داخل منزل خليل صفوان..... كان جالسًا فوق الأريكة ويتابع بعينيه الترحيب والحفاوة التي تتلقاها زوجته الجديدة من عائلته بدخولها لمنزلهم، وبالأخص أمه التي سعادتها تحملها من فوق الأرض وتحلق بها في الهواء.
على جانبيه من كل ناحية كان يجلس أولاده ويتطلعون بزوجة والدهم في خنق، حتى أن عمار الصغير ألقى بنفسه بين ذراعي والده ورفض الابتعاد عنه. ومعاذ كان يعقد ذراعيه أسفل صدره يتطلع بمنيرة في غيظ. لم يكن طفلاً كأخيه حتى لا يفهم أن تلك المرأة تأخذ مكان والدته. تنفس جلال الصعداء بنفاذ صبر وأبعد ابنه الصغير عن ذراعيه بعد أن قبله بحنو من شعره هامسًا: _أنا هطلع أنام وأنت وأخوك اطلعوا على أوضتكم وناموا معاكم مدرسة الصبح. هتف معاذ في
أسلوب فظ وغير لائق بغضب: _أنا عاوز أمي يابوي مش عاوز الست دي تقعد معانا في البيت. استقرت في عيني جلال نظرة حادة وقال لابنه: _معاذ.. أتكلم بأدب واوعاك اسمعك بتتكلم إكده قصادي تاني.
استاء أكثر بعد تعنيف والده وتوبيخه له، فاستقام واقفًا وأسرع للأعلى حيث غرفته. وبعد لحظات من متابعة عمار لشقيقه وهو يصعد الدرج توقف هو الآخر ولحق به. بينما جلال فأخذ يتطلع نحو الدرج على أثر أولاده بضيق، ثم راح يمسح على وجهه وهو يتأفف بصوت مرتفع. هب واقفًا ونظر لزوجته التي تتحدث بسعادة مع نساء عائلته تسرد وتحكي لهم عن حياتها ومواقفها، فقال بانزعاج ملحوظ: _يلا يامنيرة مش بزيادة حكاوي ولا إيه؟
لم تتضايق من انزعاجه، بل فسرت سببه أنه ربما لا يطيق الانتظار حتى يختلي بها في غرفتهم، فابتسمت بخجل ورأت جليلة وهي تشير لها أن تنهض وتطيع أوامر زوجها وتذهب لغرفتهم، فهذه هي ليلتهم الأولى.
لحقت منيرة به في خطوات رقيقة على عكسه تمامًا الذي وصل للغرفة قبلها بلحظات. كانت جليلة قد أعدت وجهزت غرفة جديدة كليًا لمنيرة بعدما رفض أن تبقى بغرفته هو وفريال. فور دخوله للغرفة وجدها مجهزة ومرتبة وبها كل ما يحتاجه أي عروسين، فزفر بخنق وهو يهز رأسه وراح ينزع عنه عباءته السوداء ويلقيها فوق الفراش.
بتلك اللحظة كانت منيرة قد دخلت فوقفت عند الباب وتشابكت يديها ببعضهم وهو تتطلعه بخجل مبتسمة. لم يبدي أي ردة فعل وبدا متجمد المشاعر وهو يقول لها بجدية: _ادخلي واقفلي الباب واقفة إكده ليه؟
استدارت وأغلقت الباب ثم تقدمت منه ووقفت أمامه وهي تبتسم باستحياء دون أن تتطلع بعينيه. كان سيتركها ويذهب للحمام أو ربما حتى كان سيفحمها برد قاسي، لكنه اطال النظر بها واستغفر ربه متنهدًا بقلب مهموم. ما فعلته فريال معه واندفاعه لقرار الزواج حتى لو كان لا يستطيع النظر أو الأقتراب من امرأة سواها. هذا لا يعطيه الحق أن يعامل الأخرى بجفاء أو حتى يفرغ بها شحنات جموحه المكتظة بصدره من حبيبته. فهذا ليس ذنبها.
رسم ابتسامة ودودة على ملامح وجهه ورفع يده يمسح على ذراعها بلطف هاتفًا: _أنا هدخل الحمام آخد دش وأنتي خدي راحتك وغيري هدومك. ردت عليه بدلال مبتسمة: _حاضر. استدار بجسده كاملًا وبعد أول خطوة التفت لها مجددًا وقال بثبات ولهجة رخيمة: _اليوم النهاردة كان صعب قوي يامنيرة وأنا تعبان. نامي ومتستنيش.
اتسعت عيناها بصدمة بعدما فهمت المغزى الحقيقي خلف كلماته وظلت تتابعه حتى اختفى عن انظارها وتوارى خلف باب الحمام، فجلست فوق الفراش وهي تتطلع في الفراغ بغضب حقيقي وانزعاج. لكنها هدأت من أعصابها واقنعت نفسها أنها مع الوقت ستكسبه وستجعله يسقط بحبها وينسى تلك المدعوة فريال. *** بصباح اليوم التالي داخل غرفة عمران بمنزل الصاوي......
كانت آسيا تقف أمام المرآة تقوم بتسريح شعرها وترتدي عباءة منزلية صفراء ضيقة بعض الشيء تظهر منحنيات جسدها بوضوح. في تلك الأثناء خرج هو من الحمام بعدما انتهي من حمامه الصباحي وارتدي ملابسه لكي يذهب للعمل. وقع نظره عليها فعلقت عيناه على شعرها الحريري الطويل الذي يغطي ظهرها كله. لأول مرة يراه على طبيعته دون تلك الأشياء الغريبة التي تضعها به وتلمه بهم دومًا. هل كانت تحجب عنه كل هذا الجمال ولا تسمح له برؤيته كاملًا.
نفر عن عقله تلك الأفكار وهز رأسه بالرفض وهو يتنحنح بصوت مرتفع فانتبهت لوجوده على أثر صوته والتفتت له برأسها هاتفة بعفوية: _أنا خلاص خلصت هلم شعري والبس الطرحة وبعدين ننزل عشان الفطور. تنهد الصعداء بحرارة ثم جلس فوق الفراش والتقط هاتفه يجري اتصال ببشار الذي أجابه بخنق: _إيه ياعمران فينك ده كله؟ رد عليه بهدوء: _ساعة بالكتير وأكون عندك.. ظبط الدنيا في المخزن لغاية ما آجي عشان بعدين نطلع على الوكالة. بشار بإيجاب وبجدية:
_طيب ومتتأخرش. رد عليه بالإيجاب وأنهى الاتصال ثم عاد ينظر لها من جديد وجدها قد بدأت في ارتداء حجابها، لكن فور سقوط نظره على ملابسها قال بحدة: _ادخلي وغيري اللي لابساه ده. التفتت له ونزلت بنظرها على ملابسها وجسدها ثم عادت له من جديد وقالت بعدم فهم: _اغيره ليه؟! احتدمت نظرته وقال بغلظة صوته الرجولي: _بصي لروحك في المرايا وأنتي تعرفي.. أنتي مش قاعدة في بيت لوحدك إهنه في رجالة غيري.
وقفت أمام المرآة ونظرت لنفسها فرأت العباءة تلتصق بجسدها وضيقة. عندما ارتدتها لم تنتبه لذلك والآن دهشت فراحت تهتف بتلقائية في عبوس: _مكنتش ضيقة إكده فيا.. هو أنا تخنت ولا إيه! تنهد مستغفرًا ربه وقال بقلة حيلة: _احنا في إيه ولا أيه دلوك يا آسيا.. غيري يلا هدومك أنا ورايا شغل. جلست فوق المقعد المقابل للمرآة وقالت بضيق وهي تنظر لنفسها بإحباط: _انزل أنت.. أنا مش نازلة مش عاوزة آكل نفسي اتسدت.
ضحك رغمًا عنه واستقام واقفًا ثم اقترب منها وملس على ذراعها بلطف هاتفًا: _غيري وحصليني على تحت.. مش هتعملي اضراب عن الوكل عشان تخنتي شوية.
لم تجيبه حتى أنها لم تنظر له وفور انصرافه وقفت مجددًا وراحت تدور حول نفسها أمام المرآة تتفقد جسدها ووزنها المتزايد في خنق وهي تتأفف. أخذت تهز رأسها بالرفض بعدما تذكرت عبارته الأخيرة وهو يطلب منها أن تلحق به للأسفل. وراحت تجلس فوق فراشها ممتنعة عن النزول، لكن فجأة تحولت قسمات وجهها من الإحباط للغيظ فور تذكرها لوجود تلك الأفعى المدعوة منى. أن لم تنزل الآن ستترك لها الساحة فارغة حتى تتقرب من زوجها. هبت واقفة
وقالت بوعيد وغيرة حقيقية: _مبقاش أنا آسيا أما خليتك ترجع من مطرح ما جيتي ياعقربة. اتجهت نحو الخزانة وأخرجت ملابس أخرى لها ثم بدأت في ارتدائها بدل التي ترتديها ولحقت به للأسفل.
حول طاولة الطعام كان الصمت يهيمن على الجميع باستثناء عمران الذي كان يتحدث مع إبراهيم عن العمل الذي سيقوم به اليوم وكان يخبره أنه سيمر أولًا على المخزن قبل الذهاب للوكالة. ومن الغريب أن منى كانت ساكنة بمقعدها لا ترفع نظرها وتتطلع بعمران مما أطفأ نيران آسيا المشتعلة قليلًا. لكن ما هي إلا دقائق معدودة حتى انتهى عمران من طعامه واستقام واقفًا ينوي الانصراف، لكن اوقفه صوت أمه وهي تقول مبتسمة:
_عمران بنت عمتك رايحة تشتري كام حاجة في نفس طريق المخزن بدل ما تروح لحالها خدها وصلها معاك ياولدي في طريقك. ردت منى برقة أنثوية وهي تتصنع التمنع: _ملهاش لزمة يامرت خالي.. مش عاوزة اتعبه واعطله عن شغله. خرج صوت عمران الرجولي بطبيعية: _مفيش تعب ولا حاجة يامنى.. خلصي وكلك وأنا هستناكي في العربية.
لم يكن منتبه لذلك البركان الذي سينفجر من فرط الغيظ والغيرة سوى إخلاص ومنى وهم يبتسمون بخبث وتشفي. وآسيا ترمقهم بوعيد مخيف فقد اطلقوا سراح الساحرة الشريرة التي سجنتها لفترة بداخلها والآن سيتحملون عواقب خطأهم. ظلت هادئة بطريقة مريبة وهي مستمرة في تناول طعامها، وحين رأت منى تقف وتتجه للحمام حتى تغسل يديها. ابتسمت بنظرة جانبية كلها شيطانية واستقامت واقفة وكأنها انتهت من طعامها وقادت خطواتها للطابق الثالث حيث غرفة منى.
دقائق معدودة وسمعت خطواتها تقترب من غرفتها فتوارت داخل أحد الغرف حتى لا تراها، وفور دخولها خرجت وذهبت لغرفتها فرأتها تقف تضع أشياءها بحقيبتها وتولي ظهرها للباب فابتسمت بخبث واقتربت تمد يدها تلتقط هاتفها ثم جذبت مفتاح الغرفة من القفل وخرجت وأغلقت الباب ووضعت المفتاح بالقفل من الخارج وأقفلت عليها. انتصبت منى في وقفتها باستغراب عندما سمعت صوت الباب وفورًا هرولت للباب تمسك بالمقبض وتحاول فتحه وهي تقول بصوت مرتفع في غضب:
_مين اللي قفل الباب؟ سمعت صوت آسيا الماكر من الخارج وهي تهمس لها: _أنا ياغالية.. اعتبري ده تاني تحذير مني ليكي ونصيحة اوعاكي تخليني احذرك للمرة التالتة. ضربت منى على الباب وصرخت بها: _افتحي الباب يا آسيا فكرك بتهديدك ده أنا هخاف منك.. لا ده أنا هتصل بعمران دلوقتي وأقوله مرتك حبساني في الأوضة وخلينا نشوف هيعمل إيه معاكي. ضحكت آسيا بقوة وهي تنظر لهاتفها الذي بيدها وقالت من بين ضحكها بشر:
_هتتصلي بيه من تلفونك اللي معايا! اتسعت عين الأخرى بصدمة وسرعان ما راحت تصرخ بها بهستيريا: _ماشي يا آسيا صدقيني هندمك على عملتك دي.. يامرت خالي. تحلوت نبرة آسيا من البرود لأخرة حادة ومخيفة وهي تهتف: _اقفلي خشمك بزيادة صراخ محدش هيسمعك كلهم تحت بيفطروا. صدح صوت رنين هاتف منى الذي بيدها وحين تطلعت بشاشته رأت اسم عمران فابتسمت وقالت لها بنصر:
_عمران بيتصل.. طبعًا جوزي مستنيكي تحت وأنا ميهنش عليا اسيبه يستناكي على الفاضي ويعطل شغله عشانك. ابتعدت آسيا عن الباب حتى لا يسمع صوت صراخها وردت عليه فتسمعه يقول بجدية: _ألو يامنى فينك؟ ردت عليه برقة وبراءة: _منى تعبت فجأة ياعمران وقالتلي ارد عليك وأقولك امشي وهي لما تخف شوية هتروح لحالها. عمران بدهشة: _آسيا!! .. تعبت كيف يعني واشمعني أنتي اللي قالتلك ردي عليا. ردت بإيجاز حتى تتهرب من أسألته:
_عشان أنا جنبها دلوقتي يا عمران وهي مكسوفة منك عشان خلتك تستناها على الفاضي. أنا هقفل عشان هي بتنده عليا وأنت روح شغلك عشان متتأخرش. أغلقت الاتصال معه وعادت مجددًا لمنى، ثم وضعت المفتاح في القفل وتركته به. انحنت تترك هاتفها على الأرض وهي تقول: _أنا هسيبك إكده محبوسة لغاية ما حد يحس بيكي ويفتحلك. واعتبري ده قرصة ودن عشان تحطي عقلك في راسك وتبعدي عن چوزي من إهنه ورايح.
لم تكترث لصياحها عليها وتهديداتها لها، بل سارت مبتعدة. نزلت للطابق الثاني حيث غرفتها، وفور دخولها اتجهت للشرفة ووقفت تتطلع له مبتسمة بنصر وهي تراه يبتعد بسيارته عن المنزل. *** داخل الجامعة. انتهى بلال من محاضرته وكان بطريقه لمغادرة الجامعة بأكملها، لكنه تسمر مكانه حين رآها تجلس أسفل إحدى المظلات وبيدها كتاب تقرأه باندماج. ابتسم بساحرية واتجه نحوها بخطوات واثقة حتى وصل لها وجلس أمامها هامسًا: _أحم. رفعت رأسها بسرعة عن
الكتاب ورمقته بدهشة هاتفة: _بلال! كانت ابتسامته الجميلة تزين وجهه وهو يقول بنبرته الرجولية المميزة: _عاملة إيه؟ توترت لكنها تمالكت نفسها وحاولت التصرف بطبيعية أمامه حتى لا تدخل الشك لصدره، وردت بخفوت: _كويسة الحمدلله، وأنت؟
اكتفى بإماءة رأسه بنظرة دافئة كرد على سؤالها. بينما هي، فتسارعت نبضات قلبها أكثر بعد نظرته وراحت تدفن وجهها في الكتاب من جديد تتهرب من النظر له. لم يكن ساذجًا للدرجة التي لا تمكنه من فهم توترها وخجلها منه، وليته توقف عن الكلام، بل كان يستمتع برؤية ذلك الخجل. راح يفتح موضوعًا مختلفًا حيث قال: _غريبة الصدف دي الصراحة. فهمت ما يرمي إليه فابتسمت باتساع وردت ضاحكة: _فعلًا أنا انصدمت لما شفتك. ضحك ورد
بنبرة تضمر خلفها المكر: _أيوة كان واضح. _واضح إيه؟ بلال ضاحكًا: _صدمتك ياحور! إماءت له بتفهم وهي تبتسم، ثم سألته بفضول: _أنت كنت عارف أنك چاي عندنا؟ طالت نظرته الغريبة وهو يضحك، ثم قال نافيًا: _لا، أنا فاكر نفسي رايح لوالدتك اللي أنا أعرفها من زمان ومشوفتهاش من وقت ما كنت صغير، ومعرفش إنك بنتها. وبيني وبينك أنا كان معايا شغل ومكنتش فاضي، بس أمي صممت اروح معاها. وأتضح بعدين إن ليها هدف ورا الإصرار ده.
حور بعدم فهم وفضول أقوى: _هدف إيه؟ التزم الصمت واكتفى بنظرته وهو يبتسم بطريقة غريبة. في الواقع هي اضطربت ولم ترغب في أن تعيد عليه السؤال مرة أخرى وصمتت. لكنها ابتسمت بعذوبة عندما سقط نظرها على ابن خالتها وهو يقترب منها، فاستقامت واقفة وقالت لبلال برقة: _معلش يابلال أنا همشي بقى عشان مازن وصل.
التفت برأسه للخلف فرأى ذلك الشاب. كان نفسه الذي رآه بمنزلهم، وكان يجلس بجوارها ويتبادلان أطراف الحديث بمرح وتلقائية. تجهمت ملامح وجهه واختفت ابتسامته. وحين عاد بنظره لها، إماءة لها بالإيجاب في وجه جامد. على عكسها التي ودعته بابتسامة ناعمة وراحت تتجه نحو ابن خالتها. سارت معه وهو يتحدثون بعفوية وسط ضحكهم. كانت عيناه عالقة عليهم يراقبهم بانزعاج ملحوظ. وما هي إلا لحظات حتى وقف وسار للخارج يغادر الجامعة بأكملها بملامح وجه مكفهرة.
*** داخل منزل خليل صفوان، تحديدًا بغرفة الأطفال. كان معاذ يجلس على الأرض وبيده جهاز التحكم الخاص بشاشة الألعاب الخاصة به، ويلعب مع أخيه الصغير باستمتاع. لكن قطع متعتهم دخول منيرة عليهم وهي تحمل فوق يديها صينية الطعام وقالت بمرح: _چبتلكم الوكل لغاية عندكم. تركوا ما بيدهم وتبادلوا بينهم النظرات بصمت، ثم راحوا يتطلعوا بزوجة أبيهم وهي تضع الطعام أمامهم هاتفة بود:
_رچعتوا بدري من المدرسة النهاردة. كلوا عشان بعد إكده نذاكر مع بعض. أبوكم موصيني عليكم. كان معاذ يرمقها بغضب والصغير بخنق. وفجأة وجدت عمار يدفع صينية الطعام من أمامهم هاتفًا بقرف: _مش عاوزين ناكل حاچة من يدك. وتابعه معاذ الذي رد عليها بنظرة قوية تشبه نظرة والده: _ومُش عاوزينك تذاكري لينا، أمنا بتذاكرلنا زين. صابتها الدهشة ببداية الأمر، لكن حاولت احتواء الموقف وقالت بلطف:
_بس أمكم مش قاعدة دلوك يامعاذ ياحبيبي، ولازم حد يذاكر ليكم. بعدين أنتوا كارهيني إكده ليه؟ أنا عملت حاچة ضايقتكم مني؟ وثب معاذ واقفًا وقبض على يدها ثم جذبها للخارج، وقال قبل أن يغلق الباب بوجهها: _امشي، مش عاوزينك في بيتنا. بقت متسمرة مكانها مصدومة من ردة فعل ذلك الطفل الذي طردها من غرفتهم. لكن باللحظة التالية لوت فمها بقرف وقالت: _صحيح عيال معندهاش مخ ولا بتفهم كيف أمهم!
بالداخل، أسرع معاذ تجاه الهاتف الذي تركه له والده حتى يتواصلوا معه إذا حدث معهم شيء. راح يقول لشقيقه بحزن: _أنا هتصل بأمي وأقولها عشان تاجي وتمشي الست دي. رد عمار بتأييد لفكرة شقيقه الكبير: _أيوة كلمها وقولها يامعاذ.
على الجانب الآخر، كانت فريال تقوم بحياكة شال لكل من أولادها وزوجها. فقد اعتادت أن مع كل سنة قبل فصل الشتاء تقوم بتجهيز الشيلان لهم. لكنها توقفت وتركت ما بيدها عندما سمعت صوت رنين هاتفها. وفور رؤيتها لاسم المتصل، ردت بسرعة في سعادة: _معاذ ياحبيبي، عامل إيه أنت وأخوك؟ رد عليها بصوت غاضب:
_أما ابويا چاب الابلة منيرة تعيش معانا في البيت، وكانت چايبة لينا الوكل من شوية وعاوزة تذاكرلنا، واحنا مشيناها. تعالي ياما أبوس يدك ومشيها، أنا وعمار مش عاوزينها تقعد معانا إهنه. صمتت لبرهة من الوقت تحاول استيعاب ما يقوله، ثم سألته بعدم فهم: _منيرة إيه اللي چابها البيت يامعاذ، وليه تقعد معاكم؟ كان عمار يسمع صوت أمه، وبعد عبارتها راح يصيح باستياء: _عشان أبويا اتچوزها، وهي هتعيش معانا في البيت.
اختفى صوتها لوقت، فقد شعرت وكأن دلو من المياه المثلجة سقط فوق جسدها. ولوهلة ظنت نفسها تتهيأ ما سمعته من ابنها الصغير، فراحت تسأل معاذ بصوت خائف من سماع الإجابة: _إيه اللي قاله أخوك ده يامعاذ؟ رد عليها بتلقائية دون فهم، معتقدًا بعقله الطفولي أن أمه لم تسمع شقيقه: _بيقولك أبويا اتچوزها. وكأن روحها انفصلت عن جسدها بتلك اللحظة، وأنفاسها أصبحت ثقيلة لتهتف لابنها بصوت مكتوم: _أتچوز كيف يعني؟ أنت متأكد يامعاذ؟
_أيوة ياما، وامبارح كان الفرح، وكلنا كنا هناك. ارتجفت يديها وفقدت القدرة على التحكم بأعصابها، فسقط الهاتف على الأرض وجلست بسرعة فوق الفراش بعدما شعرت بقدماها لا تحملها، وكأنها ستفقد وعيها. لكنها أخذت تهز رأسها بالرفض غير مصدقة: _لا، چلال ميعملش إكده. في حاجة غلط أكيد، العيال مش فاهمين. أنا هلبس وأروح أتأكد بنفسي.
تحاملت على قدميها التي ترتجف ووقفت، ثم اقتربت من خزانتها واخرجت ملابسها وبدأت في ارتدائها وهي تدعو ربها أن يكون كل هذا كابوسًا أو لا يكون كلام أولادها صحيحًا. *** اتجهت جليلة نحو الباب بعدما سمعت صوت الطرق. لوت فمها بخنق عندما فتحت ووجدت فريال أمامها. لم تكترث فريال لها ولا لنظراتها حتى، فكان كل همها أن تتأكد من الذي أخبروها به أولادها. همت بدفعها حتى تعبر، لكن جليلة اعترضت طريقها وقالت بحدة: _رايحة وين؟
صرخت بها فريال بانفعال وجسد ينتفض من فرط الغضب: _بعدي من وشي، أنتي مش هتمنعيني أدخل بيتي وبيت عيالي. ثم دفعتها بيدها برفق وعبرت وراحت تقود خطواتها السريعة للدرج، لكنها تصلبت عندما رأت منيرة تنزل من الدرج وهي مرتدية عباءة منزلية مطرزة باللون الأبيض تشبه العباءة التي ترتديها العروس بأول صباح لها في زواجها. رمشت بعينيها عدة مرات غير مصدقة ما تراه وتمنت لو كانت الآن ضمن كابوس بشع. ربطت على قلبها ووقفت بثبات وشموخ،
ثم اقتربت من منيرة وهتفت: _بتعملي إيه في بيتي؟ ضحكت منيرة وردت عليها بمكر في قوة: _معدش بيتك وحدك، ده بيتي أنا كمان. امبارح كان فرحنا وليلة دخلتي أنا وچلال. لو تركت نفسها لسقطت الآن على الدرج وفقدت وعيها وربما حياتها، لكنها تماسكت وابتسمت لها بمرارة مرددة: _ليلة دخلتك!
تمالكت أعصابها وأغمضت عينيها للحظات تحاول البقاء صامدة أمامهم. وبعد أن فتحت عينيها، دفعت منيرة من طريقها بعنف وعبرت وأكملت طريقها للطابق الثاني حيث غرفتها، وهي تبتسم بحرقة وعيناها غارقة بالدموع وتهمس لنفسها بصوت يغلبه البكاء: _ياترى قضيت ليلة دخلتك معاها في اوضتي وعلى سريري كمان ولا فين؟
وصلت وفتحت الباب لكنها لم تجد أحد. كانت الغرفة مرتبة وفارغة لا يوجد بها أي أثر لوجود أحد. هي تعلم أنه لم يذهب للعمل، ولذلك خرجت من غرفتها واندفعت تبحث عنه بأرجاء المنزل. لكنها توقفت أمام باب إحدى الغرف. تلك الغرفة كانت فارغة ولا يبقى بها أحد، فقالت ربما يكون قد جهزها لهم.
اقتربت وفتحت الباب، وكما توقعت كانت الغرفة تدل على وجود حياة بها. ورأت ملابسه على طرف الفراش، فابتسمت بألم ودخلت ثم أغلقت الباب ووقفت مكانها تتجول بأرجاء الغرفة دون أن تزيل تلك الابتسامة عن شفتيها. وبعد دقائق معدودة رأته يخرج من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة. فتسمر مكانه وأخذ يتطلعها بصمت، بينما هي فضحكت وهتفت بلهجة تحمل الاستنكار: _صباحية مباركة ياعريس!
لمس الوجع في نبرتها فانفطر قلبه، لكنه صمت ولم يجيب عليها. لتتقدم هي نحوه مردفة بسخرية: _كنت ناوي تقولي أمتى لما مرتك الچديدة تحمل ولا لما تچبلك عيل! خرج صوته الهادئ رغم ألمه عليها: _محصلش حاجة بينا يافريال. قهقهت بقوة وفجأة تحولت من القهقهة للبكاء وراحت تردف بقهر: _كل ده عشان سبتك. أتچوزت عليا ياچلال عشان مشكلة بينا للدرچادي أنا مفرقاش معاك، وكنت مستني تحصل حاجة بينا عشان تخلص مني وتتچوز. تقدم بخطوة
إليها وقال بضيق وألم:
_خذلتيني ودستي على كرامتي ورچولتي. سبتيني قصاد ناسي كلهم وقولتي لأبوكي إنك عاوزة تطلقي مني، وبعديها جيتي تنامي في حضني. وتاني يوم الصبح صحيتي كنت متوقع إنك خلاص هترجعي ليا ولعيالك، لقيتك بتقوليلي أنا چيت عشان عيالي مش عشانك، ومرجعتش من الأساس عشان امشي تاني، وإنك غلطتي إنك نمتي في حضني وندمانة. كل مرة كنتي بتكسري قلبي وبتخذليني بديلك العذر وبقول مسيرها ترجع، بس أنت خيبتي ظني واثبتيلي إنك مبتحبنيش ومعندكيش استعداد حتى تضحي عشاني وتفهميني. مكنش عندك فكرة أنا كنت كيف طول الفترة اللي فاتت وأنتي مهملاني لحالي وعاوزة تطلقي مني.
صرخت به وسط بكائها: _أنا مطلبتش الطلاق من أبويا وناسي كلهم كانوا عاوزين يطلقوني منك، بس أنا كنت برفض. ودلوك أنا ندمانة أني موافقتش. ضيق عيناه وهتف بغضب: _يعني أبوكي كلمني من وراكي وأنتي متعرفيش حاجة. انهارت قواها فراحت تجلس فوق أقرب مقعد لها وهي تبكي بقهر وألم. كانت تبكي بصوت عنيف مزق قلبه، فاقترب منها وجلس القرفصاء أمامها وفرد ذراعيه يضمها لصدره محاولًا تهدأتها وهو يهمس بحزن: _فريال اهدي ابوس يدك.
دفعته بعيدًا عنها بكل قوتها وهي تصرخ به بهيستريا: _بعد عني متلمسنيش ومش عاوزة اسمع اسمي منك واصل، أنت خاين ياچلال. خاين والخيانة ملهاش غفران. حتى لو كان خطأه يفوق خطأها بمراحل، لكن ذلك الوصف الذي وصفته به كان قاسي وكأنها طعنته بخنجر في ثنايا صدره. رمقها بوجه مهموم وصامت، بينما هي فأكملت طعنه بكلماتها المسمومة وسط بكائها وقهرها:
_كلهم حذروني منك وإنك غدار وملكش حبيب وأنا كنت أقول چلال چوزي وحبيبي ولا يمكن يعمل حاچة ويكسرني وطلعوا هما صح وأنا اللي غلط. خنتني واتچوزت عليا عشان ترضي غرورك وترد كرامتك بس. واتچوزت مين اللي كنت عاوزة اچيبها تدي دروس لعيالي ولما قولتلك قولتلي لا. إيه كنت ناوي من بدري تتچوزها وعشان إكده قولت أوفر ولما اتچوزها تبقى تدي دروس لعيالي. ده أنا لسا من يومين كنت شايفها ومقولتليش حاجة وصلت بيك للدرچة دي.
فضلت ترمي بالكلام عليا وأنا مش فاهمة تقصد إيه. اتاريها كانت بتكيد فيا عشان هتتچوز چوزي. وأنت بعدين بتسألني كانت بتقولك إيه. إيه كنت خايف تقولي. عارف خفت ليه عشان چبان لو كان عندك الشچاعة كنت چيت وقولتلي في وشي أنا هتچوز لكن مش تسيبني أعرف من العيال وهما بيتصلوا بيا ويقولولي أبونا اتچوز ياما.
كانت تطلق سهام مسمومة بكلامها وتصوبها بأعمق نقطة في قلبه. ولم يتجرأ أن يرد عليها، هو يعرف أنه ارتكب خطأ لكنها هي التي دفعته لفعله. بقى صامت يستمع لسهامها المؤلمة وهي تكمل بكره يراه للوهلة الأولى بعيناها: _لو أنا قطعت خيط بينا فأنت دمرت الرابط كله. قدرت تخليني في لحظة اكرهك ومبقاش طايقة أبص في وشك. خسرت حب عمرك ما هتلاقيه تاني في حياتك. أن شاء الله تعيش مبسوط مع مرتك الچديدة.
استقامت واقفة واندفعت لخارج الغرفة وهي تبكي بصمت ويديها ترتجف من فرط القهر والحزن. بينما هو فجثى على ركبتيه أمام المقعد التي كانت تجلس عليه وأطلق العنان لدموعه المسجونة بعينيه. *** بتمام الساعة الثامنة مساء. وصل عمران للمنزل وكان بطريقه للطابق الثاني حيث غرفته، لكن استوقفه صوت والدته قبل أن يخطو بقدمه أولى درجات السلم. فالتفت لها بجسده كامل وقال: _نعم ياما. اقتربت منه إخلاص ووقفت أمامه مباشرة تتطلعه باستياء وتقول:
_هي دي مرتك اللي قولت ملكيش صالح ياما ومحدش يتدخل وأنا هربيها زين بمعرفتي. ضيق عيناه باستغراب وأردف بصوت رجولي حازم: _عملت إيه؟ إخلاص بعصبية وعينان تنضج بالنقم:
_الصبح والكل على الفطار بعد ما أنت طلعت وكنت مستني بت عمتك برا، هي طلعت وراها وقفلت عليها بالمفتاح وسابتها محبوسة لحد ما أنا طلعت بالصدفة لفوق عشان أشوفها لقيت المفتاح على الباب ومنى قاعدة چوا. محدش منينا سمعها وهي بتنده علينا، هي في الدور التالت واحنا في الأرضي. هيمن عليه الصمت وهو يتذكر محادثته معها بالهاتف في الصباح عندما أخبرته أن ابنة عمته مريضة. فلوى فمه وهو يصر على أسنانه بغيظ ثم رد على أمه بهدوء متصنع:
_طيب ياما اطمني أنا هتصرف معاها على اللي عملته ده. ولم يتريث للحظة أخرى حتى لا يسمع أكثر من والدته، فهو ليس في مزاج يتحمل كيد ومشاكل النساء. اندفع للأعلى نحو غرفته وفور دخوله نزع عنه عباءته وبقى بالجلباب الأسود فقط. دار بنظره في أرجاء الغرفة بحثًا عنها وحين لم يجدها صاح مناديًا عليها: _آسيا.
دخلت من الشرفة على أثر صوته وهي تضع حجابها فوق شعرها وكتفيها. ابتسمت له برقة حين رأته، لكن تلاشت ابتسامتها فور رؤيتها لملامح وجهه المنزعجة وصوته وهو يأمرها: _تعالي إهنه. اقتربت منه وسط نظراتها الحائرة والقلقة. وعند وقوفها أمامه بالضبط وجدته يهتف بحدة: _منى كانت تعبانة الصبح مش إكده؟ لمست الاستنكار في نبرته ففهمت أنه علم بفعلتها. التزمت الصمت ورمقته بثبات وشموخ يليق بها، فهتف بعصبية: _ما تنطقي ولا القط اكل لسانك.
عقدت ذراعيها أسفل صدرها ونظرت في عيناه بشجاعة ثم هتفت بوضوح تام: _لا مكنتش تعبانة. أنا قفلت عليها بالمفتاح. مسح على وجهه نزولًا لحيته وهو يتأفف بغيظ ثم صاح بها: _أنا مش نبهت عليكي مليون مرة وقولت مش عاوز مشاكل. أنا في راسي مية هم هشغل نفسي كمان بحوارات الحريم دي. لم تهتز شعرة واحدة منها على أثر صياحه وعصبيته، وعلى العكس تمامًا كانت تقف بكل ثبات وفي عيناها العنجهية تلمع لتجيبه بعدها بثبات انفعالي تام:
_مش انا اللي بعمل المشاكل. هي اللي مصممة تخليني اوريها وشي الحقيقي. حذرتها كذا مرة ومبتفهمش. استقرت في عينيه نظرة ثاقبة وهو يسألها: _وياترى حذرتيها من إيه؟ طالت نظرتها الصامتة له دون أن تجرأ عن الاعتراف حتى سمعته يعيد سؤاله للمرة الثانية لكن بصيغة مختلفة أكثر وضوحًا وصرامة: _قفلتي عليها بالمفتاح ليه يا آسيا؟
اشاحت بوجهها للجانب بعيدًا عنه بعدما فقدت شجاعتها بالإجابة على سؤاله. بينما هو فبقى يتمعنها ينتظر سماع ردها رغم معرفته بأسبابها التي دفعتها للتصرف بهذا الشكل معها، لكنه يريد محاصرتها وجعلها تعترف بنفسها. حين دام صمتها لوقت طويل قال بخشونة: _معندكيش سبب يعني. طالما إكده يبقى بكرا هتروحي تعتذري منها. جحظت عيناها ورمقته بصدمة، وسرعان ما أصبح وجهها الهادئ يشتعل وهي تهتف بسخط: _على آخرة الزمن اروح اعتذر من العقربة دي.
ولاها ظهره وراح ينزع عنه جلبابه بكل برود وهو يهتف بلهجة لا تقبل النقاش: _هتعتذري يا آسيا طالما معندكيش أسباب للي عملتيه. اقتربت منه ووقفت خلفه مباشرة شبه ملتصقة بظهره وهتفت بعناد ورفض قاطع: _مش هعتذر ياعمران. حين التفت بجسده لها اضطربت بشدة فقد كان لا يفصله عنها شيء، حتى أن أنفاسه الساخنة تلفح صفحة وجهها وهي ترفع نظرها للاعلى قليلاً بسبب فرق البنية والطول بينهم. سمعت صوته الذي يحمل بحة رجولية أذهبت بما تبقى من عقلها:
_طول ما أنتي معندكيش أسبابك المقنعة للي عملتيه معاها تبقي غلطانة وهتعتذري. انعقد لسانها وفرت الكلمات من حلقها هاربة، فحضوره الطاغي واقترابه منها يبعثرها. لكن تحدت نفسها وخرج صوتها ضعيف يملأه التوتر: _عندي أسبابي. مال ثغره للجانب في ابتسامة ماكرة وهدر بترقب: _وأنا مستنى اسمع الأسباب دي. وكأنه ألقى تعويذة سحرية عليها، فلوهلة كانت ستقر وتعترف بكل شيء تحت تأثير نظراته ونبرته، لكن تداركت نفسها بسرعة وقالت بنظرات زائغة:
_أنا عاوزة اروح لفريال. رفع حاجبه مستنكرًا ردها الذي لا علاقة له بموضوع نقاشهم من الأساس، ثم ضحك وابتعد عنها يقول بنبرة مغلوبة: _روحي لفريال! لم يلبث لحظة واحدة وإذا به يتلفت برأسه للخلف لم يجدها فقد فرت هاربة للخارج. *** داخل غرفة فريال. تجلس فوق مقعد خشبي وثير صامتة ودموعها تنهمر فوق وجنتيها دون صوت، تستمع فقط لصوت والدتها وهي تصيح بغضب: _أخرتها يتچوز على بتي كمان. سكتت إخلاص للحظة وعادت تصرخ من جديد توبخ أبنتها:
_هو ده اللي مكنتيش عاوزة تتطلقي منه. شوفتي عمل إيه لكن لو كنتي سمعتي كلامي أنا وأبوكي من الأول مكنش ده كله حصل. صدح صوت إبراهيم الرجولي وهو يصيح بزوجته في عصبية: _بزيادة اقفلي خشمك ده يا إخلاص مش شايفة حالة بتك كيف. نظر لابنته المنهارة بسبب بكائها حتى جسدها كله ينتفض، فاقترب منها وضمها لصدره يمسح فوق خصلات شعرها بحنو هامسًا:
_خلاص يافريال كفياكي بكا عاد. ميستاهلش دموعك دي. وغلاوتك عندي ياحبيبتي لأخليه يطلقك واخدلك حقك منه تالت ومتلت. انفجرت باكية بنحيب عنيف بين ذراعين والدها وجسدها كله يرتعش، فانفطر قلبه على ابنته وراح يلثم شعرها بعدة قبلات متتالية محاولاً بث الطمأنينة والهدوء لروحها الثائرة، حتى أن إخلاص اغروقت عيناها بالعبرات واقتربت منهم وراحت تقبل ابنتها وتتولى من أبيها مهمة تهدئتها.
في الوقت التي كانت آسيا بطريقها لغرفة فريال، كان إبراهيم وإخلاص نجحوا ببث القليل من الهدوء لابنتهم المنهارة وخرجوا وتركوها حتى ترتاح. فوصلت هي للغرفة وطرقت طرقتين ووقفت تنتظر رد منها. لم تسمع فمدت يدها وامسكت بالمقبض وأدارته ببطء ثم فتحت الباب والقت نظرة بعينيها دون أن تدخل، فصابتها الدهشة حين رأت فريال تجلس فوق فراشها وتضم ركبتيها لصدرها كالاطفال وتبكي بصمت. أغلقت الباب بسرعة واسرعت تجلس بجوارها هاتفة: _فريال مالك؟
رفعت وجهها الغارق بدموعها وتطلعتها بقهر ثم همست بمرارة: _أخوكي اتچوز عليا. سكون قاتل استحوذ على الأجواء بينهم، كانت فريال قد عادت مجددًا تنخرط بنوبة حزنها وآسيا كان الذهول يتملكها، فلو كانت تعرف أخيها بمقدار ذرة واحدة، مستحيل أن يفعلها فهو لا يطيق النظر بوجه امرأة غير زوجته من فرط حبه وتعلقها بها. كيف تزوج عليها؟ هتفت آسيا بعدم تصديق: _فريال أنتي متوكدة من اللي بتقوليه ده. چلال أتچوز عليكي! ردت عليها
بتأكيد في نبرة صوت مبحوحة: _أيوة هو چلال. روحت وشوفت بعيني واتچوز منيرة كمان. فور سماعها لاسم منيرة أظلمت عيناها بالغيظ وقد أدركت أن ذلك الزواج تم بتحريض من أمها. لكن حين استقرت بنظرها على وضع فريال المزري أشفقت عليها وقالت لها بصوت دافئ ومهتم: _طيب قوليلي إيه اللي حصل بينكم خلاكم توصلوا للدرجة دي ويخلي چلال يتچوز. سبتي البيت ليه يافريال؟
لم تعد تهتم بإخفاء سبب كل تلك المصائب أكثر من ذلك، فجرح قلبها أعمق وأقوى من أي شيء قد يحدث. أجابت على آسيا بضيق: _چلال هو اللي حاول يقتل عمران عشان إكده أنا سبت البيت ومشيت. اتسعت عيني آسيا بصدمة وراحت تسألها بعدم استيعاب: _چلال!! .. چبتي الكلام ده من وين؟ _سمعته وهو بيتكلم مع چدك وبيقوله أنا اللي عملته ولما واجهته مأنكرش. آسيا بغضب وهي توبخها: _وأنتي سبتي بيتك وسبتيه عشان إكده! رمقتها فريال بحدة وقالت باستياء:
_أيوة ده أخويا وحتى لو كنت بحب چوزي مش معنى إكده اسكت عن اللي عمله. لو كنتي لساتك فاكرة أن عمران ليه يد في قتل أبوكي كيف ناسك يبقى متحاوليش تدافعي عن أخوكي قصادي. ابتسمت آسيا بمرارة وقالت: _مش هدافع عنه يافريال أنا عارفة زين أن عمران ملوش يد وأنا اكتر واحدة كنت ظلماه والدليل أن أنا اللي حاولت اقتله مش چلال. جحظت عيني فريال بذهول وبقت تنظر لآسيا بعدم استيعاب لبرهة من الوقت قبل أن تسألها ببلاهة:
_أنتي كيف يعني أنا سمعته بودني بيقول لچدك! فسرت لها آسيا بوضوح أكثر: _أنا يافريال. وچلال لما عرف ضربني وبهدلني وتلاقيه عشان يداري عليا قال لچدي أنه هو اللي عملها. وثبت فريال من فراشها وهي تضحك بعدم تصديق وتهتف: _إيه اللي أنا بسمعه ده. وياترى عمران عارف ولا لا كمان؟ أومأت آسيا بالإيجاب وردت بخفوت في ضيق: _عمران عارف من قبل جلال ما يعرف أساسًا وهو كمان دارى عليا ومقالش لحد في وقتها.
ضحكت فريال بقوة وسط دموعها وراحت تصرخ بآسيا دون وعي وهي تلقي بكلماتها السامة على مسامعها: _وصل بيكي الكره والشر للدرجة اللي تخليكي تحاولي تقتلي انسان بريء. وبعد اللي عملتيه معاه دارى على عملتك معاه واتجوزك. قلبك الأسود ده هو السبب في أن الناس كلها بتبعد عنك ومحدش بيحبك. على قد ما خلود غلطانة في اللي عملته، لكن أنتي كنتي تستاهلي يا آسيا.
تبدلت قسمات وجه آسيا من القوة لأخرى منكسرة وموجوعة، وبلحظة تجمعت العبرات في مقلتيها لترد على فريال بألم: _عندك حق، أنا كنت أستاهل. ربنا أخد حق أخوكي مني، ويمكن حتى الحب ما أستاهلوش كيف ما بتقولي. أنهت عباراتها واستقامت واقفة، ثم غادرت الغرفة مسرعة، تترك الأخرى بين أحزانها وضيقها مما تفوهت به.
فتحت آسيا باب غرفتها واندفعت للداخل وهي تبكي بصمت. أغلقت الباب ووقفت عنده، تستند بظهرها عليه، مغمضة عيناها تبكي بحرقة. حين فتحت عيناها وسقطت على الفراش، فوجدته نائم بعمق. زاد بكائها أكثر وهي تستعيد كلمات فريال في عقلها، ودون أن تشعر قادتها قدماها إليه. كانت تسير بخطى ثقيلة حتى وصلت للفراش، فتمددت بجسدها بجواره، واضعة رأسها على نفس الوسادة ووجهها مقابل لوجهه، دون أن تتوقف عينيها عن ذرف الدموع بغزارة. دون أن تشعر، رفعت يدها ومدت أناملها لوجهه تلمس وجنته ولحيته برقة، وقد تحول بكائها إلى نحيب بصوت بسيط، ويدها مازالت فوق وجنته تلمسه بكل حب وندم، وسط صراخ علقها الذي
يعنفها ويجلدها بعبارة: "أنتي لا تستحقي حبه بعد كل ما فعلتيه معه".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!