تركت خصلات شعرها مجبرة بعد صرختها بها، لكنها تابعت وهي ترفع سبابتها في وجهها تحذرها بلهجة مرعبة، دون أي اكتراث لوجوده: _ابعدي عن چوزي وعيالي وغوري من بيتي بكرامتك بدل ما أخليه هو اللي يرميكي برا البيت.
انهارت قوى منيرة وانفجرت في نوبة بكاء عنيفة، وفي غضون ثوانٍ كانت تندفع نحو جلال تلقي بجسدها بين ذراعيه وهي تنتفض بخوف وانهيار تام. استقرت نظرات الملتهبة على منيرة وسرعان ما شملت زوجها أيضاً، وهذه المرة لم تتحدث بل اكتفت بالنيران التي أشعلتها للتو وغادرت وهي تلقي عليهم نظرة مشمئزة. فور رحيل فريال هتفت منيرة بين ذراعيه وهي تبكي ببراءة متصنعة: _شوفت مرتك عملت فيا إيه يا چلال. حاوطها بذراعيه من كتفيها وأبعدها برفق
عنه يسألها في قلق بسيط: _أنتي كويسة فيكي حاجة! هزت رأسها بالنفي وهي مستمرة في البكاء والشكوى: _أنا كويسة بس أوعاك تقولي هتسكتلها بعد اللي عملته ده.. دي كان ناقص تقتلني قصادك ولا هاممها حد ولا عاملة حساب ليك حتى. هو كان يشتعل بلهيب الغيظ والغضب من فريال بالفعل، ولم يكن بحاجة لأي تحفيزات نارية أكثر، فقال لها بحدة ونظرات مريبة: _طالما زينة ومفكيش حاجة اطلعي على أوضتك يلا وأنا هحصلك بعدين.
توقفت عيناها فجأة عن ذرف الدموع وراحت تهز رأسها له بالانصياع التام، وفور استدارتها واتجاهها لخارج الغرفة ابتسمت بخبث على عبارته بأنه سيلحق بها إلى غرفتهم بعد أن ينتهي من تلقين زوجته درساً على فعلتها الغير لائقة أمامه. *** بالقاهرة داخل منزل عمران....
كانت آسيا متسطحة فوق الفراش وتستعد للنوم، لكن صوت رنين هاتفه المرتفع أزعجها بشدة. ظلت مكانها تنظر للهاتف من مكانها تنتظر توقف الرنين، لكن كلما يتوقف يبدأ مرة أخرى. كان المتصل ملحاً لأقصى درجة لا يتوقف عن الرنين. زفرت هي الصعداء بخنق وتأففت بعد أن ألقت نظرة على الحمام حيث كان هو بالداخل يأخذ حمامه المسائي، فهبت واقفة من الفراش واتجهت نحو الهاتف لكي تخفض صوت الرنين، لكن يدها تجمدت فوق الهاتف عندما قرأت على الشاشة اسم منى.
راحت تحدق في شاشة الهاتف بدهشة امتزجت بغيرتها القاتلة. تفكر ملياً كيف تتصرف مع تلك الشيطانة، فقد أصابتها الجرأة التي تمكنها من الاتصال على زوجها بوقت متأخر من الليل هكذا. ولماذا؟
تمنت بتلك اللحظة ليتها تكون أمامها حتى تنتف شعرها وتخنقها بيدها. من حسن حظها أن الرنين انتهى قبل أن تجيب آسيا عليها، وكانت على وشك أن تترك الهاتف وتتجاهل الأمر الآن مؤقتاً، لكن عودة اتصالها للمرة الخامسة تقريباً جعل آسيا تفقد آخر ذرة من صبرها، فجذبت الهاتف وأجابت عليها بحدة: _الو. وصل لأذن آسيا الرد من منى بعد ثوانٍ وهي تسألها: _أنتي آسيا؟ ردت عليها ببرود مزيف، لكن لهجتها كانت مخيفة:
_رانة على رقم جوزي وردت عليكي ست هتكون مين غيري يعني. ضحكت منى بلؤم وقالت متعمدة استفزازها: _معرفش أنا حبيت أتأكد بس. عموماً أنا كنت عاوزة اكلم عمران في حاجة ادهوني لو قاعد جارك. جزت آسيا على أسنانها من فرط الغيظ وردت عليها بنبرة صارمة: _قاعد جاري وبيقولك مش فاضي. لم تمهلها اللحظة لتجيب عليها، حيث تابعت تلقي عليها تحذيراتها بلهجتها المريبة:
_آخر مرة تتصلي على جوزي تاني أنا جربتيني قبل كده وجربتي لسعتي يامنى. اتقي شري أحسنلك. سمعت ضحكة الأخرى المرتفعة ساخرة على تهديدات آسيا لها لتجيب عليها باستنكار: _أمال لو كان بيحبك صح وماخدك برضاه كنتي هتعملي فينا إيه ياكسر البنات.
صمت مرعب استحوذ على المكالمة بعد عبارة منى. فقد تحولت آسيا من البرود لنيران متوهجة. عيناها تلونت بالأحمر واحتقن وجهها بالدماء. والتهب صدرها بالغضب والغيظ. تلك الوغدة نعتتها بلفظ لم تكن تتوقع أن تسمعه بحياتها كلها. لكنها أقسمت على أن تجعلها تتمنى عودة الزمن ولا تتفوه بذلك اللفظ. كانت ستنهي الاتصال دون رد عليها، لكنها ألقت بقنبلة تدرك نتائجها جيداً في نفس تلك الشيطان حيث قالت:
_لما يشرف ولي العهد إن شاء الله وقتها اخلي المعلم يرد عليكي بنفسه. ودون انتظار انتهت الاتصال وهي توعد لها بعقاب عسير على ما تفوهت به في حقها. لم تلبث لتستدير بجسدها للخلف فوجدت عمران يقف عاقداً حاجبيه ويسألها بتعجب وعدم فهم: _ولي عهد إيه ده؟
انعقد لسانها وتصلبت مكانها دون حركة، فقط تتتمعنه بصدمة واضطراب يظهر بوضوح فوق صفحة وجهها. بلحظة نسيت كل شيء وفرت الكلمات هاربة منها، فلم تجد ما تجيب به عليه لتبرر ما تفوهت به وتصحح ما يظنه عنها الآن. خجلت وتوترت بطريقة لأول مرة يراها عليها. رفع حاجبه بنظرة ثاقبة منه عندما قابل الرد منها بالصمت والتوتر الغريب هذا، فهتف: _آسيا أنا بكلمك! خرج صوتها أخيراً، لكنه كان متلعثماً وهي تقول مستنكرة ببسمة مرتبكة: _ولي عهد إيه!
.. أنا قولت ولي عهد! .. أنا مقولتش الكلام ده واصل. تقدم نحوها خطوة فوجدها تتقهقر للخلف مما أثبت له أنها ليست طبيعية، فتلك التصرفات ليست لآسيا أبداً. تقدم خطوة أخرى غير مكترثاً بتوترها الملحوظ ووقف أمامها مباشرة يقول بلهجة ثابتة: _أمال اللي أنا سمعته ده إيه؟
ازدردت ريقها بخجل فقط من فكرة سماعه لعبارتها وهي تصرح برغبتها بطفل منه. ليتها لم تتفوه بها. تلك الأفعى الخبيثة السبب في هذا الوضع المحرج، ولكنها ستلقنها الدرس الذي تستحقه فور عودتها للمنزل. لا تستطيع إخفاء خجلها، لكنها ستحاول البقاء صامدة والتصرف ببرود حتى لا تثبت له ظنونه وتصبح هي الفريسة لصياد لا يرحم. رسمت الثبات المتصنع على وجهها ووقفت بشموخ أمامه تقول بنبرة خرجت باردة بعد صعوبة: _سمعت غلط ياعمران أنا مقولتش كده.
كانت ستهُم بالانصراف من أمامه، لكن بعد أول خطوة قبض على ذراعها يوقفها وهو يسألها بنبرة غليظة يظهر بها الضيق الحقيقي من هروبها منه: _كنتي بتكلمي مين من تلفوني؟ سكتت للحظة وفكرت ملياً ماذا تجيب، فلو أخبرته "منى" سيحاصرها بأسئلته التي لن تنتهي وربما النتيجة بالنهاية ستكون واحد صفر لصالحه. آثرت بالأخير الفرار منه بأي حجة وسرعان ما أفلتت ذراعها من قبضته تقول بتلهف:
_أنا كنت حاطة ميه على النار زمانها بتغلي من بدري هروح أشوفها.
لم تترك له فرصة ليعترض، حيث اندفعت للخارج شبه ركضاً، وبقي هو مكانه يحدق على أثرها بغيظ، وباللحظة التالية كان يجذب هاتفه ويضغط على المكالمات الأخيرة فوجد اسم "منى" آخر اسم في قائمة الاتصالات. التفت برأسه للخلف نحو الباب وهو يفكر بتدقيق يحاول تخمين ماذا قالت منى ودفعت آسيا لتجيب عليها بتلك العبارة وما سبب تصرفاتها المريبة. هو أصبح يفهمها جيداً والآن حدثه يخبره أن هناك شيء لا يعرفه. *** داخل منزل خليل صفوان .......
فتح جلال باب غرفته هو وفريال ودخل. فور دخوله وجد فريال تنظر له ساخرة عندما رأت الغضب على ملامحه وتقول بشجاعة لا تقل عن ما كانت عليه بالأسفل: _إيه چاي عندي ليه روح عند حبيبة القلب واسيها تلاقيها مموتة روحها من البكا. لوى فمه بغيظ من ردها وأسلوبها الفظ، ثم أغلق الباب بهدوء وتقدم نحوها بخطوات متأنية، ومع كل خطوة كانت تنم عن اقتراب الطوفان أكثر. لكنها وقفت أمامه بكل ثبات وصرخت به بعصبية قبل أن يبدأ بصب جموحه عليها:
_اوعاك تقول ولا كلمة.. مش بعد كل ده وچاي دلوقتي تمسك في خناقي عشان العقربة دي. جلال بصوت رجولي مخيف يحمل لهجة التحذير: _وطي حسك. انفعلت أكثر وراحت تصرخ بأعلى صوت لديها وهي تلقي عبارات مهينة له ولرجولته دون وعي منها: _لا مش هوطي حسي ياچلال.. بدل ما أنت چاي تفرد رجولتك عليا عشان مش قادر غير عليا روح شوف التانية اللي بتسرقك ومقرصاك وملبساك العمة وأنت ولا داري بحاجة والله أعلم بتعمل إيه تاني من وراك كمان ياراجل البيت!
احتقن وجهه بالدماء وأظلمت عيناه بشكل مرعب، وبلحظة جموحه رفع يده بالهواء وكان سيهم بصفعها. لكنه توقف على آخر لحظة وفاق عندما رآها تتحامي بيديها وتميل بوجهها للجانب تتفادى صفعته. فانحرفت يداه بنفس اللحظة لتصطدم بالحائط يضرب عليه بقبضته بكل قوته، أما هي فرفعت رأسها ونظرت له بصدمة تقول: _بترفع يدك عليا عشانها! .. صح أنا الغلطانة كان لازم اسمع كلام ناسي ومرجعلكش واصل.
رغم كل ما قالته وما تفعله هو يصمت فقط لأنه يعرف إذا تحدث ربما يخسرها للأبد. يكتم جموحه وسطوته في نفسه حتى لا يجرحها ويأذيها، لكن فاض كيله وثار عندما وجدها تقترب منه وتقول بقسوة: _أنت عارف زين أني لو طلعت المرة دي من البيت مش هرجعلك تاني لو على جثتي والمرة دي هاخد عيالي معايا كمان. أنا اديتك فرصة تانية وأنت ضيعتها ياچلال.
أنهت عبارتها واتجهت نحو الخزانة تنوي إخراج حقيبة ملابسها حتى ترحل، لكنه غار عليها وجذبها من ذراعها ودفعها بعنف نحو الفراش فسقطت فوقه، وصرخ بها بصوت جهوري هز أركان الغرفة والمنزل بأكمله: _مش وكالة من غير بواب هي عشان كل ما تطب في دماغك تقولي أنا مهملة البيت وماشية. رجلك مش هتعتب عتبة البيت يافريال أنا سكتلك كتير وكنت بهاودك وحنين معاكي لغاية هنا وكفاية. مش عاوز اسمع كلمة ماخدة خلجاتي وماشية دي تاني فاهمة ولا لا.
بعد انتهائه استدار وغادر الغرفة ثم أغلق الباب بالمفتاح من الخارج عليها حتى لا تفكر بالهروب. وتركها متسطحة فوق الفراش تبكي بنحيب مرتفع وجسدها كله ينتفض بعنف. *** بالطابق الثالث داخل غرفة منيرة كانت تتحدث في الهاتف مع سيدة وهي تضحك بخبث وتقول بسعادة: _بركاتك ياشيختنا ده شكل مفعول اللي ادتهوني اشتغل أول ما حطيته معقول في يوم وليلة يشعلل الدنيا كده. ردت السيدة ببسمة فخر:
_امال أنتي فاكرة إيه أنا مش قولتلك هتاخديه وتدعيلي. هو حصل إيه؟ قالت منيرة بلؤم ضاحكة: _مسكوا في خناق بعض. وشكله شايط على أخره أول مرة اسمع زعيقه كده البيت بيتهز من صوتهم وشكلها هتسيب البيت وتمشي. ضحكت الأخرى وقالت بفضول: _زين زين. وحديهم وحديهم ولا أنتي عملتي حاجة كيف ما قولتلك. قالت منيرة ببسمة شيطانية:
_لا أنا دلقت البنزين على النار الأول وسبت الباقي عليهم. عملت روحي تعبانة وقربت منه قصادها عشان تشيط كيف ما قولتيلي وحصل فعلاً لقيتها مرة واحدة مسكت في شعري كيف المجنونة وبعدين كملوا هما الخناقة في اوضتهم وزمانه جايلي دلوقتي عشان اهديه واطبطب أنا عليه. من سوء حظ جلال أنه بتلك اللحظة لم يسمع سوى الجزء الأخير من كلام منيرة، ومن حسن حظها هي أنه لم يكشف سوى جزء صغير من أفعالها.
انتفضت بفزع عندما وجدته يقتحم عليها الغرفة وهو كالثور الهائج، وبلحظة كان يصفعها ويجذبها من شعرها صارخاً بها: _يعني أنتي كنتي بتستعبطي عشان تعملي مشكلة بينا يا***. حاولت التملص من قبضته وهي تصرخ باكية بخوف: _لا والله ياچلال كدب أنا كنت تعبانة صح.. هي بتكدب عليك عشان تداري على اللي عملته معايا. صرخ بها بصوت نفضها بأرضها: _هي إيه.. أنا سامعك بودني وأنتي بتتكلمي في التلفون، كنتي بتكلمي مين دلوك؟ بكت بقوة وردت عليه
بصوت مرتجف من فرط الخوف: _محدش والله، كنت بكلم اختي.. أبوس يدك سيب شعري يا چلال. غضبه كان يغطى على عينيه ويجعله لا يرى أمامه، حيث راح يصفعها مرة أخرى وهو يصرخ بها محذرًا: _قولتلك مية مرة ملكيش صالح بيها، وأنتي برضك مصممة على الخراب.. أنا هبعت لأبوكي دلوك وأخليه يا چي ياخدك عشان اخلص منك واصل ومن وشك. صرخت وهي تتوسله ببكاء وخوف:
_لا أبوس يدك يا چلال ماتبعت لأبوي، حقك عليا أول وآخر مرة.. خليني چارك وأنا هبقى خدامة تحت رچليك ومش هكسر أوامرك واصل. دخلت جليلة مسرعة وراحت تكبل ابنها وتبعده عن زوجته وهي تقول بزعر: _وه فيك إيه يا ولدي مالك، اهدى. صاح وهو يوجه تعليماته الصارمة لأمه: _دي رجلها متعتبش برا عتبة الأوضة لو كان إيه يا ما، مفهوم ولا لا؟ مسحت جليلة على ذراع ابنها بلطف لتهدأه وتجيب عليه بانصياع تام دون أي نقاش وعلى وجهها يظهر
القلق والخوف على ابنها: _حاضر يا ولدي، كل اللي تقوله هيتنفذ كيف ما عاوز، متقلقش.. تعالى بس معايا أنت واهدى عشان خاطري. جذبته جليلة من ذراعه بلطف للخارج وأغلقت الباب على منيرة ثم سارت مع ابنها نحو غرفتها. *** داخل منزل إبراهيم الصاوي.....
كان إبراهيم يجلس بغرفة الجلوس الكبيرة، وعلى المقعد المقابل له كانت تجلس إخلاص تتحدث معه عن أمور مختلفة، ووسط حديثهم اقتحمت عفاف الغرفة ودخلت وهي تبتسم لإبراهيم حاملة فوق يديها كأس الشاي الخاص به. جذبه من يدها مبتسمًا لها بحنو يهتف: _تسلم يدك يا أم بلال. ردت عليه بدلال أنثوي وهي تجلس بجواره: _بالهنا والشفا يا حچ. خرج صوت إخلاص المستاء وهو توجه حديثها لعفاف بحدة: _چرا إيه يا عفاف، مش شايفة إني بتكلم مع چوزي ولا إيه!
ردت الأخرى عليها ببرود مبتسمة: _شايفة، أنا چيت ادي للحچ الشاي بتاعه وأفكره أن الليلة هو عندي أصل أنا مستنياه. تأففت إخلاص وردت عليها بغيظ تتصرف ببرود رغم غيرتها القاتلة: _تحشمي واحترمي سنك، ولدك راچل وعريس وأنتي لساتك كيف ما أنتي. ضحكت عفاف وقالت بغنج وعدم مبالاة: _وه هو عشان ولدي بقى راچل ابقى مدلعش على چوزي. خشي إبراهيم من فتيل النيران الذي على وشك الاشتعال بين زوجاته، فقال بهدوء يوجه حديثه لعفاف:
_بزيادة كلام كتير عاد، وأنتي اطلعي يا عفاف على فوق، ولما اخلص حديتي أنا وإخلاص هحصلك. أماءت له بالموافقة وانحنت على أذنه تهمس له بخبث ووقاحة: _متتأخرش يا حچ، مچهزالك الطقم اللي بتحبه. انهت عبارتها واستقامت واقفة تتجه للخارج وتتركه يتابعها، ورغم أنف إبراهيم يبتسم بمكر، مما أشعل نيران الأخرى التي تتابع ما يحدث أمام عينيها بينهم، فرمقت إبراهيم بغيظ وسألته بجرأة: _إيه قالتلك إيه! أخفى ابتسامته ورد عليها بجدية:
_ولا حاچة، المهم احنا كنا بنقول إيه. اغتاظت واستقامت واقفة تجيب بتمنع وضيق ملحوظ: _اطلع لها يا إبراهيم، أنا تعبانة وعاوزة أنام. اعتدل في جلسته بسرعة وقبض على ذراعها يوقفها موجهًا حديثه الحازم لها: _فيكي إيه!! .. اقعدي چاري إهنه واتكلمي. جلست بجواره مرغمة وقالت بخنق دون النظر لوجهه: _مفياش حاچة يا إبراهيم، اطلع لمرتك لتتأخر عليها. لف ذراعه حول كتفيها وضمها لصدره ضاحكًا وهو يقول باسمًا:
_كنتي بتتريقي عليها عشان بتدلع وأنتي لساتك بتغيري عليا. لوت فمها بسخرية وقالت بحدة مزيفة: _أنا مبغيرش من حد.. بعدين أنت مالك إكده، الليلة دي حاسة روحي قاعدة چمب راچل لساته في عز شبابه. رفع حاجبه مستنكرًا كلامها ورد بكل ثقة وغرور: _ما أنا لساتني شباب، ولا أنتي عندك كلام تاني! ضحكت عليه وقالت بقلة حيلة: _شباب وين يا راچل، وأنت شعرك كله أبيض. قال بمزاح مبتسمًا: _وأنتي مالك بالشعر، المهم الصحة يا أم عمران. قهقهت بقوة وهي
تضربه على صدره بلطف هاتفة: _يا راچل اختشي، ميصحش إكده. انحني عليها ولثم رأسها بقبلة دافئة متمتمًا في اهتمام حقيقي: _المهم متزعليش بس.. ده أنتي الغالية. ابتسمت له بحب رغم غضبها منه، لكنه نجح في امتصاص خنقها بذكاء. استقام واقفًا بالنهاية وهو ينحني يقبلها مرة أخرى هاتفًا: _عاوزة حاچة؟
هزت رأسها له بالنفي ثم تابعته وهو يغادر الغرفة ويتركها، ورغم غيظها من أنه يتجه لزوجته الثانية، لكن محاولته لنيل رضاها منذ قليل جعلتها تهدأ قليلًا. *** بالقاهرة داخل منزل عمران...... كانت تقف بالمطبخ تفكر بما حدث منذ قليل وتحاول تخمين كيف يفكر ياترى الآن. هل فهم أنها بالفعل تريد طفل منه! ماذا سيحدث لو حاول تنفيذ رغبتها؟
اتسعت عيناها بصدمة وزعرت، لكنها فورًا استنكرت نفسها، فهي تريده أساسًا، لماذا تتنمع وتمثل الخوف والتوتر من ردة فعله تجاه ما قالته. ربما يجب عليها الأخذ بنصيحة صديقتها وتنفيذ ما قالته حتى تنجح بالحصول على قلبه في أسرع وقت. سيكون الأمر صعب بالبداية، لكنها مضطرة إذا كانت تريد عشقه لها. انتفضت مفزوعة على صوته وهو يقف بجوارها يسكب المياه في الكأس: _سرحانة في إيه؟ طالعته وقالت بهدوء تام: _ولا حاچة. كما توقعت، وكانت
تنتظر وجدته يسألها بجدية: _كنتي بتقولي إيه أنتي ومنى، وليه اتصلت؟ رفعت كتفيها لأعلى وقالت بجهل في برود أعصاب غريب على عكس ما كانت عليه منذ قليل: _معرفش اتصلت ليه، أنا قولتلها إنك مش فاضي.. أما قولنا إيه فأكيد مش محتاجة أقولك، أنتي عارف أننا مش بنطيق بعض وطبعًا شديت معاها في التلفون. اعتدل في وقفته حتى أصبح مواجهًا لها تمامًا، فقال بنبرة الرجولية: _وأنتي رديتي عليها ليه؟
اشتعلت من سؤاله وبلحظة تحولت من البرود للانفعال، فقالت بغيظ: _وهي ترن عليك دلوك ليه.. في إيه مهم لدرجة أنه ميستناش لما نور ربنا يطلع. رأته صامت يحدقها بنظرة غريبة، لما يكن غاضبًا وأيضًا ليس طبيعيًا، مما جعلها ترتبك منه ومن ذلك الهدوء، فتنحنحت بخفوت وهمست له وهي تتحاشى النظر إليه وتشغل نفسها بتحضير شطيرة الجبن هاتفة: _اعملك معايا ساندوتش؟ ابتسمت باتساع وراحة عندما سمعته يجيب بهمس جميل: _اعملي يا غزالة.
لمعت عيناها بالخجل وهي تنظر له، ثم دفنت نظرها في الشطيرة مرة أخرى، بينما هو فظل يتمعنها بسكون جميل وهو جالس على المقعد الذي حول الطاولة الصغيرة التي بالمطبخ. بعد انتهائها اقتربت منه وجلست بجواره وهي تضع شطائر الجبن بالمنتصف، فالتقط واحدة وبدأ بالأكل وهي أيضًا. اخترقت فقاعة الصمت وهي تسأله برقة باسمة: _عمران هو أنا ممكن انزل بكرا مع سندس، عاوزة اشتري كام حاچة وهي هتوريني الأماكن وتساعدني. رد عليها بغلظة:
_عاوزة تشتري إيه؟ تنحنحت بإحراج وقالت بعبوس: _هدوم.. أنا أعرف أن الهدوم في القاهرة هنا بتكون حلوة، وأنت عارف أنا حتى مچهزتش نفسي كيف البنات قبل الچواز، فحابة اشتري كام حاچة جديدة ليا من إهنه قبل ما نرچع البلد. لم يبدي أي ردة فعل معارضة، بل بالعكس رد عليها مبتسمًا بحنو: _طيب بكرا ننزل أنا وأنتي وتشتري اللي تحبيه. اتسعت عيناه بدهشة وبسرعة قالت معترضة في ارتباك: _لا أنت لا. رفع حاجبه وتبدلت ملامح وجهه ليجيبها
بلهجتها الصعيدية الحادة: _هو إيه اللي أنت لا ده! ازدردت ريقها وقالت بتوتر محاولة تصحيح وجهة نظرها: _قصدي يعني أنا حابة انزل مع سندس، هرتاح اكتر. لكن وأنا بشتري معاك ممكن اتكسف عشان مش متعودة عليك. استنكر عباراتها وأجابها ساخرًا بعدم اقتناع: _مش متعودة عليا كيف يعني.. هو احنا متچوزين امبارح. مالك يا آسيا أنتي مش على بعضك إكده ليه، فيكي حاچة غريبة! تأففت بقلة حيلة من عناده وقالت في غيظ منه:
_وبعدين عاد يا عمران، يعني ممكن احب اشتري حاچات خاصة هتشتريها كيف معاك! مال ثغره للجانب رغم أنف إبراهيم في بسمة ليست بريئة، وقال بالنهاية وسط بسمته: _خلاص يبقى استنى لما نرچع وخدي فريال وانزلي معاها. كانت تشتعل غيظًا من خبثه وضحكه، لكنها أصرت على رغبتها وقالت بعبوس طفولي وخنق: _قولتلك نفسي اشتري من القاهرة إهنه، وأنت تقولي استنى لما نرچع.. فيها إيه يعني لما انزل مع سندس! قال برفض وهو يتناول شطيرته:
_مفيش نزول لوحدك في القاهرة إهنه، دي مش زي البلد.. ياتنزلي معايا يا أما تستني لما نرچع. ذلك الخبيث يفعل هذا متعمدًا. للحظة كانت ستتراجع ولن تخرج لشراء الملابس من الأساس، وكان سيكون هو الخاسر ليس هي. لكنها اعتبرت الأمر عنادًا وقابلت عناده بعناد أكثر، لكن في دهاء أنثوي، حيث قالت راحت تمسك بكف يده وتنظر في عينيه بدلال هامسة برجاء: _عشان خاطري يا معلم.. مش هتأخر وكل خطوة هتصل بيك اطمنك عليا.
ضحك تلقائيًا على دلالها واستخدامها لكلمة "معلم" كطريقة للحصول على ما تريد، ثم أخفض نظره ليدها الممسكة بكفه فقال غامزًا: _طب ما أنتي مش بتتكسفي ولا حاچة ومتعودة عليا أهو.. مش عاوزة تنزلي معايا ليه عاد؟
تركت يده فورًا بخجل وارتباك، ثم عادت بظهرها للخلف على المقعد وعقدت ذراعيها أسفل صدرها زامة شفتيها للأمام كالأطفال عابسة. ظل يتابعها وهو يضحك بصمت ومستمر في الأكل، بينما هي فعندما لم تحصل على رد منه بالموافقة هبت واقفة بحزن واتجهت لغرفتها وأغلقت الباب. بقى لدقيقة وهو يأكل ويبتسم باتساع ليقول صائحًا عليها: _تعالي كملي وكلك! سمعها تجيب عليه من الداخل بضيق: _موافق انزل؟ قهقه مغلوبًا ورد بالأخير في استسلام:
_طيب انزلي خلاص.. يلا تعالى. بظرف لحظة كانت الباب ينفتح وتخرج هي منه وتعود له مجددًا وهي تبتسم بسعادة. تمعنها مطولًا وهي تأكل، ثم قال بخبث: _إيه مفيش أي حاچة.. شكرًا يا معلم. ضحكت وقالت باسمة برقة بعدما فهمت ما يريده بالضبط: شكرًا يا معلم. أجابها باسم ببحة رجولية مميزة أربكتها بشدة: العفو يا غزال. أخفضت نظرها للأكل وأكملت بصمت وهي تتفادى النظر إليه بسبب خجلها منه، بينما هو فكان يتأملها باسمًا... ***
في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
وقف جلال أمام غرفته وتنهد الصعداء مطولًا، ثم مد يده في جيب جلبابه وأخرج المفتاح ليضعه بقفل الباب ويفتح ببطء. دخل وأغلق الباب بالمفتاح أيضًا بعد دخوله، وعندما سقط نظره على الغرفة وجدها نائمة في الفراش، فزفر بخنق ووجه مهموم. ثم توجه نحو الأريكة المقابلة للفراش وجلس عليها يتابعها وهي نائمة بنظرات ضائعة يتذكر ما حدث منذ ساعات بينهم. لا يفهم كيف فقد أعصابه بهذه الطريقة وكيف وصل الأمر بينهم لهذه الدرجة. هو فقط كان ينوي معاتبتها على ما فعلته أمامه مع منيرة، لكن عندما رآها عم الظلام على عينيه وأصبح لا يرى شيئًا سوى غضبه منها. وما تفوهت به في حقه كان قاسيًا أيضًا ولا يستطيع نسيانه، كأنها كانت امرأة أخرى وليست زوجته. ما الذي حدث لهم في ساعات قليلة؟
فهو كان يقول بالصباح أن المياه بدأت تعود لمجاريها مرة أخرى وستسامحه وتصبح زوجته وحبيبته له مجددًا. لكن انقلبت الموازين بلحظة بعد هذا الشجار! دفن رأسه بين راحتي كفيه وهو يتأفف بتعب وشجن، ولم يدرك نفسه إلى متى ظل هكذا على الأريكة إلا عندما فتح عينيه بالصباح على صوت ضجة بسيطة بالغرفة. فوجدها تقوم بترتيب الغرفة وتلقي بالأشياء على الأسطح الزجاج والخشب متعمدة إصدار إزعاج حتى توقظه من نومه.
فرك عينيه ومسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يزفر بقلة حيلة، ثم استقام واقفًا واتجه نحو الخزانة لكي يخرج ملابس نظيفة له، فوجدها تسأله بغضب: هتفضل حابسني في الأوضة إكده لغاية ميتا؟ عليها بخنق ملحوظ في نبرته: لغاية ما عقلك يرجع لراسك وتعقلي. اندفعت نحوه تهتف بعصبية: ليه شايفني مجنونة! رد بحدة دون أن ينظر لها: لا مش مجنونة بس أنتي مش طبيعية يا فريال ولا في وعيك. ابتسمت بسخرية وهتفت بقسوة وعدم اكتراث:
مش طبيعية عشان عاوزة أهمل البيت. هو الطبيعي بنسبالك إني أقعد مع راجل اتجوز عليا وبيرفع يده عليا كمان. التفت لها واقترب منها بخطواته حتى وقف أمامها ليقول بغضب: اللي قولته امبارح كلام يستفز أي راجل، وغصب عني رفعت يدي عليكي. أنا مش هلومك ولا هحاسبك على اللي قولتي عشان معادش عندي طاقة ولا عاوز الفجوة اللي بينا تكبر أكتر. استغفري ربك إكده وروحي اتوضي وصلي واقري قرآن يمكن تهدي شوية. أجابته بجفاء دون أي شفقة على حاله:
أنا معادش عاوزاك يا جلال وعاوزاك تطلقني. أنت أساسًا خسرتني من وقت ما اتجوزت، وأنا كنت هديك فرصة تانية لكن أنت ضيعتها من قبل ما تاخدها. لم يجيبها واكتفى بصمته المرير، بينما هي فتابعت بعدم رحمة وكأنها ليس بوعيها بالفعل أو تحولت لشخص آخر: مش بحبك بقيت بكرهك وبكره شوفتك. طعنته بخنجر مسموم في أعمق يساره وتركته جريحًا ينزف بعد عبارتها الأخيرة، ليجيبها بصوت مبحوح وثابت رغم انهياره الداخلي:
وأنا مش هخليكي تشوفيني من إهنه ورايح غير على سفرة الأكل. لكن اعملي حسابك طلاق مش هطلق، وده عشان عيالي بس وعشان مش عاوزاهم يتربوا بعيد عن أمهم. دخلت في صدمة بعد إقراره أمامها بأنه هو من سيهجرها. هجر أقسى وأصعب من الفراق أن يكون معها بنفس المنزل ولا تراه سوى على الطعام أو عندما تتقاطع طرقهم مع بعض داخل المنزل. لم تلبث لتفيق من صدمتها حتى استيقظت من شرودها على صوت الباب وهو ينغلق ولم تسمع صوت المفتاح هذه المرة! ***
كان عمران يقف بالشرفة ويتحدث بالهاتف في برود أعصاب تام رغم الأجواء المشحونة بالغضب بين الطرفين. قال عمران بلهجة رجولية مخيفة: هو مش أنت برضوا اللي من سنتين حطيت البودرة في شحنة السمك ولبستها فينا وفي عيلة خليل عشان توقع بينا ويخلالك الجو لوحدك؟ واديني بقولك أهو أنت لوحدك من إهنه ورايح معدش في شغل بينا. رد عليه الرجل بصوت محتقن بالدماء: يعني إيه الكلام ده وفلوس الشحنة اللي فاتت؟ ضحك عمران وهتف بكل ثقة وبرود:
هما مش بيقولوا أمك في العشة ولا طارت يا معلم، يعني استعوض ربنا فيها. ملكش فلوس عندي. اعتبرها تصفية حساب بعد اللي عملته معانا. أجابه الرجل بغضب حقيقي ولهجة تحمل التهديد والإنذار: أنت كدا بتلعب في الخطر يا معلم عمران. خلينا ننهي الشراكة ونفضها بالعرف من غير مشاكل وفلوسي ترجعلي أحسن. عمران بلهجته الصعيدية الحادة:
أنا مبتهددش، أوعاك تنسى روحك معايا. ولو البحر جارك اشرب منه. فلوس ملكش عندي وشحنة السمك بتاعتك أنا مدخلتهاش المخزن من أساسه، رميتها لكلاب السكك. رد عليه بغيظ ووعيد يظهر في نبرته: تمام يا معلم. أنهى الاتصال وعندما التفت خلفه وجد آسيا وتسأله بريبة: مين ده؟ عمران بنبرة عادية: تاجر من تجار السمك. هزت رأسها بتفهم ثم قالت له مبتسمة: طيب أنا نازلة مع سندس، عاوز حاجة. ألقى نظرة متفحصة على ملابسها الفضفاضة
وهتف بالأخير في حدة: خلي تلفونك في يدك عشان أول ما اتصل تردي طوالي. حاضر. استدارت وهمت بالانصراف فأوقفها بصوته وهو يقول: لما تخلصي اتصلي بيا آجي آخدك عشان هنروح مشوار. أومأت له بالموافقة ورغم فضولها حول المكان الذي سيأخذها إليه إلا أنها فضلت عدم السؤال لكي تترك عنصر المفاجأة يدهشها. ***
بعد مرور خمس ساعات تقريبًا كانت قد انتهت أخيرًا من شراء كل مستلزماتها وما تريده، وكانت تقف على جانب أحد الشوارع القريبة من السوق تنتظر وصوله كما أخبرها. كانت بمفردها بعدما طلبت من صديقتها الرحيل. دقائق طويلة نسبيًا ورأته وهو يقف بالسيارة وينزل منها ثم يتقدم نحوها، فيلقي نظرة على الأكياس التي بيدها ويضحك هاتفًا: واضح فعلًا أنها حاجات خاصة.
لم تجيبه واكتفت بنظراتها المغتاظة له وهي تكتم ضحكتها بصعوبة. بينما هو فحمل ما بيدها ووضعه بالمقعد الخلفي للسيارة، وعندما انتصب في وقفته والتفت لها وجدها تسأله بفضول: رايحين وين؟ بنفس اللحظة سقط نظرها على دراجة نارية تمر من الخلف وكان فوقها رجل يحمل بيده سلاحًا ناريًا ويوجهه نحو زوجها. دون تفكير صرخت وراحت تدفع عمران من أمامهم حتى يتفادى الطلق الناري، لكن يشاء القدر أن تصيبها هي بظهرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!