فاق إلياس من ذكرياته على صوتها الذي اخترق الحوائط. نظر أمامه وهو يلهث، وكأنه كان يصارع عقله وقلبه. عيونه حمراء وتلمع، وعروقه بارزة. كانت ذكرى عدت عليه في ثوانٍ، ولكنها كانت كالسنين بالنسبة له. نظر له ماتيو قائلاً بحده: "لن أسامحك على ما فعلته بأختي. أنت لا تستحق الحياة." رد إلياس ناظراً له بأنفاسه السريعة، قائلاً بصوت رجولي حاد ورصين: "فين أسيل؟ رفع ماتيو حاجبه بحدة وكره قائلاً: "خائف عليها؟
هذا طبيعي، ولكن لا تقلق. لن نؤلمها كثيراً. لكن يجب عليها تجربة ما مرت به أختي." ضغط إلياس على نفسه وعلى جرحه، واستند على الأرض وهو يحاول الوقوف. ولكن ماتيو ضغط على الصاعق مجدداً، وعلى أعلى درجة. وقع إلياس على الأرض وهو يقاوم. لكن يقاوم نفسه. حاول يقوم تاني. لكن ماتيو اتضايق أكثر وحقده زاد، وبدأ يضغط على الزر كل ثلاث ثوانٍ. تحدث إلياس وهو يجز على أسنانه ناظراً للأسفل بقوة جهورية: "فين مراتي؟ رد ماتيو
وهو يضغط على الزر بحقد: "مش هتشوفها. هقتلها، زي ما أليسيا اتقتلت." تضخم جسده بحدة، قابضاً على يده الضخمة ذات العروق البارزة. تحول لون عينه تدريجياً. ضغط على أسنانه بقوة واستند وهو يقف تدريجياً. اتصدم ماتيو بحدة، وظل يضغط على الزر كل ثانية. لكن لم يؤثر، وإلياس يقف ناظراً له بتلك الأعين الرصاصية. لدرجة أن رجاله عادوا خطوتين للخلف بتوتر واستعجاب.
تحرك إلياس بخطوات بطيئة ناحية ذلك الزجاج الفاصل بينهم. اتخض ماتيو بحقد وعاد خطوة للخلف، وإصبعه لم يفارق الزر. لكن لا يوجد أي تأثير على إلياس. تحرك إلياس ناظراً له بغضب يشتعل في عينيه. فقد أشعلها بشرارة. رمى ماتيو الجهاز بغضب على الأرض ناظراً لرجاله قائلاً: "هذا يكفيييي. أدخلوا واقتلوه."
سكت بخضة عندما سمع صوت الزجاج ينكسر. اتصدم، ونظر ناحية إلياس وناحية قبضته الذي يغطيها الدماء. كسر زجاج من النوع المتين، وكأن قوته تزداد تدريجياً. عاد ماتيو خطوة للخلف وهو يبتلع ريقه. تحرك إلياس بخطواته الثقيلة، وأنفاسه الحادة ناظراً ناحية ماتيو. رفع ماتيو المسدس على جبهته قائلاً بصوت عالٍ وحاد: "إرجع يا ماركوس. إياك والاقتراب."
لم يرد عليه واقترب أكثر حتى التصق المسدس على جبينه. كل رجال ماتيو رافعين أسلحتهم على إلياس ويداهم ترتجف، وأعينهم مرتبكة تنظر للبعض. رفع إلياس يده على طرف المسدس بحدة، ناظراً لماتيو بأعينه المخيفة. ارتبك ماتيو بصدمة ناظراً في عينيه ذات الألوان المختلفة. لا يعرف لمن ينظر، جانبه السيء أم الأسوأ.
فجأة، صوت قوي قادم من الخارج. صوت إطلاق نيران وسيارات كثيرة. خرج رجال ماتيو ما عدا أربعة. وإلياس شد المسدس ورماه أرضاً، وفجأة ضرب قبضة قوية على وجه ماتيو أوقعه أرضاً. قرب أحد الرجال من إلياس ليهاجمه. ولكن إلياس شده لعنده من السلاح، ولف وضرب بكوع ذراعه. ووقع الرجل أرضاً. أخرج إلياس من جيبه جوانتيّات لونها سوداء مصنوعة من الجلد. ارتداها بحدة، واقترب باقي الرجال وهو يصدّهم بقوته وغضبه.
قام ماتيو بسرعة وبألم من قبضة يد ذاك الوحش. وتحرك ليخرج، ووقف أمام باب الخروج لكنه وقف والنور الساطع يضرب عينيه. ركز قليلاً في الرؤية ووقف مصدوماً مما رآه. لم تكن مجرد مجموعة رجال أو سيارات. بل كان جيشاً. كان كالكتيبة. رجال من نوع قوي، وأسلحة فتاكة. وسياراتهم السوداء وكأنها مجهزة لوقت الحروب.
لم يكن يتعامل مع مجرد مجنون لديه انفصام بالداخل. كان يتعامل مع زعيم ما.فيا الصقلية. "Marcos Nostra". كان يتعامل مع متوحش لم يهدأ يوماً إلا بمنظر الدماء. مع شخص يكتب على الحوائط بدم أعدائه. توقفت أنفاسه، عندما شعر بأنفاس ذاك الوحش خلفه. أنفاساً حادة وساخنة كسخونة الجمر. متحدثاً بصوته الخشن الرزين الحاد، كصوت الرعد في بداية استيقاظه: "La Cosa Nostra".
ثبتت أقدام ماتيو في الأرض، لم يكن مجرد لقب. بل كان شعار لإعلان التقدم وتناثر الدماء. لم يستطع ماتيو الالتفات والنظر له، لا ينكر بقلبه الذي ارتجف خوفاً. لم يستطع حتى ابتلاع ريقه. عندما شعر بشيء صلب على ظهره. ولم يكن بيده شيء ليفعله في هذا الموقف سوى الصموت. ***
في تلك الغرفة التي بها أسيل. مستلقية على الأرض تضم معدتها بألم وهي تبكي، وتنظر لبقعة الدماء الخفيفة التي علقت بفستانها. خرجت النساء للخارج، ونظرت لها فيتوريا برفعة حاجب وتعالي. اقتربت منها ونزلت لمستواها واضعة أناملها على فكها بخفة قائلة بحده: "أنا لا أسمح. ولن أسمح لأحد بأن يأخذ ما هو ملكي."
فجأة سمعوا صوت إطلاق نار. وقفت فيتوريا بسرعة ودهشة ناظرة للباب. رجعت فيتوريا خطوة للخلف. وبعدها نظرت لمكان بالحائط. وضغطت عليه وخرجت. في نفس اللحظة التي فُتح بها الباب الآخر ودخل إلياس ويده تسيل منها الدماء، وبعض البقع الخفيفة على وجهه، لكنه عاد لطبيعته. نظر ناحية الباب وكان هيلحق فيتوريا. لكن شاف أسيل وهي بتتألم. جرى عليها فوراً ونزل على ركبته يسندها. تأوهت بألم وهي تبكي. نظر لملابسها، ووقعت عينه ناحية معدتها.
نظرت له وهي تبكي قائلة بصوت مبحوح باكي: "إلياس..! حاوط وجنتها بيده ناظراً في عينيها قائلاً بصوته الرجولي الرصين: "أنا هنا." وشالها بسرعة بين إيديه، رغم تلك الإصابة التي في ذراعه. قام وقف وتحرك للخارج وهو يحتضنها. وهي تلف يدها حول رقبته بتعب وعينها بهتانة من الدموع. أخدها وخرج للخارج. وقف رجاله ناظرين للأسفل، وهو ذهب للسيارة واضعاً إياها بها. لف وجهه ناظراً ليامن بحده قائلاً: "دوروا عليها."
أومأ له يامن، ولف قائلاً بصوت عالٍ موجهاً حديثه للرجال: "يلااا يا رجاااالة. فتشوا المكان كُله."
ركب إلياس السيارة، ضاغطاً على الفرامل بقوة وانطلق بأقصى سرعة. ناظراً للأمام تارة. ولها تارة. متعبة وهي تنظر للأسفل وكأنها على وشك الإغماء. أنزل عينه ناحية معدتها الذي تحمل طفله. رجع نظر أمامه مجدداً. وهو يرى ضوء الشروق يسطع بخفة. رجع نظر على الطريق. كان أمامها ثابتاً، ولكنه كان يرتجف من داخله. كان متوتراً وقلقاناً. كان خائف الماضي يعيد نفسه. ***
في المستشفى. واقفاً في الخارج وهو رايح جاي، وهي داخل غرفة العمليات. اقتربت منه الممرضة ناظرة لذراعه قائلة بقلق ولهفة: "حضرتك لازم تيجي معايا. جرحك شكله خطير." لم يرد عليها وهو ينظر ناحية غرفة العمليات. قربت يدها ولسة هتحطها على ذراعه، لكنه لف بسرعة ناظراً لها بحدة قائلاً: "ملكيش دعوى." اتخضت من حدته، ورجعت للخلف بارتباك. رجع نظر لغرفة العمليات وهو منتظر خروج الطبيبة. خرجت فعلاً الطبيبة بعد وقت، وقلعت قفازيها
ناظرة له بهدوء قائلة: "متقلقش. المدام كويسة، والجنين الحمد لله كويس." قال باستغراب: "والدم اللي عليها؟ قالت باطمئنان: "دا كان بقع دم خفيفة من المهبل. وعنق الرحم كان مقفول والدنيا تمام. هي كانت بتتألم بس بسبب التقلصات. وهذا كان شبيه لنزيف الانغراس. ووقفنا خلاص النزيف، وهي كويسة دلوقتي متقلقش." تنهد وسكت. ونظرت الطبيبة لجرحه قائلة: "لو حابب تتعالج تقدر تدخل غرفة الطوارئ." نظر ناحية غرفة العمليات قائلاً بهدوء:
"لأ مفيش مشاكل." قالت الطبيبة: "براحتك. وهننقل المدام لغرفة عادية فوراً." ظل واقفاً صامتاً وهو ينظر ناحية الغرفة. تنهد بتعب، وجلس على الكرسي الخارجي. واضعاً مرفقيه على قدميه وماسك رأسه ناظراً للأرض. كان ماسك رأسه بألم من ذاك الصداع الذي يلاحقه، ومغمض عينيه. ذكرياته تضرب في عقله تاني، وكأن عقله مصمم يفكره هو مين. ***
في دار الأحداث الإيطالي. جالساً على سريره في إحدى السجون. ناظراً للأرض بغرابة، ملامحه لا تعبر عن شيء. أصبح له أشهر في هذا المكان. دون حديث ودون حراك. جالساً ثابت ينظر للأرض، ولكن عقله يتحرك وقلبه ينقبض وهو يتذكرها، ويتذكر آخر نظرة لها. وصوتها المتقطع الباهت. قبض يده بحدة وهو يتذكر لمستها الأخيرة. لمسة خاف يتمحي أثرها من على جلده. اقترب منه شخص أكبر منه بسنتين. وقف خلفه قائلاً بسخرية: "لماذا تجلس هكذا يا رفيقي؟
هيا قف." لم يرد إلياس عليه. واتضايق الشاب واضعاً يده على كتفه قائلاً: "الا تسمع؟! فجأة. نظر نظرة سريعة وحادة على يده. وكأنه شيء ملوث يلمسه. مسك يده ولفه بقوة أوقعه على ظهره على الأرض، وإلياس واقف ماسك ذراعه ويلفه حول قدمه. تألم الشاب وصرخ بقوة. دخل بعض المشرفين وبعدوا إلياس عنه الذي ينظر للشاب بغضب وأنفاس حادة. ووضعوا أيديهم على كتفه. بعدهم إلياس بحدة مبتعداً عنهم، ووقف في الزاوية ناظراً لهم بغضب واشمئزاز.
نظروا له باستغراب، وخرج الجميع، وأخذوا معهم الشاب. قال أحد المشرفين: "أرسل له الطبيبة النفسية." قال الرجل الآخر: "هي مشغولة. سترسل إحدى الطالبات لديها." قال المشرف: "التعامل معه سيكون صعباً. يجب أن نحضر أفضل المختصين." أومأ الرجل. ومشوا الاثنان. ***
في اليوم التالي. قاعد عند الزاوية ويضم قدميه. ومخبي وجهه ويبكي وهو يتذكر والدته "أليسيا". كان حاسس إنه وحيد وضعيف ومحتاجها. كانت هي مصدر القوة بالنسبة له. كان يشهق بخفة كالأطفال. كان مشتاق لها، وقلبه يوجعه وهو يعتصر بشدة حزناً عليها. كانت هي الأمان. كانت هي حبه الأول والآخير.
فجأة اتفتح باب الغرفة. ودخلت فتاة ترتدي بنطال جينز. وتوب وردي، وسماعات بأذنها ونظارة طبية، وقبعة فرنسية، ومعها حقيبة واسعة وماسكة قلم ودفتر وردي. نظرت له، وتحركت بخفة باتجاهه بهدوء. ولكن بتوتر. نزلت على ركبتها أمامه، واندhشت من بنية جسده رغم صغر سنه. قالت بصوت هادئ: "مرحباً! توقفت دموعه وسكت، وهو مازال مخبي وجهه بضيق. ابتسمت بخفة قائلة: "علمت بأنك تتحدث العربية." لم يرد عليها، وحركت هي رأسها للجنب قائلة:
"على فكرة أنا بتكلم عربي برضو. وبحب اللغة المصرية جدا. لدرجة إني اتعلمتها من حبي فيها." قعدت على ركبتيها أمامه قائلة وهي تنظر للدفتر: "إممم. اسمك ماركوس غامبينو نوسترا. ابن زعيم المافيا. ريكاردو نوسترا. متهم بقتل والد." رفع عينه ناظراً لها بحدة. ارتبكت من عيونه الحادة وسكتت، ورجعت خطوة للخلف. وأخذت نفس بقوة ومدت يدها قائلة: "أهلا. أنا لونا. لونا نوفوليتا." رفع حاجبه بحدة. فهو يعلم تلك العائلة جيداً.
قعدت على أقدامها قائلة: "بما إنك نظرت لي كدا. يبقى عرفت أنا مين. أنا لونا بنت أخ زعيم الكامورا. فرانشيسكو نوفوليتا." ظل صامتاً ينظر لها بجمود. وهي تنهدت قائلة بهدوء: "متقلقش. أنا مش زيهم، أنا مستقلة بنفسي وبحب أهتم بحياتي أكتر. وحالياً أنا في جامعة للطب النفسي. وأنا طالبة في السنة الأولى، وحابة أجرب معاك عشان آخد درجات زيادة." كانت أكبر منه بحوالي أربع سنوات. ولكن ملامحها صغيرة، وشعرها مائل للأصفر.
قالت باستغراب وهي تنظر له: "مش عايز تتكلم؟ قول حاجة." سكت قليلاً، وبعدها قال بصوت بحت حاد: "من الغلط إنك تلعبي مع عدوك." اندhشت من نبرة صوته الباحتة. حركت رأسها بمعنى لا وارتباك عندما أتت لها تلك الأفكار الغريبة. وبعدها نظرت له قائلة: "حالياً أنت مش عدوي، أنت مريضي. يعني اللي بعمله دا، شيء يفيدك ويفيدني." تحدث بحدة قائلاً: "إمشي." قالت: "طب أعطيني فرصة أنا." قاطعها بنفس حدته قائلاً: "قلت إمشي." اتغاظت وقامت وقفت وهي
تضع يديها على خصرها قائلة: "لأ بقولك إيه يا نونو إنت. إنت هتسمع كلامي ومش بارادتك. ولازم تتعالج على إيدي يعني هتتعالج." رفع رأسه ناظراً لمستواها بجمود. قام وقف. شهقت بصدمة عندما رأت طوله، رغم بأنها الأكبر سناً. إلا أنه الأكبر حجماً. ابتلعت ريقها وابتسمت ببلاهة وهي تعود للخلف قائلة: "أنا بقول إنك إنت اللي تعالجني أحسن." لم يرد عليها. وهي مسكت دفترها وهي تكتب به بعض الملاحظات قائلة:
"إنت هتقعد هنا على الأقل 3 سنين. قدامك كتير تتعلمه." رفع حاجبه قائلاً: "وانتِ متوقعة إني هقعد هنا 3 سنين." اهتمت بسؤاله قائلة: "كويس. بقيت بترد وبتتكلم، ودي أول خطوة في العلاج." ضغط على أسنانه قائلاً بحدة: "إنتِ متعرفيش إنتِ بتعالجي إيه." نظرت له قائلة بسلاسة: "بعالج بشري. هعالج إيه يعني؟ نسناس!!! " وضحكت ببلاهة وغباء. لاحظت نظراته الحادة كالسيف، وسعلت ثم حمحمت ورجعت خطوة للخلف ناظرة له وقالت:
"أول حاجة احكي لي إيه اللي حصل يوم الحا... قاطعها قائلاً بغضب وصوت يملأ المكان: "اطلعييي براااا." اتخضت منه ناظرة له. وعادت خطوتين للخلف. تحرك أمامها بخطوات حادة قائلاً بنبرة حادة: "متخلينيش أعمل فيكي نفس اللي حصل في عيلتك." قالت بتوتر: "ب بس أنا... أنا... وقف أمامها قائلاً بصوت رصين: "Vai." (اذهبي) نظرت له بضيق. وعدلت نظارتها قائلة ودموعها تتجمع في عينها: "OK."
نظر لعينيها الباكية بحدة. وهي لفت وخرجت وقفتل الباب وراها. نظرت للأمام وعدلت نظارتها، وتحولت ملامحها للحدة. مسحت تلك الدمعة المزيفة بإصبعها ونثرتها بعيداً. *** في الحاضر. أفاق على صوت الممرضة تقول: "المدام عايزة تشوفك. إحنا نقلناها لغرفة عادية."
قام وقف بسرعة، وتحرك بخطوات محسوبة ناحية غرفتها. دخل ولاقاها مستلقية على السرير واضعة يدها على معدتها، والكانيولا في يدها. وترتدي زي المستشفى ذات اللون الأزرق. وتنظر ناحية الزجاج الذي يعكس ضوء الشمس. اقترب منها واقفاً بجانبها، ومسك يدها. وعى له ونظرت له بسرعة. تحدثت بقلق ودون وعي قائلة: "إلياس! إنت كويس يا حبيبي."
نظر في عينيها البريئة، وقرب وجهه منها. وضعت يدها الصغيرة على خده تستشعره ودموعها تتجمع في عينها. احتضنه بسرعة وهي تحاوط رقبته، ووجه مدفون في عنقها. وضع يده الضخمة، على كتفها من الخلف يحتضنها بنفسه. أبعدت وجهها ناظرة لعينيه وهي تحرك يده على خده. نظرت لذراعه ومسكته بخضة. نظرت لذاك الجرح قائلة بقلق: "إنت معالجتش الجرح ليه؟ سكت ناظراً في عينيها. بكت قائلة برجفة: "نادي الممرضة. خليها تعقم لك الجرح."
وضع يده على وجنتها ليهدئها قائلاً بصوته الرجولي العميق: "ششش، إهدي. أنا كويس. الجرح سطحي." قالت بدموع وهي تستشعر يده التي على خدها: "ب بس الجرح كبير. وأكيد بيوجعك." وضع جبينه على جبينها قائلاً: "إهدي. أهم حاجة إنك كويسة دلوقتي." ضمت شفتيها للداخل تمنع صوت نحيبها. وأغمضت عينيها وقالت: "مش قُلت لك إن انت بتحبني." ابتسم ابتسامة جانبية شبه معدومة وباهتة. وهي فتحت عينها ناظرة له بقلق وخوف ودموعها تتجمع أكثر في عينيها:
"م مين الناس دي؟ وعايزين منا إيه؟ نظر لها بضيق وندم قائلاً: "آسف إني حطيتك في موقف زي دا. آسف إني كنت السبب في خوفك، بس أوعدك، إن محدش هيقدر يأذيكي طول ما أنا قريب منك." استقامت بجلستها، واحتضنته. لف ذراعه حول خصرها يبادلها الحضن. ناظراً أمامه بهدوء غامض وغريب، غير معروف إن كان حزين أم غاضب. أم يستعد لشيء. نظرت له بسرعة قائلة: "ك كان في ست هناك غريبة. كانت عايزة تقتلني وجابت ستات و.... قاطعها بهدوء قائلاً:
"ششش، إهدي. أنا كلمت البوليس وهو هيتصرف." نظرت له قليلاً وبعدها قالت باستغراب: "بوليس!!! أول مرة تطلب مساعدتهم في حاجة." قال بهدوء بارد: "أنا زي أي شخص عادي. لما بيحصل معاه موقف، بيلجأ ليه." سكتت قليلاً وهي غير مقتنعة بحديثه. نظرت لمعدتها وتنهدت قائلة بتعب: "الدكتورة قالت إني كويسة. والبيبي كويس." سكت ناظراً للأمام. رفعت رأسها ناظرة له. ومسك إيده، واضعة كف يده على معدتها. نظر لها، وهي نظرت له قائلة بهدوء:
"أنا كنت واثقة إنك هتلحقنا. في النهاية دا ابنك." ارتبك، وأبعد يده عنها بضيق. نظرت له بحزن، وبعدها أنزلت نظرها للأسفل. *** في إحدى الأماكن المجهولة. دخلت فيتوريا المكان الذي يشبه المكتب بعصبية. وقعت كل اللي عليه بعصبية وهي بتصرخ. مسكت هاتفها وهي بتنهج، واتصلت على ماتيو. لكن لا يوجد رد. مسكت إحدى المزهريات ورمتها على الحائط بقوة لدرجة الكسر. أتتها رسالة على هاتفها من رقم إيطالي. "ماذا فعلتي؟!
مقدرتش ترد، وقفت الهاتف بضيق. نظرت أمامها قائلة بنبرة حادة وقوية: "لن أسمح لك. وكما قتلت لونا. أستطيع أن أقتل أسيل. وسنرى من الأفضل." *** في قصر إلياس. في المساء. كان يجلس على حافة السرير عاري الصدر يسند ذراعيه على قدمه. وذراعه ملفوف بالشاش. وواقفة أسيل خلفه جالسة على ركبتها على السرير، وفي يدها قطن وبها مادة معقمة. وهي تضع بها على بعض الجروح على ظهره. كان تائه في بحر ذكرياته المظلمة. ذكريات ما قبل أن يُسجن. ***
واقف في منتصف القصر وفي يده سكين حادة. واقف في منتصف كومة من الجثث المقتولة بأبشع الطرق، يديه ووجهه مغطيان بالدماء. واقفاً يبتسم بجانبية، ابتسامة باردة ومخيفة، بعينه الحمراء التي تلمع في الظلام. مع ذاك الضوء الأبيض الذي يسطع من البرق.
واقفة أليسيا والدته بعيد تنظر له بصدمة والدموع متجمعة في عينها وهي تنظر لابنها بخوف. بخوف عليه وليس منه. بخوف عليه من نفسه. ومن ذاك الشيطان الذي بداخله. راسم بدماءهم على الحائط كلمات إيطالية غريبة، وأشعار وألقاب لاسم عائلته.
وواقف ينظر للجثث باستمتاع. لكنه نظر ناحية أليسيا. اختفت ابتسامته تدريجياً وهو يرى رجفتها ونظراتها الصادمة له. نظر للأسفل وهي ينظر لهؤلاء الرجال الذي كانوا يحاولون إيقافه. ارتجفت يداه، وعاد لون عينه للونها الطبيعي. نظر للسكين الذي بيده بتوتر. ورمها على الأرض فوراً. وهو مصدوم من نفسه. نظر ناحية والدته وهو يحرك رأسه قائلاً بصوت مرتجف: "م مش أنا. دا هو. هو اللي قالي أعمل كدا. أنا معملتش حاجة."
تساقطت دموعها عليه بقهر وهي تكتم صوت بكاءها. نظرت له وشافت دموعه بتتجمع في عينه قائلاً: "ولله ما أنا. هو اللي عمل كدا، هو اللي لعب في عقلي وضحك عليا. أنا مكنتش قادر أسيطر على نفسي." اقتربت للأمام قليلاً وهي تتفادى النظر للجثث قائلة بصوت مبحوح ومرتجف: "أنا هساعدك. تعالي، لازم نمشي بسرعة. يلا يا إلياس، يلا قبل ما أبوك يوصل."
تحرك عندها ممسكاً في يدها بخوف، وكأن بعد ما فعله برجال أكبر منه ضخامة وسناً. إلا أنه يخاف. يخاف من نفسه وعدم سيطرته. أخذته أليسيا بسرعة وبخطوات سريعة خرجوا من القصر، وأخيراً وضعت أقدامها بالخارج. خارج ذاك القفص الملعون. شمت أخيراً هواء من الخارج، ليس كهواء القصر الذي يخنقها. رغم وجود نوافذ إلا أنها كانت مرفوعة بشكل خانق. تحركت بسرعة وهي تمسك يد ابنها. تحركت بخطوات سريعة متجهة لأي مركز شرطة. ولكن كل شيء توقف، وكل شيء انتهى من ذاك اليوم. لم يتم قتلها فهي فقط في ذاك اليوم.
*** الحاضر: "إلياس! فاق من تفكيره على صوتها. تنهد بقوة وتعب مهمهماً: "إممم؟ تحركت وجلست بجانبه على حافة السرير، ووضعت علبة الإسعافات على الكمود. وهو أغمض عينيه ويحرك أصابعه على جفنه بحب وتنهيد. نظرت له قائلة بتردد: "ه الناس دي ليها علاقة بماضيك؟ فتح أعينه ببطء ناظراً للأسفل، مهمهماً: "إممم." قالت باستغراب وتردد: "بس ليه؟ يعني إنت عملتلهم إيه؟ وخصوصاً في ماضيك."
سكت قليلاً، وبعدها حرك رأسه ناظراً لها برفعة حاجب قائلاً: "إنتِ مش نعسانة؟ استغربت قائلة: "أه تعبانة جدا. بس... قاطعها وهو يقف ويمسك يدها ويجعلها تستلقي على السرير قائلاً: "يبقى نامي." نظرت له وهو يغطيها بالبطانية قائلة: "إنت بتزوغني؟ نظر لها، وتنهد ولف جالساً على حافة السرير قائلاً بهدوء: "اليوم كان طويل. ولازم ترتاحي." ومسك علبة سجائره يخرج منها واحدة. قامت قعدت قائلة: "كان متعب علينا كلنا."
وقرب منه ووجدته أشعل السيجارة وكاد على وضعها بين شفتيه لكنها أخذتها منه بسرعة قائلة: "متنساش إني حامل وده مضر." أطفأت السيجارة. تنهد بضيق ناظراً للأسفل. نظرت له وقالت بضيق: "لو مكنتش أخدتني للمستشفى، مكانش حصل كل دا." قام وقف بحدة ناظراً لها وقال: "أسيل. أنا مش ناقص." نظرت له بحزن وزعل قائلة: "أنا قولت إيه يعنى عشان تتعصب عليا كدا!!!
نظر لها قليلاً. واتضايق من نفسه وأخد علبة السجائر وتحرك ذاهباً للشرفة. نظرت لأثره، وبعدها استلقت على السرير بضيق ناظرة للسقف. افتكرت كل الأحداث اللي حصلت امبارح، كان يوم بشع بالنسبة لها، ولسة مش مفارق عقلها والستات بيقربوا منها عشان يضربوها، وتحديداً في معدتها. وضعت يدها على معدتها مبتسمة بخفة قائلة: "الحمد لله. ربنا كتب لك عمر جديد."
وبعدها نظرت ناحية إلياس الواقف في الشرفة يدخن ويضع إحدى يديه على السور. تنهدت، وقامت وقفت بعد تردد طويل بين عقلها وقلبها. قامت وقفت وأخذت معها زجاجة الماء التي على الكمود، وتحركت لهناك مقتربة منه. وقفت وراه قائلة: "لو سمحت، ممكن تفتح لي دي."
لف ناظراً لها قليلاً، أطفأ السيجارة، وأخذ منها الزجاجة وهي تنظر للأسفل بضيق. فتحها، وأخدتها منه. وكانت إنها تلف، لكنه مسك معصمها بهدوء. وقربها منه وهو يحتضنها من الخلف. سكتت، وهو لفها ناظراً في أعينها قائلاً: "متزعليش مني." ابتسمت بخفة وقالت: "ومتزعلش مني أنا كمان، عشان بسألك وانت تعبان." ابتسم بجانبية خفيفة قائلاً: "أنا مبقدرش أزعل منك."
ابتسمت بخجل ونظرت للأسفل. أخدها ودخل للداخل، استلقت على السرير وهو استلقى بجانبها يحتضنها. نظرت له قائلة: "إلياس! إنت عايز الطفل دا؟ سكت قليلاً بضيق، وكاد على الحديث لكنها أوقفته قائلة بابتسامتها البريئة: "صدقني هتحب الموضوع. بس إنت ادي لنفسك فرصة. حاول تحس بشعور الأبوة ولو لمرة." ومسكت إيده ووضعتها على معدتها قائلة: "صدقني دا شعور حلو. إنت تحس بجزء منك شايل جيناتك ودمك، شعور كويس. بس إنت حاول تتقبله."
مبعدش إيده عن معدتها. وهو صامت يفكر في حديثها. ابتسمت بخفة قائلة: "حاول إنت بس. وأنا معاك، دا مش مضر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!