في مصر، وتحديداً في القاهرة، في حارة متوسطة الحال. وتحديداً في إحدى الشقق متوسطة الحجم، ولكنها جميلة. في الصباح. كانت واقفة بنت في غرفة، واضح من تصميمها أنها بناتية. الهدوم مرمية على السرير بإهمال، بعض الأوراق على مكتب دراسي صغير. واقفة بنت أمام المرآة تمشط شعرها الأسود الشبه كيرلي والحريري في نفس الوقت. بشرتها صافية وهادية، شفايفها وردية ومنتفخة قليلاً.
عيونها جميلة من الخارج، خاصةً لما تبتسم، دا غير لونها الرمادي ولون أزرق ولكن خفيف جداً لا يُلاحظ إلا من قريب. قصيرة وجسدها مثالي وممشوق، أنثى بحق، وملامحها بريئة. تبلغ من العمر 22 سنة. كانت مبتسمة بهدوء، وابتسامة عينها واضحة. عملت شعرها ذيل حصان، وكانت لابسة قميص لونه أبيض بأكمام وبه فيونكة عند الياقة، وبنطال جينز وكوتشي أبيض. تلفونها رن، مسكته وابتسمت بخجل لما شافت الاسم "مازن". ردت بصوتها الرقيق قائلة:
صباح الخير يا مازن. أتاها الرد قائلاً: صباح الخير يا أسيل. أنتي فين دلوقتي؟ قالت بسرعة وهي تلف وهي تأخذ الأوراق: مش هتأخر، خمس دقايق وهكون عندك. رد قائلاً: أنا مستنيكي أهو. قفلت بسرعة ومسكت شنطتها الصغيرة، وأخذت تلفونها، والأوراق وضعتهم في ملف وخرجت للصالة. كان يجلس رجل في الخمسين على كرسي السفرة الصغيرة ويمسك هاتفه الجديد يقلب به باستغراب. خرجت أسيل وهي تسمع صوت الزيت من المطبخ. قربت من والدها بابتسامة قائلة بتفاؤل:
صباح الخير يا بابا. نظر لها قائلاً: تعالي يا بنتي شوفي لي البتاع دا! عايز أتصل بعمك حسين. ضحكت بخفة وقعدت جنبه ومسكت التليفون وجابت رقم عم حسين. أعطت الهاتف لوالدها قائلة: اتفضل يا معلم. ابتسم بخفة وهو ينظر للرقم قائلاً: هو! أنتي هتاخدي مرتبك امتى؟ اتنهدت قائلة: يا بابا، إحنا لسه عشرين في الشهر. خرجت والدتها من المطبخ وفي يدها طبق سلطة وقالت: أهم حاجة، أنتي مرتاحة في الشركة دي؟ قالت بهدوء:
جداً يا ماما. دي شركة كبيرة جداً ومعروفة ومرتبها كويس، إزاي مش عايزاني أرتاح! قعدت والدتها على الكرسي قائلة: والله كتر خيره الواد مازن. مخليكيش تدوري على شغل بعد التخرج وجاب لك هو شغل فوراً. ابتسمت حياة وهي تطلع دواء والدها من العلبة: فعلاً، بفضله مكنتش هلاقي شغل. والده يعرف صاحب الشركة، وبسبب توصيته مكنتش هقدر أشتغل. قال والدها: أنتي بقالك شهرين باين؟ صح؟ قالت والدتها: بقالها شهرين ونص يا محمد. قال محمد:
طب يلا هاتوا لنا الفطار يا نعمة. قامت أسيل بسرعة وقالت: لا، أنا اتأخرت. أفطروا أنتوا، سلام. واتحركت وخرجت بسرعة من الشقة. اتنهدت نعمة قائلة: مكدبش عليك، بس أنا نفسي أشوفها عروسة. وياسلام لو العريس يبقى مازن. نظر لها محمد بضيق وقال: مينفعش يا نعمة. شوفي هو فين، وإحنا فين! دا ابن راجل غني. نظرت له بضيق قائلة: ابن راجل غني، ومصاحب بنتك أهو من أول يوم جامعة. بصلها بحدة وقال: هو إيه دا اللي مصاحبها!
لا طبعاً، هو بيساعدها وبس. بصلها بسخرية وقامت وقفت واتحركت للمطبخ. قال بصوت حاد: صحي ابنك الفاشل دا، خليه يروح يشوف له شغلانة. نظرت له بتوتر وتردد ومتكلمتش. وعدت من أمام غرفة ابنها ومكانش في حد، لأنه لم يأتي للمنزل حتى. _على السلم. نازلة أسيل على السلم وهي تدور في شنطتها على حاجة. وقفت قدامها امرأة، لدرجة أن أسيل اتخضت منها. قالت الست اللي بتكون جارتهم واسمها علا: رايحة فين يا أسيل؟ ردت أسيل بضيق: الشغل يا طنط.
ابتسمت علا وهي تبص عليها من فوق لتحت بكبرياء وقالت: اممم... ماشي يا حبيبتي بألف سلامة. تحبي أنادي سعد ابني ييجي يوصلك؟ قالت أسيل بسرعة: لا... شكراً، مش عايزة. سلام. ومشت بسرعة من أمامها حتى لا تتحدث معها أكثر. لفت علا ونظرت لها من فوق لتحت وهي تخرج من باب العمارة. وضعت يدها على ذقنها بعوج ورفعة حاجب قائلة: أنا مش عارفة أنتي شايفة نفسك على إيه؟ واتنهدت ولفت وهي تحمل كيساً صغيراً به طماطم، وطلعت لفوق متجهة لشقتها.
_خرجت أسيل واتحركت بسرعة وطلعت لأول الشارع ولقت عربية حديثة لونها أبيض واقفة. قربت منها ونظرت من النافذة مبتسمة بخجل وقالت: أسفة إني اتأخرت عليك. نظر لها مازن وابتسم قائلاً: لففتيني وراكي يا شيخة، اركبي يلا. ضحكت بخفة وركبت، وهو انطلق بالسيارة. قال لها: إيه؟ مالك مضايقة كده ليه؟ قالت بضيق: عارف جارتي! طنط علا؟ قابلتها على السلم. قال وهو ينظر للطريق بهدوء: ال ابنها كان متقدملك؟ أومأت له وقالت بقر*ف: بجد ست غريبة...
بتقعد تبص لي من فوق لتحت كده، وببقى حاسة إنها عايزة تنتقم مني عشان رفضت ابنها. قال مازن بهدوء: سيبك منها، مش هتقدر تعمل حاجة أصلاً. اتنهدت وسكتت، وهو كمل سواقة. *** في مطار القاهرة. وتحديداً في مدرج خاص برجل أعمال. انفتح باب الطائرة والعمال وضعوا السلالم. يقف حشد من الحراس الذين يرتدون الأسود والنظارات السوداء العريضة، ومنهم من يحمل الأسلحة. نزل شخص من باب الطائرة، واضح عليه الهيبة والوقار.
يرتدي بذلة قاتمة السواد، بقميص أسود، وبنطال أسود، حتى نظارته سوداء. كل شيء في حياته معتم. ولكنه كان شديد الوسامة، رغم حده وجمود وجهه. عيونه كعيون الصقر البري، فكه وحاجبه يتسم بالحدة والتناسق. بشرته قمحاوية، شعره أسود كثيف وناعم ومصفف بعناية. يرتدي ساعته الرولكس ذات اللون الأسود القاتم الذي يلمع. نزل بخطوات ثقيلة ومحسوبة.
وراءه شخص يمشي خلفه بجمود يرتدي بذلة باللون الأسود أيضاً، ولكن بقميص أبيض، ويحمل بيده تابلت رمادي اللون. أتت سيارات كثيرة جيب متميزة باللون الأسود وكأنه موكب عصا*بة. ركب أحد السيارات وكانت أفخم وأوسع سيارة وجلس في الخلف. وبجانبه مساعده "يامن". قال يامن بهدوء: تحب نروح فين ياباشا؟ الشركة ولا القصر؟ اتنهد وأعاد رأسه للخلف مغمض عينه قائلاً بصوته الرجولي الشامخ: القصر. أومأ له يامن باحترام، وقال للسائق على الوجهة وانطلق.
جاء صوت من هاتفه معلناً وصول رسالة. أخرجه من جيب بدلته ونظر في الهاتف بهدوء. كانت رسالة مكتوبة باللغة الإيطالية: "Abbi cura di te Elias" _"اعتني بنفسك يا إلياس" _اتنهد بهدوء وقفل الهاتف ونظر من النافذة. *** في شركة الألفي الرئيسية للتعدين والصلب. شركة كبيرة جداً، ومساحتها واسعة، فهذه هي الشركة الكبرى من بين الشركات الأخرى وكل شركة بتخصص آخر. نزلت أسيل من العربية ونظرت لمازن بابتسامة وقالت: شكراً يا مازن.
نظر لها بسخرية قائلاً: ما أنا بوصلك كل يوم، إيه الجديد؟ ابتسمت بخفة وقالت: لا عادي، بس حابة أشكرك على كل حاجة. يعني لولاك مكنتش هلاقي شغل بعد التخرج بالسرعة دي. ابتسم وقال: يا بنتي أنتي أختي، وطبيعي اللي بعمله أكيد. اتضايقت، لكنها دارت وقالت: طب هو أنت كمان مش ناوي تشتغل في شركة أبوك بقى؟ ارتدى نظارته ونظر للأمام بابتسامة رايقة قائلاً: أنا لسه صغير وبشوف حياتي. نظرت له بسخرية وبعدت وشاورت له بالوداع، وهو انطلق.
أخذت نفس قوي واتحركت ودخلت للشركة. شافت رجل الأمن وابتسمت قائلة: صباح الخير يا عمو رضوان. ابتسم لها وأومأ بخفة. وهي كملت للداخل وسلمت على موظفة الاستقبال، واتجهت للمصعد اللي كان مزدحم جداً، لكنها ركبت وكانت مزنوقة في آخر الدنيا. بعد ما طلعت في الدور الخامس، وده أقل دور كمان. كان مكان واسع وبه الكثير من المكاتب وناس رايحة وناس ماشية. اتحركت وراحت لمجموعة من المكاتب ملتصقين ببعض وأمامهم أيضاً في غيرها.
قعدت على مكتبها بكل هدوء ووضعت الملف وهي تبتسم. لكن ابتسامتها اختفت لما رئيسة أو مديرة القسم قربت منها بعصبية وقالت: اتأخرتي دقيقتين يا هانم. همهمت أسيل وهي تنظر للأسفل وتضع يدها على رأسها: اللهم طولك يا روح. مسحت وشها وابتسمت ابتسامة مزيفة وقامت وقفت قائلة: صباح الخير يا طنط... أقصد يا حضرة المديرة. اتنهدت المديرة اللي كان سنها كبير ولابسة نظارة بيضاء كبيرة وقالت بحده: فين الملف اللي قولتلك تخلصه امبارح؟ ناولتها
أسيل الملف بسرعة وقالت: أهو... أخدته بس معايا البيت عشان أخلصه. شدت المديرة الملف بحدة وقالت: متتكررش تاني، الشغل يبقى في الشركة وبس... مفهوم يا هانم. أومأت لها أسيل بنفس الابتسامة، ولفت المديرة ومشيت. ملامح أسيل اتبدلت للسخرية والقرف قائلة: ملقوش غيرك تبقي مديرة يعني، واسمك كمان لطيفة... وأنتي مش لطيفة خالص. ضحكت صحبتها من وراها وقالت: وطي صوتك يا بنتي لاحسن تسمعك. لفت لها أسيل وقالت: اسكتي يا شمس...
دي عاملالي قلق في المكان. قالت شمس: عشان أنتي أصغر واحدة فينا، واشتغلتِ بواسطة على طول. اتنهدت أسيل وقعدت على الكرسي وقالت: يعني ما أنا بشوف شغلي زي زيكم أهو. جابت شمس كرسي وقعدت جنبها وقالت: المهم، معرفتيش الخبر الجديد؟ استغربت أسيل وقالت: إيه؟ قالت شمس: صاحب الشركة وصل مصر النهاردة. قالت أسيل باستغراب: هو كان مسافر؟ قالت شمس: أيوا... بس مش كتير خمس شهور بس، كان بيشوف شغل إيطاليا... وعيلته. قالت أسيل بفضول:
هي عيلته إيطالية؟ قالت شمس بحماس: آه... أمه إيطالية وأبوه مصري... بس منعرفش حاجة عن أهله نهائي. قالت أسيل: ودا ديانته إيه دا؟ قالت شمس: مسلم يا بنتي، بيقولوا أبوه صعيدي. اندهشت أسيل وقالت: بجد! شمس: مش متأكدة، هما اللي بيقولوا. قالت أسيل وهي تعيد ظهرها للخلف: تلاقيه راجل عجوز. بصتلها شمس بسخرية وقالت: عجوز!!! دا أنتي اللي عجوزة، دا عنده 36 سنة بس. اندهشت أسيل وقالت: واو، دا أكبر مني بكتير أوي. شمس بهيام:
على فكرة أنا بحب فرق السن ده جداً... يبقى هو كبير وأنتي صغيرة. قالت أسيل بسخرية: أيوه... لا طبعاً، أنا مش بحب السن الواسع ده. نظرت لها شمس بسخرية: ماشي ياختي خليكي في سي مازن بتاعك ده، وأنا خليني في جوزي حبيبي. ضحكت أسيل قائلة: كمان خلتيه جوزك!!! قالت شمس وهي تنظر للأعلى بهيام: ما أنتي لو شوفتيه، هتقعي في حبه زيي وزي باقي الموظفين... دا عليه حتة وسامة تجيبك الأرض. قامت أسيل وقفت وقالت: لا شكراً، مش عايزة...
يلا قومي شوفي شغلك. وقفت شمس بغيظ وقالت: اتكلمي معايا حلو ياختي دا أنا أكبر منك. ابتسمت أسيل وقالت: دول سنتين يعني، أنتي هتذليني بيهم. ضحكت شمس ومشيت لمكتبها. وأسيل قعدت على مكتبها تكمل شغلها بهدوء. *** في إحدى القصور الفخمة. قصر يدل على مكانة أصحابه، كان واسع وكبير ويملؤه الحرس من كل ناحية، ويدل على أن من بالداخل شخصيته مهمة. بوابة القصر اتفتحت، وانطلقت السيارات للداخل.
كل الخدم في الداخل الذين كان عددهم كبير واقفين في الداخل صف بجانب بعضهم وباحترام. كل الستاير مقفولة، القصر فاضي وكأن ليس به روح. قصر فخم من الخارج والداخل ومميز بلونه الأسود والرمادي والذهبي، ولكن من الداخل كئيب ومظلم. اتفتح باب القصر، ودخل بكل هيبة، وهدوء. مالو الخدم برؤوسهم قليلاً للأسفل وناظرين للأرض، وكأنهم واقفين عشان يرحبوا به. وهو صعد لأعلى متجهاً لجناحه في الدور العلوي، لم يكن ينظر إلا أمامه... لا يمين...
ولا شمال. كل الخدم اتحركوا وبدأوا يشوفوا شغلهم بهدوء. أما في الأعلى. دخل غرفته الواسعة. كانت شديدة الفخامة ومصممة بأحدث الديكورات، وكل حاجة مرتبة بعناية. ولكن كل شيء باهت، لا يوجد صوت لا يوجد حركة. كل شيء مثلما يفضل هو... أو كما يعكس حياته. قلع بدلته، واستلقى على السرير بتنهيدة. نظر للسقف بهدوء. ذكريات تمر من أمامه بهدوء، منها الجيد، ومنها السيء، ومنها المظلم. مسح وجهه وقام وقف واتجه للحمام. كان واقف أمام المرآة.
قلع قميصه الذي كان يختنق من شدة عضلاته البارزة المنتفخة برجولية. كانت بنيته قوية بشدة. لف واتحرك ناحية حوض الاستحمام. ولكن ظهر ظهره المعضل في المرآة. كان مثير، لكن يوجد علامة، ليست وشماً، بل كأنها مطبوعة بالنار علامة أسفل كتفه بقليل على شكل إكس X وصغيرة. تذكره بماضيه دائماً. *** في منزل الحاج محمد والد أسيل. مكانش في حد غير نعمة أمها، قاعدة على السفرة وبتقطع بعض الخضار، وبتشاهد التلفزيون.
فجأة الباب خبط، قامت وفتحت ولقت جارتهم علا. قالت علا بابتسامتها: صباح الخير يا نعمة. اتنهدت نعمة قائلة: صباح النور يا حبيبتي. دخلت علا على طول وقعدت على السفرة وقالت: أومال أنتي قاعدة لوحدك ولا إيه؟ قالت نعمة وهي بتقعد: أيوا... محمد راح الشغل. علا: أمال فين علي؟ قالت نعمة بضيق: نزل هو كمان. قالت نعمة وهي تضع إصبعها على ذقنها: بجد! بس أنا مشفتوش من الصبح أصلاً. بصتلها نعمة وقالت: أنتي كمان بتراقبي الشقة!
ضحكت علا بخبث وقالت: لأ مش قصدي، بس أنا كنت واقفة برة من الصبح عادي، ومشفتوش من إمبارح. كادت نعمة أن تتحدث، لكن صوت المفتاح في الباب وقفها. دخل شاب في السادسة والعشرين من عمره، كان مخبي وشه بإيده. قامت نعمة وقالت بعصبية: كنت فين من امبارح يا علي! أبوك لو عرف هيقت*لك. نظر لها بضيق بطرف عينيه، وكمل خطواته للداخل. لكن وقف لما علا وقفت قدامه وقالت: مخبي وشك كده ليه يا علي... هو إحنا هناكلك!!!
مردش عليها، وكان هيكمل خطواته، لكنها اتغاظت وبعدت إيده بسرعة عن وجهه، وهو بصلها بحدة. اتصدمت نعمة وهي شايفة كدمات زرقاء وحمراء على وجه ابنها. علا تصنعت الدهشة واضعة يدها على فمها قائلة: يلهوي!!! مين اللي ضرب*ك كده يا علي؟ بصلها بحدة وضيق، واتحرك لغرفته ودخل. نظرت علا لنعمة وقالت: شوفي ابنك يا نعمة... ابني سعد بيقول إنه ماشي مع عيال شمال. نظرت لها نعمة بقلق وخوف ونظرت ناحية غرفة ابنها. مسكت علا تلك المحفظة
النسائية الخاصة بها قائلة: طب أنا همشي بقى، أشوف وشكم على خير. وخرجت بهدوء، ولكن ملامح وجهها تدل على الخبث والشماتة. قفلت وراها نعمة الباب واتحركت بسرعة لغرفة ابنها. فتحت الباب بسرعة، ولقته رافع مرتبة السرير وبيحط تحتها فلوس. نزل المرتبة بسرعة وخضة وقال بحده: بتدخلي ليه كده؟ نظرت له بعصبية وقالت: جبت الفلوس دي كلها منين؟ نظر للأسفل بضيق وسكت. قربت منه قائلة بحده: انطق يا علي... بتجيب منين الفلوس دي؟
وايه اللي عامل في وشك كده. قال بضيق: اتخانقت أنا وأصحابي، بس... هو ده اللي حصل. بصتله بعصبية قائلة: يا راجل!!! هو ده اللي حصل؟ نظر لها بعصبية قائلاً: اطلعي يا ماما... أنا تعبان وعايز أنام. اتنهدت بعصبية وقالت: ماشي يا علي... براحتك، بس صدقني، أنا مش هسكت أكتر من كده، وهقول لأبوك. أخذ نفس بحدة قائلاً: ماشي، اتفضلي بقى. خرجت من الغرفة، وهو اتجه للباب وقفلته بالمفتاح، وأخذ نفس براحة وتعب. مسك تلفونه واتصل بشخص قائلاً
بصوت خافت لكنه حاد: أنا متفقتش معاك على كده... قولت لك عايز مليون. رد الشخص قائلاً: معاك نص المبلغ... اقبل بيه بقى. قال علي: هي مش قليلة عشان آخد عليها المبلغ الصغير ده. رد الشخص: وريها للباشا الأول، ولو عجبه! تاخد باقي فلوسك. قال علي: هبعتلك صورتها... بس الفلوس توصلني قبل ما أجيبها عندكم. قال الشخص: تمام. وقفل علي، ورفع المرتبة تاني ونظر للنقود. ابتسم، ولكن ابتسامة عدم رضا. ضميره يؤنبه، ولكن ما يريده يسيطر عليه. ***
في قصر الألفي. وتحديداً في مكتبه الواسع الفخم. كان قاعد على الكنبة أمامه لاب توب أسود على التربيزة. يرتدي قميصاً رجالي أسود وبنطال بنفس اللون. وفي يده سيجارة ينفث دخانها، وبجانب الاب توب كوب قهوة سادة كحياته. أخذ ينفث دخان سيجارته بجموده الهادئ وهو ينظر للشاشة، كان يُجري اجتماعاً. تحدث الشخص باللغة الإيطالية: "Le azioni salgono... Quindi aumenteremo la produzione dei nostri prodotti" -مستوى الأسهم يرتفع لدينا...
سنقوم بزيادة صناعة منتجاتنا سيدي. أتاه الرد بصوته الرجولي الخشن ولكن هادئ: -"Bene" -حسناً. قال الشخص: سنرسل إليك الإيميل لتتفحصه سيدي، ونحن ننتظر توقيعك... وسنرسل المجموعة لباريس. قفل إلياس الاب توب بهدوء، والباب خبط. سمح بالدخول، ودخل يامن واقترب منه قائلاً: الشحنة وصلت... لو تحب تشوفها؟ هي برة. أخرج هاتفه، وأعاد ذراعه للخلف قائلاً: هاتها. أومأ له يامن، وخرج لبضع دقائق.
دخل بعدها ووراه بعض الرجال الذين يحملون ثلاث صناديق خشبية، ولكن نوع خشب ثقيل ومتين. وضعوهم أمامه وفتحوا الصناديق. قام وقف ونظر لما بداخلها. أسلحة. اتحرك وأخذ منهم واحد كبير، نوعه غالي ومميز، من أجود الأنواع. كان يحركه يميناً شمالاً وينظر لأدق التفاصيل. قال يامن: أليساندرو هيبعت شحنة الدهب بعد بكرة. رجع إلياس السلاح لمكانه بعدما تفحص بعينه الباقي، فهو لديه خبرة. إنه تاجر أيضاً... في أشياء كثيرة. نظر ليامن قائلاً
بجمود: اتصل بيه... وقول له بكرة، مش هستنى أكتر. أومأ له يامن، وخرج الرجال بالصناديق ووراهم يامن. أما ذلك الأسد، جلس مكانه ليكمل اجتماعاته، بأعينه الصقرية ذات اللون العسلي القاتم. *** بعد مرور ساعات. في شركة الألفي. وتحديداً قبل حلول الليل بقليل. كانت واقفة أسيل بهدوء ولكن بتعب، بس كانت راضية. كانت تظبط بعض الملفات اللي هتسلمها بكرة للمدير، وليس الرئيس. اتنهدت ووضعتهم في أماكنهم. قربت منها شمس وقالت: مش يلا.
نظرت لها أسيل، وبعدين أخذت شنطتها وقالت: خلصت، يلا. قربت منهم المسئولة المدام لطيفة وقالت: أتمنى ميكونش في تأخير زي النهارده. بصتلها أسيل بضيق وقالت: حاضر. اتحركت لطيفة بكل غرور ومشيت. بصت شمس لأسيل اللي بصتلها برضه. وفجأة، ضحكوا بقوة وسخرية واتحركوا. دخلوا المصعد ونزلوا للأسفل. نظرت أسيل لمصعد معين في المنتصف، لا يصعده إلا قليلون برتبة كبيرة. بصت لشمس وقالت: هو ليه ممنوع ندخل الاسانسير ده؟ قالت شمس وهي تنظر لهاتفها:
عشان ده للرئيس وللمدراء والناس المهمة يعني. نظرت أسيل للأمام بغيظ وقالت: بجد، دي عنصرية. نظرت لها شمس واضعة يدها على كتفها قائلة: هي دي الحياة. كملوا طريقهم للخارج ووقفوا أمام الشركة، وقفوا تاكسي وانطلق بيهم، لتصل كل واحدة لمنزلها. *** في إيطاليا. وتحديداً في روما، في قصر كبير من أفخم القصور الموجودة هناك على الطراز القديم والحديث.
كانت تجلس سيدة في الأربعينات يظهر عليها الوقار والثراء من ملابسها واكسسواراتها الماسية. كانت تنظر لهاتفها مبتسمة، وتحديداً لبعض الصور. كانت أصغر سناً، معها طفل صغير في سن الابتدائية، يبتسم ابتسامة خفيفة وهادئة ممسك بكأس ذهبي ونظارة صغيرة تشبه نظارات السباحة لونها أزرق. كانت تبتسم باشتياق، تشتاق للماضي، لكن في فترة معينة. كانت ابتسامته هذه بالنسبة لها تساوي العالم كله، ولكن من بعد ما حدث... تغير كل شيء، حتى هو.
قفلت التليفون وغمضت عينيها تحاول منع تلك الدمعة من عينيها، وصدرها ينقبض على صدرها بشدة. اتنهدت وقامت وقفت ودخلت غرفة في الدور نفسه السفلي. كانت غرفة كبيرة وواسعة ومصممة على الطراز القديم. كان مستلقي رجل كبير في السن وحوله الكثير من الأجهزة الطبية. قربت منه واخرجت الدواء من العلبة وامسكت الكوب قائلة باللغة الإيطالية: "È ora della medicina, papà." -الدواء يا أبي. اتنهد وقام قعد بتعب وهي سندته وهو قال باللغة المصرية:
يا بنتي اتكلمي مصري بقى... أنا مش عايز أعيش آخر أيامي باللغة دي. ابتسمت بخفة وقالت: آسفة... بس أنا اتعودت، متنساش إنها لغة والدتي. أعاد الرجل رأسه للخلف وقال بضحكة متعبة وباهتة: أنا اتجوزت إيطالية، وبنتي اتجوزت مصري... دا إيه الصدف دي!!! ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكن وراءها حزن وقالت: فعلاً، صدف غريبة. نظر لها وقال: إلياس رجع مصر؟ نظرت للأسفل وأومأت. اتنهد ونظر للأعلى بضيق قائلاً: كنت عايزاه يتجوز...
مش عايزاه يفضل كده في حالته دي يا ريناد. نظرت له ريناد بحزن وقالت: ما أنت عارف حالته... هيتجوز إزاي بس. قال: مليون مرة أقوله يروح للدكتور، بس كبرياؤه مانعه. اتنهدت ريناد قائلة: بصراحة كده أنا سألت دكتور، وقال إنه مش مرض... دي حالة نفسية، لكن هو أكد لي إنها مش مع كل الناس، يقدر يلمس... بس أشخاص معينين. نظر لها الرجل بقلة حيلة قائلاً: لحد ما نلاقي الناس دي، أكون أنا قابلت رب كريم. قالت ريناد بسرعة: بعد الشر عليك...
اصبر أنت بس، وهو هيعالج نفسه بنفسه. اتنهد الرجل قائلاً: يارب... بجد مصر وحشتني أوي... نفسي أرجع. قالت بهدوء: مش هينفع، أنت ناسي تعبك... الدكتور نبه علينا إن ممنوع السفر في حالتك دي. أخذ نفس ونظر لها وقال: فين أخوكي؟ قالت: راح لمراته تاني، بيحاول يرجعها.... ومعاه ماما. قال بضيق: أنا مش عارف هيموت عليها على إيه! دي لسانها أطول منها. ضحكت بخفة وقالت: متنساش حفيدتك وحفيدك. اتنهد وأخذ نفس، واستلقى تاني وقال:
طب أنا هنام شوية، تعبت. أومأت له وقامت وغطته تاني ورجعت الأدوية لمكانها وخرجت بهدوء. *** في مصر. في بيت أسيل. طلعت أسيل على السلم، واستغربت لما لقت جارتها علا واقفة قدام باب شقتهم بتتسمع للصوت. قربت منها أسيل بحدة قائلة: في حاجة ولا إيه يا طنط؟ اتخضت علا وقالت بتوتر: ها... لأ مفيش... بس صوت أبوكي عالي وكنت بطمن لو في حاجة يعني. قالت أسيل بحدة وضيق: طب اتفضلي روحي شقتك، وأنا هشوف فيه إيه!
بصتلها علا من أعلى للأسفل بعوج، واتحركت ودخلت شقتها، وأسيل بتبصلها بقرف. ودخلت الشقة بالمفتاح اللي معاها، ولقيت صوت والدها وهو بيزعق في غرفة أخوها. جريت للأوضة، ولقيت أبوها واقف بيزعق في علي وفي إيده حزام أسود، وعلي بيستفزه أكتر بعصبيته، ونعمة والدتها بتحاول تبعد محمد عن علي. قربت حياة بسرعة ووقفت قدام علي تدافع عنه وقالت: لأ يا بابا... أرجوك متعملش كده. فجأة، زقها علي بقوة وعصبية قائلاً: أنتي مالك أنتي!
متدخليش بين أب وابنه، لما تبقي منا يبقى اتكلمي. محمد بعصبية: عليييي. قال علي بعصبية: إيه!!! ما هي دي الحقيقة، مش كفاية إنك بتربيها بفلوسك، اللي المفروض تبقى ليا، بتربي واحدة يتي.... فجأة نزل قلم من يد محمد على وجهه بقوة، ونعمة اتصدمت وحطت إيدها على فمها. وأسيل اتصدمت، لكن دموعها اتجمعت في عينها، بسبب تلك الحقيقة المرة اللي بيذكرها بيها أخوها كل يوم... أو اللي بتعتبره أخوها.
نظر محمد لعلي بحدة وهو يرفع إصبعه السبابة أمامه قائلاً: احترم نفسك... دي أختك، وبنتي يعني تتكلم معاها عدل... فاهممم؟! وضع علي إيده على خده ونظر لوالده بحدة... ثم لها، كانت عينه فيها كره وشر يستشيط. اتحرك بسرعة وخرج من الشقة. جريت أسيل وقالت بقلق: استني يا علي... الحقه يا بابا. محمد مسك إيدها وقال بحده: سبيه... خليه يضيع زي كل مرة، أنا فقدت الأمل في الواد ده خلاص. بصتله أسيل بدموع مكتومة، بس بسبب كلام علي وقالت:
دا ابنك يا بابا... مينفعش تسيبه. نظر لها محمد وقال: وأنتی بنتي يا أسيل، متزعليش من كلامه... مهما يقول، أنتي هتفضلي بنتي ومحدش هيقدر يغير الحقيقة دي. نظرت له بحزن ودموع في عينها، وهو أخدها في حضنه. بصتلهم نعمة واتنهدت بحزن وقربت منهم وحضنتهم برضه. قال محمد بهدوء: أنا فخور إنك بنتي أصلاً، كل يوم بتثبتيلي إني مش ندمان على قراري. ابتسمت أسيل بهدوء، فكل ما تفعله فقط ليرضي هو.
هو أملها وقدوتها وكأنه الشخص المتحكم بقلبها وعقلها. بعدت نعمة واتنهدت قائلة: أحطلكم العشا؟ قال محمد بجمود: أيوا... إحنا مش هنستنى حد، هناكل على طول. لفت نعمة بحزن على ابنها، بس أسيل قربت منها بابتسامة وهي بتحاول تخرجها من حزنها وقالت: هاجي معاكي أساعدك. ضحكت نعمة بخفة وحزن وقالت: لا، عشان تحر*قي المطبخ زي المرة اللي فاتت. قالت أسيل ببراءة: أنا يا نونا؟! دا أنا حتى نسمة في الهوا كده. قالت نعمة:
لا ياختي، روحي غيري هدومك وأنا هحط الأكل. باستها أسيل في خدها وقالت: براحتك. واتحركت ودخلت لأوضتها. نظر محمد لنعمة اللي نظرت له، وبعدين كل واحد نظر للأسفل وشاف طريقه. أما في الداخل في غرفة أسيل. بعد ما قفلت الباب وهي مبتسمة، قعدت على الأرض واختفت ابتسامتها المزيفة. وظهر الحزن على ملامحها وقلبها يبكي قبل عينيها. ضمت رجليها، وضمت إيدها على قلبها اللي بيألمها بسبب ذلك التذكير.
لكنها اتنهدت وقامت وقفت وقربت من مرايتها ونظرت لها وابتسمت بخفة قائلة: هساعد نفسي... بنفسي. كانت تكره الحزن، مكانتش بتحب تفكر في أي حاجة تضايقها. اتحركت للدولاب واخدت بيجامة وردية قطيفة، وبدأت تغير هدومها بهدوء. وهي تصمم على الابتسام والتعود والتفاؤل. تسعد نفسها في عالم قاسي، وهي تعلم واقعها جيداً، ولكنها تحاول المضي قدماً. *** في اليوم التالي. في شركة الألفي.
كانت أسيل ماشية في الدور الأول وهي شايلة ملفات كتيرة، ولابسة بنطال جينز أوفر سايز لونه رمادي، وتيشيرت بكم لونه أبيض يبرز أنوثتها، وتاركة شعرها مفرود وفيه توكة ظريفة أعلى أذنها. كانت خارجة بيهم عشان تعطيهم لشخص هيوصلهم مكان. لكنهم وقعوا من إيدها، عقدت حواجبها بغيظ وبصت حواليها ملقتش حتى حد يساعدها، الكل بيتحرك مش بيقف وبيشوفوا شغلهم. نزلت للأسفل تلم الملفات والورق ولفت وضهرها للباب الزجاجي للشركة الواسع والكبير.
كانت تهمهم بغيظ وهي تنظر للورق قائلة: شركة باردة، وكل اللي فيها معندوش دم. لم تلاحظ وقوف كل الموظفين وعادوا للخلف وكأنهم واقفين حوالين موكب. دخل بخطواته الثقيلة ونظارته السوداء، خلفه مساعده وبعض المدراء في الشركة والبودي جارد الواقفين عن باب الشركة. توقف عندما رآها على الأرض تعطيه ظهرها وهي تلم آخر ورقتين. كان واقف وراها جداً، ونزع نظارته وعينيه الحادة عليها.
نظر له يامن بتوتر من إنه يتعصب، ونظر للفتاة ولسة هيتكلم عشان يبعدها. لكن أسيل قامت وقفت بتنهيدة، ولفت. لكنها شهقت بصدمة لما لقت ذلك الضخم وراها. كانوا قريبين جداً من بعض، هي تنظر للأعلى لمستوى طوله، وهو ينظر للأسفل لمستوى طولها. وللحظة تلاقت عيونهم ببعض. اتحرجت أسيل ورجعت للخلف بتوتر من نظراته الحادة والغريبة لها. بلعت ريقها ونظرت للموظفين الذين ينظرون لها، لكن واقفين باحترام من أجل رئيسهم. بعدت بسرعة عن طريقه.
وهو لم يتحدث وتحرك متجهاً للمصعد الخاص به. دخل ومعه يامن والمدراء في الخلف، وهو يترأسهم في الأمام. ارتدى نظارته بهدوء، وأُغلق باب المصعد. نظرت ناحية المصعد، وبصت للموظفين اللي بيبصولها جميعاً وبيتهامسون. كانت مصدومة، فهمت من تهاوشهم إن ده كان الرئيس صاحب الشركة. كان فاكره واحد من العملاء وخلاص. فجأة لقت اللي بتخبط فيها من الخلف، لفت ولقتها شمس. قالت شمس بحماس: يا بنت المحظوظة... دا أنتي كنتي قريبة منه أويييي. أعطتها
أسيل الملفات قائلة بغيظ: ششش، وطي صوتك. شالت شمس الملفات وهي مبتسمة وبتتحرك قائلة: قوليلي بقى... لون عينه إيه؟ اتحركت معاها أسيل للخارج، وأول ما سمعت السؤال اتوترت وقالت: إيه؟! عينه! وأنا مالي ومال عينه، هو أنا لسه هدقق في ملامحه. بصتلها شمس بغيظ وقالت: دا أنتي نكدية أوي، أنا لو مكانك كنت وقفت أبلّ فيه ساعة اتنين تلاتة كده. ضحكت أسيل بخفة قائلة: ربنا يرزقك بيه وتتهدي بقى. ضحكت شمس وقالت: يارب ياختي.
وخرجوا وأعطوا الملفات للحارس، ودخلوا تاني يشوفوا شغلهم، ولكن هي تفكيرها كله بما حدث. الإحراج كان مسيطر عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!