الفصل 14 | من 30 فصل

رواية ميكاتوا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نور اسماعيل.

المشاهدات
21
كلمة
2,796
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

قلبها يدمي، النيران تشتعل به، يتآكل من الداخل، عباراتها أصبحت كالشلال المنسكب على وجنتيها، ورأسها أصبحت مشتتة بشكل مهيب، تخشى البكاء أمامه، فتفضحها شهقاتها، لم يعد قلبها يحتمل، وتراقصت دمعاتها ألمًا من كثرة السقوط.

ترقد عزة على سرير حديدي تتمدد عليه وحولها الحوائط ذات اللون الأبيض والنوافذ المفتوحة المطلة على الأشجار والخضرة. فهي مكثت لليلتين بمشفى بعدما أصيبت جراء حادث سيارة مروع، حينما كانت تهرول بصورة جنونية باكية بعدما تأكدت من خيانة حبيبها الأوحد، قصي! وعلى الفور تم نقلها وكانت النتائج، كسر بأحد ذراعيها وكدمات ببعض عظام الحوض وعظام جمجمة الرأس.

قصي بالخارج يتابع حالتها مع الطبيب ومن ثم طرق الباب ليدلف لها. حينما رأته هي أشاحت ببصرها الناحية الأخرى فجلس هو وبدأ بالحديث: _إيه اللي وصلتينا ليه دا يا عزة؟ ياعزة أرجوك ردي عليا أنا تعبت. هنا، أدارت عزة وجهها ناحيته وعلى أعتاب عينيها دمعة تأبى الهبوط. قالت له بصوت يملئه الحزن المكتوم والحسرة: _أنت اللي تعبت يا قصي؟ أنا من الأول قولتلك.. من 16 سنة لو موضوع الخلفه هيضايقك ويأثر عليك

نسيب بعض وأتجوز وأنا هرجع الدار أشتغل وأعيش فيها زي ما كنت. ليه دلوقت.. ليه دلوقت بعد كل الحب وكل العمر دا.. بعد العشرة والروح اللي بقت روحك! عاوز تتجوز وتخلف؟ حقك. بس مش على حسابي وإنك تستغفلني. نهض قصي مدافعًا عن حاله وأردف بنبرة ضيق مع لوم لها: _أنا مش متنيل متجوز، مش متجوز!!! اتسعت عين عزة وأردفت له بنبراتها المتحشرجة:

_أومال البيت اللي كنت فيه وحضرتك قاعد واخد راحتك وقالع الشوز والبنت الصغيرة وقبل ما أرن الجرس سامعه صوت ضحكتك والتليفونات اللي قارفاني ومش راضيه أقولك جوزك متجوز ومخلف.. جوزك متجوز ومخلف.. تبقى إيه؟ خطى قصي خطوتين ناحية سريرها وأمسك يدها السليمة فنهرته وتركت يده فقال لها بنبرة عتاب: _فين الدليل فكل اللي بتحكيه إني متجوز، إزاي مواجهتنيش باللي بتقوليه دا وسألتيني؟

أنا حلفت لك إني مش هخون عهدك يا عزة، وإن مش عاوز أولاد وأنا قراري دا ومتحمله. _مش مصدقاك. _أنا مش بكدب يا عزة. أدارت عزة وجهها الناحية الأخرى، فتنهد قصي بفروغ صبر وجلس ثانية وأردف: _أنا مكنتش عاوز أقولك أي حاجة لأن دي حاجة بيني وبين ربنا، بس هقولك عشان قلبك يرتاح. البيت اللي شوفتيني فيه دا بيت أحمد فوزي صديقي الله يرحمه. أقرب صديق ليا، من زمان من قبل ما أقابلك.

وله فضل عليا فحاجات كتير فالدراسه ولما كنت بتعلم الشغل عند بابا لأن مكنتش غاوي. دماغي كانت فالرسم والتصوير وهو علمني كل حاجة، وبعد ما اتجوزتك كان هو من الناس اللي مبعدتش عني زي الباقي. وفضلنا سوا، وكان بيشتغل معايا فتوسيع نطاق شغلي وأنه يشهرني. وأحمد من سنة عمل حادثه.. وقبل ما يموت حلفني مسبش مراته وولاده. لأن مراته ست يتيمه ومالهاش غير مامتها.. وأنا من يومها بعتبر نفسي مسؤول عنهم.

البيت دا أنا كلت وشربت فيه كأنه بيتنا، ومراته أختي وبعتبر ولاده ولادي. عشان كدا لما فاتحتيني فـ حوار إننا نكفل طفل يتيم مرضتش، أنا شايل هم ولاد أحمد. صحيح أنانية مني إني ما أشركتكيش فحاجة زي دي وعرفتِك، بس حسيت إني هضيع ثوابي عند ربنا. ولو حابه تتأكدي.. بعد ما تطلعي من هنا بالسلامة. هنروح السجل المدني وهنطلع مستخرج، والمستخرج دا بيثبت إذا كان فيه زوجة تانية غيرك ولا لأ.

وكمان هوديكي عند مرات أحمد وهي ومامتها هيحكولك كل حاجة.. راضية يا عزة؟! التفتت عزة ثانية ناحيته وهمّت بمسح عينيها فدنا هو منها ومسح على رأسها بحنان مع قوله: _أنا بحبك.. عارفه يعني إيه بحبك! يعني مش هعرف أخد ست تانية فحضني غيرك. ومش هعرف أشم ريحة ست غير عزة فهدومي، ومش هعرف أحس بست تانية ولا أنبسط بلحظة معاها لمجرد إنها تخلف لي طفل أنا معرفوش! رقت مشاعر عزة له، فطبع قصي قبلة على أناملها الرقيقة فأردفت هي له:

_والرقم اللي بيكلمني؟ _هاتي موبايلك وطلعيهولي الرقم. تناول حقيبتها وأخرج الهاتف المغلق، فتحه وأعطاها إياه فجلبت له الرقم ليتصل به من هاتفه فيجده مغلقًا! رفع هاتفه في وجهه يخرج رقمًا آخر وتحدث إليه بجدية: _ألو.. ألوو أيوه يا معالي الباشا إزيك حضرتك.. قصي إحسان معاك. فيه رقم مضايق المدام عندي عاوز أعرف مين صاحبه وفين بالظبط.. أشكرك يا باشا. تمام.. هنتظر معاليك.

أغلق قصي الهاتف ونظر لها بحب وأقترب برأسه ناحية وجهها قائلًا: _مش عاوزك تسامحي أو تعدي الموقف غير بعد ما تشوفي بعينك إني مش متجوز وتسمعي كلام مرات أحمد. ونعرف مين صاحب الرقم، وبعدها هيبقالى حق عرب عندك يا عزة هانم. ابتسمت عزة، بل تراقص قلبها فرحًا.. لم يخونها، لا يرى غيرها بل لا يريد من الأساس. مازال قلبها نابضًا بين ضلوعه هو.. مازالت قصة حبهما مسطورة بحبر لا يمحيه الزمن أو الظروف أو الدخلاء!

"حلف القمر.. يمين وقالي، يا حلو ساعة ما شافك في الحسن لا بعدك ولا قبلك يا روحي.. يا روحي كملت أوصافك" عام 1992 _ألو.. ألووو أيوه يا شافع سامعك. بصعوبة كان يستمع زكي إلى مكالمة شقيقه شافع الهاتفية الدولية من مصر إلى السعودية. وبالكاد يلتقط منه الكلمات إثر وقوفه بأحد الحانات المخصصة للمكالمات الهاتفية الدولية آنذاك. _أيوه يا زكي، تعرف تنزل مصر حالًا؟ _ليه؟ _خالك خليفة مات، وأنت عارف مالوش لا ست ولا عيل.

وفلوسه اللي تحت الأرض هتطلع والورث هيبقى بيني وبينك. ولازم تيجي عشان تحضر كل دا. أصاب زكي الذهول! هل مات حقًا خالهم البخيل المتعنت أخيرًا، هذا الرجل سليط اللسان. ذو الملايين توفاه الله ولم يصبح له وريثًا سواه هو وشقيقه، هل بالفعل سيرتاح من العمل ونظام العبودية والسخرة ببلده غير بلدتهم، هل سيكون له كيانه الخاص أخيرًا. هل سيترك العمل هنا؟ وهيام! ماذا سيفعل حيالها.. فقد طاق الشوق بهما ووصلت مرحلة حبهما إلى أوجها.

ولم يستطع واحد منهم ترك الآخر، ماذا سيفعل؟ وعلى أي شيء ينوي؟ _ألوو، يا زكي أنت معايا؟ _أيوه يا شافع، معاك.. طيب هرتب أموري وأكلمك ونشوف سوا. صوت طفلة صغيرة بجانب شافع تود أن تتحدث إلى زكي وصوتها يصنع ضجيجًا مزعجًا فنهرها. والدها وعاد ثانية إلى مكالمة زكي فانتبه زكي: _زاد دي؟ _أيوه يا سيدي عاوزة تكلمك، مش وقته لما تنزل أبقى كلمها، ودا يمكن كمان متسيبهاش وتفضل معانا هنا على طول.

انتهت المكالمة الهاتفية، عاد زكي سريعًا يريد أن يخبر هيام بما حدث ولكن كيف؟ فموعد لقائهم الأسبوعي لن يحين بعد! فتطرق إلى طريقتهما السرية المتفقان عليها منذ بداية اعترافهما لبعضهما البعض بحبهما.. إرسال الخطابات. بطريقة ذكية لم يلاحظها أحد. دلف زكي إلى مطبخ السرايا وصافح الخدم وتبادل النكات والضحكات مع بعضهم حتى راقب الطعام المحضر فسأل بدهاء: _الأكل دا طالع فوق؟

أجابه الطباخ الهندي باللغة العربية ولكنها ركيكة على قدر ما يستطيع أن الطعام سيصعد إلى غرفة الفتاة الكبرى هيام! انتهز زكي فرصة انشغال الطباخ وهو يسكب الحساء بصحن آخر فوضع الخطاب أسفل الصحن المسطح الذي عليه الصحن المملوء بقطع اللحم. أخذت الخادمة الصينية بعدما اكتملت وصعدت بها إلى هيام التي كانت تتراقص أمام المرآة على أحد أغنيات.

الفلكلور السعودي الشهيرة حينها، تتراقص بالطريقة الخليجية وتطيح بشعرها الطويل يمينًا ويسارًا منسجمة. وما إن دلفت الخادمة ووضعت الصينية فأمسكت هيام يداها لتتراقص أمامها فضحكت الخادمة وتركتها ورحلت. أوقفت هيام صوت الأغاني، وشرعت في البدء لتناول الطعام، ولكن قبل أن تتناول فتشت كالعادة هل هناك أي رسائل بصندوق بريد الحب؟!

وبالفعل وجدت، قرأت الخطاب بهيام حتى وصلت إلى السطر الذي بدل حالها رأسًا على عقب، فنهضت سريعًا وفتحت ستائر الشرفة تبحث عنه، فوجدته يقوم بغسل السيارة وينظر إلى أعلى ينتظرها.. وعلى الفور ارتدت ثيابها والعباءة فوقهم وألقت بالوشاح من دون ترتيب على شعرها المنسدل، وهبطت. بعدما أخبرت والدتها أن صديقتها بالمشفى وتريد الاطمئنان عليها وسيقوم بتوصيلها زكي كالعادة. وصلت عنده واستقلت السيارة وانطلق هو بها حتى وصلا إلى مكانهم

المعهود وبدآ الحديث: _هتنزل مصر يا زكي؟ قالتها بعينان تنضحان حنان، فأردف هو لها: _غصب عني، شرحت لك كل حاجة فالجواب. _رح تتركني؟ ارتسم خط الدمع وسط بياض عينيها، فمسح زكي على وجنتها وأردف لها: _عمري ما هسيبك يا حبيبتي، هنزل أخد ورثي وساعتها هرجع أدق بابك وأنا معي اللي يعيشك بمستواكي يا هيام. وأبوكي مش هيرفضني، لأن ساعتها مش هكون سواق تاني. هتكوني معايا طول العمر. ضغطت هيام على شفتها السفلى وأشاحت بنظرها بعيدًا بارتباك

لاحظ زكي وأردف لها: _خايفه من إيه؟ _مش عارفه يا زكي، خايفه ما ترجع.. خايفه يدرون باللي بيني وبينك ويصير مشكل. خايفه ما يرضون أصلًا نتزوج. نظر زكي بعمق إلى عينيها وقال مبتسمًا: _بالعكس بقى، أنا حاسس إن حاجات كتير هتتغير بعد موضوع ورثي دا وهتكوني معايا وهتشوفي.. رفرفت هيام بأهدابها بخوف وقالت: _يارب يا زكي يارب. _تتجوزيني يا وئام؟ تركت وئام القلم من يدها وأردفت له مندهشة مع نبرات صوتها المستنكرة:

_هو فيه إيه بالظبط، هو أنت كل شوية هتطلع لي.. يا أخي يا ريتني ما اتنازلت عن القضية. سمعها باسل إلى أن انتهت وأردف لها: _والله العظيم أنا لا عاوز أضايقك ولا بشتغلك، أنا طالبك فحلال ربنا بجد.. موافقة؟ طرقت وئام كفًا بكف، رن صوت جرس التنبيه بدور المريض التالي فنهضت سريعًا، وفتحت باب غرفة الطبيب ودلف المريض، وجلست ثانية وتوجهت إلى باسل بقولها: _ممكن لو سمحت تسيبني أشتغل؟ يعني أنا بصراحة الوضع دا بقى بيخنقني.

_ما هو أنتِ ما بترضيش نتكلم في مكان تاني وماعرفش رقم تليفونك. حدقت وئام به مع قولها بصوت خفيض: _آه تاخد رقمي؟ ما أنا ست شمال بقى وفاتحاها على البحري وهناخد وندي مش كدا. هز باسل رأسه بالنفي قائلًا لها: _والله لأ.. والله باتكلم جد، أنا عاوز أتجوزك وندمان على أي حاجة وحشة عملتها معاكِ. ظلت وئام تنظر حولها خائفة، فلاحظ هو فنهض مردفًا لها: _دا رقمي (دونه على ورقة أمامها)

فكري وردي عليا وأنا وقتها هاروح لأهلك وأطلبك رسمي منهم. عن إذنك.. تركها ورحل، فصوبت نظرها ناحيته مع شرودها، هل ما أخبرها به كان حقًا؟! وما يدريها الحقيقة من الكذب بهذا الأمر، الحسم هو إحساسها والفيصل استخارة الله في الأمر والله خير معين. صورة، خلف الأخرى والأخرى.. يحدق بها مصعب ويلمس شاشة هاتفه ليرى ما بعدها، واحدة تلو الأخرى. كلها صور تجمعه بروز.. تلك الحسناء الفاتنة الصلبة.

فتاة قوية، جميلة، ذات رأس يابس وقلب صلب.. لا تتهاون ولا ترضخ. هناك ما تطمح إليه، وغير هذا وذاك جميلة للغاية، وبالرغم من ذلك لم تستغل جمالها حتى في شيء غير مشروع! ظل ينظر مصعب بالصور مبتسمًا ويتحدث إلى نفسه: _فلفلاية حراقة، حراقة يا بوي.. يا مرار أبويا أني. مسح على الصورة بإصبعه وقال: _وبص أنا واقف كيف جمبها، بيمين ظابط مباحث. ضحك بشدة وأكمل حديثه إلى نفسه:

_البت حلوة وقمرا وعاتضرب وعاتدي فشلاليت وبمية راجل صوح، شكلك وقعت يا فجري. ليك حج توجع، هي دي البنت صوح، بنت كانوا يرضعوها ملبن، مش بنت بلدنا اللي كيف علب التونة وكأنهم مولودين في شم النسيم جاهم دم يصبغهم صبغ! مسح بيده على صدره العاري المملوء بالشعر الكثيف وهو يتنهد قائلًا: _هااااح، النبي لأ نكلمك يا رزة نفور دمك شوية ونضحك.

قالها ضاحكًا وقام بالاتصال بها، مرة.. والأخرى.. كانت هي تخطو خارج المرحاض واضعة منشفة على رأسها وترتدي معطف الاستحمام ونظرت بالهاتف وجدته مصعب، التوت شفتاها وأجابت: _نعم يا زفت. _جاكِ زفت أما يزفتك يا بعيدة، كام مرة نرن عشان معالي السيادة ترد. جلست روز إلى فراشها وأنزلت المنشفة من على رأسها وقذفت بها بعيدًا وأردفت: _كنت باخد دش، وبعدين عاوز إيه؟ _دش! ليه لسه بدري على عيد الشرطة؟ ضحك هو فضحكت هي ساخرة منه قائلة:

_هيهيهيهي، عاوز إيه بجد؟ _فيش يا بوي، عاوزين ننول الرضا. _لأ عدي علينا بكرة. _أمانة ننول الرضا يا عسل. ابتسمت روز لمداعبته فقالت له: _ما تنزل من على دماغي يا زفت أنت، عاوزة أخلص عندي كذا حاجة نازلة هاعملها. اتسعت حدقة عين مصعب مع قوله: _رايحة فين يا اللي واكلة ناسك؟! _وأنت مالك. _كدتي نازلة كدتي من غير بعد إذنك يا أستاذ مصعب، بعد إذن جنابَك يا مصعب باشا أنزل، ولا يا حضرة السفير مصعب لو سمحت تأذن لي بالخروج.

نظرت روز إلى المرآة وحدقت بملامحها ومن ثم تناولت المصفف الكهربائي ووضعت المكالمة على الميكروفون وقامت بتشغيل المصفف: _اخلص يا واد مش فاضية لهزارك بجد. سمع مصعب صوت المصفف ففزع بشكل مضحك مردفًا: _أيا اللي عيزن ديتي. ضحكت روز بعفوية ولم تجبه، فاستطرد مصعب قوله: _ولا ردت عليّ، كأن شمبانزي عيكلمها.. يا قارشة ناسك أيا اللي عيزن دي خرم ودني. _دا سيشوار يا أهبل.

_أيوا شغلي الخلاط واعملي ليمون وروحي على حالك وفيه كلب عيعوعو لك في التليفون يا جبر. ضحكت روز كثيرًا حتى قالت له وأغلقت المصفف: _عاوز إيه يا مصعب هاه؟ _النبي عاوزين ننول الرضا، ما تيجي ونجيب مليجي. _نعم! _قصدي، تعالى نروح كافيه نشرب قهوة كبريتو ولا ناكلوا في حتة زينة، ولا نعملوا أي حاجة المهم أشوفك. أدارت روز عيناها في أرجاء الغرفة مستمتعة بحديثه مردفة له: _وليه عاوز تشوفني؟ _عشان أسألك الساعة كام يا فقرية.

ضحكت روز فأردف هو مداعبًا إياها: _النبي ننول الرضا بس. _طب نص ساعة ونتقابل في الكافيه بتاعنا. _وه! اشترتيه ياك. _امشي يا واد يا غبي من هنا. _تعالي بس نقولك، بس من غير ضرب زي الدور اللي عدى هاه بلاش تبيني إنك قوية عرفنا يا ستي. بكرة أتدرب وأبقى أقوى منك. _فرق كبير أوي بين إنك تكون قوي وإنك تكون وقح.. بينهم مسافات وبلاد يا صعيدي. تأفف مصعب وأردف لها:

_يا بوي خلاص فهمنا الدرس، آسف يا صلاح مش هنكررها تاني. يلا نخرج وحشتني العيون اللي شبه عيون قطة بيت خلاف. ضحكت روز بخفة وعقبت على حديثه: _إيه قطة بيت خلاف دي؟ _دي حكاية غير حكاية الحنش، أما أشوفك ها قولها لك بس نص ساعة وألاقيكي في وشي يا واكلة ناسك. _طيب يا صعيدي، مش هاتأخر. ضحك مصعب واتفقا على ميعاد لمقابلتهما وأغلق مصعب يتراقص فرحًا في مكانه بحركات عفوية مضحكة. مايا..

ينظر رائد إلى الاسم ويتصل بها وهو يقف تحت شرفتها ينتظر الرد، ولا تجيب! اتصل مرة، اثنان، ثلاثة.. عشرة.. خمسة عشر، ومن ثم أمسك خانة اسمها بالواتساب وأرسل لها: _عارف أنت أجمل حاجة تفرح هي إيه. إن اللي ياما حلمت بيه تلاقي حبيبك. وأنا عشت أحلم باللحظة دي دا اللي بادور عليه.. أنا أسيب حياتي ودنيتي ولا يوم أسيبك. لم تنظر مايا حتى إلى الهاتف، دلفت والدتها حاملة عصير مثلج من الفراولة الطازجة وجلست بجانبها في فراشها:

_أنتِ مش نايمة يا مايا، قومي وكلميني. من أسفل وسادتها الموضوعة على رأسها تحدثت مايا: _معلش يا ماما مش فايقة أتكلم. _لأ معلش قومي، عاوزة أقول لك كلام مهم. نهضت مايا واعتدلت وجلست أمام والدتها عيناها منتفختان أثر البكاء وعدم النوم، لون بشرتها شاحب ونظرتها ذابلة، ربتت والدتها على كف يدها قائلة لها: _اللي حصل من رائد ما يستاهلش كل اللي أنتِ عاملاه دا. همت مايا بالاعتراض ولكن والدتها قاطعتها:

_سيبيني أكمل كلامي للآخر، رائد اتصل بيا وحكى لي لما لقاكِ مش بتردي عليه. مايا دا موضوع وابتدى وانتهى وأنتِ مش في حياته. خلاص ليه مكبراه كدا. لوحت مايا بيديها وهي تتحدث بعصبية وعيناها باكيتان: _لأ مش مكبراه، إزاي ما يقوليش إزاي أبان مغفلة كدا.. حتى على الأقل من باب إنه يعرفني إنه فعلًا زي ما بيقول ما حبش غيري ومش بيعرف يتخطاني. _ما تبقيش أنانية يا مايا. قالتها والدتها بجدية وبصرامة تنظر إلى عيناها

واستطردت حديثها قائلة: _أيوه أنانية، عاوزة تسيبيه وتتخطبي وترجعي له وهو يفضل عايش كدا، ما يجربش زي ما أنتِ جربتي مع حد تاني يمكن ينفع. بنبرة عصبية تحدثت مايا وشعرها يتهادى حولها بفوضوية: _ليه ما قالش ليه ما حكاش من الأول؟ _ولما واجهتيه ما أنكرش، مايا في زمننا دا لو فيه بنت لاقت حد يحبها قد حب رائد ليكِ بتمسك فيه بإيدها وسنانها، ادي له فرصة مرة كمان وما تضيعيش حد بيحبك من إيدك.

أثناء حديثهما سمعا صوت جرس الباب وترحيب والد مايا.. وصوت رائد! نهضت الأم ذاهبة إليه ترحب به، ووقفت هي لدى باب غرفتها تحدق به ويحدق بها. نظرات الشوق فاضحة، وكلام العين بألف حديث.. ولحديث عتابهما النازف بقية..

_أحب أوجه رسالة لأهلي وللناس اللي بتتريق عليا وبتقول إن الأكل مضر، لأ يا أفندية إحنا بناكل عشان نتابع عروض المطاعم الحلوة والأكل اللذيذ ونقول لكم عليه من واقع خبراتنا، الكوارث اللي بتحصل للبنات اللي عاملة دايت دي بنات من جواها عاوزة ترقع بالصوت وتصحيكم وتيجي تاكل معانا.. إحنا أبطال قومية يا سادة!

ضغطت ديانا زر نشر هذا المنشور على حسابها بفيسبوك وتطلعت إلى كم الساخرة من أقربائها وصديقاتها وزملاء العمل، وكانت تهم بالرد على كل تعليق منهم وهي تضحك.. كانت تقوم بالرد بيد وباليد الأخرى ممسكة بشطيرة بها دجاج مقلي ومايونيز وخس وبجانبها صحن مملوء بطاطا مقلية غارق بالكاتشب. وكوب مثلج مياه غازية، مضت الساعات وفوجئت باتصال نبيل فأجابت: _حبيبي.. غرابي بلبولي البائس إزيك.

قام نبيل بإبعاد الهاتف عن أذنه ونظر إليه ممتعضًا وأعاد الهاتف ثانية إلى أذنه: _طالما بتتكلمي ونص كلامك مش مفهوم يبقى بتاكلي. _لأ دا سناكس بس لحد ما الأكل اللي أنا طالباه يوصل. لطم نبيل وجنته اليمنى مع قوله: _لسه كمان طالبة أكل. عضت ديانا شفتها السفلى تشعر بالخزي قليلًا مع قولها: _بصراحة يا بلبولي، أنا باتصل أطلب بيتزا سلامي إكسترا تشيز لقيت فيه عرض ساندوتش كوردن بلو و3 تومية و3 كول سلو وكانز أسيبه.

_والعرض دا على إيه يا عربية نقل زلط! كعبول دي كلمة قليلة عليكِ. _عرض لو طلبت ثلاثة بيتزا اثنين لارج وواحدة ميديم هاخد العرض دا. _والحمد لله تم الطلب بنجاح، أومال أنتِ دلوقتِ بتاكلي إيه لحد ما الأوردر ييجي؟ _لأ دا طبق رز بلبن والمكسرات والقشطة ماما كانت عاملاه، قلت تصبيرة لحد ما الأكل ييجي. المهم أنت كنت بتتصل ليه؟ أردف نبيل لها بصوت مضحك:

_ما فيش يا كعابيل الدنيا كلها، كنت ها أقول لك أختي هاتقدم لي على قرض بضمان وظيفتها وها تدهول لي ممكن ندفعه مقدم شقة لينا وبالباقي الفلوس نجيب العفش. بس بمنظرك دا أنتِ مش عاوزة شقة، أنتِ عاوزة متحف. ضحكت ديانا بفمها المملوء طعام وصفقت بكلتا يديها قائلة بفرح: _أيوه بقى يا نيبووووو، هيييه وها نتجوز ها نتجوز. _قصدك أنتِ ها تتجوزي وأنا ها أتنيح.. أنا عارف إن عند المسيح أفضل طبعًا! إهئ إهئ إهئ

همت ديانا بإغلاق المكالمة معه حتى تجيب عامل التوصيل بطعامها، أغلق نبيل الهاتف وشرع في لطم وجنتيه مع دندنته بصوت متهدج مضحك: _عارف أنت الحظ، أهو أنت الحظ بيبظ بظ بظظظ ومكلبظظظ _يا عم أنا شخصية صامتة وموبايلي صامت. ومشاعري صامتة ونظراتي صامتة، ده حتى مصايبي صامتة!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...