دخل المستشفى وهو في حالة يُرثى لها. يحملها بين يديه وهي جثة لا تعي بشيء. عيونه حمراء من الدموع والغضب، لا يريد خسارتها. خسارتها تعني خسارة كل شيء. ظل يصرخ بالأطباء بصوت يملأ المكان، وجاءوا فوراً بالترولي. وضعها عليه وهو يمسك يدها ويحاول جعلها تفيق، لكن لا يوجد أمل. دخلو بها غرفة العمليات، وهو ظل بالخارج. جاء الطبيب، ونظر له إلياس بعيونه الحمراء قائلاً بنبرة حادة ولكنها مليئة بالرجاء:
-اعمل أكتر من اللي تقدر عليه. أرجوك. انقذها. أومأ له الطبيب وهو مشفق على حاله، ودخل. كانت أول مرة يترجى أحد غيرها. جاء محمد ونعمة وهم يبكون بصوت مكتوم على حال تلك المسكينة. واقف إلياس فقط ينظر لغرفة العمليات، ويرتجف بقوة. لن يتحمل خسارتها. كل شيء سينهار إذا ذهبت هي. جاء يامن ووقف خلف إلياس قائلاً: -إحنا مسكنا الشخص اللي عمل كده. وهو في المخزن دلوقتي. مردش عليه، بل لم يستمع له أصلاً.
كل ما يهمه هو صغيرته، تلك البريئة التي جعلت له مكاناً بداخلها. واقفاً فقط ينظر للغرفة واضعاً يده المليئة بدماءها الدافئة على الحائط. يستند وهو يرتجف حتى قدميه. يقف عليهم بكل قهر. مشيت نعمة ذاهبة لغرفة الصلاة، لتصلي وتدعي لابنتها بالشفاء. مرت 4 ساعات. أربع ساعات كانت بالنسبة له سنوات. في كل ثانية قلبه كان يعتصر خوفاً عليها. خرج الطبيب وعلى ملامحه الحزن. نظر للطبيب بلهفة وقلق قائلاً بصوت مرتجف ولكنه سريع: -أسيل!
مراتي كويسة؟ سكت الطبيب قليلاً، ووضعت نعمة يدها على فمها بدموع. والجميع منتظر حديث الطبيب. صرخ إلياس بغضب جهوري قائلاً: -ما تنطق! تحدث الطبيب، وخرجت خلفه الممرضة بطفلة رضيعة، لم تتعد الدقائق. وقال الطبيب بأسى: -للأسف، إحنا قدرنا ننقذ الطفلة، وهنحطها في الحضانة دلوقتي. لكن مقدرناش ننقذ المدام. البقاء لله. وقعت صاعقة صدمة عليهم. توقفت الألسنة عن الحديث، وتوقفت القلوب عن النبض. مسكه إلياس ياقة الطبيب قائلاً
بغضب ووجهه محمر: -إنت مجنوووون. إزاي تتجرأ وتقول كدااا! أنا مش قولتي لك تعمل اللي عليك؟ قال الطبيب بارتباك من حالته: -والله إحنا عملنا اللي نقدر عليه. لكن هي كانت فارقت الحياة أص... قاطعه إلياس بقبضة قوية على وجه الطبيب أوقعه أرضاً، صارخاً به بغضب: -إياك تتكلم كدا عليهااااا. هي عايشة، بس إنتو اللي بهايم مبتفهمووووش. اقترب منه محمد وهو حزين على حالته، ومال على الطبيب يسنده ويتأسف منه. ودخل إلياس جري لغرفة العمليات.
قام الطبيب قائلاً بألم وهو يضع يده على فكه: -ولا يهمك. هو في حالة صدمة دلوقتي. والطفلة صحتها كويسة. بس هتقعد في الحضانة يوم على الأقل عشان ولادة مبكرة. سكت الجميع. وأخذت الممرضة الطفلة للحضانة. ونعمة جلست على الكرسي مُنهارة من البكاء. في الداخل. دخل بسرعة ناظراً لها وعيونه تلتمع بالدموع، وأنفاسه يلهثها بالعافية. اقترب منها وأمسك يدها، ناظراً لملامحها الشاحبة. خرج كل من في الغرفة تاركينه في مأساته.
أما هو وضع أنامله على خدها وهو يبكي بحرقة عليها، على ملامحها وجفنها البارد. الغضة. كانت جميلة كما هي، ولكنها شاحبة. تحدث بصوت مبحوح باكي، على أمل أن تستفيق قائلاً: -أسيل.. حبيبتي، قومي عشان خاطري. أبوس إيدك قومي. هعمل اللي انتي عايزاه، بس قومي. عشان خا... غصة بحلقه منعته عن الحديث. ممسك بيدها ولا يريد تركها. صدره ينقبض على قلبه بقوة ليخنقه. ناظراً لها ولملامحها البريئة من تلك الدموع المتجمعة حوالين عيونه. تحدث
بنبرة باهتة شبه مسموعة: -أسيل. ولكنها جسد بلا روح. لا ترد، لا ترمش، لا تبتسم. نظر لذلك الجهاز الذي عليه شريط، معلناً توقف نبضات قلبها. وضع يده على وجنتيها، ومال بوجهه طابعاً قبلة رقيقة ومرتعشة عليها. وضع جبينه على جبهتها متحدثاً ودموعه تتساقط على وجهها: -عشان خاطري.. فوقي. أنا محتاجك. مش هقدر أعيش. مكملاً بنبرة مختنقة وباكية: -الحياة من غيرك ملهاش نفس. أرجوكي. ولكن لا صوت سوى همساته لها.
احتضنها بقوة وهو منهاراً ومكسوراً بدونها. لا يريد سواها، لا يريد أحداً غيرها. لا يريد تجربة المعاناة مجدداً. احتضنها أكثر وهو يضمها لصدره. يريد ضمها له أكثر كي لا تذهب. ولكنها ذهبت بالفعل. وتوقف النبض، وذهبت الروح. لم تعد سوى جسد فارغ. يريد أن يستفيق، يريده أن يكون حلماً. ولكنه ليس حلماً. إنه واقع مرير يريد الهروب منه. واقع حطم كل مشاعره. ناظراً لملامحها الرقيقة. كلما ينظر لها تزداد دموعه في السيلان.
هذه هي الطريقة الوحيدة الذي استطاع أن يعبر عن فقدانه لها. لا يستطيع تقبل الواقع. لا يستطيع تصديق بأنها رحلت. عالم من دونها وكأنه قبراً فارغ. في اليوم التالي. واقفين الناس أمام القبر. واقفة نعمة تبكي وبجانبها محمد وعلي، الذين على ملامحهم الحزن والقهر. نظر محمد لنعمة قائلاً: -فين إلياس يا نعمة؟ بكت بصوت مكتوم قائلة: -ما جاش. فضل قاعد في القصر. سكت محمد وهو يعلم بأن حالته سيئة.
سيكون صعباً عليه أن يأتي ويرى محبوبته تُدفن. في القصر، وتحديداً في الحديقة. جالساً على الكرسي ينظر للأمام للاشيء. تجمعت الغيوم، ولون السماء أصبح أسود. وأصدر صوتاً معلناً نزول المطر. وهو ينظر للأمام فقط، يراها واقفة معه وتبتسم وتضحك. يستمع لصوتها العذب الرقيق، وهي تبتسم ببراءتها المعتادة. "إلياس.. بطّل بقى." "إلياس." "إلياس." وكم يريد أن يستمع لاسمه من بين شفتيها.
فجأة، جاء أمامه مشهد وهو مستلقية بين أحضانه، وتلتقط أنفاسها الأخيرة وتقول بصوتها المهزوز: -"بحبك." انكمشت ملامحه معلنة بكاءه. ناظراً للأسفل وقطرات المطر تتساقط عليه. جلس على الأرض على ركبتيه باكياً ومقهوراً. صارخاً باسمها بأعلى صوت: -أسييييييل.. قلباً يلتوي ألماً، ودموعاً لا تنتهي. حباً مات قبل البدء. كان يناحب بصوته الرجولي وهو يريدها. يريد حبه. يريد رؤيتها مجدداً. يريد لمسها. ولكن كل حواسه ماتت معها. ناظراً للسماء
ببكاءه وصوته العالي: -لييييييه.. وقع مكسوراً على الأرض وهو يناديها بصوت خافت ومبحوح. اسماً لن يفارق عقله. أصبح ضعيفاً من بعدها. انكسر بالكامل. فمات قلبه معها، تاركته في مأساته الباهتة. شعر بيد توضع على كتفه. رفع رأسه ورآها تضيء وتبتسم. غير مستوعب ما يراه. جلست بجانبه واضعاً يديها على وجنتيه. لم تتحدث، فقط تبتسم. لا يعلم إن كان وهماً أم جنوناً، أم حلماً. ولكنه لا يريد الاستيقاظ منه. وضعت جبينها على جبينه.
هامسة بصوتها الرقيق قائلة: -إحنا لسة مع بعض، بس بشكل مختلف. ابتسم ابتسامة خفيفة. ولكنها زادت من بكاءه. يبتسم ويبكي في آن واحد. عقله وقلبه يتفقان ويتألمان من فقدانها. كانت هوساً، كانت تملك. قامت وقفت وهي تبتعد عنه بملامح هادية. وهو رافعاً يده ناحيتها ليُمسكها قائلاً بدموع: -استني.. أسيل.. متسبنيش، أرجوكي. إنا عايزك... مش هقدر أعيش من غيرك.. هموت.... ولكنها اختفت بالفعل. كان يتوهم، ولكنه كان وهماً مؤلماً.
فقد تركته مجدداً. ولكن للأبد. رمى رأسه على الأرض يدفنه بين ذراعيه وهو يبكي. كل ما يستطيع فعله. ضعف كيانه وقوته. فقط يتألم. كانت مجرد فتاة عادية. ولكنها كانت ترياقاً بالنسبة له. كانت باباً لعبور الجنة. كانت حباً لا يُنسى. ظل جالساً يبكي على فقدانها. ظل ولم يعِ على الوقت. لقد حل المساء، وهو في تلك الوضعية. كان حباً حقيقياً لم تكن مجرد شهور بينهم. كان أكثر من هذا. كان هوساً محبوباً، كان قلباً عاشقاً لرائحتها.
كانت واقفة نعمة عند باب الحديقة وتحمل الطفلة الباكية بين ذراعيها. ناظرة له وهي تبكي على حاله. تأكدت من عدم هطول المطر. وتحركت ناحيته. نزلت على ركبتيها في الأرض قائلة: -إلياس يابني.. لم ينظر لها. ظل صامتاً مستنداً بظهره على الكرسي، وينظر للأمام فقط. موضوع بيده هاتفها، ومفتوحاً على معرض الصور. وتحديداً على إحدى الصور لهم وهي تحتضنه. حاولت نعمة تمنع بكاءها قائلة بنبرة مختنقة من البكاء:
-خد يابني.. شيل بنتك.. كبّر في ودنها. حرّك عينيه ناحية الطفلة ناظراً لها. ورغم ملامحها المنكمشة من أثر الولادة وبكاءها، ولكنها ناعمة كوالدتها. قربت نعمة واضعة الطفلة بين ذراعيه. وقامت وقفت وهي تبكي ومشيت فوراً. نظر للطفلة التي هدأت فوراً عندما حملها. وضع أنامله الضخمة على منحنيات وجهها. يستشعر جزءاً من محبوبته. رفع الطفلة قليلاً بيد مهزوزة، وطبع قبلة صغيرة على وجنتها.
والطفلة واضعة يدها على فكه الحاد العريض بالنسبة لحجمها. احتضنها بقلب باكي وهو يستنشق رائحة والدتها منها. وتتجمع تلك الدموع الضعيفة في عينيه. اقترب من أذنيها هامساً بتكبير. نظر لها، وأمسك يدها الصغيرة كحبة البنبوني بالنسبة له. صغيرة جداً وضئيلة أمام حجمه هو. وضع يده على خصلات شعرها الصغيرة. لم يبتسم فقط يتأملها بملامح رجولية حزينة. رفع رأسه ناظراً للسماء. أخذ يتنهد بقوة مغمضاً عينيه قائلاً بصوت مبحوح
ومختنق من كتمان البكاء: -يارب.. فجأة. اسود كل شيء. وانتهت الأحداث. وبقى الحب يلمع بداخله، سامعاً ذلك الصوت الرقيق يدوي في أذنه. ولكنه صراخ. بكاء. وجع. -"إلياس... أرجوك متسبنيش... إلياس، فُوق...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!