ظهر صوت إبراهيم الحازم وهو يسأل ابنة أخته: _عملتي في روحك إكده كيف يعني؟ تنفست بتوتر ملحوظ بعدما رأت الصدمة تحتل معالم إخلاص والغضب على وجه عمران، لتجيب على خالها بخفوت: _مكنتش قاصدة طبعًا ياخالي.. يعني أنا وآسيا شدينا مع بعض وبعدين أنا وقعت واتخبطت في الدولاب. كان الصمت من نصيب إخلاص التي تتابع تعبيرات وجه منى بتشكيك فيما تقوله، بينما إبراهيم فتابع بحدة:
_ولما أنتي وقعتي لوحدك قولتي ليه أن آسيا اللي عملت إكده فيكي وشعللتي البيت وعملتي مشاكل من على مفيش. ألقت نظرة مضطربة على عمران الذي كان يحدقها بعينين مرعبة، ثم أشاحت بنظرها وردت على خالها ببراءة متصنعة: _كنت فاكرة أن هي اللي زقتني ياخالي والله. تأفف إبراهيم بخنق وأردف: _وجاية تقولي الكلام ده دلوك ليه مقولتيش ليه من الأول. اخترعت ذريعة مناسبة وأجابت عليه:
_كنت تعبانة ومش قادرة أتكلم ولما قعدت مع نفسي وافتكرت اللي حُصل بينا زين افتكرت أن هي معملتش حاچة وأن أنا اللي وقعت من غير ما اقصد. رغم أن ثلاثتهم لم يقتنعوا بأسبابها ولم يصدقوها، إلا أنهم صمتوا، باستثناء عمران الذي ثبت نظراته المميتة على منى وسألها بنبرة تحمل بحة رجولية مريبة: _من غير قصد يامنى ولا كنتي قاصدة عشان تعملي مشكلة بينا؟! انحصرت في الزاوية وراحت تنظر إليه بارتباك دون أن تجيب، وبتلك اللحظة
تدخلت إخلاص وهتفت في جدية: _خلاص ياعمران هي قالتلك مكنتش قاصدة وكانت فاكرة أن آسيا اللي عملت فيها إكده وأهي جات وقالتلنا اللي حُصل عشان المشاكل متزيدش.
دار بنظره المخيف بين والديه وبين ابنة عمته، فقد تصاعدت النيران وازدادت اشتعالًا في صدره بعد اعترافها، لكنه تمالك أنفعالاته بصعوبة أمامهم، وبالأخير ألقى نظرة على منى قذفت الرعب في قلبها ثم استدار وغادر، يترك ثلاثتهم معًا.. فلو بقى أكثر من ذلك سينسى أنها ابنة عمته وسيفقد أعصابه تمامًا عليها وعليهم جميعًا. *** بعد مرور ساعتين بتمام الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل...
فتح عمران باب غرفته ودخل، ألقى بنظره أول شيء على الفراش ظنًا منه أنه سيجدها نائمة، لكن الفراش كان فارغًا، فضيق عيناه باستغراب وذهب بنظره نحو الحمام، وقبل أن يتقدم إليه ليتأكد من وجودها به، انحرفت عيناه على الشرفة فرآها تقف بسكون وتضع الحجاب على نصف شعرها لينزل بقيته على كتفيها يغطيها وهي تضمه عاقدة ذراعيها أسفل صدرها.
طالت نظرته المتمعنة لها يتذكر اعتراف منى بالأسفل وأنه لم يصدق آسيا حين أقسمت له أنها لم تفعلها وجعلها تذهب لتعتذر من ابنة عمته على ذنب لم تقترفه، ولا سيما فيما فعله بها بالصباح.. لا يفهم ما الذي يحدث له ولا كيف استحوذ جموحه عليه لهذه الدرجة المرعبة وقاده للتصرف بهذا الشكل الدنيء.
تنفس الصعداء بخنق ثم أخرج زفيرًا متمهلًا وتقدم إليها بخطوات هادئة حتى وقف خلفها من اليسار وتنهد بضيق قبل أن يلف ذراعه حول كتفيها منحنيًا عليها يلثم رأسها بقبلة دافئة هاتفًا: _حقك علي. أرمقته بنظرة قاتلة كانت كفيلة لتتحدث عن كل ما بصدرها، وبلحظة كانت تدفع ذراعه بعيدًا عنه هاتفة بتحذير واشمئزاز: _متلمسنيش ولا تفكر تقرب مني تاني واصل. لوى فمه بانزعاج وقال بخفوت محاولًا تهدأتها:
_أنتي عندك حق بس أنا متوقعتش أنها تعمل إكده في روحها أبدًا وأنا الفترة دي مضغوط ومليش خلق إني أفكر في المواضيع دي. ابتسمت ببرود وردت في كل ثبات وعدم تأثر:
_وأديك عرفت أهو أن هي اللي عملتها.. كان لازم تسمعها منها عشان تصدق وتعرف أن آسيا مش كدابة.. الاعتذار اللي اعتذرته لمنى الصبح مكنش ليها قد ما كان ليا.. اعتذرت لنفسي عشان وثقت فيك ولما شفتها وهي بتضرب روحها متحركتش وكنت عارفة أنك مش هتصدقها وهتنصفني أنا لكن أنت اخدتني من يدي غصب وخليتني أعتذر لها.. ده كله كوم طبعًا واللي عملته الصبح كوم تاني. ظهر الندم والامتعاض على معالمه ليردف بأسف:
_مكنتش حاسس بروحي يا آسيا ولا داري باللي بعمله والغضب عماني.. أنتي عارفة أني مستحيل أعمل حاچة كيف إكده. ضحكت بسخرية وقالت بقسوة: _اتضح أني معرفش حاجة ومعرفكش ومش عاوزة أعرف لغاية ما تطلقني عشان أرتـاح من البيت ده ومنك ومن الكل. لاحت بشائر الاستياء على قسماته الغليظة ليقول باستنكار: _ولما أطلقك هتروحي وين؟! ابتسمت بثقة وردت بقوة:
_متقلقش أنا مش هغلب.. خليك أنت بس في نفسك وچهز روحك عشان قريب هنحقق أمنية الحجة إخلاص لما تطلقني وتجهزلك جوازتك التانية. مال بوجهه للجانب وهو يتأفف بنفاذ صبر وانزعاج حقيقي من كلماتها، بينما هي فاستدارت توليه ظهرها بعدم اكتراث وهمت بالذهاب للحمام، لكنه قبض على رسغها يوقفها ويديرها نحوه هاتفًا بحيرة: _عاوزة أعملك إيه يعني عشان أرضيكي؟! جذبت يدها من قبضته بكامل العنف وهتفت بنظرة شرسة تحمل الإنذار: _تبعد عني.
ألقت بعبارتها النارية في وجهه وتركته وابتعدت، ليرفع هو يده لوجهه يمسح عليه وهو يتأفف بخنق وراح ينزع عنه جلبابه الأسود ويلقيه بإهمال مكان ما تصل يده. *** داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة خلود.... خرجت من الحمام وهي ممسكة بذلك الجهاز الأبيض الصغير (اختبار الحمل)
، عيناها متسعة بصدمة ومازال عقلها يحاول استيعاب النتيجة التي أمام عينيه، تسارعت نبضات قلبها وارتخت أعصابها لدرجة أفقدتها القدرة على الوقوف، فألقت بحمل جسدها كله دون وعي على الفراش تجلس وهي تحدق أمامها بذهول، لكن ماهي إلا لحظات حتى ألقت بالاختبار وراحت تلكم فوق وجنتيها هاتفة: _يا مركي يا خلود هتعملي إيه دلوك في المصيبة دي.. لو حد عرف هيقتلوكي. أخذت تلطم وتنوح بصوت منخفض وسط بكائها وارتجاف جسدها كله من
فرط الخوف وتردد دول توقف: _أعمل إيه.. أعمل إيه؟! لم تهدر وقتًا أكثر من ذلك وراحت تجذب هاتفها بتلهف تجري اتصالًا بعشيقها الذي أجابها بعد رنات قصيرة، فوجدها تصرخ بوجهه في صوت مرتعش: _الحقني ياسمير الحقني. ضيق عينيه بعدم فهم وقال بسرعة في فزع: _في إيه مالك؟ همست بصوت منخفض خشية من أن يسمعها أحد: _أنا حامل. سمعت صرخة منه في الهاتف كادت أن تطرشها: _إيـــه.. حامل كيف يعني! خلود بأعصاب مدمرة:
_إيه السؤال اللي بتسأله ده.. كيف إزاي يعني! حاول تمالك أعصابه وأجابها بصوت مترقب لسماع الإجابة: _أنتي مش قولتي أنك بتاخدي الحبوب بتاعت منع الحمل دي. انتظر سماع الرد منها ولكن الإجابة كانت بالصمت، مما جعله يهيج كالثور ويصرخ بها: _ردي عليا ياخــلـود كنتي بتاخديها ولا لا؟!!! سالت عبراتها فوق وجنتيها بغزارة وراحت تكتم على فمها تمنع صوت شهقاتها العالية، تحاول التحكم بارتجاف يديها وجسدها كله لتجيبه بالأخير
بصوت متقطع من فرط البكاء: _لا مخدتهاش.. متخيلتش أنه يحصل إكده وقولت أنت هتاجي تتقدملي أساسًا يعني مش معقول يحصل حاجة في الكام مرة اللي بنتقابل فيهم دي. صدح صوت صراخه المرعب من جديد في سماعة الهاتف: _وأهو حصل قوليلي هتعملي إيه دلوك عاد. لم يسمع منها رد سوى صوت بكائها الذي يخترق أذنه بقوة وأصابه بالجنون أكثر، راح يمسح على وجهه وهو يتأفف محاولًا التفكير وتمالك انفعالاته حتى يجد حل لتلك الكارثة، وبعد عشر ثوانٍ تقريبًا رد
عليها بحدة يلقي بأوامره: _العيل اللي في بطنك ده تنزليه علطول تشوفي أي حد وتتصرفي يا خلود. فغرت شفتيها وعينيها بدهشة لترفع أناملها تمسح دموعها وتتبدل ملامحها بلحظة للغضب تجيبه برفض قاطع: _أنا مش هنزله ومش هقتل عيلي ياسمير.. أنا اتصلت بيك عشان تلحقني وتاجي تطلب يدي من ناسي قبل ما حد يعرف ويقلتوني مش عشان تقولي نزليه ده ولدك مش ولدي لوحدي. يضحك بعدم تصديق رغم الحالة المرعبة المسيطرة عليه وقال بسخرية:
_أطلب يدك إيه أنتي مش عارفة وضعي كيف.. ولا فكرك ناسك هيوافقوا عليا.. العيل ده هينزل يعني هينزل يا خلود فاهمة ولا لأ. لم يمهلها لحظة لتجيب عليه بل أغلق الاتصال دون توديعها حتى، وتركها تحدق بالهاتف في ذهول وسط دموعها التي عادت للانهمار من جديد.... *** بصباح اليوم التالي.......
كانت تقف فريال بسوق الخضار تقوم بشراء الخضروات والفواكه للمنزل.. فقد أصرت هي على الذهاب بدلًا من أمها موضحة أنها تشعر بالضجر في المنزل وتريد أن تشم بعض الهواء النقي وتريح عقلها قليلًا من التفكير الدائم. كانت تقف أمام سيارة خشب مسطحة فوقها كميات كبيرة من الطماطم وبيدها كيسًا أسود تختار الطماطم الجيدة والسليمة وتضعها بالكيس، وأمامها بائع الطماطم الذي يصيح بصوته العالي موضحًا سعر الطماطم ببعض الكلمات المعتادة مثل
(الطماطم طازجة ورخيصة وجيدة) كنوع من جذب الناس إليه، ومن حولها الصخب والضجة مزعجة بسبب الزحام، ومع كل هذا هي كانت بعالم آخر لا تشعر بأي شيء حتى توقفت فجأة يدها عن التقاط الطماطم بعدما سمعت صوت أنثى كان مألوفًا وعليها، وحين التفت كان هو بالفعل ولم تخطأ. منيرة بابتسامة لطيفة: _اديني كيس ياحج عاوزة كيلو طماطم. مد الرجل لها الكيس الأسود وهو يهتف باسمًا: _اتفضلي ياست الكل.
جذبت الكيس من يده وبدأت في التقاط الطماطم ووضعها بكيسها متصنعة أنها لا ترى فريال التي تقتلها بنظراتها الحارقة، وبعدما انتهت من شراء الطماطم التفتت تجاه فريال وهتفت بصدمة: _وه هو أنتي إهنه يافريال.. لا مؤاخذة مخدتش بالي يا غالية أصل من ساعة الچواز وأنا بقيت بحس معدش فيا عقل بسبب چلال اللي واخده مني.
لم تتحرك ولم تظهر لها أي تعابير سوى البرود والجمود، بينما الأخرى فابتسمت بلؤم ونظرات كلها غنج، ثم راحت تصيح على طفل صغير من جيرانهم، وفور وصوله إليها ناولته الأكياس تمثل التعب والإرهاق متمتمة: _خد الكياس دي يامحمد ووصلها قدامي على بيت عمك چلال ياحبيبي معلش عشان مش قادرة أشيل. أومأ لها الصغير رأسه بالموافقة وسار مبتعدًا عنهم، بينما هي فالتفتت تجاه فريال ورفعت يدها لتلويها وتمسك بظهرها مدعية الألم في كلماتها
المنحرفة ومعالم وجهها: _معلومك عاد لساتنا عرسان وچلال امبارح مخلنيش أنام الليل وقضينا الليل كله مع بعض.. وصاحية جسمي كله متكسر، أسيبك أنا عاد عشان معطلكيش وأروح أنا لاحسن اتأخر.
ألقت بقنبلتها ورحلت لتترك الأخرى تحترق من غيرتها وقهرها، ولو بقت مكانها للحظة أخرى كانت ستنهار باكية أمام ذلك الحشد من الناس كلها، لكنها كظمت غيظها وراحت تدفع ثمن الطماطم للبائع، ثم أخذت الكيس واندفعت لخارج السوق كسهم مشتعل وهي تشتم في تلك الوغدة وزوجها الخائن. *** داخل غرفة عمران....... خرج من الحمام بعدما انتهى من حمامه الصباحي مرتديًا بنطالًا فقط، تاركًا قطرات الماء تتساقط من شعره الغزير على صدره العاري.
استقر نظره عليها وهي تقف أمام خزانتها ترتبها مرتدية عباءة بيضاء ضيقة تظهر منحنياتها بدقة وتترك العنان لشعرها الأسود الغزير والطويل ينسدل فوق ظهرها ليغطيه كله، كانت عبارة عن قنبلة أنوثة وإغراء بتلك الملابس وشعرها الذي يسلب عقله كلما يراه.. فبقى لوقت طويل نسبيًا وهو يتفحصها بنظراته الجريئة على الرغم من أنها تتجاهله تمامًا وكأن لا وجود له حتى لا تنظر بوجهه، لكنه لم يكترث لشيء وترك عيناه تنعم بهبة النظر لهذا الجمال.
بعد ثلاث دقائق تقريبًا فاق من تأثير تعويذة ساحرته محاولًا السيطرة على نفسه، ثم تقدم نحو الفراش والتقط المنشفة ليجفف بها شعره، وبين كل لحظة والأخرى ينظر لها يتابع تحركاتها التي باتت تزعجه، فهي فعليًا تستنكر وجوده ولا تراه، تمر أمامه وتسير من جانبيه ولا تنظر، لولا أنه لا يريد أن يزيد الأوضاع سوءًا لكان الآن اتخذ موقفًا حاسمًا من تصرفاتها المزعجة، لكنه قرر أن يتركها تفعل ما يحلو لها حتى يهدأ غضبها وترتاح.
توقفت يدها عن ترتيب الملابس عندما سمعت صوته وهو يقول بجدية: _النهاردة هكلم أما عشان تخلي منى ترجع لبيتها. التفتت له برأسها وسألته بتعجب: _ليه؟ استغرب سؤالها فكان يتوقع الفرحة ستغمرها فور سماعها لقراره، أجابها بغضب: _عشان أنا فيا اللي مكفيني ومليش خلق لخناقات الحريم اللي كل شوية دي.. يعني ترجع بيتها أحسن وتريحنا كلنا بما إنها مضايقاكي كمان وانتي عاوزاها. ابتسمت بسخرية بعدما فهمت تلميحه وقالت في لا مبالاة:
_مين قالك أني عاوزاها تمشي أنا مليش صالح وبالعكس كمان أنا اللي بقولك خليها تقعد هي من نفسها هتمشي بعد كده.. مهما كانت دي ضيفة والضيف واجب إكرامه يامعلم. اتسعت عيناه بعدم استيعاب أن من تتحدث أمامه هي زوجته، ثم ابتسم بسخرية وقال في خبث: _أنتي اللي بتقولي إكده!! .. مش على أساس بتكرهيها وبتغيري منها راح وين كل ده. عقدت ذراعيها أسفل صدرها وتطلعت في وجهه بقوة لتقول في قسوة دون أن تلين ملامحها حتى بمجرد ابتسامة:
_بكرهها جايز أكون إكده صح أما بغير قولتلك مليون مرة دي أوهامك أنت ياعمران ومفيش حاجة منها حقيقة. لوى فمه بنظرة جانبية ماكرة ليسألها هذه المرة بشكل مباشر: _يعني معدتيش بتغيري عليا منها؟!
رغم أن رده صدمها وأربكها بعض الشيء، لكنها ذكرت نفسها بما فعله معها بالبارحة وفورًا عادت تشتعل من جديد، لم تظهر له غيظها وتصرفت بكل برود حيث اكتفت بالضحك القوي وهي تهز رأسها بقلة حيلة واستهزاء.. بينما هو فتقدم منها حتى وقف أمامها مباشرة وحاصرها بينه وبين الخزانة يهمس بابتسامة ثغر تسلب العقول: _ما تردي هو القط كل لسانك ولا إيه!
أزعجها اقترابه منها فرفعت يدها بملامح وجه مكفهرة وكانت تنوي دفعه بعيدًا عنها، لكن فور ملامسة يدها لصدره العاري سحبت يدها بسرعة في خجل وصاحت به مغتاظة: _بعد ياعمران عني قولتلك متقربش مني ولا تتكلم معايا نهائي اعتبرني مش موجودة. ابتسم ببرود مستفز ومتعمد لكي يثير جنونها أكثر: _بس أنتي موجودة اعتبرك كيف مش موجودة وأنتي قصاد عيني طول اليوم.
أغلقت عيناها بنفاذ صبر وهي تستغفر ربها، بالأخير استجمعت شجاعتها وتجرأت حيث رفعت يديها المرتعشة والخجلة مجددًا ودفعته هذه المرة من صدره لتوليه ظهرها وتعود تكمل ما كانت تفعله وهي تحاول التحكم بنبضات قلبها التي تضرب بصدرها في عنف. ابتسم هو بنصر وخبث ثم هتف بنبرة عادية: _سبيي اللي في يدك ده عشان ننزل للفطور يلا. ولم يلبث للحظة بعد إنهاء عبارته حتى نزل بنظره على طول جسدها وقال في لهجة حازمة وآمرة:
_وطبعًا مش محتاج كل مرة أقولك وأفكرك تغيري هدومك قبل ما تنزلي وتلبسي حاجة زينة وواسعة. لوت فمها بقرف وهي توليه ظهرها ولم تجيب، بينما هو فاتجه نحو الفراش وجذب جلبابه وارتداه ثم اقترب من المنضدة وجذب فرشاة شعره مسرحًا شعره الذي لم يستغرق سوى ثواني ومن بعدها غادر وتركها.... ***
كانت فريال في طريق عودتها للمنزل وهي عبارة عن جمرة من النيران المشتعلة، كلما تتذكر ما قالته منيرة حول قضائهم ليلة مميزة بالأمس تتأجج نيران الغيرة بصدرها ويتمزق قلبها من القهر. توقفت تلقائيًا عند مرورها من أمام معرض الأجهزة الكهربائية الخاص به ورأته وهو يقف يتحدث مع الزبائن.. صرخ صوتها في عقلها أن تندفع نحوه وتفرغ شحنتها المكتظة به، لكنها تجاهلت الصوت فلا فائدة بالنسبة لها من ذهابها أو بقائها النتيجة ستكون واحدة.
وقع عيني جلال على خارج المعرض بمحض الصدفة فرآها وهي تستدير وتبتعد، وبلحظة كان يشير لأحد العمال أن يأتي ويهتم بالزبائن بدلًا عنه، ثم أسرع للخارج شبه ركضًا يلحق بها وفور وصوله لها أوقفها من ذراعها هاتفًا: _فريال. توقفت مرغمة على أثر قبضته فوق ذراعها وهي تلوي فمها بخنق، ثم استدارت له بجسدها كاملًا تحدقه بملامح وجه نارية فتسمع سؤاله الصريح: _أنتي كنتي جاية تشوفيني وتتكلمي معايا؟
استاءت وكانت على وشك أن تدفعه بعيدًا عنها وتصرخ به، لكنها تمالكت أعصابها بذكاء واكتفت بإيماءة وجهها كرد بالإيجاب على سؤاله، بينما هو فابتسم بحنو وداخله تراقص فرحًا بعدما ظن أنها قد تكون قررت أعطائه فرصة أو حتى العودة لمنزلها، ليتمتم بخفوت: _طيب تعالي نتكلم في مكتبي جوا في المعرض.
سحبت ذراعها من قبضته بهدوء غريب وسارت خلفه في خطوات واثقة حتى وصلًا لمكتبه الداخلي، سبقته هي بالدخول وكان هو خلفها بعدما أغلق الباب.. ثم تقدم إليها ووقف أمامها مباشرة وهو يبتسم ينتظر منها أن تبدأ في حديثها. تطلعته بقسمات وجه جافة ونظرات لا تحمل من الحب شيء، ثم هدرت بثبات ولهجة جديدة عليها وكأنها فريال مختلفة: _جيت أسألك أمتى هتجيب المأذون وتخلص إجراءات الطلاق؟!
بظرف لحظة واحدة رأت ابتسامة الأمل التي كانت تزين وجهه تختفي ليحل محلها اليأس والغضب ويجيبها بحزم: _وأنا قولتلك مفيش طلاق يافريال. لزمت شفتيها ببرود مستفز وقالت بقوة: _وأنا مصممة ومش هغير رأيي. رفع يده ومسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يزفر بغيظ ثم هتف بغضب: _طب على الأقل فكري في العيال وعشانهم ارجعي عن اللي دماغك ده. ابتسمت بمرارة وقالت:
_أنا بعمل كده عشان عيالي لكن أنت اللي مفكرتش فيهم لما اتجوزت وجبتلهم مرات أب لأ وكمان عايش متهني معاها ومبسوط كأنك عريس فعلًا وتلاقيك مش بتفكر ولا بتهتم بعيالك حتى. غضن حاجبيه بعدم فهم ودهشة ليردف بانزعاج: _مبسوط وعريس إيه ده!!! .. إيه الكلام اللي بتقوليه ده. ضحكت وفقدت القدرة على البقاء صامدة أكثر من ذلك أمامه تتصنع البرود وهي تشتعل من داخلها، حيث قالت وهي تعيد تكرار كلماته بلهجة مستهزئة:
_بقول الحقيقة.. أنا مخوّنتكيش يافريال ومحصلش حاجة بينا ومش هيحصل. رد بكل ثقة وقوة: _دي الحقيقة صح مفيش حاجة حصلت ومش هتحصل. صرخت به بعصبية: _متكدبش عليا.. لمرة واحدة متبقاش كداب يا جلال وقول الحقيقة في وشي. احتقن وجهه بالدماء واستشاط هو الآخر فصاح بها منفعلًا: _الحقيقة سمعتيها لكن أنتي اللي عاوزة تصدقي نفسك ودماغك بس، مش بتختاري تصدقيني لو لمرة واحدة حتى وما زلتي. قهقهت بصوت عالي ثم راحت تجيبه ساخرة:
_أنت عندك حق أنا غلطانة كيف مثقش في جوزي وأبو عيالي اللي اتجوز عليا من ورايا.. المفروض أصدق راجل كان بيبص في عيني وبيكدب كل يوم ومفكرش في مرة يقولي أنه هيتجوّز. أصابت الهدف بعبارتها وأسكتته تمامًا، لا يمكنه مجادلتها في حقيقة كلماتها.. مهما قالت في هذا الأمر هي محقة وهو مذنب. بينما هي فابتسمت بعينان دامعة وهتفت:
_اتكلم ساكت ليه ولا عشان عارف روحك غلطان وأنا عندي حق في كل كلمة.. اللي احنا فيه ده أنت سببه يا جلال أنا كنت بس مستنية منك تاجي وتاخد بيدي من بيت أبويا وتقولي يلا عشان ترجعي بيتك وتقولي مش أنا اللي عملت كده في عمران لكن أنت كرامتك كانت فوق كل حاجة. ابتسم لها بعينان انطفأ بريقهم ثم تحرك نحو الأريكة يجلس فوقها يستند بساعديه فوق فخذيه مطأطأ رأسه للأسفل ويهمس في استنكار:
_رغم أن احنا الاتنين غلطانين لكن أنتي مش عاوزة تعترفي بغلطك وبترمي اللوم كله عليه كأني شيطان وحرق ودمر كل حاجة بناره.. ودلوقتي اللي عملته مش مخليكي شايفة روحك عملتي إيه غلط وكله أنا السبب فيه، مش فاكرالي أي حاجة زينة عملتها معاكي واصل لا حبي ليكي ولا تمسكي بيكي رغم كل ظروفنا من وقت موت أبويا.. لو أنا خاين وكداب كيف ما بتقولي يبقى أنتي أنانية يافريال.
سالت دموعها بغزارة فوق وجنتيها وبعد عبارته الأخيرة شعرت بسكين حاد اخترق صدرها ودون أي انتظار كانت تندفع للخارج تغادر وتتركه بمفرده كما هو على وضعه لا يتحرك. *** كان في طريقه لقاعة المحاضرة حتى يأخذ أدواته الهندسية التي تركها هناك، لكنه توقف للحظات عندما سقطت عيناه على حور وهي تقف تتحدث مع ابن خالتها.. احتقن وجهه وأظلمت عيناه ثم استدار وأكمل طريقه بخطوات سريعة.
علق نظرها عليه عندما رأته وشردت وهي تفكر بحديثها مع شقيقتها ولم ينتشلها من شرودها سوى صوت ابن خالتها وهو يقول: _يابنتي أنا بكلمك! ردت عليه ببلاهة وإيجاز: _طيب ماشي يامازن هتصل بيها حاضر متقلقش روح أنت وأنا كمان هروح أشوف صحبتي فين.
أومأ لها بالموافقة ثم ودعها ورحل، بينما هي فخرجت بسرعة تجلس فوق أحد المقاعد تنتظر عودته، لم يمر سوى دقائق قصيرة حتى رأته يسير باتجاه الباب الخارجي ينوي الرحيل.. فاستقامت واقفة وأسرعت في خطاها خلفه التي كانت شبه ركض حتى تلحق به وفور وصولها هتفت منادية عليه: _بلال. تسمر بأرضه على أثر صوتها الناعم ثم استدار بجسده لها لتتقدم هي منه وتقول ببسمة مرتبكة: _ازيك؟ رد بنبرة جادة بعض الشيء: _كويس الحمدلله وأنتي؟
شعرت بالغلظة في نبرته مما أظهر العبوس فوق ملامحها أكثر، ومع ذلك حاولت أخفائه لتقول باضطراب ملحوظ: _أنا شوفتك صدفة وقولت أسلم عليك يعني عشان ليا فترة مش بشوفك. تنهد بلال الصعداء بضيق وقال في حزم غير مقصود: _أنا باجي دايمًا ياحور بس مش فاضي الفترة دي بسلم مشروع التخرج وورايا مشاغل كتير غيره. لوت فمها بإحراج وأجفلت نظرها أرضًا لتجيبه بخفوت معتذرة: _آه، آسفة معلش لو عطلتك عن حاجة. ابتسم لها بلطف وقال قبل أن يهم بالرحيل:
_ولا يهمك.. عن إذنك عاوزة حاجة؟ هزت رأسها بالنفي بمعالم وجه بائسة ومريرة، بينما هو فاستدار وابتعد عنها بخطواته، كانت ستهم وتصيح منادية عليه مرة أخرى لكن تراجعت وهمست لنفسها بحزن وحيرة تسأل نفسها السؤال التي كانت تود طرحه عليه: _هو أنا عملت حاجة ضايقتك مني طيب؟! *** بتمام الساعة الواحدة ظهرًا داخل منزل إبراهيم الصاوي ...
كان الجميع انتهى من تناول طعامه وبعضهم جلس يتحدث بعد الانتهاء من الغذاء والبعض الآخر اتجه لغرفه، وكانت آسيا هي أول من تركتهم وصعدت لغرفتها بالأعلى، وعمران لحق بها بعدما أوضح أنه مرهق من العمل ويريد النوم قليلًا. مدت يدها لمقبض باب غرفتها وفتحته وكانت على وشك الدخول لولا صوت منى الذي أوقفها وهي تهتف منادية على زوجها الذي كان على بعد خطوات قليلة منها: _عمران.
التفتت برأسها للخلف فرأت عمران توقف والتفت لابنة عمته التي تقدمت ووقفت أمامه تهتف بإحراج وحزن: _ممكن أتكلم معاك في حاجة. التفت برأسه تجاه آسيا فوجدها تقف تتابعهم، لكن فور التفاته ناحيتها رمقته بعدم مبالاة ودخلت الغرفة ثم أغلقت الباب.. تجاهلت الأمر وكأنه لا يهمها لكنها كانت تشتعل.. بينما هو فهز رأسه بالموافقة لمنى التي همست في أسف:
_أنا مكنش قصدي أعمل مشكلة بينك أنت وآسيا.. وحقيقي وقت خناقتنا أنا مكنتش حاسة بحاجة وافتكرتها هي اللي زقتني وبعدين لما فوقت وألم راسي خف شوية حتى إني افتكرت اللي حصل يعني مكنتش بكذب. كانت آسيا تقف خلف باب غرفتها وتضع أذنها على الباب تستمع لحديثهم وهي تغلي كالقدر.. تلك الأفعى مازالت تكذب وتحاول استعطافه حتى يلين غضبه تجاهها، فهمست لنفسها بوعيد: _اصبري عليا يامنى بس أخلص اللي أنا عاوزاه وهخليهم يطرديكي برا ياحرباية.
كان رد عمران على اعتذارها الصمت بعدما فضل عدم الرد عليها خصوصًا وهو يعرف أنها تكذب، لكن الأخرى تابعت بعينان دامعة وصوت نادم: _متزعلش مني ياعمران حقك عليا والله مش عاوز أشوفك شايل في قلبك ولا مضايق مني خالص. رد بصوت رجولي غليظ وهو يحاول إنهاء ذلك الحوار العقيم الذي بدأ يزعجه حقًا: _اللي حصل حصل يامنى خلاص وأنتي قولتي مكنش في نيتك حاجة صح؟!
.. يبقى خلاص اقفلي على الحوار ده ومتفتحهوش تاني ويبقى أحسن لو فضلت بعيدة عن آسيا عشان أنا مش عاوز مشاكل ومليش دماغ للكلام ده. هزت رأسها بالموافقة وهي تلوي فمها ببؤس محاولة إظهار البراءة رغم أنها تشتعل من غيرتها بسبب تحذيره لها من أن تبتعد عن زوجته.. ثم تابعته وهو يستدير ويتجه نحو غرفته فتندفع هي الأخرى بغضب نحو غرفتها.
كانت آسيا تجلس فوق مقعدها وممسكة بهاتفها تشاهد أحد فيديوهات برامج الأخبار التي ظهرت لها على تطبيق اليوتيوب.. لم ترفع نظرها له حتى حين دخل وكأنها لا تراه ولا تكترث بما حدث منذ قليل بالخارج، بينما هو فوقف ينظر لها بترقب في انتظار أن ترفع نظرها، لكنها لم تفعل.. فضيق عيناه وزفر بخنق ثم اقترب من خزانته وأخرج ملابسه وبدأ في تبديل الملابس أمامها.. هو يعلم أنها تنزعج من ذلك التصرف وتطلب منه تبديل ملابسه في الحمام بسبب خجلها والآن يفعلها عمدًا حتى يثير غضبها ويجعلها تتحدث، لكنها خيبت ظنه ولم تتفوه بحرف واحد وبقت كما هي على وضعها تدفن نظرها في الهاتف ولا تهتم لأمره كأنه نكرة.
كانت غايته أن يثير جنونها، ولكن الحقيقة أن هي من فعلت بتجاهلها المستمر له.. أسرع في ارتداء ملابسه ثم اندفع نحوها وجذب الهاتف من يدها بعنف، فرفعت هي نظرها له أخيرًا وهزت رأسها باستغراب تسأله: _في إيه؟! هتف بغضب حقيقي وانزعاج: _مبحبش قعدة التليفونات كتير يعني أنتي ست متجوزة ووراكي التزامات مش هتسيبي اللي وراكي وتقعدي على التليفون.
دارت بنظرها في أرجاء الغرفة المنظمة وكأنها تريه أن التزاماتها في هذا المنزل تنحصر في غرفتهم فقط، ثم أجابته بكل هدوء تضمر خلفه اللؤم: _مفيش حاجة أعملها لو أنت محتاج حاجة قولي وأعملها. ألقى بالهاتف فوق الفراش في غيظ وهتف بلهجة لا تقبل النقاش: _لما أكون موجود مش عاوز أشوف التليفون ده في إيدك. ابتسمت بتكلف ووقفت تجيبه بانصياع غريب: _تمام! ولته ظهرها وهمت بالخروج للشرفة لكنه أوقفها بسؤاله الغير متوقع:
_مسألتش يعني منى كانت عاوزة تتكلم معايا في إيه؟! ابتسمت بخبث بعد سؤاله وسرعان ما رسمت الجفاء والتفتت برأسها تجاهه تردف بعدم اكتراث: _عشان مش مهتمة أعرف.. وحاجة متخصنيش أنت وبنت عمتك بتتكلموا مع بعض وميصحش أتدخل جايز تكون حاجة منى مش عاوزاني أعرفها. استقرت في عيناه نظرة مريبة فهمت من خلالها أنها خطتها تنجح تدريجيًا والآن هو يشتعل مثلها من الداخل بسبب تجاهلها وتصنعها أنها لا تشعر بالغيرة عليه.
ولته ظهرها من جديد ودخلت للشرفة تقف تتابع الشارع أسفلها وهي تبتسم بمكر وتهمس في صوت منخفض يحمل الوعيد: _ولسة يامعلم! *** بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.... كانت جليلة تجلس فوق مقعد خشبي مبطن منذ وقت طويل بالصالون وتنظر من النافذة تتابع الشارع بشرود حتى غلبها النوم وغفت مكانها.
بنفس اللحظة كان الجد حمزة بطريقه لغرفته بالأعلى بعد عودته من حفل زفاف ابنة أحد أقاربهم لكنه توقف بخطواته فور سماعه لصوت همهمات غريبة ومزعجة فالتفت حوله يبحث عن مصدر الصوت ليجد جليلة تجلس فوق المقعد نائمة وتهمهم بكلمات غير مفهومة وسط نومها.. اقترب منها وهزها بلطف هاتفًا: _جليلة فوقي.. جليلة. انتفضت مكانها وفتحت عيناها مفزوعة لتحدق في والد زوجها بعينان مزعورة ودامعة، فيجذب هو مقعد ويجلس أمامها يسألها بقلق: _مالك يابتي؟
انهمرت دموعها فوق وجنتيها فور تذكرها لزوجها الذي كان ضمن حلمها الآن.. تذكرت نظراته المعاتبة والمنزعجة منها وهو يحتضن ابنته بين ذراعيه ويرفض اقتراب أي حد منها. حاول حمزة تهدأتها بلطف حتى تتوقف عن البكاء لكنها همست بصوت ضعيف: _وحشتني بتي قوي يابوي. تبدلت ملامحه للضيق وهو يقول بجفاء: _بتك غلطت يا جليلة ولولا ستر ربنا كان زمانها ميتة دلوقتي أو إحنا مفضوحين والحمدلله أنها اتجوزت والموضوع عدى من غير خسائر.
هزت رأسها بالرفض وهي تدافع عن ابنتها لأول مرة: _لا أنا حاسة أن بتي مظلومة وهي معملتش حاجة إحنا ظالمينها يابوي ورميناها لناس إبراهيم ومسألناش فيها.. أنا معرفش كيف صدقت فيها كده.. آسيا متعملهاش. هتف حمزة بغضب وعدم استيعاب: _ظالمينها كيف يعني والصور اللي شوفناها بعيونا دي إيه! رفعت كتفيها بجهل وردت بثقة:
_معرفش بس أنا متأكدة أن في حاجة إحنا منعرفهاش.. وإلا مكنش ربنا هيبعتلي الإشارات دي كلها.. أنا بحلم دايمًا بآسيا وخليل وكنت بحلم بيه دلوقتي كان بيبصلي بعتاب وهو متعصب وواخد آسيا في حضنه وهي بتبكي. يرتب خليل على كتفها بحنو متمتمًا في لهجة حازمة:
_ده بسبب عقلك المشغول ببتك بس يا جليلة لكن الأحلام دي ملهاش معنى متوهميش نفسك.. آسيا لطخت شرفنا وفضحتنا حتى أنا مكنتش مصدق كيفك وكنت بقول دي تربيتي كيف تعمل كده بس الحقيقة باينة كيف الشمس قصادنا والصور خير دليل. هزت رأسها رافضة تصديق ما يدعيه.. ووجهها غارق بالدموع، بينما هو فتوقف وغادر ليتركها مكانها منخرطة في نوبة بكائها وشعورها بالندم..... ***
داخل غرفة فريال كان جلال متسطح فوق الفراش يتمعن في السقف بشرود وبجواره ابنه الصغير نائم.... لم يكن بوضع يسمح له بتحمل منيرة أو حتى رؤيتها وكان يريد البقاء بمفرده ينعزل حتى لو لمجرد ساعات معدودة بين جدران غرفته هو وحبيبته عله يشعر بتواجدها معه وتتخلل رائحتها المسكرة لأنفه، لكن صغيره لم يسمح له وشاركه الفراش مصممًا على النوم معه الليلة فوق فراش والدته ليوافق هو مغلوبًا وسط ضحكه عليه.
اختلى بأفكاره المؤلمة مجددًا وها هي تصيبه في مقتل من جديد، كلماتها ونظراتها الناقمة لا تخرج من عقله أبدًا.. ليتها تقرر التنازل لمرة واحدة وتحاول منح زواجهم وحبهم فرصة أخرى.. هو ليس لديه شك أن قلوبهم ستخرج من قاع البحر وستطفو فوق سطح المياه مرة أخرى وتعود الحياة لمجاريها إذا فعلت وتركته يصلح خطأه، حتى لو كانت هي أيضًا مخطئة لم يعد يهتم، فهو على استعداد أن يتنازل مجددًا ويمحو الماضي كله دون اكتراث بما فعلته به.. يكفيه أن تبقى معه ولا تتركه، هو لا يطيق فراقها هي وأولاده عنه لأسبوع واحد وأصبح بتلك الحالة المزرية بسبب هجرها له منذ أسابيع فقط.. فكيف ستكون حالته إذا نفذ رغبتها في الطلاق وانفصل عنها للأبد.
رفع أنامله ومسح تلك الدمعة المتعبة التي فرت من عينيه ثم أغمض عيناه ينوي النوم هذه المرة عله يجد مخرج من طريق أفكاره المسدود، دقائق طويلة نسبيًا وانفتح الباب لتدخل منيرة رأسها تنظر له فتجده نائم وبجواره ابنه في فراش فريال.. التهبت نظراتها وكورت قبضة يدها تضغط عليها بغيظ وغيرة ثم غادرت وتركته. ***
كان عمران يقف في الشرفة يتحدث هاتفيًا مع أحد الرجال بخصوص العمل، وبعد انتهائه تحرك للداخل ووضع الهاتف فوق المقعد وهو يرفع يده يمسح فوق مؤخرة رأسه بخنق زافرًا، لكن سرعان ما تبدلت ملامح الخنق لأخرى هائمة عندما رآها تقف أمام المرآة ترتدي ثوب أحمر طويل منقط باللون الأبيض وترفع يديها لشعرها تلويه لكي تلمه بالمشبك الكبير.
قادته قدماه دون أن يشعر تجاهها ووقف خلفها مباشرة ثم مسك يدها وانزلها فانفرد شعرها الغزير على طول ظهرها كله وسمعته يهمس بنبرة مميزة: _سبيه مفرود. ارتجف جسدها من لمسة يده ونبرته حتى أنها تطلعت لانعكاسه في المرآة بتوتر ملحوظ لا تجد الكلمات لتجيب عليه وفقط خرجت همسة خافتة من بين شفتيها: _ليه؟!! ابتسم وتمتم بصوت رجولي يذيب القلب: _شكله كده عاجبني.
طالت نظرتها المندهشة إليه.. لوهلة ظنت نفسها داخل حلم وليس بواقعها المرير.. لا يمكنها تصديق أن ما تراه أمامها الآن هو عمران، وبتلقائية أفصحت عن أفكارها حيث سألته ببلاهة: _عمران أنت تعبان؟! قهقه برجولية وزم شفتيه لها بجهل، رغم أنها رغبت بالضحك لكن تصرفت بجفاء تكمل خطتها الممتعة.. هي تعلم جيدًا محاولاته الذكية في نيل رضاها لكنها أذكى ولن تسامحه بسهولة. آسيا بقسوة وهي ترفع يديها وتلم شعرها من جديد:
_وأنا مش عاجبني وبلاش تستغل كل فرصة وتقرب مني ياعمران عشان أنا مش هنسى اللي عملته وكمان مش عاوز أتكلم معاك واصل ياريت تنسى إني موجودة معاك واصل ولو مش عارف أنا ممكن أسيبك وأروح أقعد مع فريال هيكون أسهل وأحلى.
رأت ملامح وجهه المخيفة بدأت تحتل مكانها، وبتلك اللحظة علمت أن الصمت هو أفضل حل حتى لا تقع كوارث بينهم.. وفور انتهائها من ربط شعرها اتجهت نحو الفراش وقبل أن تنام راحت تجذب الوسائد وتضعهم على طول الفراش بالمنتصف بينهم، فنظر هو لها بحيرة وهتف بنفاذ صبر: _بتعملي إيه؟! ردت ببرود: _كيف ما أنت شايف بعمل فاصل بما أن مفيش مكان غير السرير ده وأنا مش عاوزة أنام جارك فالمخدات دي هتكفي الغرض.
لم يجيبها فقط تابعها بنظراته الشرسة حتى انتهت وتمددت بجسدها على الفراش مغلقة عيناها تستسلم للنوم.. مسح على وجهه نزولًا للحيته وهو يتأفف بتذمر ثم تسطح هو الآخر بالجزئية التي خصصتها له وبجواره تمامًا تلتصق به الوسائد وهي على الجانب الآخر.
رفع يديه واستند بهم أسفل رأسه محدقًا في السقف بصمت، وبين كل لحظة والأخرى يلقي نظرة عليها، بعد مرور نصف ساعة تقريبًا من السكون التام من كلاهما تحرك ورفع جسده قليلًا يميل عليها ليتأكد إذا كانت نائمة أم مستيقظة، وفور تأكده من نومها العميق راح يمد يده لتلك الوسائد المزعجة ويزيلها ليليقها على الأرض بإهمال، خطوته التالية كانت اقترابه منها بكل تريث حتى أصبح خلف ظهرها تمامًا وانحنى عليها يلثم شعرها بدفء.
كان على وشك أن يبتعد وينام لكنها تململت أثناء نومها واستدارت على جهته ثم دخلت بين ذراعيه، اخفض نظره لها متأملًا إياه ثم وضع رأسه فوق الوسادة وادخل ذراعه أسفل رأسها فتنغمس هي بين أحضانه دافنة وجهها بين صدره كالطفل الصغير، والغريب أن رغم كل هذا مازالت داخل سباتها العميق، قبَّل رأسها للمرة الثانية ثم أغلق هو الآخر عيناه لكي ينام... *** بصباح اليوم التالي.....
كانت فريال تقف بغرفتها أمام النافذة شاردة الذهن تتذكر مقابلتها مع منيرة بالأمس ثم شجارها مع زوجها.. تستعيد كل شيء مر منذ بداية الأمر كيف كانت نظرات تلك الخبيثة لها بكل مرة وكأنها تحتفل بانتصارها في معركة لم تخضها سوى بالخداع.. فلو وقفت أمامها في تلك المعركة حتمًا ستخسر. منذ أمس وحوارها مع آسيا وما قالته لها لا يغادر عقلها بأي شكل كان.. تفكر في كل كلمة تفوهت بها وها هي أخيرًا تعطيها الحق في رأيها.
دخلت إخلاص الغرفة واقتربت من فريال تهتف لها بجدية: _يلا يافريال عشان الفطور يابتي. لم تجد ردًا منها فاقتربت منها أكثر وهزتها برفق في كتفها هاتفة: _فريال أنا بكلمك. انتبهت لها ونظرت لأمها بنظرة جديدة كلها قوة ووعيد، لتضيق إخلاص عيناها بحيرة وتسألها: _مالك ياحبيبتي؟ عادت فريال تلقي بنظرها من النافذة مجددًا قبل أن تهتف بكل ثبات واصرار: _أنا راجعة بيتي تاني ياما. .............. نهاية الفصل ..........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!