جلست حياة فوق الفراش مستندة بقدميها على الأرضية الخشبية للغرفة ومتمددة بنصفها العلوي فوقه مغمضة العينين تحاول التغلب على ذلك الشعور المستمر بالغثيان الذي يراودها منذ الصباح. زفرت بضيق ووضعت كفها فوق معدتها لتدفئتها، فالطالما كانت معدتها حساسة من البرد ويبدو أنها أهملت ملابسها في الأيام الماضية. هذا ما فكرت به مبررة وهنها المفاجئ. انتهى فريد من اغتساله وخرج إلى الغرفة فوجدها ممددة بذلك الشكل العجيب مغمضة العينين.
اقترب منها بهدوء واتكأ بجذعه فوق الفراش مستنداً على مرفقه الأيمن يتفحصها ثم هتف اسمها بقلق: -حياة.. فتحت عينيها تنظر بداخل عسليته القريبتين منها وهي تبتسم له ابتسامة ضعيفة فأردف يسألها مستفسراً: -في حاجة؟ هزت رأسها له نافية وابتسامتها تزداد اتساعاً لطمأنته، فليس هناك داعٍ لإخباره، فدائماً ما كانت تعاني وخصوصاً في فصل الشتاء من آلام معدتها بسبب إهمالها المعتاد.
رفعت كفها تتمسك بكفه ثم عادت ووضعتها فوق معدتها بهدوء تتلمس منه الدفء. بدأت أصابعه تمسد معدتها ومقدمة بطنها برفق ظناً منه أنه بداية آلامها المعتادة ثم قال بهدوء ولهجة حاسمة رغم دفئها: -حياة خليكي النهاردة بلاش تنزلي معايا.. سألته باستنكار يحمل في طياته بوادر الاعتراض: -ليه في حاجة حصلت؟ أجابها بتمهل نافياً: -لا مفيش حاجة.. بس انتي شكلك مرهق من اليومين اللي فاتوا.. فخدي النهاردة إجازة. أجابته معترضة بنبرة رقيقة:
-طب مانت كمان كنت تعبان معايا اليومين اللي فاتوا.. هنزل معاك أو نقعد سوا. أجابها وهو يقترب منها: -خليكي وأنا مش هتأخر لازم أروح الشركة أخلص حاجة وهرجع على طول. كانت تعلم جيداً لماذا يصر على ذهابه، لذلك هتفت اسمه بتأهب ولكنه خرج بنبرة مغرية هامسة بسبب أصابعه التي تداعب معدتها: -فريد.. توقفت يده عن الحركة وتجمدت نظرته فوق شفتيها ثم أمرها بنبرة هامسة وهو يحرك جسده ليقترب بوجهه منها: -قولي تاني..
سألته بعدم فهم وهي ترى عينيه تتحول للون الداكن من أثر مشاعره: -أقول إيه؟ أجابها هامساً وشفتيه تتلمس صدغها برقة: -اسمي.. هتفت اسمه مرة أخرى بصوت ناعم بسبب أنفاسه الحارة التي تلفح وجهها وأصابعه التي عادت تداعب بشرتها: -فريد.. لثم شفتيها مطولاً بنعومة ثم حررها ببطء قائلاً بصوته الأجش: -تاني.. عضت فوق شفتيها بخجل قبل امتثالها لطلبه للمرة الثانية هاتفه بنبرة أكثر همساً: -فريييد..
تنهد بحرارة ثم عاد لتقبيل شفتيها بنفس الطريقة قائلاً بعدها بوله: -سمعيهولي تاني.. تغلغلت أصابعها بداخل خصلات شعره الرطب ثم قالت بهيام شديد ونبرة ناعمة كالحرير: -فريد حياة.. أخفى وجهه في ثنايا عنقها وأخذ نفساً عميقاً ثم زفره ببطء شديد قائلاً بصوت مكتوم عاشق: -حياة فريد.. بعد فترة من التصاقه بها سألته حياة قاطعة الصمت بينهم: -فريد انت هتعمل إيه مع مدير الحسابات؟ ابتعد عنها ورفع رأسه ينظر إليها قائلاً بجدية بالغة:
-هعمل اللي المفروض يتعمل.. هزت رأسه له موافقة ثم أردفت مستأنفة استفسارها: -طب ونجوى؟ إن كان على ما يريده حقاً فهو تقطيع أعضائها جزء جزء وإلقائها للكلاب المتوحشة أو ربطها بحجر ثقيل وإلقائها من فوق السد العالي لئلا يكون لديها فرصة للنجاة. زفر بحيرة ثم أجابها بغموضه المعتاد: -مش عارف.. لسه مقررتش.. ابتعدت عنه قليلاً وهي ترمقه بنظرات محتدة ثم سألته بضيق: -طب وبالنسبة لنيرمين؟ سألها ببروده المستفز: -مالها؟
مطت شفتيه باستياء. هل يمزح معها؟ لم يقرر بعد ما سيفعله مع نجوى لكنه أصدر حكماً نهائياً على أخته الوحيدة رغم مساعدتها له! أجابته بحدة مدفوعة بغيرتها الخفية: -إيه اللي مالها! متقوليش إن بعد اللي حصل لسه مش عايز تديها فرصة! ضيق عينيه فوقها مستنكراً رد فعلها العدائي ثم سألها مستهزئاً: -هو انتي شايفاني ساذج عشان أصدق التمثيلية الهبلة دي؟
جيهان وبنتها عبيد فلوس مهما كان معاهم.. ولو هي حذرتك فده بس عشان الفلوس اللي بتدخلهم كل شهر متنقصش.. ضغطت حياة فوق أسنانها بغيظ وهي تردد خلفه بنبرة محتدة: -ساذج! هي دي نظرتك عني؟ وبعدين أنا مش مصدقة قسوتك دي عليها! في الوقت اللي انت مش عارف هتعمل إيه مع ست نجوى هانم! زفر فريد بملل ثم قال بنفاذ صبر: -حياة متخلطيش الأمور ببعض! وبعدين أنا مش غبي عشان جيهان ونيرمين يلعبوا بيا.. واستحالة أصدق اللي هي بتقولهولك مهما حصل..
انتفضت حياة من جلستها ووقفت أمامه تهتف بسخط: -أنا بقيت غبية كمان! كل ده عشان عايزة أديها فرصة خصوصاً بعد ما أثبتت حسن نيتها! مرر فريد كفيه فوق وجهه بضيق ثم وقف قبالتها يقول آمراً بتحذير: -متحرفيش كلامي.. لو عايز أقول حاجة مش هخاف منك وبالنسبة لنيرمين متستاهلش فرصة تانية. صاحت به مستنكرة بنبرة عدائية شديدة: -أنا مش مصدقة أنانيتك دي! وبعدين أي حد في الدنيا دي يستحق فرصة تانية.. زيك بالظبط.. هدر بها فريد محذراً
بصوته العميق: -حيااااة.. ده آخر كلام في الموضوع ده.. ومن دلوقتي مفيش كلام أو مقابلات معاها مهما كان السبب.. فاهمة! لماذا وصل النقاش بينهم لتلك النقطة لم تعلم! كل ما تعلمه أنها غارت من نجوى وأرادت منه إرضائها وليس إلا، ومع مرور الحديث بينهم ازداد غضبها ولم تعد تستطيع التحكم به لذلك هتفت معترضة بعناد: -وأنا مش جارية عشان تقول لي أعمل إيه ومعملش إيه!
ومش هقفل الموضوع طول ما أنا شايفه نجوى عمالة تخرب حوالينا وانت سايبها تعمل اللي هي عايزاه! صاح فريد آمراً بغضب شديد من تمسكها العقيم بوجهة نظرها الخاطئة ورؤيتها الضيقة للأمور: -انتي مراتي واللي هقوله يتسمع وبعد كده مفيش كلام مع حد أصلاً إلا بإذني وتحت عيني ولو الكلام زاد مش هيبقى في خروج من البيت أساساً.. هتفت حياة به بعدم تصديق: -فريد!!!!!!!! رمقها بنظرة غاضبة جعلتها تتراجع عدة خطوات للخلف ذعراً ثم قال بحزم
وهو يتحرك لارتداء ملابسه: -انتهى.. ارتمت حياة فوق الفراش مرة أخرى وبدأت تبكي في صمت. لماذا يخيب ظنها في كل مرة يتعلق الأمر بتلك المدعوة نجوى! لماذا لا يناقشها بدل من غضبه الدائم وغموضه الذي يثير أعصابها! توقعت عودته لها بعد ارتداء ملابسه ولكنها تفاجأت به يخرج من الغرفة مباشرة دون حتى النظر إليها. ازداد جنونها من تجاهله لها فأمسكت هاتفها المحمول تخرج رقم أخته غير الشقيقة وانتظرت إجابتها ثم قالت بدون أي مقدمات:
-أنا موافقة أساعدك.. فريد دلوقتي مش في البيت لو حابة تقابليني.. استمعت إلى موافقة نيرمين الحماسية ثم أغلقت هاتفها وألقت به بإهمال فوق الفراش مع عودة ذلك الغثيان المقيت يتملك منها مرة أخرى. هذا ما كان ينقصها الآن! اقتحم فريد باب غرفة مدير حساباته بملامح وجهه مكفهره الأمر الذي أفزعه كثيراً وجعله يبتلع لعابه بصعوبة. وقف فريد قبالته ثم جذبه من ياقة قميصه قائلاً بنبرة لا تعرف المزاح: -بره.. تساءل الرجل بهلع مردداً
كلمة مخدومة: -بره! حصل إيه يا فندم؟ دفعه فريد نحو الخارج قائلاً بتهديد: -هي ضحكت عليك وفهمتك إنك لو اتكشفت هتعرف تعوضك صح؟ وانت غبي وصدقتها وفاكر إن لو فريد رسلان طردك ممكن شركة بعده تشغلك؟ فتح المدير فمه ليجيبه فأوقفه فريد بنظرة محذرة رافعاً أصبعه في وجهه: -الشيك اللي انت ماضي عليه زمانه اتقدم للنيابة.. يا تدفع لي نص مليون تعويض يا الحبس..
في تلك اللحظة دلف رجال حراسة فريد الذي استدعاهم قبل دخوله ليجذبوا الرجل المذعور وإلقائه خارجاً. ألقى فريد جملته الأخيرة على مسامع الرجل قائلاً بشماتة: -وأنا بقول لحد ما النيابة تستدعيك بلاش تروح بيتك.. عشان علاقاتك وصورك القذرة كلها الفترة اللي فاتت هتلاقيها وصلت قبلك للمدام.. أنهى جملته وراقب برضا رجاله وهم يجرون ذلك الخائن إلى خارج جدران الشركة وهو يصيح متوسلاً من أجل مسامحة فريد له.
عاد بعدها لمكتبه وألقى بجسده فوق المقعد بقوة. اللعنة على ذلك الأمر! إنه لازال غاضباً وبشدة بسبب ما حدث بينهم في الصباح. هل هو غبي لتنطوي عليه مسرحية نرمين وجيهان الهزلية؟ وإذا كان الأمر مقتصراً على نيرمين لالتمس رضاها قبل ذهابه ولكن ما يغضبه حقاً هو مسألة الثقة. لماذا لا تثق في نظرته وحكمه للأمور؟ لماذا لا تضع ثقتها به كأي زوجة طبيعية؟ زفر بحنق فهو لا يعلم كيف يرضيها!
حسناً، هو يعلم أن أمر نجوى تلك استغرق منه وقت أطول من اللازم ولكنه يريد التريث والتخلص منها للأبد بدلاً من التسرع ومعالجة الأمر بسطحية تؤدي إلى كوارث مستقبلية. ثم إنه يفعل ذلك من أجلها، أليست هي من تطلب منه دائماً إعطاء القانون فرصته؟ إذاً ستنتظر معه حتى يجد الفرصة المناسبة للخلاص منها. التقط هاتفه بعصبية مهاتفا أحد رجاله وقائلاً باستياء: -كل ده مش عارف توصلني لحاجة تخلصني بيها! أنا مش فاهم امال انت بتراقبها ليه!
ارتبكت نبرة الرجل من غضب مديره ثم أجابه مبرراً: -يا باشا.. أنا مراقبها زي ضلها.. من ساعة ما حضرتك قلت لي.. مش بتعمل أي حاجة.. بس بتروح النادي الصبح وبليل بتقابل نيرمين هانم اخت حضرتك.. غير كده مبتتحركش.. لم يقتنع فريد بحديثه فأردف يقول محذراً:
-ورحمة أمي لو طلعت بتستغفلك وعملت حاجة من وراك وأذت مراتي تاني لهتكون حياتك التمن.. وقدامك أسبوعين تخلص موضوع سيرين الزفت دي.. وعايزك تبدأ من دلوقتي تحط حد يراقب نيرمين هي كمان.. سامع؟ تمتم الرجل موافقا بخنوع تام قبل إغلاق فريد الهاتف في وجهه والبدء في مراجعة ملفاته المتراكمة. بعد فترة ليست بطويلة، صدع رنين هاتفه برقم حراسه المنزل. أجاب فريد على الفور بقلق واضح في نبرته: -سامعك! أجاب الطرف الآخر باحترام:
-فريد بيه، نيرمين هانم جت من شوية، واتعاملنا زي ما حضرتك أمرت، بس حياة هانم صممت إنها تدخلها. محبتش أعمل أي حاجة غير لما أرجع لحضرتك. استمع فريد لحديث حرسه وبدأت الدماء تغلي في عروقه من جديد. لقد طفح به الكيل من عنادها المستمر. ضغط على أسنانه بشراسة ثم قال بحروف مقتضبة: -سيبها. ألقى الهاتف فوق المكتب بحدة وهو يتوعد لها. هل ظنته غير جاد في تهديده لها؟
لقد أشعلت فتيل غضبه والآن عليها تحمله. هذا ما فكر به بتوعد لحياة، ولكن أولاً ينتهي من أعماله المتراكمة. *** في المنزل، ودعت حياة نيرمين بود شديد بعدما أعطتها وعدها الكامل بمساعدتها في لم شملها مع فريد، مما جعل الأخيرة تبتسم بانتصار من نجاح خطتها. سألتها نيرمين بحماس مستأذنة:
-أنا عايزة أتكلم معاكي كل يوم، عايزة أعرف كل حاجة عن فريد وإيه بيحبه وإيه بيكرهه عشان أعرف أتعامل معاه. ونفسي تقبليني كأخت ليكي، انتي عارفة إني لوحدي على طول. ابتسمت لها حياة موافقة ثم أجابتها مشجعة: -آه طبعاً، زي ما تحبي. أنا أهم حاجة عندي إنك وفريد تكونوا سند لبعض. ودعتها نيرمين بابتسامة مجاملة لم تصل لعيونها وهي تتحرك في اتجاه سيارتها لتستقلها. هاتفت نجوى على الفور تبشرها سعيدة بآخر التطورات:
-نوجه، عشان تعرفي إن عندك أحلى صاحبة في الدنيا دي كلها. سألتها نجوى بلهفة مستفسرة: -حصل إيه بسرعة احكيلي. أجابها نيرمين بثقة: -حصل زي ما كنا عايزين بالظبط، صدقت اللي حصل وقالت هتساعدني. وأنا لسه خارجة منها بعد ما اتكلمنا في حاجات كتير. والأهم إنها اتغيرت في معاملتها معايا، ده طبعاً بعد ما فهمتها أنا قد إيه مضايقة من أسلوب حياتي ومنك. هتفت نجوى برضا:
-أيوه بقى يا نيرو، كده مفاضلش غير إنك تنقلي لها شوية أخبار عني وآخر حاجة بقى تجيبي لي توقيع فريد بصورة واضحة عشان الراجل يشوف شغله. أومأت نيرمين برأسها موافقة ثم أجابتها بثقة: -بس كده، توقيع فريد بسيطة هلاقيه في أوراق بابي. أما عن أخبارك فأنا فعلاً قلت لها إن حادثة الملف بتاعها الأول كانت بمساعدة مدير الحسابات برضه واتصدمت أوي. ردت نجوى قائلة بخبث:
-هقولك على حاجة تبلغيها بيها ودي هتبقى الأخيرة، عشان لما تقولي على اللي اتفقنا عليه تصدقك بعد ما تشوفي العقد والصور. وافقها نيرمين للمرة الثانية، فدائماً ما كانت تابعة لنجوى وتنفذ فقط ما تمليه عليها دون الإحساس بالذنب أو تأنيب الضمير. *** في المساء، عاد فريد للمنزل وغضبه ما زال يلاحقه. دلف غرفتهم يبحث عنها بعينه فوجدها جالسة فوق أحد المقاعد بملامح وجهه متجهمة. توجه بجسده نحوها وجذبها من مرفقها بحدة
ثم سألها بعصبية شديدة: -أنا مش قلت مفيش كلام معاها! إنتي بتتحديني ولا صبري عليكي خلى كلامي ملهوش أهمية عندك؟ لم تكن في مزاج يسمح لها بمجادلته، فذلك الغثيان ما ينفك يختفي حتى يعود إليها مرة أخرى دون سبب واضح لذلك. استمعت إلى حديثه العصبي بجمود شديد. أغضبه أكثر صمتها وفسره عدم اهتمام منها له، لذلك أردف يقول هادراً بها بنبرة عالية ويده تهزها من مرفقها:
-من النهاردة ومن دلوقتي، مفيش خروج من البيت ولا حتى للجنينة. ولو سمعت يا حياة إنك كسرتي كلامي تاني قدام الحرس أو أي حد في البيت هتشوفي منه وش مشفتيهوش قبل كده. فاهمة؟ لقد ازداد إعياؤها بشكل مبالغ فيه بسبب يده التي تهز جسدها بأكمله. ضغطت على شفتيها متحاملة وقد أغضبها تهديده وتحكمه بها. وفتحت فمها لتعترض وهي تدفعه عنها بعيداً وتهدر هي الأخرى به بعصبية: -فريييي..
انتابها شعور قوي بالغثيان فركضت نحو المرحاض غالقة الباب خلفها برفق وبدأت تتقيأ كل ما بداخل معدتها حتى هدأت نوبة غثيانها. ركض هو خلفها باستغراب وحاول فتح الباب خلفها ولكنها أغلقته بإحكام. هتف اسمها بقلق وهو يطرق بيده فوق الباب ويطلب منها فتحه. خرجت تواجهه بعدما غسلت فمها ووجهها جيداً بالماء والشك يزداد بداخلها. رفعت رأسها تنظر نحوه بوهن فأسرع هو في التقاط كفها يسألها بلهفة: -حصل إيه؟ أجابته كاذبة وهي تتحرك
نحو الفراش وتستلقي عليه: -ولا حاجة، معدتي أخدت برد. ظل يتأملها بنظرات حائرة ثم أخفض رأسه وخرج من الغرفة بأكملها. فملامح وجهها الشاحبة ونظرتها المنهكة جعلت غضبه يخمد.
قضى فريد ما تبقى من يومه داخل الغرفة الرياضية يفرغ كل ما به من غضب بداخلها. خرج بعدها منهك الجسد فتوجه مباشرة نحو غرفته للاستحمام وتبديل ملابسه ليجدها لازالت مستلقية فوق الفراش منذ تركها. اغتسل سريعاً وارتدى ملابس نومه وهو يحاول التوصل لقرار. حسناً، هو لا يزال غاضباً منها ومن تصرفاتها المتهورة بعض الشيء ولكن رؤيتها ساكنة هكذا تؤلمه. زفر بضيق وهو يندس جوارها في الفراش ثم سألها باهتمام: -تحبي أنده لك عفاف؟
حركت رأسها ببطء نافية وانتظرت حتى استقر جسده فوق الفراش ثم تسللت تستند برأسها فوق صدره. حاوط خصرها بذراعه كعادته وأغمض عينيه محاولاً النوم بعد ذلك اليوم المجهد ذهنياً وعضلياً له. تنهدت حياة بحيرة. هل ما تفكر به صحيح؟
بالطبع داخلها يتمنى أن يكون صحيحاً. لا، لن تتحمس، ربما ما يحدث لها هو إرهاق وليس إلا. قطبت جبينها بتفكير حتى أن أيامها الخاصة لم تبدأ بعد رغم حلول موعدها. هل هي حقاً حامل رغم أن زواجهم الفعلي لم يمر عليه سوى شهر واحد؟ حسناً، هو فقط شهر ولكنهما كانا سوياً عدد من المرات يكفي لدزينة أطفال. هذا ما فكرت به بسخرية وهي ترفع كفها وتتلمس برفق بطنها. يا الله، إن مجرد التفكير يجعل قلبها يقفز فرحاً، فكيف إذا صدق حدسها؟
وماذا ستكون ردة فعل فريد إذا كان حقيقياً؟ طفل منه ينمو داخل أحشائها. طفل صغير بمرحلة جديدة في حياتها وحياته يتحولان معها من شخصين عاشقين إلى أبوين ناضجين. ليس لديها شك بأن حنان فريد سيغدق طفلها القادم أو ربما طفلتهم. حسناً، حسناً، يكفيها تخيلات. ستنتظر يومين آخرين ثم تذهب إلى الطبيبة لإجراء الفحص. هذا ما قررته وهي تغمض عينيها بسعادة وقد تلاشى كل غضبها منذ الصباح. ***
رغم ترقبها الشديد خلال اليومين التاليين إلا أنها آثرت إخفاء تعبها المتزايد عنه حتى تتأكد وتخبره. أما عن علاقتهم سوياً، فلم يحدث تغيير عن تلك الليلة ولم يتحدثا عنها ثانية. فقط يسألها باهتمام عن حالها ثم يسحبها داخل أحضانه أثناء الليل. أما عن العمل، فلم يسمح لها بالخروج من باب الفيلا الداخلية كما أخبرها ولم تجادله مما أثار استنكاره واستنكارها هي شخصياً. وبالنسبة لعلاقتها بنيرمين، فاقتصرت على المكالمات الهاتفية وتلك
الأخبار الخاصة بنجوى والتي تغدقها بها نيرمين لكسب ثقتها بشتى الطرق. حتى أنها أخبرتها عن مدبرة منزلهم القديمة "عزة" وكيف كانت تنقل جميع أخبارهم وتفاصيل حياتهم اليومية لنجوى. مع بعض الجمل عن حماسها المتزايد لمصالحة فريد وبعض مقتطفات من ماضيها والذي كان أغلبه صحيحاً. الأمر الذي جعل حياة تتعاطف معها بالكامل بل وتبدلت نظرتها عنها وتمنت لو تحدث معجزة ما تتبدل بها حياة أخت زوجها والتي أصبحت في نظرها ضحية كفريد.
وفي مكتبه، جلس فريد في مقابلة وائل الجنيدي بعد مراجعة كافة التفاصيل الخاصة لشراكتهم الجديدة. ثم وضع فريد توقيعه عليها بعدما مررها لوائل كي يوقعها أولاً. صافحه وائل ليهنئه بسعادة قابلها فريد بجمود معتاد وهو يومئ له برأسه باقتضاب. سأله وائل بعدها مستفسراً منه: -بالنسبة لعقود هناك هنعمل فيها إيه؟ أجابه فريد بغموض: -متشغلش بالك بيها، أنا هتصرف. لم يكن وائل لترضيه تلك الجملة لذلك أردف يقول متسائلاً: -هتتصرف إزاي؟
إحنا علينا دفعات متأخرة للموردين هنا ولازم نسلم لهم أي حاجة وإلا فلوسهم ترجع. وانت عارف إن ده دلوقتي معناه إفلاس الشركة. لوى فريد فمه بضيق فهو يعلم جيداً صدق حديثه. كما أنه التزم بكلمة ولن يستطيع الإخلال بها لذلك هتف مطمئناً لشريكه: -متقلقش، هسافر بنفسي أخلص هناك وأتأكد إن البضاعة اتشحنت وهرجع. استرخت ملامح وائل وقد طمأنه حديث فريد. فرغم كل ما يقال عن قسوة فريد، إلا أنه يستطيع الثقة بكلمته. عاد وائل يسأله للمرة
الأخيرة وهو يستعد للرحيل: -هي مدام حياة مش موجودة؟ انتفض فريد من مقعده كأسد يستعد للانقضاض على فريسته في أي لحظة وهو يسأله بحدة: -إنت عايز إيه من حياة؟ ارتبك وائل وشعر بالإحراج من اندفاعه الغير محسوب وأجابه مبرراً: -لا أبداً، أنا بس استغربت إنها محضرتش معانا اجتماعات امبارح والنهاردة فكنت بطمن عليها. حدقه فريد بنظرة محذرة وهو يقول بضيق: -شيء ميخصكش.
علم وائل بتجاوزه لحدوده من نظرات فريد التي تنطلق كالسهام في اتجاهه لذلك أثر الانسحاب واستأذن سريعاً في الرحيل. *** عاد وائل إلى مقر شركته وجلس خلف مكتب رئاسة الإدارة وهو يلعن تهوره بصمت. ما هي نوع الحماقة التي دفعته لسؤال زوجها عنها؟ ألم يستوعب قلبه بعد أنها ملك لغيره؟
وغيره هذا ليس غريباً على الإطلاق بل هو شريكه. تململ داخل مقعده بعدم راحة وهو يتذكر لقائهم الأخير ونظرتها وابتسامتها المرحة. إن إعجابه بها يزيد يوماً عن يوم رغم وميض الحب الذي يلمع داخل عينيها بمجرد رؤية زوجها. متزوجة! ظل عقله يردد تلك الكلمة عل قلبه يستوعبها. لوى فمه بتهكم وهو يفكر بقله حيلة فمنذ متى يتدخل العقل في عمل القلب؟
على سبيل العقل، تذكر تلك المدعوة نيرمين أخت فريد والتي أثارت فضوله بما فعلته وعليه التقط هاتفه وطلب حضور مساعده ثم أمره بجدية بعدما أعطاه اسمها تأكيد شكوكه نحوها ومعاودة إخباره في أسرع وقت ممكن. أطاعه المساعد بخضوع ثم انصرف تاركاً المجال لرئيسه لمتابعة عمله. بعد انتهاء وجبة العشاء، والتي سادها الصمت من جهة فريد وفقدان الشهية من قبل حياة، صعد فريد إلى غرفة نومهم، وتبعته حياة. تحدث إليها باختصار بعد تناول قهوته:
-اطلبي من عفاف تحضر لي شنطة هدومي عشان مسافر بكرة الصبح. أصاب حياة الإحباط بمجرد سماعها تلك المعلومة، وفتحت فمها لتسأله بخفوت: -هتغيب؟ عشان أعرف محتاج قد إيه يعني. أجابها باقتضاب وهو يراقب تعابير وجهها: -حوالي 5 أيام. خمسة أيام! بدونه! وهي من كانت تأمل بإجراء ذلك التحليل غدًا، وإخباره بنتيجته رغم شبه تيقنها من النتيجة. ثم أيجب عليهما في كل مرة الرحيل وهما على خصام؟ زفرت بإحباط ثم قالت بنبرة خفيضة حزينة:
-ما في داع لعفاف، هحضرهالك أنا. قال معترضًا وهو يجلس فوق الفراش قبالتها: -لا، ما تتعبيش نفسك. اطلبي من عفاف وهي عارفة هتعمل إيه. لوت فمها وهي تهز رأسها بضيق، ثم سألته بصوت متحشرج من أثر دموع الإحباط: -أنت شايف إنك هتتعبني؟
رفعت رأسها في انتظار إجابته، فرأت تلك الدموع المتلألئة تلمع داخل مقلتيها. لم يجيبها، لذلك تحركت بخطوات مثقلة نحو خزانة ملابسه لتبدأ في تحضير حقيبته. تبعها بخطواته ووقف بجسده خلفها، ثم مد ذراعيه يحتضنها من الخلف وأسند ذقنه فوق كتفها بصمت. رفعت ذراعيها هي الأخرى، تضعها فوق يده المحتضنة خصرها بتملك، وهي تفكر بسذاجة: هل يشعر بها وبما تحمله داخل أحشائها؟ قاطع تفكيرها سؤاله لها بصوته العميق: -تحبي تيجي معايا؟
قاومت رغبة جامحة في الاندفاع والموافقة، ولكنها تذكرت ما يحدث لها في الصباح وموعدها غدًا، إلى جانب قلقها من الطيران والمجهود الزائد، لذلك أجابته على مضض رافضة: -لا، شوف أنت شغلك وأنا هستناك لحد ما ترجع. شدد من احتضان ذراعيه لها، فأردفت تطلب منه بتوسل: -فريد.. ممكن أرجع الشغل تاني. امتنع عن الرد، لذلك حركت رأسها تنظر إلى جانب وجهه تستبين رد فعله. لم تجد ما يشجعها من ملامحه، فأردفت تضيف:
-الشغل بس ومش هروح أي مكان من غير ما تعرف. زفر مطولًا، ثم قال بهدوء وعلى مهل: -ما تمشيش من غير حراسة. وقبل ما تتحركي لأي مكان تبلغيني. ومتقابليش حد غير بإذني. أنتِ فهماني طبعًا؟ حياة، صدقيني لو اللي حصل ده اتكرر تاني مش هضمن رد فعلي. هزت رأسها موافقة، فتلك الليلة بالذات لا تسعى لإغضابه. حرك رأسه موافقًا بإستحسان هو الآخر، وقد قرر كلاهما تجاوز ما حدث بينهما منذ يومين.
بعد مرور يومين، وفي غرفة مكتبها، جلست حياة تبتسم ببلاهة وهي تضع يدها فوق بطنها كعادتها منذ تأكيد الطبيبة لها خبر حملها. يا الله، إنها الآن حامل في شهرها الأول!
كم تنتظر بفارغ الصبر عودة فريد وإخباره، فهي تجاهد في كل مكالمة هاتفية بينهم ألا ينفلت لسانها وتخبره بتلك المناسبة السارة، فبعد كل شيء تريد رؤية تعابير وجهه ورد فعله عند سماعه خبر حملها. فقط عليها الانتظار ثلاثة أيام أخرى. بالطبع، مدة طويلة للغاية بالنسبة لها. أعادها من شرودها طرق خفيف فوق باب غرفتها. اعتدلت في جلستها وعدلت من وضعها، ثم أذنت للطارق في الدخول. تفاجأت بوائل الجنيدي يقف أمامها بابتسامة عريضة تملأ ثغره.
هتفت حياة باستنكار: -باشمهندس وائل! خير؟ تنحنح وائل محرجًا، ثم أجابها مفسرًا قدومه وهو يتقدم منها لإلقاء التحية عليها: -خير. كان عندي استفسار بسيط كده مع المحامي ولقيت نفسي بعدي من تحت الشركة، فقلت أطلع أسأله بنفسي وبالمرة أسأل على فريد. ولما خلصت حبيت أسلم على حضرتك. كاذب، هذا ما هتف به داخليًا. لم يكن بحاجة للمجيء شخصيًا، هو فقط قادته ساقه إلى هنا من أجل رؤيتها. ابتسمت حياة له بود ثم قالت ببساطة:
-لا حضرتك إيه بقى، ده حتى أنا أصغر منك. مفيش داعي للرسميات دي بينا. خليها حياة بس. بادلها وائل ابتسامتها بأخرى واسعة وهو يتمتم بحماس: -موافق، بس بشرط. بلاش كمان باشمهندس، دي خليها وائل. همت حياة بالاعتراض، ولكن أوقفها رنين هاتفها الخلوي. فالتقطته مسرعة بعدما اعتذرت منه ظنًا أنه فريد. أصيبت بالإحباط عند رؤيتها هوية المتصل، ولكنها أجابت على كل حال: -كله تمام يا نيرمين، الحمد لله. استمعت لسؤالها ثم أردفت تقول بإحراج:
-حبيبتي معلش معايا ناس. شوية وهكلمك تاني. بالطبع، التقط وائل الاسم من شفتيها، فعاد يسألها بعد إنهاء مكالمتها: -هي الأستاذة نيرمين قريبة منك؟ قطبت حياة حاجبيها وهي تسأله بقلق: -أها.. يعني.. ليه؟ في حاجة؟ نظر وائل نحوها بتردد، فأردفت تحثه على الحديث وقد أثار سؤاله فضولها: -أنا أقرب لنيرمين من فريد، فتقدر تقول آه. ضغط فوق شفتيه ثم قال على استحياء: -بصراحة، في حاجة كنت عايز ألفت نظر فريد ليها، بس مش وقته. يرجع بس الأول.
لقد أثارت جملته قلقها حقًا، لذلك اندفعت تسأله بتوسل: -لا، من فضلك. لو حاجة تخص نيرمين، من فضلك بلغني بيها الأول ومن غير ما تسألني ليه، بس ده الأصح. أنهت جملتها وانحنت تلتقط قطعة ورقية صغيرة وقامت بتدوين رقمها فوقها، ثم أعطته له مستطردة برجاء: -ده رقمي. لو سمحت أي حاجة تحصل بلغني فورًا.
أومأ لها وائل رأسه موافقًا بتردد، فهو لا يعلم إذا كان صائبًا في إخبارها هي بدلًا من فريد أم لا. على كلا، سيفكر مليًا ثم يقرر من سيخبره أولًا. هذا ما قرره وهو يحييها مودعًا قبل انسحابه للخارج، تاركًا إياها تشعر بالقلق والذعر من القادم. هتفت نيرمين متسائلة بارتياب وهي تجلس أمام صديقتها وشريكتها في التخطيط: -نجوى، أنتِ متأكدة إننا هننجح وهتصدقيني؟ المرة دي هتبقى تقيلة أوي ولو راحت أو بلغت فريد هنروح في داهية؟
أجابتها نجوى بنبرة عدائية واضحة بعدما زفرت بتأفف: -يوووه يا نيرمين، مش معقول كده. كل ما أقولك حاجة تسمعيني نفس الأسطوانة! أنا بجد زهقت. انكمشت نيرمين داخل مقعدها من عداء صديقتها غير المبرر، ثم سألتها باستهجان: -في إيه يا نجوى! مالك بتتعاملي معايا كده ليه؟ أنا بس بفكر معاكي بصوت عالي. صاحت نجوى بعصبية مدافعة عن نفسها وفكرتها: -عشان أنتِ وترتيني، وكل شوية تطلعي بحجة عشان متنفذيش، مع إن أفضل وقت نتحرك فيه وفريد مسافر.
حاولت نيرمين استرضائها فقالت مبررة: -أنا مش بطلع بحجج، بس المرة دي فيها تزوير وفريد مش سهل. لو عرف هتكون نهايتي ونهايتك. أجابتها نجوى وهي ترمقها بنظرات حادة: -لو مش عايزة، كنتي قلتي من الأول وكنت ظبطها مع حد تاني. بس متجيش دلوقتي بعد ما اعتمدت عليكي وهي وثقت فيكي تخافي. أنا شفت غيرتها قبل كده وعارفة إنها مش هتتحمل. وبعدين لو حصل وفريد عرف، ابقى قولي أنا ضحكت عليكي زيها. خلاص؟ ولا في حجج تاني؟
حركت نيرمين رأسها على مضض موافقة وأجابتها رغم ترددها الملحوظ: -خلاص خلاص. حضري الصور والأوراق وبكرة هننفذ. اندفعت نجوى تقول بسخط: -الأوراق والصور جاهزة من يومين. وأنا هبعتلها بس حضرتك تكوني جاهزة، عشان الأساس كله عليكي. قالت نيرمين بفتور وهي تفكر بجدية في صواب ما يفعلاه: -ماشي، نفذي بكرة وهتلاقيني معاكي.
في مساء اليوم التالي، وبعد عودة حياة من الشركة، أضاء شاشة هاتفها معلنًا عن وصول عدة رسائل نصية متتابعة. التقطتها حياة بلهفة، فربما فريد قرر إرسال رسالة لها. لقد اشتاقته حد الجنون، رغم حديثه معها عدة مرات خلال اليوم، ولكن كيف لقلب عاشق مثلها أن يكتفي بمكالمة أو اثنتين؟ فتحت هاتفها ونظرت في فحوى الرسائل المرسلة من رقم مجهول. ثم جحظت عينا حياة للخارج وازدادت حدة تنفسها. إنه زوجها! نعم، هو فريد! بمواضع حميمية! مع من؟
نجوى! لن تصدق! لن تصدق! تلك الصور مركبة! هذا ما ظلت تهتف به إلى أن جأتها رسالة مصورة أخرى. عقد زواج عرفي. قرأته بأنفاس مقطوعة ودقات قلب متسارعة. عقد زواج فريد ونجوى! بحثت عينيها بلهفة عن توقيعه للتأكد. بدأت الدموع تترقرق داخل مقلتيها، فهي تعرف توقيعه جيداً وتعاملت معه آلاف المرات. وهو نفس ذات التوقيع الواقع هنا في ذلك العقد.
قرأته مرة ثانية وثالثة ورابعة، ربما هناك خطأ ما. لا، ليس هناك أي أخطاء. العقد بتاريخ قديم، قبل حتى عقد زواجهم بشهر. أي أنهم معاً منذ ٤ أشهر. لا، فريد لا يفعل بها ذلك. هذا ما فكرت به ودموعها تنساب فوق وجنتيها بقوة. رسالة مصورة أخيرة من ذلك الرقم المجهول من أحد المعامل المشهورة. تحليل حمل باسم نجوى سعيد العمري. النتيجة إيجابية. صرخت حياة وهي تلقي الهاتف من بين يديها. ما هذا الكابوس الذي سقطت به؟
لا يعقل. فمنذ زواجهم وهو يبيت كل ليلة داخل منزله، حتى في بداية زواجهم عندما كانت غرفهم منفصلة كان يبيت كل لياليه في غرفته. وأيضاً، منذ ما يقارب الشهرين وهي معه في العمل وفي الليل تنام داخل أحضانه. ولكن أيضاً، تاريخ العقد قبل زواجهم. شهقت بفزع. هل يعقل أن حديثه تلك الليلة على أن سفريته قضاها معها صحيح؟ وهي من ظنته قال لها ذلك من أجل أحزانها. لا، فريد لا يفعل ذلك.
بدأت الرؤية لديها تتشوش من كثرة الدموع المنهمرة من مقلتيها. ستواجهه الآن. ستهاتفه وتستعلم منه عن كل ذلك الهراء الذي وصل إليها. تحركت لتمسك هاتفها وتخرج رقمه. وفي تلك اللحظة، صدع رنينه معلناً عن ورود اتصال جديد لها من نيرمين. لم تكن حياة في حالة تسمح لها بالإجابة على أي اتصالات، لذلك رفضت الاتصال.
عاودت نيرمين اتصالها عدة مرات متتالية دون انقطاع، يليها رسالة نصية مختصرة مفادها أنها بالخارج، تريد التحدث إليها بأمر عاجل لا يحمل التأخير، والحرس يمنعها من الدخول. ترى هل ستخبرها بشيء ما يخص تلك الصور والعقد؟ اندفعت تستقبلها بأمل، فربما تخبرها بكذب تلك الصور وذلك العقد والتحليل. أعطت حياة أوامرها للحارس بأفساح المجال لنيرمين والسماح لها بالدخول.
همّ الحارس بالرفض، ولكن قاطعه صراخ حياة به بشراسة وهي تدفعه بقوة ليسمح لنيرمين بالقدوم، فهي في حاجة ماسة لسماع ما يريح قلبها. انصاع الحارس في الأخير لأوامرها، خصوصاً وهو يرى الحالة العصبية التي تمر بها. سمح لنيرمين بالدخول، ثم أخرج هاتفه ليخبر سيده بما حدث. ***
أما عن نيرمين، فقد هرولت تلحق بحياة التي سبقتها للداخل، وهي على يقين أن مخططها مع نجوى قد أصاب هدفه. فحياة على وشك السقوط مغشياً عليها من شدة الإعياء وشحوب الوجه. أخذت نفساً عميقاً متصنعة الهلع، ثم هتفت بلهفة انطلت جيداً على حياة التي لم تكن ترى الأمور بشكل سليم: -حياة، هاتِ تليفونك لو سمحتي.. سألتها حياة بحدة وهي تبتعد عنها عدة خطوات: -ليه!!! عشان مش أشوف اللي هيتبعتلي!! اتأخرتي يا نيرمين..
شعرت نيرمين بالانتصار من تصديق حياة لتمثيلها، فأردفت تسألها متصنعة القلق: -قصدك إيه!! أوعي تقوليلي إن نجوى بعتتلك حاجة! صرخت حياة تجيبها: -هي بعتتلي حاجة واحدة بس!! دي بعتتلي كل حاجة.. تحركت نحو نيرمين مرة أخرى، ثم رفعت ذراعها تهزها بعنف وهي تهتف بتوسل: -انتي كنتي صاحبتها.. قولي إن ده مش حقيقي.. قولي فريد ما يعملش كده فيا.. أخفضت نيرمين رأسها لتهرب من النظر في عينيها، ثم أجابتها بخفوت:
-أنا كان نفسي ألحقها قبل ما تبعتلك بس ملحقتش للأسف.. مسحت حياة دموعها المنهمرة بظهر كفيها، ثم سألتها بهدوء نسبي وترقب: -قصدك إيه؟ ابتعلت نيرمين لعابها بتأثر مدروس، ثم قالت بخفوت: -نجوى كلمتني وهي في حالة هيستريا وهددتني لو فريد مكلمهاش النهارده هتبعتلك وهتقولك كل حاجة.. وأنا حاولت أكسب وقت لحد ما أوصل لفريد وأحذره، بس طبعاً انتي عارفة هو قد إيه بيكرهني.. فملقتش حل قدامي غير إني أجي هنا وأحاول أخبي الرسايل دي عنك..
ضيقت حياة عينيها فوق نيرمين تسألها باستنكار: -يعني انتي كنتي عارفة!! عارفة إن فريد متجوزها!! هتفت نيرمين مدافعة عن نفسها بمهارة: -حياة لو سمحتي اهدى.. دي كانت حاجة قديمة قبل ما فريد حتى يتجوزك.. وأنا متأكدة إنه من بعد جوازكم مبقاش له أي علاقة بيها.. صرخت حياة بهيستيريا لتقاطعها: -قديم!!! وحملها ده كمان قديم.. أنا لازم أعرف التفاصيل.. أجابتها نيرمين وعيونها تلمع بانتصار، فزوجة أخيها تصدقها بالكامل:
-بصراحة هو جواز فريد من نجوى كان غلطة يعني.. كل الحكاية إنهم في يوم كانوا بيشربوا مع بعض واتقلوا شوية في الشرب وتاني يوم فاقوا لقوا نفسهم سوا.. طبعاً ده اللي نجوى حكتهولي.. وبعدها جه موضوع جوازكم وكل ما فريد كان بيحاول يطلقها كانت بتهدده إنها هتبلغك.. وصدقيني هو عشان بيحبك كان خايف يخسرك..
ارتمت حياة على أقرب مقعد لها، فقداها لم تعد قادرة على حملها بعد كل ما سمعته. ظلت تشهق وتنتحب بقهر حتى نفذت دموعها وشعرت بكل قواها تختفي. رفعت كفها تتلمس بطنها بحسرة، ثم سألت نيرمين بخفوت وهدوء عجيب: -وحملها؟ أجابتها نيرمين بإقناع: -أنا بلغتك إن فريد من ساعة ما اتجوزك مبقاش له أي علاقة بيها.. والحمل حصل يومها.. قاطعتها حياة متسائلة باعتراض: -بس تاريخ التحليل من شهرين بس.. أجابتها نيرمين مفسرة بمهارة:
-أنا كمان أخدت بالي من كده وهى لما بلغتني مصدقتش برضه.. لحد ما في يوم روحت معاها الدكتورة وشفت بنفسي.. بحديثها هذا قضت نيرمين على آخر أمل يراود حياة، لذلك أخذت نفساً عميقاً، ثم قالت بانكسار: -يعني انتي كنتي عارفة إن أخوكي هيبقى عنده طفل وساكتة.. أجابتها نيرمين مدعية البراءة: -بصراحة في الأول مكنتش مهتمة ويمكن أكون مبسوطة عشان نجوى.. بس بعد ما شفت وشها المنافق واتعرفت عليكي كويس خفت تعرفي وحياتكم تدمر..
هزت حياة رأسها بضعف وهي تلتقط هاتفها وتتحرك نحو الدرج. ركضت خلفها نيرمين تستوقفها وهي تسألها بقلق: -انتي رايحة فين؟ أجابتها حياة بنبرة خفيضة منكسرة: -ولا حاجة.. هطلع أنام.. لو سمحتي سبيني لوحدي دلوقتي.. لم تجادلها نيرمين، فمهمتها نفذت على أكمل وجه، وما تبقى في يد حياة. لذلك أومأت برأسها لها موافقة، ثم انصرفت نحو الخارج. ***
صعدت حياة إلى غرفتها وهي تجر أذيال الخيبة خلفها. فعقلها لا يستوعب بعد كل ما تعلمه حتى الآن. وهي من كانت تنظر عودته على أحر من الجمر لتخبره ببشرى أبوته، وهو في الأساس أب. لوت فمها بتهكم مرير وهي تجلس فوق الفراش بجمود وتفكر بقهر. هذا يفسر كل شيء. فالطالما كانت تتساءل عن سر تهاونه مع نجوى، والآن أضحت الإجابة واضحة أمام عينيها. ببساطة لأنها زوجته، حتى لو كان بعقد عرفي هي تسمى زوجته.
عادت الدموع لتملأ عينيها مرة أخرى. يبدو أن السعادة تأبى أن تكتمل معها. صدع رنين هاتفها، وتلك المرة المتصل هو فريد نفسه. بالطبع أخبره حارسه بزيارة نيرمين، لذلك يهاتفها رغم فارق التوقيت بينهم. أجابته بنبرة خافتة حاولت قدر الإمكان إخراجها طبيعية. أما هو، فهتف بها بحدة متسائلاً على الفور: -حياة.. نيرمين كانت هنا بتعمل إيه!! أنا مش نبهت عليكي قبل كده!!!
بمجرد سماعها صوته، بدأت تشهق في البكاء دون مقدمات. استمع إلى بكائها بقلب قلق، ظناً منه أن بكائها بسبب حدته معها. لقد اتخذ قراره. عندما يعود سينهي مع والده موضوع نيرمين إلى الأبد. هتف اسمها بنعومة بعد فترة من استماعه لشهقاتها المتلاحقة محاولاً تهدئتها، فأجابته بنبرة ضعيفة متحشرجة: -فريد.. ممكن نتكلم بعدين.. عشان خاطري بلاش النهارده.. زفر بضيق، ثم قال بحزم قبل إنهاء المكالمة:
-طيب تمام.. أنا هحاول أخلص الشغل هنا وأركب طيارة بكرة وبليل هكون عندك.. أنهت معه المكالمة بوداع مقتضب، واستلقت فوق الفراش تحاول الوصول لقرار ما. لن تفرط في طفلها مهما حدث. هذا أول قرار اتخذته. ولكنها أيضاً لا تستطيع العيش مع فكرة وجود طفل آخر لديه ومن تلك الحرباء نجوى. لا، لن تسمح لمأساته أن تتكرر مع طفلها. ومع وجود عقد زواج بينهم، تخشى تكرار ماضي والده ووالدته معها. إذاً، ما الحل؟ هل تجبره على التخلص من ذلك الطفل؟
لا، ضميرها لا يسمح لها. وحتى إذا سمح لها، أين تذهب من عقاب الله لها؟ لا يوجد سوى الحل الذي كانت تخطط له من البداية. ستفر هاربة بروحها وطفلها. نعم، على الأقل مؤقتاً، هي ستحمي نفسها وطفلها، وليحدث ما يحدث بعدها. هذا ما قررته بإصرار وهي تغمض عينيها محاولة السيطرة على شعور الغثيان الذي اجتاحها. ***
في الصباح، انتظرت حياة شروق الشمس، ثم بدأت تتحرك لتنفيذ خطتها. هذا آخر قرار اتخذته. لن تجلس في منزله دقيقة واحدة وهي على علم بزواجه من أخرى. وحتى لا تثير الشك، ستتحرك كالمعتاد، فقط بحقيبة يدها. تناولت حبوب الغثيان التي نصحتها الطبيبة بتناولها في الصباح لتقليل شعورها به، واغتسلت جيداً، ثم ارتدت ملابس عملية مريحة عبارة عن بنطال من الجينز وحذاء رياضي أبيض مع جاكيت رياضي وحقيبة ظهر صغيرة.
حانت منها التفاتة أخيرة لتلك القماشة المطوية بين ملابسها والتي أعطاها لها فريد يوم زفافهم. رفعتها إلى فمها لتقبلها، ثم وضعتها داخل حقيبتها، وتركت هاتفها فوق المنضدة، فبعد كل شيء، هي لا تريده أن يتتبعها من خلاله.
هبطت للأسفل متوجهة نحو الحديقة، وطلبت من الحارس الذهاب إلى مول تجاري لشراء بعض الأشياء الخاصة. تردد الحارس في موافقته، ثم تحرك مبتعداً عنها. كانت تعلم أنه يأخذ الإذن من رئيسه أولاً، ولكنها لم تهتم. يكفيها الخروج من ذلك المنزل ونجاح خطتها. *** هتف وائل في مساعده بتأثر وهو يضع سماعة هاتفه فوق أذنه: -انت متأكد من الخبر صح؟ أكد له مساعده الشخصي بثقة:
-أيوه يا فندم.. أنا فضلت وراها بنفسي وشوفتها وهي بتتعامل مع ديلر في منطقة **** وبعدها عرفت بطريقتي إن الولد ده تخصص نوادي ليلية وولاد الناس اللي زي حالتها.. وعرفت إنها بتتعامل معاه بقالها شهر أو أكتر. أغلق وائل معه الهاتف بإحباط، فرغم كل شيء هي فتاة جميلة للغاية. سلك ذلك الطريق المحتوم نهايته. أمسك هاتفه وظل ينظر إليه فترة محاولًا اتخاذ قراره. هل يخبرها أم لا؟
انتظر عدة دقائق أخرى ثم أخرج قصاصة الورقة من جيب ردائه الداخلي ليهاتفها. ظل يستمع إلى جرس الهاتف منتظرًا إجابتها. انتهى الجرس دون رد. عاود المحاولة عدة مرات أخرى دون جدوى. أنهى اتصاله وقد قرر معاودة الاتصال بها في وقت لاحق، فهذا أمر لا يقبل التأخير.
بعد حوالي ساعة كانت حياة تقف أمام المول التجاري الذي وقع اختيارها عليه بسبب قربه من خطوط السكك الحديدية. تحركت وتحرك خلفها حراستها. وعند وصولها إلى محل المستلزمات الإسلامية طلبت منهم انتظارها في الخارج لشراء هدية لأحد زميلاتها. بعد قليل خرجت وهي تحمل في يدها حقيبة المتجر والتي تحتوي على زي شرعي "نقاب" لإخفاء وجهها.
بعد زيارتها عدة محال تجارية أخرى حتى لا تثير الشك، طلبت منهم الذهاب إلى المرحاض ثم قامت بتبديل ثيابها وارتداء لباسها الجديد. ثم نظرت في المرآة لتتأكد من إخفائه لهويتها. هزت رأسها برضا، فذلك الرداء الأسود أخفى ملامحها وجسدها بالكامل.
أخذت نفسًا عميقًا ثم تحركت للخارج بحذر شديد. وكما توقعت، لم يهتم الحراس بالنظر إليها، فنظرتهم جميعًا كانت مسلطة على الباب في انتظار خروجها بهيئتها الطبيعية. تحركت بتأني حتى وصلت إلى باب الخروج ثم ركضت إلى الخارج تستقل أول سيارة أجرة صادفتها متجهة نحو محطة القطار لتستقل أول واحد يقابلها.
تحرك رئيس الحراس في مكانه بملل وهو يرفع ساعده لينظر في ساعة يده. لقد مر حوالي نصف ساعة وسيدته لم تخرج حتى الآن. هل ما تفعله يستغرق كل ذلك الوقت؟
لقد بدأ الشك يراوده. لذلك، وعند خروج إحدى السيدات من المرحاض، أوقفها ليسألها بأدب إذا كانت توجد سيدة بمواصفات حياة في الداخل ليطمئن عليها. أجابته السيدة بأنها كانت في الداخل بمفردها. وعليه، تحرك إلى رئيس أمن المول يشرح له الأمر ويطلب منه الدخول للبحث عنها. بعد التأكد من خلو منطقة الحمام، اندفع رئيس الحراسة مع ما تبقى من حرسه للبحث عنها ولم يجد لها أثر. ركض وحراسه داخل المول بأكمله وخارجه بحثًا عنها دون جدوى. رفع هاتفه بعد يأسه في إيجادها بهلع ليخبر فريد الذي كان في وسط اجتماع هام مع شركائه الألمان. التقط فريد الهاتف مسرعًا ليستمع إلى صوت رئيس
حراسه يخبره بصوت مذعور: -فريد بيه.. حياة هانم اختفت..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!