الفصل 31 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
15
كلمة
4,746
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18
في ظرف ثواني حدث كل شيء أمامه ولم يفق من صدمته إلا عندما وجدها بين ذراعيه وهي تنزف الدماء من ظهرها. حالة من الهلع سادت في الشارع وبعض الرجال حاولوا اللحاق بصاحب الدراجة النارية والبعض الآخر تجمعوا حولهم في محاولة لإسعافها. نظر لها وضمها إليه هاتفًا بزعر: _ آسيا رمقته بضعف ثم أغلقت عينيها ببطء وأرتخت أعصاب جسدها كلها. هو كان بعالم آخر لا يسمع ولا يرى شيء حوله سواها وكأن تلك الرصاصة أصابته هو. ودون أي لحظة تفكير حملها بين ذراعيه وبمساعدة الناس فتحوا له باب السيارة ووضعها بالمقعد الخلفي ثم أغلق الباب وركض نحو مقعده المخصص للقيادة يستقل به وينطلق بالسيارة كالبرق يشق بها الطرق بجنون. كل ما كان يستحوذ على عقله في تلك اللحظة هو الوصول للمستشفى بأسرع وقت. كان عين يضعها على الطريق والعين الأخرى لا يزيحها عنها كل ثانية ينظر لها ويهتف بهلع وخوف ملحوظ في نبرته الرجولية: _ آسيا أنتي سمعاني.. آسيا كانت فاقدة الوعي بالفعل ولا تجيبه. لا إراديًا مد ذراعه للخلف وهو يقود وقبض على كفها يحتضنه بين كفه العريض باحتواء هاتفًا بنبرة مبحوحة رغم إدراكه أنها لا تسمعه لكنه كان يطمئن نفسه حتى يهدأ من روعه ونبضات قلبه السريعة: _ هانت خلاص ياغالية قربنا نوصل استحملي.. استحملي ياغزالي *** مرت ثلاث ساعات منذ وصولهم للمستشفى وهي لم تخرج من غرفة العمليات حتى الآن. ظل هو جالسًا على المقعد الحديدي بالردهة الطويلة المؤدية لغرفة العمليات ورأسه مدفونة بين راحتي كفيه وقدميه تهتز بعنف من فرط التوتر والخوف. يديه وملابسه غارقة بدمائها وعقله لا يستطيع إخراج لحظة سقوطها بين ذراعيه وهي تنزف. رغم عجز نظراتها الأخيرة له وضعفها إلا أنها كانت كلها سكينة وكأنها تخبره أنها ستكون بخير طالما هو معها. هو عاجز عن التفكير في هذا الوقت بذلك الوغد الذي فعلها. كل اهتمامه منصب على زوجته المسطحة على فراش المرضى بغرفة العمليات الآن. لكن بأعماقه يقسم لذلك الفاعل بعقاب سيجعله يتمنى الموت. ساعة أخرى مرت وأخيرًا رأى الطبيب يخرج من غرفة العمليات فهب واقفًا واسرع نحوه يسأله بتلهف: _ خير يادكتور طمني أجابه بتنهيدة حارة وابتسامة خافتة: _ الحمدلله العملية نجحت والمدام بخير وهننقلها على العناية لمدة أربعة وعشرين ساعة عشان تكون تحت الملاحظة لو حصلت أي مضاعفات ردد " الحمدلله " وهو يتنفس الصعداء براحة ثم شكر الطبيب وعاد لمقعده مرة أخرى يجلس فوقه وهو يمسح على شعرها نزولًا لشعره زافرًا بضيق. هدأ قلبه الذي كان ينتفض خوفًا لكنه لن يرتاح إلا عندما يراها بعينيه ويطمئن بنفسه. أخرج من جيبه هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين منذ وقت طويل وأجاب على المتصل بصوت ضعيف: _ إيوة يابوي وصله صوت أبيه المزعور وهو يسأله: _ عمران أنت زين ياولدي؟ أجابه بخنق وهو يمسح على وجهه متأففًا: _ كويس يابوي خير في حاجة؟! سكون استحوذ على المكالمة بينهم حتى وصله صوت أبيه الخافت وهو يسأله بقلق وكأنه تأكد من شيء: _ آسيا چرالها إيه؟ رفع عمران حاجبه مستغربًا سؤال والده ولم يجيب فتابع إبراهيم بغضب ظاهر في نبرته: _ سلا*** باعتلي رسالة وكاتب فيها المرة دي كان حظ المعلم ولدك حلو ومحصلهوش حاجة وكانت من حظ المدام المرة الچاية هتكون من حظه هو لو معقلتهوش وخليته يرچع الفلوس اختفى صوت عمران تمامًا وكان المسموع فقط في الهاتف هو صوت أنفاسه الملتهبة وهو يضغط على قبضة كفه بعنف ويزأر من بين أسنانه كالأسد الجائع لالتهام فريسته. عاد يسأله ابراهيم مرة أخرى بقلق: _ عمران مرتك فين وكيفها؟ لم يسمع سؤال والده من الأساس بسبب الغضب الذي استحوذ عليه حيث وجد نفسه يردد بوعيد مرعب: _ اتجرأ علي ويده طالت مرتي.. روحه هتطلع على يدي إن شاء الله ابراهيم بانفعال حقيقي: _ عـمـران طمني ياولدي إيه اللي حـصل ومرتك مالها؟!! رد بصوت مختنق من فرط الغضب: _ آسيا خدت الرصاصة بدل مني ودلوك في العناية المشددة اتسعت عيني ابراهيم بدهشة وبسرعة راح يسأله باهتمام وخوف: _ حالتها خطر؟ _ لا الدكتور قال أنها كويسة بعد العملية وحالتها مستقرة تنهد ابراهيم براحة وقال فورًا في جدية وصوت غليظ: _ هنركب أنا وبشار دلوك ونچيلك على القاهرة طوالي لم يجيب عليه واكتفى بسماع عبارة أبيه الأخيرة وأنهى الاتصال ثم وضعه هاتفه في جيب جلبابه وعينيه علقت في الفراغ أمامه بنظرات مخيفة كلها وعيد بالثأر لزوجته من ذلك الوغد الذي تجرأ على حرمه. *** داخل الجامعة..... كانت حور تقود خطواتها السريعة لخارج الكلية وقلبها يضرب بصدرها في عنف من فرط الخوف. كلما تلتفت خلفها تجد ذلك الشاب مازال يلاحقها. من سوء حظها أنها كانت بمفردها هذا اليوم وصديقتها لم تحضر. توقفت مرغمة عندما سمعته يهتف مناديًا عليها: _ حــور استدارت له وهي تدور بنظرها حولها تتأكد من عدم ملاحظة أحد لها. ثم رمقته شزرًا وغضب رغم خوفها منه وصاحت بصوت منخفض بعض الشيء: _ ابعد عني ومتمشيش ورايا تاني أجابها بغيظ وسخرية: _ طب مش كفاية بقى ولا إيه.. أنا في الأول قولت بتتقل لكن شكله الموضوع مش تقل بس ضحكت بسخرية وهي تشيح بوجهها للجانب ثم عادت له وقالت منفعلة بغيظ محاولة الفرار منه بأي كذبة: _ أنت مبتفهمش قولتلك أنا مخطوبة. ابعد عني احسنلك عشان خطيبي هنا ولو شافك مش هيحصل طيب ابتسم مستهزءًا منها وقال بعدم اقتناع: _ مخطوبة إيه أنتي هتستعبطي عليا هو فين خطيبك ده صرخت به بعصبية: _ احترم نفسك وبعدين استعبط عليك إيه.. أنت مين أصلًا عشان اتكلم معاك ولا تكلمني.. بني آدم مريض بنفس اللحظة سقط نظرها على بلال وهو داخل سيارة يقودها. لا تعرف كيف ظهر ومتى لكنه كان كطوق النجاة الذي أرسله الله لها. بظرف لحظة ودون تفكير قالت له وهي تشير بعيناها على السيارة: _ خطيبي في العربية أهو ابعد عني بقى وامشي من هنا لا تدري من أين ضربتها الجرأة لتجعلها تتجه نحو بلال بكل ثقة وتفتح الباب المجاور لمقعده وتستقل بجانبه. التفت هو نحوها وعينيه اتسعت بصدمة لتخرج منه همسة: _ حور!!! كانت لا تنظر له ونظراتها ثابتة على ذلك الشاب الذي يقف بمكانه وينظر لها بحقد وهي داخل السيارة. أنفاسها كانت سريعة وصدرها يرتفع ويهبط بعنف مع ملامح وجهها المزعورة مما جعله يتحول من الذهول للقلق وهو يسألها: _ حور في إيه مالك؟ انتبهت لصوته أخيرًا والتفتت له تقول بتوتر وخجل شديد من موقفها: _ مفيش حاجة أنا شوفتك وحبيت اسلم عليك لم يصدقها ونظراته لها اشتدت حزمها بعدما رأى الارتعاش على صفحة وجهها. ولم يكن بحاجة لشرح حتى يفهم أنها دخلت معه بالسيارة بهذه الطريقة لتلوذ إليه من شيء لا يعلمه. عاد يسألها من جديد لكن بلهجة قوية: _ حور ردي عليا في حاجة حصلت أو حد ضايقك؟ ارتبكت وخشيت من أن تخبره فتقحمه بمشكلة ربما يتأذى منها كالسابقة. حاولت التصرف بطبيعية وقالت نافية بابتسامة مضطربة: _ لا مفيش حاجة صدقني أنا...... بترت عبارتها في منتصفها عندما رأته ينظر خارج السيارة وقد لمح الشاب الذي يقف ينظر لهم بغضب فقال بلال دون أن يشيح بنظره عن الشاب: _ اللي واقف وبيبص ده عملك حاجة؟ ارتبكت وأسرعت تقول بخوف تحاول ردعه وتهدأته: _ سيبك منه ده واحد مش طبيعي أصلًا وجدته سيهم بفتح باب السيارة ليخرج فاوقفته بتوسلها وصوتها المرتعد: _ بلال عشان خاطري بلاش مشاكل.. أنا سكته وهو مش هيقرب مني تاني خلاص أجابها بصوت رجولي محتقن بالغضب: _ متخفيش هتكلم معاه بهدوء. خليكي أنتي إهنه ومتطلعيش من العربية لم تستطع إيقافه مرة أخرى ووجدته نزل من السيارة واتجه نحو ذلك الشاب. كانت نظراتها عالقة عليهم وهي تضع كفها فوق يسارها تحديدًا قلبها الذي يدق بعنف من الرعب. رأته يتحدث معه ويربت فوق كتفه بقوة وكأنه يحذره وكانت ملامح وجهه مخيفة كلها جموح. لم تجد أي ردة فعل معاكسة من الآخر وعلى عكس توقعها انتهى الحديث بينهم وهو يهز رأسه بإيجاب وكأنه انصاع لتحذيرات بلال. تنهدت الصعداء براحة عندما وجدته يستدير ويعود إليها وفور استقلاله بالسيارة بجوارها مرة أخرى وجدته يقول بلهجة مريبة: _ لو اتعرضلك تاني أو ضايقك بأي شكل قوليلي أماءت بالموافقة وهي تبتسم برقة وتقول بامتنان حقيقي: _ شكرًا يا بلال مال ثغره للجانب ببسمة جانبية ساحرة وهمس: _ على إيه احنا مفيش شكر ما بينا مش إكده ولا إيه أجفلت نظرها عنه بخجل ثم هتفت بتوتر ملحوظ وهي تهم بالرحيل: _ طيب أنا هسيبك عشان معطلكش لو وراك حاجة وآسفة إني ركبت العربية كدا فجأة أوقفها سؤاله بنبرته الرجولية: _ رايحة وين استنى هوصلك البيت أنتي مش كنتي ماشية ابتسمت بإحراج وأجابته بالرفض الرقيق: _ لا مش عايزة اتعبك أنا هطلع وهركب أي مواصلة لم يهتم برفضها وراح يشغل محرك السيارة وهو يجيبها مبتسم بمكر: _ تركبي مواصلة كيف وخطيبك موچود تجمدت دماء عروقها واتسعت عيناها بدهشة. فقد استنتجت أن ذلك الشاب هو من أخبره أنها قالت له أنه خطيبها. ازدردت ريقها بخجل وتحولت وجنتيها لكتلة من الدماء الحمراء. حتى لسانها انعقد ولم تستطع الرد عليه فالتزمت الصمت ودون نقاش قبلت بعرضه. ثم أبعدت نظرها عنه وثبتته على الطريق من فرط خجلها بينما هو فكان بين كل لحظة والأخرى ينظر لها ويبتسم بحب. *** بتمام الساعة الثامنة مساءً........ داخل منزل خليل صفوان تحديدًا داخل غرفة فريال. كانت قد انتهت للتو من أداء فريضتها ونزعت عن شعرها الحجاب وراحت تجلس فوق الأريكة وهي تحدق في الفراغ أمامها بضياع. بالأمس كانت شخص والآن آخر. لا تدري ما الذي حدث وكيف كانت بهذه الحالة الثورانية، بل وكانت لا تطيق رؤية وجهه وتشعر أنها تكرهه حقًا، ليس مجرد كلمة. لكن الآن هدأت عاصفتها وكأنها فاقت من غيبوبة وعادت لطبيعتها مرة أخرى. لكنها لا تستطيع نسيان كلماته الأخيرة لها بأنه سيهجرها ولن يجعلها تراه. وبالفعل لم يكن مجرد كلام يطلقه في الهواء دون معنى، فهو منذ الأمس لم يأتِ ولم تره. سألت ابنها الكبير منذ قليل عنه فأخبرها أنه لم يعد للمنزل حتى الآن. ظلت بغرفتها لساعات طويلة على أمل عودته ودخوله الغرفة، لكن دون فائدة. حتى وجدت الساعة تخطت الحادية عشر قبل منتصف الليل. فاستقامت واقفة وارتدت ملابسها الفضفاضة وحجابها وخرجت من الغرفة متجهة نحو المطبخ بالأسفل. عندما وصلت للطابق الأرضي سقط نظرها عليه وهو يجلس مع جده يتحدث بجدية. طالت نظراتها المريرة إليه، لكن هو لم يرفع نظره لها حتى وتجاهلها تمامًا متعمدًا كأنه لا يراها. مما أشعل نيران الغيظ والقهر في صدرها أكثر. وبسرعة استدارت وعادت لغرفتها مجددًا دون الذهاب للمطبخ كما كانت تنوي. صفعت باب الغرفة واندفعت نحو فراشها تجلس فوقه، وقدميها تهتز بقوة من فرط الحرقة التي جعلت دموعها تنهمر فوق وجنتيها بغزارة لا إراديًا. وسرعان ما انهارت في البكاء المرتفع وراحت ترفع يدها تضعها فوق بطنها لتزداد حدتها في البكاء أكثر. لم تهدأ إلا بعد وقت طويل وقررت الخروج والذهاب لغرفة أطفالها وقضاء الليلة معهم علها تهدأ وتنسى همها. فتحت باب غرفة صغارها ودخلت، فوجدت عمار الصغير نائم ومعاذ يجلس فوق فراشه متدثرًا بغطائه ومستيقظًا. فغضنت حاجبيها باستغراب واقتربت تجلس بجواره تسأله: "صاحي ليه لغاية دلوك يامعاذ؟" أجابها بعبوس دون أن تلتقي عيناه بعينيها: "مش جايلي نوم ياما." اقتربت منه أكثر ورفعت كفها تمسح فوق شعره بحنو متمتمة: "ليه ياحبيبي إيه اللي مضايقك؟" تمتم بخفوت وخنق واضح في نبرته: "مفيش حاجة." ابتسمت فريال بدفء وقالت في نظرة ثقة: "مفيش كيف يعني.. هو أنا مش عارفة ولدي ولا شيفاه قصادي. فيك حاجة ومش عاوز تقول.. يلا احكيلي عاد وقولي إيه اللي حصل." هيمن الصمت القاتل بينهم لبرهة من الوقت، هي تنتظره أن يتحدث وهو يفكر بتردد هل يتكلم أم لا. بالنهاية حسم قراره ونظر لأمه بحزن وألم يسألها في عينان دامعة: "أما أنتي صح هتسيبنا تاني؟" اتسعت عيني فريال بدهشة من سؤال ابنها وسرعان ما أجابته بالنفي القاطع وهي تضمه لصدرها: "مين اللي قالك الكلام ده.. أنا مقدرش اسيبكم ولا ابعد عنكم واصل." ابتعد معاذ عن ذراعيها ونظر لها بخزي يقول: "من وقت ما رجعتي وأنتي وأبويا بتتخانقوا علطول وامبارح سمعتك وأنتي بتقوليله أنك هتهملي البيت وتهملينا وهو منعك ومرضيش يطلعك عشان إكده قعدتي." ارتخت عضلات وجهها وظهر عليها المرارة والضيق. ثم تنهدت طويلًا وزفرت متهملة وهي تجيب على ابنها بحكمة: "مفيش بيت مبتحصلش فيه مشاكل يامعاذ. أنا قولت لأبوك إكده في لحظة غضب وحتى لو حصل وسيبت البيت المرة دي مش هطلع منه غير وأنت وأخوك معايا." رد عليه بانزعاج ملحوظ: "بس أنا وعمار مش عايزين نهمل بيتنا وأبونا ونمشي أنتي ليه عاوزة تهملينا. أبويا بيحبك وبيحبنا قوي. عاوزة تسيبينا مع مرت أبويا لحالنا وتمشي وأنتي عارفة احنا مبنحبهاش." تحولت نظراتها للحدة فور ذكره لزوجة والده وقالت بغضب: "أنا مستحيل أسيب عيالي للحرباية دي لوحديهم عشان إكده أنا رجعت عشانك أنت وأخوك ولو لساتني قاعدة فعشانكم برضوا." معاذ بوجه عابس ونظرات متأملة: "طيب وأبويا." سكتت والحزن يعتلي ملامحها دون رد. فوجدته يقول بعصبية وانزعاج تام: "انا زهقت من اللي اسمها منيرة دي. أنا هقول لأبويا أني شوفتها بتسرق فلوس منه واخليه يطلقها ونخلص منها واصل ونرجع نكمل حياتنا كيف ما كنا مبسوطين." قالت فريال بسرعة في حدة وهي ترفع سبابتها في وجهه تحذره: "اوعاك تتكلم ولا تقول حاجة لأبوك أنت ملكش صالح بالكلام ده أنا موجودة وهتصرف." سألها بفضول يلمع في عينيه وجدية لا تليق بطفل في العاشرة من عمره أبدًا: "هتعملي إيه؟" قالت بنظرة شيطانية كلها وعيد: "هتعرف بعدين المهم متجيبش سيرة لحد ولما اقولك على حاجة تنفذها من غير ما تخلي حد يحس واصل بينا تمام." ابتسم بسعادة وغمرته الحماسة عندما أدرك أنه سيساعد أمه من الآن وصاعدًا في التخلص من زوجة والده. وبعفوية جميلة راح يلقي بجسده على جسد أمه وهو يضحك ويقول متأملًا: "قريب هنررجع كيف ما كنا ياما قبل ما تيجي منيرة دي وتخرب بيتنا وحياتنا." تنهدت الصعداء بأسى وهي تضم ابنها لحضنها وتتمتم بتمني: "أن شاء الله ياولدي أن شاء الله." *** بالقاهرة داخل المستشفى. كان يقف أمام زجاج غرفة العناية المشددة يشاهدها وهي مسطحة فوق الفراش ويديها ممتلئة بأبر المحاليل وجهاز التنفس الاصطناعي فوق أنفها. نظراته لها كانت ضائعة ومهمومة ومشاعره تتضارب كلما يتذكر كيف ألقت بنفسها أمامه لتحميه وتأخذ الأذى بدلاً منه. كأنها أصبحت آسيا أخرى ليست المرأة التي حاولت قتله لمرتين. اليوم فضلت عليه هو. "ليتني لم أسمح لكِ بالخروج.. ليتكِ لم تدفعيني لتدفعي الأذى عني وتتلقيه أنتِ." كان صوت عقله وقلبه يردد بندم محملًا نفسه ذنب ما أصابها وهي بين ذراعيه دون أن يستطيع حمايتها. وبنفس اللحظة يعود ويستغفر ربه متقبلًا حكمة القدر والبلاء، فربما يحمل الشر في ثناياه خيرًا لا يعلمه إلا الله. لم يفق من شرود عقله المهموم سوى على صوت الممرضة وهي تقول بابتسامة لطيفة: "لو حابب تدخلها الدكتور قال مفيش مشكلة بس دقيقتين بالظبط عشان متتعبش وأهم حاجة التعقيم والماسك." تنهد بعبوس وسألها باهتمام: "هي فايقة؟" هزت الممرضة رأسها بالإيجاب هاتفة: "أيوة." أومأ لها بالموافقة وهو يتنفس مطولًا براحة أنها استيقظت. ثم راح يتجهز كما أخبرته حول ضرورة التعقيم وارتداء القناع الطبي قبل دخوله لغرفة العناية. دقائق معدودة ودخل بهدوء وحرص شديد حتى عند غلق الباب. ثم تقدم نحو فراشها وراح يجلس فوق مقعد صغير بجوار الفراش ويتمعنها مطولًا وهي نائمة. وجهها شاحب وبشرتها ازدادت بياضًا من التعب والمرض. لا يفهم ماذا يحدث له، لكن رؤيته لها على هذه الحالة تمزق قلبه. فرفع كفه ووضعه فوق كفها ثم احتضنه بدفء واحتواء جميل دون أن يبتعد بنظره عنها للحظة واحدة. على أثر لمسته لها فتحت عيناها بضعف والتفتت له. وفور وضوح صورته أمام ناظريها همست له بنبرة مميزة أثرته: "عمران." خرج صوته يحمل بحته الرجولية الساحرة المفعمة بالحنان: "نعم ياغزال.. أنا جارك اطمني." مال ثغرها للجانب في ابتسامة مرهقة دون أن تنظر له، فقد كانت تارة تفتح عيناها وتارة تغلقها من فرط التعب. وصله صوتها الضعيف وهي تسأله باهتمام: "أنت كويس؟" ابتسم لها وأخذ يمسح فوق كفها بلطف متممًا في صوت ينسدل كالحرير ناعمًا: "متفكريش غير في نفسك دلوقت ملكيش صالح بيا. أنا هبقى زين لما تبقي أنتي زينة وترجعيلي." ألقت عليه نظرة رقيقة رغم التعب ولم يسعفها قول شيء بسبب ضعفها، فقط اكتفت بالضغط على كفه في لطف. فرفع هو جسده قليلًا من فوق المقعد وانحنى عليها مقبلًا جبهتها برقة. ثم استقر في مقعده مرة أخرى وأكمل لدقائق متابعته الصامتة لها وهي نائمة قبل أن يترك يدها ببطء خشية من إيقاظها ويستقيم واقفًا ثم يتجه لخارج الغرفة. نزع عنه القناع الطبي واقترب من المقاعد الحديدية التي بالردهة وجلس فوقها مرجعًا رأسه للخلف وهو يغلق عينيه. ولم يفتحهم سوى على صوت الأقدام التي كانت تقترب منه. وإذا به يجد أبيه وابن عمه قد وصلوا، لكنهم لم يكونوا بمفردهم، بل كانت أمه ومنى معهم. توقف ورأى أمه تسرع في خطاها نحوه لتحتضنه بقوة هاتفة في ارتجاف: "طمني ياولدي أنت زين. فيك حاجة؟" أجابها بخفوت وضيق ملحوظ: "أنا كويس ياما الحمدلله أنتي إيه اللي جابك بس." ردت إخلاص بغضب وحدة: "اللي جابني أنت. كيف يعني إيه اللي جابني." أول ما قالي أبوك صممت آجي معاه

مسح على وجهه وهو يزفر الصعداء مغلوبًا فاقترب بشار منه وهمس له بقلق:

_كيفها دلوك؟

تمتم بنبرة هادئة ومرتاحة:

_الحمدلله كويسة وفايقة

مال ثغر إخلاص بضيق وقالت هامسة بصوت مسموع:

_الوحش مبيجرلهوش حاچة، ربك بيخلص الحقوق بعد اللي عملته فيك

رمقها عمران بنظرة جعلتها تبتلع لسانها داخل فمها وتفقد القدرة على النطق مجددًا حتى ابراهيم نظر لها بغضب لكنه تجاهلها واقترب من ابنه يربت فوق كتفه هاتفًا بجدية:

_تعالي ياولدي واحكيلنا إيه اللي حُصل وقولت إيه لسلاّم

ابتعدوا ثلاثتهم عن مسامع إخلاص ومنى ليتحدثوا براحة أكثر بعيدًا عنهم.

هتفت منى لإخلاص بخنق:

_مكنش لها لزمة چيتي يامرت خالي ده مبصش في وشي حتى

رمقتها إخلاص بحدة وقالت:

_اصبري واعملي كيف ماهقولك بس، أنتي ملكيش دعوة أنا هظبط كل حاچة

لوت منى فمها باقتضاب ويأس ممتثلة لأوامر زوجة خالها دون أي اعتراض، عل محاولاتهم تثمر بنتائجها الجميلة هذه المرة!.

***

بمنزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة خلود، كانت ساكنة فوق فراشها تجلس منكمشة على نفسها ضامة قدميها لصدرها وتحتضنها بذراعيها، عيناها متورمة من فرط البكاء وجهها لونه يميل للأزرق من العنف الذي تعرضت له على يد والدها وأخيها، فهي لا يدخل أحد لها من وصولها للمنزل سوى والدتها لتعطيها الطعام فقط ولا تتحدث معها كثيرًا امتثالًا لأوامر أخيها بعدم التحدث معها أبدًا.


انتفضت في جلستها فجأة برعب عندما سمعت صوت الباب وبعدها انفتح بقوة، لم تكن أمها كما توقعت وكان أخيها، رمقته بنظرات مرتعدة وهي تتابعه بتركيز وهو يغلق الباب خلفه ويقف يتطلعها بنارية أحرقتها في فراشها، شعرت بلهيب الغضب يخرج منه وكأنه يود القبض على رقبتها وخنقها لكنه لا يستطيع، هبت واقفة من فراشها وتقهقهرت بخطواتها المتعثرة للخلف خوف منه عندما وجدته يتقدم نحوها، كلما يقترب كانت تبتعد أكثر ولم يسمرها مكانها سوى صرخته المدوية بها:

_اثبتي مكانك!

وقفت مجبرة وهي ترتجف خشية من أن يضربها، انهمرت دموعها فوق وجنتيها لا إراديًا وراحت تهتف بتوسل وسط بكائها:

_ابوس يدك ياعلي متعمليش حاچة تاني بزيادة معدتش متحملة


كانت الدماء تغلي في عروقه وصدره تشتعل النيران به كحريق بإمكانه القضاء على الأخضر واليابس؛ كلما يتذكر فعلتها المخزية ويتخيلها وهي بين أحضان ذلك الوغد منغمسة معه في ملذاتهم المحرمة دون علمهم، هو كل يوم يحجب أبيه عنها بصعوبة حتى لا يقتلها والحقيقة أنه هو من يحتاج ليمسكه أحد من زمام جموحه القاتلة قبل أن يرتكب فيهم أثم.

احتقن وجهه وأصبح شكله يقشعر البدن ففكرت هي بالتقهقهر مرة أخرى حتى لا ينالها سطوته لكنه قبض على ذراعها بقوة كادت تفرم لمحها بين أصابعها وهو يهتف:

_بس كنتي متحملة تنامي في حضن الـ**** ده كل يوم يافاچرة، لا كنتي بتخافي من ربك ولا عاملة حساب لحد وملبسة رچالة البيت كلهم العمة ومحدش حاسس بيكي وأنتي دايرة على حل شعرك يا***** ، اللي بنعمله فيكي قليل احمدي ربك كان زمانك دلوك عند رب كريم بيحاسبك هو


صرخت من فرط الألم وهي تبكي بقوة وتهتف متوسلة إياها بضعف:

_سيب يدي ياعلي أبوس يدك

ترك ذراعها وقبض على شعرها وهو يكمل بصوت متحشرج:

_اتبليتي على بت عمك ولطختي في شرفها وخليتي ناسها يرموها كيف الزبالة ما بتترمي وچوزوها لواد الراچل اللي قتل أبوها واتاريكي أنتي الفاچرة وال***** مش هي

اشتعلت نظراتها فور ذكره لآسيا ونظرت لأخيها شرزًا تقول بحرقة:

_وأنت محموق عليها إكده ليه، هي كانت مش عاوزة عمران ودلوك بقت دايبة فيه ومش بعيد قريب تلاقوها ماشية وبطنها قصادها، ولا أنت قلبك محروق اكمنها مبقتش ليك وأنت كنت عاوزها.. طالما زعلان إكده صدقت عليها ليه الكلام ، أنت كيفك كيفهم وهي مش هتسامح حد فيكم وحتى لو أطلقت هي وعمران مش هتكون ليك ياعلي ولا هتقبل بيك متحلمش على الفاضي و........

قبض على فكها وشد من ضغطه على شعرها وهو يصرخ بها بانفعال:

_اقفلي خشمك بدل ما اقطع حسك واصل من الدنيا ونرتاح منك


بكت ضعفًا والمًا من جموحه، فتركها وقال بنظرة مشمئزة:

_ال**** اللي لطختي شرفك وشرفنا معاه باعك وبيقول أنا مليش دعوة هي اللي كانت بتچيلي وتقرب مني وأنه مش بيحبك ولا عاوز يتچوزك، بس متقلقيش هتتچوزيه وتغوري معاه في داهية

ظهر الذهول على ملامحها من كلمات أخيها وما يقوله حبيبها عنها ثم وجدته يكمل بقسوة وهو يهم بالأنصراف:

_لتكوني فاكرة أننا إكده بنريحك وهتروحي تعيشي معاه في سعادة، اطمني أنتي طالعة من السچن رايحة لچهنم

كانت ساكنة ودموعها تسيل في صمت، صدمتها تظهر بوضوح في نظراتها وعلى وجهها الذي يعكس انكسار وعجز قلبها، بينما علي فاستدار وغادر وتركها سجينة غرفتها مرة أخرى...

***

كان جلال يجلس بغرفة الصالون الكبيرة بمفرده يتابع أعماله المتبقية من صباح اليوم، والهدوء المريب يستحوذ على الأجواء حوله ولا يُسمع شيء سوى صوت الأوراق الخاص بالعمل وهي تتحرك بفعل نسمات الهواء الهادئة، لكن هاتفه قطع صوت اندماجه فتأفف بخنق وتجاهله حتى ينهى رنينه لكن المتصل مُلح ولا يتوقف عن الرنين المستمر، فتأفف وهو يشتم بالأخير في غيظ ثم مد يده يجذب الهاتف ليجيب على ذلك المتصل ويعنفه لكنه توقف قبل أن يرد وتطلع بالشاشة التي تنير باسم منيرة في استغراب، فأجاب عليها بخنق:

_في إيه؟

ردت عليه بصوت مبحوح وضعيف وهي تستغيث به:

_تعالى ياچلال بسرعة أنا تعبانة ومش قادرة آخد نفسي مش عارفة إيه اللي حُصلي

ضيق عينيه بريبة وهتف في إيجاب قبل أن يغلق الاتصال:

_طيب جايلك

انزلت الهاتف من فوق أذنها بعد انتهاء المكالمة وهي تبتسم بخبث، ثم راحت تقف وتلقي نظرة على مظهرها وثوبها المثير في المرآة وهي تبتسم بشيطانية متذكرة كلام تلك الساحرة " أنتي أعملي كيف مابقولك بس ومتقلقيش الليلة دي هتنولي مرداك كله وقريب هتيچي تديني حلاوة العيل كمان"

أسرعت نحو الفراش والقت بجسدها فوقه وهي تمثل المرض باحتراف، فور دخوله من باب الغرفة هتفت بصوت ناعم ومرهق:

_الحقني ياچلال صدري طالع نازل ونبضات قلبي سريعة مش قادرة اتنفس

اقترب منها وجلس جوارها يسألها بقلق بسيط:

_إيه اللي حُصلك مرة واحدة إكده يعني!

اعتدلت في جلستها ونظرت له بضعف هاتفة:

_معرفش أنا بقول يمكن عشان الأكل المالح اللي أكلته عشان لما باكل حاچة مالحة بتعب إكده دائمًا

لوى فمه وهتف يوبخها بضيق:

_وتاكلي مالح ليه طالما عارفة نفسك بتتعبي.. استنى هچبلك عصير يمكن الضغط علي والعصير يريحك

استقام واقفًا وانصرف يتركها تبتسم بثقة ومكر أن حيلتها الشيطانية نجحت، نامت مرة أخرى وهي تتعمد إظهار جسدها من ذلك الثوب وبالأخص بعد عودته حيث نأولها كأس العصير وأخذت تشربه بكل بطء ورقة وهي تبتسم له بحب بين كل لحظة والأخرى، رغم أنه كان لا يظهر أي ردة فعل تدل على تأثره من محاولاتها المثيرة وكأنه لا يراها ولا يهتم لما تفعله أساسًا لكنها استمرت تيقنًا أن مفعول سحرها لن يخيب ظنها أبدًا وسيحقق لها مرادها.

دقائق معدودة وانتهت من شرب الكأس كله فسألها هو بترقب:

_بقيتي احسن دلوك؟

هزت رأسها له بالإيجاب ودون أي مقدمات مالت عليه ترتمي بين ذراعيه هامسة بدلال:

_ربنا ما يحرمني منك واصل ياحبيبي

تجمد مكانه فور معانقتها له وشعر كأن شيء غريب صابه، كان لا يريدها ولكنه لا يستطيع إبعادها، لكنه قاوم ذلك الشعور وأبعدها عنه ببطء وسط نظراته الغريبة، أما هي فشعرت أنها اقتربت من مرادها فقوست شفتيها بعبوس عندما أبعدها عنه وقالت في حزن وعين ممتلئة بالحب:

_هتفضل لغاية ميتا إكده بتبعدني عنك ياچلال، أنا بحبك قوي وعاوزة اسعدك بأي طريقة بس أنت مش مديني فرصة واصل اقرب منك من وقت چوازنا

ضربت إشارات الإنذار في عقله تنبهه باقتراب الخطر، فهناك أشياء غريبة تحدث له وكأنه بدأ يتأثر بها حتى نظراته انحرفت على ثوبها وجسدها العاري، نفر تلك الأفكار عنه وبسرعة نزع نظره عن جسدها وهو مازال يقاوم فقال بخنق وهو يتعمد عدم النظر إليها وكأنه يحاول الفرار منها:

_نامي يامنيرة أنتي تعبانة ريحي وأنا هروح أنام

قبضت على يده برقة وتطلعته بنظرات كلها رجاء واستعطاف تهتف:

_خليك چاري الليلة دي عشان خاطري

ولم تترك وقت بين تلك العبارة وبين خطوتها القادمة التي كانت نقطة النهاية حيث اقتربت منه ولثمت وجنته بقبلة مطولة كلها نعومة ومشاعر، رجعت برأسها للخلف بعد انتهاء قبلتها الطويلة ونظرت في وجهه بدقة تتفحص تأثير ذلك عليه فوجدته ينظر بغرابة لكن عيناه كلها رغبة وقد كان قد سقط في الفخ بالفعل.


أما هو فكان كالمغيب الذي ليس في وعيه ولا يفهم كيف أصبح يراها فريال وهي تبتسم له بعشق كما كانت تنظر له دومًا، هو اشتاق لها ولنظراتها بشدة وحين رآها أمامه هكذا فقد القدرة على التحكم بنفسه وانصاع خلف مكائد زوجته محققًا لها مرادها في ليلتها التي تتمناها.

***

بالقاهرة داخل المستشفى بتمام الساعة الثالثة فجرًا.......

كان عمران يجلس بجوار أمه وعلى الجانب بعيدًا منهم تجلس منى بجوار بشار، وكلما يقع نظره عليها يتنهد بخنق وقلة حيلة، لاحظت إخلاص نظراته فقالت له بانزعاج:

_چرا إيه ياعمران بتبص لبت عمتك إكده ليه؟

رمقها بنظرة ملتهبة وقال في ازدراء:

_جبتيها معاكي ليه ياما.. غايتك إيه المرة دي ياترى!

ردت إخلاص ببرود امتزج بجديتها:

_هتكون إيه غايتي يعني.. عاوزني اسيبها وحدها مع مرت أبوك الحرباية دي وعمتك ورحاب مسافرين مكنش قصادي حل غير أني أچيبها معايا.. أنت إيه اللي مضايقك من وچودها!

مسح على وجهه وهو يزفر بغيظ ويهمس بصوت محتقن:

_أنتي شايفة حالي كيف مرتي في العناية ومش عارف هتطلع سالمة ولا لا وجيبالي منى معاكي وچاية.. أنا مش متحمل مشاكل وآسيا مش بتتحمل وچودها

لوت فمها بسخرية ثم هتفت مغتاظة بحقد:

_وه من دلوك بقيت تخاف منها وعلى زعلها ياعمران

رمق أمه بعصبية وهتف بلهجة رجولية مخيفة:

_لازم أخاف على زعلها وهي في الحالة دي.. لو صدر منكم أي تصرف يعجبنيش محدش يلومني، والكلام ليكي انتي كمان، ملكيش صالح بيها ولا تتكلمي معاها أصلًا لما تطلع من العناية. اتسعت عيني إخلاص بصدمة من قسوته معها وهو يحذرها من الاقتراب من زوجته أو مضايقتها، ولا إراديًا لمعت عيناها بالدموع لتجيب عليه بتأسف وحزن: "حاضر يا ولدي، حقك عليا. واطمني، محدش فينا هيضايقها أصلًا ولا يقرب منها طالما أنت خايف على الهانم قوي كده ومش عاوز حد يلمسها بالكلام حتى. ده جزاتي إني جاية أجري أطمن عليك، بتكلمني كده عشانها يا عمران؟" تأفف بخنق وهو يمسح على شعره مستغفرًا ربه، ثم نظر لأمه وقال باعتذار ونبرة أصبحت لينة: "أنا مقصدش كده يا أمي، طبعًا حقك عليا، سامحيني. أنا أعصابي تعبانة ومش متحمل أي كلمة من حد. راعي اللي أنا فيه، أبوس إيدك، وعشان خاطري تعالي على نفسك شوية وملكيش صالح بيها." ردت إخلاص بامتعاض وانزعاج ملحوظ: "حاضر يا عمران، كيف ما أنت عاوز يا ولدي، متقلقش." تنهد بقلة حيلة وإرهاق، ثم مد يده يمسك بكف أمه يربت عليه بحنو وأسف، فابتسمت هي له ببسمة لم تصل لعينيها. *** صباح اليوم التالي، داخل غرفة جليلة بمنزل خليل. استيقظت من نومها على صوت رنين هاتفها، فالتقطته وأجابت على المتصل مجهول الهوية وهي تقول: "ألو، مين معايا؟" نظرت منى لإخلاص بخبث فور سماعها لصوت جليلة وردت عليها ببرود: "كيفك يا حجة جليلة؟ أنا منى، بت اخت الحاج إبراهيم." تقوست معالم وجه جليلة بقرف وردت عليها باقتضاب: "خير، عاوزة إيه؟" ردت منى بخبث وهي تتصنع الدهشة: "شكلك كده لسه متعرفيش اللي حصل لبنتك!" انتفض قلب جليلة بهلع فور ذكرها لابنتها وهبت واقفة من فراشها بتلهف تسألها برعب: "بنتي مالها؟ جرالها إيه؟" تابعت منى بكل برود ولؤم: "خدت طلقة امبارح في ضهرها، ومن وقت ما طلعت من العملية وهي في العناية. الله أعلم هتطلع منها ولا لأ. كان المقصود عمران، بس شكله كده مكنتش فارقة معاه بنتكم ومحاولش يحميها وسابها تاخد هي الطلقة بداله." سكتت منى للحظة كأنها تقيس نبضها وردة فعلها، لكن يبدو أن الصدمة استحوذت على جليلة وأفقدتها القدرة على النطق، فابتسمت منى وتابعت بشيطانية وضيق: "أنا لو منكم وبتي طلعت سليمة بعد اللي حصلها ده، آخدها ومخليهاش على ذمته لحظة تاني أصلًا. يمكن ياخدوها منك كيف ما أخدوا جوزك." *** بنفس الوقت، كانت فريال بالأسفل حول طاولة الطعام، تطعم أولادها فطارهم قبل ذهابهم للمدرسة. وبعد انتهائهم ورحيلهم، وجدت منيرة تنزل الدرج وتتجه نحوها وهي على ثغرها ابتسامة تشق طريقها حتى أذنها. رغم تعجبها وفضولها حول سبب تلك السعادة، لكنها تجاهلتها وكأنها لا تهتم لأمرها. أما الأخرى، فقد اقتربت وجلست على المقعد المقابل لفريال وهي تتطلع لها بنصر وخبث، وفريال مازالت تتجاهلها. لكن منيرة لم تهدأ، حيث سألتها بمكر: "إيه هو مفيش حد فطر ولا إيه؟" رمقتها فريال بطرف عينيها ولم تجبها، فضحكت الأخرى وهمست بغنج تلقي بقنبلتها القاتلة: "أنا هقوم أحضر الفطار لجوزي، سيد الرجال. أصل نازل دلوقتي وهو على لحم بطنه من امبارح وهيفطّر أكيد جعان وعاوز يفطر." رفعت فريال رأسها لها ورمقتها بنارية، فتابعت الأخرى بنظرة نصر كلها دلال: "ودعي عهدك عاد من إهنه ورايح. جلال بقى ليا، وامبارح كانت أول ليلة بينا." تجمدت فوق مقعدها وتحول وجهها بلحظة من الغضب للذهول وعدم الاستيعاب، وكأن صاعقة برق ضربتها وأحرقتها. فجسدها كله تشنج وقلبها راح يصرخ متوجعًا. كل شيء كان يسقط متواليًا فوق رأسها، حيث بنفس اللحظة كان هو ينزل الدرج ووقف مكانه فور رؤيته لها وهي تنظر له بصدمة. *** بالقاهرة، كانت آسيا استعادت صحتها وفاقت تمامًا، وتم نقلها لغرفة خاصة بناءً على طلب عمران. شعر هو بقلبه يتراقص فرحًا بعدما رآها سالمة وخرجت من دائرة الخطر وأصبحت بخير. لأول مرة يصيبه ذلك التلهف لرؤيتها، وفور نقلها لغرفتها، كان هو أول ما يدخل لها مع الطبيب ليطمئن على حالتها الصحية. رأته وهو يدخل، فابتسمت باتساع في سعادة وحب. بينما هو، فاقترب منها وانحنى عليها يلثم جبينها بحنو هامسًا بصوت لم يسمعه سواهم: "حمدلله على السلامة يا غزالي." ابتسمت له بخجل وفرحة، بينما الطبيب فبدأ بفحصه لها وهو يسألها بوجه مشرق: "حمدلله على السلامة يا مدام آسيا، طمنيني عاملة إيه وحاسة بأي حاجة ولا لأ؟" ردت عليه بخفوت جميل: "بخير الحمدلله يا دكتور، أنا كويسة." ردد الطبيب "الحمدلله" خلفها مبتسمًا وأكمل فحصه لها. وبعد انتهائه، استأذن وكان في طريقه لمغادرة الغرفة. لكن آسيا بتلك كانت تحاول الاعتدال والتحرك، فلم تستطع. جربت المحاولة مجددًا لكن دون فائدة. وعندما عنّدت وضغطت على نفسها، تألمت بشدة وأخذت تصرخ بألم، فهتف عمران بسرعة مفزوعًا: "مالك، في إيه؟" نظرت له بعين دامعة وهتفت: "مش قادرة أحرك رجلي يا عمران."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...