فتحت عينيها بفزع وانتفضت جالسة فوق المقعد الذي لازمته منذ أمس وغفيت عليه دون أن تشعر. تلفتت برأسها في أرجاء الغرفة ولم تجده، فتنهدت مطولًا براحة واعتدلت في جلستها، ترفع كفها لعنقها تدلكه بلطف وهي تتمايل برأسها يمينًا ويسارًا بفعل الألم الذي يعصف بعظامها. توقفت بعد لحظات وقادت خطواتها البطيئة تجاه الحمام لتغسل وجهها. وبينما كانت بطريقها، توقفت للحظة تتطلع بذلك الجلباب الأسود الذي ترتديه منذ أمس، فتأففت وعادت مجددًا لحقيبتها، تفتحها وتخرج منها عباءة منزلية مطرزة باللون الأزرق وبأكمام واسعة وطويلة. وأخرجت معها بقية ملابسها الداخلية وذهبت للحمام لكي تأخذ حمامًا دافئًا.
داخلت وأغلقت الباب بإحكام خلفها، تحسبًا لوصوله بأي لحظة، وقد قررت بأنها ستأخذ حمامًا سريعًا قبل أن يعود. وقفت أسفل المياه ساكنة دون حركة، تترك الماء تطهرها من الأيادي التي انهالت عليها تنوي قتلها دون ذنب. تركتها تمحو الشوائب المبعثرة في نفسها المقهورة، تنظفها لتعيدها لحالتها اللامعة مرة أخرى، وتطرد عنها الأتربة التي كادت تملأها لرأسها وتخنقها.
خرجت من الحمام بعد دقائق قصيرة، ثم توجهت نحو المرآة المعلقة في باب الخزانة وأخرجت فرشاة الشعر خاصتها وبدأت في تسريح شعرها وهي تتأمل ملامحها الذابلة. لكنها مازالت تحتفظ ببأسها وقوتها رغم الحزن. استقرت عيناها على شفتيها المتورمة وأسفل عينيها الذي يميل للأزرق، فلمعت عيناها بالعبرات، لكنها أسرعت وجففتهم رافضة المزيد من الضعف. واستمرت يداها تسير بالفرشاة على شعرها بهدوء تام وملامح وجهها أصبحت جامدة، فقط تتطلع لانعكاس صورتها ببرود.
انتبهت حواسها على أثر طرقة الباب الرقيقة، ومن بعدها انفتح وظهرت من خلفه فريال التي دخلت وأغلقت الباب خلفها، ثم تسمرت بأرضها تتطلع بآسيا وبوجهها في صدمة. إن كان الشك يأكلها، فالآن هي متيقنة أن الأمر لم يكن مجرد زواج من أجل إنهاء حرب بين عائلتين. رمقتها آسيا مطولًا بثبات قبل أن تشيح بوجهها مجددًا وتكمل تسريح شعرها، وهي تهتف ببرود غريب:
_إيه چاية تشمتي فيا يافريال.. بس عندك حق تشمتي، أنا نفسي مش فاهمة كيف في يوم وليلة كل حاجة حصلت ولقيت نفسي في الآخر في بيت أبوكي. البيت اللي رجلي حرمت تعتب عتبته من بعد ما أبويا اتقتل وكان بنسبالي محرم عليا. وأخوكي اللي كنت بتوعدله ومبطيقش ابص في وشه، اديني في اوضته دلوك.
الذهول كان يستحوذ على فريال التي لا تحيد بنظرها عن آسيا، تتمعن حالتها المزرية وتستشعر القهر في نبرة صوتها القوية رغم كل هذا. فتقدمت منها بتريث ووقفت بجوارها تسألها بترقب: _عملتي إيه يا آسيا؟ رمقتها بنظرة لا روح بها، كأنها شبح يستعيد أنفاسه ليعود للحياة، وقالت باسمة بشيطانية: _صدقيني أنا لغاية دلوقتي معملتش حاجة، كل ده كان لعب عيال. ضيقت عيناها باستغراب وقلق من كلماتها الغامضة، فعادت تلقي عليها سؤالًا مختلفًا:
_اتجوزتي عمران ليه وكيف جلال وافق؟ أنا عارفاه زين، مستحيل يوافق يرمي اخته عشان مصالح! ابتسمت آسيا ساخرة وردت بشراسة: _ليه متروحيش تسألي أخوكي، أصله محرج عليا متنفسش بدون إذنه. ولو قولت حاجة يمكن يعلقلي حبل المشنقة.
كانت تتحدث بكل استهزاء، تخبرها بخوفها وأوامر أخيها، لكن نبرتها ونظراتها تثبت العكس وأنها لا تكترث له. فأشاحت فريال بوجهها عنها تتأفف بنفاذ صبر بعدما أدركت أنها لن تستطيع الحصول على معلومة مفيدة منها حول حقيقة زواجها هي وأخيها، فقررت تسألها لآخر مرة، لكن هذه المرة بنظرات ثاقبة: _وإيه اللي عمل في وشك كده؟ تقوست ملامحها بضيق وردت مقتضبة: _وقعت من على السلم.. أنتي جاية تحققي معايا ولا إيه يافريال؟ فريال بحزم:
_مش بحقق يا آسيا، لكن اللي بيحصل ده مش عادي عليا، ومتأكدة أن في حاجة منعرفهاش.. اللي قصادي مش آسيا اللي أعرفها. آسيا بنظرة مميتة وجديدة تمامًا، كلها جبروت: _صح، ومن هنا ورايح هتشوفوا آسيا جديدة. ملكيش صالح بيا وركزي على نفسك. هتفت بتساؤل وجدية: _اركز على نفسي في إيه؟ آسيا في عين ثابتة ونبرة تضمر خلفها خبايا وأسرار:
_يعني ارجعي لجوزك قبل ما تخسريه وتاجي تبكي وتنوحي كيف الحريم اللي عجناها اتكب. أنتِ أول واحدة هتندمي، ويمكن محدش هيندم غيرك.. جلال مش هيقعد يبكي وراكي كيف الحريم، حتى لو بيعشقك. انقبض قلب فريال وتوغل الخوف لها، فراحت تسألها بعدم فهم واضطراب: _قصدك إيه يعني؟ ابتعدت آسيا عنها وردت بنظرة جانبية باردة: _مسيرك تفهمي قصدي لو فضلتِ في صف أبوكي القاتل.
رغم الرعب الذي استحوذ عليها من إمكانية خسارتها لزوجها، إلا أنها رفضت الاستماع لصوت قلبها مجددًا ولم تكترث لكلام آسيا، لترد عليها بغضب رافضة تصديقها: _شكل الحزن والضيق سيطر عليكي وبقيتي تخرفي. أنا ماشية. أنهت عباراتها واندفعت لخارج الغرفة، تترك آسيا تتابعها ببسمة ساخرة وهي تنعتها بالحمقاء! *** كان يجوب الغرفة إيابًا وذهابًا، ودمائه تغلي في عروقه كلما يتذكر حديثه مع إبراهيم، والذي أنهاه برده عليه كالآتي: _وأنا مش هطلق.
اتاه الرد الغاضب من إبراهيم: _كيف يعني مش هطلق! هتف جلال برد مفحم وقاسٍ: _كيف ما سمعت، طلاق مش هطلق، وخلي بتك عندك طالما هي عاوزة تتطلق.
ولم يمهله اللحظة ليجيب عليه، بل أنهى الاتصال وألقى بالهاتف على الفراش وهو يزفر النيران من بين شفتيه. حتى الآن، هو لا يصدق أنها تخلت عنه بكل هذه السهولة وتريد الانفصال الأبدي. كان يقنع نفسه بالبداية أنها مجرد نوبة غضب وستمر، ثم تعود له مجددًا. ورغم سخطه ونقمه على فعلتها، إلا أنه كان على استعداد أن يسامحها أن عادت له نادمة واعتذرت عن خطأها. لكن اتضح أنها ليست مجرد نوبة غضب، بل هجر. لم تخطئ دون وعي وبلحظة ضيق، بل كانت عن عمد ومدركة تمامًا أنها تتركه بمنتصف الطريق وتهدم سور العشق والحياة التي أسسوها معًا. حنثت بكل وعودهم، ودعست على قلبه وكبريائه وعشقه لها بقدمها.
توقف، ثم رفع كفه يمسح على وجهه وهو يزفر أنفاسه الساخنة والموجوعة. اقترب من الفراش وجذب هاتفه ومفاتيحه، ثم دسهم بجيب جلبابه واندفع لخارج الغرفة بعدما حسم قراره الذي لا عودة منه. نزل درجات السلم حتى وصل للطابق الأرضي، فوجد أمه تجلس فوق الأريكة وتنظر من النافذة شاردة في المارة بالشارع. أخذ نفسًا عميقًا وتقدم منها يجلس بجوارها، ثم ينحني ويلثم رأسها بحنو متمتمًا: _صباح الخير ياما. التفتت له جليلة وابتسمت بدفء هاتفة:
_صباح النور ياحبيبي. احتضن جلال كف أمه وسألها باهتمام وخفوت: _كيفك دلوقتي؟ أجابت بهدوء مبتسمة ببعض الحزن: _زينة الحمدلله، اطمن يا ولدي. هز رأسه بإيماءة بسيطة وهو يردد "الحمدلله". ثم استحوذ عليه الصمت لبرهة من الوقت وهو يفكر. مما أصابها بالريبة وسألته بتعجب وقلق: _في حاجة ولا إيه يا جلال؟ خرج عن صمته وتطلع لأمه بثبات يجيبها بثبات: _بت ياسر الجزار هي اللي كنت عاوزاني اتجوزها؟
اتسعت عينا جليلة بصدمة وراحت تتطلع في ابنها بعدم استيعاب، ولم تجبه، فقط هزت رأسها بالإيجاب بسبب دهشتها. فوجدته يكمل بنظرة كلها قسوة تحمل الوعيد والغضب: _وأنا موافق. كلمي أمها وشوفوا يوم عشان نروح نطلبها، بس اصبري يومين كده أظبط أموري وبعدين هقولك كلميها. لمعت عينا جليلة بفرحة وقالت بحماس: _صح يا جلال موافق تتجوز؟ حين لم تجد ردًا منه سوى الصمت وجمود الملامح، فتابعت بخبث:
_مش هتندم، صدقني البت قمر وهتنسيك كل حاجة وهتسعدك. لم يكترث لوصفها لتلك الفتاة ولم يبدِ أي ردة فعل، حيث استقام واقفًا يهم بالرحيل، لكنها أوقفته بعبارتها المتشفية والحاقدة: _مكنتش تستاهلك بت إبراهيم، وقولتلك مليون مرة دي ملهاش أمان كيف أبوها وناسها. خليها تتحسر دلوقتي أنها خسرت زين الرجال، لو لفت الدنيا من شرقها لغربها مش هتلاقي راجل كيفك.
ألقى على أمه نظرة مريرة تحمل السخط على زوجته التي هجرته. ثم استدار واندفع لخارج المنزل بأكمله، يترك جليلة تبتسم بلؤم أنها نجحت في تحقيق رغبتها. *** داخل زوايا غرفة عمران بمنزل إبراهيم الصاوي...
عيناها كانت عالقة على فراشه أمامها، تتمعنه باشمئزاز. رغم الآلام التي تعصف بجسدها بسبب جلوسها الدائم على الكرسي ونومها عليه بالأمس، إلا أنها مازالت تكابر وترفض لمس فراشه والنوم عليه. حين وجدت الألم اشتد عليها، تنازلت بعض الشيء واستقامت تتحرك نحو الفراش، ثم جذبت وسادته واستدرت تهم بالعودة لمقعدها مجددًا حتى تضع الوسادة خلف ظهرها. لكنها رفعتها لأنفها بتلقائية، فتغلغلت رائحته وضربت برأسها من شدتها. نفرت بسرعة وأبعدت الوسادة، ثم ألقت بها على الفراش مجددًا
وهي تهتف بقرف: _استحمل الألم أحسن.. أساسًا مش هقعد هنا كتير، هو اليوم ده الأخير. انفتح الباب فجأة، فأصابتها نفضة بسيطة وأسرت ترفع غطاء شعرها فوق رأسها وعيناها عالقة على الباب الذي ظهر هو من خلفه بقامته الطويلة وهيبته المعتادة. حين سقطت عيناه عليها وهي تقف بمنتصف الغرفة بجانب فراشه، هكذا ضيق عيناه وسألها بغلظة: _واقفة عندك كده ليه؟ لم تجبه واكتفت بنظرتها المشتعلة، بينما هو فاحتدمت نظرته لها عندما لم تجيب،
مما دفعها للرد مجبرة: _إيه كمان هتتحكم في وقفتي؟ أوقف فين ولا كيف؟ رمقها بحدة ولم يجيبها، فلم يكن في مزاج للعصبية أبدًا. ثم نزع عنه عباءته واتجه نحو الحمام وهو يلقي عليها أوامره هاتفًا: _هطلع من الحمام وهننزل عشان الغدا تحت. ردت برفض قاطع وغضب: _عاوزة آكل ولا أقعد معاكم على صينية واحدة. توقف والتفت برأسه للخلف يحدقها بقوة، ثم استدار واقترب منها يهتف: _إيه ناوية تقعدي من غير أكل كتير لغاية ما تموتي؟
طالعته بصلابة وهتفت بشموخ: _ملكش صالح بيا. لوى فمه بغيظ وهو يحاول تمالك أعصابه حتى لا ينفعل، وقال يعيد توجيه أوامره، لكن هذه المرة دون أن يعطيها مجالًا للرفض: _مش هعيد كلامي تاني. لفي طرحتك زين لبين ما اطلع من الحمام عشان ننزل. ومعاوزش اسمع لا دي يا آسيا، الكلمة تتنفذ من أول مرة. هتفت منفعلة رغم اضطرابها منه: _قولتلك مش هنزل.
أظلمت عيناه ولاحت بشائر عواصفه المخيفة، فأدركت أن لا مجال لها للرفض والعناد، فقررت اللجوء للحل البديل وقالت بصوت محتقن وهي تشيح بوجهها بعيدًا: _مش هنزل قصاد حد بالمنظر ده ياعمران. دقق النظر في وجهها من الجانب، فوجد أن تورم شفتيها هدأ تمامًا، ولم يتبقى سوى أثر بسيط من التورم أسفل عينيها، فقال بحزم: _مفيش حاجة في وشك، الورم اللي شوفته امبارح خف ومحدش هيلاحظ. البسي واجهزي يلا.
تابعته بنظراتها النارية وهو يختفي عن أنظارها داخل الحمام. وراحت تشتم في خالد الذي لم ينفذ مهمته كاملة. ربما لو فعلها لم تكن لتقف أمامه وهي زوجته وتتلقى منه الأوامر ومجبرة على تنفيذها خشية منه، حتى لو لا تعترف لنفسها بأنها تخشاه، لكنها الحقيقة للأسف. اقتربت من المرآة المعلقة على باب الخزانة ووقفت أمامها تلف حجابها فوق شعرها بإحكام. ثم أخذت تدقق النظر في وجهها وفي التورم الذي أسفل عينيها لتهز رأسها بالنفي هاتفة:
_لا مش هنزل قصادهم كدا. ثم التفتت برأسها للخلف نحو الحمام تفكر فيما سيفعله حين تصمم على عدم تناول الغذاء معهم ومرافقته للأسفل. تأففت بصوت عالي وفكرت بحل أسهل حيث اندفعت لخارج الغرفة بسرعة وأخذت تتلفت حولها في الطابق تتأكد من عدم وجود أحد. ثم تحركت تجاه غرفة فريال بسرعة وراحت تطرق على الباب بقوة حتى فتحت لها فريال الباب والتي رمقتها بدهشة. لكن آسيا لم تمهلها اللحظة لتندهش حيث دخلت بسرعة قبل أن يراها أحد وأغلقت الباب.
تراجعت فريال خطوة للخلف وهتفت بحدة: _في إيه يا آسيا مالك؟ سألتها مباشرة بجدية: _عندك مكياچ؟ غضنت فريال حاجبيها باستغراب دون أن تجيب. فعادت تسألها مجدداً بخنق: _عندك ولا لا؟ هتفضلي تبحلقي فيا كتير! ردت فريال بعدم فهم: _عندي بس عاوزاه ليه؟ طالعتها آسيا بصمت مطول دون أن تجيب وملامح وجهها مختنقة ترسل لها إشارات بعيناها لتفهم سبب رغبتها به. ارتفع حاجبي فريال بعدما فهمت وسألتها مرة أخرى باستغراب: _طب وعاوزة تحطيه ليه؟
أنتي مش قاعدة في الأوضة ومحدش بيدخل عليكي أصلًا!! تأففت بنفاذ صبر وقالت بسخط واغتياظ: _اخوكي چابرني انزل تحت اقعد معاكم على الغدا وأنا مهنزلش بالمنظر ده طبعاً. لساتك هتسألي حاجة تاني كمان ولا لا. استحوذ الذهول على فريال وهي تتمعن بها. تلاحظ اضطراب آسيا التي لا تخشى أحد وهي تتحدث عن إجبار أخيها لها لتنفيذ أوامره وتبحث عن حلول بدلاً من رفض رغبته بكل سهولة كما تفعل مع الجميع وتفرض سيطرتها عليهم.
رغم عنها فشلت في حجب ابتسامتها التي ارتفعت لثغرها. اشتعلت عين آسيا حين رأت ابتسامتها وهتفت بشراسة: _بتضحكي علي إيه! أخفت ابتسامتها بصعوبة وقالت بنبرة عادية وهي تشير لها بعيناها على مكان أدوات التجميل: _ولا حاجة. المكياچ عندك علي التسريحة أهو خدي اللي تعوزيه وحطي. القت عليها آسيا نظرة كلها غطرسة واتجهت نحو طاولة التزيين وبدأت تأخذ بعض أدوات التجميل المناسبة وتضع منها فوق وجهها تخفي آثار الكدمات والتورم.
وفريال تقف تتابعها عاقدة ذراعيها أسفل صدرها وهي تبتسم. لا يمكنها الإنكار أنها شعرت بالتشفي، فهي تستحق رجل كعمران حتى يعيدها لصوابها كلما خرجت عن حدودها الحمراء. انتهت آسيا وأخفت كل الآثار عن وجهها تماماً ثم استدارت وقالت لفريال بهدوء: _شكرًا. هزت رأسها لها فقط وهي تبتسم هاتفة بخبث: _عشنا وشوفنا اليوم اللي نشوفك فيه خايفة وبتنفذي الكلام بالحرف يا آسيا. التهبت نظراتها وهتفت بعصبية شديدة وحدة:
_أنا مخيفاش من حد يافريال أنا سايبة أخوكي يعمل اللي هو عاوزه بمزاجي. خلي بالك من كلامك زين. هزت فريال رأسها مبتسمة وهي تتصنع تصديق كلامها وتقول مستنكرة: _إيوة واضح من غير ماتقولي. رمقتها آسيا شزراً واندفعت لخارج غرفتها ودمائها تغلي في عروقها من الغيظ. وفور وصولها لغرفة عمران وفتحت الباب اصطدمت به فارتدت للخلف بفزع. وإذا بها تشعر بيده الفولاذية تقبض على رسغها يجذبها للداخل ويغلق الباب صائحاً: _كنتي وين؟
انتشلت يدها من قبضته وصاحت بغضب رغم توترها منه: _هو أنا محبوسة ولا إيه والمفروض مطلعش من الأوضة يعني! صر على أسنانه وهتف بنظرة تحمل الإنذار: _لما أسالك تچاوبي على قد السؤال من غير لف ودوران. ردت بنبرة مقتضبة ومستاءة: _روحت لفريال اخدت منها مكياچ عشان اداري اللي في وشي. دقق في وجهها فلاحظ وجود القليل من أدوات التجميل فتلونت عيناه بالأحمر القاتم وقال بلهجة تدب الرعب في القلوب: _وأنتي بتمشي من دماغك.
مين قالك إني كنت هوافق تحطي القرف ده وتنزلي بيه قصاد الكل. صاحت منفعلة بتحدي وتصميم: _وأنا مش هنزل غير إكده. مش هسمح اخليهم كلهم يتفرچوا عليا ويشمتوا فيا. أنا عمري ما خليت حد يشوفني ضعيفة ولا مكسورة فمش هتاجي أنت وتچبرني اطلع قصاد ناسك اللي قتلوا أبويا وأبان قصادهم مكسورة. رأت قسمات وجهه تقوست بشكل مخيف وخرج صوته الرجولي يقول: _كنت ممكن أوافق لو اتكلمتي بأدب وصوتك معليش عليا.
لكن بعد اللي عملتيه ده غصبن عنك هتخشي تغسلي وشك. هدرت بعناد تتحداه في شجاعة: _مش هغسله ياعمران. ارتفع حاجبه باستنكار وحدة من عنادها معه فقرر تأديبها بطريقته الخاصة. حيث انحنى بجزعه للأمام وحملها فوق ظهره عنوة متجه بها نحو الحمام وسط مقاوماتها وصياحها به وهي تضربه بكفيها على ظهره حتى يتركها لكن دون جدوى.
ولم ينزلها سوى أسفل صنبور مياه الاستحمام ودون أن يمهلها اللحظة لتحاول الفرار منه فتح المياه الدافئة لتنهمر فوق جسدها كله فشهقت هي بزعر وصابتها نفضة بسيطة من اندفاع المياه عليها وبتلقائية راحت تمسح وجهها حتى تتمكن من التنفس والرؤية وتصرخ به: _أنت مچنون! بعد عني. راحت تصرخ به بهستيريا وهي تضربه فوق صدره تفض كل ما بنفسها من غضب وقهر: _بعد بقولك اوعاك تلمسني تاني.
كانت تلهث أسفل المياه وهي تتطلع إليه بشراسة حتى وجدته ينحني عليها ويمد يده خلفها يغلق الصنبور ثم يعتدل ويقول بنبرة عنيفة: _دلوك تقدري متنزليش هخليهم يچبولك الأكل إهنه. لكن ده كان أدب ليكي عشان تتعلمي تردي عليا زين بعد إكده وتبطلي قولة لا دي. هتتعلمي غصبن عنك تقولي حاضر يا آسيا ومتحطيش راسك براسي وكلمتي تتنفذ طوالي. احتقنت نظراتها وتجمعت العبرات في عيناها بحرقة لكنها شدت على محابسهم جيداً لتقول له بصوت مبحوح
وهي تتفادى النظر إليه: _اطلع برا وهملني عشان اغير هدومي. القى عليها نظرة متفحصة ثم استدار وغادر يتركها بمفردها في الحمام تبكي بصمت. ولم تلبث سوى دقائق قصيرة حتى خرجت فلم تجده. اتجهت نحو حقيبتها واخرجت ملابس جديدة ثم عادت للحمام لكي تبدل ملابسها المبتلة. *** كانت حور تسير خلف صديقتها التي تجرها عنوة وتهتف لها بخنق متأففة: _يابنتي سبيني هستناكي تحت أنا إيه اللي يخليني احضر معاكي أنتي في رابعة وأنا تالتة. التفتت
لها صديقتها وقالت باصرار: _وتقعدي وحدك ليه تحت في الكافتريا احضري معايا وونسيني بدل ما اقعد وحدي. تنفست حور الصعداء بعدم حيلة وقالت في خوف: _طيب والدكتور لو عرف إني مش معاكم هيزعق ويبهدلني صح. قالت نافية في إيجاز: _لا مش هيزعق ومش هيعرفك أصلًا. اخلصي بقى ياحور احسن ميدخلناش احنا الاتنين. زفرت بقوة مغلوبة ووقفت خلف صديقتها التي طرقت باب القاعة وفتحته وبمجرد ما أشار لها الأستاذ بالدخول دخلت وكانت هي خلفها مباشرة.
ولسوء حظهم أنا القاعة كانت ممتلئة كلها ولم يجدوا سوى مقعدين في المنتصف. دخلت حور أولاً وجلست وبجوارها صديقتها. وجهت تركيزها مع الأستاذ رغم أنها لا تفهم شيء من دروس الهندسة المعقدة إلا أنها انتبهت خوفاً من أن يحرجها أمام الجميع إذا وجدها غير منتبهة. وبعد دقائق طويلة نسبياً وجدت قلم سقط أسفل قدميها من صاحب المقعد المجاور لها فانحنت بتلقائية تلتقطه لكي تعيده له.
وحين رفعت رأسها ومدت يدها بالقلم صابتها الصدمة وارتبكت فسقط القلم من يدها مرة أخرى. طالعها بلال بحيرة ولم يتمكن من حجب ضحكته التي أظهرت أسنانه البيضاء بوضوح. يضحك عليها وعلى منظرها حين اسقطت القلم مرة أخرى. بينما هي فلم تفق سوى على صوت الأستاذ الذي هتف بغضب: _اتفضل برا يا أستاذ ياللي بتضحك في النص أنت. أدرك بلال أنه يقصده هو فلم يجادل معه وتوقف بكل هدوء وسار لخارج القاعة. وإذا به يسمع الأستاذ يكمل:
_وأنتي معاه مش كنتوا بتتكلموا؟ اتفضلوا كملوا كلامكم برا. تلفتت حور حولها بدهشة وهي تشير إلي نفسها بعدم استيعاب فوجدت الرد مفحماً من الأستاذ وهو يصيح: _أيوة أنتي هو في حد غيرك كان جمبه اتفضلي يلا متعطلوناش. نظرت لصديقتها التي عاتبتها بنظراتها فهزت حور كتفيها بعدم حيلة واستقامت واقفة تسير للخارج تلحق به. كان هو يقف خارج القاعة ينتظرها وفور خروجها رمقها رافعاً حاجبيه يتصنع الضيق لأنها كانت السبب في طرده من محاضرته.
حين رأت تلك النظرة في عيناه أطرقت رأسها أرضاً بإحراج وتقدمت نحوه بخطا متوترة متمتمة: _آسفة مكنتش أقصد والله اخليك تتطرد بسببي. بلال بجدية وخنق مزيف: _أنتي مكملتيش عشر دقايق واتطردتي وطردتيني معاكي. زمت شفتيها بإحراج شديد وهي تجفل نظرها تخجل من النظر إليه حتى سمعته يقول مازحاً بضحك: _أنتي ملكيش ذنب العيب على القلم اللي وقع صح هو السبب! رفعت نظرها وحين رأته يضحك هدأ توترها وقالت براحة:
_الحمدلله يعني أنت مش مضايق.. لو مضايق ممكن ارجع وأقول للدكتور أنا اللي اتكلمت وأخليه يدخلك.. بجد والله مش بهزر. قهقه بصوت عالي وهتف من بين ضحكه: _دي جامعة مش فصل خامسة ابتدائي عشان تدخلي تقوليله أنا اللي اتكلمت معلش دخله تاني. ضحكت لكنها ردت بغيظ بسيط : _أنت بتتريق!! بلال مبتسماً بكل لطف: _لا طبعاً مقصدش أنا بهزر بس. أماءت بتفهم وقالت في رقة جميلة: _طيب أنا هنزل تحت وآسفة مرة تاني.
هز رأسه لها بالموافقة وتحركت خطوة بعيداً عنه ثم توقفت والتفتت له تهتف بخجل وتوتر : _أنت اسمك محمد صح؟ ابتسم لها بعدما فهم محاولاتها البريئة لمعرفة اسمه ليقول بلؤم: _لا بلال! شعرت أنه كشف خدعتها السخيفة فقالت بتلعثم: _أه تشرفت يابلال. بخفوت ونبرة رجولية قوية: _أنا اكتر ياحور! أرسلت بسمة سريعة ثم اندفعت وسارت مبتعدة عنه من فرط خجلها وتوترها.
لكنها توقفت فجأة بعدما اختفت عن أنظاره وأدركت جملته الأخيرة عندما ودعها باسمها. اتسعت عيناها بذهول محاولة فهم كيف عرف اسمها فهي لم تخبره! *** صعد بشار الدرج قاصداً الطابق الأخير من المنزل تحديداً بالسطح لكي يأخذ شيء وبيده هاتفه يضعه فوق أذنه يتحدث مع أحد الرجال بأمر يخص العمل.
وفور وصوله سقطت عيناه على ابنة عمته رحاب التي تجلس فوق الأريكة الخشبية وتبكي بصمت فغضن حاجبيه بتعجب وتمكن منه القلق فانهى اتصاله بسرعة واقترب منها هاتفاً: _رحاب!! انتفضت بفزع على أثر صوته ومالت برأسها للجانب بعيداً عنه تكفكف دموعا بسرعة في توتر. بينما هو فجذب مقعد وجلس أمامها مباشرة يسألها باهتمام: _بتبكي ليه؟ في حد ضايقك ولا عملك حاجة؟ هزت رأسها بالنفي دون أن تنظر له بسبب إحراجها من رؤيته لها وهي تبكي. أما
هو فتابع بجدية بسيطة وقلق: _طب أمال في إيه قلقتيني! خرج صوتها ضعيف ومبحوح وهي تقول: _مفيش حاجة يابشار أنا شديت مع أمي شوية في البيت وجيت هنا. هدأت حدة أنفاسه وقال لها بخفوت جميل: _طيب وقاعدة لحالك في السطح وبتعيطي كده ليه؟ أجابته برقة وصوت يكاد يسمع بصعوبة: _كنت قاعدة مع مرات خالي إخلاص تحت بس حسيت نفسي مخنوقة فطلعت هنا أقعد لحالي شوية.
حدقها مطولاً بعدم اقتناع وعيناه كانت ثابتة عليها يتمعنها بتدقيق وهي تتهرب بنظراتها منه. ليقول لها بتشكيك: _يعني اتخانقتي مع أمك بس مفيش حاجة تاني؟ أومأت له بالإيجاب في صمت. فطالت نظرته الدافئة لها، لكن سرعان ما تحولت للامتعاض حين سقطت عيناه على يدها اليمنى ورأى خاتم الخطبة. علقت عيناه المستاءة التي تحمل المرارة على أصبعها ولم يشح بنظره إلا عندما سمع صوت رنين هاتفها.
وجدها تلتقط الهاتف وفوراً أنهت الاتصال دون أن تجيب بغضب. لم يقرأ اسم المتصل ولكنه لمح صورته وكان خطيبها. فلوى فمه بحنق واستقام واقفاً فوراً يهتف بهدوء على عكس الثوران الداخلي له: _أنا هسيبك تقعدي لحالك شوية وتهدي. عاوزة حاجة؟ هزت رأسها بالنفي وهي تبتسم بلطف. ثم تابعته وهو يستدير ويسير بعيداً عنها ويتركها بمفردها تماماً. فور رحيله عاد صوت رنين هاتفها يصدح بالرنين من جديد. فتنهدت وردت على خطيبها!
نزل الدرج وهو يمسح على وجهه ويتأفف بصوت عالي من فرط الخنق والغضب. إلى متى ستستمر مشاعره المؤلمة تلك لا يدري. لم تعد له ومازال قلبه يرفض التخلي. وإن أتبعه في هواه لن يرتاح وربما سيقوده للهاوية وينهيه بالكامل. اصطدم بزوجة عمه التي كانت تصعد للسطح. ونظرت له متعجبة تهتف: _بشار كنت بتعمل إيه فوق دلوقت؟ هتف بثبات متصنع وصوت خشن: _ولا حاجة يا مرت عمي. طلعت أجيب حاجة ولقيت رحاب فنزلت. هزت إخلاص رأسها بتفهم وسألته باهتمام:
_كانت زينة طيب لما شوفتها؟ رد بخنق وعدم اكتراث مزيف: _معرفش. اطلعي شوفيها. ولم يلبث للحظة أخرى حيث اندفع من أمام إخلاص يقود خطواته تجاه غرفته. بينما هي فالتفتت برأسها للخلف وتابعته مطولاً بحزن ويأس! *** بتمام الساعة التاسعة مساءً كانت فريال بطريق عودتها للمنزل بعدما انتهت من شراء بعض مستلزماتها الشخصية. وكانت تسير نحو الطريق العام لتستقل بسيارة أجرة تعيدها للمنزل.
لكنها مرت من أمام معرض الأجهزة الكهربائية الخاص بزوجها وعائلة خليل صفوان. تسمرت قدمها بأرضها ووقفت أمامه ترسل نظراتها للداخل بحثاً عنه. حاولت الرحيل لكنها فشلت أمام صراخ قلبها المشتاق لروحه البعيدة عنه. كانت تقف فقط تأمل أن تلمحه حتى من بعيد. فمنذ أن تركته لم تسمع صوته ولم تراه. تطمئن على أحواله فقط من أولادهم عندما يأتون لزيارتها كل يوم. تراقص قلبها فرحاً حين لمحته يقف مع أحد الرجال ويتبادل معه أطراف الحديث بجدية.
لمعت عيناها بوميض العشق وارتفعت بسمتها الناعمة فوق ثغرها دون أن تشعر. بقت مكانها تتأمله بشوق وشرود لدرجة أنها لم تنتبه له عندما رآها ونظر لها بدهشة. لم تفق سوى على صوت خطواته المتجهة نحوها. فحبست أنفاسها للحظة وأخرجتها زفيراً متهللاً وهي تستعد لمواجهته بعد مرور أيام على فراقهم. وجدته وقف أمامها وهتف بحزم: _بتعملي إيه هنا؟ اندهشت من رده الجاف فانعقد لسانها ولم تجد ما تجيبه به. حتى وجدته يمسك بيدها ويجذبها معه للداخل.
لم تفهم إلى أين يأخذها أو حتى لماذا يتصرف معها بهذه القسوة. كانت تتوقع أن تتعرض للتوبيخ وتقابل غضبه الشديد منها. لكن قسوته كانت أصعب. لم تقاومه بل سارت معه بكل طواعية واستسلام إلى حيث يأخذها. فانتهى بها المطاف داخل غرفة مكتبه الخاصة بالمعرض. ورأته يغلق الباب ويقترب هاتفاً بغضب: _كنتي فين وإيه اللي جابك هنا؟ اتسعت عيني فريال ثم قالت بخوف شديد وحزن وهي ترفع الأكياس التي بيدها لمستوى نظره:
_روحت اشتري كام حاجة محتاجاها من السوق وأنا وراجعة عديت من قصاد المعرض بالصدفة فشفتك. صاح جلال منفعلاً وكأنه وجد حجة ليفرغ شحنة غيظه منها: _وطالعة لوحدك دلوقتي الساعة تسعة كنتي ناوية تفضلي برا لغاية أمتى تاني ياست هانم؟ انكمشت ليس خوفاً بقدر ما هو مرارة من معاملته لها. فقالت بخفوت: _أنا كنت راجعة أساساً البيت يا جلال وبعدين مفيش حد يطلع معايا. رفع سبابته في وجهها يهتف بصوت رجولي مخيف يلقي عليها تعليماته:
_مش معنى أنك قاعدة في بيت ناسك يبقى تطلعي وتدخلي على هواكي. لسه آتِ مرتي. على الله تكرريها تاني يا فريال وتطلعي في الوقت ده فاهمة؟ تلألأت العبرات في عيناها ثم ردت عليه بألم: _أنت بتكلمني كده ليه يا جلال! اخفض من نبرة صوته وقال في شدة: _المفروض أكلمك كيف يا فريال هانم؟ انهمرت دموعها وقالت بأسى وصوت موجوع: _للدرجة دي متعصب مني ومش طايقني؟ رغم أن قلبه تمزق لدموع بندقيتها التي يعشقها.
وكان للحظة سيقلب كل شيء بعرض الحائط ويجذبها إليه يروي روحه المتعطشة لها ويسرق معها بعض لحظاتهم الغرامية كما كانوا يفعلون. لكنه سيطر على مشاعره وتصرف ببرود وهو يجيبها بغضب: _أنتي اللي تخليتي وسبتيني يا فريال يبقى تستحملي. صدقتي نفسك ومسمعتيش لحد حتى ليا. رغم أنك عارفة زين أنا كنت مستعد أجيبلك نجوم السما لو طلبتي وكنت هتنازل عن كل حاجة عشانك كيف ما تنازلت من قبل. بس أنتي أثبتيلي أنك مكنتيش تستاهلي اللي ضحيت بيه عشانك.
سالت دموعها بغزارة فوق وجنتيها وراحت تهتف وسط بكائها برجاء وألم: _بزيادة متكملش ابوس إيدك. كلامك ده تقيل قوي يا جلال. انحنى عليها فأصبح وجهه أمام وجهها مباشرة وأنفاسه الساخنة كانت تلفح صفحة وجه بعنف وهو يتمتم بصوت نابع من صميمه: _واللي عملتيه فيا كان واعر قوي وأكتر كمان. لما موافقتش أخليكي تطلعي من البيت جبتي أبوكي عشان ياخدك مني ويقف قصادي ويقولي بتي معدش ليها قعاد معاك وهي مش عاوزاك.
صغرتيني ودوستي على رجولتي قصاد ناسي كلهم اللي هما كانوا عاوزني أطلقك من وقت ما أبوكي قتل أبويا وأنا اللي رفضت وخرصت لسان الكل ومعدش حد يتجرأ يفتح الموضوع ده تاني في البيت. عملت كده عشان بحبك ومقدرش على بعدك ومهمنيش اللي عمله أبوكي ولا مشا مشاكلنا مع ناسك. وأنتی چيتي قصاد الكل تقوليلي مش عاوزاك وتسبيني. هاا لسه عاوزاني أكملك ولا بزيادة كده؟ أجفلت رأسها أرضاً وهي تبكي بنشيج مسموع.
وكان ذلك الصوت يقتله ويأكل في صدره من الألم. لكنه أخَرس صوت قلبه وتعامل بجفاء لا يليق به أبداً وبالأخص مع زوجته وحبيبته. بعد لحظات معدودة رفعت وجهها الغارق بالدموع ورمقته بعيناها المريرة تسأله بصوت معذب: _يعني أنت معدتش عاوزني خلاص؟ لم يجيب واكتفى بصمته القاتل يتطلعها بثبات مزيف رغم صراعاته الداخلية أمام منظرها المزري ودموعها التي تقتله.
بينما هي فكانت تتطلعه بانكسار تنتظر إجابته التي ربما ستعيد لجسدها الروح مرة أخرى بعد معاملته وكلامه القاسي. لكنها حصلت على الإجابة منه بالصمت وفسرتها بتأكيد على سؤالها. فانهارت جميع حصونها واندفعت من أمامه تنوي الرحيل بعد الألم الذي اجتاح قلبها جراء صمته. لكن قبض على ذراعها يوقفها هاتفاً بغلظة: _رايحة فين؟ قالت بغضب وصوت متألم: _راجعة بيت أبويا عندك اعتراض في دي كمان ما أنت خلاص معدتش عاوزني عاد. هتف بصوت رجولي صارم:
_أنا هوديكي. اقعدي هنا استنيني لغاية ما أخلص شغلي وهاخدك معايا. مش هترجعي لوحدك دلوقتي. فريال بصوت مبحوح من فرط البكاء: _مش عايزة أروح معاك يا جلال. هملني لحالي. جلال بعصبية: _قولتلك اقعدي واستنيني. اسمعي الكلام من غير عند يا فريال. استسلمت مجبرة أمام انفعاله وصيحته بها. فأبعدت يده عنها وراحت تجلس فوق الأريكة وهي تجفف دموعها بظهر كفها رغم أنها لا تتوقف عن الانهمار.
اقترب هو من مكتبه وجذب علبة الممسحة الورقية واعطاها لها هاتفاً: _خدي امسحي دموعك. بزيادة بكا العيال قاعدين معايا هنا وممكن يدخلوا في أي وقت. متخليهم يشوفوكي كده. راحت تسحب ممسحة ورقية تجفف بها دموعها وتمسح أنفها محاولة استعادة حالتها الطبيعية حتى لا يروها أولادها بهذه الحالة البشعة. وبالفعل لم يكن سوى دقائق معدودة ودخلا الطفلان غرفة مكتب أبوهم. فاندهشوا بوجود أمهم. وكلاهما ركضوا عليها يعانقوها بفرحة. هتف
معاذ ببسمة متسعة يسأل أمه: _إيه اللي جابك هنا يا أمي؟ ابتسمت لابنها بدفء ونقلت نظرها بين طفليها وبين أبوهم الذي يقف يتابعهم وينتظر إجابتها. فردت هي بمرارة تحاول إخفائها: _كنت بشتري حاجات وعديت عشان أشوف أبوكم وأطمن عليه. طرح عمار سؤال آخر بحماس: _هترجعي معانا البيت يعني خلاص؟ عبس وجهها ونظرت لجلال بشجن عندما تذكرت صمته على سؤالها. ثم عادت بنظرها لولديها تلثم شعر كل منهم بحنو أمومي متمتمة:
_لا لسه يا حبايبي. هقعد شوية عند جدكم. ظهر الضيق على وجه معاذ وقال بجدية ولهجة أشبه برجل ناضج: _بزيادة عاد يا أمي. احنا اتوحشناكي قوي ارجعي معانا. حتى أبوي زعلان واتوحشك صح يا أبوي؟ لم يجيب جلال على ابنه وبقى صامتاً مما أزعجها وألمها أكثر. فردت على ابنها برباطة جأش: _احنا قولنا إيه يا معاذ مش اتكلمنا في الموضوع ده كذا مرة يا حبيبي. زم معاذ شفتيه بيأس لكن ذلك لم يمنعه من اقترابه ومعانقته لأمه مرة أخرى في حب وشوق.
فابتسمت هي وادمعت عيناها رغم عنها وراحت تفرد ذراعها تضم عمار أيضاً لصدرها وسط قبلاتها لهم التي كانت توزعها على شعرهم وجبهتهم. اضطر جلال للمغادرة عندما طلبه أحد العاملين بالمعرض ليأخذ رأيه في أمر يخص العمل. فخرج وتركهم بمفردهم يتبادلون الحديث ويضحكون. فقد نجحوا الأولاد في رسم البسمة على ثغر أمهم! *** داخل غرفة عمران بمنزل إبراهيم الصاوي...... انفتح باب الغرفة ودخل فوجدها جالسة فوق نفس المقعد وتتطلع إليه بصمت وضيق.
لم يعيرها اهتمام كثير وبدأ في نزع جلبابه عنه. وكالعادة أخرج ملابس جديدة له من الخزانة واتجه للحمام ليأخذ حمام دافئ يزيح عن جسده إرهاق العمل طوال اليوم. وبقت هي تتابعه بعينيها في سيره نحو الحمام حتى اختفى عن أنظارها وبداخلها تتوق للحظة المناسبة حتى تحقق رغبتها وتتخلص منه.
دقائق طويلة نسبياً مرت حتى خرج من الحمام وكان يرتدي بنطال أبيض ملائم لحجم جسده وشعره الأسود الغزير مبتل تتساقط منه قطرات المياه فوق لحيته الكثيفة وشاربه مما أعطاه شكل رجولي مثير وزاد من وسامته الرجولية. التفتت هي بتلقائية نحوه وحين استقرت عيناها عليه ورأته عاري الصدر أشاحت بوجهه بسرعة مجدداً وصاحت به بغضب: _في حمام بنلبس فيه الهدوم. طالع قصادي كده ليه! رمقه بنظرة جانبية باردة ثم هتف بنبرته الرجولية الغليظة:
_عشان أنا في أوضتي وفي بيتي يعني أعمل اللي أعوزه. هتفت بعصبية دون أن تنظر له: _وأنت مش لوحدك في أوضتك يعني تعمل حسابك على كده. هتف بهدوء أعصاب مستفز متعمد: _هو في حد تالت معانا في الأوضة ولا إيه! حاربت خجلها ونظرت له تقول بقوة: _وأنا مش مكفياك! قال بعين ثاقبة: _لأ، أنتي مرتي يعني مش حد غريب. وكما كانت رغبته نجح في إشعال نيران غيظها على أثر عبارته وهو يذكرها بأنه زوجها. فوثبت واقفة واندفعت نحوه تقف
أمامه مباشرة هاتفة بغيظ: _أنت كل اللي بتعمله ده بتنتقم مني عشان حاولت أقتلك صح؟ ابتسم ورد بنبرة خشنة ونظرة مميتة: _لأ، بربيكي من أول وجديد يا آسيا. جزت على أسنانها بغيظ وبسبب نظرته المرعبة لم تتجرأ من الرد عليه واكتفت بالتطلع إليه بنارية، لكن بعد لحظات ردت بأنف مرتفع: _لو فاكر إنك كده هتكسرني تبقى غلطان. اشتدت حدة نظراته وهدر بصوت يقذف الرعب في الأبدان: _ده بدل ما تشكريني إني أنقذتك من ناسك اللي كانوا هيقتلوكي.
هتفت ببأس رغم قهرها: _الموت كان أرحم من إني أتچوزك يا عمران وأدخل البيت ده. ابتسم باستهزاء ليقول بعدم مبالاة وهو يبتعد عنها ليجذب جلبابه الأبيض الذي فوق السرير ويرتديه: _خلاص اعتبري نفسك ميتة هنا كمان وملكيش وجود. اشتعلت غيظًا وأظهرت عن أنيابها الشرسة حتى أن عيناها أصبحت حمراء من فرط الغضب وباتت أقرب لمنظر الساحرة حقًا. فاندفعت نحوه وقالت بشجاعة ونبرة صادقة:
_صدقني مندمتش إني حاولت أقتلك ولو جتلي الفرصة هعملها تاني والمرة دي بنفسي وهيكون أنت وأبوك عشان أخلص منكم وأريح أبويا في تربته وآخد حقه. رأت في عيناه نظرة أقسمت أن لو كان بأمكان النظرات القتل لكانت قبضت روحها في الحال. ودون أن تشعر وجدت قدميها تتراجع بخطواتها للخلف خشية من بطشه وكأنها ندمت على ما تفوهت به.
إن كانت هي الساحرة فهو الجن الذي حضرته دون وعي منها. تراجعت ثلاث خطوات للخلف وتقدم هو نحوها كالوحش ثم انحنى ومد يده في صحن الفاكهة يلتقط منه السكين ثم بيده الأخرى جذبها من ذراعها حتى اصطدمت بصدره بعنف واحكم قبضته عليها جيدًا ووضع بيدها السكين بقوة وطالعها بنظراته التي سرت رعشة بجسدها على أثرهم ثم سمعته يصرخ بها بعدما أعطاها السكين: _السكين معاكي وريني يلا هتقدري تقتليني كيف!
كانت تتطلع في عيناه بخوف ملحوظ دون أن تجرأ على تحريك يدها أنشًا واحدًا. فباغتها بصرخة أخرى نفضتها: _يلا اقتليني! لم تتمكن من التحكم بأعصابها وحين نظرت للسكين التي بيدها وتذكرت دماء والدها انهارت قواها وافلتت السكين من يدها بسرعة لتسقط فوق الأرض. فتجده يبتسم بسخرية وينحنى على وجهها هامسًا بصوت يقارب إلى فحيح الأفعى:
_متقوليش كلام أنتي مش قده تاني يابت خليل. لسه إنتي متعرفينيش وكل اللي شوفتيه مني في اليومين دول ولا حاجة. يعني إنتي تنفشي ريشك على الخلق كلها وعندي أنا لو فكرتي بس هنتفهملك، فاهمة؟ شعرت أنها على وشك البكاء فدفعته بعيدًا عنها بعنف وهرولت نحو الحمام تلتقط أنفاسها وتترك العنان لدموعها فقد تدمرت فور تذكرها لمنظر أبيها وهو غارق وسط دمائه. وضعت يدها على فمها تكتم صوت بكائها حتى لا يصل إليه.
تمدد هو فوق فراشه وامسك هاتفه يتصفحه والوقت مر بسرعة حتى قارب على الخمسة عشر دقيقة ولم تخرج حتى الآن من الحمام. نظر للحمام باستغراب وظل يتابعه لدقيقة ينتظر خروجها لكنها لم تخرج أيضًا. تسلل القلق لثناياه من أن تكون أصابت نفسها بمكروه تلك المجنونة فوثب واقفًا وتوجه نحو الحمام يطرق على الباب بقوة هاتفًا: _آسيا.. آســـيــا. لم يحصل على رد منها وازدادت حدة القلق بصدره فطرق بقوة أعنف منذرًا إياها:
_آسيا لو مفتحتش الباب هدخل. والإجابة كان نفسها وبالفعل وضع يده على مقبض الباب ينوي الدخول لكن الباب انفتح فجأة وظهرت هي من خلفه تقف بكل شموخ وقوة. أخذ نفسه براحة عندما رآها بخير لكنه صاح بعصبية: _كنتي بتعملي إيه ده كله جوه؟ ردت عليه ببرود مماثل له: _إيه حتى الحمام مينفعش أرتاح فيه براحتي شوية. رأت القلق والذعر في عيناه رغم محاولاته للظهور باللامبالاة فابتسمت وقالت بشراسة:
_متخافش مش أنا اللي أعمل حاجة في روحي. عمر ما حد قدر يوصلني للمرحلة دي ومحدش هيقدر. لسه قصادي مشوار طويل عشان آخد حقي من اللي كان السبب في اللي أنا فيه دلوقتي. لم يجيبها وسكت فلا يكترث لكلامها يكفيه أنها لم تأذي نفسها فهو يتوقع من امرأة مثلها أي شيء. تركته وابتعدت عنه ثم توجهت نحو الخزانة واخرجت مفرش صغير ووضعته فوق الأرض ثم جذبت وسادة من على الفراش. وسط كل هذا كان هو يتابعها باستغراب ليقول: _بتعملي إيه؟
ردت دون أن تنظر له: _كيف ما أنت شايف هنام على الأرض. أكيد مش هنام جارك على السرير يعني. لم يعقب وسكت يتابعها بهدوء وهي تتمدد فوق الأرض وتنام بالفعل. فتأفف بخنق وألقى بجسده على الفراش يتمتم بصوت منخفض في قرف: _دايب فيكي أنا عشان أقرب منك لما تنامي جاري يعني. خليكي على الأرض تريحي.
كانت تنام وتوليه ظهرها لكن عيناها بقت مستيقظة ولوقت طويل لم تنم. في الواقع هي كانت تنتظره هو لينام. بعد مرور ما يقارب النصف ساعة التفتت برأسها للخلف ورفعتها عن الأرض قليلًا تلقي عليه نظرة لتتأكد إذا نام أم لا فوجدته غط في سبات عميق. تنفست الصعداء براحة وابتسمت ثم استقامت واقفة بسرعة وأسرعت نحو حقيبتها تغلقها بكل بطء وحذر حتى لا توقظه ووقفت أمام المرآة تلف حجابها جيدًا بسرعة ثم حملت حقيبتها وسارت لخارج الغرفة على أطراف أصابعها بكل حرص. فتحت الباب ببطء شديد وخرجت ثم أغلقته بنفس البطء. تلفتت حولها وحين لم تجد أحد اندفعت بسرعة للدرج تقصد الطابق الأول لكي يتسنى لها الهروب بسرعة قبل أن يراها أحد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!