الفصل 21 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
19
كلمة
7,592
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

كانت منخرطة في نوبة بكائها الصامت وأناملها مازالت تتجول فوق وجنتها، لكنها توقفت واضطربت بشدة عندما فتح عينيه على أثر لمساتها. لم يلبث ليدرك وضعها ويفوق من نعاسه حتى وجدها بسرعة تستدير وتوليه ظهرها. لكن منظر وجهها الغارق بالدموع ولمساتها المرتجفة فوق وجهه كانوا أكثر ما يدركهم، حيث اعتدل في نومته مضيقًا عينيه بحيرة وقلق وهو يسألها: "مالك بتبكي ليه؟

استمرت في بكائها دون إجابة. فأعتدل هو وهب جالسًا فوق الفراش، ثم مد يده لكتفها يديرها باتجاهه في رفق هاتفًا: "آسيا! رفعت أناملها لوجنتيها وجففت عبراتها ثم استقامت هي أيضًا جالسة، لكن وضعها لم يتحسن بل ازداد سوءًا. كانت تشيح بوجهها للجانب تبكي بقوة وجسدها تعتريه نفضة عنيفة، ولم تكن تتفوه بكلمة واحدة حتى لتفهمه سبب كل هذا الانهيار والبكاء العنيف.

تسلل القلق الحقيقي لصدره وأصبحت ملامحه صلبة على عكس نبرته اللينة التي حافظ عليها حتى لا يزيد من الوضع سوءًا. لف ذراعه حول كتفيها وهتف بنبرة مترقبة ومهتمة: "آسيا إيه اللي حُصل ردي عليا؟!

لمسته أشعرتها بالدفء رغم الوغزة البسيطة التي صابتها فور ملامسته لجسدها، إلا أنها أحبتها بشدة. فرفعت رأسها وتطلعت إليه بوجه غارق بالدموع وعينان مغلوبة. شعرت باحتياجها له ولم تتردد للحظة في تلبية رغبة قلبها، حيث مالت عليه ببطء ووضعت رأسها فوق صدره ليتحول بكائها الصامت إلى نحيب مسموع فور تذكرها لكلمات فريال.

ضمها لا إراديًا وحاوطها بذراعيه. وبعد ثوانٍ معدودة مد أنامله وأمسك بطرف ذقنها يرفع وجهها عن صدره لكي يصبح في مواجهته ويسألها هذه المرة بنظرات يظهر بها الغضب الحقيقي والانزعاج: "في حد عملك حاچة أو ضايقك؟ هزت رأسها له بالنفي دون أن يخرج صوتها وعادت تدفن وجهها بين ثنايا صدره من جديد. فتسمعه يقول بضيق: "امال في إيه ردي عليا ساكتة إكده ليه؟! خرج صوتها الضعيف أخيرًا: "مفيش حاچة."

رفع حاجبه بعدم فهم وحيرة من أمرها، بينما هي فهمست بنبرة رقيقة تحمل بحة البكاء: "عمران." تابعت بعد ذلك بندم وبكاء دون أن تتجرأ على رفع رأسها والنظر بعينيه: "سامحني." أجابها بنظرة مستفهمة تطرح الأسئلة: "على إيه؟! تحلت بالجرأة هذه المرة ورفعت رأسها عن صدره وتطلعت بوجهه وعينيه في عمق هامسة بعينين تظهر صدق ندمها:

"على كل اللي عملته معاك.. مكنتش أعرف إنك ملكش يد في قتل أبويا. والله كان الغضب عامي عيوني ومنظر أبويا وهو غرقان في دمه هو الحاجة الوحيدة اللي كنت شيفاها وكنت عاوزة أخد حقه واريحه. أنا عمري ما كنت أقدر أذي حيوان حتى. معرفش كيف كنت عاوزة اقتل إنسان.. عارفة أن اللي عملته معاك مش هين ويمكن ملوش غفران كمان. بس لو كان جرالك حاجة مكنتش هسامح نفسي."

طالت نظرته الثاقبة إليها وهو يستمع لاعتذارها وندمها. ثم أطلق تنهيدة حارة ورفع أنامله يبعد خصلاتها المتمردة عن عينيها ويسألها باسمًا:

"لو مكنتش سامحتك وغفرتلك يا آسيا مكنتش هدخلك بيتي واخليكي على ذمتي لحظة واحدة. بس أنا اعتبرت أفعالك دي غباء وتهور من ست عواطفها بتسيرها ومش فاهمة ولا عارفة عواقب اللي بتعمله. وعشان إكده عديتلك في المرة الأولى اللي عملتيه. لكن صدقيني لو مكنتش غفرت كنتي هتقولي جحيم ناسي أهون عليا مليون مرة من راجل كيفك." هزت رأسها بالنفي هاتفة في خفوت جميل ونظرة تحمل معاني مميزة: "عمري ما كنت هقول إكده."

ضحك وهتف رافعًا حاجبه الأيسر بمكر يضمره خلف قسماته الجادة: "ليه؟ التزمت الصمت وسكنت تمامًا، فقط أخذت تتمعنه بنظراتها المضطربة وعقلها الذي يبحث عن رد أو كذبة بالمعنى الأدق دون أن تعترف له بحقيقة مشاعرها تجاهه. كانت نظراته الرجولية العميقة تركبها أكثر وتسحبها لأعماق محيط عواطفها. ولو كانت بقيت بين ذراعيه واستمرت في التحديق به للحظة أخرى كانت ستفرغ كل ما يملأ صدرها في وجهه. فابتعدت عنه بسرعة كالتي لدغها عقرب

وقالت بتلعثم وعينان زائغة: "أنا هروح الحمام اغسل وشي."

لم يجيبها واكتفى ببسمته اللئيمة. ثم تابعها وهي تهرب منه وتتوارى خلف باب الحمام. بينما هي فوقفت واستندت بظهرها على الباب وهي تبتسم باستحياء، رغم أن كلمات فريال لا تزال عالقة بذهنها. لكنها أبت أن تفسد عليها جمال لحظتها. وفقط ما جعل وجهها يعبس مرة أخرى هو شعور الفراغ والبرودة الي يحتاجها بعدما خرجت من بين ذراعيه. فليتها تسكن به ولا تبتعد عنه أبدًا. ولكن مع الأسف كيف سيحدث إذا كان هو لا يبادلها نفس المشاعر. ***

داخل غرفة الصالون بمنزل خليل صفوان، كان جلال جالسًا فوق الأريكة وبيده سيجارة يضعها بين أسنانه ثم يخرجها وينفث معها الدخان بقوة للخارج. لقائهم معًا ونظراتها وكلماتها لا تغادر عقله. كل كلمة تفوهت به تتكرر دون توقف. لو كان يعاني من آلام قلبه في السابق فالآن تحول الألم لجرح ينزف الدماء بغزارة. نعتها له بالخائن يمزقه. نظرات الكره والنفور التي استقرت في عينيها أصابته في مقتل. ليتها طعنته بسكين حاد بدلًا من تلك النظرات القاسية.

المظلوم أصبح ظالم! انفتح الباب وظهرت منيرة من خلفه ثم تقدمت نحوه وجلست بجواره في صمت للحظات قبل أن تمد يده وتمسك بيده هامسة: "إيه اللي مضايقك يا جلال.. مش قادرة أتحمل أشوفك إكده." سحب يده ببطء من أسفل يده ثم ربت فوق ظهر كفها بلطف هامسًا في بسمة متكلفة: "مفيش حاجة يا منيرة.. مشاكل الشغل. اطلعي أنتي نامي وريحي." زمت شفتيها بعبوس وقالت في يأس: "وأنت مش هتاجي تنام؟ تنهد بقوة ثم زفر أنفاسه الحارة في عدم حيلة ليجيبها

بنبرة خالية من أي مشاعر: "اطلعي وأنا چاي وراكي كمان شوية." أومأت له بالموافقة وهي مازالت تحتفظ بملامحها العابسة والبريئة. لكن فور وقوفها وانصرافها تحولت ملامحها لأخرى كلها نقم وحقد على فريال وتقسم من داخلها أنها ستمحيها من عقله وقلبه للأبد. لكن أولًا يجب عليها التخلي عن تلك الأمور الخاصة بالخجل والحياء. فإن استمرت فيها لن تكسبه مطلقًا.

خرج جلال بعدها بدقائق وقاد خطواته للأعلى حيث غرفته. لكنه توقف بالطابق الثاني تحديدًا أمام غرفته هو وفريال واقترب منها بخطوات ثقيلة. فتح الباب ودخل ووقف يدور بنظره على كل ركن بها. فَجَرت مشاهدهم الغرامية وحبهم أمام عينيه التي تلألأت بالعبرات دون وعي منه وسقطت دموعه فوق وجنتيه. رفع كفيه وكفكف دموعه محافظًا على صلابته من جديد. حيث انصرف وأغلق الباب ثم أكمل طريقه للطابق الثالث نحو غرفته مع زوجته الجديدة. هو من أقحم نفسه بذلك الوضع وسيتحمله رغمًا عنه.

فتح الباب ودخل فوجدها متسطحة فوق الفراش شبه نائمة وترتدي ثوب وردي قصير وبحمالات فوق الكتفين ينزل بفتحة مثلثية عند الصدر يظهر داخلها بوضوح. تجاهل ما رأته عيناه تمامًا وتصرف بكل برود كأنه لم يرى شيء وبدأ في تبديل ملابسه. ثم اقترب من الفراش وتمدد على الطرف الآخر منه ينوي النوم. لكن الأخرى كانت قد عزمت على أن تتخلى عن خجلها منه. حيث اقتربت منه في الفراش ورفعت جسدها قليلًا ثم دخلت بين ذراعيه تضع رأسها فوق صدره.

أصابه الدهشة من تصرفها الجريء الذي أدرك الهدف منه جيدًا وما تسعى إليه. ليزفر بخنق وبقى ساكنًا لم يحرك يده أنشًا واحدًا ولم يحاوطها. بينما هي فقد ابتسمت بنصر وسعادة وأغلقت عيناها تنوي النوم بعدما وجدته لم يبعدها عنه.

دقائق قصيرة وقد ذهبت هي بسبات عميق وهو على وضعه بنفس السكون يتطلع في السقف بشرود فقط يفكر بحبيبته. وحين أنتبه أنها نامت تنهد الصعداء وأبعدها عنه برفق يضع رأسها فوق الوسادة ليبتعد ويصنع مسافة بينهم. ثم أغلق هو الآخر عينيه راغبًا في النوم هربًا من كثرة التفكير والهموم التي تلازمه. *** بصباح اليوم التالي......

دخلت جليلة على غرفة أحفادها ووجدت معاذ يجلس فوق فراشه يذاكر دروسه، رغم أن اليوم إجازة من الدوام المدرسي لكن موعد الدرس الخصوصي بعد ساعات ويجب عليه حل واجبه قبل الذهاب للدرس. جلست بجواره على الفراش وقالت مبتسمة: "درسك ميتا يا معاذ؟ معاذ بنبرة طبيعية: "الساعة 12 يا ستي." سألته جدته بترقب: "طيب تلفونك اللي چايبهولك أبوك معاك؟ نظر لها وهز رأسه بالإيجاب. ليسمعها تسأله مرة أخرى بنظرة ضائعة: "معاك رقم عمتك آسيا؟

عاد وهز رأسه لها بالإيجاب مرة أخرى دون أن يفهم سبب أسألتها. بينما جليلة فقد لمعت عيناها وظهر وميض مختلف بهم قبل أن تقول بجدية: "طيب اتصل بيها دلوك واطمن عليها." معاذ بكل عفوية وابتسامة جميلة: "طيب أنا هتصلك بيها وأنتي كلميها يا ستي؟ هزت بالرفض وقالت مسرعة في حدة: "لا مينفعش أكلمها. أنت كلمها وأنا هقعد چارك وافتح اللي اسمه مكبر الصوت ده عشان اسمعها."

كان يحدق بجدته في استغراب وجهل لسبب رفضها التحدث مع ابنتها. لكنه نفذ ما طلبت والتقط هاتفه وراح يبحث عن رقم عمته. وفور عثوره عليه كان سيضغط على اتصال. لكن جليلة امسكت بيده وقالت تحذره بصرامة: "بس اوعاك تقولها أن أنا چارك وسامعاها." هز رأسه بالموافقة لجدته وهو يزم شفتيه بعدم فهم. ثم ضغط على زر الاتصال ومن بعدها ضغط على فتح مكبر الصوت. فارتفع صوت الرنين وهم ينتظرون الرد من آسيا التي أجابت بعد وقت: "الو مين؟

ابتسم معاذ ورد بتلقائية: "أنا معاذ يا عمتي." تهللت أسارير آسيا على الجانب الآخر وقالت بحنو: "بتتصل من وين يا معاذ؟ "ده تلفوني أبويا چبهولي عشان اكلمه لما أكون عاوز حاجة وهو مش في البيت." ضحكت بخفة. بينما معاذ فنظر لجدته وهو يسألها بنظراته ماذا يقول. فأشارت له أن يتحدث بأي شيء. فعاد للهاتف وسأل عمته بشوق فور تذكره أمه: "أمي عاملة إيه.. هي چارك؟ تبدلت نبرة آسيا من المرح واللين لأخرى عابسة وهي تجيب ابن أخيها:

"أمك زينة يا حبيبي اطمن.. هي مش چاري دلوك شوية هخليها تكلمكم. أنت طمني كيفكم في البيت. مرت أبوك دي بتضايقك أنت وأخوك ولا حاجة؟ رد على عمته بخنق وقرف: "لا احنا أصلًا مش بنكلمها ولا بنقعد چارها في مكان واحد." سمع عبارة آسيا القوية وهي تقول بفخر: "چدع ياواد خليكم إكده علطول اوعاكم تضحك عليكم بكلمتين." ثم همست بين نفسها بصوت منخفض في غيظ: "راجل مش كيف أبوك چبان."

كانت جليلة تستمع لها وعيناها غارقة بدموع الشوق والحب. لم تهتم لتحريضها لابن أخيها على زوجة ابيه التي اختارتها هي له. هي فقط كانت تشبع قلبها من سماع صوت ابنتها التي غاب عنها لوقت طويل. وتدخل السكينة والطمأنينة له بعد الأحلام المزعجة التي كانت تراودها الأيام السابقة عن ابنتها. سمعتها بالنهاية بعد وقت من تحدثها مع ابن اخيها وهي تقول له بحنو:

"أنا هقفل عشان خالك عاوزني وأنت خد بالك من أخوك وبعدوا عن الحرباية اللي اسمها منيرة دي." ضحك على نعت عمته لزوجة أبيه بالحرباء وودعها بكل حب. ثم أنهى الاتصال. وعندما التفت تجاه جدته وجد وجهها غارق بالدموع. فاتسعت عيناه بدهشة ولم يلبث ليسألها ماذا بها حتى وجدها تنحنى على رأسه وتلثم شعره بحنو هامسة في صوت مبحوح: "كمل مذاكرتك يا ولدي عشان تلحق تخلص قبل درسك."

ثم استقامت واقفة وغادرت تتركه يفكر بفضول وعدم فهم. لكنه لم ينشغل بالتفكير كثيرًا وراح يكمل مذاكرته... ***

وقف عمران أمام باب غرفة فريال ورفع يده يطرق عدة طرقات خفيفة متتالية وينتظر ليسمع صوتها الذي أتاه بعد لحظات. ففتح الباب ودخل بكل هدوء. ثم اقترب منها وجلس على طرف الفراش بجوارها وراح يتمعنها بنظراته الدقيقة. كانت تمامًا كالجسد الذي بلا روح. عيناها منتفخة من فرط البكاء ونظراتها ضائعة ووجهها كالزهرة الذابلة. فتنهد الصعداء بضيق وفرد ذراعه يلفه حول كتفيها ويضمها لصدره مقبلًا شعرها بحنو هامسًا:

"ميستاهلش تعملي في روحك إكده عشانه يافريال." هتفت بصوت يغلبه البكاء: "عمري ما كنت أتخيل أن جلال يعملها ويتجوز عليا مهما حصل بينا. ده كان لما كنت بجيب سيرة الموت وأقوله لو موت متفضلش لحالك واتجوز أنا مسمحاك كان بيتعصب من مچرد ما يسمع كلمة جواز ولا فراق." ابتعدت برأسها عن صدر أخيها وتطلعته بعينين تملأها العبرات: "كيف عملها ياعمران.. كيف قدر يتجوز عليا، كسر قلبي وعمري ما هسامحه على اللي عمله فيا."

مال عمران برأسه على وجهها وقبَّل جبهتها بكل دفء هاتفًا في لهجة رجولية لا تحمل المزاح: "أبويا كان عنده حق هو وأمي لما كانوا عاوزينك تطلقي منه. أنا كنت رافض عشان عارف أنكم بتحبوا بعض بس بعد اللي عمله هو ميستهالكيش." أجفلت نظراتها أرضًا وردت بعجز وقهر: "أنا دلوك مش بفكر في أي حاجة ياعمران. هملوني لحالي لغاية ما أهدى وأرجع كيف ما كنت وبعدين هقولكم أنا عاوزة إيه." تنهد الصعداء بقوة ثم أجابها بجدية:

"طيب خدي وقتك يافريال. بس اعملي حسابك أن أنا أول واحد هيقف قصادك لو فكرتي ترجعيله. بعد الحالة اللي أنا شايفك فيها دي معدش جوازك منه ليه فايدة. اللي يزعلك ويدوسلك على طرف كأنه داسلي أنا على طرف وحسابه معايا عسير." أنهى عبارته وعاد ينحنى عليها من جديد يلثم رأسها متمتمًا ببسمة جميلة: "قومي يلا اغسلي وشك وطلعي روحك من الحالة دي عشان عيالك. مش عاوز آجي تاني أشوفك على نفس الوضع."

طلعت لأخيها بامتنان وحب صادق وهي تبتسم له وتوميء بالإيجاب على طلبه. بينما هو فألقى عليها نظرة أخيرة ببسمته ثم انصرف وغادر غرفتها... *** كانت آسيا بطريقها للطابق الأرضي حيث المطبخ وأثناء مرورها من جانب غرفة منى سمعت صوتها تهتف: "آسيا!

توقفت آسيا وبقت مكانها دون حركة وقد تبدلت ملامحها للاشمئزاز. وبعد لحظات استدارت بجسدها نحوها وهي تتأفف عاقدة ذراعيها أسفل صدرها. بينما الأخرى فكانت تتطلعها مبتسمة بشيطانية وتقف داخل غرفتها. لوى آسيا فمها بنفاذ صبر بعدما فهمت أنها تريد التحدث معها بالغرفة بعيدًا عن مسامع وأنظار الجميع. فتقدمت نحوها ودخلت الغرفة لتقف عند عتبتها مردفة بقرف: "خير عاوزة إيه ولا لساتك محرمتيش من حبسة الأوضة." ضحكت

منى بلؤم وسألتها بكل تبجح: "عمران عمل إيه لما عرف إنك حبستيني؟ طالت نظرة آسيا المميتة لها قبل أن تبتسم بثقة وتجيبها: "باس على راسي وقالي ولا يهمك يا روح قلبي. في ناس متربتش إكده تستاهل أحيانًا." رغم نيران الأخرى التي اشتعلت لكنها حافظت على برود أعصابها وتابعت في محاولاتها لإثارة جنون آسيا. حيث هتفت بعين تلمع بوميض المكر: "وياترى بعد اللي هتعمليه دلوك هيسكتلك كمان ويقولك ولا يهمك ولا هياخد موقف؟

لم تفهم تلميحاتها الشيطانية. لكنها بالفعل كما توقعت منى ثارت وهاجت عواصفها. حيث اندفعت نحوها وانقضت عليها تقبض على ذراعها بكل عنف صائحة بها: "شكلك مش هتجبيها لبر معايا. وقولتلك ميت مرة خليكي بعيدة عن جوزي بس باينلك مش بتفهمي بالحسنة ولازم تشوفي وشي التاني."

كان الثبات الأنفعالي والهدوء يستحوذ على منى بشكل غريب. حتى أنها ضحكت بقوة ودفعت يد آسيا عنها وتقهقهرت بخطواتها البطيئة للخلف وهي تبتسم بخبث. لكن ما حدث بعد كان أكثر صدمة بالنسبة لآسيا! رأتها تندفع نحو حافة الخزانة الخاصة بها وتضرب جبهتها بها وسط صراخها العالي: "بعدي عني يا آسيا. يامرت خالي الحقيني. بعدي عني آااااااه. ياعمران الحقوني هتموتني."

أظلمت عيني آسيا وتحول وجهها ليصبح كالأشباح المرعبة. نظراتها كانت قاتلة لمنى وهي تتابع المسرحية التي تمثلها أمامها باحترافية. لم تتحرك أنشًا واحدًا من مكانها فقط استمرت في متابعتها عاقدة ذراعيها أسفل صدرها. تنتظر لترى نهاية ذلك المشهد التمثيلي إلى أين سينتهي وتلك الأفعى متى ستتوقف عن أذية نفسها مدعية أن آسيا ما تفعل.

سقطت منى على الأرض وهي مستمرة في صراخها وامزجته ببكائها. أما رأسها فقد تأذت بشدة والدماء أصبحت تسيل منها. وباللحظة التالية كان الباب ينفتح وتقتحم الغرفة إخلاص ومن خلفها عمران. ركضت نحو منى الساقطة فوق الأرض وهي تصيح بزعر بعدما رأت دماء رأسها: "إيه اللي حصل يامنى؟!! ردت بصوت مرتجف وسط بكائها وهي تتصنع البراءة:

"آسيا دخلت عليا ولقيتها بتهب فيا وبتقولي امشي من بيتي مش عاوزاكي فيه وبعدي عن جوزي يا خطافة الرجالة وبعدين خبطتني في الدولاب." كان الهدوء المريب يهيمن على آسيا التي تستمع وتتابع مسرحيتها الاحترافية. لم تبذل مجهود لتدافع وتكذب ما تدعيه تلك الوغدة. بينما عمران فكان هدوءه هدوء ما قبل العاصفة يتابع ما يحدث وعيناه المرعبة تنتقل من بين ثلاثتهم. وثبت إخلاص واقفة واندفعت نحو آسيا تصرخ بها بانفعال: "بيتك منين؟

هاا مين أنتي عشان تقولي للي في بيتي امشي وأقعد. ده بيتي وبيت ابراهيم الصاوي ومش هيكون بيتك لو اطبقت السما على الأرض. جواز ولدي منك كان غلطة وأنا بنفسي هصلحها واخليك تطلقك قريب قبل ما تعملي في حد فينا مصيبة وتقتليه." لم تتفوه ببنت شفة ولم تجيبها فقط حافظت على برودها لتكتفي بنظراتها المميتة لمنى. فكانت قد تحولت الساحرة الشريرة تمامًا والوعيد والشر الذي يلمع في عينيها كان ينذر بالجحيم القادم.

اقترب عمران من أمه وهتف بصوت محتقن وهو يحاول تمالك أعصابه: "شوفي منى ياما واطمني عليها وعلى الجرح اللي في راسها ده." رمقت إخلاص ابنها بغيظ وابتعدت عن آسيا لتقترب من منى مرة أخرى وتساعدها على الوقوف حتى تجلس على الفراش. بينما هو فرمق آسيا بنظرات قذفت الرعب في بدنها. وبلحظة كان يقبض على ذراعها ويجذبها معه للخارج متجهًا نحو غرفتهم. *** دفعها لداخل الغرفة بعنف ودخل خلفها ثم أغلق الباب واندفع نحوها كالثور الهائج صارخًا:

"إيه اللي عملتيه ده اتجننتي!!! رغم خوفها من ثورانه المخيف إلا أنها وقفت أمامه بكل ثبات وقالت: "معملتش حاجة ياعمران." عاد صوته الجهوري يصدح بأرجاء الغرفة وهو يهتف مستهزءًا منها: "هي ضربت روحها وفتحت راسها بنفسها بقى طالما أنتي بريئة ومعملتيش حاجة." استاءت واحتدمت نظراته وهي تجيبه بصدق وشجاعة: "ايوة هو ده اللي حصل فعلًا. هي فتحت راسها بنفسها عشان تقول أنا اللي عملتها."

طالت نظرة النارية لها. كان يظهر بوضوح على قسمات وجهه أنه لا يصدقها وظن أنها تكذب عليها لتخفي فعلتها مما زاد من جموحه وجنونه أكثر. فراح يقبض على ذراعها بكل قوته وعنفه صارخًا:

"اوعاكي تكذبي عليا فاهمة ولا لا. صدقيني هقطعلك لسانك واصل. انتي إيه بدل ما تعترفي بغلطك وتخلي عندك دم وتروحي تعتذري منها واقفة قصادي بتقولي معملتش حاجة وحاطة عينك في عيني وبتكذبي. قسمًا بالله يا آسيا لو ما اتظبطي ومشيتي عدل لأكون موريكي النجوم في عز الضهر. قولتلك مليون مرة إهنه مش بيت أبوكي اللي هتعملي فيه اللي على هواكي ومهتلاقيش حد بيوقفك عند حدك."

كانت كلماته قاسية ورغم الألم الذي يجتاح ذراعها من قبضته العنيفة وكأنه يعتصره إلا أنها أخفت ألمها. حتى خوفها منه تبدد وحل محله الحزن من عدم تصديقه ووعيده لها بعقابه العسير. غامت عيناها وردت عليه بصوت مبحوح: "صح. ده مش بيت أبويا ده بيت الراجل اللي قتله وعمره ما هيكون بيتي كيف ما قالت أمك. ابوك اللي عامل قصادنا الملاك الطاهر وهو شيطان في هيئة بني آدم و......

انفجر بركانه وتحول لجمرة مشتعلة وبلحظة غضب رفع يده بالهواء وكان سيهوى بها فوق وجنتها لكنه توقف على آخر لحظة ويده معلقة في الهواء. أغلق على قبضته بقوة وهو يشتعل من فرط غضبه ولم يجد بجواره شيء سوى الحائط ليفرغ به غيظه. فضرب بقبضته فوقه وهو يصرخ بها بصوت رجولي أرعبها: "الموضوع ده لو اتفتح قصادي تاني وسمعت الكلام ده منك قولي على روحك يارحمن يارحيم. فاهمة ولا لا."

أشاحت بوجهها للجانب بعيدًا تخفي دموعها التي انسابت فوق وجنتيها من فرط الضيق والخوف. بينما هو فاقترب ومال على أذنها يهمس بنبرة قاسية: "متصغريش روحك قصادي وقصاد الكل بسبب غيرتك من منى. الكل عارف زين سبب جوازنا ووضعنا كيف." تجرعت قسوته وإهانته بكل قوة رغم تمزق قلبها. لكن هيهات أن تظهره له بعد سخريته من غيرتها عليه. استدار هو وهم بالاندفاع لخارج الغرفة بعدما أنهى عبارته. لكنه توقف على أثر صوتها وهي تقول بكل شموخ وبغض:

"مش أنا اللي أغار من واحدة كيف بت عمتك العقربة دي. واحدة ناقصة متعرفش العيب ولا الغلط من الصح. ولو فاكر إني غيرانة عليك فمتتوهمش. الغيرة دي لما يكون في حب بس أنا بكرهك ومبطيقكش ياعمران ومستنية اليوم اللي أطلق فيه منك. ووقتها هبقى أقف چار أمك وهي بتجوزك من منى أصلها شبهكم."

ثار بعد عبارتها الأخيرة وكان سيفقد أعصابه مجددًا عليها. لكنه تملكها بصعوبة ورحل صافعًا الباب خلفه. يتركها تقف ثابتة للحظات قبل أن تنهار باكية بألم.... *** داخل منزل خليل صفوان....... بحث جلال عن أمه بالمنزل ولم يجدها. وبالأخير قرر الاتجاه للمطبخ. وفور دخوله وقع نظره على منيرة وهي تقف أمام الطاولة وأمامها صحن ممتلئ بورق العنب. فتصلب مكانه وثبت عيناه على الصحن بحزن. ليجدها تقترب منه وتمسك بيده هامسة في دلال:

"أمي جليلة قالتلي إنك بتحب ورق العنب وعملتهولك بيدي النهاردة." لم يلتفت لها ولم يعيرها اهتمام وغاص بذكرياته سابحًا في الماضي الجميل له مع زوجته وحبيبته... فتحت فريال الباب ودخلت وهي حاملة فوق يديها صينية فوقها صحون داخلها أصناف مختلفة من الطعام. ضمنهم ورق العنب المميز الذي لا يتفوق عليها أحد فيه. اقتربت من الفراش وجلست على طرفه ثم وضعت الصينية أمامه هاتفة بحب:

"النهاردة هنتغدى لحالنا مع بعض وعملتلك كل الوكل اللي بتحبه." ضحك ورد غامزًا بلؤم: "دي إيه الدلع ده.. لتكوني عاوزة حاجة يافريال؟ لكزته في كتفه برقة وهي تزم شفتيها بضيق هاتفة: "أخص عليك يا جلال من ميتا أنا كان اهتمامي بيك عشان مصلحة. بعدين فيها إيه لما أدلع جوزي حبيبي وراجلي وأبو عيالي." يغمز لها بخبث وهو يضحك ثم مال عليها وهمس بنظرات وقحة: "طب إيه رأيك أدلعك أنا كمان."

اتسعت عيناها بدهشة وهي تضحك بخجل وابتعدت عنه بسرعة قبل أن ينال منها. ليتوعد لها بنظراته ثم اخفض نظراته للطعام وراح يمد يده أولًا لصحن ورق العنب والتقط واحدة ثم ألقاها في فمه ليمضغها بكل تريث وتلذذ وهو يهتف في عاطفة ونبرة جميلة: "امممم ورق العنب الفاخر. مفيش مخلوق بيعرف يعمله كيف ما بتعمليه يافريال. مدوقتش زيه واصل." ضحكت واقتربت منه ثم مالت عليه وطلعت قبلة ناعمة مثلها فوق وجنته خامسة بثقة وغنج أنثوي مثير:

"ومش هتدوق. اوعاك أشوفك بتاكله من يد حد تاني وبتشكر فيه يا جلال." ابتسم ورمقها بغرام هامسًا وهو يقترب منها بوجهه أكثر: "وهو اللي ياكل من اليد العسل دي يعرف كيف ياكل من يد تاني من الأساس." ابتسمت له بعشق. بينما هو فكال نظراته المشتاقة والراغبة قبل أن يقول غامزًا: "أنا مرة واحدة حسيت روحي مش چعان خلي الوكل ناكل شوية قولتي إيه؟

طرح سؤال ولم يمنحها فرصة الإجابة. حيث نال منها وانغمسوا معًا بلحظاتهم الخاصة والغرامية وسط ضحكها وهمساته المرحة والرومانسية التي لا تخلو من الوقاحة بالتأكيد... فاق من شروده على صوت منيرة وهي تهتف باستغراب: "جلال سرحت وين إكده. بقولك هناكل إهنه ولا فوق في اوضتنا؟ سحب يده من قبضة يدها ورد ببرود وخنق: "أنا مش جعان ورايا شغل وماشي. كُلي أنتي." وبظرف لحظة كان يستدير ويبتعد متجهًا للخارج. لكن اصطدم بأمه التي سألته بتعجب:

"على وين إكده يا ولدي مش هتاكل ولا إيه. دي مرتك من صباحية ربنا واقفة في المطبخ بتحضرلك الوكل اللي بتحبه." ظهر الخنق على ملامحه وهو يقول بعدم اكتراث: "ورايا شغل ضروري. كلوا أنتوا بالهنا والشفا." قفلت جليلة طريقة ووقفت كالسد وهي تسأله بلطف رغم حزم سؤالها: "شغل إيه بس يا ولدي ده أنت عريس مش تاخد أجازة لأسبوع إكده تريح فيها راسك وتتبسط مع مرتك." تنهد الصعداء بنفاذ صبر ورد عليها بحدة ونظرة مريبة:

"الشغل مبيوقفش ياما عشان حاجة. خليني أمشي عاد عشان اتأخرت." أبعدها من طريقه بكل رفق وغادر ليترك زوجته تشتعل من فرط الغيظ بسبب تجاهله الدائم لها واستحواذ فريال على عقله طوال الوقت. أما جليلة أخذت تتابعه في نفاذ صبر وخنق وهي تقسم أنها لن تسمح لابنة ابراهيم أن تعود لابنها من جديد أبدًا. ***

كان بلال يجلس فوق إحدى المقاعد الخشبية أسفل المظلات بالجامعة وبيده هاتفه يضعه فوق أذنه يجري اتصال بأخيه وينتظر الرد منه. لم يحصل على رد منه فعاد يكرر الاتصال مجددًا وهو يتنهد بضيق. وبتلك اللحظات بينما كان يدور بنظره في الأرجاء حول بكل تلقائية سقطت عينيه على حور وهي تجلس بجوار نفس الشاب (ابن خالتها)

ويتبادلون أطراف الحديث بحميمية وجدية. أنزل الهاتف من على أذنه وثبت نظره عليهم يتابعهم بتركيز في نظرات مشتعلة. لا يفهم ما الذي يحدث له لكن تتأجج النيران بصدره كلما يراها تجلس مع ذلك الرجل وتُخلق رغبة شديدة في ثناياه أن يندفع نحوهم ويجذبها من جانبه مانعًا إياها من الحديث معه أو مع أي رجل غيره حتى.

شعر بالخنق من طول متابعته لهم وتزايد غضبه فهب واقفًا وسار مبتعدًا ينوي الدخول لمبنى الكلية حتى لا يراهم أمام عينيه ويفقد أعصابه أكثر. لم يكترث لصياح صديقه الذي كان يركض خلفه محاولًا اللحاق به. قبض على ذراعه واوقفه عنوة وهو يقول بانزعاج: "إيه ياعم بنده عليك ومطنشني في إيه؟ بلال باستياء محاولًا عدم النظر تجاه حور: "مش مطنشك يامؤمن بس مليش مزاج أتكلم ومتعصب." ضيق الآخر عينيه بحيرة وسأله في اهتمام:

"متعصب.. في حاجة حصلت ولا إيه في البيت عندك؟ انحرفت عيناه رغمًا عنه نحوها ورآها تضحك بقوة وسط حديثها معه. فتمالك انفعالاته ورد على مؤمن بغيظ مكتوم: "أنا داخل جوا عاوز تاچي تعالي عاوزة خلاص." رغم أن مؤمن لم يفهم ما سبب عصبيته المفرطة وتحوله المفاجيء هذا إلا أنه لحق به بسرعة ولم يتركه بمفرده. *** بمساء ذلك اليوم في تمام الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل...

كان يجلس بغرفة الجلوس الصغيرة الخاصة بعمران ويلقي بنظره من النافذة شاردًا الذهن وهو جالس فوق الأريكة. يعيد الساعات القليلة التي مرت من هذه الليلة عندما ذهب مع أبيه وعائلته وعمران ليتقدموا بطلب يد الفتاة التي اقترحتها عليه إخلاص ووافق.

تذكر كيف كانت مرتبكة وخجلة عندما دخلت الغرفة عليهم وهي حاملة فوق يديها صينية فوقها كاسات العصير. لم تتجرأ على رفع نظرها إليه من فرط حيائها وقدمت له العصير بعينين تدفنهم في الأرض. بتلك اللحظة لعن نفسه ألف مرة على ما سيفعله بتلك المسكينة. فتاة جميلة مثلها تستحق رجل يحبها ويصعد معها للنجوم من فرط عشقهم لبعض. لكن هو قلبه ليس بيديه ولن يستطيع منحها الحب. ليته لم يوافق من البداية قبل أن يدخل بقدميه لطريق ليس به عودة.

انتهى الأمر وتم تحديد كل شيء بجلسة واحدة حتى أن الخطبة ستتم بعد أسبوعين من اليوم. انفتح الباب ودخلت إخلاص. كانت تبحث عن عمران وظنته هنا. لكن عندما رأت بشار على هذه الحالة تنهدت الصعداء بحزن ودخلت لتقترب منه بخطواتها الهادئة وتجلس بجواره هامسة: "إيه يا ولدي أنت معجبتكش عروستك ولا إيه؟ تأفف بشار بقلة حيلة ومسح على وجهه وهو يردف بصوت مهموم:

"مش عاوز أظلمها ياما معايا ملهاش ذنب إني قلبي متعلق بواحدة تاني هبقى بخونها. أنا ندمان إني وافقت." اشتدت قوة نظرات إخلاص التي قالت بجدية ولين: "أنت عملت الصح يا بشار متقولش ندمان يا ولدي. إيه هتفضل عايش لحالك إكده طول عمرك لا معاك بيت ولا عيال عشان خاطر الست رحاب. بعدين إنت عرفت من وين إنك هتظلمها مش يمكن لما تخطبها وتعرفها تحبها وتنسى رحاب." بشار بشجن: "الموضوع مش بالسهولة دي ياما." إخلاص بحدة وإصرار كله ثقة:

"طول ما أنت مصعبه على نفسك هيبقى صعب. سيب روحك ومتفكرش في اللي جاي وادي لنفسك ولخطيبتك فرصة وأنا متوكدة إنك هتحبها. البت كيف البلسم تتحط على الجرح يطيب وانت شوفتها كيف كانت النهاردة." زفر بقوة وقال مغلوبًا في أسى: "صدقيني أنا نفسي وبتمنى أن اللي بتقوليه يحصل واقدر أحبها وانسى رحاب." ابتسمت إخلاص بحنو وقالت في أمل وسعادة:

"طالما أنت اللي بتقول إكده يبقى هيحصل أطمن. أنت دلوك متفكرش في حاجة وافرح بس وجهز لخطوبتك اللي بعد اسبوعين دي. عشان كمان لسا هننزل نشتري الشبكة للعروسة." بشار بنبرة خافتة ومتعبة: "أن شاء الله ياما أن شاء الله." اتسعت ابتسامتها أكثر ورتبت فوق كتفه بحنو ثم استقامت واقفة وسارت تجاه الباب لتتركه وتغادر الغرفة. *** داخل غرفة عمران....

فتح الباب بهدوء تام ودخل ثم أغلقه بنفس الطريقة وقاد خطواته للداخل لكنه توقف عندما وجدها تقف أمام الخزانة ترتب الملابس وهي مرتدية بنطال وبلوزة ضيقة دون أكمام. تفحصها بنظره في تلك الملابس الناعمة والجميلة بنظرات دقيقة لكنه غضن حاجبيه باستغراب عندما لاحظ ذراعها وجلدها الذي تلون بالازرق الداكن. وسرعان ما تبدلت ملامحه للحنق عندما تذكر شجارهم بالصباح وأنه كان يقبض على ذراعها بعنف والنتيجة أمامه الآن.

فاقت من شرودها وانتبهت لوجوده فانتفضت والتفتت برأسها للخلف تجاهه. وفورًا أسرعت تجذب شالًا من الخزانة تضعه فوق ذراعيها تخفي جسدها عن أنظاره وهي ترمقه بغيظ وانزعاج. فتأفف هو مغلوبًا واقترب منها ليقف أمامها مباشرة هاتفًا بلهجة حادة: "شيلي الشال ده ووريني دراعك." تراجعت خطوة للخلف وقالت بعناد في غضب: "ملكش صالح بيا." تنهد الصعداء ببرود مزيف ليجيبها في لهجة آمرة لا تقبل النقاش: "سمعتي قولت إيه! صاحت به في استياء شديد:

"مسمعتش ومش عاوزة أسمع منك حاجة. بعد عني ومتتكلمش معايا واصل." أنهت عبارتها وهمت بالابتعاد والفرار منه. لكنه منعها بذراعه الذي حاوطها من خصرها وجذبها نحوه لتصطدم بصدره. شهقت بصدمة وباللحظة التالية دون تفكير كانت تصرخ بصوتها المرتفع. فأسرع هو وكتم على فمها بيده صائحًا: "إيه الچنان ده اكتمي! دفعت يده عن فمها بقوة وصاحت وهي تحاول التملص من بين يديه: "بعد عني بدل ما أصرخ تاني والم البيت كله." ابتسم بسخرية ورد في غلظة:

"هتقوليلهم إيه عاد.. جوزي قرب مني ولا بيتحرش بيا! نظرت في عينيه بقوة وقالت في ثبات وغيظ: "أه هقولهم مش البيت كله عارف وضعنا كيف برضوا ولا إيه! فهم ما ترمي إليه فتجهمت ملامحه وتأفف بقوة. ثم راح يمد يده لينزع عنها الشال. لكنها صرخت وهي تحاول إبعاد ذراعه عن خصرها: "متلمسنيش بعد ياعمران." كانت تتلوى بين ذراعيه كالدودة مما أثار خنقه حقًا. فصرخ بها بعصبية: "ما تثبتي في إيه متخلنيش اتنرفز عليكي."

سكنت رغمًا عنها بسبب خوفها. وعندما نزع الشال عن كتفيها ارتجفت من فرط ارتباكها وخجلها. ثم وجدت أنه يمسك ذراعها ويرفعه برفق للأعلى حتى يتمكن من رؤية الزراق الذي فوق جلدها. ليهمس في جدية: "حطيتي عليه تلج؟ لوت فمها بخنق واستغلت فرصة تركيزه على ذراعها لتهرب من بين يديه بسرعة صائحة به بحرقة: "محطيتش حاجة ومتعملش روحك مهتم قوي. روح شوف بت عمتك واطمن عليها لتكون ماتت ولا جالها ارتجاج في المخ."

كانت تقول عبارتها الأخيرة باستهزاء. بينما هو فاظهر ثبات أنفعالي تام وقال في برود متعمد: "شوفتها وكنت عندها اطمني. واعملي حسابك إنك هتروحي تعتذري منها على اللي عملتيه النهاردة ولما حبستيها." ضحكت بقوة في سخط هادر وراحت تجيبه بكل سخرية: "مش عاوز أحب على يدها كمان وأقعد تحت رجليها وأترجاها تسامحني."

استدارت وولته ظهرها وهي تندفع نحو الحمام. لكنها شهقت بفزع عندما شعرت بذراعه من جديد وهذه المرة حاوطها به وقربها لتلتصق بصدره. وهو يقف خلفها وينحنى بوجهه عليها من الخلف يهمس في أذنها بنبرة أربكتها بشدة: "لما حبستيها كنتي غيرانة ومش عاوزاها تروح معايا. والنهاردة الله أعلم حصل إيه خلاكي تعملي إكده بس أكيد ليه علاقة بغيرتك اللي مش عاوزة تعترفي بيها."

ارتجفت بين يدها لكن حاولت البقاء صامدة والتفتت برأسها له لتصبح في مواجهة وجهه مباشرة وتقول مبتسمة بجفاء: "أنا مش بغير غير على الناس اللي بحبهم ياعمران وأنت مش من ضمنهم. يعني متوهمش روحك على الفاضي."

ابتسم مستنكرًا ردها الكاذب. وكان سيثبت لها بطريقته الخاصة كذب ما تدعيه. لكن قطع اللحظة صوت رنين هاتفه. وهي بلحظة ابتعدت عنه واسرعت للحمام تلوذ به من بين براثينه. بينما هو فتابعها مبتسم بمكر ثم أخرج هاتفه وراح يجيب عليه بجدية. *** بصباح اليوم التالي......

منذ أيام يزورها دوار قوي ورغبة شديدة في التقيؤ. ببداية الأمر أقنعت نفسها أنه ربما حمى أو تعب وإرهاق. لكن مع تكراره يوميًا بدأت تشعر بالقلق خصوصًا أنها ليست المرة الأولى التي تراودها فيها هذه الأعراض. فقد تعرضت لها مرتين من قبل والآن الثالثة!

حسمت قرارها وقررت الخروج والذهاب للصيدلية حتى تشتري اختبار الحمل وتتأكد من شكوكها. كانت بطريقها للعودة للمنزل بعد انتهائها. لكنها توقفت على أثر صياح ابنها الصغير عليها. وحين نظرت إليه رأته داخل سيارة والده. وفورًا نزل منها هو وشقيقه وركضوا نحوها يحتضونها بقوة. فضمتهم هي بحنو ولثمت رأس كل منهم في حب هامسة: "عاملين إيه يا حبايب قلبي." رد عمار بحماس طفولي: "أبوي هياخدنا النادي زي كل أسبوع ياما تعالي معانا."

رفعت نظرها وتطلعت لجلال الذي كان يتمعنها بأسى. وسرعان ما اخفضت رأسها ونقلت نظرها بين أولادها مبتسمة بدفء: "مش هينفع يا حبايب قلبي خليها مرة تاني هاخدكم ونروح مع بعض. دلوك مش هينفع." أخذوا يلحوا عليها ويترجوها أن توافق. وهي تقف عاجزة أمامهم لا تستطيع الرد لا بالموافقة ولا الرفض. وبعد ثوانٍ كان جلال يتقدم نحوهم ويقف يهتف بهدوء: "يلا يافريال متزعليش العيال طالما عاوزينك تاچي معاهم."

رمقته بنارية وكره. بينما الأولاد فقد وثبوا بفرحة بعد عبارة والدهم وامسكوا بيد أمهم يجروها نحو السيارة لتضحك هي مغلوبة وتردف: "طب خلاص سيبوا يدي هركب لحالي." تركوها أمام باب المقعد الأمامي مباشرة لتضحك هي عليهم. ثم تفتح الباب وتستقل بالمقعد ويسرعوا هما ليستقلوا بالمقعد الخلفي. كانت تتجاهل النظر في وجهه. وأن فعلت فلم يكن يرى شيء في عينيها سوى النقم والنفور مما يزيد من نزيف قلبه وألمه. همس لها بصوت منخفض

دون أن يصل لأذن أولادهم: "على الأقل متعمليش إكده قصاد العيال يافريال أبوس يدك." نظرت له بنارية وهتفت في اشمئزاز وغضب: "أنت احمد ربك أصلًا لولا العيال مكنتش ركبت جارك ولا لساني خاطب لسانك واصل. كرهت وشك ومبقيتش طايقة أشوفك."

لم تفشل هذه المرة أيضًا بطعنه في أعماق قلبه بكلماتها الناقمة والقاسية. ليتطلع إليها بوجع وبعينيه توسل أن لا تقول هكذا وتطعنه بسهامها المسمومة. لكنها حتى لم تنظر له واشاحت بوجهها بعيدًا عنه. ليتنهد هو في قلة حيلة ويثبت نظره على الطريق محاولًا البقاء صامدًا.

توقفت السيارة بعد دقائق طويلة أمام النادي الاجتماعي ونزل الأولاد أولًا بكل حماس. ولحق بهم جلال وأخرهم كانت فريال التي فتحت الباب. وفور نزولها داهمها نفس الدوار العنيف وكاد أن يحتل توازنها لولا أنها أسندت يدها على باب السيارة. هرول هو نحوها مفزوعًا وحاوطها بذراعيه هاتفًا في قلق واهتمام: "فريال مالك.. اخدك للدكتور ياحبيبتي." دفعته بعيدًا عنها بعنف هاتفة في نبرة منخفضة حتى لا تصل لأذن الأطفال:

"اوعاك تقرب مني ولا تلمسني تاني فاهم ولا لا يا جلال. وقريب قوي هتطلقني أنا مش هكمل مع راجل خاين كيفك." لوى فمه بأسى لكنه همس بجدية: "فريال مش وقته الكلام ده دلوك مش قصاد العيال." تطلعت إليه بسخرية. ثم انتبهت على صوت معاذ وهو يسألها باهتمام: "إنتي كويسة ياما؟ أمسكت بيده وقالت مبتسمة: "كويسة يا حبيبي يلا عشان ندخل النادي وتلعبوا أنت وأخوك."

أمسكت يد كل واحد منهم من جهة وسارت معهم للداخل. ولحق هو بهم في وجه يظهر فوق معالمه الهم والحزن بوضوح. جلسوا بالداخل على مقاعد مقابلة لبعضها حول طاولة متوسطة. والأولاد ذهبوا ليلعبوا. كانت هي تتابعهم دون أن تحيد بنظرها عنهم وتتجاهله بشكل كامل كأنه غير موجود. على عكسه هو الذي كان يتأملها بشوق وحب امتزج بحزنه وندمه على ما فعله. بعد دقائق قصيرة وجدها توقفت فجأة فسألها بتعجب: "رايحة وين؟ قالت دون أن تنظر

له وهي تجذب حقيبتها معها: "الحمام في مانع." لم يعقب واكتفى بمتابعتها وهو يراها تسير تجاه الحمام كما قالت. بعد حوالي عشر دقائق داخل الحمام خرجت وهي تمسك بيدها اختبار الحمل الذي يعطي نتيجة إيجابية. وعلى عكس المتوقع بدل من أن تصاب بنوبة سعادة غامرة انهمرت دموعها فوق وجنتيها بغزارة في قهر وألم. وما ساعدها على البكاء براحة أكثر أنها كانت بمفردها في الحمام ولا يوجد أحد معها.

مر على بقائها بالداخل حوالي خمس عشر دقيقة وربما أكثر. وبعد أن تمالكت نفسها بصعوبة وغسلت وجهها قررت الخروج من جديد. وكان مازال بيدها الاختبار. لكن عندما فتحت الباب رأته يقف على مسافة بعيدة نسبيًا من الحمام ينتظرها. *** خرجت آسيا لشراء بعض مستلزماتها الشخصية. وبينما كانت بطريق عودتها للمنزل توقفت عندما لمحت خلود. فابتسمت بشيطانية وانتصبت في وقفتها لتصبح أكثر شموخًا وعنجهية. ثم سارت خلفها. وعندما اقتربت

منها هتفت منادية عليها: "خـلـود"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...