الفصل 12 | من 34 فصل

رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء يوسف

المشاهدات
21
كلمة
3,696
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

حسناً، إنها تفعل ذلك فقط من أجل إثارة حنقه كعادتها ليس إلا. هذا ما فكر به فريد بيأس، رافضاً عقله تصديق الكلمات التي خرجت من فمها للتو. إنها فقط تلعب به. طمأن نفسه بتلك الجملة. ولكن اللعنة! لماذا تبدو ملامحها شاحبة كالأموات؟ سألها وهو على حافة الانفجار، لعل الخلل صادراً من أذنه التي هيأت له تلك الكلمات بينما هي لم تنطق بها من الأساس: -انتي قلتي إيه؟ رفعت نظرها مرة أخرى إليه وهي تبتسم بشراسة، ثم

أجابته بتهكم مرير قائلة: -أكيد عبد السلام بيه نسي يقول لك التفصيلة الصغيرة دي قبل كتب الكتاب، لحسن ترفض البضاعة. شعر فريد بأن صاعقة قد أصابت عقله قبل جسده، فأصابه بالشلل. إذاً، أذنه لم تصب بالعطب بعد. متزوجة! ومن رجل آخر!

حرك جسده يميناً ويساراً بتشنج. اللعنة، إن ذلك يتخطى قدرته على الاحتمال. رفع ذراعيه بتوتر ومسح بكفه فوق قسمات وجهه بعصبية، قبل أن تستقر قبضته فوق فمه. ازدادت حدة تنفسه وأخذ صدره يعلو ويهبط بقوة. يبدو أنه قد بدأ يفقد السيطرة على رئتيه. لا، إنه بدأ يفقد السيطرة على جسده بأكمله، وأولهم قلبه الذي كان يخفق كالطبول من شدة الغيرة. أين يذهب؟

تجول بنظره داخل الغرفة كأنه يبحث عن شيئاً ما. إنه يبحث عن هدوئه الداخلي. مازالت الكلمة تطن داخل رأسه بقوة. متزوجة! أين يهرب من تلك الصورة التي بدأت تتشكل أمامه عينه بوضوح عن لمس رجل آخر لها؟ سيجن! أقسم لنفسه أنه سيجن. إنه يجاهد نفسه الآن حتى لا يحرق الدنيا بمن فيها. ألا يقوم بهدم ذلك المكتب بكل محتوياته. ماذا عليه أن يفعل؟ إنه يشعر بأنه يقف الآن بداخل مرجل محاطة به النار من جميع جوانبه، فماذا يفعل؟

هل يجلس أم يظل واقفاً؟ أم يتركها ويركض للخارج؟ ماذا يفعل لتهدأ روحه؟ أيسرخ حتى ينقطع صوته؟ أم يبكي حتى تنفد دموعه؟ أو يرتمي داخل أحضانها لعله يجد السكينة بداخله؟ في كل الأحوال، أصابته النار وانتهى الأمر. انتهى به الأمر بالجلوس فوق المقعد المقابل لها، ومال بجذعه للأمام وهو يستند بمرفقيه على فخذاه ويشبك كفيه معاً للأمام. زفر مطولاً، ثم قال بنبرة متقطعة كمن يلفظ أنفاسه الأخيرة: -اديني تفاصيل.

أدارت رأسها جانباً تنظر إليه نظرة زجاجية ليس بها حياة، ثم رفعت كفيها ومسحت وجهها وشعرها عدة مرات بتوتر وهي تهز رجلها اليمنى بعصبية، وقد بدأت تتذكر ذلك الصيف المقيت بعدما انتهت من اختباراتها المدرسية لنهاية العام. دخل والدها المنزل في عجالة وطلب منهم جميعاً أمراً كعادته، الاستعداد للذهاب لبلدته حيث مسقط رأسه ومسكن إخوته لقضاء إجازة الصيف معهم. بالطبع لم تكن والدتها لتعارضه رغم عدم تقبلها لتلك الفكرة، أو بالأدق توجسها

منها. وبالفعل في اليوم التالي كانوا في طريقهم نحو إحدى قرى الصعيد، ولم تكن تعلم حياة أنها تُساق كالبهيمة لتُعرض في السوق والفائز هو من يدفع أكثر. وكانت القسمة من نصيب رجل يتجاوز عمره الثمانين عاماً، أي حوالي 6 أضعاف عمرها. رجل ماجن مدمن شراب، هوايته الأولى هو تزوج القاصرات.

تم الزواج وبالطبع كان عرفياً، ودون تسجيل بسبب صغر سنها. تذكرت كم انتحبت تحت أقدام والدها ألا يفعل بها ذلك. وكان رده الوحيد أن ذلك طبيعي لجميع فتيات بلدتهم. وكم توسلت إلى والدتها أن تأخذها وتهرب من تلك البلدة وتنقذها من ذلك المصير، ولكن الخذلان كان ولا يزال رد فعل والدتها الوحيد.

تزوجته وقاومته بكل ما أوتيت من قوة. تذكرت كم استعصت عليه وكم كبلها حتى ترضخ له. كان ضعيفاً، لا يقوى على شئ، وكان تمنع حياة عنه يزيده عجزاً، فلا يجد ملجأ لإخفاء ضعفه إلا من خلال تعنيفها. كان يحاول معها كل ليلة بعدما يرتشف زجاجة أو اثنتين من ذلك الشراب الرخيص. وفي كل ليلة كانت تصرخ باسم فريد لكي يأتي ويخلصها من قبضته، فكانت تثير جنونه أكثر ويبرحها ضرباً، من أجل عجزه مرة، ومن أجل تفكيرها برجل آخر مرة.

لم يأت فريد، ولم تنقذها والدتها، ولم يعطف عليها والدها. لم يكن معها في محنتها سوى الله،

وقد قال وقوله الحق: "وكفى بالله وكيلاً". وقد كان. كان أرحم بها من والديها. وبعد أيام معدودة من تلك الزيجة المشئومة، ومن عجزه عن جعلها زوجته، سقط صريعاً فوقها ليلاً بعدما تناول جرعة زائدة من الأقراص المنشطة. لقد جاء خلاصها سريعاً، ولله الحمد. تذكرت كيف ركضت في شوارع تلك البلدة الغريبة وهي طفلة تجاوزت للتو الرابعة عشر، حافية القدمين وبوجهه وجسد متورم بعدما انتقم منها زوجته الأولى وأولاده، فأبرحوها ضرباً وطردوها من المنزل باعتبار أنها "وش نحس". ولكن كان يكفيها الخلاص. عادت بعدها إلى بيت والدها وإلى دراستها. دفنت تلك الذكريات بداخل قلبها وتظاهرت كأن شيئاً لم يكن. لم تبكِ ولم تنهار ولم تتحدث في الأمر ثانية.

وبعد عدة أشهر من تلك الواقعة، ظهر فريد مرة أخرى في حياتها، ومن يومها لم يعط لأحد الفرصة للاقتراب منها، وإلا لكان والدها أعاد الكرة بضمير مرتاح.

أعادها من رحلة ذكرياتها صوت فريد يسألها مرة أخرى بنفاذ صبر. كانت تنظر إلى الفراغ بملامح جامدة، ثم بدأت تسرد عليه التفاصيل بنبرة مرتعشة، حاولت قدر الإمكان تغليفها بثبات هش. كان يستمع إلى ما مرت به دون أي رد فعل، سوى ذلك العرق بجانب صدغه والذي كان على وشك الانفجار من شدة غضبه. أنهت ذكر تفاصيلها وهي منقطعة الأنفاس. لقد قصت عليه كل ما حدث، إلا شيئاً واحداً، وهو أنه لا تزال عذراء. لقد أجبرها على الزواج منه مثلما فعل ذلك الرجل الآخر دون أدنى اعتبار لرغبتها، وهي أرادت الانتقام منه بطريقتها الخاصة.

انتفض من مجلسه بعدما انتهت هي من سرد ملابسات زيجتها، مكوراً يده ضاغطاً عليها بشدة حتى ابيضت مفاصله، ثم قال لها بنبرة منخفضة: -حياة، سيبيني لوحدي. تحركت كجسد بلا روح حتى وقفت أمامه وقالت ببرود مستفز: -صعبة على كرامة فريد بيه صح؟ أجابها من بين أسنانه بنبرة شديدة الانخفاض قائلاً: -حياة! اطلعِ على أوضتك. تحركت ببطء نحو الباب لتخرج منه، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى سمعت صراخه وأصوات تكسير آتية من الداخل.

قضى ليلته بداخل غرفته الرياضية. مارس جميع أنواع الرياضة حتى شعر أن جسده لا يقوى على حمله، ولكن دون جدوى. لازالت تقفز أمامه صورة ذلك الرجل وهو يقوم بلمسها. إن النار لازالت تستعر بداخله، ليس من أجل زواجها، فرفضها وكرهها لتلك الزيجة لا يحتاج توضيح، ولكن ما يؤلمه هو عذابها وغيرته. إنه يغار عليها من نفسها، فكيف بلمس رجل آخر لها!

تحرك بجسد مرهق وقلب مشتعل نحو غرفته ليأخذ دشاً بارداً، لعله يتسلل إلى داخل روحه فيطفئ لهيبها. ارتدى ملابسه وتمدد على الفراش منتظراً قدوم ضيف يعلم جيداً أنه في تلك الليلة بالذات سيكون عزيزاً، متمنعاً.

كان ينام بعين مفتوحة مثل اللصوص، كما يقال. فهي عادة عقيمة اكتسبها منذ طفولته عندما كان يرهف السمع ليتأكد من ميعاد رجوع والده ومن أمان والدته. وبعد ذلك، يبدو أن جهازه العصبي قرر معاقبته، فلقد تطور الأمر لديه حتى أنه أصبح يستيقظ إذا مر أحد ما من جوار غرفته.

انتفض من غفلته القصيرة التي لا يعرف متى زارته، على صوت صرخة مكتومة قادمة من غرفتها. ركض مسرعاً نحو غرفتها وأشعل الضوء قبل أن يستأنف هرولته نحوها. كانت تركل بقدمها وتمسح وجنتها بعنف واشمئزاز وهي تترجى شخصاً ما بيأس من بين شهقاتها أن يبتعد عنها. لم يحتاج الأمر منه إلى أي جهد ذهني لمعرفة زائر حلمها، أو بالاصح كابوسها. استند بركبتيه فوق الأرضية الخشبية بجوار فراشها، ثم قام بهزها برفق هامساً اسمها بحزن.

انتفضت من نومتها وهي تصرخ وتزيح يده ليبتعد عنها

لم تكن تعلم كم كانت بحاجة للأمان إلا بعدما سمعت تلك الكلمات من فمه. لذلك وجدت نفسها دون وعي تدفن رأسها داخل صدره وتطلق العنان لسيل الدموع المحبوس داخل مقلتيها منذ عشر سنين. شد فريد من احتضان ذراعيه حولها كأنه يريد تخبئتها داخل ضلوعه ولا يخرجها مرة أخرى لتسكن بأمان بداخله. ظل يمسح على شعرها ويربت على ظهرها بحنان وهو يتمتم داخل أذنها بكلمات حانية حتى هدأت بين ذراعيه وذهبت في نوم عميق. تحرك ليستلقي بها فوق الفراش وهو لا يزال محتضنها بذراعيه وهي لازالت متمسكة بتيشرته الذي تبلل من كثرة دموعها.

لم يغمض له جفن ما تبقى من الليل. ظل يتأملها وهي متشبثة به كطفل صغير. ومع ظهور أول خيوط للشمس حاول التحرك من جوارها، فلديها زيارة عاجلة يجب عليه القيام بها حتى تخمد ناره قليلاً. ولكنها أجفلت في نومها بمجرد ابتعاده عنها وتمسكت أكثر بيديه، فعاد مرة أخرى لاحتضانها والتمتع بدفء جسدها حتى غالبه النوم.

في الصباح تململت بين ذراعيه، فأستيقظ على الفور بمجرد تحركها داخل أحضانه. فتحت عينيها ببطء فأصطدمت بزوجين ناعستين من العسل المصفى. أصبح الآن يعلم مناطقه المحظورة، لذلك مد يده في ثقة يزيح بعض خصلات شعرها المتمرّدة من فوق جبهتها. قالت ساخرة من هيئتها بصوت متحشرج ناعم من أثر النعاس: -متتوقعش إني بقوم من النوم شعري بيرفرف حواليا زي أبطال القصص والروايات.

لم يعقب على حديثها بل أخفض يده حتى أطراف شعرها وأسر بعض خصلاته داخل كفه، ثم قربها من أنفه يستنشقه وهو مغمض العينين، ثم قام بتقبيله بنعومة قبل أن يحرره من قبضته. ارتبكت ملامحها من أثر فعلته، فحاولت إخفاء خجلها بسؤاله: -هتسلم عزة للبوليس؟ أجابها بصوت أجش عميق: -عشان خاطرك رغم إني مش موافق.

حركت عينيها بعيدًا عنه. وعندما أعادتها إليه مرة أخرى كانت تحمل بداخلها سؤال لم ولن تفصح عنه، ولكنه استشفه من بين جفونها بسهولة. ففهم نظراتها بالنسبة له أسهل من قراءة كتاب مفتوح. حرك ذراعه يمسك كفها بكفه في حنو بالغ، ثم قام بفردها برقة وبطء فوق موقع قلبه هامسًا بحب: -لو تعرفي في قد إيه هنا حب ليكي هتفهمي إن ولا مليون جوازة قبلي تفرق معايا.

أنهى جملته ثم اقترب منها يطبع قبلة رقيقة فوق أرنبة أنفها قبل أن يفلت يدها ويتحرك نحو غرفته. أغمضت عينيها تستمع لذلك الفراغ الداخلي الذي أصابها فجأة. فمنذ سنوات طويلة لم تشعر أن بداخلها فراغ مريح هكذا. ***

ترجل فريد من سيارته وأغلق جاكيت بدلته وأشار لكبير حراسه بعدم اتباعه. توقف أمام منزل حياة قارعًا الجرس برأس مرفوع. توقفت آمنة أمامه بقلق متسائلة بداخلها عن سبب تلك الزيارة الغريبة في الصباح الباكر. دلف فريد إلى الداخل متحفزًا وهو ينظر إليها من علياءه، ثم سألها باحتقار: -جوزك فين؟ فتحت فمها لتجيبه ولكن أوقفها صوت زوجها يخرج من غرفته بمظهر مشعث ناعس. نظر نحو فريد وهو يتثاءب بقوة ثم قال بسخرية:

-نسيبك الباشا جاي يزورك من صباحية ربنا. هز فريد رأسه موافقًا عدة مرات وهو يحرك يده ليفتح زر سترته، ثم قال وهو يتقدم نحوه بنبرة منخفضة: -انت عارف ليه مدخلتش حد من الحرس معايا؟ نظر والدها نحوه ببلاهة يحاول حل تلك الإجابة، فاستطرد فريد حديثه قائلًا: -عشان محدش ياخد حق مراتي غيري.

أنهى جملته ورفع يده المتكورة وبدأ يسدد لكمات متتالية في وجهه حتى صرعه أرضًا. صرخت آمنة بتوسل وهي تحاول رفع جسد فريد من فوق جسد زوجها المتهالك أرضًا، ولكن هيهات. ظل فريد يلكمه وهو يتمتم بحنق: -انت بتستغل عدم وجودي وتجوزها لواحد ******؟ -أنا أضحك عليا يوم كتب الكتاب وتفكر تستغفلني؟ التقط والدها أنفاسه بصعوبة وهتف من بين أسنانه: -هي بنت ال**** قالتلك؟ هدر فريد به بعصبية وهو يسدد اللكمات لوجهه مرة أخرى:

-متقولش عليها كده. خسارة إنها بنتك. انت متستاهلش بنت زيها. انت راجل *****. ظل فريد يلكمه بغضب حتى خر فاقدًا وعيه. كانت آمنة تصرخ وتتوسل له ليتركه ولكن دون جدوى. تحرك فريد من فوق جسده ينفض يده من أثر الدماء بعدما تأكد من فقدانه للوعي، ثم استدار ليواجه آمنة قائلًا بتهديد: -أنا صابر عليه عشانها. بس أقسم بالله لو ضايقها أو اتعرضلها بأي شكل لأرميه في السجن بقية حياته ومش هيهمني هو مين فاهماني؟

هدر بكلمته الأخيرة بعصبيته المعتادة مما جعلها تنتفض وتحرك رأسها موافقة دون حديث. خرج فريد صافقًا الباب خلفه تاركًا آمنة تحاول إفاقته بكل الطرق الممكنة. ***

لم يعد فريد في ذلك اليوم إلا في المساء. سلم كلا من مدبرة منزله والرجلين للمخفر، ثم بعدها تشاركا وجبة العشاء في صمت. كان يجلس عابسًا كأنه في عالم آخر. استغربت حياة من تغيره منذ الصباح وحاولت فتح فمها أكثر مرة لتسأله عما به، ولكن كان يموت السؤال فوق شفتيها. فكرت بضيق، أيعقل أنه ندم على تنفيذ رغبتها؟

أنهى وجبته وانسحب على الفور نحو غرفة مكتبه دون تبرير. شاركت حياة مساعدة السيدة عفاف في المطبخ، فبعدما سلم فريد عزة للمخفر، ارتمى الحمل بأكمله على كاهل تلك السيدة المسنة، فتطوعت حياة لمساعدتها في بعض الأمور حتى وصول مدبرة جديدة.

بعد التاسعة مساءً كانت حياة تجلس في غرفة المعيشة بعدما انسحبت عفاف إلى مخدعها. قُرع جرس المنزل فتوجهت حياة بنفسها لتفتحه. وجدت أمام الباب سيدة مسنة تجاوزت السبعين من العمر على أقل تقدير. ابتسمت لها العجوز ثم سألتها بحنان: -حياة صح؟ ابتسمت لها حياة في المقابل ثم سألتها بأدب: -أيوه صح، بس حضرتك مين؟ أجابتها الجديدة بنبرة مراوغة:

-فكري كده شوية. أنا عارفة إن ملامحي اتغيرت وإنتي كنتي صغيرة، بس معقول تنسي كلمة "حَيّو" من لساني؟ صرخت حياة بفرح وهي ترمي نفسها بداخل أحضانها قائلة بسعادة: -تيتا سعاااااد! أنا آسفة معرفتكيش. نورتي البيت والمكان كله. ربتت السيدة سعاد فوق ظهرها بحنو وهي تتمتم بشوق: -وحشتيني يا حياة. ياه، إنتوا الاتنين من ريحة الغالية. ابتعدت حياة عن حضنها ثم أخذت بيدها وهي تتمتم باحترام: -يا تيتا لسه واقفة؟ اتفضلي ادخلي.

أنهت جملتها وهي تسحبها للداخل. ظهر من خلفها الحارس حاملاً حقيبة السفر، فطلبت منه حياة بوضعها في الداخل، ثم أغلقت الباب وهي لا تزال تحتضن يدها. خرج فريد على مصدر الصوت وسار في اتجاههم حتى توقف أمامهم بجسد متصلب. وضع كلتا يديه داخل رداء بنطاله، ثم تحدث بنبرة جافة متسائلًا ونظره مسلط فوق جدته: -جيتي ليه؟ ما كان له داعي. شهقت حياة بصدمة من طريقته الفظة في التعامل مع جدته، ولكنها أثرت الصمت. أجابته أم والدته في عتاب واضح:

-جيت بيت ابن بنتي يا فريد، ولا عندك كمان مانع؟ هز كتفيه بعدم مبالاة، ثم استدار بجسده عائدًا بإدراجه نحو مكتبه الذي اختفى به ثانية. شعرت حياة بالحزن والغضب من معاملته الجافة مع جدته والدة والدته. ولكنها سرعان ما استعادت مرحها واحتضنتها قائلة بترحيب: -نورتينا يا تيتا. تعالي بقى نقعد هنا واحكيلي عن كل السنين اللي فاتت دي. نظرت السيدة سعاد نحوها بشوق، ثم رفعت كفها تمسد شعر حياة وهي تقول بحزن:

-آه يا حياة لو تعرفي رحاب كانت بتحبك قد إيه؟ إنتي وفريد كنتوا عندها واحد. أغرورقت عيون حياة بالدموع وأخفضت نظرها تقول بصوت متحشرج: -وأنا كنت بحبها أكتر من أمي. ربنا يرحمها يا رب. آمنت السيدة سعاد على دعائها ثم تحركا نحو الداخل.

قضت كلا من حياة والسيدة سعاد أمسيتهم في تحري أخبار كل واحدة الأخرى، فشعرت حياة بالدفء يملأ قلبها. شعرت أنها عادت طفلة من جديد عندما كانت عائلة فريد هي عائلتها أيضًا التي تمنحها الدفء والحنان، فتعوضها عن جفاء والدها وعائلتها. عند حلول المساء تقريبًا، بدأت السيدة سعاد في التثاؤب ثم طلبت من حياة بإرهاق: -حياة يا بنتي تعالي طلعينى فوق ارتاح. الأ طريق السفر كان طويل عليا.

نفذت حياة على الفور، وفي الدقائق التالية كانت تقف أمام الغرفة المخصصة لزيارتها في الطابق العلوي وجانب غرفتها. اندفعت حياة تسألها بتهور: -تيتا لو حضرتك تحبي تقضي الليلة معايا معنديش مانع. سألتها الجدة سعاد مستنكرة: -ليه يا بنتي؟ إنتي مش بتنامي مع جوزك؟ عضت حياة على شفتيها ولعنت غبائها بصمت. بماذا تجيب الآن؟ لن تخدع تلك العجوز الرائعة بقول الأكاذيب، لذلك أثرت الصمت ودلفت داخل غرفتها دون رد. ***

في الصباح الباكر دلفت السيدة سعاد إلى المطبخ وجلست بعدما رحبت بها عفاف. سألتها السيدة سعاد بترقب: -ها يا عفاف، في جديد؟ أجابتها عفاف بهمس وهي مسلطة نظرها فوق الباب تراقبه: -مفيش. من ساعة ما اتجوزوا وكل واحد في أوضة زي ما قلتلك. هما فاكرين إن محدش واخد باله. صمتت قليلًا ثم أضافت بحزن: -حتى اللي اتجوزت عزة دي لما لاحظت كده حاولت تبوظ الدنيا وتؤذي حياة، بس الحمد لله فريد بيه لحقها. هزت السيدة سعاد رأسها بإحباط

ثم تمتمت بصوت خفيض قائلة: -كله يتحل إن شاء الله. المهم فريد صحي؟ أجابتها عفاف بحزن: -مانتي عارفة اليوم ده بيعدي عليه إزاي! مبينامش أصلًا. تلاقيه في المكتب من بدري. هزت السيدة سعاد رأسها بحزن ثم تحركت نحو الخارج دون إضافة.

انتهت حياة من ارتداء ملابسها وتمشيط شعرها وهمت بالخروج عندما أوقفها طرق خفيف فوق باب غرفتها. تحركت نحو الباب تفتحه فتفاجئت بجدة فريد تقف أمامها بحزن. استقبلتها بابتسامة واسعة وطلبت منها الدخول. دلفت الجدة سعاد تتفحص الغرفة جيدًا، ثم جلست بإرهاق فوق المقعد الوثير الموضوع بداخل الغرفة. نظرت إلى حياة مطولًا، ثم طلبت منها الجلوس. جلست حياة بترقب، فقد ظنت أنها سوف تسألها على سبب انفصال غرفهم، ولكنها باغتتها

بسؤال آخر مستفسرة بحزن: -حياة عارفة النهارده إيه؟ أجابتها حياة بقلق نافية: -لا يا تيتا. هو النهاردة إيه؟ أجابتها الجدة بعيون لامعة بالدموع: -النهاردة ٨ نوفمبر. شهقت حياة حزن وهي تضع كفها فوق فمها ثم تمتمت بخفوت: -النهاردة سنوية ماما رحاب! هزت الجدة رأسها بأسى ثم استطردت حديثها بغصة قائلة: -عرفتي ليه فريد قابلني كده امبارح؟ كل سنة باجي أقول يمكن أخفف عنه يوم زي ده وكل سنة بيرفض إن حد يشاركه حزنه. تنهدت بألم

ثم أردفت حديثها قائلة: -عارفة يا حياة رحاب ماتت إزاي؟ أجابتها حياة بنبرة حزينة: -ماما رحاب ماتت بسكتة قلبية، الله يرحمها. حركت السيدة سعاد رأسها نافية ثم أضافت مفسرة: -آه رحاب ماتت بالسكته القلبية بس على إيد غريب وقدام عيون فريد. شهقت حياة بصدمة وأخفت فمها بكفها وقد بدأت الدموع تتجمع داخل مقلتيها. استطردت السيدة سعاد ذكرياتها وهي تنظر إلى نقطة ما فوق كتف حياة كأنها ترى الذكريات أمامها:

-كان فريد عنده ١٢ سنة. وفي يوم زي ما كان غريب بيضرب رحاب كعادته أخد منها الدوا بتاعها ونزل فيها ضرب لحد ما قلبها وقف ومرضاش يجبلها دكتور أو يسعفها. فريد شاف وحضر كل ده. ولما وصلت الصبح على الخبر حكالي وكان مرعوب من تهديد غريب ليه. بس غريب الله يسامحه وقف بكل قوته قدام كلامي وكلام فريد وهو طفل صغير وعرف بنفوذه وقتها يداري على الحكاية كلها. واندفنت رحاب بتقرير طبي شرعي إن سبب الوفاة طبيعي.

استمعت حياة إلى حديث جدته ودموعها تفيض من داخل عينيها حزنًا على ما لقاه فريد في صغره وبمفرده. أكملت الجدة سعاد حديثها الموجه لحياة مستفسرة: -انتي فكرك إن الموضوع خلص على كده؟

ياريت كنت قلت خلاص، أمانة ورجعتله وربنا عوضني بابنها أربيه وأخده في حضني. بس غريب رفض وأنا على قدي مليش لا حول ولا قوة وعرف ياخد مني فريد بسهولة. وراح يعيش معاه في بيت جيهان اللي كانت بتكره فريد كره العمى وبتحاول تخلص منه بأي طريقة ممكنة. لحد ما وصل بيها الأمر إنها كانت بتحط لفريد في الأكل دوا يسببله ضمور في عضلات القلب عشان يحصل رحاب. انتفضت حياة من مجلسها غير قادرة على استيعاب ما يقال لها الآن. أردفت

السيدة سعاد مكملة حديثها:

-بعد ما رحاب ماتت فريد صمم يلعب كل ألعاب الدفاع عن النفس وكان بيموت نفسه في التمارين. هو كان فاكر إن محدش فاهم هو بيعمل كده ليه. بس أنا كنت عارفة إنه بيعمل كده عشان يحمي نفسه. وفي يوم طلبوا منه يعمل تحاليل روتينية فاكتشفوا الدوا في دمه. الحمدلله لحقوه وغريب ساعتها كان أضعف من إنه ياخد موقف من جيهان، ففضل إنه يبعد ابنه عنها. بحجة التعليم والعلاج سافر فرنسا ورماه هناك في مدرسة داخلية لوحده من غير أب ولا أم ومرجعهوش غير

وهو عنده ٢٢ سنة. بعدها فريد رجع بالشكل اللي إنتي شايفاه ده. كل أحواله مقلوبة وجواه غضب يمحو الدنيا كلها. لا بيعمل حساب لحد ولا بيهمه حد. ولا بيشفق على حد. وعلى قد ما بتقهر على حاله على قد ما بعذره من اللي شافه. على قد ما بدعي ربنا يريح قلبه ويرجع فريد بتاع زمان.

ارتمت حياة فوق الفراش بذهول. يا الله! اللعنة عليها وعلى غبائها. لم يتركها بإرادته. ولم يتخلى عنها. ولم ينتهِ الأمر على ذلك بل عانى أكثر منها. لقد حاولت زوجة والده تسميمه وهو طفل صغير. شعرت بقلبها يتمزق حزنًا وألمًا عليه. أخفت وجهها داخل كفيها وأخذت تبكي بصمت على ما حل برفيق عمرها. تحركت السيدة سعاد من مقعدها وربتت على كتف حياة بحنان قبل أن تتركها وتذهب. ***

ظلت حياة طوال يومها تتحرك بتوتر محاولة رؤيته أو الاطمئنان عليه ولكنه ظل حبيس غرفة مكتبه دون خروج. في المساء قررت رؤيته وليحدث ما يحدث لها. وقفت أمام المكتب وزفرت عدة مرات مشجعة نفسها ثم أدارت مقبض باب مكتبه ودلفت للداخل بعدما أغلقت الباب خلفها مرة أخرى. كان الظلام يعم الغرفة لذلك انتظرت قليلاً حتى اعتادت عينيها على الظلام ثم تحركت في اتجاهه عندما لمحته يجلس بحزن فوق الأرضية مسندًا رأسه وظهره فوق الحائط خلفه وواضعًا كلتا ذراعيه فوق ركبتيه. تحركت تجلس بجواره بهدوء واتخذت نفس وضعيته. ظل الصمت سيد الموقف حتى استجمعت حياة شجاعتها وتحدثت

بتوجس محاولة فتح حديث معه: -تيتا سعاد قالتلي إنك مش بتحب حد يكون معاك بس إنت عارف كويس أنا مش بعرف أسمع كلام حد. لم يصدر منه أي رد فعل حتى ولو بسيط كأنها تتحدث إلى جماد. حسنًا، هذا ما كانت تتوقعه، فهو في العادي قليل الكلام. فكيف بتلك الليلة؟ بلعت لعابها بقوة ثم استطردت حديثها وهي تدير رأسها في اتجاهه تنظر إليه قائلة بصوت خفيض: -إنت عارف ليه أنا طلبت منك تسلم عزة للبوليس ومتتعاملش معاها إنت؟

استطاعت جذب انتباهه. فحرك رأسه جانبًا ببطء لينظر إليها بصمت. تحركت في جلستها حتى أصبحت تقابله وشبكت قدميها معًا. ثم أضافت وهي ترفع ذراعها تحتضن بكفها كفه الممدودة فوق ركبته قائلة: -عشان ماما رحاب. رفع إحدى حاجبيه ينظر إليها باستنكار. هزت رأسها له عدة مرات موافقة ثم أردفت قائلة بحنان:

-أيوه عشان ماما رحاب. عشان أنا عارفة ومتأكدة إنها لو كانت عايشة مكنتش هتحب إنك تضيع وقتك ولا تتعب قلبك في الانتقام. وأكيد هي دلوقتي حاسة بيك وفخورة باللي إنت عملته حتى لو كان حاجة بسيطة أكيد هي فرحانة زي ما أنا كمان فرحت.

نظر لها مطولًا باندهاش ثم تحرك فجأة يحيط عنقها بكفه ليدنيها منه وفي اللحظة التالية التهم شفتيها بين شفتيه في قبلة متطلبة. اتسعت حدقتا حياة بدهشة فقد باغتها على حين غرة منها ورفعت كفيها التي استقرت فوق صدره لتدفعه قبل أن تسقط مقاومتها من نعومة وشغف قبلته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...