مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي كلما تأخرت في ترتيب الكلام يقول: لا تكمل.. أفهم ما تريد قوله. مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي كلما أخطأت يقول: لا تعتذر.. أتفهم ما حدث. مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي تشعر أنه يعرفك أكثر من نفسك! لقائلها "زكي فضل مطر" أنتظرك العمر بأكمله حتى وأنت لا تفكر في المجيء حتى! "هيام" لم يكن وداعًا لائقًا بما عشناه، ولم يكن حضورًا لائقًا بما في قلوبنا.. ولكنه القدر. "زاد مطر"
أنا من أقف على محطاتي، أنا من أنوي الرحيل وأنا من أنوي المكوث، أنا صاحبة القرار الأول والثاني والأخير. وآخر قراراتي كانت أنا لا شيء غيري.. أنا فقط! الساعة الآن.. السادسة صباحًا.
كرر المنبه رسالته عدة مرات، امتدت يد زاد لتطفئه بينما كانت تنعم بنعاس طويل هادئ. نهضت وجلست على سريرها تزيح شعرها المشعث الفوضوي للخلف وتتثاءب. نظرت إلى الهاتف ورأت كم الرسائل التي في انتظارها لفتحها. مطت شفتيها ومن ثم هبطت ترتدي خفيها وأمسكت بريموت التحكم عن بعد لتفتح ستائر الشرفة الزجاجية لغرفتها المطلة على حمام السباحة والحديقة الكبيرة الغنّاء المحيطة بالقصر الذي تعيش به!
ترجلت ووقفت أمام الزجاج تترقب أشعة الشمس الخفيفة مع طيران العصافير ورفرفة غصون الأشجار. فهي زاد مطر، بلغت من العمر سبع وثلاثين عامًا.. ذات بشرة بيضاء وعينان سوداويتان عميقتان، حاجبان كثيفان، فم صغير وأنف منصوب. طولها مناسب لوزنها الذي تحافظ عليه طيلة الوقت. عزباء وتقدس حياة الوحدة والحرية.. تدير شركات مطر للشحن، صاحبة رأي وفكر مستقل ولديها ريادة في القيادة وإدارة العمل بكفاءة فهي تربية عمها الحميدة.
مدت يدها لتسحب إحدى المناشف وهمت بالدلوف إلى المرحاض ولكن قبل هذا سبق فعلها بالاتصال هاتفيًا بخدم القصر لتحضير وجبة الإفطار الخاصة بها ووجبة الإفطار التي تعد خصيصًا لعمها "زكي فضل مطر". تحممت، خرجت وارتدت ملابسها، وضعت القليل من مساحيق التجميل، صففت شعرها. وفي طريقها إلى غرفة عمها، طرقت الباب ولم يجب فدلفت. -زكي، يا زيكو لسه نايم!
اقتربت من فراشه لتجده يغط في سبات عميق، وبجانبه مجموعة من الأظرف وردية اللون وأوراق الرسائل القديمة ذات اللون الأصفر. أمسكت بواحد منهم وقرأت التالي.. "مش عارفة إزاي وإمتى يا زكي ممكن نتقابل، بس اللي أعرفه إني هحاول ومش هعدي الميعاد دا بالذات. وحشتني، ووحشتني لمسة إيدك يا حبيبي... لم تكمل زاد قراءة الرسالة، فهي تعلم دون قراءة.. سمعت الكثير من عمها وبكل مرة تستمع للمزيد دون ضيق.
وكأنها أسطورة ضمن أساطير العاشقين، زكي وهيام! دنت زاد من أذن عمها وأردفت بهدوء: -اصحى يا زكي، يلا لسه فيه دوا وأكل ورياضة ودكتور العلاج الطبيعي على وصول.. كان زكي بدأ يستعيد وعيه قليلًا، فهمست زاد بخبث في أذنه بصوت هادئ: -هيام! انتبه زكي وفتح عينيه فضحكت زاد، ساعدته في النهوض وحينما نظر إلى وجهها ابتسم ابتسامة عريضة وأردف لها: -هتبطلي إمتى خبث؟ بقى بتوشوشيني باسمها. جلست زاد بجانبه وأخذت تدلك أحد ذراعيه وهي تتحدث:
-يعني هصحيك إزاي، ما هي شفرتك الوحيدة يا زيكو.. يلا فوق عشان لسه هفطر معاك وبعدين هنزل عالشركة. نهضت من جانبه تقوم بوضع الرسائل في الأظرف على مرأى زكي فقال لها: -طبعًا قعدتِ تقري المكتوب قبل ما تصحيني. هزت زاد رأسها بالنفي وضحكت قائلة: -لا طبعًا، لأن أنا عارفة مكتوب إيه وحصل إيه وحافظاهم ومستعدة أسمعهم كمان، أنت بقى لسه محفظتهمش؟! نظرت إلى عينيه بعمق، فقال زكي وهو يتهرب من نظراتها بعيدًا:
-حافظ حرف حرف بس برضه هفضل أقرأهم وكل كلمة وكل حركة تتعاد عليا عشان أصبر على بعدها أصبر قلبي إنها مش معايا. جلست زاد بجانبه مرة ثانية وقالت له متعجبة بنبرة صوت حنونة: -تفتكر ممكن حد يوصل لسنك يا عمو، ٦٥ سنة ولسه بيحب كدا؟ ابتسم زكي وأردف: -طالما قلبه لسه بيدق، يبقى هيفضل يحب.. بشرط أن الحب يكون بجد. نهضت زاد وكعب حذائها يدوي بالغرفة في طريقها لخزانة زكي الخاصة تضع الرسائل القديمة إثر تحدثها إليه:
-عشان كدا أنا مش هرتبط ولا هتجوز، قصتك علمتني يا أحب وأتحب واللي قدامي يتمسك بيا يا هفضل لوحدي وكدا أفضل. طرقت الخادمة الباب ودلفت بوجبة الإفطار لهما، ومن ثم تناولاها حتى حان وقت الطبيب الخاص بزكي. فاطمأنت زاد لحاله وودعته ورحلت. وبدأ زكي في دورة جديدة من دورات علاجه.. زكي فضل مطر. بلغ من العمر خمسة وستين عامًا، صاحب مجموعة شركات مطر الكبرى للشحن والتفريغ، بدأ من القاع.
رجل عصامي حتى أصبحت لديه كل هذه الثروة، غير متزوج ويعيش مع ابنة أخيه زاد بقصره الكبير. منذ عامين أصيب بمرض الشلل المؤقت فتقاعد بالمنزل وتولت زاد زمام الأمور، وطوال تواجده بالمنزل. إما لتلقي العلاج، أو للعب الرياضة، أو للجلوس لسماع مطربه المفضل عبد الحليم حافظ متصفحًا كل شيء يذكره بأفضل جزء بحياته.. حبه الكبير والوحيد. أسمر البشرة، ذو شعر أجعد قليلًا يشبه للفنان أحمد زكي بعض الشيء، حتى في صغره كان يسمونه النمر الأسود.
الرسائل، الأغاني، الهدايا، الأماكن.. تبقى الذكرى ونيسه الوحيد بعد الفراق! -وين رايحة تيتا؟ مو قلتِ لي رح تكملي لي القصة! قالها الصغير ناصر.. حفيد هيام من ابنتها الكبرى، كان يرفع بصره لها إثر روايتها له إحدى روايات الأطفال الشهيرة. تنهدت وبللت شفتيها المحاطة بالتجاعيد وكسرات الوجه علامة على تقدم السن وأردفت له: -تيتا رح تشرب قهوتها ومن بعدها رح تكمل لك القصة.
تركها الصغير وترجل يلعب بعيدًا بفناء المنزل الكبير، فجلست هيام تنظر إلى فنجان قهوتها الساخن.. قهوتها المفضلة والتي تعد خصيصًا لها، الإسبريسو المختلط بمزيج قليل من اللبن، احتست القليل. وأمسكت بريموت التلفاز تقلب القنوات الفضائية حتى وقفت على فيلم من بطولة أحمد زكي، ابتسمت مع ترقرق دمعة خفيفة بمقلتيها لتعود لذكرياتها، لأيامها القديمة.. لحب عمرها الوحيد. زكي! عام 1990
كانت تتهيأ هيام أمام المرآة تضع حمرة الخدين والشفاه بكثرة، وتمشط شعرها على صوت أغاني عبد الحليم خصيصًا أغنية "أول مرة تحب يا قلبي".
وتتغنى معها وجسدها بالكامل يتراقص، هيام محمود حسون، سبع وعشرون عامًا، ابنة تاجر كبير يعيش ويعمل بالسعودية ويقيم هو وعائلته بها وهيام واحدة منها.. تمتاز هيام بالبشرة المختلطة المميزة بين السمرة والبشرة البيضاء.. ذات أنف متساوٍ مع استدارة وجهها، حاجبان خفيفان إلى حد ما تقوم برسمهما بالقلم لتوضيحهما. وجنتين ممتلئتين، فم مكتنز وضحكة واسعة جميلة. -عم ترقصي وصوت الأغاني عالي، وين رايحة؟!
قالتها والدتها بعدما دلفت إلى غرفتها، فأردفت هيام: -نازلة أشتري شوية أغراض يا أمي. -أوك بس ما تتأخري، والبسي العباية على جسمك ما يصح تنزلي بهاي الملابس. تركتها ورحلت، فأكملت هيام ما كانت تفعله حتى انتهت وهرولت إلى السيارة، ليهبط زكي منها ويقوم بفتح الباب لها لتجلس بالخلف وهو يقف حتى دلفت للداخل ليغلق الباب ويقوم بالدوران إلى الناحية الأخرى يركب ناحية مقعد السائق ويدير المقود وانطلق.. -وحشتني يا زكي. ابتسم زكي
ينظر بالمرآة لها وأردف: -مش أكتر مني والله، أنا منتظر من إمتى المشوار دا. -اتلككت لأمي بأي شيء ناقصني وقولت لها هنزل أشتريه ضروري، حكت لي إني ما أتأخر. بس مو مهم، المهم إني أشوفك وأكون معك.. وين رح توديني؟ ضحك زكي ضحكة واسعة وأردف: -لاء ما هو يا يتحكي مصري يا سعودي، وبما إنك مصرية فأتكلمي مصري. عشان أفهمك أكتر. دنت هيام من مقعده وتحدثت بالقرب منه: -أنا أصلًا لو حكيت عِبري هتفهمني يا زكي. نظر زكي إليها مطولًا
ومن ثم أردفت هي بهلع: -حاسب هنخبط في السيارة أمامنا! تفادى زكي الحادث فضحكت هي، أردف هو: -قلت لك ما تقربيش كدا، مش بعرف أتحكم في أي حاجة.. ولا عاوزة نعمل حادثة وأبوكِ يقطع عيشي وما نشوفش بعض تاني. خافت هيام فعادت للخلف وهي تردف: -لاء خلاص هقعد في حالي. نظر زكي إلى وجهها بالمرآة وأردف: -طب قولي لعيونك يكونوا في حالهم عشان نعرف نوصل على خير..
عادت هيام من ذكرياتها وزفرت زفرة حارة ومن ثم احتست رشفة من قهوتها وعيناها مثبتتان على التلفاز، لا تراقب الفيلم.. بل تستعيد صورة سجين قلبها في رؤية بطل العرض! وكأن بداخلها يردد أنه من فرط انتظارها له ذبلت، ولم تعد قادرة على مواساة نفسها، تتمنى أن تأتي عاصفة شديدة إما أن تيقظها من غفلتها أو ترحمها حتى لا تكمل في هذه الحياة التالفة، تلك الحياة التي لم تعد باستطاعتها إكمالها بدونه!
-تقصد إيه يا مستر عبد القدوس بأن نفتتح شركة نشاطها مغاير لنشاطنا اللي متعودين عليه من سنين؟ قالتها زاد بنبرة صوت معترضة أثناء اجتماعها برؤساء الأقسام بالشركة، فأردف لها أحدهم: -أنا برضه شايف اقتراح مستر عبد القدوس صح، إحنا لو عملنا ده هيبقى تجديد دم للشركة ودا هيبقى بمثابة عائد أفضل للشركة وعملائها. وضعت إحدى رؤساء الأقسام القلم بفمها ومن ثم تحدثت:
-بس أنا شايفة حاجة تانية، إحنا ما نعملش شركة ليها نشاط تاني.. أنا شايفة إن شغل الميديا والتليفزيون والدعاية والإعلان هو دا اللي ماشي وبيكسب بصورة مش طبيعية. نظروا إلى بعضهم البعض جميعًا فأردفت زاد: -بمعنى إيه، ننتج فيلم ولا مسلسل؟ -ننتج برنامج تليفزيوني موضوعه يعمل مشاهدة عالية على منصات الإنترنت ودا في حد ذاته يعمل ضجة غير عادية لشركاتنا. عادت زاد بظهرها إلى المقعد وعبست بوجهها مع مطة لشفتيها تفكر، فاسترسل
أحد الموظفين حديثه: -إحنا ممكن نعمل دراسة جدوى وحصر للمواضيع اللي ممكن نقدمها في برنامج تليفزيوني وأي القنوات الفضائية اللي ليها نسبة مشاهدة عالية والتقرير يبقى على مكتبك بالكتير كمان يومين. وتشوفي إنتِ ومستر زكي مطر وتقرروا.. إيه رأيك يا فندم! قلبت زاد فنجان الشاي وقدمته إلى عمها إثر تحدثهما سويًا. فهمت حاجة من الجنان دا؟ ابتسم زكي وتناول منها فنجان الشاي وهو يقول: أنتِ إيه اللي مخليكِ مش موافقة؟!
عادت زاد بظهرها للخلف ووضعت ساقًا على ساق وقالت: طبيعي دا جنان وماوافقش عليه، إحنا شركات شحن وتفريغ مالنا ومال الميديا والتليفزيون والبرامج وقلة القيمة دي. شرد زكي بخياله وأردف لها: هما لسه هيقدموا دراسة الجدوى للموضوع صح؟ بيقولوا يومين ويكون على مكتبي. تمام، أنا شايف إن دي فرصة للموضوع.. أنا حابب ومتحمس. نظرت له زاد متعجبة نظرة مضحكة وأردفت: زيكو اسمح لي أقول لك إنك غريب.. غريب جدًا!
ضحك زكي وارتشف من فنجان الشاي وأخذ يهز رأسه على نغمات أغنية يوم من عمري لعبد الحليم حافظ. بيقولك مرة مكوجي تاه في الصحراء لقى تعبان قعدوا ساعة يبخوا على بعض، اضحك يا نكد!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!