الفصل 33 | من 34 فصل

رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم شيماء يوسف

المشاهدات
21
كلمة
6,720
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

بعد مرور شهر جلست جيهان السكري بتأفف أمام نجوى في موعد الزيارة الرسمية والمحددة من قبل قطاع السجون، تسألها بنفاذ صبر: -خير يا نجوى؟ سعيد قال لي إنك طالبة تشوفيني ضروري؟ حركت نجوى رأسها يمينًا ويسارًا باضطراب واضح، ثم أجابتها وهي تقضم أظافرها بتوتر: -آه يا طنطتي، أنا طلبت من بابي يكلمك في الزيارة اللي فاتت لما لقيتك مش بتسألي عليا ولا فكراني. قالت جيهان مبررة وهي تشعر بالاشمئزاز من ذلك المكان، والذي اضطرت للمجيء

إليه بعد توسلات سعيد لها: -ما أنتي عارفة يا نجوى الظروف اللي أنا بمر بيها مع نيرمين، أكيد يعني عندك خبر نيرو حصل فيها إيه؟ حركت نجوى رأسها بتوتر عدة مرات يمينًا ويسارًا في حركة أصبحت ملازمة لها في الآونة الأخيرة، ثم هتفت متسائلة بتوجس: -هي عاملة إيه دلوقتي؟ هتخف ولا لأ؟ قصدي يعني العلاج جاب نتيجة؟ استرعى انتباه جيهان حالة الاضطراب التي تتحدث بها نجوى طوال الوقت، ترى هل تتعاطى هي الأخرى شيئًا ما؟

حتى وإن فعلت هي لا تهتم قيد أنملة، يكفيها التفكير والاهتمام بابنتها والتي على وشك خسارتها، تنحنحت قائلة باقتضاب: -كويسة، بس يا ريت تقولي لي إيه الحاجة اللي عاوزاني فيها عشان ألحق أمشي. التفتت نجوى حولها للمرة الأخيرة مما جعل جيهان تتوجس منها، ثم أشارت لها بيدها للاقتراب منها وانتظرت حتى فعلت جيهان، ثم قالت هامسة أمام وجهها بابتسامة شديدة الاضطراب:

-بابي هيهربني، كمان يومين بالظبط هيخرجني من هنا بـ فكرة التسمم اللي حصلت لي المرة اللي فاتت، وبعدها هروح معاه إيطاليا ومش هرجع مصر تاني. عقدت جيهان حاجبيها معًا باستنكار، هل تلك فعلًا نجوى التي تتحدث إليها؟ كيف أصبحت بلا حذر هكذا؟ هذا ما فكرت به وهي تنظر نحوها بتوجس حتى تتأكد من عدم استماع أحد لهم، ثم قالت بعدم اهتمام: -طب وأنا مالي؟ صاحت بها نجوى بحدة جعلت بعض المسجونات يلتفتون إليهم: -يعني إيه مالك؟

إحنا مش بينا اتفاق؟ همست جيهان بنبرة خفيضة: -ششششش، وطّي صوتك، هتفضحينا، وبعدين اتفاق إيه ده؟ عادت نجوى لتقضم أظافرها بتوتر، ثم قالت بنبرة خفيضة: -إننا نخلص من حياة الزفت دي وأتجوز فريد! أجابتها جيهان معترضة: -فريد إزاي وإنتي بتقولي هتهربي بره البلد؟ أجابتها نجوى بحدة: -مش شغلك، إحنا بينا اتفاق ولازم يتنفذ. عادت لتقترب بوجهها من جيهان، ثم قالت هامسة:

-فريد هو اللي رماني هنا، وهو اللي عمل كده، ده بينتقم مني عشان أنا اللي سممت حبيبته. جحظت عينا جيهان للخارج، ثم همست مستنكرة: -مش معقول! إنتي يا نجوى؟ حركت نجوى رأسها مؤكدة وهي تبتسم بانتصار، ثم أردفت وهي تعود لوضع أظافرها تحت أسنانها: -عشان كده أنا لازم أنتقم منه، لازم أموتها وأحرق قلبه عليها وبعد كده أسافر وأخده معايا، وإنتي هتساعديني. -أساعدك! نجوى إنتي بتقولي إيه؟ يسافر معاكي إزاي وإنتي بتقولي أنتقم منك عشانها؟

هذا ما تساءلت به جيهان بتعجب وهي ترمق نجوى بنظرات متوجسة. صاحت نجوى بها مرة أخرى معنفة: -أيوه هيسافر معايا، هو بيحبني أنا بس مش عارف، ولما هي تموت هيفهم ده. عادت جيهان بجسدها للوراء قليلًا، تتأمل نجوى وطريقتها غير المتزنة، ربما يمكنها الاستفادة منها وهي في تلك الحالة، نعم هذا ما ستفعله، فحركات جسد نجوى بأكملها مريبة، ستستخدمها في القتل بدل تلويث يدها بنفسها. -ماشي، موافقة بس بشرط، مليش دعوة بخروجك من هنا.

كانت هذه الجملة هي ما تفوهت به جيهان بمكر وقد عقدت النية على تنفيذ خطتها في أسرع وقت، أجابتها نجوى بحماس: -لا هروبي بابي مرتبه، فاضل إنتي بس تنفذي اللي هنتفق عليه بس في خلال 3 أيام من دلوقتي وبعدها معاد طيارتي أنا وفريد. غضت جيهان الطرف عن جملتها الأخيرة، ثم قالت هامسة: -اتفقنا، أنا كده كده كنت مرتبة حاجة في دماغي، دلوقتي بس محتاجة أسرعها شوية. تحركت نجوى واقفة، ثم قالت بتوتر:

-يومين بالظبط وهتلاقيني قدامك نرتب هنخلص منها إزاي. وافقتها جيهان، ثم سحبت حقيبة يدها مستعدة للخروج ورأسها يعج بألف فكرة وفكرة، يبدو أن القدر يسير معها، فها هو منصور قد أعطاها عنوان مخزن الشركة القديم ووضعه تحت تصرفها مع عدد من رجاله، والآن نجوى على استعداد لقتل حياة، ويمكنها بحيلة بسيطة جعل رصاصة أخرى طائشة تخرج من يدها بالخطأ لقلب فريد. ***

في المساء وبعد تناول وجبة العشاء جلس كلا من فريد داخل غرفة المعيشة، وجلست حياة بجواره تستند برأسها على كتفه وتحتضن يدها كفه وهي تشاهد بشغف أحد أفلامها العربية المفضلة، تململ فريد في جلسته جوارها، ثم هتف اسمها بضجر: -حياة حبيبتي، إنتي أول مرة تشوفى الفيلم ده؟

أخرجت صوتًا من حنجرتها يدل على النفي، وهي لا تزال تتابع بتركيز واندماج شديد، في تلك الأثناء دلفت عفاف تحمل بكلتا يديها صينية القهوة، ثم قدمتها إلى فريد مستفسرة وهي تنحني بجذعها لتضعها فوق الطاولة الموضوعة أمام الأريكة الوثيرة: -فريد بيه، تؤمر بحاجة تاني؟ أجابها فريد بنفاذ صبر: -لا يا دادا.

رفعت عفاف رأسها تنظر نحوه بسعادة، أعوام منذ قرر الانفصال عن والده والعيش بمفرده وهي تعمل في خدمته وعلى راحته، وتلك هي مرتها الأولى التي تسمعه يطلق عليها لقب مثلما تفعل زوجته، آه من زوجته تلك التي جعلت البسمة لا تفارق وجهه منذ عدة أسابيع، تنهدت عفاف بارتياح وهي تعتدل في وقفتها، ثم وجهت حديثها هذه المرة لحياة تسألها هي الأخرى: -حياة يا بنتي، تحبي أعملك حاجة إنتي كمان؟ أجابتها حياة بودها المعتاد وهي ترفع

رأسها من فوق ساعد فريد: -لا يا دادا تسلمي، لو مش وراكي حاجة تعالي اتفرجي على الفيلم معانا. اتسعت ابتسامة عفاف من مجاملة مخدومتها الرقيقة والمراعيه، فالطالما كانت تتميز بالأدب والتواضع، ثم قالت بامتنان شديد: -يسلم خاطرك يا بنتي، بس لو مش محتاجين حاجة تاني اسمحي لي أروح بدري أرتاح.

في الواقع لم تكن عفاف متعبة أو شيء من هذا القبيل، ولكنها في الفترة الأخيرة كانت تتعمد كلما سنحت لها الفرصة بإعطائهم المساحة الخاصة بهم، خصوصًا بعد عودة فريد من عمله بعد صلاح الأحوال بينهم في الفترة الأخيرة، أجابتها بابتسامة متفهمة: -لا يا دادا اتفضلي، وخلي سارة كمان تروح، لو احتاجنا أي حاجة أنا موجودة.

أومأت لها عفاف موافقة، ثم تحركت للخارج مختفية عن الأنظار، انتظر فريد حتى خرجت عفاف من الغرفة، ثم جذبها من خصرها لتجلس داخل أحضانه، ثم تحدث متذمرًا بملامح وجهه ممتعضة: -يا سلام! هو أنا عارف آخد راحتي مع الفيلم اللي مصممة تتفرجي عليه ده عشان تخلي عفاف تقعد معانا كمان؟ ابتسمت حياة من تذمره الطفولي، ثم رفعت كفها تتلمس بأناملها ذقنه، ثم قالت بنعومة لتراضيه:

-يا حبيبي هي عمرها ما هتقعد معانا، إنت أكتر واحد عارف إنها بتتحرج، أنا بس بحاول أحسسها إنها منا مش غريبة، كفاية عليا إنها من ساعة ما رجعت وهي جنبك وعمرها ما باعتك رغم الظروف في الوقت اللي كله ممكن يعمل أي حاجة عشان الفلوس.

تهدج صوتها حزنًا في جملتها الأخيرة، فعلم فريد ما ترمي إليه، بالطبع ما زالت حزينة مما فعلته بها تلك المدعوة نيرمين، فرغم كل شيء هو يعلم أن نية زوجته كانت الخير والذي قابلته أخته بالشر والمكيدة، رغم اعتراضه لذلك، تحدث مسرعًا ومحاولًا تغيير مجرى الحوار: -إنتي واخده بالك إن البيت فضي علينا ولا إيه؟ قال جملته تلك بنبرة عابثة جعلت الاحمرار يغزو وجنتها، ثم تحدثت بخجل:

-فريد لو سمحت خليني أركز في الفيلم، وبعدين كنت عايزة أكلمك في حاجة كده. سألها وهو يبتسم من خجلها والذي لا يزال يلازمها حتى الآن: -قولي أي حاجة بدل الملل اللي أنا فيه وإنتي حبساني جنبك كده. تحولت ملامحها ولكمته فوق كتفه برقة قائلة بمشاكسة: -متقولش على فيلمي اللي بحبه ملل، وبعدين إنت مش ناوي تحن عليا وترجعني الشغل معاك تاني؟ فريد أنا بجد زهقانة أوي. أجابها معترضًا باسترسال:

-إيه لازمة الشركة وإنتي كده كده بتعملي اللي بحتاجه من البيت، وكمان إنتي عارفة سبب طلبي نزولك في الأول، بس دلوقتي خلاص، بقيت أقدر أسيبك هنا وأنا مطمن. جعدت أنفها، ثم قالت بإحباط:

-تمام، أنا عارفة إني بعمل اللي تحتاجه هنا وبساعدك بليل، بس برضه طول اليوم حاسة بملل خصوصًا إني مش بخرج تقريبًا وإنت مش بترجع غير بليل، وأنا اتعودت إني أكون معاك على طول، حتى لو مش شايفاك، إحساس إني معاك في مكان واحد وبتنفس الهوا اللي إنت بتتنفسه بيطمني، وبعدين أعمل إيه بقى؟ إنت بتوحشني والكام ساعة اللي بشوفك فيهم مش بيكفوا ولا بحس إني أشبع منك. تنهد باستسلام وهو ينظر داخل عينيها بهيام قائلاً بلين شديد:

-والله أنا ما عارف أثبت على موقف معاكي، كل ما أقول على حاجة برجع فيها ومش بنفذها بسبب كلامك ده. اتسعت ابتسامتها، وأخفت رأسها داخل عنقه وهي تغمغم بسعادة وحب: -إنت أحلى فريد في الدنيا، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش من نفسك اللي مخلي لحياتي معنى. طبع قبلة فوق شعرها رداً على حديثها، ثم عاد ليقول بهدوء: -طب خليني أقوم ألعب شوية لحد ما تخلصي الدراما اللي مصممة تشوفيها دي وأرجعلك. شدت من لَف ذراعها حول عنقه وتشبثت به كطفل صغير

وهي تهتف معترضة بلهفة: -لا، عشان خاطري خليك معايا، مش عايزة أبعد عنك، وبعدين حد مبيحبش فيلم دعاء الكروان وقصة حب آمنة والباشمهندس اللي اتحولت من كره لحب وهو اتغير بسبب حبها؟ سألها فريد مشاكساً: -وإنتي بقى بتحبي الفيلم عشان كنتي بتكرهي الباشمهندس زي آمنة؟ رفعت رأسها واقتربت منه، ثم أحاطت وجهه بكفيها قائلة بعشق وهي تحدق داخل عسليتيه:

-لا، أنا الباشمهندس بتاعي بحري واللي في الفيلم كان ذراعي ده أولًا، يعني، وبعدين أنا بحب الباشمهندس بتاعي من أول ما عينيّ وقعت عليه، عمري ما كرهته. اه كنت زعلانه منه او بالأدق من نفسي لكن اكرهه ازاي وهو نفسي اللي بتنفسه! ومضت عينيه بسعادة وهو يستمع إلى حديثها المحب والذي باتت تغدقه به يوميًا حتى أصبح كالادمان بالنسبة إليه. تنهد بحرارة وهو ينظر إلى عينيها التي تضوي ببريق خاص لا يلمع إلا له، ثم غمغم قائلاً بصوته الأجش:

-أنا بقول خليني أقوم أحسن. امتعضت ملامحها ثم قالت متصنعة الضيق: -والله! على فكرة أنت بتهرب عشان تروح تلعب، أنا عارفة. وحشتك الأوضة بتاعتك اللي مش بتخلي حد يدخلها دي. رفع فريد إحدى حاجبيه مستنكراً وهو ينظر إليها باندهاش، ثم هتف بعدم تصديق: -الأوضة بتاعتي ومش بخلي حد يدخلها! طب إيه رأيك هقفل ورايا فعلاً عشان يبقى بجد محدش يعرف يدخلها. هتفت حياة مسرعة لتثنيه عن قراره: -لا خلاص بهزر. صمتت لوهلة لتفكر بخبث،

ثم قالت بدلال متصنع: -خلاص مش هحرمك. مادام أنت مش عاجبك الفيلم روح. قطب حاجبيه معاً بارتياب وهو يسألها بتشكك: -حياة.. انتي متأكدة؟ أجابته بعدما طبعت قبلة رقيقة فوق وجنته: -آه متأكدة. أنا عارفة قد إيه أنت بتحب الرياضة، وأكيد هبقى عايزة أك تعمل اللي أنت بتحبه. رمقها بنظرة تشكك أخيرة، فأردفت تقول بمكر: -أنت مش عارف إن أهم حاجة عندي تكون مبسوط ولا إيه. بس بشرط.. لما الفيلم يخلص هتلاقيني قدامك.

طبع قبلة فوق رأسها وهو يبتعد عنها استعداداً لتركها، قائلاً بحماس: -الفيلم ده طويل ولسه بدري. ابتسمت له بتصنع وهي تومئ له برأسها موافقة وتلوح له بيدها مودعة حتى اختفى من أمامها. انتظرت حتى قام بتبديل ملابسه ودلف غرفته المفضلة، ثم تحركت من مقعدها وداخلها يتوعد له.

بعد أقل من نصف ساعة على اختفائه بداخلها، وقفت حياة أمام باب غرفته الرياضية تأخذ نفساً عميقاً بعدما تأكدت من مظهرها للمرة الأخيرة في مرآة الاستقبال، ثم فتحت باب الغرفة ودلفت بهدوء حافية القدمين. تسمرت نظرات فريد فوقها وتوقفت ذراعه التي كانت تحمل أحد الأوزان عن الحركة انبهاراً بما يراه أمامه. شعر بأنفاسه تتسارع وحرارة جسده ترتفع تدريجياً وهو يتأمل مفاتنها البارزة بوضوح. مرر عينيه ببطء شديد يتفحص رداء النوم الأسود الذي

تقف به أمامه، والذي يتناسب تماماً مع بشرتها الحنطية الناعمة، ويكاد يغطي خصرها ببضعة إنشات قليلة ويكشف عن ظهرها بأكمله مع فتحة عنق منخفضة. أما عن شعرها، فقد رفعته للأعلى ثم تركته ينسدل حتى مقدمة ظهرها بحرية ونعومة. ابتسمت حياة بانتصار وهي تتقدم منه بهدوء شديد، فنظرة عينيه الداكنتين تفصح عما يدور بداخله بوضوح. توجهت نحوه بابتسامة مشرقة حتى توقفت أمامه،

ثم قالت بتمثيل: -حبيبي.. أنا عارفة إن لسه قدامك وقت، بس أنا عايزة أنام فجيت أقولك تصبح على خير. أنهت حديثها بالوقوف على أطراف أصابعها العارية وطبعت قبلة ناعمة للغاية فوق وجنته جعلت رائحة عطرها تتسلل إلى أنفه وتزيد من اضطراب أنفاسه. ابتعدت عنه حياة ببطء قائلة بنعومة: -محتاج مني حاجة قبل ما أنام؟

لم يجيبها فريد، بل انحنى بجذعه يضع أحد الأوزان التي كان يحملها فوق الأرضية، ثم عاد واعتدل في وقفته قبل أن يسألها مستفسراً بصوته الأجش مأخوذاً بفتنتها: -هتنامي دلوقتي؟ ده الساعة يا دوب ١٠! تثائبت حياة أمامه بتمثيل وهي تضع كفها فوق فمها لإخفائه، ثم أجابته برقة مفسرة: -مش عارفة بس زهقت من القعدة لوحدي والفيلم شكله نيمّني ولقيت نفسي بنام وأنا قاعدة، فقلت أطمّن عليك محتاج حاجة الأول ولا لأ. تنام!! هكذا!!

لقد انتظر أياماً حتى يراها ترتدي تلك الأشياء التي اختارها كلها بعناية من أجلها، والآن تخبره برغبتها في النوم!! بعدما أثارت أعصابه!! وهي بذلك الشكل المدمر!! لماذا لم ترتدي تلك المنامات الطفولية الغريبة كعادتها بدلاً من ذلك الرداء الذي يجعلها كآلة فتنة؟ على ذكر الرداء، هتف فريد بها بضيق متسائلاً: -حاااياة!!! انتي إزاي تنزلي من الأوضة كده؟ إحنا مش اتكلمنا قبل كده في اللبس بره الأوضة! نظرت حولها ببلاهة ثم أجابته مبررة:

-حبيبي مفيش حد في البيت غيري أنا وأنت.. وأنا كنت بجربه في الأوضة وكنت هنام على طول، بس مهنش عليا أنام من غير ما أقولك تصبح على خير.. وبعدين خلاص أنا طالعة أهو. قالت كلمتها الأخيرة وهي تتلمس بكفها عضلات ذراعه العارية برقة شديدة، ثم أبعدت يدها عنه على الفور. لانّت ملامح وجهه، ثم تحدث بنبرة عابثة وهو يمد ذراعه ليلصقها بصدره ويمنعها من الابتعاد: -لا تنامي إيه بس.. تعالي عايزك في موضوع مهم.

سألته حياة بهيام وهي تنظر بداخل بندقيته وتمرر كلتا كفيها بنعومة فوق ذراعيه: -معلش ممكن نأجل الموضوع لبكرة.. يلا عشان مش عايزة أعطلك. خطوة واحدة هي المسافة التي ابتعدتها عنه، والتي سمحت بها قبضته التي عادت لتشدد من احتضانها لها حتى التصقت تماماً به، ثم قال وهو يخفض رأسه في اتجاهها حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلحفها: -طب مش هتسمعينى حاجة الأول؟ سألته حياة بحب ورقة: -إيه هي؟ أجابها وهو يتلمس بشفتيه وجنتيها:

-الكلمة اللي بقيت بستنى يومي الجديد عشان أسمعها. سألته حياة بعشق وهي ترفع رأسها إليه فتلامست شفتيهما معاً: -أنت مزهقتش منها؟ أجابها مستنكراً وهو يلثم بنعومة شفتها السفلى: -أزهق منها إزاي وأنا عشت سنين أحلم بشفايفك بتنطقها؟ ده أنا بستنى طول اليوم لحد ما أسمعها.. حد يزهق من الكلمة التي تروي عطش روحه؟ أغمضت حياة عينيها وهي تتنهد بوله، ثم فتحتهما مرة أخرى قائلة بولع وهي تحاوط جانب وجهه الأيمن بكفها وتطبع قبلة

عاشقة فوق شطره الأيسر: -بحبك يا فريد. ردد فريد من خلفها وهو يضع كفه في منتصف ظهرها العاري: -وأنا بحبك يا حياة فريد. تنحنحت حياة متذكرة خطتها قبل إزاحتها لكفه من فوق ظهرها قائلة بخبث وهي تهم للتحرك: -احم.. تصبح على خير.. وارجع لتمارينك بقى. أوقفها فريد بلهفة قائلاً بحسم: -لا أنا خلاص خلصت. قطبت حياة حاجبيها معاً وهي تسأله محاولة قدر الإمكان كبت ابتسامتها المنتصرة: -خلصت! متأكد! أنت مكملتش نص ساعة حتى؟

أجابها وقد قطع المسافة بينهم وبدأ يطبع قبلات متقطعة فوق شفتيها: -تولع التمارين مش وقتها دلوقتي.. هطلع معاكي. صرخت حياة بانتصار وعيناها تلمع بسعادة: -هيييه.. كنت عار... شهقت بندم وهي تعض فوق لسانها من اندفاعه الذي دائماً يوقعها في شر أعمالها. ضيق فريد عينيه فوقها بارتياب للحظات، ثم عض فوق شفته السفلى بتوعد وهو يتقدم منها. ابتلعت حياة لعابها بصعوبة وهي تتراجع للخلف تلقائياً كلما رأته يتقدم منها، ثم قالت بفزع

رافعة كفها أمامها بتوسل: -بص.. نتفاهم. سألها فريد وهو لازال يتقدم نحوها وتتراجع هي حتى ارتطم جسدها بالحائط: -نتفاهم على إيه!!! بتلعبى عليا يا حياة!

أنهى جملته تلك وهو يستند بكلتا ذراعيه على الحائط ليحاصرها ويمنع جسدها من الهروب. نظرت حياة إليه بتوجس، ثم انزلقت بجسدها للأسفل محاولة الفرار من أسفل ذراعه. التقط فريد حركتها واخفض جسده هو الآخر معها ليمنعها من الحركة. عادت حياة لتستقيم في وقفتها مرة أخرى، ثم هتفت بتوسل واناملها تتحرك فوق صدره العاري بحرية: -فريد.. حبيبي.. طيب أعمل إيه! ما أنا بحس إنك بتحب الأوضة دي أكتر مني.. ده جزائي عشان بغير.

سألها فريد بنبرة ناعمة كالحرير وهو يقترب منها ويضغط بجسده فوق جسدها المنتفض: -بتغيري! من الأجهزة والأوضة!!! وأنا يا روح فريد ميهونش عليا غيرتك.. عشان كده هخليكي تقضي الليلة كلها هنا معايا. اتسعت حدقتا حياة بذعر، ثم رددت جملته مستنكرة وهي تزدرد لعابها بقلق: -الليلة كلها!!! هنا!! بس الأوضة مفيهاش تكييف سخن وأنت شايف أنا لابسة إيه!! حبيبي أنت مدرك صح؟

حرك رأسه الملاصق لها مؤكداً على مهل، فأحتكت أنفه بأنفها، ثم قال مؤكداً بنبرة مثيرة: -متخافيش أنا هدفيّكِ. فتحت فمها لتجيبه معترضة، فألتهم شفتيها على الفور مبتلعاً أي حديث قد يخرج منه، فالآن ليس وقت الكلام. خفتت مقاومتها شيئاً فشئ حتى تلاشت نهائياً، تاركة له المجال ليفعل بها ما يريد.

بعد فترة جلست حياة معه فوق الأرضية مستندة برأسها فوق صدره وذراعها يحيط خصره. أما هو فقد أحاطها بكلتا ذراعيه يضمها بقوة ويستند بذقنه فوق رأسها. هتفت حياة اسمه بخفوت بعد فترة من الصمت قائلة بنبرة شبه متوسلة: -فريد.. حبيبي.. ممكن نطلع بقى أوضتنا. همهم نافياً، ثم أجابها بمكر: -لا الأوضة هنا عجبتني مفيش غير أنا وأنت.. وأنتي عارفة أنا قد إيه بحبها ومش بخلي حد يدخلها.. يعني خلاص بقت المكان بتاعي أنا وأنت وبس.

لوت حياة فمها بضيق وقد ابتلعت اعتراضها بداخلها، وبعد فترة من الصمت عادت لتقول برقة: -فريد أنا بردانه.

مد ذراعه يجذب سترته الرياضية والتي وضعها بجوارهم تحسباً، ثم عاد ليحتضنها بعدما ألبسها إياه باهتمام. أما عن كفه فقد بدأت تفرك ساقها صعوداً وهبوطاً لنشر الدفء بهما. أغمضت حياة عينيها وهي تتنهد براحة مستمتعة بذلك الدفء اللذيذ والذي بدأ ينتشر على طول جسدها بفعل لمساته وكنزته الثقيلة التي تحمل رائحته بداخلها. سألها فريد باهتمام مستفسراً: -لسه بردانه؟ رفعت رأسها تنظر إليه، ثم قربت أنفها من أنفه وأخذت نفساً عميقاً قائلة بحب

بعدما حركت رأسها نافية: -مش هبرد في مكان أنت فيه. توقفت يده عن العمل للحظة مشدوهاً بجملته، ثم عاد ليحرك كفه فوق ساقها وعيونه تومض بسعادة. هتفت حياة اسمه قائلة بدلال: -فريد.. فاكر لما قلت لي عندك ١١ نظرة ليا.. أنت قلت لي عشرة بس. أصدر صوتاً من حنجرته موافقاً، فأردفت تقول بترقب: -طب مش ناوي تقولي على الأخيرة بقى. تنحنح محاولاً تنقية حلقه، ثم قال بترو: -بصيلي كويس ومترديش على اللي هقولهولك دلوقتي.

حركت رأسها موافقة بحماس شديد، في انتظار جملته. أخذ نفساً عميقاً ثم قال وهو يحدق داخل حدقتيها المتلألئتين: "حياة.. أنا بحبك." ضوت عيناها بلمعة أشبه بالفضة وهي تنظر إليه بهيام. تنهد هو بإعجاب، ثم قال بصوته الأجش وهو يتأمل عيونها بانبهار: "النظرة الأخيرة.. نظرة الحب اللي كل مرة بتبصيلي بيها بحس إن الحياة ليها معنى." ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتيها، ثم قالت بهيام وهي تضم وجهه بكفيها:

"بحبك وهفضل أحبك لآخر العمر.. مهما حد حاول يبعدنا. أنا وانت نفس في رئتين.. روح وتوأمها.. قلب واحد وجوه صدرين.. ضلعك اللي مش بيرتاح غير لما يرجع لك.. حياة فريد." قاطعها هو يقول بعشق: "وفريد حياة." طبعت قبلة ناعمة فوق شفتيه بمجرد نطقه لتلك الجملة، ثم عادت لتقول ببوله: "بحبك يا فريدي." تنهد فريد بحرارة، ثم قال وهو يغمزلها بعينيه: "طب مش هنقوم بقى؟ سألته بدلال: "هنروح فين؟ أجابها بنبرته العميقة الهادئة: "أوضتنا."

عضت فوق شفتها السفلية بإغراء وهي تحرك رأسها رافضة. رفع فريد حاجبه مستنكراً وهو يحرك رأسه بعدم تصديق. جعدت حياة أنفها بمرح، ثم عادت لتحرك رأسها بإيجاب وهي تقترب بشفتيها منه. فتح فريد فمه للحديث، فقاطعته تقول بهم: "شششش.. أنت بتتكلم كتير أوي على فكرة." أنهت جملتها وبدأت تتمسك بزمام الأمور، حتى تدخل هو مستلمًا منها دفة مشاعرهم، والتي يديرها بمهارة عاشق انتظر طويلاً لتحقيق غايته.

في اليوم التالي، جلست جيهان في ذلك المقهى المنزوي عن أعين المارة، والتي اعتادت مقابلة منصور به، تحاول ترتيب كلماتها حتى تصل لغرضها وتنهي ذلك اللقاء كما تريد. هتفت بنبرة قوية واثقة: "أستاذ عبد السلام.. أنا طلبت أقابلك النهارده عشان أبلغك إن اللي اتفقنا عليه هيتقدم.. هننفذ بعد بكرة على طول.. تمام؟ سألها والد حياة مستفسراً بنظراته التي كانت دائماً ما تتسم بعدم الذكاء: "اشمعنى يعني؟ ما احنا كنا مرتبين كل حاجة."

أجابته جيهان بضيق: "كنا متفقين بس حصل تغيير ولازم يتنفذ بعد بكرة.. في اعتراض؟ قاطعها عبد السلام قائلاً بلهفة: "لأ مفيش.. أنا دخلي إيه؟ مادام هقبض خلاص. بس زي ما اتفقنا ملكيش دعوة بالبت." تململت جيهان باشمئزاز من أسلوبه وطريقته، ثم قالت بهدوء للخلاص من تلك المقابلة:

"زي ما قلت لك.. أنا معنديش مشكلة مع بنتك.. كل اللي يهمني هو ابن جوزي وبس. بس هو حريص أوي ومفيش حاجة هتجيبه تحت رجلي غير بنتك لأنه بيحبها.. ينزل تحت رجلي وخد بنتك معاك." وافق عبد السلام على حديثها، ثم سأل بلهفة: "طب وفلوسي؟ عبثت جيهان بحقيبة يدها قليلاً، ثم أخرجت منها مبلغاً كبيراً من المال ووضعته أمامه فوق الطاولة، ثم قالت بحزم: "نص المبلغ أهو.. وهتاخد قده لما تجيبهالي." احتضن عبد السلام الأموال بكلتا يديه،

ثم أجابها بوميض إصرار: "بعد بكرة هتكون عندك." في مساء اليوم التالي، راقبت حياة بحب شديد زوجها وهو يتحرك داخل غرفتهم بقوته المعتادة. تنهدت بإعجاب وعينيها متعلقة بخطواته الواثقة استعداداً لعشاء عمله المقرر اليوم. التقط فريد نظراتها تلك، فعاد يجلس جوارها فوق الفراش وينحني بجذعه فوقها قائلاً بمرح وهو يدفن رأسه داخل عنقها: "ما تجيبي بوسة بسرعة قبل ما ألبس." ضحكت بسعادة وهي تستقبل قبلاته التي بدأ ينثرها فوق عنقها،

وهي تغمغم بدلال: "أنا معنديش أي مانع.. بس كده أنت اللي هتتأخر على معادك." رفع رأسه حتى أصبح في مستواها، ثم قال بخبث وهو يعود للاقتراب منها: "مش مهم الميعاد.. خليهم يستنوا." اتسعت ابتسامة حياة بسعادة وهي تراه يتلمس قربها حتى في خضم أعماله اللامتناهية. قطع تقاربهم رنين هاتف فريد الذي ارتفع مصدراً اهتزازه قوياً على الطاولة الموضوع فوقها. ابتعدت عنه حياة قائلة بهمس: "حبيبي تليفونك." زفر فريد بضيق وهو يتحرك لالتقاطه،

ثم أجاب باستعجال: "خير؟ أجابه الطرف الآخر على مضض: "فريد بيه.. عندي خبر مش كويس لازم حضرتك تعرفه." تأهبت ملامح فريد على الفور، وأجابه مقطباً الجبين: "قول سامعك." قال الرجل بترقب: "نجوى.. هربت النهارده من السجن." انتفض فريد من جلسته وهب واقفاً وهو يهتف بقوة: "نهار أبوك أسود!! الكلام ده حصل إمتى؟ أجابه الرجل بتعلثم: "النهاردة الصبح بعد حادثة تسمم اتنقلت بيها على المستشفى، وبعدها بساعتين اختفت." هتفت فريد بحدة مستنكراً:

"كمان من الصبح!! ولسه فاكر تبلغني يا غبي!! .. اقفل.. اقفل لما أشوف حل في المصيبة دي." لم ينتظر إجابة رجله، بل أغلق الهاتف في وجهه وهو يتحرك داخل الغرفة بعصبية. وقفت حياة هي الأخرى تسأله بقلق: "فريد.. في إيه قلقتني؟ نظر نحوها بتوتر، ثم أجابها بضيق: "مش خير يا حياة.. نجوى هربت." شهقت حياة برعب ووضعت يدها فوق فمها، ثم سألته بنبرة متوجسة: "يعني إيه؟

لاحظ فريد ذعرها، فأخذ نفساً عميقاً يحافظ به على ثباته أمامها، ثم أجابها بهدوء وهو يتقرب منها ويحتضنها: "متخافيش مفيش حاجة.. دلوقتي الشرطة هتقبض عليها تاني.. وأنا من ناحيتي هدور عليها مش هكست." قاطعته حياة معترضة وهي تلتصق به أكثر: "لأ مخافش إزاي.. طبعاً لازم أخاف وعليك قبل أي حاجة." أجابها فريد قائلاً بترو ليطمئنها:

"أنتي عارفة إنها استحالة تعملي حاجة.. أنتي اللي مهم تاخدي بالك. حياة مش عايزك تتحركي من هنا لحد ما أرجع لك.. وخذي بالك من نفسك.. أنا هروح بسرعة ومش هتأخر وهكلم شركة الحراسة تبعت لي ناس زيادة لحد ما يتقبض عليها." تعلقت حياة به أكثر قائلة باعتراض: "لأ عشان خاطري.. خليك هنا مش لازم تروح." زفر فريد مطولاً محاولاً السيطرة على توتره هو الآخر وإقناعها: "حياة.. أنا مش قايلك قبل كده طول ما أنا معاكي متخافيش؟

أجابته حياة مستسلمة: "بخاف عليك غصب عني.. وبعدين مش عايزة أسيبك.. مضمنش ممكن تعمل إيه.. الله يخليك بلاش تروح." قبل وجنتها بحنان، ثم قال بهدوء: "مينفعش.. أنتي عارفة أنا محدد الميعاد ده من يومين ومش مهتم إني ألغيه في آخر لحظة.. يرضيكي أطلع قدام الناس مش مسئول." مطت شفتيها معاً بتفكير لوهلة، وبدأ يظهر على ملامحها، ثم قالت بتأهب: "أوك بس بشرط.. تكلمني كل ساعة." استمع إلى جملتها ولم يعقب، فأردفت حياة تقول بنبرة حاسمة:

"فريد بجد لو مكلمتنيش كل ساعة تطمني عليك هتلاقيني عندك.. دي واحدة حاولت تسممني قبل كده يعني مضمنش من غيظها ممكن تعمل إيه تاني." تنهد فريد باستسلام، ثم قال موافقاً على مضض: "أوك.. بس في المقابل مش عايزك تتحركي من هنا ولا حتى تنزلي تحت.. تقفلي الأوضة كويس ومتقربيش من البلكونة لحد ما أرجع فاهمة.. وزي ما قلت لك ساعة بالكتير وهتلاقي حراسة زيادة موجودة."

في الحقيقة كان يحاول طمأنة نفسه بما يقول، وليست طمأنتها هي، فهو يخشى عليها كثيراً من غل نجوى وما تستطيع فعله بها. أومأت حياة برأسها موافقة بهدوء، ثم عادت تراقبه وهو يقوم بارتداء ملابسه مرة أخرى بشغف. تحركت حياة تقف قبالته عندما بدأ في ارتداء ربطة عنقه، ثم قالت بحب وهي ترفع مد ذراعها لإمساكها: "خليك.. أنا هربطهالك."

اخفض فريد ذراعيه جانباً، تاركاً لها المجال لفعل ما تشاء به. قررت حياة إعادة المحاولة للمرة الأخيرة، ربما يثنيه ذلك عن قراره، لذلك اقتربت برأسها منه وهي تقف على أطراف أصابعها حتى تلمست شفتيه بشفتيها، ثم قالت بنعومة: "وحشتني على فكرة." لمعت عينا فريد على الفور استجابة لها، ثم قال بصوته الأجش: "وإنتي أكتر.. بس مش هينفع دلوقتي." تبدلت ملامح حياة على الفور وامتعض وجهها، ثم قالت بحدة وهي تبتعد عنه: "والله!!

مش من شوية كان الميعاد مش مهم.. ماشي يا فريد بيه." ابتسم فريد من تذمرها الطفولي، ثم قال بنبرة ضاحكة وهو يمد يده ليوقفها عن الابتعاد أكثر: "استنى بس متجريش.. يعني لو قعدت هتعمليلي كل اللي أنا عايزه؟ أجابته باندفاعها المعتاد: "آه أي حاجة بس تقعد ومتنزلش." اتسعت ابتسامته وهو يحرك رأسه يميناً ويساراً بيأس قائلاً بنبرة جدية: "لو كنتي بتعملي كده عشان عايزني بجد كنت قلت يولع الشغل." رفع كفه أمام وجهها، ثم استطرد يقول بثقة:

"بس أنا يا حياتي عارفك أكتر من دي وعارف إنك بتعملي كل ده عشان منزلش خوف." صمت قليلاً ليقطع المسافة بينهم، ثم اردف يقول وهو يقبل طرف فمها: "بس عشان تعرفي إن أنا مش عايز أبعد عنك.. دي تصبيرة لحد ما أرجع.. ووعد مش هتأخر." أنهى جملته والتهم شفتيها بين شفتيه بشغف وتملك. بادلته حياة قبلته، حتى ابتعد عنها هو أولاً متمتمًا بنبرة خفيضة: "أوعي تنامي.. فاهمة.. ساعتين وأرجع لك."

حركت حياة رأسها موافقة ببطء، غير قادرة على إيجاد صوت لمعارضته أو إثارة حنقه كعادتها. عدّل فريد من وضع ملابسه والتقط هاتفه ومفاتيحه، ثم طبع قبلة مودعة فوق شعرها ووجنتها قبل هبوطه للأسفل استعدادًا للخروج. بعد حوالي ثلاث ساعات من الانتظار، تحدثت معه خلالها أكثر من ثلاث مرات كما وعدها. سمعت هدير محرك سيارته في الحديقة. ركضت نحو المرآة تتفحص مظهرها للمرة الأخيرة، ثم ابتسمت برضا وقفت بترقب داخل الغرفة منتظرة قدومه.

خرج فريد من السيارة وهو يتأفف بضيق: -يالها من امرأة وقحة! ألقى نظرة أخيرة في كاميرا هاتفه على ياقة قميصه قبل أن يزفر مرة أخرى بحنق. -من المستحيل ألا ترى حياة تلك البقعة الحمراء! هذا ما فكر بيأس وهو يتذكر تلك المرأة الطاعنة في السن والتي باغتته بقبلة خاطفة فوق عنقه فطبعت نصفها على الفور فوق ياقته البيضاء. -هل تظن تلك الألمانية الوقحة أنها تستطيع التأثير عليّ بتلك الطريقة المبتذلة؟ يا لها من شمطاء غبية!

حسنًا، سيتصرف بلامبالاة كأنه لا يعلم بوجودها، عسى ألا تلاحظها زوجته هي الأخرى. دلف فريد الغرفة بترقب، وبمجرد رؤية حياة له، قفزت فوقه تعانقه بقوة وهي تمتم برقة بالغة: -وحشتني أوي.. حمدلله على السلامة. ارتخت ملامحه وتناسى كل قلقه بمجرد ضمها داخل أحضانه وبين يديه. فشدد من احتضانه لها والتصاقه بها، ثم بدأ مباشرة بطبع قبلات متفرقة فوق وجهها قائلاً بعشق: -وانتي كمان وحشتيني.

ابتعدت حياة عنه قليلًا، ثم قالت بنعومة وهي تحل ربطة عنقه وتخلع جاكيت بدلته: -عملت إيه في اجتماعك؟ خلصت الشغل؟ أجابها بثقة وهو يحل أزرار أكمامه: -آه طبعًا.. دي محتاجة سؤال. ابتسمت بسعادة ثم قالت برقة: -مبروك.. ربنا يوفقك دايما. تحب أعملك حاجة من المطبخ؟ حرّك رأسه نافيًا، ثم أجابها ويده تحس ذلك المئزر الأحمر الحريري الذي ترتديه باحثًا عن رباطه: -لا أنا عايزة تفضلي في حضني عشان أنسى كل وجع الدماغ النهاردة.

ضغطت فوق شفتيها بخجل ثم تمتمت هامسة: -اللي أنت عايزه. ابتسم لرقتها وخجلها، ثم انحنى برأسه ليقترب منها. رفعت حياة رأسها هي الأخرى لتنظر إليه، ثم شهقت بصدمة وهي تبتعد عنه. تبدلت ملامحها في لحظة، ثم سألته بتأهب: -فريد.. إيه ده؟ أجابها فريد مدعيًا عدم الفهم: -إيه ده؟ أجابته حياة بحدة وهي تشير برأسها نحو عنقه: -فريد متستعبطش.. إيه اللي في ياقة قميصك ده؟

نظر فريد بطرف عينيه إلى ياقة قميصه بعدما حل الزر الأول منه، ثم قال كاذبًا: -مش عارف. اقتربت حياة منه وجذبته من ياقته، ثم قامت باستنشاقه قائلة بغضب: -فريد متستعبطش.. ده روج.. ممكن أعرف جه منين؟ أجابها فريد ببلاهة: -منك.. مش أنتي كنتي بتحضنيني من شوية؟ رفعت حياة كلتا حاجبيها مستنكرة، ثم قالت بنبرة حانقة: -والله!

طب أولًا يا أستاذ أنا كنت حاضناكَ من الناحية الشمال والبقعة في اليمين. وبعدين اتفضل بص كده.. هو ده اللون اللي أنا حاطاه؟ نظر فريد نحوها بقله حيلة، ثم هتف قائلاً باستسلام: -طب بصي هحكيلك بس بلاش الجنان بتاعك يطلع عليا، ماشى؟ رفعت كلتا حاجبيها بغضب ووضعت يدها فوق خصرها بتأهب ولم تعقب. تنحنح فريد استعدادًا للحديث، ثم قال بتوجس شديد:

-وأنا بسلم على الوفد الألماني، كانت معاهم واحدة ست كبيرة مديرة العلاقات هناك. حاولت تبوسني وأنا بعدت عنها، بس كانت حاطة لون غامق طبع على طول. واحدة ست غبية فكرت إنها لما تعمل كده هتخليني أمضي بشروطها. تحولت ملامح وجه حياة للضيق، فأردف يقول بيأس: -بس وحياتك عندي أنا، وقفتها عند حدها. ممكن متزعليش؟ أنتي عارفة عمري ما هسمح لواحدة غيرك تقربلي. ضغطت حياة فوق شفتيها، وابتلعت لعابها بقوة، ثم قالت بنبرة مختنقة وهي

تطبع قبلة جافة فوق وجنته: -خلاص.. محصلش حاجة.. أنا مصدقاك. سألها فريد بذهول: -مصدقاني؟ ثواني كده.. يعني انتي مش زعلانة من اللي حصل ومش هتتعصبي وتقلبِ الليالي خناق؟ ابتسمت باقتضاب، ثم أجابته بعدما أخذت نفسًا عميقًا تحاول السيطرة على دموعها التي بدأت تتجمع بداخل مقلتيها: -لا يا حبيبي.. أنا واثقة فيك. وبعدين أنا وعدتك خلاص.. أنا بحبك وعارفة إن عمرك ما هتعمل حاجة تضايقني. تنفس فريد براحة من رد فعلها غير المتوقع، ثم

قال بهمس وهو يقترب منها: -طب ما تسيبك من كل اللي حصل ده وتعالى عشان نتكلم شوية كلام مهم. ابتسمت حياة بجفاء، ثم قالت بخفوت: -فريد معلش الوقت اتأخر وأنا عايزة أنام.. ممكن تخليها وقت تاني؟

لم تنتظر إجابته، بل تحركت على الفور تقوم بخلع مئزرها ليكشف عما تحته، وهو عبارة عن قميص من نفس اللون والنوعية يكشف عن ساقها كاملة ونصف ظهرها مع حمالات عريضة من الأمام وفتحة عنق منخفضة للغاية. زفر فريد بإحباط، ثم توجه نحو خزانة ملابسه يلتقط منها ملابس للنوم، ثم تسلل بعدها للفراش ليستلقي بجوارها. نظر لظهرها مطولًا، ثم مد ذراعه ليجذبها نحوه حتى التصق بها قائلاً بنعومة وهو يخفي وجهه بظهرها العاري:

-حياة.. أنا عارف إنك اتضايقتي ومش محتاجة تكتمي جواكي عشان متضايقنيش.. قولِ لي اللي في قلبك مش هزعل. انتفضت بجسدها بعد سماع جملته، تستلقي في مقابلته، ثم صاحت بحدة وهي تلطمه فوق صدره بقوة جعلته يجفل: -ومادام أنت عارف إني هضايق ودمي هيتحرق، بتخليها تقرب منك ليه؟ بتسلم عليها ليه من الأساس؟ والله بعد كده هروح معاك الاجتماعات الزفت دي ووريني بقى الست الألمانية دي هتقربلك إزاي!

اتسعت حدقتا فريد بدهشة. إنها فعلًا مجنونة، ولكن هذا هو رد الفعل الذي ينتظره، وليس خطبة الثقة تلك. آفاق من شروده على دموعها التي بدأت تنساب منها قائلة بضيق: -أنا واثقة فيك بس مبحبش حد يقرب منك.. الفكرة لوحدها بتخليني أتخنق وقلبي بيوجعني.. دي حاجة غصب عني. تنهد فريد بحزن ولعن نفسه بصمت، ثم قال بحنو وهو يحتويها بين ذراعيه: -خلاص.. عندك حق.. أنا آسف.. حقك عليا يا ستي.. وعد مش هتحصل تاني حتى لو غصب عني.. خلاص بقى.

طبع قبلة حانية فوق جبهتها وأنفه وجفونها، ثم بدأت أنامله تمسح آثار دموعها قائلًا بنبرة عابثة: -بس إيه الحلاوة دي.. يعني بذمتك لابسة لي أحمر وجاية تقولِ لي عايزة أنام؟ ابتسمت حياة بخفوت، ثم قالت بدلال: -أنا لسه متنرفزة منك على فكرة. أجابها بهمس وهو يحرك جسده حتى تصبح رأسها قبالة رأسها: -وأنا عندي استعداد أصالحتك للصبح. ابتسمت بخجل، ثم تمتمت بعشق: -طيب.. بحبك. تنهد فريد بحرارة، ثم قال بامتعاض ممازحًا

قبل التهامه لشفتيها: -الله يخربيت هرموناتك اللي بتيجي على دماغي دي. هرمونات! هل قال للتو هرمونات؟ نعم، نعم، فهو يحفظ مواعيدها أكثر منها. ما هو تاريخ اليوم؟ اتسعت حدقتا حياة بارتياب، لقد تخطى أكثر من أسبوع كامل! أيعقل؟ لقد ذكرها هو! شهقت حياة بقلق وهي تدفعه بعيدًا عنها هاتفة بترقب: -فريد.. أنا متأخرة. نظر فريد إليها باستنكار من تحولها المفاجئ، ثم سألها بعدم فهم: -متأخرة على إيه؟ أجابته بحدة:

-افهم يا فريد.. هرموناتي.. أنا.. متأخرة.. أسبوع كامل. جحظت عينا فريد للخارج هو الآخر، ثم سألها بترقب وعيناه تضيق فوقها: -قصدك إيه؟ أجابته حياة وقد بدأ شبح ابتسامة يظهر فوق فمها: -مش عارفة.. أنا مش حاسة بحاجة زي المرة اللي فاتت.. بس تفتكر؟ سألها فريد بارتباك وهو يحاول السيطرة على حماسه من مجرد الفكرة: -هو ينفع؟ يعني بما إنك لسه معترضة لإجهاض من شهرين.

نظرت حياة نحوه بتفكير، ثم أجابته كاذبة رغم علمها بإمكانية حدوثه بنسبة كبيرة بناءً على شرح الطبيبة لها، ففي الأخير تريد التأكد قبل زرع الأمل بداخله: -مش عارفة.. إيه رأيك بكرة أروح للدكتورة أسألها ونتأكد؟ حرك رأسه موافقًا بحماس وابتسامته هو الآخر تتسع أمامها. عادت حياة للاقتراب منه، فأبعد عنها قائلاً بتصميم: -حياة.. خليكي بعيد أحسن. سألته حياة مستنكرة وهي تعاود الاقتراب منه: -ليه؟ أجابها بضيق ارتسم

فوق ملامحه وظهر في نبرته: -أنتي عارفة ليه. ابتسمت تطمئنه، ثم قالت بهدوء: -حبيبي ده شك بس.. وبعدين عايزك تنسى اللي حصل عشان خاطري. أجابها بإصرار وهي تحتضن جسدها وتعود ليستلقي بها فوق الفراش: -عارف إنه شك بس.. بس بجد لو عايزاني أنسى اللي حصل، خليني على راحتي. ضغطت حياة فوق شفتيها، حسنًا، لن تضغط عليه الآن. ثم قامت بطبع قبلة رقيقة فوق وجنته قائلة بحب وهي تخفي وجهها بثنايا عنقه: -تصبح على خير. ***

في الصباح، أيقظها فريد مبكرًا قائلاً بحماس: -حياة.. يلا هتتأخري. غمغمت حياة مغمضة العينين باعتراض: -فريد.. لسه بدري.. الساعة لسه ٧. أجابها فريد وهو يجذب جسدها من فوق الفراش: -لا مش بدري.. متبقيش كسـلـانـة.. قومي يلا عشان ننزل سوا. فتحت حياة عينيها على الفور، ثم سألته بعدم تصديق: -بجد؟ هتيجي معايا؟ أجابها وهو يقبل فمها ببطء: -مش عايزاني ولا إيه؟ قفزت فوقه تحتضنه بحب قائلة بحماس:

-لا طبعًا.. عايزاك معايا على طول.. لو عليا عايزة متتحركش من جنبي. ابتسم فريد بسعادة، ثم قال وهو يحملها برفق: -طب يلا عشان ناخد دش الأول ونفطر وبعدين نتحرك. ابتسمت حياة بخجل، ثم قامت بطبع قبلة فوق وجنته موافقة وهو يتحرك بها في اتجاه الحمام. في الحديقة، تحرك فريد وهو يحتضن يدها بتملكه المعتاد. أوقف خطواته رنين هاتفه معلنًا عن ورود اتصال جديد له من وائل الجنيدي. قطب فريد جبينه وهو يزفر بضيق. سألته حياة مستفسرة:

-فريد.. في حاجة؟ اجابها بضيق: -أنا نسيت خالص.. كان عندي ميعاد مع وائل الساعة ٩ ونسيته.. شكله بيتصل يفكّرني. أجابته حياة بتفهم: -خلاص إيه المشكلة.. روح ميعادك وأنا هروح وأبلغك على طول. نظر فريد نحوها بعدم تقبل، فأردفت حياة تقول بهدوء: -يا حبيبي ده شغلك وأنا عارفة إنك مش هتنفع تأجله. انتوا بينكم شغل مفتوح لازم يخلص.. روح خلص شغلك وأنا هروح وأجيلك على الشركة، إيه رأيك! قال فريد على مضض وهو ينظر حوله:

-طب هتبلغيني بالنتيجة على طول. أجابته حياة مرددة خلفه بخفة: -على طول. اردف فريد يقول بجدية: -وتخلي بالك ومتتحركيش من غير الحراسة حواليكي.. وتسمعي كلامهم، متنسيش إن نجوى لسه متقبضش عليها! قالت حياة بطاعة لتطمئنه: -مش هتحرك وهسمع كلامهم وهبلغك بكل تحركاتنا.. مبسوط كده! أجابها فريد بعدم ارتياح: -طب تمام.. خلي بالك من نفسك. طبعت حياة قبلة مودعة فوق وجنته وهي تغمغم بحب: -حاضر يا حبيبي.. وأنت كمان خلي بالك.

انتظر فريد تحرك سيارتها بسائقها أولاً، ثم أعطى تعليماته لسيارة الحراسة خلفها بالانتباه، ثم تحرك هو الآخر على مقر عمله. ***

تحركت نجوى في طرقات المصحة بترقب وخطى محسوبة. بالطبع لن يتعرف عليها أحد بعدما ارتدت شعرًا مستعارًا وأخفت نصفه بحجاب رأس، وأخفت عينيها بنظارة شمسية كبيرة تخفي نصف ملامح وجهها، كما أنها ارتدت ملابس فضفاضة طويلة مغايرة لطبيعتها. نظرت حولها بتوتر منتظرة خروج الممرض في أي لحظة، وبالفعل بعد دقيقة واحدة تفاجأت به يخرج لها من العدم قائلاً بنبرة خفيضة للغاية: -سيرين هانم.. أنا بدور عليكي من بدري. أجابته نجوى بعصبية شديدة:

-أنا واقفة بدور عليك أهو.. ها خلصني.. الحاجة معاك! ابتسم الممرض بثقة، ثم التفت حوله يمينًا ويسارًا يتأكد من خلو الممر، ثم أخرج من جيب ردائه لفافة بلاستيكية صغيرة وإبرة طبية مغلفة، أعطاها لها مسرعًا، ثم قال محذرًا: -لو حاجة حصلت أنتي لا شفتيني ولا أنا شفتك.. متنسيش اتفاقنا.. أنتي دخلتيلها لوحدك. حركت نجوى رأسها بحدة موافقة وهي تدفعه ليتنحى عن طريقها قبل دخولها لغرفة نيرمين رسلان. هتفت نيرمين بتوتر مستنكرة

وهي ترى صديقتها أمامها: -نيرمين!! أنتي جيتي هنا إزاي! أجابتها نيرمين باضطراب: -دخلت من غير ما حد يحس.. أنتي عارفة إني هربت وهسافر النهارده بليل، بس مقدرتش أمشي من غير ما أسلم عليكي.. طمنيني أنتي كويسة! بدأت نيرمين تشهق بصوت مرتفع وهي تفرك جسدها بيدها: -أنا تعبانة أوي يا نجووووي.. عايزة أخرج من هنا مش قااددددرة. أخرجت نجوى اللفافة والإبرة من جيب ردائها، ثم دستها في يد نيرمين قائلة بعجالة:

-خدي دي.. آخر حاجة معايا شوفي نفسك بيها.. بس خدي بالك دي جرعة كبيرة. أنهت جملتها وانتفضت من جلستها قبالة نيرمين قائلة بعصبية: -أنا أنا لازم أمشي دلوقتي قبل ما حد يشوفني.. سلام يا نيرمين. لم تنتظر حتى سماع وداعها، بل خرجت من الغرفة مسرعة وهي تضحك بهيستيريا قائلة بغل: -وادي نيرمين هخلص منها.. فاضل أنتي حياة الكلب.. لازم تحصليها النهارده عشان أقدر آخد فريد وأسافر. ***

خرجت حياة من مشفى فريد الخاص والابتسامة تكاد تصل إلى أذنيها. رفعت رأسها تنظر إلى السماء بامتنان. يالله، أيعقل!

لقد رزقها الله للمرة الثانية في وقت قياسي. نعم، هذا ما أخبرتها به الطبيبة منذ قليل، تشرح لها أن أفضل وقت لحمل مستقر مرة أخرى هي تلك الفترة التي تمر بها الآن. ستخبر فريد. نعم، ستذهب إليه وتخبره على الفور، لن تنتظر حتى المساء ولن تخبره في الهاتف. فبعد كل ما مرا به، تريد رؤية رد فعله وجهًا لوجه. هذا ما قررته وهي تصعد السيارة وتطلب من سائقها التوجهه إلى مقر الشركة على الفور. أضاءت شاشة هاتفها باتصاله. ازداد وهج عينيها وهي ترى اسمه يزين هاتفها. حبيبها وزوجها ووالد طفلها الذي ستحميه بروحها تلك المرة.

أجابته بحب: -حبيبي. سألها فريد بنبرة خفيضة مترقبة: -حياة عملتي إيه! أجابته كاذبة: -ولا حاجة.. الدكتورة اعتذرت النهارده. صمتت قليلاً، ثم قالت بدلال: -فريد.. ممكن أجيلك الشركة دلوقتي.. عايزة أقولك حاجة مهمة. سألها فريد بقلق: -في حاجة حصلت! أنا مع وائل ساعة بالكتير وأخلص. أجابته مطمئنة: -لا مفيش أي حاجة.. بس أنت وحشتني.. عقبال ما تخلص ميعادك هكون وصلت، اتفقنا! أجابها فريد بصوته العميق الحاني: -اتفقنا هستناكي.

أغلقت حياة معه الهاتف بسعادة، وقبل وضعه داخل حقيبتها، صدع رنينه مرة ثانية، وتلك المرة برقم والدها. قطبت حياة جبينها بقلق. إنه حقًا رقم والدها! تترى هل حدث شيء ما؟ فمنذ زواجها لم يهاتفها ولو لمرة واحدة. أجابه حياة بتوجس: -الو. هتف والدها متصنعًا اللهفة: -حياة.. أنتي فين يا بنتي! سألته حياة بقلق: -خير يا بابا في حاجة! أجابها والدها بتوتر:

-أمك تعبت بليل ووديتها مستوصف كده على قد حالنا، مانتي عارفة البير وغطاه.. هي قالتلي بلاش أقلقك، بس أنا قلت لازم أعرفك. هتفت حياة بذعر: -اديني العنوان بسرعة وأنا هكون عندك في لحظتها. أجابها والدها معترضًا بتمثيل: -لا يا بنتي ده في حتة غريبة مش هتعرفي توصليله.. قابليني ونروح سوا. أجابته حياة بلهفة موافقة: -طب يا بابا أنا كده كده في الطريق ومعايا العربية.. قولي أقرب مكان أستناك فيه وأمر عليك ونكمل سوا.

أجابها والدها موافقًا بحماسة وأعطاها موقعه، ثم أغلق معها الهاتف وأرسل رسالة نصية لجيهان التي كانت تنتظره في مخزن منصور القديم بجوارها نجوى، يخبِرها فيها باقتراب وصولهم والاستعداد جيدًا. هاتفت حياة فريد مرة ثانية تخبره بقلق: -فريد.. ماما تعبت وبابا نقلها مستوصف.. أنا هروحلها دلوقتي. سألها فريد باهتمام: -تحبي أجيلك! أجابته حياة معترضة: -لا كمل أنت شغلك وأنا هروحلها.. لو احتجت حاجة هكلمك على طول.

أجابها فريد بعدم ارتياح: -حياة.. خلي بالك ومتتحركيش لوحدك.. ولو احتاجت حاجة انقليها على المستشفى عندي وأنا هتصرف في الباقي. أغلقت حياة معه الهاتف بعدما شكرته على اهتمامه بوالدتها ووعدته بالتواصل معه في كل جديد. بعد حوالي ربع ساعة توقفت سيارتها أمام المكان الذي وصفه له والدها وصعد في السيارة، ثم سألها بقلق بعد تحركهم بفترة: -حياة!! إيه العربية اللي ماشية ورانا من ساعة ما اتحركنا دي! أجابته حياة بسذاجتها المعهودة:

-دي عربية الحراسة يا بابا.. فريد مخليها ورانا عشان موضوع كبير كده. هز عبد السلام رأسه متفهمًا، ثم قام بإرسال نصية أخرى لجيهان يخبِرها بها عن تلك السيارة وبما تحتويه. وفي الطريق ظل والدها يوجهه السائق لطريق شبه زراعي بعيد عن المدينة لا يوجد به أحد ولا حتى عابر سبيل! سألته حياة مستنكرة: -بابا مستوصف إيه ده اللي بعيد كده! ده مكان مقطوع!!! أجابها والدها بعدما أمر السائق بالتوقف: -مش عارف يا حياة!!

شكلي كده جيت غلطت.. أصل التاكسي هو اللي ودانا بليل والطريق كان ضلمة.

أنهى جملته تلك، وبعدها رأت حياة حوالي خمسة عشر شخصًا من الملثمين ذوي الأجسام الرياضية يركضون نحوها. انتفض جسدها وبدأت في الصراخ عندما سمعت دوى إطلاق نار حولها من سيارة الحراسة التي تتبعها. خرج سائقها من السيارة هو الآخر للاشتباك مع هؤلاء الملثمين، تاركًا إياها بمفردها داخل السيارة مع والدها الذي انتهز الفرصة وأخرج من جيب ردائه قطعة قماش مخدرة، وضعها بسرعة فوق فمها وأنفها لتغيب بعدها عن الوعي والعالم. ***

أخرجت نيرمين تلك البودرة التي ينتفض جسدها بأكمله طلبًا لها، والتي أعطتها نجوى لها عند زيارتها، وقامت بتحضيرها ووضعها داخل الإبرة الطبية "السرنجة"، وحاولت حقنها لنفسها بكف مرتعش. لم تسعفها أوردة ذراعيها بأي شكل كان، لذلك قررت حقن نفسها في إحدى ساقيها. سحبت مكبس الإبرة بترقب بعدما استعدت جيدًا، ثم حقنتها بإحدى أوردة ساقيها قبل صراخها بهيستيريا وسقوطها غائبة عن الوعي. ***

في غرفة مكتبه وبعد انتهاء عملهم المقرر، وقف فريد مودعًا وائل بجموده المعتاد، فباله وتركيزه مشغول مع زوجته. قاطع تفكيره صوت وائل يسأله بحرج: -فريد.. بعد إذنك.. كنت عايز أستأذن منك أروح أزور نيرمين. سأله فريد بتأهب: -والسبب! تنحنح وائل شارحًا: -يعني.. كنت عندي واحد صاحبي مر بنفس حالتها.. عشان أنا كده أنا اهتميت بالحالة من الأول.. وبيتهيألي أقدر أساعدها. هز فريد رأسه متفهمًا، ثم أجابه بنبرة خالية:

-الموضوع ده بعيد عني.. بس لو أنت حابب تقدر تستأذن من غريب بيه. حرك وائل رأسه موافقًا بحماس، ثم فتح فمه ليجيبه. في ذلك الوقت، صدع رنين هاتف كلا من وائل وفريد سويًا. تحرك فريد عائدًا إلى طاولة مكتبه يلتقط منها هاتفه، وأخرجه وائل من جيب ردائه. أجاب وائل أولاً بهدوء مستمعًا لفرد الأمن:

-وائل بيه.. الحق يا بيه.. أنا رحت الصبح لقيت ناس فاتحة المخزن ومحاوطينه، شكلهم زي البودي جاردات.. ولما سألتهم إنتوا مين طردوني وهددوني لو ممشيتش هيقطعوا نفسي من الدنيا. أنا عملت نفسي اتحركت بس وقفت أراقب من بعيد، ومن شوية ناس جديدة جت وهما بيجروا واحدة ست كأنها مغمي عليها وزي ما تكون مخطوفة.. أنا قلت أبلغك يا باشا اضمن قبل ما أبلغ البوليس. في ذلك الوقت، أجاب فريد على هاتفه هو الآخر ليستمع إلى جيهان تقول بغل:

-فريد بيه.. مراتك عندنا.. لو حابب ترجعلك سليمة، تجيلي دلوقتي حالا، لوحدك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...