الفصل 31 | من 33 فصل

رواية متملك الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ايه عيد

المشاهدات
36
كلمة
7,032
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

خرج إلياس واصتدم عندما وجد إحدى رجاله ملقى على الأرض مقتولاً. نظر لوالده الذي تظهر على ملامحه الغضب، ويُمسكوه باقي الرجال بحده. قال يامن: أسفين ياباشا، حاول يفلت مننا لكننا مسكناه. شاور إلياس بخفة برأسه، وذهب يامن والرجال خلفه يمسكون ريكاردو الذي يصرخ بغضب. خرجت أسيل، ناظرة لتلك الجثة بخوف، ودموع محتبسة داخل عينيها. لف إلياس ناظراً لها. اقترب بضع خطوات أمامها، ولكنها عادت خطوة للخلف بخوف. تنهد بضيق ناظراً لها وقال:

أسيل، انتي عارفة إني مقدرش أذيكي. نظرت لعينه الثابتة. ارتجفت أنفاسها، واقترب هو منها ممسكاً يديها بخفة، مقترباً أكثر واضعاً جبينه على جبهتها قائلاً بصوته الرجولي الرصين: مقدرش أذيكي، انتي كل حاجة بالنسبالي، مقدرش أخدشك.

نظر لعينها المرتعشة الحزينة، ومال للأسفل وشالها. لفت ذراعيها محيطة برقبته، دافنة وجهها بها وتغمض عينيها من ما حولها. خرج بها للخارج. وضعها بسيارته، كان مميلاً عليها وهو يربط لها حزام الأمان. نظر لها، وهي أبعدت ناظريها عنه بتوتر وحزن. رفع يده معيداً خصلة شعرها للخلف بهدوء. ابتعد خارجاً من السيارة والتف وركب السيارة مكان القيادة. وانطلق. ناظراً لها كل دقيقة، وهي تنظر للنافذة وتضم ذراعيها بتوتر وقلق. مما عرفته، ورأته.

*** أمام قصر الألفي. نزل إلياس من السيارة، ولف وفتح الباب لأسيل. نظرت له بشدة قائلة: إحنا بنعمل إيه هنا؟! أمسك يدها بهدوء قائلاً: لازم ننهي اللي بدأ. أخرجها من السيارة وأخدها معاه للداخل. اتفتح باب القصر، وكل العيلة متجمعة يتناولون الإفطار. نظرت ريناد ناحية الباب بهدوء، ولكنها اتصدمت عندما وجدت إلياس داخل وفي إيده أسيل. الكل قام وقف، وابتسم توماس وقام. اتحركوا ووقفوا في منتصف القصر. قالت ريناد ناظرة لإلياس بشدة:

ا البنت دي بتعمل معاك إيه؟! رفع حاجبه بحده قائلاً: إيه! مش مراتي؟ ومن حقها تكون معايا في أي وقت! اتصدمت ريناد، بل كل العائلة. أكمل إلياس متحدثاً بحده: أكبر غلطة في حياتك، إنك شايفاني ابنك. تشنجت ريناد ناظرة له ودموعها بتتجمع في عينها. اقتربت جوليا خطوة بتوتر قائلة: دي أكيد لعبت عليك، ص... قاطعها بنظراته الحادة الثاقبة لها. وقال: كنت فاكرك عاقلة، معرفش إنك بتحبي المخاطرة للدراجادي. سكتت جوليا بضيق ناظرة للأسفل.

قالت الجدة: انت افتكرت كل حاجة؟ نظر لها إلياس صامتاً. وتحدث توماس قائلاً: أمال هيفضل كدا طول عمره، افتكر كل حاجة من أول ما شافها. ونظر لأسيل محدداً الحديث عليها. نظر إلياس لريناد بحدة قائلاً: هي عملتلك إيه؟ سكت ريناد والدموع تلتمع في عينيها، وعادت خطوة للخلف. أكمل إلياس بغضب قائلاً: عملتلك إيه عشان متعرفنيش بوجودها، كنتي عايزة تبعديني عنها وعن ابني ليه!

اتصدمت ريناد ناظرة له، وبعدها نظرت لأسيل وتحديداً ناحية معدتها. وقفت أسيل خلف إلياس بارتباك وضيق. قال توماس: أنا مقدرتش أكدب، وقولت لإلياس على كل حاجة. نظرت له جوليا بشدة، واقترب منه والده صادق ناظراً له بحده. قال إلياس بحده ونبرة ساخرة لصادق: إيه يا صادق بيه! مضايق عشان متجوزتش بنتك؟ نظر له صادق بضيق، وبعدها نظر لريناد. واتحرك صاعداً للأعلى. تحدثت جوليا بضيق وحنق ناظرة لريناد قائلة: عمتو ريناد هي اللي أمرتنا بكدا.

نظر إلياس لريناد قائلاً بحده: ردي عليا. نظرت له ريناد بصوت مختنق قائلة: يعني عايزني أعمل إيه! كنت شايفه هوسك بيها بيزيد كل يوم، يعني هترجع لحالتك القديمة، وترجع لماضيك. وأنا مش عايزة ابني يتأ... قاطعها إلياس بنبرة غاضبة: أنا مش ابنك، متنسيش انتي تبقي مين! وأنا مين! تساقطت دموع ريناد بخنق وقالت: بقى كدا يا إلياس، في النهاية حتى مش شايفني أم! رد عليها بقسوة قائلاً: انتِ عمرك ما جربتي شعور الأمومة، فمتلعبيهاش عليا.

نظرت له ريناد بحزن وقهر. ونظرت له أسيل بشدة من قسوته. اقترب إلياس خطوة من ريناد قائلاً بصوت خافت وحاد: لو كنتِ معتبرة نفسك أمي بجد، كنتِ عرفتي إني مقتلتش لونا. اللي بيحب حد، عمره ما يأذيه. انهدشت ريناد ناظرة له. وهو عاد خطوة للخلف وأمسك يد أسيل قائلاً: احتراماً لمعاملتكم الكويسة معايا طول السنين دي، أنا هحاول أنسى اللي عملتوه. بس من هنا ورايح كل واحد يفضل يكون لحاله. الكل اندهش باستعجاب. وأكمل إلياس قائلاً:

توماس هيهتم بشغل العيلة من دلوقتي، وأنا ههتم بشغلي في مصر. مبقاش ليا مكان في إيطاليا. اقتربت منه ريناد قائلة وهي تبكي: لأ يا إلياس، ا انت عايز تسيبني، ا انا والدتك، ا انا عارفة إن أليسيا هي أمك الحقيقية، ومفيش غيرها. ب بس أنا معتبراك ابني بجد. ا أرجوك يا إلياس متسبنيش. مردش عليها وعلى ملامحه الحدة والضيق، أخد أسيل واتحرك للخارج. وحرّت وراه ريناد بدموع قائلة: استنى يا إلياس، ا انت ابني، ا أرجوك، عشان خاطر رفعت.

نظر لها قائلاً بجمود: رفعت مات. وفي النهاية مش هنسى فضله عليا. بس كل شيء لازم ينتهي. بكت ريناد وهي تريد إمساك يده، لكن لا تستطيع. وكاد إلياس على التحرك. لكنه توقف عندما شعر بثبات أسيل. لف وجهه ناظراً بتعاقد حاجبيه باستغراب. وهي تنظر له بارتباك وهدوء في آن واحد. تركت يده قائلة بضيق: اللي انت بتعمله غلط. مسك معصم يدها بحدة قائلاً: يلا يا أسيل. نظرت له قائلة: إلياس. شدها ناحيته بحده قائلاً: متحاوليش.

سكتت وهي تنظر لعينيه، وهو تحرك وأخذها خلفه. ولفت وجهها ناظرة لريناد الذي تبكي ناظرة لإلياس. ولجوليا الواضح على ملامحها الحزن والضيق. وباقي العائلة الواضح عليهم الحزن. أخدها إلياس، وأدخلها في سيارته، وشاور لرجّالته باللحاق به. لف وركب السيارة. تنهد بقوة. ونظرت له أسيل قائلة بضيق: إلياس. سكت قليلاً دون النظر لها. وأعاد رأسه للخلف وأغمض عينيه بإرهاق. نظرت له قليلاً بحزن. وتذكرت كلام والده ريكاردو له.

"انت راكع قدام الشخص اللي قتل والدتك". لم تكن تتوقع بأن ترى أو تسمع شيئاً كهذا. تبهتت ملامحها بحزن ناظرة للأسفل. لا تستطيع الحديث معه. افتكرت دموعه اللي كانت تتساقط، ورغم مرور السنين إلا أن حبها يتدفق داخل قلبه. سكتت ونظرت للأمام. فـ هذه بداية لتغيير كل شيء. أما هو، تنهد بقوة وضيق. ونظر للطريق وانطلق. متجهاً للمطار. *** داخل القصر.

جالسة ريناد على الأرض تبكي بقهر وتنظر ناحية باب القصر على أمل أن يدخل. اقتربت منها الجدة والدتها. نزلت لمستواها قائلة: اللي انتي عملتيه كان غلط يا ريناد. مكانش لازم تحرميه من مراته عشان أفكارك. بكت قائلة: كنت خايفة عليه من نفسه. كنت خايفة ليُرجع نفس الشخص بتاع زمان. رد عليها توماس قائلاً: السنين بتعلّم. وانتي لو عارفة إلياس. كنتِ هتعرفي إنه عمره ما يأذي حد بيحبه. فما بالك باللي بيعشقه. قالت ريناد بدموع:

عشق إلياس خطر على اللي حواليه. ده مش شخص. دول اتنين. ردت الجدة بهدوء: في النهاية دول في جسد واحد. والروح واحدة. والمشاعر واحدة. سكتت ريناد ناظرة لها. وقالت الجدة: قومي يا ريناد. وكفاية لحد كدا. نظرت لهم جوليا بعصبية وهي تبكي قائلة: طب وأنا! محدش فكّر فيا ليه؟ كلّكم بتفكرو في نفسكم وبس. ومحدش حاسس باللي جوايا ليه! حرام عليكم أنا بحبه بجد. ل لكن هو مش شايف غيرها. رد عليها توماس بحده:

لمي نفسك بقى. انتي اللي غلطتي من الأول. كنتِ عارفة إن مشاعرك دي مفيش ليها أمل، بس مشيتي ورا غبائك. مكانش لازم تدخلي في الحكاية دي من الأول. نظرت له جوليا بشدة ودموع، وبعدها اتحركت وخرجت جري من القصر. سكت الجميع، وصمت القصر يملأ المكان. صمت مريب، غير معروف خطواته. *** في مصر _في المساء. في قصر إلياس.

واقفة أسيل في غرفتهم تنظر للمرآة بعدما بدّلت ملابسها لبيجامة. بتفكر في كل الأحداث دي. ابتلعت ريقها وهي تتذكر كل الجثث اللي شافتهم، فيتوريا، والحارس. شعرت بالغثيان، وجريت على الحمام واستفرغت. اغتسلت، وخرجت من غرفة الملابس بتعب واضعة يدها على أعلى نهديها. استندت على الحائط وخرجت. وإلياس واقفاً أمام الشرفة يُجري مكالمة واضعاً يده في جيب بنطاله. لاحظ حركتها، والتف ناظراً لها. قفل المكالمة فوراً. واقترب منها وأمسك يدها

وذراعه ملتف على خصرها. أخدها وقعدها على حافة السرير. جالساً على ركبتيه على الأرض أمامها، وهو يحضّر لها دواءها. أعطاها الدواء، وكوب الماء. وهو يُحرك يده على فخذها الشبه عارٍ ليدفئها. انتهت، وأعطته الكوب، وضعه على الكمود ناظراً لها. نظرت له بإجهاد، وعيناها تلتمع بالدموع.

نظر لعيناها، وحاوط خدها قائلاً بصوت رجولي دافئ: أنا آسف. آسف إنك مرّيتي وشوفتي أكتر من تحملك. تحدث بصوت مرتجف وباكي: ا انت كنت ب بتقت...

سكتت وهي تحاول استنشاق أنفاسها من دموعها وقلبها المختنق. قام وجلس بجانبها على حافة السرير ناظراً لها. أخدها في حضنه. شيء بسيط ولكنه يحاول تهدئتها، يحاول محاصرتها داخل حضنه كي لا ترى بشاعة العالم الخارجي. كي تبقى بريئة كما هي. كي لا ترى ما رآه هو. مسح على ظهرها بيده ليطمئنها بوجوده، ليشعرها بذلك الأمان الذي فقدته. ابتعدت عنه ناظرة له وقالت بضيق: انت بتشتغل إيه؟

سكت ناظراً لها. وكأن سكوته إجابته المعتادة. كاد أن يقف ليبتعد عنها، ولكنها أمسكت في طرف تيشيرته. تنهد وجلس مكانه ناظراً للأسفل. اقتربت منه قليلاً قائلة: مينفعش تخبي أكتر من كدا. مينفعش تكتم جواك. نظر لها وتحديداً في عينيها. تنهدت بارتباك وهدوء قائلة: انت حياتك ابتدت غلط. مكانش لازم تفهم الدنيا كدا. إنها مجرد انتقام وقتل. وحرام. سكت وأبعد ناظريه عنها. وأكملت هي قائلة:

أنا متأكدة إن والدتك كانت عايزة تحافظ عليك منهم. لكن مقدرتش. ارتجف قلبه بمجرد تذكر والدته، والتلمعت عيناه بالحزن والقهر. وضعت يدها على يديه قائلة: انت مش منفصم. بس غضبك بيسيطر عليك لما بيشوفك هادي. بيكون هو عايز ياخد حقك وحقه من الدنيا. قبض يديه بارتجاف ملامحه. تجمعت دموعها في عينها قائلة بصوت باكي: أنا برضو فقدت والدتي بنفس الطريقة. بس مختلفة شوية.

نظر لها، وتقابلت أعينهما. وقفت على ركبتيها واقتربت منه واحتضنته بمحاوطة رقبته. حاوط خصرها يدفن وجهه في صدرها بقلب يصرخ باكياً. أظهر ضعفه لها. وبكى بانكسار. وكأنه يبكي باحتضان والدته. تلك الملاك التي ضحت بنفسها من أجله. وضرب عقله تلك الذكرى المؤلمة. التي ضربت قلبه قبل عقله.

عما كانوا واقفين في الشارع بعدما هربوا من القصر. واقفين أمام الطريق ليعبروه. مع برودة الجو، ونسمات الهواء الباردة، وصوت الرعد الذي يصدر معلناً حدوث شيء ما. واقفة وهي تمسك يده، وتبتسم بخفة وهي تنظر له وتطمئنه بعينها بانتهاء الكابوس. ولكنهم لاحظ من يراقبه. وكأن شيئاً بداخله يرى ما يدور حوله. التفت بوجهه ناظراً ناحية تلك السيارة السوداء بلون قلب صاحبها، الواقف بجانبها والده "ريكاردو" ناظراً ناحيته بحدة وعيون تلتمع

بالغضب، وفي يده مسدس. اتصدم إلياس، وأخرج ذلك المسدس المعلق في بنطاله من الخلف. نظرت أليسيا لإلياس، ولاحظت أين ينظر. حركت وجهها واتصدمت عندما وجدت ريكاردو واقفاً بمسافة شبه بعيدة، رافعاً سلاحه ويوجهه ناحية إلياس. فـ بالنسبة له هذا أصبح خطر سيصيبه. قام بتربية سلاح، لم يتوقع بأن ينقلب ضده. من أجل امرأة، ولكنها لم تكن أي امرأة. قلبها نبض بخوف على ابنها، لم تتوقع بأن يكون عدوه. والده. ونظرت لريكاردو الذي يضغط على الزناد.

جريت فوراً مع انطلاق الرصاصة. واقفة أمام ابنها، وصوت الطلقة دوىََ في المكان. صوت أنهى كل شيء. وكل المحبة. منطلقة ناحية أليسيا، وقبل أن يستوعب إلياس. ضربتها في معدتها بقوة لدرجة اندفاعها للخلف بقوة، واقعة على الأرض. مع توقف الزمن، والأنفاس، وتناثر الدماء. حلت عاصفة قوية أثبتت انتهاء حياة. مع الكثير من الصدمات، والصراخ والسيارات. تدمر كل شيء. واقعة على الأرض تسيل في دمها، تحت أنظار ابنها. ذلك الذي رأت عيناه أسوأ ما

شهدت من قبل. وهو ذاته الذي توعد لنفسه، بالانتقام لمن آذاها، وكتابة اسمها بدماءهم على الجدران، وحفر الرعب في عقولهم قبل الموت. من أيقظ وحشاً، يجب عليه تحمل العقاب.

فاق من ذكرياته وهي يبكي بقوة. صوت رجولي منكسر. وكأنه طفلاً لا مراهق. كان يدفن مشاعره وبكاءه وأحاسيس أمام كل الناس. فـ بالنسبة لهم هو وحش، قاتل، مجرم. ولكن بالنسبة لها هي. إنسان قوي وليس ضعيف. ولكن خلف قناع الجمود شخصاً يخاف من أعماله. مسحت على شعره ببكاء على حاله وصوته المبحوح الضعيف. جلست على السرير وهو مازال يحتضنها بقوة، لدرجة انكماش عظامها. كان يخرج ما بداخله، وكأن الوحدة نفذت. كان يبكي وهو ينادي والدته بداخله. لا يستطيع نسيان وجهها، ولا ملامحها الهادئة الجميلة. كانت أنثى رائعة. كانت ملاك. تم تعذيبها ولكنها قاومت لمستقبل غير واضح. من أجله.

تحدثت بصوت مبحوح وحزين: هنبدأ من جديد. هنغير كل حاجة، وهنعيش كويس. ضمها أكثر وهي يرتوي بحضنها الدافئ، ولأول مرة يراه شخص على طبيعته، ولا يتركه. بل يفتح ذراعيه لاستقباله. وأصبحت هي المضحية والتضحية. *** بعد مرور أسبوع. في الصباح.

استيقظت بفتور من نومها. نظرت له وهو مستلقي على معدته عليها. ومازال يحتضنها دافناً وجهه في عنقها. وعاري الصدر. وضعت يدها على شعره وابتسمت بخفة، ووضعت يدها الأخرى على جانب معدتها. وأمسكت يده واضعتها على معدتها بخفة. ابتسمت، وتخيلت نفسها بعد سنوات معه ومع طفلهما. تنهدت وقررت بأن تجعلَـه يعيش كأي إنسان. لن يكون كما هو عليه الآن. أخذت هاتفها. وتناولت صورة لها معه في حضنها، ويده على معدتها. وقبلته على رأسه. استيقظ على حركاتها الخفيفة. رفع نفسه قليلاً للأعلى ناظراً لها. ابتسمت

بخفة وارتباك قائلة بخفوت: صباح الخير. مال بوجهه عليها وطلع قبلة خفيفة جداً على شفتيها. ابتسمت ووضعت أناملها على عنقه قائلة: انت كويس؟ أغمض عينيه بحركة سريعة وهادئة بمعنى الإجابة بـ "نعم". ابتعدت عنه وقامت ووقفت قائلة: طب يلا قوم، ورانا حاجات كتير نعملها النهارده. استلقى بظهره على السرير قائلاً بفتور: ليه؟ هنروح فين النهارده؟ ابتسمت بخجل قائلة: هنروح للدكتورة. هنعرف جنس المولود.

نظر لها قليلاً بهدوء. وتنهد وقام وقف قائلاً وهو يعدل رقبته واضعاً يده عليها من الخلف: تمام. يلا. ابتسمت واتحركت ودخلت الحمام، وهو قام وقف واتحرك ناحية الشرفة وأخذ علبة سجائره. واقفاً أمامها يدخن سيجارته مستنداً بكتفه على حافة الباب. رن هاتفه. وأمسكه واضعه على أذنه. قال يامن: صدرنا السلاح للدولة. والشغل ماشي تمام. بس فيه حاجة. رد إلياس بهدوء: إيه؟ سكت يامن قليلاً، وبعدها قال بتردد: ريكاردو هرب.

اتصدم إلياس ورمى السيجارة على الأرض قائلاً بغضب: هرب إزاي! أُمال انتوا لازمتكم إيه! سكت يامن. وقال إلياس بنفس صوته العالي الخشن: ابعت الرجالة يدوروا عليه، ميسبوش حتة في مصر غير لما يفتشوها. لو رجع إيطاليا مش هنعرف نوصله. قال يامن بسرعة: حاضر ياباشا. قفل إلياس الهاتف، ولف ليتجه لغرفة الملابس، ولكنه توقف عندما وجد أسيل واقفة وراه ناظرة له بضيق وحزن. أبعد ناظريه عنها بضيق وتردد. وهي اقتربت منه قائلة: تاني يا إلياس.

نظر لها بحدة واختناق بنبرة صوته قائلاً: مينفعش أسامحه هو بالذات. لولاكي كان زماني قتلته من أول يوم مسكته فيه. قالت ناظرة له بحزن وشدة: هتقتل أبوك. دينك ميسمحش ليك بكدا. رد عليها بغضب قائلاً وعيونه حمراء: ما هو قتل أمي! ده مش حرام يعني!!! سكتت ناظرة له. وهو اتجه لغرفة الملابس. "طلقني". وقف ثابتاً ومصدوماً من حديثها. لف ناظراً لها، وهي التفت ناظرة له قائلة بحنق والدموع تتجمع في عينها: طالما هترجع لطريق القتل تاني!

يبقى طلقني. رد عليها بحده قائلاً: بطّلي كلامك الفارغ دا. ردت بنبرة شبه عالية وحزن قائلة: ما طالما هتخليني عايشة في البيئة دي، يبقى أنا مش عايزة كدا. أنا مش عايزة لما ابني يتولد يشوف أبوه بيقتل. مش عايزاه يمر بنفس الظروف اللي انت مرّيت بيها. ناظراً لها بشدة وهو صامت. وأكملت هي بدموع قائلة: انت كدا بتبني ماضيك تاني. هعيش معاك أنا إزاي بعد ما تقتل أبوك! هحس أنا بالأمان تاني إزاي! رد بحده قائلاً:

انتِ عارفة كويس إني مقدرش أذيكي. ردت بانفعال قائلة: عااارفة. ب بس أنا بخاف. بخاف من اللي جاي. بخاف من بكرة. أنا تعبت من المشاكل والعداوة. أنا عارفة إنه آذاك كتير، بس ده مش حل. انت كدا هترتاح لما تقتله!!! سكت ناظراً لها بحده واختناق. اقتربت منه ومسكت إيده قائلة: كفاية يا إلياس. أنا متأكدة إن لو والدتك هنا! كانت منعتك من اللي بتفكر فيه، وانت عارف كدا كويس. أرجوك كفاية، خلينا نعيش زي أي بني آدمين طبيعيين.

قبض على يدها قائلاً باختناق: ده ممكن يأذيني بيكي. ابتسمت ابتسامة شبه ظاهرة واقتربت منه واحتضنته قائلة: طول ما انت جنبي. أنا هكون كويسة. سكت من إصرارها، وتنهد وبادلها الحضن. سكتت قليلاً وبعدها قالت: أكيد هو هيرجع إيطاليا، وكل واحد يكون في حاله. وصدقني ربنا كريم، وهو اللي هيجيب لك حقك. بس ثق فيه. سكت قابضاً على يديه. وهي ابتعدت قائلة بهدوء: لازم نجهز. عشان نروح للدكتورة.

تنهد بضيق وأومأ لها. مسكت إيده، واتحركت ودخلت داخل غرفة الملابس وهو معها. *** في عيادة الدكتورة. جالسة أسيل على السرير، وتضع الطبيبة جهاز السونار على معدتها. وواقف إلياس جنب أسيل الممسكة بيده. ابتسمت الطبيبة قائلة: مبروك، بنوتة. ابتسمت أسيل بسعادة، ورفعت نظرها ناحية إلياس الناظر لشاشة السونار ظاهراً ابتسامة خفيفة على ثغره. تنفست الصعداء. وقالت الطبيبة باحترام:

اللحظات دي بتكون مميزة للأب والأم. هسيبكم خمس دقايق تدققوا في بنتكم. وخرجت الطبيبة. نظرت أسيل لإلياس قائلة بابتسامة: هتسميها إيه؟ نظر لها وهو مرتبك ومبتسم في نفس الوقت قائلاً: مش عارف. ابتسمت بهدوء قائلة: أنا عارفة هسميها إيه. قال باستغراب: إيه؟ ردت بهدوء ومحبة: أليسيا. نظر لها بشدة من قرارها. وهي ابتسمت قائلة: إيه رأيك! بصراحة الاسم حلو.

ابتسم بخفة، ومال بظهره عليها، ووجهه مقابل لوجهه وهو ممسك بيدها. طبع قبلة على جبينها، وبعدها نظر لها وقال: شكراً. ابتسمت بدهشة، فا هذه أول مرة تسمعه يتشكرها. وقالت: ليه؟ رد بهدوء: عشان تقبلتيني زي ما أنا. وعشان عطيتيني هدية زي دي. ابتسمت بخفة، وبعدها قالت بسخرية: كنت عايزني أنزلها. ابتسم بخفة قائلاً: كنت غبي. أُعذريني يا مولاتي.

ضحكت بخفة من ألقابه لها. ودخلت الطبيبة وفحصتها، وأعطتها بعض الفيتامينات. وطول الوقت إلياس ماسك إيدها وهو مبتسم، مكانش متخيل ييجي يوم ويفرح بيه بالطريقة دي. لدرجة إنه نسي انتقامه. فقد أصبح لديه نقطتين ضعف. *** في قصر إلياس. نزل إلياس من السيارة وهو ممسك بيد أسيل، ويحمل معه بعض الأكياس. نظرت له بغيظ قائلة: كنت عايزة البينك على فكرة، دي بنت وأكيد لونها المفضل يكون وردي. ابتسم بجانبية قائلاً:

بس هتبقى بنت أبوها. يعني اللون الأسود والرمادي هيكون مشترك بينا. دخلا للداخل قائلة وهي تضحك بهزار: انت اللي هتجيب البامبرز على فكرة. ضحك بخفة قائلاً: عيب، أنا كدا هيبتي تضيع. احتضن ذراعه قائلة: مش خسارة فيا وفبنتك. عض شفته السفلية بإثارة وسخرية قائلاً: حاضر يا مدام إلياس. ابتسمت وفتحت الخادمة باب القصر وقالت: والد ووالدة حضرتك موجودين. ابتسمت بفرحة قائلة: هما هنا!!!

دخلت للداخل هي وإلياس بهدوء، ولكنها وقفت مصدومة عندما رأت حامد واقفاً معهم. عادت بخطوات خائفة للخلف، ووقفت ورا إلياس الذي استغرب ناظراً لحامد بحدة وغموض. كان واقف محمد ونعمة وعلى ملامحهم الضيق. قالت نعمة: جه الحارة، وكان عايز يشوفك يا أسيل. ده مهما كان زيّ... سكتت، ونظرت لمحمد، الذي نظر لأسيل بحزن وضيق. اقترب حامد ناحية أسيل قائلاً بابتسامة بلهاء: تعالي يابنتي يا حبيبتي، بقالي أسبوعين باجي هنا كل يوم ومش بلاقيكي.

مسكت في ذراع إلياس من الخلف وهي تتنفس بثوة وخوف. صده إلياس قائلاً بحدة: اتكلم من بعيد. قال حامد وهو يمسح يديه في جاكته قائلاً: أهلا يابيه. أنا حامد، أبو عائشة، اللي وراك دي. تبقى بنتي عائشة. نظر لها حامد قائلاً بابتسامة سمجة: والله كنت عايز اسميكي سوسن، بس أمك هي اللي سمتك كدا عائشة. نظر له محمد بحده وقال: اخلص ياحامد. قول عايز إيه! قال حامد بتمثيل البراءة:

أنا كنت عايز أشوف بنتي بس. وأعيش معاها بدل ما أنا عايش في الشارع وبشتغل عند الناس حمّال. قالت نعمة بحده: قول بقى إنك عايز تاكل وتشرب من فلوس جوزها. نظر لها حامد بدهشة قائلاً: أنا!!! حج الله بيني وبين الحرام. أنا مش عايز غير أملي عيني ببنتي حبيبتي. نظرت له أسيل بعصبية ودموع: أنا مش بنتك، بطّل كذب بقىىى. نظر لها قائلاً بتزييف الحزن: بتقولي ليه بس كدا. سكتت بدموع وضمت إلياس وهي مُنهارة، ولكن إلياس أخرجها من حضنه قائلاً:

متسكتيش. اتكلمي. نظرت له قليلاً، وبعدها نظرت ناحية حامد قائلة بدموع وحدة: انت مش أبويا. أنا عارفة إنك جوز أمي. عمرك ما كنت أبويا، انت واحد طمّاع، وأناني وبتاع فلوس. و احتضنت إلياس قائلة: كان بيضربها كل يوم، عشان تروح ترقص في الملاهي، لكن هي مكانتش راضية. ونظرت ناحية حامد قائلة: أنا كنت صغيرة، لكن كنت واعية وسامعة، ولما كبرت فهمت. انت عمرك ما كنت أبويا، انت كنت بتربيني عشان تبيعني لما أكبر.

نظر لها إلياس بشدة، ونقل نظره ناحية حامد. كاد حامد على الحديث، ولكن أوقفه محمد بحده قائلاً: ربنا نجّاها. لما طلعت من الشقة وهي بتولع. وربناحنّن قلبي عشان آخدها وأربيها. ونظر ناحية أسيل قائلاً والدموع بتتجمع في عينه: ويعلم ربنا، إني كنت بحبها زي بنتي بالظبط. نظرت أسيل ناحية محمد، وتساقطت دموعها. كاد حامد على الاقتراب من أسيل، لكن وقف أمامه إلياس قائلاً بحده:

يُستحسن متخلينيش أشوف وشك تاني. عشان ممسحش بكرامة أهلك الأرض. رجع حامد خطوة للخلف بارتباك، ونظر ناحية أسيل وكاد على الحديث. لكن قاطعه إلياس بصوت رجولي يملأ المكان: عينك متجيش عليها أقلعهالك. سكت حامد بتوتر وابتلع ريقه. اقترب منه محمد ومسكه من قفاه قائلاً: ارتحت. مش عايز أشوف وشك بقى. امشي يا حامد أحسنلك. ابتعد عنه حامد بضيق وهو يعدل ملابسه. وقالت نعمة باشمئزاز:

والله ما عارفة جبت البجاحة دي منين عشان تيجي وتعيش من فلوسها. سكت حامد بضيق، ونظر لهم جميعاً، وبعدها اتحرك وخرج من القصر. نظر محمد لأسيل قائلاً بحزن: ا أنا آسف. س سامحيني يابنتي. سكتت ناظرة للأسفل بحزن. قالت نعمة بابتسامة رغم تلك الدموع التي تلتمع في عينيها: إحنا لازم نسامح. خلينا نرجع عيلة واحدة من تاني. نظرت لها أسيل وقالت: أنا مش زعلانة يا ماما.

ابتسم محمد ناظراً لها، وفتح ذراعيه لها. تساقطت دموعها، لأنها متقدرش تزعل منه. كادت على الاقتراب منه لاحتضانه، لكن إلياس مسك معصمها بحده قائلاً: أسيل. ضحكت نعمة بخفة قائلة: نزل إيدك يا محمد. جوزها بيغير ياخويا. نزل محمد ذراعيه ونظر لإلياس بهدوء قائلاً: بنتي هتيجي تبات في بيت أبوها الليلة، وتيجي حضرتك عشان تتقدم ليها بكرا. نظر له إلياس برفعة حاجب ودهشة قائلاً: نعم!!! ابتسمت أسيل بلهفة قائلة وهي تنظر لإلياس:

آه والتبي يا إلياس. وافق والنبي. عقد حاجبيه بسخرية وحدة قائلاً: ما هو لعب عيال هو. مسكت في يديه قائلة برجاء: والنبي وافق بقى. أنا عايزة أجرب الشعور ده. قال بسخرية: تـجربي إيه يا حبيبتي. انتي مراتي أصلاً، وشايلة بنتي في بطنك. ترجته بعينها اللامعة قائلة: عشان خاطري. نفسي أجرب الإحساس ده بجد. وألبس فستان أبيض يوم فرحي. سكت من إصرارها، وبعدها قال: بس مش هتباتي في بيت حد. بيت جوزك هو بيتك يبقى تقعدي فيه وإناي ساكتة.

نظر له محمد بحدة وقال: ما بيت أبوها هو بيتها برضو. نظر له إلياس وبنفس الحِدة: مراتي متباتش بعيد عني. رد محمد بعصبية: طب إيه رأيك بقى إني هاخدها معايا. رد إلياس بحده: طب خليني أشوف هتاخدها إزاي وأنا واقف. نظرت أسيل لنعمة بسرعة وشدة، وقربت نعمة من محمد قائلة: خلاص يا محمد. اهدى، بكرا أسيل تيجي بدري. وييجي جوزها يطلبها. قال محمد بحده: ودي تيجي إزاي دي! لا زم البت تكون قاعدة في بيت أبوها. قالت أسيل برجاء

وهي خائفة من غضب إلياس: أرجوك يا بابا. هبقى أجي الصبح بدري، وإلياس هييجي بعدي. سكت محمد، وبعدها نظر لإلياس الناظر له بحده وجمود. تنهد محمد ووافق. قالت نعمة: يبقى على بركة الله. وكمان "علي" هيخرج الليلة من المستشفى. أبوها وأخوها موجودين. *** في المساء في غرفة إلياس وأسيل. جالسة بحضنه على السرير، وهو يُحرك يده على شعرها، وبجانبها بولة بها فشار. وهي تنظر للتلفاز، وهو ينظر في هاتفه يُدير بعض الأعمال. نظرت له، وقالت:

إلياس. نظر لها، وتنهد وقفل الهاتف ووضعه على الكمود، ومسح على وجهه بإرهاق متمتمًا: إممم. وضعت في فمه قطعة فشار، وابتسمت ببراءة قائلة: أنا جهزت ليك بدلة شيك، تبقى تيجي وتتقدم ليا بكرا بيها. نظر لها بسخرية قائلاً: انتي عايزة كدا بجد! نظرت له بغيظ قائلة: ومعوزش ليه! مش بنت زي أي بنت؟ ابتسم بسخرية وهو يمسك ذقنها وكأنها طفلة قائلاً: لأ أبداً يا عروسة. هو أنا أقدر أتكلم! ابتسمت بخجل قائلة:

متنساش تجيب معاك بكرا جاتوه، وحاجات حلوة كدا عشاني، وهدية صغنونة. ابتسم بجانبية وهو يعض شفته السفلية، وبعدها قال: حاضر. حاجة تاني؟ قالت بغرور طفولي: لأ شكراً. هبقى أفكر وأقولك لو نسيت شيء تاني. ابتسم واقترب منها يحتضنها وهو يعض خدها الطري باشتياق. نظرت له بغيظ قائلة بألم في خدها: إلياس. بطّل بقى. قال وهو يحرك لسانه على أسنانه العلوية بإثارة: عايز آكلك أكل. قالت بخجل طفولي: ليه يعني! كنت وجبة بالنسبالك.

اقترب منها دافناً وجهه في عنقها قائلاً: ده انتي فروالة. اند..هشت بتذكر قائلة: أنا نفسي في فراولة. غطاها بالملاءة وهو يعتليها واقترب منها هامساً: سيبك من الفراولة دلوقتي. أنا عندي الأحسن. واقترب من شفتيها يُقبلها بنهم وعمق، وهو يشعر بالرغبة بها. ولكنّه يُسيطر على نفسه من أجلها. *** في الصباح. في بيت محمد.

جالس إلياس على الكرسي مستند مرفقه على الكرسي، وضع قبضة يده على خده ومعيداً ظهره للخلف، وعلى ملامح وجهه الضيق. وأمامه علي ومحمد، وعلي الذي بدأ على تحريك يديه، ولكنه يجلس على كرسي متحرك بسبب عجز قدميه. قال محمد ناظراً لإلياس بحده وتعالٍ: بص يابني، إحنا طلباتنا مش كتير. إحنا بنشتري راجل.

كانت واقفة أسيل عن باب غرفتها وجمبها نعمة، وبعض بنات الجيران الواقفين ينظرون ناحية إلياس. كاد محمد على الحديث، لكن قاطعه إلياس بجمود قائلاً: مهرها جاهز. ودهبها موجود. والقصر كتبته باسمها. اندهش محمد، بل كل الموجودين اندهشوا، ما عدا أسيل الناظرة له بابتسامة هادية وحنونة. تنهد محمد وحمحم قائلاً: إحم. طب على بركة الله.

الكل بدأ يقرأ الفاتحة، ونظر إلياس ناحية أسيل الواقفة عن باب الغرفة، وهو يقرأ الفاتحة. انتهى وغمز لها. احمرّت وجنتيها ونظرت للأسفل بخجل. قال "علي": طب هنعمل الفرح إمتى؟ قال محمد: مش هينفع دلوقتي، هيبقى ضغط عليها وهي حامل. قال إلياس: ممكن نعمله بعد الولادة. خرجت نعمة مبتسمة وقالت: خلّوه بعد أربع شهور، يكون عضمها قوي شوية، وفي الوقت ده هتقدر تستحمل. سكت إلياس قليلاً، وبعدها قال وهو يرفع من نبرة صوته: إيه رأيك يا عروسة؟

اتكسفت أسيل وخرجت ناظرة للأسفل وقالت بصوت خافت: اللي تشوفوه يا جماعة. قال محمد بسخرية من خجلها: اللي تشوفوه! هو إحنا اللي هنتجوز ولا انتي؟ سكتت أسيل بخجل، ووقف إلياس واقترب منها هامساً بجانب أذنها بخبث: يلا يا هانم، قرري. عايزين نستعجل في ليلة الدخلة. ضربته على كتفه بغيظ وخجل، ودخلت للداخل وهي بتجري. نظر إلياس للجميع بهدوء واضعاً يده في جيبه وقال: العروسة موافقة. الكل قام وبدأ يبارك بسعادة. سعادة غير معروف دوامها.

*** بعد أربع شهور. في قصر إلياس.

المكان مزين بشكل راقي وجميل، خاصةً في الحديقة. وكل المعازيم هناك يتناولون الأحاديث والأخبار. وتحديداً في غرفة أسيل. واقفة أمام المرآة وهي ترتدي فستاناً أبيض منفوش ويلمع، بأكمام، وتسريحة شعرها كعكة مميزة. ومكياج هادئ ورقيق، يزيدها جمالاً. وبعض المجوهرات الماسية الرقيقة اللامعة. دخل إلياس الذي يرتدي بذلة سوداء قطيفة باللون الأسود القاتم، وأسفله قميص رجالي أبيض. وفي البلدة بروش رجالي ألماسي على شكل حرف A. وقف خلفها وهي يرى كتلة الجمال تلك. اقترب واحتضنها من الخلف يستنشق رائحته الذي أصبحت بالنسبة له أكسجين. ابتسمت من قبلاته الخفيفة على عنقها وهي تشعر بشيء يدغدغها. ضمت ذراعيه الملتفة حولين خصرها،

ومعدتها المنتفخة قائلة: هو أنا تخينة؟ قال وهو تائه بها: انتي ملبن. ابتسمت بخفة قائلة بهزار: عاجلاً، عروس على وشك الولادة تتزوج. ابتسم بخفة قائلاً: خلّي بس حد يتكلم عليكي كلمة وحشة، وأنا أقطع لسانه. ابتسمت والتفت له قائلة: بتحبني يا إلياس؟ ابتسم بتوهان قائلاً: وبعدد النجوم، وعدد المجرات. عمري ما هعشق غيرك. ابتسمت بخجل، وتجمعت دموعها في عينها، واقتربت واضعة رأسها على صدره قائلة:

رغم إنك لسه مقلتليش بحبك. بس ماشي يا عم، مقبولة. وضع يده على كتفيها يبعدها بخفة قائلاً باستغراب: بتعيطي ليه؟ حاولت التحكم في دموعها قائلة بابتسامة لكن بصوت باكي: مش عارفة. يمكن عشان فرحانة باللحظة دي. ووضعت يدها على معدتها قائلة: مبسوطة أوي. وخايفة في نفس الوقت. طبع قبلة على خدها قائلاً: هنكمل سوا؟ ابتسمت وأومأت له فوراً قائلة: وهنفضل مع بعض. للأبد.

نظر لعينيها، وبعدها أخذها في حضنه يستشعرها، وكأنه يُخبئها من شيء داخل حصونه. أبعد وجهه ناظراً لها بهدوء، ولكن من داخل قلبه يشعر بشيء غريب. مال بوجهه واضعاً يده على وجنتيها يحاوطه وجزء من عنقها. ألصق شفتيه بشفتيها الغضة وهو يرتوي منها حباً ولطفاً بقبلة عميقة. وكانت تبادله بـ صدر رحب. وقلب محب. ابتعد عنها ناظراً في أعينها البريئة. با.س جبينها، ومسك إيدها بعدما ساعدها في ارتداء ذيل فستان طويل كما طلبت هي. فا اليوم

يومها. نزلو للأسفل، ونظر الجميع للعروس المتألقة. وفستانها الطويل المميز. نزلت على السلم واضعة يدها في يد زوجها. نزلو للأسفل وهي تعقد ذراعها بذراع إلياس، والصحافة موجودة وبدأوا يصورون كل لقطة. والمعازيم تقترب وتُبارك. اقتربت منها نعمة وحضنتها وباست جبينها

بدموع في عينها قائلة: ألف مبروك يا ضنايا. ابتسمت أسيل بحب لها. واقترب منها علي الجالس على الكرسي وقال بحزن: سامحيني يا أسيل على كل يوم زعلتي مني فيه. ابتسمت بخفة قائلة: هفكرك تاني يا علي. إحنا أخوات. ابتسم. وإلياس حاوط خصرها مقربها منه. رفعت رأسها ناظرة لمستواه، وابتسمت بخفة ووقفت على أطراف أصابعها وطلعت قبلة على خده. ابتسم رافعاً حاجبيه وقال: الحمل مؤثر عليكي ولا إيه!!! وضعت أناملها على وجنته

قائلة بنبرة رقيقة وهادية: لأ. بس من حبي فيك بعمل كدا. ابتسم قائلاً: بتحبيني! ابتسمت بخجل وقالت: المفروض انت تعرف لوحدك. ولا البعيد مبحسش. ضحك بخفة مما زاد إثارة قائلاً: لأ بحس. بس حابب أسمعها. قالت بكبرياء: مش لما البيه يتكلم الأول. سكت بابتسامته وقال: حاضر هقولها. نظرت له. ومال عليها متحدثاً بجانب أذنها قائلاً بهمس: بحبك.

كانت كلمة أنعشت قلبها. ظاهرة تلك الابتسامة على ثغره بارتياح وسعادة. لدرجة إن دموعها تجمعت في عينها من الفرحة. كلمة بسيطة بالنسبة للغير، ولكنها شيء كبير بالنسبة لهم. كادت على الحديث، لكن. فجأة. صدمة قوية احتلت المكان، صوت قوي انطلق بحرارته ناحيتها. متوقفاً معها كل شيء، حتى أنفاسها. ضربة قوية ضربت قلبها. رصاصة. اتصدم الجميع وتوقفت مسامعهم على ذلك الصوت القوي، والحركة أصبحت بطيئة. نظر إلياس لأسيل والصدمة والخوف عليها،

يعتلو وجهه. وجد ملامحها ثابتة ولكن مصدومة، وعيونها تلتمع بدموعها الحمراء. ناظراً ناحية صدرها الغارق بدماءها. وقعت قدماها وأمسكها هو محاصراً خصرها، وجلس على الأرض وقلبه يكاد على الوقوف خوفاً وقلقاً عليها. الكل اتلم حواليها، وإلياس بيحاول يجعلها تصمد والدموع تتجمع في عينه وقلبه يصرخ. ليس

على لسانه سوى هذه الكلمات: أ..أسيل..متسبنيش، ف فوقي. ا أرجوكي، عشان خاطري متسبنيش. نظرت له ودموعها تتساقط من جانب جفنها، وهي تلتقط أنفاسها الأخيرة بين أحضانه. قائلة وهي تضع يدها المرتعشة على يده الموضوعة على خصرها. قائلة بنبرة مرتجفة ومختنقة، ولكن بحب: ب... ب بحبك.

وابتسمت عيناها، ووضعت يدها على معدتها وهي تحاول قول شيء، ولكن لا تستطيع. تساقطت دموعه الحارقة وهو يحاول إيقافها. وهو يصرخ بالجميع ليبتعدوا، ويداه مغطاة بدماءها. ونفس المشهد يعود مجدداً. وكأن أقدارهم متشابهة. مسك يدها وهو يطمئنها بأخذها للمستشفى، رغم بأنه يحتاج لمن يطمئنه هو. وكاد على حملها لكن. سمع شهقة منها، شهقة خفيفة، ولكنها مؤلمة بالنسبة له. زقعت يدها من يده الممسكة بها، وتجمد جسدها، وتجمدت ملامحها. غير شاعر بما

حولها، وغير شاعر بالعالم. وتوقف الزمن، وتوقفت السطور. بين قلب مهوس محطم، وقلب ميت لا يعي للحياة لوناً. وتوقفت معها الحياة، وتوقف قلبه عن النبض. إنها ليست قصة حب. بل قصة هوس فرقها الموت. قصة تخطتها حدود المشاعر. كان وسيكون وسيبقى حباً ليس له حدود.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...