تحاملت حنين على نفسها ونهضت لتأكل شيئًا ما، لأنها لم تتناول شيئًا منذ الفطور. وقد تأخر محمد في العودة ولم يتصل بها حتى الآن. في البداية شعرت بالدوار مما جعلها تستند على الجدار حتى عاد كل شيء طبيعيًا، ثم أكملت سيرها ببطء حتى المطبخ وقامت بإعداد وجبة خفيفة تناولتها حتى تشبع جوعها وجوع طفلها. حاولت الاتصال بمحمد لكنه لم يرد، وعندما ملّت رمت الهاتف بجانبها وهي تزفر بضيق.
وضعت يدها على بطنها وهي تفكر ما الجديد الذي طرأ على زوجها حتى ينقلب حاله بهذا الشكل. فهو لم يبدو متضايقًا من تعبها من قبل، لأنه يعلم أنه ليس بإرادتها.
لقد عانوا قليلًا حتى حدث الحمل، لأنها واجهت بضعة مشاكل. فقد كان رحمها ضعيفًا للأسف، واضطرت لأن تأخذ أدوية تساعدها ويجب عليها أن تلزم السرير غالبًا إن لم يكن طوال الوقت. وألزمها الطبيب بذلك خوفًا على جنينها، منبهًا عليها أن صحتها النفسية لا يجب أن تسوء تحت أي ظرف حتى لا يتأثر حملها سلبًا، وأن أقل ضرر لها أو لنفسيتها قد يشكل خطرًا. ومحمد لم يعارض ذلك، بل كان يراعي حالتها، مع أنها أحيانًا تشعر بأنه ضجر من كل ذلك، ولكنه لم يواجهها صريحًا كما اليوم.
تناولت هاتفها وحاولت الاتصال عليه مرة أخرى، فرد عليها أخيرًا. قالت متلهفة بنبرة عتاب: "وأخيرًا رديت عليا يا محمد! كنت فين كل ده؟ رد بنبرة متوترة من عتابها: "كنت قاعد مع صاحبي يا حنين، مسمعتش التليفون معلش." سألته حنين باستنكار: "كل ده مع صاحبك يا محمد ومفكرتش تكلمني؟ أنت عارف الساعة كام وأنت نزلت وسايبني لوحدي! رد قائلًا بنبرة نادمة: "أنا آسف يا حبيبتي، أنا جاي لك في الطريق حالا."
أغلقت الهاتف معه وهي تشعر بغصة وضيق شديد. شرعت تهدئ نفسها، وأنه لابد لم ينتبه للوقت وقد اشتاق لمجالسة أصحابه. عاد بعد ربع ساعة ودلف إليها. وقف أمام السرير: "أنا آسف يا حبيبتي، مكنش قصدي." تنهدت حنين وأومأت برأسها، وقد قررت أن تمرر الأمر لأنها لن تحدث جلبة لأمر كهذا. جلس بجانبها يمسك بيدها وهو يبتسم: "طب عايزة تأكلي إيه؟ قوليلي وأنا هطلب لك أو أقوم أعملك." ابتسمت له بوهن:
"أنا أكلت حاجة خفيفة يا حبيبي من شوية، مش مشكلة." خلدا إلى النوم. وفي اليوم التالي تحسنت صحة حنين بدرجة استطاعت معها أن تنهض من السرير لتجلس في الصالة قليلًا لأنها قد ملت من غرفة النوم. كانت تحادث والدتها كالعادة حين صعدت إليها حماتها. فأغلقت حنين المكالمة، ثم ابتسمت لحماتها التي يحمل وجهها عبوسًا غير مريح. حنين: "أهلًا يا طنط، تحبي أقوم أجيب لك عصير؟ لمعت عيون حماتها بسخرية وقالت باستهزاء:
"مش لما تكوني قادرة تعملي لنفسك يا فالحة." انزعجت حنين من حديثها فردت: "حضرتك عارفة طبعًا أنه مش بإيدي يا طنط، كله علشان الحمل وربنا يكملي على خير." حدقت إليها حماتها باستنكار: "ليه كنتِ أول واحدة تحملي! ألا بس دلعك زايد شوية." حاولت حنين أن تتحكم في أعصابها ولا ترد عليها حتى لا تحدث مشكلة. إلا أن حماتها لم تتوقف عند هذا الحد فأكملت باستفزاز: "وياترى بقى بعد كل ده هتجيبي لينا في الآخر ولد ولا بنت؟ لم تنظر
ناحيتها وهي تجيبها بفتور: "اللي يجيبه ربنا كله كويس، المهم يكون صحته كويسة سواء ولد ولا بنت." صدر عن حماتها صوت ساخر ولم تجب، مما زاد من ضيق حنين التي شعرت بإرهاق من مجرد هذه المحادثة التي أنهكت أعصابها. ولكنها لا تريد حدوث مشكلة بينها وبين حماتها، فتلجأ للصمت متى ما استطاعت. عاد محمد للمنزل فوجد والدته التي ابتسم لها: "أهلًا يا ماما، عاملة إيه؟ نظرت بغير رضا للأكياس التي يحملها في يده، وواضح أنها طعام من الخارج.
ثم أجابته باستهجان: "كويسة، أنا هنزل شقتي بقى." عقد محمد حاجبيه باستغراب: "طب ليه؟ ما تقعدي تتغدي معانا." رمت حنين بنظرة ضايقتها قبل أن تلتفت لمحمد: "لا كفاية عليا كدة يا حبيبي." ثم اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه تقول بحسرة: "قلبي عليك يابني، حتى الأكل مش متهني عليه وبتجيبه من برة." لم تستطع حنين تحمل مزيد من الإزعاج، فنهضت وهي تقول بحدة: "أنا هدخل الأوضة أريح شوية يا محمد." حنين دلفت للغرفة. التفت
محمد يقول بعتاب لوالدته: "ليه كدة يا ماما؟ ما أنتِ عارفة أنها تعبانة." ردت والدته بعصبية: "أنا غلطانة أني خايفة عليك وعلى مصلحتك. ده ياعيني عليك يابني مش متهني بأي حاجة، ده حتى الشقة مش بتحط أيد فيها وست طالعة ونازلة علشان خاطر الهانم تفضل مستريحة متتحركش. ولو مجتش البيت يضرب يقلب طول الوقت. ولا حتى الأكل متهني فيه على لقمة، هتفضل تجيب أكل من برة لحد ما فلوسك تخلص ولا يجي لك حموضة!
ولا أكيد أبسط حقوقك كرجل مش قادرة توفيها معاك." حدق لها بعيون متسعة لجرأة حديثها. فردت بتهكم: "إيه قولت حاجة غلط؟ زفر بضيق ولم يرد. فرمقته والدته بنظرة احتقار وغادرت. أما هو، وضع الأكل على الطاولة ثم دلف لغرفة النوم. ابتسم لها وهو يمسك بيدها: "مش يلا علشان نأكل؟ تنهدت حنين بحزن: "مليش نفس." قال محمد بدهشة: "إيه الكلام ده يا حنين؟
مينفعش كدة، أنتِ ناسية أنك محتاجة تغذية علشان البيبي كمان، قومي يلا وكبري دماغك من أي حاجة." طاوعته ونهضت حتى يتناولوا الطعام سويًا. ثم بعد أن فرغوا من تناول الطعام، أقترب منها وهو يمسك بيدها: "عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟ شبعتِ؟ ابتسمت له بحب: "بخير يا حبيبي، اه الحمدلله شبعت وعايزة أنام شوية." غمز لها بابتسامة: "طب ما تيجي نريح شوية." توترت حنين وقالت بارتباك:
"ما أنت عارف يا حبيبي الدكتور قال إيه، وأنه ممنوع لحد ما الحمل يثبت وده هيبقى خطر جدًا عليه." ترك يدها بحدة وهو يزفر بصوت عالي بغضب قائلًا: "إيه القرف ده يا حنين! دايما كل حاجة مش قادرة، مش قادرة، أمال هتبقي قادرة لحاجة واحدة بس إمتى! ده إيه القرف ده الواحد زهق من كل حاجة!
ثم تركها وغادر الشقة وهو يغلق الباب بقوة أحدثت صوتًا عالي. وحنين مكانها تنظر أمامها بصدمة، حتى أن دموعها هبطت على وجنتيها، وهي ما زالت لا تستوعب ما فعله محمد وقاله قبل قليل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!