللي فاكرك متأثرة باللي حصل جوه. لاحت شبه ابتسامة على شفتيها، ثم أجابته بخفوت: -عشان الاتنين.. بس والله كنت هحكيلك.. ممكن متزعلش مكنش قصدي أخبي عليك.
يبدو أن ذلك المهدئ البسيط الذي وضعته الطبيبة داخل محلولها الطبي دون علمها قد بدأ يؤتي ثماره، لذلك تنهد فريد بارتياح، ثم أجابها وهو يحتضن يدها استعدادًا للخروج: -طب خلينا نتكلم في البيت. ضغطت فوق شفتيها بامتعاض ثم تحركت معه للخارج، محاولة تقبل ما حدث والتفكير بإيجابية حتى ينتهي هذا اليوم الصعب، فأهم شيء وأفضل شيء أن ابنها وزوجها معها ولم يصابا بأي سوء، وما دون ذلك شكليات تستطيع تخطيها معه وهي داخل أحضانه وتحت رعايته.
في المنزل وأثناء صعود حياة الدرج شعرت ببعض الدوار ينتابها، فتوقفت عن الصعود وأغمضت عينيها لبرهة محاولة السيطرة عليه. توقف فريد هو الآخر جوارها، ثم انحنى بجزعه نحوها يسألها بقلق: -حصل حاجة؟ همهمت بصوتها نافية ثم أجابته مطمئنة: -مفيش دوخة بس شوية.
انحنى فريد بجزعه ووضع ذراعه تحت ركبتها والأخرى في منتصف ظهرها، ثم حملها للأعلى مكملاً طريقه نحو غرفتهم وهي بين يديه. دلف بها إلى غرفتهم ووضعها فوق الفراش برفق، ثم عاد ليستقيم في وقفته. تمسكت حياة بذراعه بقوة وهي تسأله بذعر: -انت رايح فين؟ جلس جوارها فوق الفراش ثم أجابها بنبرة مرهقة: -مفيش هعمل شوية اتصالات أشوف وصلوا لفين وأرجعلك. تشبثت بذراعه بقوة ثم هتفت متوسلة: -لا عشان خاطري خليك جنبي النهاردة بس مش عايزك تبعد.
لم يكن يحتاج لتوضيح ليفهم ما تشعر به، فهو الآخر لا يستوعب إلى الآن ما مرا به ولا فكرة فقدان أحدهم للآخر، لذلك استلقى جوارها بهدوء ثم فتح ذراعه لها لتقترب منه. ابتسمت بسعادة ثم اندست مسرعة داخل أحضانه تستند برأسها على صدره القوي تتلمس منه الأمان والراحة. بعد فترة من الهدوء تحدثت حياة قاطعة بينهم الصمت وقائلة بضيق: -كل ما أغْمِض عيني بتخيل منظرها وهي بتضرب بالرصاص وهي مرمية على الأرض ودمها حواليها. بجد نهاية وحشة أوي.
شدد فريد من احتضانه لها وهو يتنهد بقله حيلة ثم قال بحنان: -أنا عارف إن اللي شفتيه مش سهل. قاطعته حياة قائلة بسرعة، فقد كانت تنتظر وصولهم المنزل حتى تتحدث معه: -ولا أنت.. أنا عارفة ومتأكدة إنك مضايق عشان حاسس إني اتعرضت للخطر بسببك، مع إن العكس هو اللي حصل. أنت كان ممكن يجرالك حاجة بسبب جشع بابا. مسح فريد فوق شعرها بحنو ولم يعقب. فردفت حياة تقول بهدوء: -فريد.. حبيبي.. قولي اللي في قلبك أنا هنا سامعاك.
لم يصدر منه رد فعل، فاستطردت حياة تقول بنبرة خفيضة: -أنت عارف.. أنا مش عارفة المفروض أزعل ولا أفرح بسبب اللي حصل. يعني في الأول كنت مرعوبة وقلبي هيقف من خوفي عليك، بس دلوقتي.. دلوقتي مرتاحة باللي حصل. فعلاً في كل شر خير، وفي الآخر كل واحد أخد جزاءه ومرتاحة إننا خلصنا من شر جيهان ونجوى. يعني في النهاية الحمد لله أنت معايا وقدامي وابننا هنا في أمان.
أنهت جملتها تلك واعتدلت في نومتها لتجلس فوق الفراش، ثم رفعت كفه ووضعته فوق بطنها وهي ترمقه بنظرات مشجعة. لانت ملامح فريد على الفور بسبب فعلتها تلك وزفر بقوة مستسلماً ثم قال بضيق: -كان ممكن تحصلكم حاجة بسببى. ساعتها عمري ما كنت هسامح نفسي لو جرالك حاجة. حياة أنا كنت أناني لما صممت أدخلك حياتي وكل الحقد ده حواليا. قاطعته حياة بلهفة واضعة كفها فوق فمه تمنعه من الاسترسال قائلة بتوسل:
-لا عشان خاطري أوعى تقول كده.. أوعى تفكر كده.. دي حياتنا بخيرها وشرها.. بحلوها ومرها.. أنا وأنت مصيرنا واحد، ولولا مساعدة بابا ما كانش حصل كل ده. يعني زي ما قلتلك من شوية.. أنا السبب مش أنت. وبعدين فين كلامك إن طول ما أنا جنبك مينفعش أخاف؟!
أنا كنت واثقة زي ما أنا بكلمك دلوقتي.. إنك قادر تحمينا وتلحقني. وأنت عملت كده ولقيتك قدامي من غير ما تفكر في نفسك لحظة واحدة. وبعدين ربنا سترها معانا. فريد أنا عمري ما كنت أحلم إن بابا ممكن يقف قدامي وياخد رصاصة بدالي من غير ما يفكر، ولا إن بابا يقف قصادنا إحنا الاتنين ويدافع عننا من غير ما يخاف على نفسه أو من جيهان. عشان كده بطلب منك تحاول تسامح.. عشان خاطري حاول.. ومتأذيش بابا. خلي فيه باب مفتوح يمكن دي البداية.
اعتدل فريد بجسده وجلس قبالتها يسألها مستفسراً بعدما رأى وهج الدموع يلمع داخل مقلتيها: -حياة!!! أنت لسه مستنية منه حاجة؟ أجابته نافية: -مش مستنية.. بس مش عايزة أعصي ربنا فيه. عشان كده بطلب منك لو بتحبني تودني فيه. مش بطلب منك توده ولا تسأل عنه، يكفيني إنك متخدش رد فعل ضده. لوى فريد فمه بضيق ثم قال على مضض بنبرة جامدة: -حاضر يا حياة.. بس هخليه تحت عيني لأني مش ضامنه. ارتخت ملامحها وأجابته وهي تعانقه بحب:
-وأنا مش محتاجة أكتر من كده.. ربنا يخليك ليا ويجبر خاطرك زي ما أنت مفرحني وجابر بخاطري دايماً يا أحلى حاجة في دنيتي. طبع فريد قبلة فوق شعرها وذراعه تحاوط خصرها وتحتضنها بتملك. هتفت حياة بعد فترة اسمه بدلال وهي تطبع قبلة ناعمة فوق ذقنه: -فريد. أجابها بصوته الأجش: -عيون فريد. أجابته بخجل وهي تداعب عنقه بأناملها: -أنا جعانة. دوت ضحكته عالياً من تبدل مزاجها الفوري ثم سألها باستفسار: -حاضر.. تحبي تأكلي إيه؟
أخفت رأسها في تجويف عنقه ثم أجابته بصوت مكتوم: -أي حاجة.. وممكن تقول لدادا عفاف تعملي كرواسون. اتسعت ابتسامته مرة أخرى وهو يحرك رأسه بعدم تصديق قائلاً بمزاح: -أنتِ متأكدة إنك كنتي مخطوفة من شوية؟ امتعضت ملامحها ثم أجابته متصنعة الحنق: -يا سلام!!! أعمل إيه يعني؟ وبعدين أنت لازم تراعي إن بقيت اتنين في واحد ومحتاجة أكل كويس. سألها فريد بنبرة ممازحة: -وهو الأكل الكويس ده بالكرواسون؟
رفعت رأسها تنظر إليه ثم حركت رأسها مؤكدة وهي تمط شفتيها للأمام. اقترب فريد منها ببطء ثم قال بنبرة عابثة: -تصدقي أنا كمان وحشني الكرواسون. هتفت حياة اسمه بدلال وهي تعض فوق شفتيها بخجل: -فرييييد. عبست ملامحه وضاق المسافة ما بين حاجبيه وهو يسألها بحنق: -هي قالت الفترة الأولى صح؟ هزت حياة رأسها مرة أخرى مؤكدة بصمت وهي تبتسم له بشماتة. رفع إحدى حاجبيه مستنكراً ثم قال بهدوء متوعداً:
-يبقى متنديش عليا.. ومتبصليش كتير.. وبطلي تستفزيني عشان في الآخر الحساب هيجمع يا حياة. رددت حياة من خلفه ممازحة لتثير حنقه: -حاضر مش هقول فريد خالص.. ومش هبصلك حتى من بعيد لبعيد ومش هاجي وراك الجيم.. اتفقنا. هتف فريد اسمها محذراً، فسارعت تقول مصححة بجدية: -خلاص والله آسفة بس بشرط.. تفضل قدامي ليل ونهار عشان أتوحم عليك براحتي.. ولا عندك مانع؟ أجابها قبل التهامه لشفتيها بين شفتيه:
-أنا اللي عايز أفضل جنبك ليل ونهار وكفاية عليا أبصلك بس. بعد مرور شهران وبعد وجبة العشاء تفاجئت حياة بزيارة السيد غريب لهم. بالطبع بعد تلك الحادثة تحسنت العلاقات بينهم بشكل طفيف وأصبح فريد أكثر ليناً في التعامل معه، ولكن ليس لدرجة الزيارات العائلية. تنحنح والده قاطعاً الصمت والتساؤلات وقائلاً مباشرة دون تجميل: -فريد.. نيرمين طالبة إنها تشوفك أنت وحياة.
حركت حياة رأسها نحو فريد الذي كان يقف قبالتها بجمود تنتظر إجابته. عاد السيد غريب يقول موجهاً حديثه لحياة تلك المرة: -حياة لو سمحتي.. نيرمين اتغيرت بجد وهي طالبة إنها تشوفك واترجتني كتير.. متخليش على واحدة في حالتها خسرت كل حاجة ومبقاش حد حواليها بالطلب ده. تنهدت حياة بحيرة وظهر التأثر على ملامحها، ورغم ذلك قالت بحسم:
-أنا آسفة بس أنا وعدت فريد قبل كده إني عمري ما هدخل في اللي بينه وبينها.. بس كل اللي أقدر أقوله إن لو فريد وافق يقابلها هتلاقيني قبله. نظر غريب نحو فريد بتوسل منتظراً إجابته، وعندما لم يجد سوى الصمت تحرك للخارج بإحباط وأكتاف متهدلة. وفي صباح اليوم التالي وبعد استيقاظهم وتناول حياة للفطور تفاجئت بفريد يقول بجمود: -حياة.. اجهزي عشان هنخرج. سألته حياة باستنكار: -هنروح فين؟ أجابها بغموض وهو يتحرك نحو مكتبه:
-اجهزي ولما نوصل هتعرفي. بعد فترة ليست بقليلة توقفت سيارتهم أمام إحدى المصحات المرموقة. شهقت حياة بعدم تصديق وهي تنظر نحو فريد الذي ضغط فوق كفها مشجعاً دون حديث. تحركت معه للداخل بتوتر حتى وصلا إلى غرفة نيرمين. دلف فريد الغرفة بعدما استأذن من طبيبها المعالج لزيارتها، ودلفت خلفه حياة بتوجس. نظرت نيرمين إليهم بدهشة ثم هتفت بعدم تصديق: -فريد!! أومأ فريد رأسه لها بجمود دون حديث. تحولت ملامح نيرمين وأخذت نفساً عميقاً ثم
قالت مباشرة بنبرة متهدجة:
-أنا طلبت من بابي يخليني أزوركم.. بس مكنتش عارفة إنكم هتيجوا بالسرعة دي خصوصاً بعد اللي عملته فيكم انتوا الاتنين. فريد.. أنا عارفة إني غلطت في حقك كتير.. وعارفة إن معندكش أي سبب أو دافع يخليك تصدقني ولا أنتِ يا حياة.. بس صدقوني بعد اللي حصلي وبعد اللي عرفته أنا مبقتش عايزة عايزة حاجة من الدنيا.. بس كل اللي محتاجاه أخ واخت يحبوني من غير مصلحة أو سبب. عشان كده بتمنى تسامحوني وخصوصاً فريد.. أو على الأقل تسألوا عليا بعد ما كل حاجة راحت.
استمعت حياة إلى حديثها وقد بدأت دموعها في الانهمار حزناً عليها وهي تراها تجلس فوق كرسي متحرك بعدما استشعرت الصدق في حديثها تلك المرة، لذلك قالت بصوت متحشرج: -أنا مسامحاكي.. رغم إن اللي عملتيه فيا المرة اللي فاتت كلفني كتير.. بس ربنا عوضني.. وده كفاية عندي. رفعت يدها تتلمس بطنها التي بدأت في الانتفاخ أمامها ثم أردفت تقول بصوت باكٍ:
-فصدقيني ده السبب اللي خلاني سامحتك. أما عن فريد فأنا وعدته مش هدخل بينكم تاني. كل اللي أقدر أقوله إني لو مكانك هعمل أي حاجة عشان يسامحني. كفاية سنينك اللي فاتت عدت وأنتِ محرومة من حنيته وطيبة قلبه ومساعدته ليكي. صدقيني لو كسبتي فريد فأنتِ كسبتي أب وأخ ودنيا كاملة. صمتت قليلاً ورفعت كفها تمسح على عضده برفق ثم أردفت توجه حديثها له وعيونها تتأمله بإعجاب قائلة بعشق:
-وعشان أنا عارفة فريد أكتر من روحي.. عارفة إن حنانه هيغلب قسوته. بس أنا عشان وعدتك هستنى بره وهسمع قرارك منك بعدين. أنهت جملتها تلك ثم انسحبت للخارج تجلس على أقرب مقعد صادفته. وبعد فترة ليست بكبيرة خرج خلفها فريد بملامح وجهه خالية. انتفضت حياة من مقعدها وتحركت نحوه بلهفة ثم تمسكت بكفه في سؤال صامت. نظر إليها فريد بجمود ثم قال بأندفاع ودون مقدمات:
-معرفتش أنسى.. مش عارف يا حياة.. مش عارف مهما حاولت.. بس وعدتها إني هاخد بالي منها ومش هسيبها لوحدها تاني.. وضعت حياة فمها فوق كفها تحاول كبت دموعها ثم قالت بنعومة لتطمئنه: -كله في وقته يا حبيبي.. عارفة إن هييجي يوم وتسامح.. متحملش نفسك فوق طاقتها.. عارفة إن حمايتك جزء من حنانك هيكفيها ويزيد.. أما الباقي الوقت كفيل بيه. بعد مرور تسعة أشهر. وقفت حياة داخل غرفتهم تحتضن بحنان طفلتها بين يديها وتهدهدها بحب.
فتح فريد باب غرفتهم فسارعت حياة تهتف بسعادة بمجرد رؤيته أمامها: -بابي جه.. يا لوكا يا كسلانة قومي قولي لبابي وحشتني وحمدلله ع السلامة يلا.. تحرك فريد نحوهم مباشرة وأحاطهم بذراعيه ثم قام بطبع قبلة ناعمة فوق جبهة كلا من زوجته وطفلته وهو يهتف بحب: -مليكة قلبي.. وحشتي بابي.. حياة دي نامت!! قالت حياة معترضة بغيره: -والله!! .. دلوقتي بقت مليكة قلبك وأنا ماليش!!
.. حتى لما بتدخل على فكرة بتسأل عليها هي الأول وبتبوسها هي الأول.. خلاص يا فريد مبقاش ليا لازمة عندك.. سألها فريد بمرح وهو يحك أنفه بوجنتها: -حياة روحي غيرانة ولا إيه؟ أجابته حياة متصنعة الحزن: -آه طبعاً غيرانة.. مانا شايفة الدلع كله لمليكة.. لو كنت أعرف كنت جبت ولد.. حمل فريد طفلتها من بين يديها برفق وقام بوضعها داخل مهدها بحذر ثم عاد ليقف أمام حياة قائلاً بمكر وهو يغمز لها بإحدى عينيه:
-طب ما تيجي نجرب تاني يمكن تجيبي ولد.. وبعدين مين اللي المفروض يغير.. ده من ساعة ما مليكة جت وإنتي مش معبراني خالص.. اقتربت حياة منه ثم قالت بدلال: -طب وحشتني.. أوقف إجابته بضع طرقات خفيفة على باب الغرفة جعلته يهتف بحنق مستفسراً مما جعل طفلته تستفيق على صوته: -مين!! أجابته سارة بنبرة متعثمة من خلف الباب المغلق: -فريد بيه.. غريب بيه تحت ومستني حضرتك.. زفر فريد بحنق ثم غمغم بضيق وهو يتحرك نحو الباب:
-آهو هو ده اللي كان ناقصني.. مش عارف أنا خلفه إيه دي اللي جاية على دماغي.. دوت ضحكة حياة عالياً وهي تحمل طفلتها التي استفاقت بشكل كامل وعادت لوعيها استعداداً لاستقبال جدها ثم سألته باهتمام وهي تتحرك بجواره: -حبيبي.. نرمين عاملة إيه بعد ما وصلها خبر إعدام جيهان؟ أجابها فريد بعدما توقف عن السير:
-بصراحة اتفقنا محدش يقولها غير لما علاجها يخلص خالص.. إنتي عارفة كده كده هي مش بتتحرك ومحدش مسموح له يزورها غير أنا وبابا ووائل.. أومأت حياة برأسها متفهمة ثم قالت باستحسان: -عين العقل يا قلبي.. ربنا ما يحرمنا من وجودك حوالينا.. طبع فريد قبلة خاطفة فوق شفتيها ثم عاد ليقول مادحاً: -وائل كمان طول الفترة اللي فاتت مسبهاش لوحدها.. الدكتور قالي إن وجوده عليها عامل كبير.. ابتسمت حياة لحديثه بسعادة ثم عادت تقول بإعجاب:
-بصراحة يا فريد.. وائل ده طلع صاحب بجد ميتخيرش عنك.. كنت عارفة من الأول إنكم هتكونوا صحاب.. احتقنت ملامح فريد ورفع إحدى حاجبيه مستنكراً فسارعت حياة تقول مصححة لتراضيه: -بس حبيبي مفيش زيه طبعاً.. فريد قلبي وروحي.. هو واحد بس..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!