الفصل 30 | من 34 فصل

رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثلاثون 30 - بقلم شيماء يوسف

المشاهدات
22
كلمة
5,069
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

في غرفه وكيل النيابه جلست جيهان تنتظر بتوتر دخول منصور في اي لحظه. ترى ما سبب تلك الرغبه الملحه في رؤيتها؟ لا يهم، هي فقط تتمنى ان تمضي تلك الزياره على خير والا يورطها معه في شئ جديد. هذا ما فكرت جيهان بحنق وهي في انتظاره.

دلف منصور الغرفه بثقه ثم سحب المقعد المقابل لها وجلس فوقه بتفاخر كعادته. قطبت جيهان جبينها تنظر إليه باستنكار، فهيئته وملابسه لا توحي ابدا بمعاملته كمتورط في قضيه قتل. ابتسم منصور لها بسماجه وهو يسألها بسخريه محاولا اللعب باعصابها: -ايه يا جيجي هانم .. لازم ابعتلك عشان اشوف وشك الجميل ده! .. معقول هان عليك منصور شريكك .. ضغط على حروف كلمته الاخيره بنبره ذات مغزى جعلت جيهان تزدرد لعابها بصعوبه وهي تجيبه بنبره متوتره:

-عايز ايه يا منصور! انت عارف ان وضعي حساس ومكنش ينفع ازورك ابدا عشان الشكوك .. اجابها منصور بكلمه واحده وهو يبتسم لها بشراسه: -حريتي .. سألته جيهان باستنكار: -حريتك؟!!! اومأ رأسه لها موافقا ببرود ثم قال مؤكدا باقتضاب: -بالظبط .. عادت جيهان تسأله باستهجان: -وانا هعمل ايه في حريتك يا منصور ؟!!!! مط منصور شفتيه كعلامه على استيائه ثم اجابها بنبره خفيضه موتره:

-ما بلاش لف ودوران يا جيجي هانم .. ولا انت فاكره اني دخلت السجن وانتي هتفلت بعملك؟ مظنش انك شايفاني غبي كده .. سألته جيهان مستفسره وقد بدء الرعب يتملك منها: -قصدك ايه .. وبعدين انت متقدرش تثبت حاجه عليا .. حتى لو اتكلمت مفيش حاجه تثبت كلامك ده .. اتكأ منصور بجسده فوق مقعده ثم سألها بشك: -متأكده؟ اجابته جيهان بثقه وهي تحرك كتفيها بعدم اهتمام: -اها .. اتفقنا كان كلام وبس .. لا في بينا ورق ولا انا ساعدتك في حاجه تاني ..

ابتسم منصور باستهزاء ثم اجابها بنبره خفيضه مستمتعا بقلقها: -عندك حق .. مكنش في بينا ورق .. صمت قليلا ليضيف بعض الإثارة لحديثه ثم اردف يقول بخبث: -بس في تسجيل بصوتك الحلو ده واحنا بنتفق هنخلص من فريد ومراته ازاي .. شهقت جيهان بصدمه ثم قالت بعدم تصديق: -كدب .. اومأ منصور رأسه لها موافقا بخضوع ثم قال بعدم اهتمام:

-عايزه تصدقي انه كدب صدقي .. قدامك بالظبط اسبوعين تكوني رتبتي طريقه هروبي من هنا .. بعد الاسبوعين بيوم هعترف انك شريكتي في كل حاجه وهقدم التسجيل .. هتفت جيهان به بحنق مستفسره: -وانا ههربك ازاي انت بتهزر .. كده غريب وفريد هيشكوا فيا !!! هز منصور كتفيه بعدم اهتمام ثم اجابها وهو يعتدل في وقفته: -مش مشكلتي انتي خططك كتير ومعارفك اكتر ومش هتغلبي .. اسبوعين بالظبط والاقيكي قدامي بتقوليلى ان كل حاجه جهزت ..

انهى جملته وتحرك بجسده للخارج طالبا من فرد الامن اعادته للزنزانه تاركا جيهان ترتجف رعبا من فكره كشف امرها.

في إحدى القرى البعيده والتابعة لمحافظه دمياط جلست حياة تنظر بشرود من خلف النافذه الحديديه في إحدى غرف منزل صديقتها منذ الدراسه ريهام. ان ريهام هي الاختيار الأمثل بالنسبه لحياة في الوقت الحالي وذلك بسبب تواجدها في مدينه اخرى مما يصعب على فريد عمليه البحث عنها. فريد.. مجرد التفكير به جعل قلبها يعتصر ألما من شده الشوق إليه. فقد مضى اسبوع على رؤيتها له وحوالي ٤ ايام منذ سماعها صوته. تشتاقه؟

لقد تعدى شوقها له حدود العقل والقلب. بدأ الدموع تعود لتبلل وجنتيها كعادتها منذ تركته. احتضنت تلك القماشه الغاليه على قلبها والتي تتمسك بها ككنزها الثمين منذ هروبها تنظر بداخلها. تنهدت بشوق وهي تتذكر يوم زفافهم يوم سلمها إياها وكيف وقعت في حبها على الفور. مثلها مثل صاحبها. "قلبي يحدثني بأنك متلفي". ابتسمت بحنين واناملها تتلمس تلك الحروف المنقوشه ببراعه مذهله. هو من أتلف قلبها. هذا ما فكرت به بحزن وهي تطبع قبله عاشقه

فوقها. مسحت بأصابع مرتجفه بعض العبرات الساقطه فوق وجنتها ثم انزلق كفها لتمسد بحنان بطنها وتهدهد تلك القطعه الصغيره منه والتي تنمو بداخلها. لقد فعلت كل ذلك من اجله. لو كان الأمر مقتصرا عليها لحاربت حتى اخر رمق بها من اجل زواجها. لكانت ركضت عائده إلى احضانه تتلمس بداخله الراحه والامان. ولكن اكثر ما تخشى عليه هو طفلها الذي لم يولد بعد. تخشى ان يلاقي مصير والده على يد طفل غريمتها والتي تمقتها حد الموت. تنهدت بحزن وهي

تستند برأسها فوق الأسياخ الحديديه للنافذه الصغيره. هل مازال يفكر بها؟

وما هي رد فعله عن هروبها؟ هتفت بقهر متضرعه "يارب". فكل ما تتمناه تلك الايام ان يربط الله على قلبها حتى تستطيع تخطي ذلك الألم الغير محتمل الذي يعتصر قلبها ويزهق روحها حزنا على فراقه. اغمضت عينيها بوهن وقد عاد ذلك الألم الجسدي ليضربها من جديد. زفرت عده مرات في محاوله منها لتخفيفه وهي تدلك بطنها برفق حتى بدأ يخفت ويتلاشى كعادته منذ يومان.

ظلت ريهام تراقب حال صديقتها والتي منذ وصولها بهيئتها الشاحبه وطلبها الغريب في المكوث معها عده ايام تشعر بوجود خطب ما بها. والأسوأ انها تمتنع عن الطعام والشراب وتظل هكذا تنظر إلى الفراغ اليوم بأكمله. هتفت ريهام باسمها عده مرات حتى انتبهت لها حياة والتفت تنظر إليها ببطء. سألتها ريهام وهي تقترب منها وتربت فوق كتفها مشجعه: -وبعدين بقى يا حياة .. انتي لسه برضه مش عايزه تاكلي؟ هزت حياة رأسها على مضض نافيه فأردفت

ريهام تقول بنبره عطوفه: -يا بنتي انتي بقالك ٤ ايام اهو لا بتاكلي ولا بتشربي .. شويه وهتموتي من قله الاكل!! .. ومش عايزه تقولي فيكي ايه .. مش معقول اللي بتعمليه في نفسك ده مهما كانت المشكله ليها حل.. ضغطت حياة فوق شفتيها تحاول السيطره على سيل الدموع المهدد بالانفجار في اي لحظه. استطردت ريهام تسألها بتوسل مستفسره: -طب قوليلى بس وريحيني .. والدك زعلك زي ما كان بيعمل ايام الكليه؟

هزت رأسها مره اخرى نافيه دون تعقيب. زفرت ريهام باستسلام ثم قالت وهي تهم في الوقوف: -طيب انا مش هضغط عليكي لما تحبي تتكلمي انا موجود وهسمعك .. بس دلوقتي عشان خاطري كلي اي حاجه لحد ما انزل اشتري شويه طلبات وارجع .. ماشى؟ هزت حياة رأسها موافقه بصمت وهي تبتسم لها بخفوت. بادلتها ريهام ابتسامتها باخرى مشجعه وهي تلوح لها بيدها قبل اختفائها خلف باب المنزل الذي أغلقته خلفها بإحكام.

بعد ما يقارب نصف ساعه سمعت حياة عده طرقات فوق باب المنزل الخشبي الشبه متهالك. قطبت جبينها وهي تفكر باستنكار. ترى هل نست ريهام مفتاح المنزل؟ فتلك مرتها الأولى التي تقرع بها الباب. ربما تحمل الكثير من الأشياء والتي تمنعها من استخدامه. هذا ما فكرت به حياة مبررة وهي تتحرك ببطء نحو الباب لتفتحه.

شهقت بصدمه وهي تتحرك عده خطوات للخلف مذعوره ونظرها مسلط عليه بهيئته المشعثه ونظراته الغاضبه المسلطه فوقها. هل هو امامها حقا ام ان عقلها يخيل لها ذلك من كثره شوقها؟ رفرفت برموشها عده مرات لتتأكد مما تراه امام عينيها الان. همست اسمه بعدم تصديق بعدما تأكدت من وقوفه امامها حقا: -فريد .. هز رأسه مؤكدا بشراسه وهو يتحرك في خطوات ثابته نحوها حتى دلف داخل المنزل واعطى امرأ لحراسه قائلا بجمود شديد: -خليكم هنا ..

انهى جملته واغلق الباب خلفه بحدة قائلا بنبره ناعمه كالحرير وهو يرفع حاجبيه معا: -فريييد .. جوزك .. قبض على ذراعها بقوه وغرز اظافره داخل مرفقها مما جعلها تتأوه بخفوت ثم اضاف بشراسه وهو يضغط على حروف كلماته: -اللي فكرتي نفسك ذكيه بزياده عشان تهربي منه .. همست اسمه بتوسل ليتركها فهتف بحدة يقاطعها باشمئزاز: -اياكي .. إياك تنطقي اسمي ده على لسانك تاني فاهمه !!!

رفعت رأسها بتوجس تنظر لملامح وجهه لعلها تستنبط شئ منها. كان وجهه لا يفسر من شده الغضب مع نظرات الاشمئزاز التي يرمقها بها للمره الأولى في حياتها. تسمرت نظراته فوقها وهو يرى بكائها بصمت ثم دفعها بحدة فوق الأريكة البسيطة الموضوعه بمدخل الغرفة قبل سحبه لأحد المقاعد الخشبية والجلوس قبالتها بطريقة عكسية. ابتلعت حياة لعابها بصعوبه محاوله استجماع جزء بسيط من شجاعتها او ثباتها امامه فلو كانت النظرات تقتل لسقطت صريعه أمام حده نظراته. تحدث فريد بنبره عدائيه للغايه ربما سمعته يحدث بها اعدائه ولكن هي!!

يبدو ان ذلك اليوم سيحدث به الكثير من الأشياء للمره الأولى. هذا ما فكرت به حياة بذعر وهي تستمع إليه يقول: -قولي ان اللي عملتيه ده ليه علاقه بزيارة نرمين ليكي عشان صدقيني دي فرصتك الوحيده اللي ممكن اديهالك .. لا لقد قطعت شوطا كبيرا فيما قررت فعله ومن نظراته لها علمت انها خسرت رفقه معها وربما حبه ولم يتبقى لها سوى طفلها لحمايته لذلك اخذت نفسا عميقا ثم اجابته بشجاعه هشه:

-محدش ليه علاقه باللي عملته .. انا اللي مش عايزه اكمل .. ولو سمحت خلينا ننفصل بهدوء .. بمجرد سماعه جملتها انتفض من جلسته ودفع المقعد بقدمه ثم جذبها من مرفقها مره اخرى حتى تقف قبالته ثم قال باحتقار وقوه: -مش فريد اللي مراته تهرب منه .. وبرضه مش فريد اللي واحده تقوله انها عايزه تسيبه حتى لو كان روحه فيها .. يوم ما زهقت منك انا اللي هرميكي .. زي بالظبط ما كان جوازنا مش بمزاجك انفصالنا برضه مش بمزاجك ..

كان صدره يعلو ويهبط من شده الانفعال رغم انخفاض نبرته اما عن وجهه فقد تحول إلى قطعه قرمزية من شده الغضب والضغط فوق فكه. كانت تعلم انها تجاوزت معه الحدود التي من الممكن ان يقبل بها وانها كانت تتمسك بسراب ولكن طفلها يستحق تلك المحاوله لذلك سألته بتوجس: -قصدك ايه؟ اقترب منها حتى شعر بأنفاسه الساخنة السريعة تلفح وجهها، ثم أجابها بنبرة شرسة ولكن خفيضة تشبه الفحيح:

-يعني في مليون طريقة أرجعك بيها تحت رجلي تاني، أولهم الطاعة. شهقت حياة بفزع من قسوته، وبدأ جسدها يرتجف تحت لمسته، ناهيك عن رجفتها الداخلية التي أصابتها منذ رأته أمامها، فذلك الجانب منه يخيفها حتى الموت. أردف فريد حديثه بنبرة واثقة: -بس أنا مش عاجز عشان أرجع مراتي بالمحاكم. سألته حياة بنبرة مرتجفة للغاية: -قص.. قصدك إيه؟

ابتسم بشراسة وهو يخرج هاتفه من جيب سترته، ثم ضغط على عدة أرقام وقام بتفعيل مكبر الصوت، منتظرًا إجابة الطرف الآخر. استمعت حياة إجابة الطرف الآخر، ثم هتفت بصوت باكٍ: -ماما. أجابتها آمنة بنبرة قلقة متسائلة: -حياة.. بنتي.. انتي بتكلميني من تليفون فريد ليه؟ ومال صوتك؟ ومين الناس اللي واقفين حوالينا دول يا بنتي؟ بيت إيه ده اللي هيمشونا منه أنا وأبوكي؟

أنا مش فاهمة حاجة، ومحدش عايز يطمني، عايزين يرمونا في الشارع على آخر الزمن يا حياة. رفعت حياة رأسها تنظر بقهر لفريد الذي كان يقف أمامها بتفاخر، وعلى ما يبدو بدأ هدوئه بتلك المكالمة يعود إليه. بالطبع لم لا يعود إليه وقد التقطت تهديده لها بوضوح. أخذت نفسًا عميقًا لتهدئة خفقات قلبها، ومسحت بأناملها دموعها المنهمرة، ثم أجابت والدتها بنبرة حاولت قدر الإمكان مطمئنة:

-متخافيش يا ماما، مفيش حاجة، ده أكيد سوء تفاهم مش أكتر. محدش هيتحرك من بيته ولا حد هيقدر يطلعك منه. نطقت جملتها تلك وهي تنظر داخل عينيه بنظرة ذات مغزى جعلته يلوّي فمه بابتسامة رضا. فرغم كل شيء، هو يعلم جيدًا نقطة ضعفها ويعلم أنه إذا ضغط عليها بالأسلوب المناسب ستنصاع لكافة أوامره. أنهت مكالمتها مع والدتها، ثم قالت بخضوع تام دون النظر إليه: -هدخل أغير هدومي وأجيب شنطتي.

لم يعقب على جملتها، فقط اتبعها نحو الداخل، فهو لا يضمن تفكيرها. بدلت ثيابها، حيث أنها كانت ترتدي إحدى منامات زميلتها البيتية، وارتدت الثياب التي كانت وضعتها داخل حقيبة يدها عند الهروب تحت نظراته الجامدة، ثم التقطت حقيبة يدها وتحركت مرة أخرى نحو الخارج.

في تلك الأثناء، عادت صديقتها للمنزل محملة بعدد من الحقائب البلاستيكية والتي تحوي عدة مستلزمات للمنزل. تفاجئت بمجرد وصولها لباب منزلها بعدد من الأجسام الرياضية العريضة التي تقف أمامه وتغلق مدخل المنزل كأنهم حرس الرئاسة. حاولت المرور من بينهم، فقام كبير حراسه بمنعها. دفعته ريهام بقوة وعنف غير عابئة بالفارق الجسدي بينهم، وهي تصرخ بقوة: -أوعى، ده بيتي، انت مين عشان تمنعني؟ أنا هدخل يعني هدخل.

التفت كلا من حياة وفريد على أصوات الصراخ بالخارج، وكان هو أول من تحرك نحو الباب يستكشف الأمر. فتح باب الباب بهدوء، فتفاجئ بريهام تدفعه هو الآخر، بعدما أومأ لحارسه بتركها والركض نحو حياة تسألها بلهفة: -فيه إيه؟ مين دول؟ وأهم حاجة انتي كويسة؟ حد عملك حاجة؟ جاءتها الإجابة من خلفها بصوت فريد يقول بنبرة متهكمة: -متخافيش عليها من جوزها. التفت ريهام تنظر نحوه بحدة عدة لحظات متفاجئة، ثم عادت برأسها تنظر نحو

حياة وهي تسألها باستنكار: -اللي بيقوله الأستاذ ده حقيقي؟ أومأت حياة رأسها موافقة بخفوت، وقد عادت الدموع تنهمر من عيونها مرة أخرى. سيكون ملعونًا إن تساهل معها. هذا ما فكر به فريد وهو يضغط فوق كفه بقوة مقاومًا رغبة ملحة في التقدم منها ومسح عبراتها المنسكبة. عادت ريهام لتسألها بنبرة أقل تحفزًا، مستفسرة بعدما لاحظت استعداد حياة للرحيل: -على فكرة أنا ممكن أطلب البوليس دلوقتي وأعمله قضية تهجم لو كان بيجبرك على حاجة.

أجابتها حياة بلهفة نافية: -لا.. لا.. معملش حاجة.. أنا هروح مع فريد. سألتها ريهام بتشكك وعينيها تنتقل بينهم: -انتي متأكدة؟ هزت حياة رأسها للمرة الثالثة موافقة بصمت، ثم احتضنت صديقتها بحب وهي تشكرها على كل ما فعلته معها منذ قدومها، قبل تحركها معه نحو الخارج. قادها فريد للأسفل وهو ممسكًا بذراعها، ووضعها داخل السيارة، ثم أغلق الباب خلفها جيدًا، قبل أن يتحرك نحو الباب الآخر ليجلس جوارها طالبًا من سائقه التحرك على الفور.

تحركت سيارته أولًا على طول الطريق الضيق غير الممهد، وتحركت خلفه سيارة حراسته. جلست حياة جواره بصمت مثقل، فحتى ذرات الهواء بينهم محملة بالكثير من التوتر. أسندت رأسها فوق مقعد السيارة، وقد شعرت بذلك الألم يضرب أسفل بطنها ومؤخرة ظهرها مرة أخرى. أغمضت عينيها بإرهاق محاولة سحب نفسها من ذلك الجو المشحون بينهم، علّ وعسى تسترخي عضلاتها ويسترخي معه طفلها.

بعد فترة من الصمت، كان فريد يراقب خلالها الطريق الزراعي، شعر برأسها تستند فوق كتفه. التفت بحدة ينظر إليها، فوجدها غارقة في ثبات عميق. أغمض عينيه بقوة هو الآخر، يقاوم رغبته في احتضانها وسحقها بين ذراعيه. زفر عدة مرات محاولًا إيجاد إرادته والسيطرة على انحراف مشاعره الذي انتابه منذ وضعت رأسها فوق كتفه. حركت هي كفها تتمسك بساعده بقوة، كأنها تستمد منه العون أثناء نومها. أي جحيم هذا الذي أوقعه في طريقها؟

ولماذا هي دون كل النساء مفاتيحه بيدها؟ هذا ما فكر به بسخط وهو يتأمل تشبثها به كطفل صغير كأنها دميته الكبيرة. لوى فمه بسخرية. لقد أصبح فعلًا دميته. تحركه بنظرة واحدة من عينيها وتطفئ غضبه بلمسة حانية من يدها. لقد أصبحت كالإدمان بالنسبة له. تتحرك بين عروقه كيفما شاءت وأينما شاءت. داؤه ودواؤه، ناره وجنته، ضعفه وقوته. هل تعلم ما مر به منذ سماعه خبر اختفائها؟ كيف استقبل خبر اختفائها وظنه أنها خطفت؟

كيف ترك كل ما حوله واستقل طائرته الخاصة من أجل العودة والبحث عنها؟ هل تعلم أنه لم يغمض له جفن منذ أربع ليالٍ؟ وأنه استأجر معظم شركات الحراسة المغمورة قبل المعروفة للبحث عنها في كل المناطق والمدن الممكنة الذهاب إليها؟ هل تعلم أنه ولأول مرة في تاريخه سمح لشخص ما رؤية ضعفه؟ ولولا مساعدة والدتها له لما تمكن من إيجادها بتلك السرعة، ولا تمكن أيضًا من إعادتها معه.

أجل، لقد شاركته والدتها وصديقة والدته ذلك المخطط حتى يجبرها على العودة معه بعدما أخبرته عن شكوكها بشأن صديقتها ريهام القادمة بمحافظة أخرى. لا، ويدرك جيدًا استحالة علمها في يوم حبه غير المتبادل. كان يظن ولكن خاب ظنه. لقد أخطأ، لاول مرة في حياته، في تقدير أمر ما. بالطبع سيخطئ. كيف يستطيع تقدير الأمور بشكل صحيح وعقله أمامها ينقلب رأسًا على عقب، وليس فقط قلبه؟

لقد وسوست له أفكاره أن تلك النظرات التي ترمقه بها هي حب، ولكن هيهات! فمن يحب حقًا لا يؤلم، لا يترك، ولا يهرب. تململت هي في نومها وأصدرت تأوهًا خفيفًا من صعوبة الطريق غير الممهد، فوجد نفسه دون مقدمات يهتف في سائقه بحدة ويأمره بالتمهل في القيادة. رفع إصبعه يتلمس ذلك الانتفاخ أسفل عينيها من كثرة البكاء.

لا، هذا ما هتف به داخليًا وهو يعيد كفه لجواره. فكلما غمد غضبه منها يتذكر لحظة إمساكه هاتفها ورؤيته لرقم شريكه يزين شاشته. بالطبع كان هاتفها بنظام بصمة الإصبع، فلم يستطع الولوج بداخله والبحث به براحة حتى يتأكد من شكه الذي يساوره. ولكن صبرًا، فلكل مقام مقال. هذا ما وعد به نفسه ليهدأ من ثورة غضبه. لقد أتم هدفه الأول وهو إعادتها لجواره، وبعدها ليعلم وعلى مهل سبب هروبها منه من الأساس.

استيقظت حياة قبل وصولهم إلى المنزل بمدة ليست طويلة، لتجد نفسها تستند برأسها على كتفه ويدها تحاوط عضده. اعتدلت في جلستها وابتعدت عنه في صمت، متحاشية النظر لوجهه.

وبعد عدة دقائق، لم تقاوم إغراء النظر إلى جانب وجهه الذي افتقدته بشدة. ظلت تتأمله بهدوء بهيئته المشعثة وذقنه التي أصبحت غير مشذبة مع وجوم ملامحه. إن ملامح الإرهاق تبدو جلية على وجهه، وهناك بعض الخطوط التي تحاوط فمه وذقنه من شدة الضغط على أسنانه. حتى بتلك الحالة يبدو بالنسبة لها أوسم الرجال. يالله، هل كانت تتخيل أن تحيا ما تبقى من عمرها دونه؟

سبعة أيام كانت تكفي وتزيد لتشعر بروحها تخرج من جوفها اشتياقًا له وقلقًا عليه. نعم، تشتاقه حتى إذا كانت تشاركها إياه امرأة أخرى وطفل آخر. لم يكن يحتاج إلى تهديدها لتعود معه، فمنذ رؤيته أمامها شعرت بمقاومتها تتلاشى وبتلك الرغبة العارمة في العودة إلى دفء أحضانه. حتى دون رؤيته، هذا كل ما تمنته خلال الأيام المنصرمة منذ تركها للمنزل. أعادها من شرود أفكارها تلك توقف العربة أمام المنزل.

تحرك هو أولًا، كالسابق، وجذبها من مرفقها هذه المرة أيضًا، حتى توجه بها إلى غرفتهم. كان المساء قد حل وأسدل الظلام ستائره على المنزل بأكمله. صادف في طريقه نحو الدرج عفاف التي ركضت مهرولة بقدر ما سمح لها سنها ووزنها لاستقبال سيدة المنزل المحبوبة، فقاطعها فريد بحدة قائلًا بنبرته الصارمة: -مش عايز أي إزعاج من أي نوع، مفهوم؟ أومأت عفاف برأسها موافقة عدة مرات قبل انسحابها للداخل، فملامح وجهه لا تبشر بالخير.

دلفا إلى غرفتهم، ثم قام بدفعها بقوة قائلًا بحدة وهو يغلق الباب خلفه بالمفتاح: -من هنا ورايح.. لا يبقى ليكي صوت ولا نفس.. تعيشي زيك زي الجماد، تاكلي بأذني وتشربي بأذني وتتحركي برضه بأذني، فاهمة؟ هتف كلمته الأخيرة بصوت جهوري جعلها تنتفض ذعرًا، ثم استطرد حديثه قائلًا بشراسة وهو يقترب منها ليقبض على ذراعها مرة أخرى: -انتي ملكي أنا، ولحد ما أنا أقرر إمتى هرميكي، هتعيشي هنا زي الجارية لمزاجي وبس.

ختم حديثه وترك ذراعها، ثم بدأ في خلع ملابسه وإلقائها فوق الأرضية بعشوائية مع نظرة أرعبتها. هتفت هي اسمه بعدم تصديق قائلة: -فريد! صرخ بها بقوة رجت أركان الغرفة وجعلتها تتراجع للخلف: -قلتلك متنطقيش اسمي على لسانك ولا تتكلمي غير بأذني. هزت رأسها بذعر موافقة، فأفضل حل لاحتواء غضبه الآن هو الصمت. دفعها فوق الفراش بعدم اهتمام، ثم استلقى فوقها دون مقدمات، مدفوعًا بكل ما مر به من مشاعر منذ لحظة سماعه عن اختفائها.

أغمضت حياة عينيها محاولة تجاوز ذلك الألم الذي يزداد مع كل حركة عنيفة منه معها. بدأت دموعها تهبط في صمت، فهي تعلم أنه لا سبيل معه الليلة مهما تحدثت وتوسلت. لذلك، تركته ينفس عن غضبه بالطريقة التي اختارها. فقط ظلت تدعو الله بصمت أن يحفظ لها طفلها، فهذا الألم المتواصل منذ عدة ساعات، والذي أصبح الآن لا يحتمل بسبب قوة فريد معها، جعل القلق يدب داخل أوصالها.

بعد فترة، انتهى هو مما يقوم به، ثم استلقى جوارها على الفراش معطيًا لها ظهره بعدم اكتراث. تنفست حياة الصعداء وأغمضت عينيها بوهن شديد وهي تفكر بيأس: هل تخبره بما تشعر به أم تظل صامتة حتى يختفي الألم من تلقاء نفسه؟ أثناء تفكيرها بذلك، ومن شدة إرهاقها، ذهبت في غفوة قصيرة تخللها الألم. بعد فترة قصيرة، أصبح الألم لا يحتمل وشعرت ببعض البلل أسفلها.

تحركت بألم شديد ترفع الغطاء من فوقها، فتفاجأت ببقعة كبيرة من الدماء تغطي الفراش أسفلها. صرخت اسمه بذعر شديد مستنجدة به بصوت باكي وكفها يهزه من مرفقه: "فريد الحقني." انتفض فريد بمجرد سماعه صراخها، ينظر نحوها برعب، ثم اتجهت أنظاره نحو موقع تركيزها. إنها جالسة في بركة دماء! هذا ما فكر به بهلع وهو يلتقط من الأرضية ملابسه ويتمتم بلهفة مطمئنًا لها: "متخافيش، متخافيش."

انتهى من ارتداء ملابسه في أقل من دقيقة، وركض نحو خزانة ملابسها يلتقط منها أي شيء ذي نفع لارتدائه. وبعد أقل من ثلاث دقائق، كان يحملها بدمائها ويركض بها نحو سيارته، وهو يصرخ في أحد رجال حراسته بفتح باب السيارة له. صعد بها بذعر شديد وهي تنتفض بين ذراعيه وتتمتم بتوسل: "فريد الحقني، وقفه بأي طريقة، اعمل أي حاجة ووقفه." لم يكن عقله يستوعب حرفًا مما تنطق به، فكل ما يشغل باله هو مشهد الدماء الذي كانت تحاوطها.

"اللعنة عليه، ماذا فعل بها! غمغم برعب هو الآخر، مهدئًا: "متخافيش، مش هخلي حاجة تحصلك." هزت رأسها بثقة، ثم بدأت الرؤية تتشوش لديها قبل ذهابها في ظلام سحيق. بعد قليل، وبمجرد وصوله لمشفاه الخاص، سلمها لطبيب الاستقبال وداخله يرتجف هلعًا عليها. وضع كلتا كفيه فوق رأسه وظل يتحرك برعب شديد ذهابًا وإيابًا أمام الغرفة.

وفي ذلك الوقت، خرج كبير الأطباء، والذي هرول هو الآخر نحو الغرفة بمجرد سماعه عن وصول أكبر مساهمي المشفى إليها، قائلاً بنبرة عملية قبل اختفائه خلف أبواب الفحص: "متخافش يا فندم، هدخل أشوف إيه الوضع وأطمنك." وبالفعل، بعد عدة دقائق، عاد رئيس الأطباء بملامح جامدة للغاية. سأله فريد بلهفة واضحة: "ها، حياة مالها؟ هز الطبيب رأسه أسفًا، ثم أجابه بنبرة مترقبة: "للأسف يا فريد بيه، ملحقناش الجنين." هتفت فريد خلفه متسائلًا

بعدم تصديق: "جنين؟! تنحنح الطبيب قائلًا بحرج: "واضح إن حضراتكم مكنش عندكم خلفية، بس للأسف المدام كانت حامل في الشهر الأول، وبسبب المجهود الشديد مع علاقة خشنة شوية، الجنين نزل. يمكن لو حضرتك جيت بيها بدري شوية كنا قدرنا نعمل حاجة. بس بالنسبة لحياة هانم، هي كويسة، الدكتورة معاها جوه، هي محتاجة عملية تنضيف مش أكتر، ربع ساعة بالكتير وحضرتك تقدر تشوفها." حرك فريد رأسه بجمود يحاول استيعاب حديثه. حامل! حياة! إجهاض بسببه!

نعم، هو السبب. هو من سمح لغضبه بالسيطرة عليه وأذاها. أذاها هي وطفله الذي ذهب قبل حتى اكتشافهم أمره. لقد نقض عهده مع والدته وسمح لجينات والده في السيطرة عليه. اللعنة عليه وعلى ما فعله. لقد تم عقابه بأسوأ طريقة ممكنة. حرمانه من الطفل الذي طالما تمناه منها هي، وهي فقط. ظل ينظر بشرود في اتجاه الغرفة التي تحويها حتى خرجت بعد قليل مدفوعة بالسرير المدولب. سار خلفها كالمغيب حتى وصلا إلى غرفة عادية.

حملها المساعدون بحذر شديد لنقلها إلى فراش الغرفة، ثم قامت الطبيبة بغرز تلك الإبرة الطبية التي تكرهها بداخل يدها لإيصال المحلول الطبي لها، وهي تتمتم لفريد شارحة حالتها: "الحالة كويسة جدًا، ووضع الرحم ممتاز، مفيش أي مشاكل إن شاء الله، حضرتك اطمن. هي بس ضعيفة شوية ومحتاجة تغذية، فحطتلها محلول ومعاه المضاد الحيوي. بعد شوية هتبدأ تفوق وتقدر حضرتك تخرج بيها بعد المحلول، مفيش أي مشكلة تمنعنا."

تحركت الطبيبة نحو الخارج عدة خطوات، ثم استدارت تردف على مضض: "أحب أفكر حضرتك إنها محتاجة تكون بعيدة عن أي مجهود يؤذي الرحم لمدة أسبوعين أو تلاتة. حضرتك فاهمني طبعًا. غير كده مفيش أي موانع من أي نوع. والعامل النفسي مهم طبعًا في حالتها." هز فريد رأسه موافقًا، وانتظر خروج الطبية من الغرفة، ثم تحرك نحوها. تمسكت كفه بيدها المغروز بها تلك الإبرة الطبية، والتي يعلم جيدًا أنها تتألم بسببها.

جلس فوق الأرضية بجوار فراشها، وبدأ يبكي بحرقة. تمتم بصوته الباكي قائلًا لتلك الغائبة عن الوعي بندم: "أنا آسف.. أنا السبب.. أنا اللي قتلت ابننا.. أنا مكنتش أعرف.. أنا اتمنيته أكتر حاجة في الدنيا.. أنا مش هجبرك على حاجة تاني.. لو مش عايزاني مش هجبرك.. أنا مش عايز أذيكِ زي ماما.. حتى لو عايزة غيري أنا مش هأذيكِ." بدأت حياة تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا على صوت همهماته الضعيفة.

تململت في نومتها بوهن شديد وقطبت جبينها من ذلك الألم القادم من كفها. تحرك هو من جلسته بمجرد إحساسه بها تتحرك، بعدما قام بمسح وجهه وتنقية حلقه، ثم انحنى بجذعه نحوها يسألها بهدوء: "إنتي كويسة؟ حركت رأسها إيجابيًا بصمت. انتظر هو شكواها كالمعتاد، ولكنها فاجأته بأن حركت رأسها في اتجاه كفها الأيسر، ثم رفعته للأعلى قليلًا، تنظر إليه، ثم أعادت وضعه فوق الفراش بهدوء دون تعقيب أو صوت يُذكر. حاول هو طمأنتها فتحدث قائلًا

من أجل التخفيف عنها: "متقلقيش، المحلول قرب يخلص، وأول ما يخلص هتتشال من إيدك على طول." "دائمًا ما كان يفهمها دون حديث." هذا ما فكرت به حياة بحب وهي تستمع لحديثه، رغم جمود ملامحها ورغم عدم تعقيبها على جملته، فقط اكتفت بتحريك رأسها للمرة الثانية. لقد علمت بفقدان طفلها، نعم. فقبل بدء مرحلة تخديرها، استعادت وعيها أولًا، وأخبرتها الطبيبة بما حدث، وبما كانت تتوقعه من الأساس نظرًا لكمية الدماء التي رأتها فوق الفراش.

تنهدت بحزن وأغمضت عينيها محاولة إخفاء الدموع التي لمعت بداخلها. فمن فعلت كل هذا من أجله ذهب من غير رجعة، ولم يتبق لها سوى غضب فريد مع امرأة أخرى تشاركه به وتحاول بشتى الطرق تدمير زواجها. هل هي غاضبة منه أم من نفسها؟ تردد ذلك السؤال داخل عقلها بقوة. ربما منهما سويًا بنفس المقدار، ولكن بالنسبة للوم، فهي لا تلومه. هي فقط تلوم نفسها من أجل صمتها وعدم تحذيره بحملها لطفلهما.

على كل حال، لقد ما حدث ما حدث، وقدر الله وما شاء فعل. هذا ما فكرت به بشيء من الرضا ليساعدها على تخطي محنتها. بعد فترة من الصمت، وانتهاء المحلول الطبي، وفحص الطبيبة لها للمرة الأخيرة، سألها فريد باهتمام: "تحبي تفضلي هنا ولا نرجع البيت؟ أجابته بخفوت شديد متحاشية النظر إليه: "مش عايزة أقعد هنا." أومأ لها برأسه إيجابيًا، ثم بدأ يساعدها في خلع رداء المشفى وارتداء ملابسها الأخرى استعدادًا للعودة للمنزل.

كانت تتعامل معه بحذر شديد لم يخفَ عليه، والذي فسره بشكل خاطئ. أما عنها هي، فإلى الآن لم تعلم رد فعله عن مسألة إجهاضها، والأهم رد فعله عن إخفائها أمر حملها عنه. حملها فريد للخارج رغم رفضها الشديد وتمسكها بالسير بمفردها. وبعد رحلة طويلة من الترقب والإرهاق بالنسبة لها، والجمود بالنسبة إليه، وصلا إلى المنزل بهدوء. أصرت حياة هذه المرة على الخروج من السيارة بمفردها والسير حتى غرفتهم دون تدخل منه أو مساعدة.

ورغم عدم اقتناعه بما تطلبه، تنحى جانبًا، تاركًا لها المجال لتنفيذ رغبتها، حتى وصلت إلى الدرج. ومع صعود أول درجة، شعرت بالألم يضربها من جديد، لذلك ضغطت فوق شفتيها بقوة وتنحت جانبًا، تتخذ من درابزين الدرج دعمًا لها. وبرغم من وقوفه خلفها، إلا أنه لم يكن في حال تسمح له بجدالها أو تحمل عنادها، لذلك تركها تعاود المحاولة مرة أخرى.

وتلك المرة تأوهت بصمت مكتوم، لذلك انحنى بجذعه بنفاذ صبر، يضع يده أسفل ركبتها ويده الأخرى في منتصف ظهرها، قبل حملها وتحركه بها للأعلى دون تعقيب أو اعتراض منها. تفاجأت حياة بفريد يدلف بها إلى الغرفة المجاورة لغرفتهم، والتي كانت تستخدمها قبل مشاركتها غرفته، وقام بوضعها فوق الفراش بحذر. جلس هو قبالتها بعدما تأكد من راحتها، ثم حاول إيجاد كلمات مناسبة لبدء الحديث معها. أخذ نفسًا مطولًا، ثم قال بهدوء ظنًا

منه عدم علمها بخبر حملها: "حياة.. إنتي كنتي حامل في الشهر الأول." أخذ نفسًا آخر يحاول السيطرة به على حشرجة صوته، ثم أردف يقول بندم: "أنا آسف.. أنا مكنتش أعرف.. أنا لو كنت عارف إني ممكن أأذيكي أو أأذي ابننا، أنا عمري ما كنت هقرب منك.. أنا معرفش عملت كده إزاي.. أنا عارف إن إنتي كمان مكنتيش تعرفي.. وعارف إنك موجوعة أكتر مني بكتير.. بس أتمنى تنسي اللي حصل."

أشاحت حياة بوجهها بعيدًا عنه، ففي تلك اللحظة هي لا تقوى على مواجهته أو النظر داخل عينيه. هتف هو اسمها بتوسل حقيقي وهو يضع إصبعه تحت ذقنها ويدير رأسها في اتجاهه: "حياة.. من فضلك ردي." أخفضت رأسها مرة أخرى تتهرب من عينيه. لذلك ضيق فريد عينيه فوقها، ثم سألها بذهول وهو يتحرك مبتعدًا عنها: "إنتي عارفه!!! إنتي كنتي عارفه؟! لا استحالة.. إنتي لما هربتي كنتي عارفه؟!

أشاحت بوجهها بعيدًا عنه مرة أخرى، وقد بدأت شفتها السفلية في الاهتزاز. صاح بها بحدة وهو يعود ليجلس قبالتها ويهزها بقوة من ذراعيها: "انطقققققي!!! لما هربتي كنتي عارفه بإنك حامل!! إنتي هربتي بأبني من غير ما تقوليلي!! إنتي إيه!!! مش إنسانة صح!!! عشان كده كنتي بتعيطي قبلها لما كلمتك!! مكنتيش عايزاه!! وعشان كده مش زعلانه!! انطقققققي وفهميني.. هربتي بأبني عشان تنزليه مش كده!!!

وأنا اللي فكرت إن نيرمين السبب.. طلعتي متقصرتيش عنهم!! عملتي كده ليه وعشان مييين قوولى.. هو اللي ساعدك صح؟! نظر نحوها بشراسة وقال باشمئزاز ونبرة عدائية واضحة: "أنا بكرهك، عارفة يعني إيه بكرهك، ومش عايز حتى أشوف وشك قدامي." عن مين بيتكلم!

لم تجد الشجاعة أو القوة لتسأله، فقد بدأت تشعر بالإعياء من شدة دفعه وتحريكه لها مع ذعرها منه والشرر الواضح من عينيه. ولم تستطع الاحتمال أكثر. تركها وابتعد عنها، وقررت هي الأخرى، رغم الضعف الشديد الذي تشعر به، الاختباء داخل الحمام والاغتسال، لعل ذلك يزيل الشعور بالألم والندم الذي ينهش قلبها من حديثه ورؤية الكره داخل عينيه.

وقفت أسفل رذاذ الماء الساخن، تاركة الماء المنهمر يختلط مع دموعها الساخنة، حتى ازداد شعورها بالإعياء وأصبحت الرؤية لديها ضبابية. تحركت بوهن شديد خارج حوض الاستحمام، وحاولت رفع رأسها والتقاط مئزر الحمام المعلق أمامها، قبل شعورها بعدم قدرتها على التنفس واسوداد الصورة أمامها، ثم سقوطها مغشياً عليها على أرضية الحمام.

سمع فريد، الذي لا يزال جالساً فوق الفراش، بصدمة صوت ارتطام قوي قادماً من الحمام. ركض على الفور نحوها، ثم هتف باسمها مستفسراً عدة مرات قبل اقتحامه الحمام. شعر بالفزع من رؤيتها ممددة فوق الأرضية الرخامية وغائبة عن الوعي. التقط المئزر بيده وألبسها إياه بعدما رفعها وضمها لجسده، وهو لا يزال يهتف اسمها بذعر محاولاً إفاقتها دون جدوى. عاد بها لغرفتها ووضعها فوق الفراش، ثم ركض نحو أقرب زجاجة عطرها، يلتقطها ويقربها من أنفها حتى تستعيد وعيها.

بعد عدة ثوانٍ أخرى من محاولته، وربت فوق وجنتها، بدأت تستعيد وعيها ببطء. وعليه، تحرك هو من جوارها وتوجه نحو الحمام يأخذ منشفة صغيرة، ثم عاد إليها ووضعها فوق شعرها وبدأ يجففه بآلية شديدة، متجنباً النظر إليها. ظلت حياة تراقب ما يقوم، والأفكار تعصف داخل عقلها. هل حقاً تستطيع التخلي عنه من أجل أخرى؟ هل ستسمح له بالاهتمام بغريمتها مثلما يهتم بها؟ بعد ما خسرته، هل ستترك لها الساحة للفوز بحنانه؟

أن تتاح لها الفرصة لاحتضانها واحتوائها مثلما يفعل معها؟ أن يتلمس بطنها بشغف للاطمئنان على طفلهما مثلما كانت تتمنى أن يفعل معها؟ رفعت كفها ببطء حتى أمسكت كفه، ثم وضعته أسفل بطنها حيث كان يمكث طفلهما في أمان. بدأت تغمغم بخفوت لتذكير نفسها بما فقدته: "مفيش حاجة هنا.. مكانه فاضي." نظر فريد إليها بقلق وهو يراها تستخدم يده للكم بطنها بقوة، وقد بدأت نبرتها تزداد علواً وهي تخبره بقهر:

"خلاص مفيش حاجة ممكن تحصل.. هو مش موجود.. مفيش حاجة ممكن تأذيه دلوقتي.. مكانه بقى فاضي.. مش هشوفه بيكبر ولا هتقدر تلمسه.. دوس عشان تتأكد إنه مش موجود.. إن مكانه فاضي." هتف بها فريد وهو يسحب كفه من يدها لحثها على التوقف: "حياة اهدى." صرخت به بقوة وهي تعاود لكم أسفل بطنها بكلتا يديها: "هو بس اللي راح.. ابني أنا اللي راح.. انت مش فاهم حاجة.. معرفتش أحميه ولا أحافظ عليه."

أمسك كلتا كفيها محاولاً إيقافها عن لكم نفسها بشتى الطرق، فبدأت تدفعه وتلكمه وهي تصرخ ببكاء هيستيري: "سيبني.. اوعى.. ده ابني أنا.. ابني اللي كنت مستنياه.. اللي كنت عايز أحميه ومعرفتش."

ضمها فريد لصدره بكل ما أوتي من قوة، واعتصرها بين ذراعيه حتى تتوقف عن الصراخ وتتوقف عن ضرب نفسها، ويحتوي نوبتها العصبية. أخفت رأسها في صدره وظلت تشهق بقوة وهي تعانقه حتى بدأت شهقاتها تهدأ شيئاً فشئياً وتحولت لنحيب صامت. لم يفلتها هو، بل ظل محتضنها وهو يفكر بندم حقيقي وحزن أنها لم تكن مبالية ولا غير راغبة بطفلهما كما يظن، فيبدو أنها تتألم أضعاف ألمه داخلياً، وربما ظلمها أيضاً، ولم يكن لديها علم بحملها إلا من وقت قصير. تنهد بحيرة، فعقله غير قادر على التفكير بشكل سليم. مما تريد حمايته؟

لقد عاد الشك يضرب عقله وبقوة، وعليه التحرك لإثبات شكوكه أو نفيها. شعر بأنفاسها تنتظم فوق صدره، فعلم بذهابها في النوم. حاول التحرك بها ووضعها فوق الفراش وإفلاتها من بين يديه، ولكن يدها تشبثت بقميصه أكثر، ترفض تركه. تنهد مرة أخرى باستسلام، وقام بضمها إليه ثانية، بعدما قام بمسح دموعها من فوق وجنتها.

أثناء فعله ذلك، صدع رنين هاتفه من داخل جيبه، فالتقطه على الفور مجيباً، حتى لا يزعجها. تحدث الطرف الآخر بمجرد استقبال فريد المكالمة، قائلاً بتبرير: "فريد باشا.. أنا أسف إني بكلم حضرتك في الوقت ده، بس في حاجة عرفتها وبصراحة مقدرتش أستنى للصبح." أجابه فريد بفضول قائلاً بترقب: "سامعك." قال الطرف الآخر دون مقدمات: "نيرمين هانم.. بعد ما راقبتها اكتشفت إنها بتتعاطى مخدر من نوع قوي." سأله فريد مستنكراً: "مخدر!!!

أكد الرجل حديثه قائلاً باقتضاب: "مش أي مخدر يا باشا.. ده هيروين." ردد فريد بعدم تصديق: "هيروين!!! متأكد؟ أجابه الرجل مسترسلاً بثقة: "متأكد يا باشا.. أنا بنفسي شفتها وهي بتتعامل مع عيل سيس في ****، وبعد ما مشت روحت دردشت معاه وبكام قرش، قالي كل اللي عنده." هز فريد رأسه موافقاً، ثم قال بهدوء:

"اسمعني.. ارميلي الولد اللي بتتعامل معاه ده في المخزن لحد ما أفوق وأجيله.. وشوفلي حد يجبلي تسجيلات مكالمتها الفترة الأخيرة كلها." أنهى بعد أمره ذلك، واستماعه لموافقة رجله، المكالمة وهو يفرك عينيه بقوة، فما سمعه منذ قليل لم يكن بالشيء الهين عليه. وقبل كل شيء، عليه التريث والتأكد قبل اتخاذ أي خطوة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...