قضت حياة اليوم التالي لها ما بين الصحوة والغفوة، مع الاستمرار الدائم لهلاوساتها وأحلامها الغريبة، والتي كان العامل المشترك بينها جميعًا هو شخص واحد.. فريد.
أما عنه، فكان ملازمًا لها خلال الليل والنهار، لا يتحرك من جوارها إلا لمتابعة آخر التطورات لمعرفة مرتكب تلك الجريمة بحقه وحقها، ثم يعود إليها مرة أخرى راكضًا، ينصت بإستمتاع إلى هلاوسها بقلب أب حنون قبل أن يكون قلب عاشق. وما أشد سعادته عندما كان يستمع إلى اسمه يخرج من بين شفتيها، عالمًا أنه محور تلك الهلاوس، فهي ما زالت تلجأ إليه مثلما كانت تفعل في صغرها، وها هو الآن يجلس بجوارها يستمع إليها ويلبي طلباتها مثلما كان يفعل أيضًا وهو صغير.
تذكر بسعادة أن أول خطوة لها تحركت نحوه، وأول ركضة لها كانت لتصل إليه، وأول شكوى منها كانت إليه. كان تفسير والدته ووالدتها على ذلك التعلق الشديد هو افتقار كل منهما لوجود أخ أو أخت من نفس فئتهما العمرية، وكم سمع من شفتيهما كلمة "حياة أختك"، ولكنه أبدًا لم يستسيغ تلك الكلمة، ويبدو أن قلبه أيضًا لم يفعل، فهي ببساطة لم تكن أخته.
في اليوم الذي يليه، بدأت حرارتها تعود طبيعية، وعليها كانت استفاقتها قريبة، لذلك قام فريد بنقلها إلى غرفتها، وأكد على كل من بالمنزل، وأولهم السيدة عفاف التي كانت ترعاها في أوقات انشغاله، بعدم التطرق لتلك الحادثة، والأهم عدم التحدث عن أي تفاصيل تخص ميعاد عودته أو وجودها داخل غرفته.
في منتصف النهار، فتحت حياة عينيها بتثاقل ووهن، قطبت جبينها وعقدت حاجبيها معًا، محاولة تذكر ما حدث. استغرق الأمر قليلًا لمعرفة ما يدور حولها وسبب تيبس عضلاتها، قبل أن تنتفض من نومتها بفزع وتنظر حولها بقلق. حركت رأسها عدة مرات، محاولة طرد تلك المخاوف من رأسها. طمأنت نفسها بقوة، كانت مجرد أحلام، والدليل أنها هنا غافية داخل غرفتها، إذا ليس هناك داعٍ للقلق، هكذا حدثت نفسها داخليًا، مجرد أحلام عابرة ليست إلا.
لكن هناك سؤال واحد يفرض نفسه داخل عقلها بقوة، هل عاد إلى المنزل أم لا؟ قررت بعد قليل التحرك من ذلك الفراش واكتشاف ذلك بنفسها، فهي أيضًا لا تعلم كم مضى على مرضها ومن أسعفها، فآخر ما تتذكره هو محاولتها للخروج من غرفتها لطلب المساعدة ووصول شخص ما. تحركت من الفراش وقررت التوجه إلى المرحاض والاغتسال جيدًا بالماء الساخن لانبساط عضلاتها واستعادة نشاطها قليلًا.
وبالفعل، بعد حوالي ساعة، كانت تقف أمام المرآة تنظر برضى بعدما قامت بتجفيف شعرها وتركه منسدلًا بحرية فوق كتفيها، ثم قامت بوضع لمسات بسيطة من الكحل وأحمر الشفاه لإعادة بعض اللون إلى وجهها. هزت كتفيها بعدم اهتمام وهي تتساءل لماذا أرادت فعل ذلك، ولكن يبدو أن مزاجها كان مرحًا دون أي أسباب، أو هذا ما حاولت إقناع نفسها به قبل التحرك للأسفل.
بمجرد خروجها من الغرفة، استرعى انتباهها وجود عدد من الأشخاص يتناقشون بتركيز فيما بينهم. أكملت طريقها للأسفل، عندها صادفت السيدة عفاف التي أسرعت إليها مهرولة تستقبلها بترحاب وهي تقول بحبور: "حمدلله ع السلامة.. البيت نور.. لا البيت إيه.. دي الدنيا كلها نورت." احتضنتها حياة بحب وهي تتمتم بخجل: "الله يسلمك يا داد." ابتعدت عنها قليلًا حتى يسنح لها رؤيتها جيدًا، ثم سألتها بفضول: "داد قوليلى هو حصل إيه؟
ارتبكت نظرات عفاف قليلًا وهي تتذكر تنبيهات رب عملها التي وصلت لحد التهديد، فأجابتها محاولة إخراج نبرتها مقنعة قدر الإمكان: "حالة تسمم.. واضح إن الأكل بتاع بره ده كان فيه مشكلة." صمتت قليلًا، ثم أضافت بنبرة نادمة: "ياريتني مسمعتش كلامك وكنت عملتلك الأكل بإيدي." اقتربت حياة منها مرة أخرى، تربت على كتفها قائلة بود واضح: "خلاص يا دادا الحمدلله إنه محصلش حاجة أكتر من كده، تلاقيها بس غلطة المطعم، متتحطيش في بالك."
أنهت جملتها، ثم أضافت تسأل بفضول، قاطعة المجال على عفاف لأجابتها قائلة: "دادا.. إيه الناس دي؟ أجابتها عفاف وقد علت ثغرها ابتسامة واسعة قائلة بحماس: "ده مهندس ديكور فريد بيه طلبه عشان يهد البار اللي هنا ويشوف هيعمل إيه بداله." اتسعت حدقتا حياة بدهشة وسعادة حقيقية، حتى شعرت بترقرق الدموع بداخلها، ثم سألتها بكلمات متلعثمة من شدة صدمتها قائلة: "البار... اللي كان بيش... ده حقيقي.. هو فعلاً هيشيله؟
هزت عفاف رأسها موافقة، وقد ازدادت ابتسامتها اتساعًا برؤية السعادة واضحة على وجه حياة التي أشرق وجهها بابتسامة وسعادة حقيقية لم تشعر بها منذ زمن بعيد.
في تلك الأثناء، كان فريد عائدًا من المستودع الصغير الملحق بالفيلا، والذي احتجز بداخله ذلك المدعو علي، والذي تولى مهمة توصيل الطعام، والرجل الآخر المدبر للحادثة، أو كما يلقبونه "سيد الدولي"، بعدما استطاع بمساعدة المطعم وبعض أساليبه الخاصة التوصل إليهم. وها هما الآن ملقيان في المستودع يرفضان التحدث أو الإشارة بمن طلب تنفيذ تلك الجريمة.
تحرك بغضب نحو الباب الداخلي للمنزل، يفتحه بحده. في تلك اللحظة، رفعت حياة، وهي لازالت محتفظة بتلك الابتسامة السعيدة فوق ثغرها، تنظر إلى القادم، فتفاجئت به.
تسمر فريد مكانه، وقد تبدلت ملامحه على الفور هو الآخر، وهو يراها تنظر إليه بابتسامة عريضة وعيون لامعة. تشابكت نظراتهما للحظات، قبل أن تطرق حياة رأسها للأسفل بخجل. انسحبت عفاف من المكان بهدوء، بعدما رأت تعلق نظرات كل منهما بالآخر. أما هو، فكان قلبه يقفز من شدة الفرح وهو يراها تقف أمامه مرة أخرى وقد استعادت عافيتها من جديد. كل ما أراد فعله في تلك اللحظة هو التوجه نحوها وأخذها بين أحضانه، حتى يتسنى له الشعور بدقات قلبها فوق صدره.
ولكن بدلًا عن ذلك، تحرك نحوها بهدوء حتى توقف أمامها، ثم سألها بنبرة عميقة: "حمدلله ع السلامة.. انتي كويسة دلوقتي؟ هزت رأسها موافقة، ثم أجابته برقة بالغة: "الله يسلمك.. آه الحمدلله." أنهت جملتها، ثم حركت رأسها باتجاه العمال، قبل أن تعيدها نحوه وهي تمتم بخجل: "شكراً." رفع أحد ذراعيه، يحركها فوق مؤخرة رأسه وهو يبتسم لها بهدوء، وقد علم ما ترمي إليه، ولكنه آثر سماعها من بين شفتيها. اقترب منها خطوة واحدة،
ثم سألها بصوت أجش: "على إيه؟ اتسعت ابتسامتها وزاد احمرار وجنتها، ثم أجابته بخجل: "انت عارف على إيه." أنهت جملتها وركضت مسرعة نحو الأعلى حيث غرفتها. أما فريد، فقد ظل حيث هو بلا حراك، وعيناه تتبع خطواتها، والابتسامة البلهاء لم تفارق شفتيه. عند حلول موعد الغذاء، سمعت حياة بضع طرقات خفيفة فوق باب غرفتها، لذلك طلبت من الطارق الدخول. فطلت السيدة عفاف من خلف الباب تسألها بهدوء قائلة:
"فريد بيه طلب مني أسألك لو ينفع تشاركيه الغداء النهارده.. ده طبعًا لو حاسة نفسك كويسة." اندفعت حياة تجيبها دون تردد قائلة: "آه يا دادا.. خليكي انتي وأنا هنزله على طول." أنهت جملتها، ثم تحركت مباشرة نحو غرفة الطعام، فهي لديها العديد من الأسئلة التي تشغل عقلها، ولن يجيبها أحدًا غيره.
وصلت إلى غرفة الطعام، فوجدته جالسًا في مكانه المعتاد على رأس طاولته ينتظر ردها. تحرك من مقعده بمجرد رؤيتها، يسحب لها الكرسي الملاصق لمقعده، وقد لاحظت حياة اقتراب المقاعد من بعضها أكثر من السابق. جلست في مقعدها، والذي كان ملاصقًا تمامًا لمقعده، حتى أن قدميها تلامست عدة مرات مع قدميه.
لاحظت حياة بعد جلوسها وجود عزة في أحد أركان الغرفة، لذلك ومن باب الذوق، حيتها حياة بهدوء. ردت عزة تحيتها بارتباك واضح، وشرعت فورًا في تقديم الطعام، ثم استأذنت في الخروج من الغرفة، فسمح لها فريد على الفور. بدأت حياة في تناول حسائها بصمت، وهي تفكر في كيفية سؤاله عن موعد عودته دون أن تبدو كمن يتحرى عن الأمر. قاطع تفكيرها صوت فريد يسألها باهتمام: "حياة.. الدكتور كان كتبلك شوية أدوية.. أخدتيهم في ميعادهم؟
ابتسمت بسعادة، وقد أتيحت لها الفرصة للسؤال عما يدور في خلدها براحة، لذلك أجابته برقة: "آه دادا عفاف من شوية قالتلي وفكرتني بمواعيدهم كمان." صمتت لتبلع ريقها، ثم استطردت حديثها تسأله بفضول: "فريد.. هو انت وصلت امتى؟ ترك طعامه وعاد بجسده للوراء، يستند بكسل على ظهر مقعده، ثم سألها وبريق التسلية يلمع داخل عينيه قائلاً، وهو يتظاهر بالعبوس: "بتسألي ليه؟ عايزه تطمني عليا؟ اندفعت تقول في ارتباك:
"لأ طبعًا.. أنا كنت عايزة أعرف عشان حاجة تانية." صمتت قليلًا عندما رأت ملامح وجهه بدأت في التجهم، ثم أضافت مصححة بارتباك: "مش قصدي.. أنا عايزة أعرف أكيد." توقفت عن الحديث وزفرت بتوتر، ثم استطردت حديثها مصححة: "أنا قصدي إني بسأل من باب الفضول مش أكتر." عاد بريق التسلية إلى عينيه وهو يرى ارتباكها واضحًا عليها، فسألها بمرح: "طب قوليلى إيه الحاجة التانية دي يمكن أفيدك؟
تذكرت ذلك الحلم الذي راودها عندما حملها بين ذراعيه وسمحت هي له بتقبيله، فاحمرت وجنتاها خجلًا وأطرقت رأسها لأسفل، هاربة من نظراته المتفحصة. التوى فمه بنصف ابتسامة وهو يرى ارتباكها وتخبطها أمامه، فهو يتحرق شوقًا لمعرفة إذا كانت تتذكر ما حدث بينهما أم لا، وأبدًا لن يكشف أوراقه أمامها.
قاطع تفكيره اقتحام حرسه الشخصي للغرفة فجأة بجسد وملامح متوترة، ثم توجهه نحو فريد مباشرة، يهمس له بكلمات لم تلتقط حياة منها أي شيء رغم محاولتها المستميتة في معرفة ما يدور بينهم. انتفض فريد من مقعده وهو يقول وقد تحولت ملامح وجهه للجدية: "تعالى ورايا." أنهى جملته وتحرك من الغرفة مسرعًا دون وداع، تاركًا إياها تشعر بالحيرة والفضول حول ما يحدث معه دون علمها.
داخل المستودع، تكوم الرجلان في أحد الزوايا، فاقدين الوعي من شدة الضرب والإرهاق. تحرك فريد في اتجاههم، ثم قام بسحب الكرسي الخشبي الموضوع داخل المستودع وجلس فوقه بطريقة عكسية، واستند بذراعيه على رأس الكرسي، ثم أشار برأسه للحارس الذي كان يقف بجواره ويحمل دلوا كبيرًا مملوءًا بالماء. أومأ الحارس رأسه لفريد بإيماءة خفيفة، قبل أن يقوم بسكب الماء البارد فوق وجه المدعو سيد. انتفض الأخير على الفور وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا، محاولًا التقاط أنفاسه بصعوبة.
سأله فريد بنبرة منخفضة: "ها.. عقلت وناوي تقول مين اللي وزك تعمل كده ولا تحب أخليهم يكملوا عليك؟ انتفض الرجل فى جلسته متوسلا لفريد: -لا يا باشا الله يخليك .. أنا هقولك كل اللى عندى والله .. اللى طلبت منى أعمل كده واحدة اسمها سيرين ومعرفش وصلتلى إزاى .. ولا حتى شفتها قبل كده .. كل اللى أعرفه إنها كلمتنى تليفون ومردتش تقولى عرفتنى منين ولا حتى رضيت تقابلنى .. هى عطتنى رقم واحدة قالتلى دى شغالة فى الفيلا وهتساعدك.
صمت الرجل ليزدرد لعابه بخوف ثم أضاف بعدما لمعت عيونه بخبث قائلا لفريد بترقب لعل ما يقوله يشفع له: -يا بيه صدقنى هو ده اللى عندى ومعرفش غيره .. بس اللى قالتلى إن الهانم لوحدها ودي فرصتنا واحدة شغالة هنا. جحظت عينا فريد للخارج ثم أجابه بعصبية هادرة: -قصدك مين؟ انطق! أجابه الرجل متمتماً في خبث: -أنا هقول لحضرتك يا باشا.
بعد قليل اقتحم فريد المطبخ بعنف جعل كلا من السيدة عفاف وعزة يجفلان. توجهت نظراته الغاضبة مباشرة نحو عزة التي بدأت تتراجع للخلف برعب وهي تراه يتقدم نحوها كالفهد فعلمت ما ينتظرها. أقض على شعرها قبل أن يجرها بقوة نحو الخارج غير عابئ بصراخها الذي كان يدوي داخل المنزل ولا بنظرات عفاف المصدومة من فعلته. ركضت حياة من داخل غرفتها على مصدر ذلك الصراخ فتفاجئت بفريد يمسك بشعر عزة بحدة ويجرها إلى خارج المنزل بعنف. ركضت خلفه تحاول إيقافه ولكن أوقفتها ذراع عفاف التي امتدت لمنعها بكل قوتها وقد استعادت وعيها
من صدمتها قائلة بتوسل: -حياة هانم .. الله يخليكي بلاش. صاحت بها حياة بقوة قائلة: -أوعى يا دادا! انتي مش شايفة هو ماسكها إزاي؟ من فضلك خليني أشوف فيه إيه. هزت عفاف رأسها بقوة رافضة إفلات يدها وهي تبرر بثقة: -أكيد عملت حاجة .. فريد بيه أول مرة يعمل كده .. أكيد عملت مصيبة. أجابته حياة بحنق قائلة: -هتكون عملت إيه يعني؟ وبعدين حتى لو كان مينفعش فريد يعمل كده خالص.
بعد عدة دقائق اقتحم فريد المنزل مرة أخرى بحدة جعلت كلا من حياة وعفاف ينتفضان من الرعب ثم تحرك نحوها مباشرة وأمسك بيدها قائلا بنبرة خالية: -تعالي. إن كانت التجربة قد علمتها شيئاً فهي قد علمتها أن لا تجادله عند وصوله إلى تلك الحالة. فالجدال معه أبداً لن يكون في صالحها لذلك تحركت معه على الفور يجرها خلفه وكفه يحتضن كفها بتملك. تحركا من خلال الحديقة نحو مبنى أبيض مكون من غرفة واحدة عريضة. سألته حياة بخفوت هامسة:
-فريد إحنا رايحين فين؟ لم يجيبها وبدلاً عن ذلك لاحظت ذلك العرق بجانب صدغه ينبض بشدة. كررت سؤالها بعدما توقفت عن السير وهتفت اسمه بيأس: -فرييييد. توقف هو الآخر عن السير والتفت بجسده ينظر إليها قائلا وهو يحاول السيطرة على نبرته الحادة: -دلوقتي هتعرفي .. تعالي.
أنهى جملته ثم قام بضغطة خفيفة مشجعة على كف يدها الموضوع داخل كفه. تحركت معه بصمت حتى دلفا إلى داخل المستودع وهو لا يزال محتضناً يدها بقوة. نظرت حولها باستغراب تحاول استيعاب هذا المكان الغريب. أثناء تأملها له وقع نظرها أولاً على عزة جالسة بجانبه فوق كرسي خشبي ومقيدة ببعض الحبال لتمنعها من الحركة. ازداد قلقها وعبوس وجهها فهي حتى الآن لم تستوعب شيئاً مما يدور حولها. حركت رأسها مرة أخرى تستأنف اكتشافها لذلك المكان الغريب وإذا بها ترى رجلان مكومان فوق الأرضية والدماء تغطي وجههم وملابسهم. شهقت بفزع وحركت جسدها أكثر لتلتصق بفريد في حركة تلقائية منها. ضغط على يدها مطمئناً لها قبل أن يحول انتباهه نحوه عزة ويهدر
بها بعصبية وتوعد قائلا: -حسابي معاكي على خيانتك ليا هيكون بعدين. ترك يد حياة ثم توجهه يقف قبالة حياة ويطل عليها بجسده الطويل مستطردا: -لكن دلوقتي .. اللي حياة هانم هتحكم عليكي هو اللي هيتنفذ. نقلت حياة نظرها بين فريد وبين عزة محاولة استيعاب ما يحدث بينهم ثم هتفت باسمه بنفاذ صبر قائلة: -فريد!!! فهمني فيه إيه؟ التفت بجسده نحوها قبل أن يتحرك ويقف قبالتها. نظر لها مطولاً وقد ظهر على وجهه لمحة من الألم قائلا بحزن:
-حالة التسمم اللي حصلتلك كانت مقصودة. اتسعت عينا حياة بصدمة ثم بدأت تنقل نظرها بينه وبين عزة مرة أخرى وهي تتمتم بعدم استيعاب: -مقصودة إزاي؟ مش ممكن تكون .. عزه!!!! هز رأسه بجمود دون حديث. استطردت حياة حديثها متمتة بإقرار أكثر منه سؤال: -انت اللي لحقتني صح؟ انت اللي كنت واقف قدامي؟
لم يأت الرد ولم تكن بحاجة إليه. ظلت تنظر داخل عينيه وقد بدأت الدموع تلمع داخل عينيها. ثم أطرقت برأسها للأسفل. أحاط فريد وجهها بكفه قبل أن يحرك يده ويقبض على خصلات شعرها الناعم قائلا بقوة: -بصيلي .. حياة بصيلي. رفعت عينيها تنظر إليه وإذا بها ترى تلك النظرة التي تعرفها جيداً. نظرة التصميم التي يتميز بها ثم أضاف بحده: -أنا هنا .. فاهمة! أنا من دلوقتي هنا يعني محدش هيقدر يأذيكي تاني .. اعرفي ده كويس.
حركت رأسها مسرعة عدة مرات كأنها تحاول حفظ ما تفوه به للتو. مد أحدى أصابعه يمسح تلك الدمعة التي فلتت عنوة من بين جفنيها. عندها صرخت عزة بحقد قائلة: -أيوه أنا اللي ساعدته يعمل كده عشان بحبك. دوت الكلمة داخل أركان المستودع وشعرت حياة بأنها تدوي أيضاً بداخل قلبها. استطردت عزة حديثها بشجاعة قائلة: -أيوه بحبك وحبيتك من أول مرة شفتك فيها. من ساعة ما ساعدتني وجبتني اشتغل عندك.
ظل فريد يستمع إلى حديثها بملامح جامدة وجسد متصلب. أما بالنسبة لحياة فشعرت بأنها تريد وضع كفيها فوق أذنها حتى لا تستمع إلى ذلك الحديث العقيم. أردفت عزة بغل وهي تنظر نحو حياة قائلة: -هي مش بتحبك ولا عمرها هتحبك قدي. مفيش حد في الدنيا دي ممكن يحبك قدي. صرخ فريد بها قائلا بعصبية: -اخررررررسى. أجابته عزة بتحدي وقد شعرت أن نهايتها أوشكت:
-لا مش هخرس هي دي الحقيقة اللي لازم تعرفها. أنا قاعدة كل يوم وشايفة هي بتعاملك إزاي وفاهمة كويس إنها مش بتحبك. اقترب فريد منها وقد بدأ وجهه يتحول من شدة الغضب والاحمرار ثم أجابها وهو يضغط على كل الحروف الخارجة من فمه قائلا بتهديد: -عارفه .. لولا إني حالف على قبر أمي ممدش إيدي على واحدة ست كنت عرفتك مقامك دلوقتي. صرخت عزة بجنون تجيبه: -ده مش هيمنع حقيقة إني بحبك. في تلك اللحظة قاطعت حياة حديثها بيأس تترجاه قائلة:
-كفاية .. مش عايزة أسمع حاجة تاني .. أنا عايزة أمشي من هنا .. فريد لو سمحت خليني أمشي من هنا. اتجاه فريد نحوها على الفور ثم اصطحبها نحو الخارج ومنه إلى المنزل دون أن ينبث أحد منهم ببنت شفة. وصلت حياة إلى الدرج ثم حدثته بنبرة جامدة: -أنا عايزة أطلع الأوضة بتاعتي شوية. زفر فريد مطولاً بضيق ثم أجابها بتردد قائلا: -تمام .. أنا في المكتب لو احتجتي حاجة قوليلي. هزت رأسها موافقة ثم تحركت نحو الأعلى دون إضافة.
في منتصف الليل كانت حياة لازالت داخل غرفتها تتلوى داخلياً من تلك الكلمات المسمومة التي سمعتها من عزة منذ عدة ساعات. فكرت بحزن أيعقل أن يدفع الغيرة الإنسان حتى القتل. مسحت دموعها وقد اتخذت قرارها ثم تحركت إلى الأسفل حيث غرفة مكتبه. وقفت أمام الباب وأخذت نفساً عميقاً ثم طرقته وانتظرت إذنه للدخول. أجابها بصوت عميق: -اتفضل. أدارت حياة مقبض الباب ودخلت على مضض. انتفض فريد في جلسته فور دخولها وهو يسألها باهتمام:
-حياة فيه حاجة؟ أجابته مباشرة دون مقدمات: -أنا عرفت هعمل إيه في عزة. تحرك حتى مكتبه ثم استند بجسده عليه وعقد ذراعيه أمام صدره ثم أجابها بجدية قائلا: -سامعك. رفعت رأسها بتحدي قائلة بإصرار: -مش عايزآك تعمل فيها حاجة .. بس سلمها للبوليس. اعتدل فريد في وقفته ثم أرخى ساعديه وعقد حاجبيه معاً سائلا بجمود: -يعني إيه؟ أنا مش هسيبها تفلت باللي عملته!!! زفرت حياة مطولاً بيأس ثم أجابته بإرهاق قائلة:
-لا هو ده بالظبط اللي أنا عايزآك تعمله. قاطعها فريد بحدة قائلا: -لا مش موافق. أجابته حياة مسرعة: -انت قلت اللي أنا هحكم بيه وده حكمي!!! صاح فريد بها بحدة: -حياااااااة!!!!! أجابته بتحدي: -فرييييييييد!!! أضافت مستطرده حديثها: -فريد لو سمحت لو قضينا عمرنا ننتقم من مل حد آذانا مش هنلاقي وقت ولا هنعرف نعيش حياتنا. ده طلبي وده اللي أنا عايزاه فلو سمحت نفذه. تأملها ملياً ثم أجابها وقد لمعت فكرة ما داخل رأسه: -موافق بشرط.
أجابته بثقة موافقة. ابتسم بانتصار ثم باغتها بشرطه مسرعا: -تقوليلي حصلك إيه وانتي عندك ١٤ سنة؟ ارتبكت نظرتها وارتجف جسدها ولم تعقب. استطردت هو حديثه كاذباً وقد لاحظ اقترابه من هدفه: -أنا سألت دادا آمنة وحكتلي اللي حصل بس عايز أسمع التفاصيل منك. نظرت إليه بدهشة أولاً ثم لوت فمها بابتسامة سخرية وهي تتحرك لتجلس على الأريكة الموضوعة بداخل الغرفة. جلست بكبرياء ثم رفعت رأسها تنظر إليه بتحدي قائلة:
-وآمنة هانم قالتلك إنك تاني استعمال .. second hand يعني؟ انتصب جسده واحتقنت ملامحه وهو يسألها بقلق: -قصدك إيه؟ حبس أنفاسه وهو في انتظار إجابتها. ابتسمت له بتشفٍ ثم أجابت بهدوء كاذب: -يعني أنا كنت متجوزة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!