الفصل 24 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
22
كلمة
4,481
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

كان الرد قاسي وغاضب من إخلاص بعد عبارة ابنتها الأخيرة: _راچعة كيف يعني؟ فريال بثبات انفعالي تام: _كيف ما سمعتي ياما هرچع بيتي ولعيالي. صاحت بها إخلاص منفعلة ورفض قاطع: _معدش بيتك يافريال خلاص هتطلقي منه وبعدين هترچعي تعيشي مع ضرتك في بيت واحد ولا هتقعدي مع چوزك اللي اتچوز عليكي. التفتت تجاه أمها وحدقتها بنظرة مطولة رغم مرارتها إلا أنها كانت مفعمة بالقوة.. لتجيبها بالأخير بروح ممزقة:

_أنا مش راچعة عشانه ياما لو هرچع يبقى عشان عيالي وعشان اخليه يندم على اللي عمله فيا.. مش قاعدة إهنه واسيب مرته الحية دي تقعد مع عيالي. اقتربت إخلاص منها وحاوطتها بذراعيها من كتفيها تقول وهي تنظر في عيناها بقوة: _عيالك .. أخوكي وأبوكي هيرجعهملك وهياخدوهم من چلال غصب عنه. أبعدت يد أمها عنها وزفرت بخنق وهي تتأفف لتجيبها برجاء وقهر:

_ياما أبوس يدك سبيني اعمل اللي عاوزاه متقلقيش أنا مش هرچع لچلال أبدًا ورايحة البيت عشان اخد حقي منه هو والحرباية التانية مرته وبعدين هخليه يطلقني.. صدقيني أنا معدتش فريال القديمة خلاص والمرة دي راچعة اخد حقي من الكل وأولهم من چليلة. هزت إخلاص رأسها بالرفض وقالت محاولة تغيير قرارها: _يابتي أنتي مش قد چليلة ولا منيرة وأنا اخاف عليكي منهم اسمعي الكلام وخلصي نفسك من وچع القلب ده واطلقي منه.

رمقتها فريال متوسلة وبعينان دامعة كلها يأس وألم فتنهدت إخلاص بقلة حيلة وزمت شفتيها ثم هدرت بحدة بعدما أعلنت خضوعها أمام رغبة ابنتها: _طب اعتبريني وافقت فكرك أبوكي وأخوكي هيوافقوا. فريال مبتسمة بأمل: _سبيلي عمران أنا هقدر اقنعه بس انتي ساعديني واقنعي أبويا.

تأففت إخلاص بنفاذ صبر وراحت تهز رأسها في انزعاج بينما تلقي بنظرات جانبية كلها ضيق على ابنتها العنيدة.. ليست راضية عن قرارها أبدًا ولكن هناك جانب منها يريدها أن تأخذ حقها وتثأر من حماتها وزوجها وهذا هو ما دفعها لمجارتها والاستسلام لرغبتها. ***

كان الهدوء والسكون التام يملأ الغرفة مع ضوء الشمس الضعيف المنعكس من خلف الستائر وهم مازالوا على نفس وضعية نومهم منذ أمس.. هو نائم وهي داخل قوقعته بين ذراعيه نائمة أيضًا، لم يوقظهم سوى طرق الباب القوي بعدة طرقات متتالية.. ففتح عمران عينيه دفعة واحدة والأخرى فتحتهم مفزوعة وكان أول ما يقع نظرها عليه هو، لتجد نفسها محتجزة داخل صدره الواسع وذراعيه القوية، فغرت عيناها بصدمة وبلحظة كانت تث جالسة منتفضة بعيدًا عنه وهي تهتف:

_إيه ده أنا كيف چيت في حضنك؟ لم يكترث لها وتجاهل سؤالها فكان طرق الباب المزعج هو شاغله الأكبر الآن.. رفع يده يمسح على وجهه متأففًا ثم اعتدل جالسًا ونهض من الفراش ليتجه نحو الباب ويفتح فيجد أمه أمامه، زفر بصوت عالي وقال بضيق ملحوظ: _خير ياما.. في حد بيخبط إكده؟ قالت إخلاص بحزم وهي تحاول إلقاء نظرة للداخل فرأت آسيا تجلس فوق الفراش وترفع يدها تعود بخصلات شعرها خلف أذنها وآثار الخمول بادية فوق قسماتها كابنها تمامًا:

_أبوك وبشار بيرنوا عليك ياولدي عاوزينك في المخزن ضروري وأنت مبتردش أعمل إيه يعني.. انا چهزتلك الفطار عشان تفطر قبل ما تطلع وصحي ست الحسن مرتك دي هو في حريم بتقعد نايمة لدلوك.

كانت آسيا تسمع ما تقوله عنها ورغم غيظها إلا أنها فضلّت تجاهلها وعدم الانشغال بتلك المرأة الآن، وحين سقط نظرها على الوسائد الملقية على الأرض رفعت حاجبها بنظرة لا تبشر بالخير ثم نظرت لزوجها الذي انهى حديثه مع أمه وأغلق الباب واستدار يعود نحو الفراش لكي يلتقط هاتفه، رمقته بغيظ وراحت تقف على ركبتيها فوق الفراش وتنظر له بقوة تسأله: _شيلت المخدات ليه؟

لم يجيبها وانشغل بهاتفه يبحث عن رقم والده ليجري اتصال به، فاقتربت منه أكثر وهي مازالت على نفس وضعها وهتفت مغتاظة من تجاهله لها: _عمران أنا بكلمك!! نظر لها بعين منذرة ولهجة رجولية صارمة: _أنتي شيفاني مش فاضي.. مش هسيب اللي في يدي والشغل وارد اقولك كنتي في حضني كيف.. مش وقته يا آسيا. طالت نظرتها المشتعلة له وظلت تتابعه حتى وجدته يرفع الهاتف ويضعه فوق أذنه يرد على والده ثم ابتعد بخطواته عنها يخرج للشرفة ليتحدث..

قالت ببسمة ماكرة: _مش فاضي ولا بتتهرب.. ماشي ياعمران. نهضت من الفراش واتجهت للحمام لتأخذ حمامًا صباحي ينعش جسدها بعدما أخرجت ملابس نظيفة لها من الخزانة.

بعد مرور وقت طويل نسبيًا خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها فوجدته يشرع في ارتداء ملابسه، لم تلتفت له وكأنها لا تعيره اهتمام ثم اقتربت من المرآة ووقفت أمامها تبدأ في تسريح شعرها ورغمًا عنها بين كل لحظة والآخرى كانت تنظر لانعكاسه في المرآة خلفها بنظرات مغتاظة ومنزعجة منه، رأى ما تفعله وفهم الإشارات المنزعجة التي ترسلها بنظراتها كلما تختلس النظر له.. ودون أن يشعر ابتسم عليها رغم غضبه بسبب مشاكل العمل التي سيذهب ليحلها الآن

مع أبيه وابن عمه لكنها نجحت بأبسط الطرق في امتصاص القليل من طاقته السلبية وجعلته يبادلها النظرات في انعكاس المرآة لكن بأخرى خبيثة، انتهي من ارتداء جلبابه ووضع عباءته البنية فوق ذراعيه ليتقدم منها بخطوات متريثة وأعين ثاقبة بعدما وجدها تحاول ارتداء قلادة في رقبتها وتفشل في غلقها.

وقف خلف ظهرها مباشرة وانزل يدها بلطف ليتلقط هو القلادة منها ويساعدها في ارتداءها وسط همسه الماكر وهو يلقي بحجر النرد الخاص به: _أنتي اللي دخلتي في حضني امبارح أنا مقربتش منك. تطلعت له في المرآة بعينان متسعة ولم تمتلك الجرأة لتكذب ما يدعيه فهي تعرف نفسها ولا تستبعد أنها تفعلها حقًا، لكن ما أثار غيظها هو تعمده بكل مرة أن يذكرها أنها هي العالقة بمداره ولا تستطيع التحكم بزمام قلبها أمامه.

حين حصل على ردها بالصمت والاضطراب زادت ابتسامته اتساعًا وراح يلف ذراعه حولها من الأمام ويرفع يده لقلادتها التي كانت منحوتة بشكل غزال يمسكها بين أنامله وينقل نظره بين القلادة وبين عيناها الواسعة التي تشبه عيني الغزال تمامًا، ثم همس بنبرة جعلت القشعريرة تسري بجسدها كله والحمرة تصعد لوجنتيها: _حلوة السلسلة دي.. تشبه عيونك.

سحب يده ببطء تاركًا قلادتها وعيناه مازالت تنظر بنفس الطريقة المربكة، وكانت العبارة السابقة آخر ما تفوه بها قبل أن يستدير وينصرف ليتركها متصلبة بأرضها كالصنم، كل شيء تداخل مع بعضه بلحظة واحدة ولم تعد تعرف عن ماذا تتساءل هل عن حقيقة نومها بين ذراعيه بكامل إرادتها بالأمس أم عن تصرفه الغريب ونظراته أم عن عبارته الأخيرة التي لا تفهمها!

.. كل هذا كان بنفس اللحظة التي هي كانت تحاول فيها لملمة بعثرة نفسها والتحكم بأعصابها وخجلها، وبالأخير أمسكت بالقلادة ترفعها تنظر لها في المرآة تستعيد اعترافه أنها تشبه عينيه وبعد تركيز دام للحظات في شكل الغزال فهمت مقصده، دققت النظر بعيناها بتشتت محاولة إيجاد الشبه كما يقول وبالنهاية صعدت البسمة الرقيقة والخجلة فوق ثغرها... ***

انتهت آسيا من ارتداء ملابسها وخرجت من غرفتها لتنزل الدرج تقصد الطابق الأرضي، فور وصولها رأت زوجها وهو يتناول فطوره.. تقدمت نحوهم وجلست على مقعد قريب منه وظلت تتابع حديثه مع أمه بصمت لكن قطع ذلك الحديث وصول منى التي اقتربت وجلست من إخلاص ثم راحت تلقي تحية الصباح على عمران ليرد هو عليه بنبرة طبيعية، بدأت تتبادل معهم أطراف الحديث بكل تبجح وكأنها لم تكذب عليهم منذ يومين متدعية أن آسيا هي من دفعتها، رغم أن عمران كان لا يطيق وجودها ولا التحدث معها لكنه سايرها بالحديث فقط ليرى ردة فعل آسيا التي كانت تمثل عدم الاكتراث باحترافية وتستمر بتجاهل ما يحدث وكأنها لا تسمع شيء ولا يعنيها من الأساس.

ربما لا تحسب عدد المرات التي أثارت فيها غضبه بتجاهله له ولكن الآن يمكنها أن تضيف رقم جديد بعد أن رأت تبدل ملامح وجهه للانزعاج.. فانهى طعامه وهب وافقًا يتجه للحمام ليغسل يديه بينما منى فتوقفت وقالت لإخلاص: _أنا هطلع يامرت خالي هطمن على صحبتي اللي في المستشفى وراجعة علطول.

هزت إخلاص رأسها بالموافقة بينما الأخرى فاندفعت نحو باب المنزل وغادرت.. كانت آسيا تتابع الود بين حماتها ومنى بنظرات مظلمة لكن وصول عفاف قلب الحرب الباردة لأخرى مشتعلة، حيث اقتربت منهم وجلست على مقعد متوسط بينهم وراحت توجه حديثها لآسيا بنظرات لئيمة تضمر الحقد: _كيفك يا آسيا. لم تجيبها آسيا واكتفت بنظراتها المشمئزة إليها بينما الأخرى فلم تبالي وأكملت محاولة إشعال نيران غضبها:

_معقول كنتي قاعدة مع منى في نفس المكان بعد اللي عملته معاكي.. رغم إني الصراحة مستبعدش إنك تعملي فيها إكده صُح؟ طالت نظرة آسيا الشيطانية لها قبل أن تميل بجسدها قليلًا للأمام في جلستها وتنظر في عيناها بطريقة مرعبة وسط همسها الغريب: _ليه شيفاني قتالة قُتلة ولا شيطان بيحرض على القتل.

كانت تلقي بتلميحات خطيرة جعلت من عفاف رغم اضطرابها تشتعل بالغضب لكنها حاولت تمالك أنفعالاتها وعدم إظهار شيء أمام إخلاص التي كانت تتابع حديثهم بشك. هتفت عفاف مبتسمة بخبث: _أنا لو منك مسبهاش تقعد إهنه ولا تقرب من چوزي احسن تخطفه مني. على عكس المتوقع ابتسمت آسيا بسخرية وراحت تنظر لإخلاص التي بدأت تتحول نظراتها للغل لعفاف، فعادت بوجهها نحو عفاف وسألتها بتصنع الجهل وعدم الفهم: _تخطفه كيف يعني.. ممكن تعمل إيه؟

ضحكت عفاف وردت بخبث وهي تهز كتفيها بجهل: _معرفش كيف.. أنا قولت اوعيكي بس عشان شكلك مش حاسة بحاچة. عادت آسيا تلقي نظرة على حماتها المشتعلة وتعود بنظرها لعفاف لتنظر لها مبتسمة وتقول بمكر: _لا كيف متعرفيش.. لما أنتي متعرفيش أمال مين يعرف.. هو انتي مش خطفتي ابراهيم من مرته وعياله برضوا تبقي أكيد عارفة الطرق دي!

تجمدت الدماء في وجه عفاف وأظلمت عيناها ووجهها كله تحول للون الأحمر من فرط الغيظ بالأخص عندما انتقلت بنظرها لإخلاص ورأتها تبتسم بتشف، لم تستطع التحكم بزمام أعصابها ووثبت واقفة تندفع نحو آسيا تنوي صفعها على وجنتها. بتلك اللحظة كان عمران بطريقه لخارج المنزل ليذهب للعمل لكن أوقفه منظر زوجة والده وهي تهم برفع يدها لتصفع زوجته، احتدمت نظرته وبلحظة كان يهتف بصوته الرجولي قبل أن تهوي يدها فوق وجنة آسيا: _بتعملي إيه!

توقفت يد عفاف بالهواء والتفتت برأسها للخلف وفور رؤيتها لعمران أنزلت يدها ببطء مجبرة وسط نظراتها النارية لآسيا، ثم هتفت بعصبية: _مرتك لسانها طويل ياعمران ومعدتش عارفة تلمه وبتغلط في الكل من غير حسبان. اقترب منهم بخطواته القوية ليوجه حديثه الحازم لزوجة والده باستياء: _لما تغلط أنا موچود واعرفها غلطها.. مش ترفعي يدك عليها.

توقفت آسيا وتحركت نحو زوجها تقف بجواره شبه ملتصقة به تحتمي به حتى لو كانت لا تحتاج للحماية، لكن وجوده يمدها بالقوة. وكانت تنظر لعفاف وثغرها يميل ببسمة شيطانية كلها تشفي ونصر. بينما هو فتابع بلهجة تحذيرية: _اللي هيفكر يرفع يده عليها في وجودي أو غيابي ميلومش غير روحه.

بعدين، بالعادة لم تكن لتسكت أبدًا على طريقة ابن زوجها في الحديث معها وبلهجة تحذير، لكن نظرات آسيا المتشفية وهي تتحداها أن تجيب أو تحاول الاقتراب منها مجددًا. حتى إخلاص، رغم كرهها لزوجة ابنها، إلا أنها كانت مستمتعة بما يحدث وتنظر لها بنفس النظرة المستقرة في عين آسيا، مما جعلها تفقد جرأتها في التحدث والدفاع عن نفسها والتزمت الصمت.

تطلع عمران لآسيا بنظرة منذرة تخبرها بوضوح أنه سيتصرف معها لاحقًا، ليس الآن. واكتفى فقط بصوته الرجولي الغليظ والمرعب وهو يأمرها: _اطلعي فوق يلا ومتنزليش من أوضتك لغاية ما أرجع.

لم تكترث بأسلوبه القاسي ولا غضبه، فيكفيها ما فعله منذ قليل. ومهما فعل، لن يستطيع أن يزيل شعور السعادة والنصر الذي يستطونها الآن. ودون أن تجادله أو حتى تظهر أي تعبير رفض، تحركت تجاه الدرج تصعد متجهة لغرفتها. بينما هو فاستدار وغادر ليترك إخلاص تنظر لعفاف بكره وتقول مبتسمة باشمئزاز: _أول مرة آسيا تقول حاجة صح وهي إنك خطافة رجالة، بس ولدي عرف يوقفك عند حدك.

ثم استدارت ورحلت لتتركها وحيدة وهي تغلي كالقدر من فرط غيظها وسخطها. *** بتمام الساعة السابعة مساءً، كان كل من إبراهيم وإخلاص وأولاده بغرفة الصالون يتحدثون حول رغبة فريال في العودة لزوجها. خرجت صيحة منفعلة من إبراهيم في رفض قاطع: _مش هيحصل يا فريال، لساتك عاوزة ترجعي له بعد ما اتجوز عليكي. حاولت فريال إقناع والدها برجاء:

_يبوي أنا مش راجعة عشانه والله ولساتني مصممة على الطلاق كمان، أنا راجعة بس عشان عيالي، هقعد هناك معاهم لغاية ما تخلص إجراءات الطلاق وبعدين هجيبهم وأرجع هنا. إبراهيم بغضب وإصرار: _يبقى تقعدي هنا في بيت أبوكي لغاية ما يطلقك وبعدين عيالك يجولك. تدخلت إخلاص تحاول إقناع زوجها أيضًا: _خليها تعمل اللي عاوزاه يا إبراهيم، متغصبهاش، هي مش صغيرة وعارفة هي بتعمل إيه زين، وقالتلك أنها راجعة عشان عيالها وهتطلق منه.

نظرت فريال لشقيقها فرأته صامت يتابعهم دون التدخل، فراحت تسأله بنظرات راجية: _ساكت ليه يا عمران؟ اتكلم، ولا أنت كمان مش موافق كيف أبويا. هتف بصوته الخشن في انزعاج ملحوظ وسخرية: _واتكلم ليه؟ ما أنتي خلاص خدتي قرارك ومش مستنية موافقتنا ولا حاجة، بعد اللي عمله فيكي وعاوزة ترجعيله. هبت فريال واقفة وأسرعت في خطاها لتجلس بجوار أخيها على الأريكة وتهتف بتوسل مبتسمة في دفء: _أنت مش كنت بتقولي أنك هتقف في ضهري في أي قرار أخده؟

واديني دلوقت بقولك اثق فيا ومتقلقش، أنا معدتش فريال القديمة يا عمران، أنا راجعة عشان أخد حقي قبل ما أطلق. نظر لها بغضب وقال بلهجة مخيفة: _وقلتلك أن أنا أول واحد هيقف قصادك لو فكرتي ترجعيله بعد اللي عمله يا فريال كمان، ودلوقت بقولك مش هترجعيله. صاحت إخلاص بعصبية وهي تلقي بأوامرها على ابنها وحتى زوجها:

_وأنا عاوزة بتي ترجع عشان تاخد حقها منه هو وأمه، هي مش عيلة صغيرة وهتقعد في بيتها لغاية ما جلال يطلقها، إيه اللي يقعدها هنا وتسيب عيالها لوحدهم هناك مع مرة أبوهم عشان تبخ السم في ودانهم ولا الله أعلم تقولهم إيه، ما يمكن تحاول تكرههم في أمهم والعيال عاوزين يقعدوا مع أبوهم ومش عاوزين يجوا هنا. دام صمت مريب بينهم جميعهم حتى قطعته إخلاص وهي تلقي بأمرها على ابنتها: _اطلعي يا فريال لمي هدومك عشان ترجعي الصبح بيتك.

نقلت آسيا نظرها بين والدها وأخيها تنتظر أن ترى إشارة الإذن منهم بالموافقة، لكنهم لم يجيبوا وكان صمتهم دليل على موافقتهم حتى لو كانت رغم أنفهم. فابتسمت بفرحة واستقامت، وافقا ثم غادرت. بينما إخلاص فتحدثت إلى ابنها وزوجها بقوة: _أنا مش هسيب بتي كده حابسة روحها في الأوضة ولا بتأكل ولا بتشرب من كتر قهرتها وحزنها وهي مش قادرة تعمل حاجة، سبق وجربت الإحساس ده كمان، عشان كده لازم ترجع وتاخد حقها وتبقى جنب عيالها.

أنهت عبارتها وألقت نظرة مقهورة على زوجها قبل أن تغادر، وكان عمران يلحق بها بعد ثوانٍ ليترك والده يفكر فيما قالته وألقت على مسامعه زوجته للتو مشبهة ابنتها بها وأنها تعيش نفس قدرها، لكنها لن تسمح لها بأن تبقى عاجزة ومستسلمة كما فعلت هي. ***

كانت تجلس فوق فراشها وتمسك بهاتفها تشاهد أحد فيديوهات برامجها المفضلة. وفور سماعها لصوت الباب، أغلقت الهاتف واعتدلت في جلستها تنظر نحو الباب تنتظر دخوله. بمجرد رؤيتها له، ابتسمت بحب رغم معرفتها أنه قد يعاقبها ويحاسبها على حادث الصباح، لكنها لم تكترث وأخذت تتمعنه بنظرها وهو ينزع عنه عباءته وكذلك حذائه. وبعد وقت طويل نسبيًا، رفع عينيه لها أخيرًا ورآها وهي تنظر له بهيام. فكالت نظرته الثاقبة قبل أن يقترب ويجلس بجوارها وهو يبدأ بنزع ساعة يده عنه،

هاتفه: _سامعك يا آسيا. رمقته بعدم فهم، فأكمل بتوضيح وحدة: _إيه اللي حصل الصبح وقولتي إيه لمرت أبوي؟ ابتسمت وقالت وهي تتصنع البراءة كعادتها كل مرة تتسبب فيها بحادثة مختلفة: _مقولتش، هي اللي جات ترمي الكلام عليا وتحاول تعصبني بكلامها. _قالتلك إيه يعني؟ ردت عليه بخنق واضح:

_فضلت تقول أن أنا اللي عملت كده في منى وقال مسيبهاش في البيت عشان ممكن تاخدك مني، وأنا رديت عليها، فهي اتعصبت من ردي، يعني هي كانت قاصدة تضايقني عشان تخليني أتخانق معاها. لوى فمه ورد يسألها للمرة الثانية بجدية أشد ونظرة ثابتة: _قولتيلها إيه؟ رمقته مطولًا بتردد تخشى أن تجيبه بردها فينفعل عليها، بينما هو فكان بنظراته القوية ينتظر منها ردًا على سؤاله. حين شعرت أنها انحصرت بين الاعتراف وبين خوفها منه، استاءت وقالت بضيق:

_خلاص عاد يا عمران، هيفيد بإيه؟ قولت اللي قولته، هي اللي غلطانة وكانت بتغلط فيا ويتقلل مني وأنا رديت عليها. رفع حاجبه بعدما أدرك ما يدور بذهنها وخوفها منه لذلك تتهرب من الرد عليه. كانت نظراته لها مخيفة أكثر حتى لو كان يلتزم الصمت، مما جعلها ترتبك وتهب واقفة تهم بالفرار قبل أن تقع بين براثينه، لكنه لم يسمح لها حيث توقف وقبض على ذراعها يجذبها نحوه بعد أن ابتعدت بخطوتين عنه.

شهقت بفزع بعدما وجدت نفسها تسقط بين يديه ملتصقة بصدره وهو ينظر لها بغيظ هاتفا: _واللي أنتي بتعمليه ده هيفضل لغاية ميتى؟ تطلعت بعينيه في توتر وسألت بخفوت: _بعمل إيه؟ قال بكل وضوح دون تردد وبنظرات ملتهبة: _طريقتك اللي مش عجباني وتجاهلك ليا. رغم عنها فشلت في حجب ابتسامتها التي شقت طريقها لثغرها، ووجدت نفسها تتملص من قبضته وتعقد ذراعيها أسفل صدرها تسأله بخبث وتلذذ بعد اعترافه بأنها نجحت في مبتغاها:

_وأنت اللي مضايقك أني اتغيرت معاك ولا أنك بقيت تحس أني معدتش بغير عليكي من منى ومش فارق معايا؟ رفع حاجبه ومال ثغره للجانب ببسمة يجيبها بنصر بعدما اعترفت بنفسها دون أن تشعر: _معدتيش! معني كلامك إنك كنتي بتغيري صح؟ تلعثمت للحظة، لكن بسرعة تداركت نفسها وردت عليه بالرفض: _طبعًا لا، أنت اللي كنت بتوهم روحك بالكلام ده. اتسعت ابتسامتها وسألها باستمتاع وكأنه لم يسمع ردها السابق من الأساس: _بتغيري عليا ليه يا آسيا؟

حدقت بعينيه السوداء في توتر وخجل، لكن سرعان ما شعرت بالغيظ منه وردت عليه بنفس أسلوبه تقرر هي أيضًا أن تضربه بالحقيقة: _وأنت امبارح استنيتني أنام وشيلت المخدات ليه؟ لم تعرف كيف ومتى اخترق أذنها صوت ضحكته الرجولية المثيرة، فابتسمت بعفوية عليه وهي تتأمله، حتى وجدته يغمز لها بنظرة أذابتها: _بحب فيكي ذكائك ومكرك ده، بس أنتي إيه اللي مخليكي متأكدة أن أنا اللي شيلتها، مش يمكن أنتي اللي شيلتيها وبعدين نمتي في حضني.

كالعادة كانت النتيجة واحد صفر بعدما صمتت بسبب خجلها ولم تتجرأ من الرد عليه، بينما هو فضحك وتركها متوجهًا للحمام لكي يأخذ حمامًا سريعًا يزيل عن جسده إرهاق اليوم بأكمله. *** صباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان.

كانت منيرة تجلس مع جليلة يتحدثون بأمور مختلفة عن المنزل والجيران، حتى قطع حديثهم صوت رنين الباب، فنهضت منيرة لتفتح الباب. وبنفس الوقت كان جلال ينزل الدرج ينوي الرحيل للعمل، لكن تسمر بأرضه عندما فتحت منيرة الباب وظهرت فريال من خلفه وهي تحمل بيدها حقيبة ملابسها. توقفت جليلة وهي تحدق بفريال في صدمة لا تقل عن تلك التي كانت فوق وجه منيرة، بينما فريال فابتسمت بثقة ودخلت وهي تهتف برقتها المعهودة: _كيفك يا حماتي؟ سمعت منيرة

وهي تسألها بذهول وسخط: _إيه الشنطة دي؟ التفتت لها فريال وهتفت مبتسمة بخبث وبتشفي: _سلامة نظرك يا منيرة، مش شايفة أنها شنطة هدوم، يعني أنا رجعت بيتي خلاص. التهبت نظرات منيرة بالغضب وظهر الخنق على ملامح حليلة، باستثناء جلال التي لمعت عيناه بسعادة وصعدت البسمة العاشقة لثغره وهو يحدق بزوجته وحبيبته. خرج صوت جليلة المستاء تتحدث بقسوة وأسلوب فظ: _إيه اللي رجعك وجاية ليه فـ... أخرستها صيحة ابنها المرعبة:

_أما مش عاوز أسمع ولا كلمة. التزمت الصمت رغم أنفها، بينما هو فنزلت بقية درجات السلم وتقدم من فريال حتى وقف أمامها ولف ذراعه حولها منحنيًا عليها يلثم رأسها بحب هامسا في صوت يظهر به فرحته الغامرة: _نورتي بيتك يا حبيبة قلبي. لم تبعده عنها وبقت بين ذراعيه فقط لتثير الجنون في نفس حماتها وزوجته التي بالفعل كانت كالبركان من فرط غيظها، بينما هو فتابع يهمس لها بحنو: _اطلعي على أوضتك فوق وريحي.

لم تجبه وفقط نفذت ما قاله، وكانت ستهم بالانحناء لتلقط حقيبتها، لكنه أوقفها هاتفا: _اطلعي، ملكيش صالح بيها، أنا هجيبها وراكي. نقلت نظرها بين منيرة وجليلة وهي تبتسم بمكر، ثم تحركت نحو الدرج تقصد الطابق الثاني حيث غرفتها. بعد صعود فريال، نظر جلال لأمه وقال بغضب منذرًا: _أما ياريت تتعاملي مع فريال زين من هنا ورايح، المرة دي لو عملتي لها حاجة هتلاقيني أنا قصادك. ثم التفت برأسه تجاه زوجته وقال بنظرة مخيفة:

_الكلام ده ليكي أنتِ كمان، مش عاوز مشاكل مفهوم. هزت رأسها له بالموافقة على مضض وهي تشتعل من سخطها وغيظها، ثم وجدته ينحني على الأرض يلتقط حقيبتها ويعود متجهًا نحو الدرج يقصد غرفته هو وفريال. *** وقفت بمنتصف الغرفة تتجول بنظرها على كل ركن بها.

كانت مرتبة ونظيفة، مما أكد لها أنه لم يدخلها أحد منذ ذهابها. ظلت مكانها تستعيد ذكرياتهم معًا بين جدران تلك الغرفة، وعيناها اغرورقت بالدموع رغم أنفها. لكن سرعان ما انتفضت بفزع فور سماعها صوت الباب، وراحت ترفع أناملها تجفف دموعها بسرعة قبل أن يراها.

دخل وأغلق الباب، ثم وضع الحقيبة على الأرض فور دخوله. اقترب بخطواته منها حتى توقف على بعد خطوة واحدة منها. فاستدارت هي بجسدها كاملًا إليه وتطلعت في عينيه اللامعة وبسمته السعيدة، لتقابله بجمود ملامحها. لكنه همس بتنهيدة حارة: _أخيرًا رجعتي يافريال. عقدت ذراعيها أسفل صدرها، ونظرته بجفاء تجيب: _رجعت عشان عيالي ياچلال، مش عشانك. تلاشت ابتسامته واختفت تمامًا، ليزفر بعبوس ويردف بإيماءة رأس:

_عارف.. بس كفاية إنك رجعتي بيتك وهتبقي جاري. أكملت بقسوة أشد: _أنا مش هكون جارك ياچلال.. ورجوعي ده مؤقت لغاية ما نتطلق بس. رفع كفه يمسح على وجهه متأففًا بنفاد صبر، ويقول بانزعاج بسيط: _برضه لساتك حاطة الطلاق ده في دماغك!! هزت رأسها بالإيجاب، وقالت بشراسة في إصرار: _ومش هرتاح غير لما يحصل، عشان يكون في معلومك. استغفر ربه بصوت مسموع، ثم رد عليها بهدوء مزيف، محاولًا تمالك انفعالاته أمامها:

_طيب يافريال، مش وقته الحديث ده دلوك.. غيري هدومك وريحي، ولو عاوزة حاجة اتصلي بيا. لم تجبه، واكتفت بإشاحة وجهها للجهة الأخرى بعيدًا عنه، ليتنهد هو بحزن ويستدير ليغادر ويتركها. وفور رحيله، بدأت هي في تبديل ملابسها، حيث أخرجت من حقيبتها عباءة منزلية مطرزة، ثم شرعت في نزع ملابسها عنها. لفت ذراعها خلف ظهرها محاولة الوصول لسحاب ملابسها حتى تنزعها، لكن محاولاتها كلها باءت بالفشل.

انفتح الباب مرة أخرى، ودخل چلال الذي عاد ليأخذ هاتفه. وقبل أن يلتقط هاتفه، لمحها وهي تعافر مع سحاب ثوبها. فتقدم من خلفها ووقف شبه ملتصق بها، ثم مد يده هو بدلًا عنها وفتح السحاب. فأحاطت بذراعيها الثوب حتى لا يسقط من فوق جسدها، بينما هو فانحنى عليها من الخلف، طابعًا قبلة ناعمة فوق كتفها. ابتعدت عنه بسرعة والتفتت له تصيح به بغضب: _متقربش مني ولا تلمسني ياچلال. زم شفتيه ورد بقلة حيلة: _أنا معملتلكيش حاجة ياحبيبتي، مالك؟

تقدمت واقتربت منه أكثر تهتف بعصبية: _مش معنى إني رجعت تبقى كل حاجة هترجع كيف ما كانت.. لا أنت چلال جوزي اللي أعرفه، ولا أنا فريال حبيبتك القديمة. أنا دلوك واحدة تاني.. اوعاك تفكر تلمسني ولا تستغل الفرصة، لأني مش هسمحلك. حدقها بمرارة وتمتم في عين مغرمة: _أنا متغيرتش، لساتني كيف ما أنا يافريال.. لساتني جوزك وحبيبك. ضحكت بسخرية، وردت عليه في وجع يظهر في نبرة صوتها:

_جوزي اللي أعرفه عمره ما كان هيتچوز عليا ويكسرني مهما حصل بينا، لكن أنت عملتها. چلال بأسى وندم يلمع في نظراته ويخرج في نبرة صوته المتألمة: _مفيش حد مبيغلطش، وأنا عارف إني جرحتك وغلطت.. إحنا الاتنين غلطنا، لكن لا أنا اتغيرت ولا أنتي، وأنا متأكد إنك لسه بتحبيني. لمعت عيناها بوميض مقهور، وقالت في قسوة وبغض: _كان زمان ياچلال، دلوك أنا بكرهك ومش بطيق أشوفك حتى.

طعنته بخنجر مسموم في أعمق نقطة من يساره، فقتلت روحه وجعلته ينزف الدماء. تنفس الصعداء بقوة، وأطلق زفيرًا متهملًا في ألم، قبل أن يجيبها بنبرة مكبوتة وعينان تشتعل بالعشق: _وأنا بحبك، وهتفضل روحي متعلقة بيكي، وقلبي ملكك لآخر نفس فيا. ثم استدار وابتعد بخطواته عنها ليجذب هاتفه. وقبل أن ينصرف، توقف والتفت لها برأسه يهتف في صوت رجولي حازم: _اعملي حسابك، مفيش طلاق.. أنا مش هتخلى عنك كيف ما أنتي عملتي وهملتيني.

أنهى عبارته واندفع لخارج الغرفة، يتركها متصنمة بأرضها تتمعن في أثره بصمت، حتى وجدت عيناها تذرف الدموع تلقائيًا، ثم انفجرت في البكاء بصوت مرتفع. بتمام الساعة التاسعة مساءً... خرجت فريال من غرفتها، وكانت تقود خطواتها للطابق الأرض حيث المطبخ، لكن أثناء طريقها اصطدمت بمنيرة التي توقفت تسد طريقها وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها. نظرت لها فريال مبتسمة بسخرية، ثم هتفت بكل برود غريب:

_بعدي يامنيرة، أنتي واقفة في طريقي لو مش واخدة بالك. ردت منيرة بغيظ وغضب: _أنتي إيه اللي رجعك؟ دامت نظرة فريال لها لخمس ثوانٍ بالضبط وهي تبتسم، قبل أن تقول بأسلوب شرس جديد عليها: _ده بيتي وبيت جوزي، وأرجع ليه وامشي منه وقت ما أحب، مش أنتي اللي هتقوليلي آجي ميتا وامشي ميتا. صاحت بها منيرة في غل: _وجوزك أنتي هملتيه وهو اتچوز عليكي.. لو واحدة عندها دم وكرامة مترجعش واصل تاني.

أظلمت عينا فريال وتحول وجهها للون الأحمر من الغضب، وشعرت بأطرافها كلها تنتفض من فرط الغيظ بعد ما قالته تلك الأفعى المتجسدة في هيئة إنسان. فصاحت بها وهي تدفعها من أمامها: _بعدي من قصاد خلقتي بدل ما أرتكب فيكي جريمة. ابتسمت منيرة بنصر وخبث بعدما نجحت في إشعال نيرانها، فراحت تكمل مبتسمة بثقة: _لو راجعة وفاكرة إنك هترجعي جلال ليكي، فمتتعبيش روحك.. أنتي خسرتيه، وهو عمره ما هيرجعلك، وقريب هيطلقك وهفضل أنا جاره ومرته.

كانت فريال كالبركان الذي على وشك الانفجار، وراحت تهتف بمنيرة في وعيد وغيرة حارقة: _اطمني، هتطلعي من البيت ده قبلي.. ده بيتي وبيت عيالي، وأنتي ملكيش مكان فيه ولا حتى في قلب چلال. كانت الأخرى تبتسم بلؤم غير مبالية بما تقوله، سعيدة بانتصارها عليها وتحقيق رغبتها في جعلها تتألم. وللأسف، كانت فريال هكذا بالفعل، حيث بمجرد ما ولتها ظهرها ونزلت على الدرج، فرت دمعة مقهورة من عينيها.

داخل منزل إبراهيم الصاوي، تحديدًا بغرفة عمران... كان جالسًا فوق الفراش شارد الذهن، يفكر بحلول لمشاكل العمل التي لا تنتهي، ولا يرى أو يشعر بأي شيء حوله. حتى أنه لم ينتبه لاختفاء آسيا لفترة طويلة داخل الحمام.

صك سمعه فجأة صوت صرخة عالية انبعثت من الحمام، فوثب منتفضًا بهلع على أثرها، وأسرع نحو الحمام، لكنه توقف عندما وجد الباب ينفتح وتخرج هي مذعورة قبل أن يصل حتى لها. وكانت ترتدي ثوبًا قصيرًا حريريًا قصيرًا وبحمالات رفيعة. رآها تنتفض وهي تمسح بيديها عن جسدها كله. فاقترب منها وهتف باستغراب: _مالك؟

لم تكن تنتبه لحالتها أو كيف خرجت أمامه شبه عارية، فالرعب والذعر المستحوذ عليها سلب عقلها. كانت ترتجف وهي تمسح على ذراعيها وجسدها بخوف، حتى أن عيناها بدأت تذرف الدموع. غضن حاجبيه بقلق حقيقي هذه المرة، واقترب منها أكثر يلف ذراعه حولها ويضمها لصدره ليهدأ من ارتجاف جسدها: _في إيه يا آسيا؟ همست بصوت مذعور ومبحوح: _برص.. كان في برص في الحمام ووقع عليا. ضيق عيناه وسألها بعدم استيعاب: _برص إيه وكيف دخل ده؟

آسيا بصوت باكي وهي ترفع يدها من جديد تمسح على جسدها باشمئزاز: _معرفش.. أنا مش قادرة أقف ولا ألم على أعصابي. ضحك رغمًا عنه، وراح يمسح بيده فوق ذراعها في لطف هاتفًا: _طب اهدي، مش مستاهل كل ده.. أنتي بتبكي؟ رفعت عيناها الدامعة له وصاحت بغضب وقرف: _لا مستاهل.. أنا بخاف منهم قوي وبقرف منهم.

كبح ابتسامته بصعوبة، وراح يخفض نظره لجسدها، ينظر لثوبها الأسود المثير وشعرها الذي من نفس اللون وهو ينسدل فوق كتفيها وظهرها كله. بينما هي فرفعت أناملها تجفف دموعها وهي تحاول التحكم بأعصابها والوقوف على قدميها باتزان. لكن فور انتباهها لنظراته الجريئة لها، نزلت بعيناها تتفحص نفسها، فانتفضت من بين يديه مبتعدة عنه وهي تلف ذراعيها حول نفسها محاولة إخفاء جسدها. ثم قالت بخجل وقوة: _ودي وشك الناحية التانية.

رفع حاجبه بنظرة مخيفة ومستنكرة دون أن يزيح عينيه عنها للحظة، فتوردت وجنتيها من الخجل والتوتر، وراحت تتقهقر للخلف ببطء دون أن تفك ذراعيها من حول جسدها، حتى وصلت الحمام ودخلت، ثم أغلقت الباب بسرعة عليها تتوارى عن أنظاره. لحظة بالضبط حتى سمعته وهو يهتف لها من الباب بخبث وابتسامة تستطيع الشعور بها في صوته حتى لو لم تكن تراها: _خدي بالك، ممكن تلاقيه لسه قاعد.. لو عاوزة مساعدة اندهي عليا، أنا موجود.

أشعل خجلها وخوفها من جديد، فراحت تصيح به بغيظ من الداخل: _عــمــران.

ابتعد عن الباب وهو يبتسم باستمتاع، ثم عاد يجلس فوق فراشه مرة أخرى، مستندًا بظهره على ظهر الفراش ويديه أسفل رأسه من الخلف. دقائق طويلة نسبيًا، وخرجت هي مجددًا بعد أن انتهت من حمامها. وهذه المرة كانت ترتدي عباءة منزلية عادية جدًا بأكمام طويلة ومحتشمة. فنظر لها مضيقًا عيناه ورفع حاجبيه في نظرة نافرة، مشيرًا أنه لم يعجبه، وكأنه يقول بنظراته أن السابق كان أجمل. تعمد التصرف بجرأة ووقاحة حتى يخجلها. وبالفعل نجح، لكنها حاربت

استحيائها ورمقته بشراسة في غيظ دون أن تتحدث. ثم أشاحت بوجهها عنه، وراحت تقترب من المرآة لتسرح شعرها. لكن البسمة الرقيقة والخجلة ارتفعت فوق ثغرها لا إراديًا. حاولت تجاهله وتجنبه قدر الإمكان هذه الليلة، علها تسلم من تصرفاته الماكرة.

بصباح اليوم التالي داخل المستشفى... كانت آسيا تجلس فوق أحد المقاعد الحديدية أمام غرفة الطبيبة منتظرة خروجها، وهي تحدق في الفراغ أمامها بنظرات مرعبة ولا تبشر بالخير أبدًا. هبت واقفة فورًا عندما رأت الطبيبة تخرج من الغرفة، فاقتربت منها وسألتها: _كيفها دلوك يارانيا؟ أجابتها الطبيبة بارتياح: _بقت زينة الحمدلله، وكمان شوية وتفوق. إيماءت آسيا برأسها في تفهم، ثم تطلعت في صديقتها بنظرة قوية وسألت: _طيب، عملتي اللي طلبته منك؟

تنهدت الطبيبة بضيق، وردت بقلق: _يا آسيا، اللي أنتي عاوزاه صعب، وأنا مقدرش أعملها اختبار حمل من غير علمها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...