لقد أرهقتني من كثرة إخفاقاتك في الحياة، كثرة تناولك للبؤس وكأنه جرعة يومية.. دعني أريحك وأريح نفسي من غبائك! نفسي التي أهلكتها في بحور الحزن والآلام قد عاودتني مجددًا، بعد بكاء مرير وأفكار سوداوية، بعد عناء سرمدي ونفس مصابة بداء الكتمان، بعد كل هذا سقطت! سقطت وبداخلي صرخة شلت أركاني، أذابت ثلوجى، فانهارت بعبرات محملة بالأسى، ومن يا ترى يكون بجواري بعد كل هذا؟ (منذ عامين)
أمام المرآة.. كان يقف نبيل يمط شفتيه، يتهيأ لزيارة عروس جديدة من ضمن القائمة التي ترشحها له كل يوم والدته وشقيقاته.. فقد بلغ من العمر الثمانية والثلاثين وحتى الآن لم يرتبط ولو لمرة واحدة سواء عاطفياً أو بشكل رسمي.
نبيل فهمي، ثمانية وثلاثون عاماً.. يعمل شيف بإحدى مطاعم لدى فندق معروف، يعزف عن الارتباط أو التعامل مع جنس حواء بأكمله. يرى الحياة بلون سوداوي إلى حد ما وهذا ما جعل من حوله يقدم العديد من الاقتراحات له لكي يتزوج ويغير مجرى حياته. دلف شقيقه وقام برش بعض زخات العطر على ملابس نبيل قائلاً: "أيوا يا عريس، جميل جدا.. يلا عشان نعدي نجيب تورتة وإحنا رايحين." التف نبيل له وأردف بنبرة لا مبالية: "ونجيب تورتة ليه؟
ما إحنا هنروح ومش هعجبها وهترفض وهنرجع قفانا يأمر عيش، هما ياكلوا التورتة وأنا أقعد آكل نفسي على حقي." نظر له شقيقه متعجباً واردف: "وليه كل الافتراضات دي، العروسة دي بيقولوا مبسوطة لما شافت صورتك وعرفت صفاتك.. أبونا كلمها قبل ما إحنا نروح يبقى فين المشكلة؟ "على فكرة أنا سمعت ماما وهي بتقول إنها معترضة إني أكبر منها بـ 15 سنة." "بس أهلها حددوا الميعاد إننا نروح ونتقدم، لو كانت هترفض كانت قالت لأهلها لأ." هز نبيل رأسه
بيأس وأردف ينظر إلى أسفل: "يعني خلاص انتوا اتفقتوا نروح! أردف شقيقه بثقة: "المفروض." "طب افرض أول ما شافتني اعترضت على إني ساكت وزعقت فيا زي العروسة اللي قبل اللي فاتت كان اسمها إيه.. آه مجدولين." تنهد شقيقه بفارغ الصبر فأكمل نبيل: "أو مثلاً قبل ما نروح بدقايق يبلغونا إنها ولعت فروحها ونقلوها لمستشفى الحروق زي المرحومة عروسة السما." استراح فايز ليهدئه فـ أردف له مبتسماً:
"يا عم فك، إحنا رايحين نخطبلك.. طب استنى هقولك نكتة بيقولك مرة مكوجي تاه في الصحراء لقى تعبان قعدوا ساعة يبخوا على بعض، إضحك يا نكد! لم يضحك نبيل، بل لم تنتفخ شفتيه من الأساس.. فأمسك فايز شقيق نبيل يديه وربت عليهما وتحدث مردفاً له: "ممكن تنفض الذكريات المنيلة دي عن دماغك يا بلبل، ونبص لنص الكوباية المليان! "ماهو نص الكوباية الفاضي فضي لما شربته سارة على بق واحد ومدوبة جواه سم فئران لما خطبتوها ليا غصب عنها."
"يووووه، يالا يا نبيل." قالها فايز بفارغ صبر وأخذ يجرّه إلى الخارج استعداداً للذهاب، وفي طريقهما كان الجميع يتحدث بالسيارة عداه حتى وصلوا منزل العروس ديانا. احتسوا مشروب الضيافة، كان مجرى الحديث الترحيب والحديث عن عمل العريس وما هي خطته المستقبلية وكان كل هذا يجري ونبيل على صمته، ينظر للجميع بطرف عينه حتى دلفت ديانا حاملة صنية الكيك المحلى مع ابتسامة رقيقة فضحت أسنان بيضاء مرصوصة مع قولها: "مساء الخير يا جماعة."
ديانا، 23 عاماً.. خريجة كلية التجارة وبدأت العمل بشركة مقاولات منذ شهور، راتبها متوسط بالكاد يكفي احتياجاتها، ممتلئة الجسد، ذات شعر بني اللون ولكنه خفيف الكثافة، وجهها مستدير ووجنتيها ممتلئتان. عيناها ذات لون بني متماشى مع شعرها، ضحوكه متفائلة لطيفة الشخصية تحب الطعام اللذيذ، جربت أن تلج داخل علاقات عاطفية عديدة ولكنها فشلت، وحينما تقدم لها نبيل وافقت حتى تجرب مغامرة الارتباط الرسمي.. من الممكن أن ينجح.. ربما!
دلتفت ديانا وجلست إلى أقرب مقعد وبدأ الحوار وتجاذب أطراف الحديث. "بسم الصليب عليكِ يا ديانا زي القمر بس يعني عايزة تخسي شوية." كانت مبتسمة ديانا حتى سمعت آخر كلمات والدة نبيل اقتضبت واختفت بسمتها مع قولها: "والله يا طنط عاجبني شكلي كدا ومش مضايقة حد بيه." "بتلبسي كام إكس؟ "نعم! أردفت ديانا تجيب على سؤال نبيل متعجبة منه فـ أكمل هو: "أيوه لازم أعرف مش هنرتبط، لازم أعرف مقاساتك إيه عشان نجارة أوضة النوم." دنت
ديانا نحوه وقالت مستفهمة: "وهو إيه دخل أوضة النوم في مقاساتي هو أنا هنام في الدولاب! ضحك الجميع فـ أرادت والدة ديانا تغيير مجرى الحديث لتدعو والدة نبيل وأشقاءه للجلوس بالخارج وترك نبيل وديانا بمفردهما لأخذ مساحة من الحديث، وما أن ترجلوا للخارج فقامت ديانا بسؤال نبيل: "سيبك أنت، التورتة اللي انتوا جايبينها بطعم إيه؟! اتسعت حدقة عين نبيل وقام بالرد عليها:
"سيبك بس من طعم إيه دلوقتي، طبعاً إنتِ عارفة إني أكبر منك بـ 15 سنة وإني بشتغل شيف في مطعم فندق.. مرتبى يدوب ومجبتش لسه شقة والشبكة هتبقى بالتراضي كدا البسي دبله وحلق ونقفل الليلة لأن والله أنا قلقان ومتشائم ومش ناقص." ضحكت ديانا ضحكة واسعة وصفقت بكلتا يديها، وقالت له: "يا بني اصبر بس، إحنا نلبس الدبل ونلبس في بعض ونشوف الدنيا." "بعد كل اللي قولتهولك مكملة.. طب حلو."
"ماهو اسمع، أنا لازم أمشي الجوازة مش كل شوية أدخل علاقة ويتعلم عليا أنا عايزة ألبس الدبلة وننزل صورة كلبش أنا وأنت وأعملك كابشن على صور في الفيس وأنت متفكرش تعملي لايك حتى وأغير صور البروفايل 3 مرات في اليوم إني مخطوبة وبحب خطيبي وخطيبي بيموت فيا وأنت تكون عامل لي بلوك أساساً ولا شايفني وأعمل ستوري واتس بصور وكابشنز أعمل جو يعني.. وهكذا، وأهم من ده كله إنك طباخ وأنا بقى بموت في الأكل.. فهمت حاجة؟!
ومرت الأيام، وتمت الخطبة.. إحساس اليأس متملك نبيل بينما كانت ديانا بعالم آخر تذهب عملها تشتري بكل راتبها طعام وشيكولاتة، تخرج للتنزه مع أصحابها وتتحدث هاتفياً مع نبيل الصامت المحبط كالعادة. وتمر السنوات، والوضع كما هو لا يوجد جديد.
وبعد عامين، يقف نبيل بالمطبخ يحضر الطعام ويتذكر كم المديونيات التي عليه لتحضير منزل الزوجية من أثاثات لمفروشات وتسديد كافة الالتزامات.. يريد فسخ الخطبة ولكن أهله في كل مرة يمنعونه فقد تم من العمر الأربعون ومازال لا يستطيع تحمل مسؤولية ويهابها كـ الخوف من وحش كاسر. "إنت بتعيط يا شيف نبيل! نظر نبيل ناحية رئيسه بالعمل إثر تقطيعه للبصل فـ أردف نبيل: "لا أنا بس عشان تقطيع البصل." "طب شد حيلك، الغدا قرب ينزل."
تركه ورحل، حتى أتاه صوت رنة الهاتف باسم ديانا لـ يتأفف، فيترك ما بيده ويضع سماعة الرأس ويجيبها: "أيوة." "اسكت مش أنا لقيت إعلان عن حتة شقة تحفة، وإيجارها زي ما أنت عايز.. هو بس المقدم عالى حبتين." امتعض نبيل بشفته السفلى وأردف: "كام المقدم؟! "50 ألف.. بس متقلقش هتعرف تدبرهم." ترك نبيل ما بيده وتحدث بصوت عالٍ: "أنا هجيب منين 50 ألف مقدم زائد العفش والفرش والجمعيات والأقساط، ما ترحميني أبوس إيدك." تأففت ديانا منه ونفثت
في سماعة الهاتف مع قولها: "بقولك إيه، أنت تستأذن من شغلك ونروح نشوف الشقة عشان أنا زهقت منك ومن إحباطك والخطوبة مش هتتفسخ يا نبيل لو عملت إيه وهنتجوز وهنكمل حتى لو أجرت عريس بدل ك... أغلقت المكالمة بوجهه، فـ زفر نبيل زفرة حارة لـ يتحدث إلى نفسه: "وكمان هتجيبي عريس إيجار يا ديانا، عليكِ وعلى جوازتك السودة يا بعيدة." وما زال لدي الرغبة في إنهاء كل شيء دفعة واحدة، الارتباطات.. الصداقات.. المواعيد، العمل، الجدل.
أريد أن أنهي كل شيء ملوحاً بإحدى يداي مردفاً بصوت أجش قائلاً لا! لا أريد أي شيء بعد اليوم. فـ ليتوقف هذا الهراء وليرحل بعيداً عني. "هو أمي كانت بتاكل وهي حامل فيا إيه عشان تخلفني حزين كده؟ كأنها كانت بتتوحم على ألبومات تامر عاشور! أخذت تُقلب ديانا كوب القهوة المثلجة أمامها وهي تنظر له نظراتها الحانقة كالعادة فـ أردف نبيل: "بقولك إيه يا ديانا أنا قلقان لما نتجوز نخلف عيال حزينة." رفعت ديانا شفتها العلوية ممتعضة وقالت:
"أكيد هنخلف عيال حزينة مدام باباهم كتلة كآبة كدا، فك.. فك الله يخليك." وضع ديانا الملعقة من يده بعدما قلب كوب الشاي أمامه منزعجاً ومردفاً إليها: "إنتِ إيه! دهون جسمك دخلت على مخك حجبت عنه الرؤية؟ بقالنا كام سنة مخطوبين؟ بقالنا كام سنة بنكون روحنا وبنحط القرش على القرش وأنا شغال وطالع 43 عين أهلي! لوحت ديانا بيدها قائلة ونبرة صوتها قد ارتفعت قليلاً: "يعني إحنا أول المخطوبين ولا آخرهم!
كل الشباب كدا وواحدة واحدة بتخلص كل حاجة.. متقرفنيش معايا لأني أساساً قرفانة من هدومي." نهض نبيل واقفاً مشيراً لها بإصبعه السبابة: "ماهو دي مش مقاسات هدوم عشان تطيقيها ولا ده منظر واحدة قلقانة على خطيبها وعاوزة تقف جنبه وهو حزين بالشكل ده." نهضت ديانا أمامه تتحدث بصوت جهور مما جعل من حولهم بالمقهى ينظر لهم ويلتفت إليهم: "ماهو أنت على طول حزين وكئيب، يبقى هفضل واقفة طول عمري أما رجلي يصيبها الروماتيزم.. أنا ماشية!
تركته ورحلت فـ أخذ ينظر ناحيتها نظرة حانقة مطولة وهو يتمتم: "سابتني ومشيت كعبول هانم، سابتني وأنا حزين ومخنوق حتى الشاي مشربتوش، روحي يا شيخة ده إحنا لو واكلين مع بعض سم فئران مكنتيش هتعملي كده حسبي الله ونعم الوكيل." "بقولكوا إيه، أنا مش عايز أكمل! قالها نبيل بصوت عالٍ فـ انتبهت والدته وشقيقته، فـ أردفت له والدته: "مش عايز تكمل ليه يا نبيل؟ ديانا بنت كويسة ومؤدبة ومستحملاك بقالها سنتين." جلس نبيل إلى أقرب
مقعد وتحدث بعدما نفث ببطء:
"يا جماعة أنا متقدمش خطوة، أنا فيه حاجات عليا أكبر من احتمالي، أنا مش بنت وهعنس عشان وصلت للأربعين.. ديانا مخها مش هنا.. مخها في البطاطس والكاتشب والألوان المزهزهة اللي لابساها دايماً.. أنا مرتبى دا لا يجيب شقة إيجار ولا تمليك ولا حتى جحر فار أصلاً بقالنا سنتين سوا مش عارف أتأقلم معاها ولا مع فكرة الجواز من أصله، لا هي ولا غيره. ده الحمد لله إن غيرها كان بييجي الاعتراض من عندهم، أنا خايف ومش عايز أكمل ومش قادر."
إثر تحدثهم رن هاتف نبيل باسم ديانا لتحثه والدته بأن يجيبها فـ رد: "نعم يا ديانا." "اسكت شوفت لك برجك بيقول إيه دلوقتي، لقيت مغامرة هتغير مسار حياتك تماماً.. أنا من وقت ما قريتها وأنا مبسوطة أوي." تحدث نبيل بنبرة غير مكترثة: "وأيه يبسط فـ كده، ثم مغامرة إيه.. انتِ فاكرة نفسك مخطوبة لـ زاهي حواس!
أنا راجل طباخ، آخري في الدنيا أروح الكنيسة يوم الأحد، وأطبخ للناس في شغلي أكل طالبينه وأخد مرتب أياهطه على بعضه فـ ميكفيش حاجة وأحس إن كدا كدا لا اللي جاي بتاعي ولا اللي راح كنت فيه فـ أحط إيدي على خدي وأشيل الهم وأتنكد." لم تتركه ديانا ليكمل حديثه فـ أردفت له منزعجة: "باس باس.. أنا قربت أروح أشيل المرارة منك.. سلام." أغلقت الهاتف فنظر إلى والدته قائلاً: "أنا دماغي هعرف أكفي منين متطلبات الجواز وهي بتقرا الفلك!!
أنا عايز أفك أرجوكم." "أنا وصلت أربعين سنة وأساساً زهقت من الدنيا." "لا عايز عروسة ولا بسبوسة." نهضت والدته من مكانها وتحدثت له في ثبات: "نبيل، هتكمل في جوازتك وهتكمل في جمعياتك وهنشوف الشقة اللي قالت عليها ديانا." "ولو سمحت تبص للدنيا بعين ناس عايشة فيها مش عين ميتين." "تعبتيني." تركته ورحلت في صمت، هو بهدوء.. هدوء يخفي خلفه الكثير.
قالها عبد الرحمن منيف: لا تظن الهدوء الذي تراه في الوجوه يدل على الرضا؛ لكل إنسان شيء في داخله يهزهُ ويعذبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!