الفصل 32 | من 34 فصل

رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم شيماء يوسف

المشاهدات
19
كلمة
5,764
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

انهى فريد جملته المفاجئه تلك ثم اختفى خلف باب الحمام تاركها تشعر بالصدمه والذهول بسبب ما تفوه به. حركت رأسها يمينا ويسارا تنظر حولها جيدا لتتأكد من مكان وجودها. انها ليست نائمه ولا تحلم أليس كذلك!

لا ليس كابوس فهي تجلس فى غرفتهم منذ الصباح تنتظر عودته كعاده كل يوم منذ تلك الحادثه. ت ترى هل اختلط لديها الواقع بالخيال وخرج منهم اسوء ما كانت تتخيله ام انها فقدت عقلها بسبب جلوسها هنا يوميا لمده ثلاث اسابيع دون اى عمل يذكر. لا هى متأكده انها لا تحلم ولم تفقد عقلها حتى الان والامر ابسط من ذلك بكثير. كل ما فى الامر نجوى. نعم هى تلك الحرباء المتلونة يبدو انها أخبرته بحقيقه حملها وبالطبع اصبحت هى ام طفله وعليه أصبحت هى الزوجه المنبوذة. الم يخبرها بكل صراحه انه اصبح يكرهها!

وبالطبع كما اجبرها على الزواج منه سيجبرها الان على الانفصال عنه. يبدو ان لعبه الجاريه تلك أعجبته وقد حان الوقت لتظهر له حياة الحقيقه اذا لم يكن يعرفها. فالآن ليس وقت الاستسلام له او الانكسار. هذا ما فكرت به بعصبيه وهى تركض نحو باب الحمام تطرقه بكلتا يديها وهى تهتف اسمه بشبه صراخ: -فريد .. اطلع هنا وكلمنى .. لم تأتيها اى اجابه منه لذلك عاودت الهتاف بأسمه بنبره شبهه هيستيريه وكفها لازال يطرق فوق الباب دون انقطاع:

-فرييييييييد .. اطلع وعيد طلبك وانت قدامى .. فريييييييد .. للمره الثانيه لم تأتيها منه اى اجابه فقط صوت انسياب المياه هو كل ما يصلها كأنها تتحدث إلى الباب وليس إليه مما جعلها تفقد اعصابها اكثر فعادت تصرخ بعصبيه شديده شعرت خلالها بأحبالها الصوتيه على وشك الانقطاع. وهى تضع كفها فوق المقبض قائله بتحذير: -فريد لو مطلعتش دلوقتى هدخل ومش هيهمنى انت بتعمل ايه ..

انتظرت ثوان معدوده لعلها تصل إلى ما تريد. هل ظنها لن تنفذ تهديدها!

حسنا فهى لن تتراجع حتى تتحدث معه وجها لوجهه والان وليس بعد دقيقه وليس بعد انتهاء اغتساله وليس فى الوقت الذى يريده هو. اذا كان يتذمر دائما من عنادها فهو لم يرى مداه حتى الان. بعد نصف دقيقه من الانتظار فتحت باب الحمام واندفعت بحده حتى وصلت إلى كابينه الاستحمام والتى كان يقف بداخلها وقامت بسحب بابها الزجاجى بكل قوتها متجاهله رذاذ الماء الذى خرج بالكامل من حدودها ثم صرخت به قائله: -انا بكلمك متتجاهلنيش ..

لقد اصيبت بالجنون حقا! هذا ما فكر به وهو يهتف اسمها بحنق محاولا إزاله بقايا الشامبو عن شعره ووجهه: -حياة !! انتى اتجننتى !! تجاهلت تعليقه وعادت تهتف به بشراسه وصدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال: -اتفضل اطلع دلوقتى حالا وكلمنى ..

واصل هو غسل وجهه دون أدنى اهتمام بطلبها فتحركت تدفعه جانبا حتى كاد جسده ينزلق لولا تمسكه بأطراف الكابينه ثم انحنت بجزعها نحو صنبور المياه تغلقه غير عابئه بكميه الماء التى سقطت فوقها والتى بللت الجزء العلوى من ملابسها بالكامل. اعتدلت فى وقفتها بعدما اغلقت المياه ثم استطردت تقول بنبره آمره قويه وقد تحولت ملامح وجهها للقرمزيه من شده الغصب وفرط الانفعال: -اتفضل البس وحصلنى ..

كانت حياة فى حاله هيستريا شديده منعته من الاستمرار فى تجاهلها لذلك تحرك خلفها بعدما وضع منشفه فوق خصره رغم بقايا سائل الاستحمام التى لم تسمح لها بأزالتها ثم توجهه نحو خزانه ملابسه والتقط منها بنطال رياضى مع تيشرت من نفس النوع وقام بأرتدائهما سريعا قبل تحركه إليها حيث كانت تقف امام نافذه الشرفه تنتظره. تحدث قائلا بهدوء: -اتفضلى .. عايزه تتكلمى فى ايه ؟

التفت بجسدها بحده موجهه إليه بعينيها شرارت متطايرة وهى عاقده ذراعيها امام قفصها الصدرى ومتخذه وضع الاستعداد. استفزها هدوء ملامحه لذلك صاحت به قائله: -اتفضل قول الكلام اللى قلته من شوبه قبل ما تختفى جوه ده .. اخذ نفسا عميقا ببطء شديد زاد من حنقها ثم قال بنبره خفيضه جامده: -قلت ننفصل .. صرخت بقوه متسائله بمجرد انتهاء جملته قائله بعصبيه: -يعنى ايييه ؟!! اجابها فريد بنبره بارده مستفزه زادت من حنقها وعصبيتها:

-ننفصل يعنى نطلق .. مش هو ده طلبك من ٣ اسابيع !!! -طلبى !!! هذا ما صاحت به مستنكره وهى تدفعه بقوه جعلت جسده يترنح قليلا بسبب عدم مقاومته لها. هتف هو بها بضيق مستنكرا فعلتها: -حيااااة !!! لقد بدءت تفقد القدره على اعصابها وصوتها وجسدها كله بسبب غضبها فهى لا تصدق إعادته لطلبه مره اخرى بكل تلك الاريحية كأنه سعيد للتخلص منها! صرخت به بقوه وهى تعاود لكمه فى صدره: -حياة ايه !! مفيش حياة !! سامع مفيش حياة !!

خليك شجاع وقولى السبب الحقيقى .. هتف أسمها مره اخرى بسخط محذرا وهو يقبض على معصميها بكلتا ذراعيه لمنعها من الاستمرار فى لكمه: -حياااة .. تململت فى وقفتها وحاولت الافلات من قبضته وهى تقول بشراسه: -انا عارفه انت بتعمل كل ده ليه .. عشانها صح ؟! .. كل ده عشانها !! .. اكيد قالتلك انها حامل .. كرر فريد جملتها مستنكرا بعدم فهم: -حامل ؟! صرخت حياة وهى تبتعد عنه بعدما ارخى قبضته من فوق يدها وقد اصبح كل

حديثها الان عباره عن صراخ: -ايوه حامل .. انا عارفه كل حاجه .. انطق وصارحنى بالحقيقه .. تسائل فريد وهو مقطبا جبينه عدم فهم: -حامل مين ؟؟ انتى بتقولى ايه !! صرخت به وهى تعود عده خطوات للخلف مبتعده عنه: -نجوى !! .. مش الهانم مراتك برضه ؟! صدمت ملامحه اولا ولكنها سرعان ما عادت لجمودها قبل ان يسألها بهدوء شديد: -انتى قصدك ايه بالظبط ؟! اجابته وهى تتحرك بعصبيه داخل الغرفه وتفتش داخل إدارجها قائله بأصرار:

-هتعرف دلوقتى انا قصدى ايه .. فتحت عده ادراج بعصبيه شديده ثم تسائلت بحنق: -راح فين !! تليفونى اللى سبته هنا راح فين !!

عقد فريد حاجبيه معا بترقب ثم تحرك يخرجه لها من احد الأدراج فمنذ حادثه هروبها وضعه هو فى ذلك المكان ولم تهتم هى بالبحث عنه. حاولت فتحه بأصابع مرتجفه قبل إدراكها لنفاذ بطاريته لذلك بحثت عن شاحنه ووضعته به وجلست جواره تحرك ساقها بعصبيه شديده منتظره اعاده تشغيله وبعد عده دقائق فتحت رسائلها المرسله ثم تحركت به ووضعته امام وجهه وهى تقول بحده: -اتفضل شوف .. الهانم بعتتلى كل حاجه لما كنت مسافر ..

التقط فريد الهاتف منها بأليه شديده ثم امعن النظر فى صوره العاريه او بالأدق صور الشخص العارى مركبه فوقها بأحترافيه شديده رأسه. نقل بصره بين الهاتف وبين حياة عده مرات قبل مد يدها وسحبها للهاتف من داخل كفه قائله بغضب: -متقلقش لسه فى الاحلى .. عبثت بهاتفها ثانيه ثم إعادته ليده ليقرء صوره مرسله بعقد زواج عرفى بأسمه واسم نجوى العمرى. تجهمت ملامحه بشده وضاقت المسافه بين حاجبيه وهو يعيد قراءه الورقه المرسله مرة اخرى. قاطع

قرائته صوتها يسأله بتهكم: -وصلت لصوره تحليل الحمل ولا مفيش داع مانت اكيد عرفت ؟! فتح فريد الرساله الاخرى ليجد صوره تحليل من احد المعامل الشهيره بأسم نجوى العمرى تؤكد حملها. ضغط فوق اسنانه بقوه وبدء ذلك العرق بجانب صدغه فى الانتفاض ثم رفع رأسه وسألها بهدوء رغم غضبه واحتقان ملامحه: -وانتى صدقتى ؟! لم تعقب على حديثه بل أشاحت بوجهها بعيدا عنه لا تريد حتى النظر إليه. القى الهاتف من يده ثم عاد يسألها بنبره قويه أجبرتها

على النظر إليه وإجابته: -انطقى انا بكلمك !! انتى صدقتى الكلام ده ؟!!! اجابته بحده وهى ترمقه بنظرات متحديه: -مصدقتش لحد ما اختك جت واكدتلى الكلام ده وانك اتجوزتها قبل منى بسبب غلطه .. حرك رأسه بشراسه ثم صرخ بها بقوه جعلتها تنتفض ذعرا: -اختى !!! صدقتى اختى !!! اللى حذرتك ومنعتك منها ٥٠٠ الف مره !!! صدقتى شويه صور على تليفون من غير ما ترجعيلى او تسألينى !! لا وترجعيلى ليه !!!

انهى جملته وانحنى بجزعه يلتقط هاتفها من فوق الارضيه ثم طلب منها اعاده فتحه ثم سحبه من بين يديها بقوه وفتح احدى الصور المخله ووضعها امام عينيها بعدما جذبها من مرفقها بحده لتقف جواره قائلا بعصبيه: -بصى يا حياة هانم !! يا مراتى يا اكتر واحده عرفانى !!! هى دى ملامحى لما بكون معاكى !!! هو ده بيكون شكلى !!! بتكون ملامحى طبيعيه كده زى الصوره دى !!! .. ده رد فعل واحد بالوضع ده !!!

يا هانم دى صوره واحد قاعد بياكل مش بيعمل حاجه تانى .. دفعها فوق الفراش ثم تحرك مبتعدا عنها ليتلقط هاتفه من داخل سترته. راقبت حياة حركته بأرتياب وقد فهمت ما شرحه لها بوضوح. جذب هو هاتفه بشراسه وقام بالعبث به ثم قام بتشغيل الصوت ورماه إليه بعصبيه قائلا بجمود: -اسمعى يا هانم واعرفى صوت مين ده .. أستمعت حياة بتركيز شديد لصوت امرأه غير مألوف لديها تقول برضا:

-ايوه بقى يا نيرو .. كده مفاضلش غير انك تنقليلها شويه اخبار عنى واخر حاجه بقى تجبيلى توقيع فريد بصوره واضحه عشان الراجل يشوف شغله .." كتمت حياة انفاسها بترقب منتظره سماع الطرف الاخر والتى فى تلك الحاله اخت زوجها تقول بثقه: -بس كده .. توقيع فريد بسيطه هلاقيه فى اوراق بابى .. اما عن اخبارك فأنا فعلا قلتلها ان حادثه الملف بتاعها الاول كانت بمساعده مدير الحسابات برضه واتصدمت اوى .."

شهقت حياة بذهول وألقت الهاتف من بين يديها كأن حيه لدغتها ثم وضعت كفيها فوق فمها بذعر. ابتسم فريد بشراسه وهو ينحنى لالتقاط هاتفه متمتما وهو يضغط على حروف كلماته: -لا استنى .. زى مانتى قلتى من شويه .. لسه فيه الاحلى .. اعاد تشغيل التسجيل الصوتى ليصدع صوت نيرمين هاتفه بسعاده: -ايوه يا نوجااا .. انا لسه خارجه من عندها وكل حاجه مشيت زى ما اتفقنا بالظبط .. صدقت وسبتها دلوقتى منهاره .. الباقى بقى عليها ..

صرخت حياة وهي تتحرك بجسدها مبتعدة عن الهاتف كأنها تخشى رؤيتهم بداخله، ثم بدأت الدموع تنساب من فوق مقلتيها بغزارة وهي تنظر إليه بضعف. هز فريد رأسه بأسف ثم قال بنبرة خالية كإقرار أكثر من سؤال: -طبعًا. مش محتاج أسألك الكلام ده كان امتى ولا إيه اللي حصل بعده. أجابته بنبرة خفيضة للغاية بالكاد وصلت لمسامعه: -ليلة ما سبت البيت. ردد فريد جملتها خلفها بنبرة هادئة:

-ليلة ما سبتي البيت وهربتي بابننا. عشان أسهلك تصدقيهم. أو نقول بصراحة عشان إنتي كنتي عايزة تصدقيهم. فما صدقتي تهدّي كل حاجة بينا بكلمة وتهربي. أخذ نفسًا عميقًا يملأ به صدره ويخفي نبرة الحزن من صوته ثم قال بنبرة خالية: -أنا لسه عند طلبي. حياة أنا عايز ننفصل. حركت رأسها بفزع رافضة ودموعها تملأ وجهها. هز رأسه مؤكدًا ثم عاد يقول بنفس نبرته: -مش هينفع نكمل من غير ثقة. من بكرة هنمشي في إجراءات الطلاق.

صرخت حياة بذعر وهي تركض نحوه وتتمسك به قائلة بتوسل من بين شهقاتها المتلاحقة:

-لااااا. انفصال لاااا. أنا غبية. أيوه أنا غبية. بص عاقبني بأي حاجة في الدنيا. قول إنك بتكرهني زي ما قلت لي قبل كده. وابعد عني زي ما إنت بعيد عني دلوقتي. متخلينيش أخرج زي ما أنا محبوسة هنا. اعمل أي حاجة بس أكون جنبك. أنا غلطانة وعارفة إني غلطت غلط كبير بس آخر مرة. والله آخر مرة. أنا خفت. عملت كده عشان خفت. خفت إن اللي حصل معاك زمان يحصل مع ابننا. خفت نجوى تقدر تغيرك وتظلم ابننا زي ما حصل معاك. هو ده اللي خلاني أمشي. خوفى على ابني. بدليل أنا قاعدة أهو وقابلة.

صمتت لوهلة تلتقط فيها أنفاسها وتبتلع لعابها ثم استطردت تقول بصوتها الباكي: -أنا مش بدافع عن نفسي. أنا عارفة إني غلطانة في تفكيري واتعاقبت. اتعاقبت لما بعدت عنك وحسيت في الكام يوم دول بالخوف من غيرك. واتعاقبت لما شفتك بتبص لي وأنت قرفان مني. واتعاقبت لما اتحرمت إني أشوف فرحتك لما تعرف إني حامل منك. واتعاقبت لما ابننا راح مني. وأسوأ عقاب فيهم لما سمعت كلمة بكرهك منك.

أشاح فريد بنظره بعيدًا عنها متجنبًا النظر داخل عينيها حتى لا يثنيه عن قراره. انتظرت حياة صدور أي رد فعل منه يطمئنها وعندما صمت، أردفت تقول بلهفة:

-فريد. أنا غلطانة بس بوعدك عمري ما هكررها تاني. أنا غلطت لما صدقتها وموثقتش في حبك وغلطت لما رفضت أسمع كلامك وصدقت إن نيرمين ممكن تكون اتغيرت. بس وعد والله ما هكررها تاني. هسمع كلامك في كل اللي تقوله عشان أنا اكتشفت إني مبعرفش أحكم على الناس ولا هثق تاني في حد غيرك. هنبدأ صفحة جديدة من النهارده. من دلوقتي هنتشارك كل حاجة ومش هخبّي عليك حرف واحد مهما حصل. أنا عارفة إني غلطت واعترفت بده بس إنت أحسن مني صح؟

أنا عارفة إنك أحسن مني وهتديني فرصة. اعتبرها آخر فرصة ليا. إنت طول عمرك بتسامحني وبتساندني متبخلش عليا المرة دي. بص جربني أسبوع. لا شهر ولو حصل أي حاجة تاني يبقى إنت عندك حق تسيبني. بس أنا خلاص اتعلمت درسي بخسارة ابني وخسارتك. وحياة أغلى حاجة عندي وعندك أنا بثق فيك وكل ده حصل من غيرتي عليك. رغم رؤيتها للين ملامحه قليلاً، إلا أنه لم ينظر إليها حتى الآن لذلك أردفت تقول بيأس وهي تضع أصابعها تحت ذقنه

وتحرك رأسه في اتجاهها: -فريد بص لي عشان خاطري. قولي. هتقدر تعيش من غير حياة؟ لو إنت تقدر تعيش من غير حياة فحياة مش هتقدر تعيش من غيرك. متبقاش حياة من الأساس. فريد أنا بحبك. لا أنا مش بحبك أنا فتحت عينيا على حبك وعشت وكبرت في ضل حبك. بتنفس حبك. أهون عليك أعيش من غير نفسي. من غير حياتي! لانت ملامحه وظل يتأمل بتأثر وجهها ونظرة عينيها التي تبوح بما لا تستطيع صياغته بالكلمات، ثم سألها بنبرة خافتة كأنه طفل

يتلمس من والدته الأمان: -يعني إنتي مش بتحبي وائل؟ هتفت بعدم تصديق وهي تبتعد عنه خطوة واحدة: -وائل! وائل مين؟ أجابها فريد بجمود وقد عاد ملامحه للتجهم: -وائل الجنيدي. رقمه كان على تليفونك لما هربتي. ودايمًا كان بيسأل عنك. شهقت حياة بندم وقد تذكرت حديثه عن نيرمين وإعطائها رقم هاتفها له. ربما كان يعلم بمخططها وأراد تحذيرها. تجعدت ملامحها وهتفت مستنكرة تفكيره: -وائل! هو وائل اللي اختار لي اسمي؟ وائل اللي كان رفيق طفولته؟

وائل اللي كان بيدافع عني لو أي حد قرب لي؟ وائل اللي لما كنت بحتاج لحد أشتكي له كنت بلجأ له هو؟ وائل اللي كنت بتحامى فيه ومنه من الدنيا؟ وائل اللي لما بابا باعني كنت بصرخ بأسمه عشان يلحقني؟ وائل اللي كنت بنطق اسمه أكتر من اسمي؟ وائل الوحيد اللي سمحت له وحبيت لمسته ونبرته ونظرته؟ وائل اللي بيفهمني من غير كلام؟ ولا وائل هو اللي قال لي إن عندي ١١ نظرة له لوحده؟ رد عليا يا فريد!

وائل هو اللي بحب أقول اسمه كل شوية عشان لما بنطقه بحس بالأمان! ساكت ليه رد عليا وجاوبني؟ عشان أحب وائل لازم تحصل حاجة واحدة. إنه يكون فريد. وأنا معنديش غير فريد واحد. فريد بتاعي أنا. اللي عشت كل ده معاه هو واللي بحبه من غير كل ده. بحبه عشان هو فريد حياة. اللي بحبه ومش عايزة من الدنيا غير حبه. لا حبيت قبله ولا عايزة أحب بعده.

لانت ملامحه وانفرجت أساريره وارتخت عضلات جسده تحت لمستها وبدأت عيناه تومض بتلك النظرة العاشقة لها. تنهدت بارتياح هي الأخرى بعد رؤيتها لتبدل ملامحه ثم رفعت ذراعيها تحتضن بكفيها وجهه وهي تغمغم بنعومة لتستجديه بعدما قامت بطبع قبلة رقيقة فوق شفتيه: -فريد. حبيبي.

انهارت آخر حصون مقاومته لها وهو يسمع تلك الجملة التي ظل أيام وليال يحلم بها وهي تنطقها من بين شفتيها الناعمتين. خفضت حياة ذراعها حتى وصلت إلى كفه ثم احتضنته بحب وسارت به حتى المقعد المنخفض والموضوع أمام الفراش وجلست فوقه ثم جذبته برقة لتحثه على الجلوس بجوارها. أطاعها في صمت وجلس بجوارها تاركًا بعض المسافة بينهم. ابتسمت حياة له بإشراق لتطمئنه ثم أنهت المسافة بينهم والتصقت بجسده بعدما وضعت ذراعها فوق خصره لتحتضنه. اقترب بوجهه منها مستنشقًا رحيق شعرها الذي اشتاقه كثيرًا

ثم تحدث بصوت أجش يقول: -إنتي صدقتي إني ممكن أسيبك بجد؟ قطبت جبينها بعدم فهم وتوقفت أصابعها عن العبث بمؤخرة عنقه ثم سألته بتعجب: -قصدك إيه؟ أجابها بابتسامة خجلة خفيفة: -أنا سمعت التسجيلات قبلك وتأكدت إنهم عملوا عليكِ لعبة بس مكنتش عارف تفاصيلها غير لما حكتيلي. ومكنش قدامي غير كده. يا تدافعي عن حياتنا. يا أسيبك تروحي للي بتحبيه. عمري ما كنت هعمل زي بابا وأذيكِ يا حياة. شهقت حياة بتسلية ثم سألته بمرح:

-يعني إنت ضحكت عليا عشان أحكي لك؟ وأصلًا أنا اخترت اللي بحبه فعلًا. وبعدين إنت عمرك ما هتكون زيه. وكلامك دلوقتي أكبر دليل إنك مش زيه. تفوهت بجملتها وحكت أنفها بأنفه وهي تقول بنعومة: -بحبك. يا أغلى حاجة في حياتي.

اتسعت ابتسامته بسعادة حقيقة ورضا ثم بدأ في لثم شفتيها على الفور. تجاوبت معه في اللحظة التي لمس بها شفتيها وبادلته قبلته باشتياق وشغف كبير. ابتعد عنها على مضض وعيناه تنظر إليها بضياع. تفهمت هي نظرته تلك فأومأت له برأسها متفهمة ثم قالت بهدوء لتطمئنه:

-حبيبي. أنا بقيت كويسة دلوقتي متخافش. وبعدين إنت مش ذنبك. أنا اللي خبيت عليك وبعدين أنا كنت تعبانة من قبلها. يعني اللي حصل بينا ملهوش علاقة بنزول البيبي. أنا آسفة على اللي حصل بسبب غبائي. وأسفة على الموقف اللي حطيتك فيه. نظر إليها بولع شديد ثم رفع كفها وقام بتقبيل باطن كفها بشغف ثم قال بحب: -وأنا آسف إني اتعاملت كده. بحبك يا حياتي. قالت وهي تبتسم له: -وأنا بموت فيك يا روح قلب وعقل حياتك. طبع قبلة خفيفة فوق

شفتيها ثم عاد يقول بخفوت: -حياة. نجوى اتقب... وضعت حياة إصبعها فوق شفتيه لتمنعه من الاستطراد ثم قالت بهمس ناعم: -هشششش. مش عايزة أسمع أي حاجة عنهم. مش عايزة أسمع حاجة عند حد غيرنا. لمعت عيناه بشغف ورغبة وهو يعاود الاقتراب منها. ابتعدت هي عنه قليلاً ثم قالت بخجل: -حبيبي. ممكن أطلب منك طلب؟ أجابها فريد قائلاً بهمس: -اطلبي يا عيوني. ابتسمت له بحب ثم قالت بنعومة:

-ممكن نبدأ مع بعض من جديد. عايزك تصلي بيا الأول. إحنا أول مرة معرفناش نعمل كده بس أنا عايزة أعتبر النهاردة بداية لحياتنا سوا ونفسي نبدأها برضا ربنا. أجابها فريد معترضًا بحرج: -بس أنا معرفش أصلي إزاي. ابتسمت له مشجعة ثم قالت بهدوء لتطمئنه: -أنا عارفة وهقولك. بس أول حاجة تتوضأ سوا. إيه رأيك؟

أومأ لها برأسه موافقًا ثم تحركا سويًا نحو الحمام لبدء وضوئهم. خرجت حياة بعدما تأكدت دون إظهار له من صحة وضوئه ثم خرجت ترتدي لباس صلاتها وتقف خلفه بعدما شرحت له ما يجب عليه القيام به. شرع فريد في إقامة الصلاة ثم بدأ يتلو فاتحة الكتاب بصوت مرتجف وهيبة يتمنى ألا يخطأ في تلاوتها. اجتاحت حياة حالة من الفرحة والانتشاء والسعادة مع رجفة صغيرة وقد تحقق حلمها أخيرًا.

انتهى فريد من صلاتهم ثم التفت خلفه يجذبها لتجلس داخل أحضانه ثم قال بحب وهو يتأمل وجهها بهيام: -إنتي عارفة إنك حلوة أوي. والطرحة لايقة عليكي. سألته حياة بمرح وهي تداعب بأصبعها عنقه: -امممم. يعني أفضل لابساها على طول؟ أومأ برأسه موافقًا وهو يعاود تأمل ملامح وجهها ثم قال رافضًا بامتعاض: -لا بس الطرحة مخلياكي أحلى وبعدين هتخلي الناس تركز في عيونك. شوفي حل. أجابته حياة بمرح وهي تمسح فوق شعره بحنان: -والله!

طب أعمل إيه يعني؟ أفضل محبوسة هنا على طول؟ حرر فريد خصلات شعرها من تحت حجابها بعدما أزاحه من فوق رأسها ثم أجابها بهيام قائلاً: -يا ريت. لو عليا عايز أخبيكي ومحدش يشوفك غيري. احتضنته بحب وأسندت رأسها فوق كتفه مغمغمة بطاعة: -وأنا مش عايزة حد يشوفني غيرك. شدد فريد من لف ذراعيه حولها ثم قال بعد فترة من الصمت ممازحًا: -حياة. هتوحشيني أوي يا حياة، وأنتِ كمان. رفعت رأسها تنظر نحوه بغضب، مجعدة أنفها ثم سألته متصنعة العصبية:

-يا سلام والله! عجبك الدور أوي؟ وأنا كل يوم أقول دلوقتي يحن، دلوقتي يزهق، أو حتى يتعصب، بس أقول إيه، بحب تلاجة! ضحك عالياً من تشبيهها ثم قال بهمس وهو يقترب منها ويتلمس شفتيه وجنتيها: -طب مفيش واحدة أخيرة؟ بصراحة كانت بتطلع من لسانك حلوة أوي. ضغطت فوق شفتيها وابتسمت بخجل ثم أسدلت عينيها وهي تنظر داخل عسليته قائلة بإغراء شديد: -اللي حضرتك تأمر بيه. تنهد بحرارة ثم قال هامساً وهو يرفعها بين ذراعيه ويتحرك بها نحو الفراش:

-حضرتك تأمر إنك تفضلي جوه حضني يا سلطانة قلبي وروحي. اتسعت ابتسامتها وقد علمت أن جملته الأخيرة تلك هي طريقته الخاصة في الاعتذار منها عما تفوه به سابقاً، والذي لم تعد تذكره من الأساس. وكيف تفعل وهو بدأ يبث لها بكل نعومة وحنان أشواقه وحبه ليمحو أي ذكرى سيئة قد نالت من مشاعرهم المقدسة. بعد فترة، وضعت حياة رأسها فوق صدره ثم هتفت بدلال وأصابعها تتحرك فوق صدره العاري: -فريدي. طبع قبلة فوق شعرها ثم أجابها بحب: -عيون فريدك!

رفعت رأسها تنظر إليه ثم قالت بتذمر طفولي: -فريد، أنا جعانة. رفع إحدى حاجبيه باستنكار ثم سألها بعدم فهم: -طب أعمل إيه؟ نظرت نحوه بغضب متصنعة الضيق ثم أجابته باعتراض مازح: -معرفش المفروض تتصرف. يكون فيه أي إحساس يعني، أقولك جعانة تقولي حاضر يا حبيبتي ثواني والأكل يكون عندك هنا. فريد خليك رومانسي. امتعضت ملامحه وتمتم بحنق غير مستسيغ جملتها: -أنتي بالنسبالك الرومانسية في إن الأكل يجيلك هنا؟ يعني هي دي طموحك؟

هزت رأسها موافقة ثم قالت بدلال فطري مدعية الحزن: -آها رومانسية. مش كفاية إني مأكلتش من الصبح مستنياك. وبعدين ما أنت عارف لما بتزعل مني مش بعرف آكل. سيبني بقى أعوض. كانت محقة فيما تفوهت به، فقد لاحظ شحوب وجهها الشديد وفقدانها للوزن منذ الحادثة الأخيرة، وحتى عندما كانت تشاركه وجباته كانت تتظاهر بتناول الطعام دون تناول شيء حقيقي. لذلك زفر باستسلام ثم سألها مدللاً: -ماشي يا ست حياة، تحبي أجيبلك حاجة معينة؟

صفقت يديها بسعادة من مجاراته لها ثم قالت بحماس: -أي حاجة منك حلوة. بس بسرعة. نطقت جملتها تلك وهي تدفعه من فوق الفراش لتحثه على التحرك. ارتدى بنطاله مسرعاً ثم توجه إلى الأسفل وهو يحرك رأسه بعدم تصديق لمطاوعته لها. في الأسفل، وقف في منتصف المطبخ واضعاً كفه فوق خصره ويده الأخرى تحك فروة رأسه ببلاهة. ماذا يصنع لها؟ فأخر علاقته بالمطبخ هو إحضار الماء من داخل الثلاجة. الثلاجة، نعم!

هذا ما هتف به داخلياً وهو يتحرك نحوها، فربما يجد ما يسد جوعها بداخلها. بالتأكيد سيفعل، هذا ما فكر به بانتصار وهو ينحني بجسده لينظر بداخلها.

تحركت حياة خلفه مرتدية قميصه البيتي ثم وقفت تراقبه وهو غارق بنصفه العلوي داخل الثلاجة. حاولت كتم ضحكتها قدر المستطاع حتى خرج من داخلها ويده تحمل علبة ما. تسمرت نظرته فوقها بمجرد رؤيته لها وهي ترتدي قميصه الذي كان يرتديه منذ قليل، وبالكاد يغطي خصرها، وتنظر نحوه بتسلية. ابتلع لعابه بصعوبة وهو يضع ما في يده فوق الرخامة بآلية شديدة، ثم تحرك نحوها يرفعها من فوق خصرها ويضعها فوق الطاولة الخشبية. جلست حياة فوقها وقامت بسحب علبة المعجنات ووضعتها فوق ساقيها، والتي كانت تصنعها عفاف يومياً لها وتضعها فوق الطاولة لتحثها على تناول الطعام. وضع فريد كلتا كفيه فوق الطاولة وعلى جانبيها ليحاصر جسدها بين ذراعيه، ثم انحنى بجسده نحوها قليلاً

وهو يسألها بصوته الأجش: -التيشيرت ده بتاع مين؟ أجابته حياة بوميض تسلية واضح في عينيها وهي تتناول إحدى معجناتها اليومية المفضلة "كرواسون": -امممم، بتاعك. عاد فريد ليسألها هامساً بعدما استمع لجوابها: -ولما هو بتاعي بتلبسيه ليه؟ وبعدين في ركن في الدريسنج فوق متلمسش. حنّي عليا والبسي حاجة منه. اخفضت حياة رأسها بخجل، فهو يتحدث عن القمصان التي اختارها لها ولم ترتدِ واحداً إلى الآن، ثم قالت باحمرار: -حاضر.

نظر فريد إليها مطولاً، وإلى عنقها وبداية كتفها الظاهر من ياقة قميصه الواسعة، ثم قال بتفكير وهو يقترب بشفتيه منها: -بس عارفة، التيشيرت أحلى. غيرت رأيي، خليكي لابساه. ابتسمت بسعادة ثم رفعت يدها نحو فمه لتحثه على تناول المعجنات معها. أبعد فمه متفاجئاً بتقطيبه ثم قال بغيره: -حياة، أنا خايف تكوني بتحبي الكرواسون أكتر مني؟ قطبت جبينها مدعية التفكير ثم أجابته مازحة:

-لا يا حبيبي، أنت الأول وبعد كده هو. وبعدين ده مش كرواسون، ده ميني كرواسون. ابتسم لها ببرود ثم قال بملامح متضايقة: -أنا آسف يا ميني كرواسون إني معرفتكش. قاطعته حياة قائلة بخفة: -لا آسفك مرفوض. بص، هو قالي مش هيقبل اعتذارك غير لما تاكل منه معايا. حرك رأسه رافضاً بشدة ثم قال بنبرة عابثة وهو يقترب بشفتيه من شفتيها: -ما تسيبك من البتاع ده وركزي معايا.

ابتعدت حياة عنه مسرعة ثم قامت بوضع إحدى المعجنات بين شفتيها لتصنع حاجزاً بينهما، ثم غمزت له بإحدى عينيها باستفزاز. ضيق فريد عينيه نحوها ثم رفع إحدى حاجبيه بتحدٍ صامت. هل تجبره على أكلها؟

إذاً فلتتحمل نتيجة لعبها معه. هذا ما فكر به وهو ينحني برأسه ببطء شديد، ثم بدأ يقطم قطعة المعجنات المحتجزة بين أسنانها قطمات صغيرة للغاية بتلذذ وتروٍ شديد وهو ينظر داخل عينيها. تابعت حياة ما يقوم به بشغف كبير وهي تفكر بندم، ليتها لم تتحدّاه، فهي لن تستطيع الصمود حتى ينتهي مما يفعله، كأنه يلتهم شفتيها هي وليس قطعة المعجنات. بدأت أسنانها ترتخي فوقها منتظرة وصوله إليها، خصوصاً وأن إحدى يديه قد تحركت وبدأت تتجول فوق ظهرها بحرية. أسقطت حياة المعجنة من بين

أسنانها ثم هتفت باستسلام: -خلاص خلاص، أنت كسبت. مش عايزّاك تأكلها خلاص. ابتسم فريد بانتصار ثم التهم شفتيها على الفور. بادلته حياة قبلته بشغف وجنون حتى انقطعت أنفاسها. ابتعدت عنه بعد قليل وهي تلهث، ثم أخذت نفساً عميقاً لتسمح لرئتيها ببعض الهواء النقي. بدأ فريد يوزع قبلاته فوق وجهها وعنقها بنعومة شديدة. غمغمت حياة باعتراض خافت وهي مغمضة العينين محاولة الابتعاد عنه: -فريد، إحنا تحت.

طبع عدة قبلات متفرقة على طرف فمها ثم سألها هامساً بنبرة مغرية: -عايزة تطلعي؟ فتحت عينيها على توقف قبلاته تنظر داخل عسليته، والتي استحالت للون الداكن من شدة مشاعره، فرأت وميض الرغبة بهما. حاولت إيجاد إرادتها للاعتراض، وقبل فتح فمها للموافقة، سبقتها رأسها تتحرك رافضة دون وعي منها. كان ينتظر هو إجابتها تلك ليبدأ بمشاعره تسطير عشق من نوع آخر، عشق خاص بهم لم تعلمه إلا يده ولم تحبه سوى منه.

في الصباح، استيقظ كل من فريد وحياة على رنين هاتفه الذي دوى داخل الغرفة معلناً عن ورود اتصال جديد إليه. مد فريد ذراعه ليسحبه من فوق الكومودينو ثم أجاب بصوته الناعس بعدما علم هوية المتصل: -إيه الجديد؟ أجابه سمير قائلاً بحماس: -خدت أول 4 أيام يا باشا، وغالباً هيتجدد لها تاني بعدهم. هنا اعتدل فريد من نومته ثم قال بشراسة آمراً، وقد استعاد كامل وعيه بعد سماع ما أرضاه: -نفذ اللي اتفقنا عليه والنهارده. وارجع بلغني.

استمع إلى موافقة رجله الأمين ثم أغلق الهاتف ووضعه مكانه، ثم عاد ليستلقي فوق الفراش مرة أخرى. سألته حياة بصوتها المتحشرج بسبب النعاس مستنكرة: -فريد! أنت مش هتروح الشغل؟ أصدر صوتاً من حنجرته يدل على النفي ثم قال وهو يقترب منها بنبرة طفولية تائهة: -عايز أنام في حضنك شوية، ينفع؟

فتحت ذراعيها وهي تبتسم وتحرك رأسها له موافقة وعيناها تلمعان بحب. أخفى رأسه في المسافة الواقعة بين كتفها وعنقها مغمضاً عينيه ومستمتعاً بالهدوء الداخلي الذي يجتاحه منذ البارحة من بعد سماعه اعترافها بحبه. ياله من حلم بعيد ظل أياماً وأياماً يركض إليه ويسعى إلى تحقيقه حتى أصبح اليوم حقيقة ملموسة بين يديه. المرأة الوحيدة التي أحبها في حياته والتي وقع في غرامها منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها، أصبحت الآن ملكه بقلبها وعقلها وجسدها. تنهد بارتياح

شديد ثم سألها بصوت مكتوم: -حياة، أنا مش بحلم صح؟ يعني كل اللي حصل بينا من امبارح ده حقيقة؟ حركت ذراعيها تحاوطه وتشدد من احتضانها له لتطمئنه، ثم قامت بطبع قبلة ناعمة فوق مقدمة شعره قبل أن تستند بذقنها فوق رأسه متمتمة بحب: -لا يا حبيبي، مش بتحلم. أنت هنا دلوقتي ونايم جوه حضني بعد 4 أسابيع اتحرمت فيهم منك. لاحت ابتسامة سعادة فوق شفتيه ثم سألها مازحاً: -أنتي عداهم؟ أجابته بجدية شديدة:

-باليوم. لا بالساعة كمان. صدقني لو قلتلك معرفش عدوا عليا إزاي. بس كنت بصحى كل يوم على أمل إن النهارده تحصل معجزة ترجعنا لبعض زي الأول. طبع قبلة فوق عنقها ثم غمغم قائلاً بضيق: -كله بسببهم. صمت لوهلة ثم أردف يقول بهدوء: -حياة، عايز أقولك على شوية حاجات حصلت. قالت وهي تمسح فوق شعره بحنان: -قول يا قلب حياة. أخذ نفساً عميقاً ثم قال بهدوء:

-أنا عارف إني اتأخرت في الخطوة دي، وعارف إن تأخيري ده كان السبب في خسارة حاجة مهمة أوي لينا احنا الاتنين. بس مكنش ينفع أتحرك وأوقف نجوى عند حدها وأنا مش ماسك حاجة في إيدي أو أوعدك بحاجة مش متأكد منها. عشان كده كل مرة كنتي بتسأليني هعمل إيه معاها مكنتش بلاقي رد. وعشان كده برضه كنت سايبها تغلط كمان عشان أخلص منها بشكل نهائي. بس دلوقتي أقدر أقولك إن نجوى اتقبض عليها. وانها مش هتقدر تتدخل فى حياتنا تانى ولا هتعمل مشاكل.

شعر بجسدها يتصلب تحت ذراعه بمجرد ذكره لاسمها، فأردف يقول بنبرة متفهمة: -أنا عارف إنك بتضايقي من سماع أي حاجة عنها.. بس أنا عايز أحكيلك على كل اللي حصل. رغم انقباضة صدرها التي شعرت بها بمجرد سماعها لاسمه، إلا أن سعادتها لطلبه مشاركتها طغت على ضيقها منها، لذلك تحدثت تقول بنبرة مختنقة من السعادة: -طول ما أنت معايا مفيش حاجة ممكن تضايقني. ابتسم بانتشاء لشعورها ذلك، فأردف يقول بهدوء:

-هي حصلت حاجات كتير مش عارف أرتبها، هحكيها لك زي ما هي. أولها.. إن نجوى كانت السبب في حادثة التسمم بتاعتك. في الأول أنا شكيت في جيهان، بس بعدها الراجل اللي اعترف على عزة كلامه وداني في سكة تانية. في الأول كان صعب أعرف هي مين، بس بعد كده بدأت خطواتنا كلها تروح في اتجاه نجوى، رغم إنه عطاني اسم مستعار. وطبعًا شكي زاد لما لعبت في ملفك. وبعدها اتأكدت، بس مكنتش عارف أوصل لدليل لأنها كانت مأمنة نفسها كويس. بس في الأخير عرفنا نوصلها. حياة نجوى عملت حاجات كتير وحشة أوي، وآخرها إن نجوى خلت نيرمين مدمنة عن قصد.

شهقت حياة بصدمة ثم سألته بعدم تصديق: -تسممي أنا!!! وبعدين نجوى ونيرمين!!! بعد اللي عملوه فينا سوا!!! مش معقول!!! حرك رأسه داخل تجويف عنقها مؤكداً، ثم اردف يقول بنبرة متصلبة: -تخيلي.. لولا إن الولد اللي اتفقت معاه عليها اعترف ليا، يمكن كنت استغربت زيك. بس أقولك بصراحة.. هي دي نجوى. طول عمرها بتعمل كل حاجة لمصلحتها وبس. عمرها ما حبت ولا هتحب حد غير نفسها. عرفتي بقى أنا ليه بكرهها! أجابته بخجل لا تصدق ظنونها بهم سوياً

في يوم من الأيام: -عرفت.. طب ونيرمين حصل فيها إيه؟ أعاد رأسه للخلف حتى يتسنى له رؤية خجلها الذي ظهر واضحاً في نبرتها، ثم قام بطبع قبلة متفهمة فوق ذقنها وعاد ليخفي رأسه داخل عنقها مرة أخرى مستطرداً حديثه:

-نيرمين بقالها حوالي أسبوعين في مصحة. أكيد جيهان مش هتسيب بنتها تضيع منها. ونجوى اتحبست ٤ أيام على ذمة التحقيق بعد ما اللي اجرته عشان يسممك اعترف عليها، وبعد ما اتمسكت في المطار بمخدرات. بس وحياتك عندي لهدفعها تمن اللي عملته فيكي، واللي عملته في ابني اللي ملحقتش أفرح بيه بسببها هي ونيرمين. أجفلت حياة وتوقفت يدها عن تمسيد شعره، ثم قالت بتوسل:

-فريد.. عشان خاطري انساها بقى. بص مادام أنت معايا أنا مسامحة الدنيا كلها. كفاية أنت عليا وكفاية إننا نعيش سوا مبسوطين. لم يقتنع بحديثها بالطبع، فأردف يقاطعها معترضاً: -لو انتي مسامحة أنا مش مسامح في فرحتي اللي ضيعوها مني قبل ما أعرفها. أبعدت جسدها عنه قليلاً حتى تستطيع رؤيته، ثم قالت بنبرة شبه متوسلة:

-عشان خاطري انساهم. لو بتحبني بجد انساهم. أنا عايزة أبدأ صفحة جديدة من غيرهم. من غير خططهم ولا غلهم ولا إني حتى أسمع اسمهم بينا. فريد طول ما أنت بتفكر فيهم هما هيفضلوا بينا، ولو فضلوا بينا مش هنعرف نرتاح ولا نعيش حياتنا طبيعية. عشان خاطري وحياة أغلى حاجة عندك انساها عشان ربنا يكرمنا من جديد ونقدر نفرح. لم يعقب على حديثها، ولكنها رأت لمحة من اللين في نظراته، فاستطردت تضيف وهي تعود لتحتضنه بحب وتقبل رأسه:

-وحياة أولادنا اللي إن شاء الله ربنا هيفرحك ويعوضك بيهم. أوعدني على الأقل متعملش حاجة من غير ما تقولي في الموضوع ده بالذات. لأنه يخصني زي ما يخصك. تنهد فريد مستسلماً، ثم قال على مضض بعدم اقتناع: -أوك.. عشان خاطرك هأجل الموضوع ده شوية. كانت تعلم أن جملته تلك هي أقصى ما ستصل إليه اليوم، لذلك تقبلته برضا، ثم غمغمت بعشق: -يسلم خاطرك.. ربنا ميحرمنيش منك أبداً. أجابها فريد بحب: -ولا منك يا حياة قلبي.

بعد عدة دقائق من الصمت، استوعبت حياة كل ما تفوه به فريد، هتفت اسمه بتفكير: -فريد!!! .. عايزة أقولك حاجة. أنت فاكر بليل لما قلتلك وائل كان عايز يقولك حاجة بخصوص نيرمين وأنا وقفته. تفتكر عرف عنها حاجة وكان عايز يبلغك؟!!! أكيد ده السبب اللي خلاه يكلمني. أخذ فريد يفكر بتمعن في حديثها، ثم قال بهدوء:

-ممكن.. خصوصاً إن حاول بعدها كذا مرة يكلمني. عمتا هبقى أفضى في يوم وأكلمه أشوف عايز إيه. بس خليكي انتي بعيدة عنه وعن الموضوع ده، فهماني!!! ابتسمت حياة لغيرته الخفية، ثم قالت موافقة، ففي كل الأحوال لم ترد أحزانه من أجل لا شيء: -حاضر والله مش هدخل في حاجة تاني. أنا وعدتك وبعدين أنا اتعلمت درسي خلاص. اعتلت ثغر فريد ابتسامة رضا بعدما استشعر صدق حديثها ونبرتها، ثم اردف يقول بنبرة خجلة: -حياة.. عايز أعترفلك بحاجة كمان.

اعتراف آخر منه!!! إنه حقاً يوم سعدها. بالطبع تريد الاستماع إلى كل اعترافاته وكل مكنونات صدره بلا توقف، لذلك قالت مندفعة بحماس: -أنا سامعاك بقلبي وروحي، ولو عليا مش عايزاك تبطل كلام. شدد من احتضانه لها، ثم قال دفعة واحدة:

-دادا آمنة هي اللي ساعدتني أوصلك. وكل الكلام اللي حصل بينك وبينها كان باتفاق بينا. بصراحة لما شافتني هتجنن عليكي كده ومش عارف أوصل لمكانك، هي قالتلي إن ليكي زميلة في مدينة تانية ساعات كانت بتقعد عندكم أيام الدراسة وممكن انتي تلجأيلها بما إنها مش من هنا. وفعلاً بعتت حد يتأكد من كلامها، ولما بلغني إنك عندها جتلك على طول. بس قبلها مامتك قالتلي أعمل عليكي التمثيلية دي عشان دي الحاجة اللي كانت هترجعك معايا.

شهقت حياة بذهول، ثم قال بعدم تصديق: -ماما!!! وأنت!!! بجد!!! يعني أنت مهددتهاش!!! ولا كان في حد عايز يطلعها من البيت؟!!! أصدر صوتاً من حنجرته يدل على النفي، فأردفت حياة تقول بتأكيد: -آه طبعاً وأنا مستغربة ليه. أصلاً ماما طول عمرها في صفك وكان لازم تساعدك. صمتت قليلاً، ثم استطردت قائلة بعدما تغيرت نبرتها للخجل هي الأخرى:

-فريد عارف.. بصراحة أنت مكنتش محتاج تقولي أي حاجة. أنا من أول لحظة شفتك فيها قدامي هناك كنت عارفة إني هرجع معاك من غير ما تطلب. لأن كان فيه جزء جوايا بيتمنى كده، والحمد لله إنه اتحقق حتى لو كان التمن صعب علينا. كفاية إني معاك دلوقتي. تنهد فريد بحرارة وابتعد عنها قليلاً، رافعاً رأسه في اتجاهها، ثم بدأ يقبلها بحنان. بادلته حياة قبلته بعشق ورغبة، حتى ابتعد عنها، ثم قال بعيون داكنة: -في حاجة أخيرة لازم تعرفيها.

لم تجد صوتها لتجيبه، فقط أومأت برأسها مستمعة، فتنحنح هو قائلاً بجدية شديدة: -حياة.. أنا عايزك تعرفي كويس وتتأكدي إني عمري ما لمست واحدة قبلك. لا بإرادتي ولا غصب عني. لا وأنا واعي ولا غلطة. فاهماني. وبعدين حياة العك دي كلها أنا سبتها من ساعة ما تعبتي. أومأت له رأسها موافقة بخجل، ثم تمتمت بإحراج قائلة: -بس أنت عمرك ما قلتلي ده. أجابها مبتسماً وهو يتأمل احمرار وجنتيها:

-واديني بقولك أهو. أنا من زمان وعدتك إني عمري ما هتجوز واحدة غيرك. وأنا عند وعدي لآخر يوم في عمري. عانقته حياة بحب وأخفت وجهها في كتفه وهي تغمغم بصوت مختنق من السعادة متأثرة بحديثه: -أنت عارف.. أنا كل يوم بتأكد إن قراراتك هي اللي صح. وأولهم إنك صممت نتجوز حتى لو غصب عني. عشان وقتها أنا كنت غبية وبعاند نفسي قبل ما بعاندك. فريد أنا بحبك بجد. شدد هو من لف ذراعيه حولها، ثم أجابها بهيام:

-وأنا بحبك أكتر يا قلب وروح وعقل فريد. طبعت قبلة فوق وجنته، ثم تمتمت بدلال: -ربنا يخليك ليا. *************

في المصحة، خرجت جيهان من غرفة الطبيب المعالج لابنتها وهي تجر أذيال الخيبة وراءها. فبعد مرور ما يتعدى الأسبوعان لا يوجد أي تحسن ولو طفيف في حالتها، وها هو الطبيب يخبرها الآن بعدم استجابتها للعلاج، أو بالأدق عدم رغبتها في تقبل العلاج أو استعدادها للشفاء من هذا الإدمان. لماذا حدث ذلك لابنتها، بينما ابن غريمتها على قيد الحياة يتمتع بكل تلك السلطة والنفوذ والصحة؟!!

هذا ما فكرت به بحقد وهي تتذكر زيارتها لمنصور الجنيدي منذ عدة أيام، وكيف أقنعته حتى يعطيها مهلة إضافية من أجل خطة تهريبه، بعدما شرحت له نيتها في قتل فريد. وبالطبع وافقها بحماسه، فهو من زج به داخل الحبس من الأساس، وفي النهاية هو أيضاً يريد الانتقام.

هزت رأسها بحسم: نعم لن تتوانى عن الخلاص منه. ستنهي حياته ثم حياة غريب بعدها، وتأخذ إرثها وابنتها وتترك البلد بأكملها. ولكن أولاً، وقبل كل شيء، عليها التخطيط جيداً حتى تكلل خطتها بالنجاح دون أي أخطاء. *************

في الصباح التالي، وبالتحديد في مشفى السجن العام، خطى فريد داخل إحدى العنابر المحجوزة بها نجوى بخطوات ثابتة. دلف الغرفة وتوقف أمامها يتأملها وهي غافية بضعف فوق أحد الأفرشة القذرة في غرفة تملؤها رائحة الرطوبة والعفن، ويتشاركها معها عدد من المرضى الآخرين. انحنى بجزعه فوقها، ثم همس اسمها بنبرة خفيضة لإيقاظها، فالتفت برأسها تنظر نحوه في الحال. فيبدو أنها لم تكن غافية من الأساس، أو ربما هذا ما خُيّل إليه. حدقها بعده نظرات محتقرة يتأمل كل ما وصلت إليه، خاصة وهي تهتف اسمه بعدم

تصديق كأنه طوق نجاتها: -فريد!!! هز فريد رأسه موافقاً، ثم قال بشماتة: -أيوه فريد اللي اتبليتي عليه وزورتي صورة وامضته عشان تخربي بيته. إيه رأيك وانتي مرمية كده وسط الزبالة من غير حد يسأل عليكي؟ جربتي إحساس حياة اللي كنتي عايزة تسمميها وتخلصي منها؟ جحظت عيني نجوى للخارج، ثم هتفت بعدم تصديق: -أنت!!! هز فريد رأسه بشراسة وهو يرمقها بنظرات كارهة قائلاً بنبرة عدائية شديدة: -عارفة أنا جيتلك ليه مع إني مش طايق أشوف وشك؟

عشان فريد لما بيعمل حاجة مبيستخباش زي الفار. بيواجهه. انحنى برأسه أكثر حتى وصل إلى أذنها، ثم اردف يقول هامساً بداخلها: -كده حق حياة ونيرمين، رغم إن حق نرمين ميهمنيش. فاضل حق ابني اللي راح بسبب خطتك القذرة. وصدقيني لولا وعد قطعته لحد مهم عندي، كان زمانك بتدفعي تمنه دلوقتي كمان. أنهى جملته تلك واعتدل في وقفته، ثم رمقها بعدة نظرات مشمئزة قبل مغادرته ذلك المكان بأكمله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...