بتمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل... فتحت آسيا عيناها مستيقظة من النوم عندما وضعت يدها بجانبها على الفراش وشعرت بالفراغ. رفعت رأسها عن الوسادة وتلفتت حولها تبحث عنه باستغراب. انتفضت مفزوعة عندما رأته يجلس في الظلام على الأريكة المقابلة للفراش ويراقبها بنظرات مخيفة. باللحظة الأولى ظنته شبح، لكن عندما دققت النظر به تنفست الصعداء براحة واعتدلت في نومها وهي تمد يدها لزر الكهرباء تشعل الضوء وهي تهتف له برقة:
_إيه ياعمران قاعد إكده ليه وقفت قلبي من الخضة! لم يجيبها واستمر في تحديقه المريب لها، مما جعلها تغضن حاجبيها بحيرة وقلق. واستمرت هذه اللحظات المرعبة لوقت حتى سمعته أخيرًا يهتف بغضب: _كنتي عارفة من امتى؟ ضيقت عيناها بتعجب وراحت تسأله بعدم فهم: _عارفة إيه؟ عمران بنظرة مميتة: _إن أبويا متچوز يا آسيا وأنتي مخبية عني. ازدردت ريقها بتوتر بسيط ثم سألته باستغراب: _أنت مين قالك؟
أظلمت عيناه وبدأت بشائر غضبه المرعب تظهر حيث صرخ بها منفعلًا: _أنا سألتك سؤال ومستني إجابة مش بتردي عليا بسؤال. أطرقت رأسها أيضًا وهي تتنهد بقلة حيلة وتجيبه في خفوت: _من فترة قريبة جدًا لما كنا بنروح للمستشفى للدكتور عرفت هناك. استقام واقفًا واندفع نحوها يسألها بسخط شديد: _ولما عرفتي حاجة زي دي متقوليش كيف ولا كان في دماغك حاجة عاوزة تعمليها وعشان كده خبيتي عني؟ أخذت نفسًا عميقًا محاولة الصمود أمام انفعالاته المرعبة
وأجابته بهدوء مزيف: _أيوه كان عندي أسبابي وعشان كده مقولتلكش. ضحك ساخرًا في غضب هادر ثم صاح بعصبية: _وهي إيه أسبابك؟ أنتي مصممة تهدي كل حاجة بينا.. رغم كل اللي عملتيه وبتعمليه ولساتني بسامحك وبعديلك لكن أنتي مبتتعلميش من غلطك. لما حاجة زي دي متقوليش عليها يبقى إيه تاني. هبت واقفة من الفراش وصرخت به بانفعال مثله:
_وهتفرق بإيه حتى لو قولتلك.. ما أنا ياما قولتلك أن أبوك هو اللي قتل أبوي وأنت مصدقتنيش.. دلوك لما تعرف أنه اتچوز على أمك للمرة التالتة هتصدقني؟ ولا أنت بتصدق اللي على مزاجك ياعمران. صر على أسنانه مغتاظًا وهو يرد عليها بلهجة حادة: _وطّي حسك وأنتي بتكلميني. هتفت بعناد وقوة تليق بها دون أن تمتثل لأوامره بإخفاض نبرتها المرتفعة:
_مش معنى أنك چوزي وبحبك هبقى هنسى حق أبوي ولا هتنازل عنه.. أبوك قاتل وهياخد جزائه في الدنيا والآخرة. قبض على ذراعها بقوة لكي يمنعها من استرسال حديثها: _الكلام ده تقوليه لما يكون معاكي دليل لكن أنا مش هروح اتهم أبوي عشان خاطر كلام فارغ كيف اللي بتقوليه ده. ابتسمت له بسخرية ثم دفعت يده بعيدًا عنها بقوة وهي تحدق في عيناه بثقة وتهتف:
_ولو قولتلك أني سمعته بودني وهو بيتكلم مع عفاف وبيقول أن هو اللي قتله ومرته الجديدة سمعته كمان.. ده مش دليل بنسبالك. ارتخت عضلات وجهه المتشنجة وهو يغضن حاجبيه بتعجب امتزج بدهشته وهو يسألها: _سمعتيه كيف وكان بيقول إيه؟ عقدت آسيا ذراعيها أسفل صدرها وتطلعت في وجهه بحدة تقول:
_كان بيتكلم مع عفاف اللي هي أصلًا اللي وزته على قتل أبوي وكانوا بيحاولوا يلاقوا حل مع بعض عشان محدش يعرف باللي عمله.. ورغم كده أنا لما سمعته قولت يمكن أنا أكون فاهمة غلط واستنيت عشان اتأكد ودلوقتي اتأكدت لما مرته الجديدة قالتلي أنها سمعته وكان بيتكلم مع أمك وبيهددها أنها متقولش لحد يعني حتى أمك عارفة. رأت السكون الغريب يستحوذ عليه وهو يطالعها في دهشة تمتزج بنظرات الاستياء في عيناه، فتابعت هي بقهر وغضب:
_أبوك شيطان ومتمثل في صورة ملاك.. أنا بحبك ياعمران بس لما يكون الموضوع حق أبوي سامحني أنا مش هكون في صفك. أنهت عباراتها وابتعدت عنه تتجه لخارج الغرفة وتتركه بمفرده يفكر فيما قالته. مازال لم يستوعب حقيقة زواج أبيه للمرة الثالثة حتى اصطدم بجدار صلب عن حقيقة قتله "لخليل صفوان"، والآن يجد نفسه عالقًا بالمنتصف. هل يصدق زوجته أم يرفض رؤية والده على حقيقته ويستمر في الإنكار؟
بعد مرور ساعة تقريبًا عادت آسيا للغرفة مجددًا، لكنه لم يكن موجودًا. فضيقت عيناها باستغراب وقبل أن تستدير وتغادر الغرفة بحثًا عنه سقط نظرها على هاتفه وهو فوق الفراش. تجمدت مكانها لبرهة من الوقت تفكر بشجارهم معًا منذ قليل محاولة تخمين هوية الشخص الذي أخبره. ولم يقذف لعقلها سوى شخص واحد فاندفعت بسرعة دون تفكير تلتقط هاتفه تفتش في قائمة الاتصالات فوجدت آخر مكالمة كانت لبشار. هزت رأسها بالنفي فمن المستحيل أن يكون بشار هو
من أخبره. راحت تكمل بحث في الهاتف محاولة العثور على أي شيء يساعدها في معرفة هوية الشخص الذي يحاول التفريق بينهم. بمحض الصدفة ضغطت دون وعي على الرسائل وبينما كانت على وشك الخروج منها توقفت مندهشة عندما رأت الرسالة الأولى ثم قامت بفتحها وبدأت تقرأها بنظرات مشتعلة.
تركت هاتفه وجذبت هاتفها بسرعة ثم فتحت قائمة الاتصالات وأخرجت رقم داليا وراحت تقارنه بالرقم الذي أرسل الرسالة لزوجها فوجدته نفس الرقم. أظلمت عيناها وهي تجز على أسنانها مغتاظة وتتوعد لها بعقاب عسير.
أعادت هاتف عمران لمكانه وتركت هاتفها أيضًا ثم خرجت من الغرفة وتحركت باتجاه غرفة مكتبه الخاصة. فتحت الباب ببطء شديد وأدخلت رأسها أولًا تلقي نظرة عليه. قرأته جالسًا فوق الأريكة ساكنًا تمامًا ويحدق في الفراغ أمامه بأعين غاضبة. كان ثباته الخارجي يعكس ثورانه الداخلي رغم أنها لا تراه لكن تشعر به جيدًا.
تنهدت الصعداء بعبوس وندم ثم تحركت ودخلت لتقترب منه وتجلس بجواره. لم يلتفت لها أبدًا كأنه لا يراها بينما هي فمدت يدها الناعمة تمسك بكفه تهمس في أسف حقيقي: _حقك عليا ياعمران يمكن أنت عندك حق وأنا مكنش ينفع أخبي عنك. خرج صوته الرجولي الغليظ وهو يجيبها ساخرًا: _يمكن!!! انزوت نظرها أرضًا وهي تزفر بضيق ثم رفعت رأسها له مجددًا وابتسمت بحب لتقترب منها وتطبع قبلة دافئة فوق وجنته وتتعلق بذراعه تضع رأسها فوق كتفه متمتمة:
_أنا آسفة. رمقها بطرف عيناه وهي واضعة رأسها فوق كتفه ومتشبثة به كأنه طوق نجاتها ليتأفف بخنق وقلة حيلة ويسألها بنبرة هدأت حدتها: _عرفتي كيف وشوفتيها وين مراته؟ أجابته بخفوت دون أن تبتعد عنه: _في المستشفى البنت الصغيرة اللي كانت قاعدة معايا وكانت تايهة من أمها بنتها.
رفعت رأسها قليلًا عن كتفه تنظر لتعبيرات وجهه فرأت الدهشة واستطاعت قراءة أفكاره متوقعة أنه يقول الآن كانت تلك الفتاة الصغيرة أخته وهي رغم ذلك لم تخبره، فهتفت بسرعة تصحح له خطأ أفكاره: _بس وقتها أنا مكنتش أعرف كنت شاكة بس ولما روحنا المستشفى تاني بعدين وشوفت مرات أبوك اتأكدت لما سمعتها بتكلمه في التليفون.
وجدته يرفع يده لوجهه يمسح عليه بقوة وهو يتأفف في غضب شديد ملحوظ عليه. ثم استقام واقفًا وراح يتجه نحو النافذة يقف أمامها وهو مازال يمسح على لحيته ويشدها بعنف محاولًا تمالك انفعالاته قدر الإمكان لكنه لم يستطع حيث صاح منفعلًا: _ناقصه إيه عشان يتچوز تالت مش مكفيه اتنين! .. مبقتش عارف أشيل هم چوازه ده ولا أفكر في أنه ممكن صح يكون قتل خليل صفوان. هبت آسيا واقفة واقتربت منه لتقف خلفه مباشرة وترفع كفيها تضعهم
فوق كتفيه في دفء متمتمة: _العصبية والتفكير مش هيفيدك بحاجة.. اقف قصاده وواجهه وشوفه هيقول إيه! التفت لها بجسده وتطلع في عيناها اللامعة بالدموع ثم وجدها تكمل بقهر وصوت مبحوح: _خناقة ومشكلة هل كانت تستدعي أنه يقتل صاحبه.. أبويا كانت بيعتبره أخوه وبيحبه أكتر من منصور.. هو ده جزاء الإحسان يقتله بدم بارد.. مكنش يستحق ده والله ياعمران.
أشاح بوجهه للجهة الأخرى وهو يمسح على شعره ويتأفف بسخط شديد. ثم عاد بوجهه لها وضمها لصدره بحنو فتشبثت به بقوة وتركت العنان لدموعها في الانهمار بصمت فوق صدره حتى سمعته يقول بلهجة صارمة: _جهزي نفسك هنرچع بكرا البلد.
هزت رأسها بالموافقة له فابعدها عنه برفق واتجه للأريكة مجددًا يجلس عليها. لحظات معدودة وانضمت هي أيضًا له تجلس بجواره صامتة لكن دموعها لم تتوقف عن الانهمار. فتنهد وهو يرمقها بطرف عيناه ثم عاد يفرد ذراعه مجددًا ويلفه حول كتفيها ليضمها لحضنه مقبلًا رأسها بحنو. سكنت بين ذراعيه وأغلقت عينيها تترك نفسها تنعم بدفء حضنه وحنانه الجميل. بينما هو فكان عقله شارد بوالده يفكر في ما الذي يفعله بعد معرفته لكل تلك الحقائق.
بصباح اليوم التالي داخل منزل جلال بالعين السخنة... فتح عيناه بخمول عندما شعر بالألم في ذراعه فانخفض بنظره وجودها نائمة بين أحضانه ورأسها فوق ذراعه فابتسم بحب وهو يضحك صامتًا ثم انحنى عليها ولثم جبهتها برقة هامسًا لها في صوت مغرم: _فريال. همهمت مجيبة عليه وسط نومها دون أن تبتعد عنه أو تفتح عينيها فازدادت بسمته اتساعًا وهو يهتف بخبث: _لما أنا واحشك للدرجة دي كنتي بتعذبيني وتعذبي روحك ليه.
فتحت عيناها دفعة واحدة ورمقته مندهشة لتجيبه في خجل ملحوظ: _قصدك إيه؟ لمعت عيناه بوقاحة وغمز لها ضاحكًا: _أنتي فاهمة قصدي ياحبيبتي. توردت وجنتيها بحمرة شديدة ثم لكمته في كتفه بخفة هاتفة ببسمة تحاول إخفائها: _بلاش قلة أدب. ثم رفعت رأسها عن ذراعه تهم بالنهوض فوجدته يصدر تأوهًا خفيفًا وهو يحاول تحريك ذراعه من مكانه، فسألته بقلق: _مالك؟ أجابها ضاحكًا وهو يحرك ذراعه ببطء: _مش حاسس بدراعي يافريال حرام عليكي. ضيقت
عيناها بتعجب وهي تهتف: _هو أنا أول مرة أنام في حضنك يعني! اختلس النظر إليها في مكر واجابها بجدية مزيفة متعمدًا إثارة جنونها: _معرفش شكل الوزن زاد بسبب الحمل. اتسعت عينيها بصدمة وظهر الغضب الممتزج بالحزن وهي ترد: _أنا تخنت ياچلال!! .. من دلوقتي مش متحملني وشايفني مبقتش حلوة. فغر شفتيه وعينه مندهشًا، فأمسك بها بسرعة عندما وجدها تهم بالنهوض والمغادرة يقول لها ضاحكًا بحب: _أنا قولت مش حلوة!!!
.. أنتي فسرتي كلامي وجبتيه لده كيف؟! .. بعدين طبيعي وزنك يزيد وأنتي عارف يافريال يعني هو أول حمل ليكي وأنتي في كل الحالات قمر ياروحي. طالعته بطرف عيناها عابسة بعدما لانت ونجح في امتصاص غضبها. وعندما همت بالنهوض مجددًا منعها ثانية وهو يجذبها إليه متمتمًا في خبث ورغبة: _رايحة فين.. ده أنا ليا شهور محروم منك. ضحكت بخفة ثم رفعت كفها تملس فوق وجنته بلطف متمتمة:
_وهو أنا هروح منك فين يعني ما أنا قاعدة جارك كل يوم.. بس دلوقتي عاوزة أقوم أحضر الفطار عشان العيال. رفع حاجبه بالرفض القاطع وبذراعيه حاوطها بأحكام هاتفًا: _العيال لسه نايمين. تنهدت مغلوبة وهي تبتسم بخجل وتحاول الفرار من بين براثينه متمتمة في دلال: _چـلال... وبعدين عاد رأت عيناه تلمع بعاطفة جياشة وثغره يميل في بسمة مختلفة ثم ينحني عليها ويلثم وجنتها بعدة قبلات متتالية وهو يهمس في صوت متيم بالعشق: _متوحشك قوي
زين وجهها بسمتها الرقيقة معبرة عن سعادتها بتلك المشاعر التي تعود بينهم من جديد، فلفت ذراعيها حول رقبته وعانقته بحرارة متمتمة: _وأنت كمان يا جلالي ذاب بين يديها بعدما سمع اسمه المميز من بين شفتيها وأبعدها عنه في لحظة ينحني عليها ينوي إعادة ليلة أمس، لكن صوت الهاتف أفسد اللحظة فتوقف جلال بالمنتصف قبل أن يلمسها وهو يغلق على عيناه مغتاظاً ويشتم بذلك المتصل.
ابتعد عن حبيبته مجبراً وهو يلتقط الهاتف ينظر لشاشته فيرى اسم جده ينير الشاشة.. غضن حاجبيه باستغراب وأجاب بسرعة في جدية: _أيوة يا جدي وصله صوت حمزة الصارم: _خد مرتك وعيالك يا جلال وارجع البيت التفت جلال لفريال ثم هب واقفاً من الفراش وابتعد عنها قليلاً يهتف بصوت خشن وقلق: _خير يا جدي.. في حد حصله حاجة ولا إيه؟ هتف حمزة بنبرة ممتلئة بالشر والغضب: _لغاية دلوقتي لا يا ولدي بس هيحصل تقوست ملامح جلال للجدية وهو يسأل مجدداً
بعدم فهم: _في إيه يا جدي؟ أجابه حمزة دون مراوغة ومباشرة: _ابراهيم الصاوي هو اللي قتل أبوك لم تصبه الصدمة الحقيقية لكن الغضب ونيران الثأر والوعيد التهبت في ثناياه واستحوذت عليه، سمع جده يكمل باستياء: _تعالى النهاردة عشان نقعد نفكر ونشوف هنعملوا إيه لم يجيب جلال على حمزة فقط أنهى الاتصال دون كلام محدقاً أمامه بنظرات نارية وعينان مظلمة، فاستقامت فريال واقتربت منه بخطواتها الهادئة حتى وقفت خلفه وسألته بتعجب:
_إيه اللي حصل يا جلال؟ سمعت صوته المتحشرج والمريب وهو يلقي عليها تعليمات صارمة: _لمي الشنط يلا دلوقتي عشان راجعين البيت تحركت حتى أصبحت أمامه وتطلعت في قسمات وجهه المخيفة متمتمة بعدم فهم: _ليه راجعين؟ .. هو احنا لحقنا نقعد عشان نرجع؟ .. إيه اللي حصل قولي حتى؟ صرخ بها منفعلًا دون وعي يأمرها في لهجة غير قابلة للنقاش: _من غير ليه أنا قولت لمي الشنط وجهزي نفسك أنتي والعيال عشان راجعين دلوقتي
انتفضت فزعاً على أثر صراخه بها، وأخذت تتابعه بقلق وخوف وهي تراه يندفع للخارج ثائراً، يبدو أن كارثة حدثت فلا تصدق تحوله السريع بلحظة هكذا إلا بسبب شيء خطير... *** عودة للقاهرة تحديداً أمام المستشفى....
قادت آسيا خطواتها السريعة والثائرة للداخل وهي عبارة عن جمرة من النيران المشتعلة، تسير بكل قوة وشموخ يليق بها ونظراتها الشريرة ثابتة على هدفها أثناء سيرها في طريقها، هي نزعت رداء الشر والقسوة وأظهرت جانبها الجيد لفترة قصيرة فظنوا أنها ضعيفة لكن الآن حان الوقت لعودة الساحرة الشريرة مرة أخرى وهذه المرة لن تشفق على أحد.
توقفت أخيراً بالطابق الثاني الذي كانت تقصده ورأت داليا وهي تقف مع الطبيب تتحدث معه عن وضع والدتها الصحي، فابتسمت بعين مرعبة لا تبشر سوى بالجحيم القادم، تقدمت نحوها ووقفت خلفها تتطلعها بشر منتظرة اللحظة التي ستلتفت فيها وتراها، وماهي إلا لحظات معدودة حتى التفتت داليا بتلقائية وشهقت مفزوعة برعب عندما رأت وجه آسيا بتلك النظرات وبسمتها المريبة وهي تسألها بخفوت غريب: _أخبار الست الوالدة إيه يارب تكون بخير؟
توترت داليا للحظة لكنها أبت أظهاره فوقفت بثبات أمام آسيا تجيبها: _الحمدلله كويسة.. أنتي جاية هنا ليه؟ لمعت عيني آسيا بوميض مخيف ثم قبضت على ذراع داليا بقوة وهي تبتسم لها وتهمس بفحيح أشبه بفحيح الأفعى السامة: _كل خير.. جاية في الخير، تعالى معايا
جرتها خلفها بقسوة رغم محاولات داليا لإفلات ذراعها من بين قبضتها وانزعاجها وصياحها عليها لكنها لم تعيرها اهتمام حتى وصلا أخيراً للحمام، تركت آسيا ذراعها وتصنعت الطبيعية عندما رأت أن الحمام به بعض السيدات يقفون أمام المرآة، فابتسمت لهم بلطف حتى رأتهم يتجهون للخارج وفور رحيلهم التفتت لداليا تطالعها شزراً وبحركة مباغتة كانت تدفعها فاصطدمت بالحائط وقبضت على رقبتها تهتف في عينان ملتهبة:
_المرة اللي فاتت كنا هنا وكنا بنتفق ولو فاكرة إني حذرتك متلعبيش بالنار معايا أنتي لساتك متعرفنيش بس شكلك كده افتكرتيني برمي كلام واهدد والسلام احتقن وجه داليا من الدماء بسبب خنقها لها وكانت تحاول التقاط أنفاسها ودفع يد آسيا بعيداً عنها لكن دون فائدة ولم تتركها إلا بعد وقت وهي تبتسم بعدم رحمة مكملة: _أنا آسفة بس أنتي اثبتيلي إنك مبتفهميش بالكلام ولازم الفعل عشان يخليكي تدركي أنك وقفتي قصاد الشخص الغلط
صاحت بها داليا منفعلة بارتعاد وسط سعالها القوي: _انتي مجنونة عايزة تقتليني.. أنا هنده أمن المستشفى واتصل بالبوليس واسجنك ضحكت آسيا ساخرة وقبل أن تحاول داليا الهرب جذبتها من ذراعها بعنف وهي تهتف بسخط: _جيتي لغاية بيتي تطلبي مساعدتي وأنا افتكرت أنك صح مظلومة وعاوزة تاخدي حقك وكنت ناوية اساعدك.. بس اتضح أن هدفك مكنش بتك ولا حاجة أنتي عاوزة الفلوس وعاوزة تخربي على الكل وتوقعي الكل في بعضه، ومن غبائك أنك بدأتي بيا
صاحت داليا بقلق ملحوظ وهي تدفع يد آسيا بعيداً عنها: _أنا معملتش حاجة ابتسمت لها ساخرة وهي تجيبها بثقة: _معملتيش حاجة بس بعتي رسالة لچوزي هدفك فيها أنك تعملي مشكلة بينا سكنت داليا ولم تجيب بينما آسيا فاقتربت منها أكثر حتى أصبحت في مواجهة وجهها مباشرة ورمقتها بنظرات مرعبة وصوتها الأنثوي الرقيق تحول ليصبح آخر كله شر ووعيد:
_مكنش في مصلحتك خالص إنك تعاديني، ودلوقتي السحر انقلب على الساحر واللي حضر الجن يعرف يصرفه وإن معرفش يتحمل أذاه ألقت عليها نظرة أخيرة قذفت الرعب في قلب داليا ثم تركتها وغادرت وبينما كانت في طريقها لخارج المستشفى سمعت صوت رنين هاتفها، فديت يدها يحقيبتها واخرجته تجيب على زوجها بنبرة طبيعية: _أيوة ياعمران عمران بصوت رجولي جاد: _حضرتي الشنط ولميتي كل حاجة ابتسمت له بدفء وقالت بإيجاب: _أيوة ومستنياك كمان أنت وين دلوقتي
_معايا مشوار سريع هخلصه وهاجي عشان نتحرك علطول ردت عليه بالموافقة ثم ودعته وأنهت الاتصال لتضع هاتفها في حقيبتها مجدداً وتسرع في خطاها لكي تغادر وتصل للمنزل قبل عودته حتى لا يعرف أنها خرجت دون أذنه... *** بتمام الساعة العاشرة مساءً داخل منزل خليل صفوان.......
كان رجال العائلة مجتمعين بغرفة الجلوس الكبيرة يتحدثون، بعكس جلال الذي كان يتابع حديث جده وعمه وهو ساكن بطريقة غريبة.. نظراته كلها غل وشر فصاح بعد برهة من الوقت منفعلًا: _لا أنا مش هقدر اتحمل اقدر من كده واسمع حديثكم ده وثب جلال واقفاً وهم بالاندفاع للخارج ثائراً لكن منصور لحق به وامسكه قبل أن ينصرف وهو يهتف بعصبية: _اهدى وفكر زين الأول بلاش تهور تارنا وحق ولدنا هناخده بس مش كده صرخ جلال بعمه في
عينان مظلمة من فرط الغضب: _هملني ياعمي أنا مش هرتاح غير لما آخد روحه بيدي هب حمزة واقفاً وصرخ بجلال منفعلًا: _إيه يا جلال هو كلامي معدش له لزمة ولا إيه قولت اقعد واهدى اللي خلانا نصبر كل ده على حق ولدي يخلينا نصبر كام يوم كمان لغاية ما نشوف هنتصرف كيف التفت جلال يتطلع لجده بأعين ساخطة بينما منصور فربت على كتفه وهو يهدأه بنظراته الحازمة، فالتزم جلال الصمت مضطراً وعاد ليجلس مكانه احتراماً لجده ولكي يكمل سماع حديثه...
بالخارج داخل المطبخ كانت جليلة وفريال معاً وكل منهم ترمق الأخرى بخنق حتى خرج صوت جليلة ساخرة: _ولدي مبيحبكيش هو رجعلك بس عشان عياله، لو كان بيحبك مكنش اتجوز عليكي حدقتها فريال بغيظ ملحوظ ثم ردت عليها ببرود مزيف: _ولو متقوليش أن شيطان لعب في دماغه لغاية ما خلاه يتجوز عليا.. جلال غلط بس أنا عارفة ومتأكدة أن جوزي بيحبني جليلة بقسوة وكره شديد: _كان بيحبك متوهميش نفسك بالكلام الفارغ ده يابت ابراهيم
انفعلت فريال بشدة ولم تتمكن من البقاء صامدة أكثر من ذلك أمامها حيث صرخت بها مستاءة: _أنتي عاوزة إيه بالظبط مش ناوية تسيبي ولدك يتهنى مع عياله ويعيش مرتاح.. كان هيروح فيها بسببك انتي والعقربة اللي جوزتهاله ولغاية دلوقتي لساته معرض للتعب تاني، لكن أنتي مصممة في اللي بتعمليه ومش هامك ولدك ولا بتفكري فيه رمقتها جليلة بنظرة شيطانية ثم قالت بكل تجبر وغطرسة:
_أنا عشان هاممني ولدي بعمل كده، مش هسيبك تاخديه مني كيف ما اخدتوا جوزي وبتي أغلقت فريال كف يدها وضغطت عليه بغيظ شديد ثم قالت لها مبتسمة بخبث متعمدة إشعال النيران في صدرها: _اعتبريني اخدته منك خلاص.. قريب قوي هننقل على بيتنا جلال اشتري لينا بيت وهو بنفسه اللي مش عاوز يعيش معاكي بسبب اللي بتعمليه معدش متحملك
ألقت قنبلتها وغادرت لتترك خلفها ضحايا وآثار مدمرة على أثر عباراتها، كانت جليلة تشتعل والدماء تغلي في عروقها حقداً وغضباً... *** داخل منزل ابراهيم الصاوي تحديداً داخل غرفة الجلوس الخاصة بابراهيم.... كان يجلس على الأريكة وأمامه عمران على الأريكة المقابلة له يطالعه بأعين ملتهبة، مما بعث القلق في نفس ابراهيم وراح يسأله باستغراب: _إيه يا ولدي مالك؟
.. موضوع إيه اللي عاوز تتكلم فيه معايا ومينفعش يصبر للصبح ده حتى تكون ريحت جسمك من السفر شوية استقرت نظرات عمران المميتة على والده وهو يجيبه: _أنت اللي هتقولي يابوي في إيه! طالعه ابراهيم غاضن حاجبيه بعدم فهم، هو حتى لم يفهم عبارته ليجيب عليه بينما عمران فتابع بعدما جلس على مقعده بإريحية أكثر:
_لساتني فاكر لغاية دلوقتي لما اتجوزت عفاف.. مكنتش عيل وكنت واعي وفاهم زين، كنت أنا اللي بواسي أمي كل ليلة وهي بتنام دمعتها على خدها، فريال دي أنا اللي ربيتها وأنت مكنتش فاضيلنا ما بين سفرك للقاهرة وعيشتك هناك ومعاك مرتك الجديدة، ومع الوقت أمي نسيت واتعودت وعاشت مع ضرتها تحت سقف واحد كمان.. بس أنت مشبعتش ومكنش مكفيك اتنين عشان كده اتجوزت التالتة دلوقتي الآن وضحت الرؤية كاملة أمام الذي تنهد الصعداء
بقوة وأجاب على عمران بحزم: _أنت مش هتقولي الصح من الغلط ياعمران وثب عمران واقفاً وصرخ منفعلًا بصوت جهوري مخيف: _أنت معملتش حاجة صح أصلاً يابوي.. ودلوقتي مكفكش قهرة أمي عاوزة تقهرها للمرة التانية وتقهر مرتك التانية.. ولادك رجالة وممكن قريب تشيل ولدي وأنت لساتك كيف ما أنت مبتتغيرش هب ابراهيم واقفاً وصاح بابنه في غضب حقيقي: _عــمـران متنساش روحك قصادي أنا أبوك ضحك باستهزاء ثم لمعت عيناها بوميض ملتهب وهو يهتف:
_أبوي اللي قتل خليل.. وكان السبب في تأخيره سنين، استغفلتنا كلنا ومفكرتش في عيالك قبل ما تقتله حتى. بلال كان هيروح فيها في اليوم ده وأنا وجلال كنا هنقتل بعض. وأنت حتى مهنش عليك تقولي وترسيني على عملتك وكنت سايبني على عمايا فاكر أنك مظلوم ومالكش يد. استحوذ الذهول على إبراهيم بعدما ضربه ابنه بحقيقته البشعة. انعقد لسانه والتزم الصمت لبرهة من الوقت قبل أن يهتف مدافعًا عن نفسه:
"أنا فعلًا مالكش يد يا ولدي، كان بالغلط ومكنش في نيتي أذيه." هز عمران رأسه بعدم اقتناع وهو يقول بغضب: "لا كنت قاصد يابوي، من كتر غلك وحقدك قتلته وفتحت طاقة جهنم فوق راسنا وأنت عارف زين أن مفيش حاجة هتقفلها." اقترب إبراهيم من عمران ورفع يده يمسك بكتفه في قوة هاتفًا: "يا ولدي أنا كنت خايف عليك عشان كده خبيت عليك وفهمت الكل أني مليش صالح. كنت خايف يأذوك ولا يعملولك حاجة." دفع عمران يده عن كتفه بنفور وهو يصيح:
"وهما لما يعرفوا دلوقتي هيسكتوا يعني؟ الحرب هتقوم من تاني والدم هرجع يسيل ويا عالم الدور المرة دي هيكون على مين." هز إبراهيم رأسه بالنفي وهو يقول بنظرة أبوية وحب: "مش هيعرفوا يا ولدي، هيفضل الموضوع ده بينا بس وهما مش هيعرفوا." مسح عمران على وجهه وهو يتأفف محاولًا تمالك انفعالاته حتى لا يفقد التحكم بنفسه، ثم هتف لأبيه بغضب وبهجة رجولية صارمة:
"بس أنا مش هسكت يابوي، أنت غلطت ولازم تتحمل غلطك. وافضل حل هو أنك تسلم نفسك للحكومة قبل ما حد يعرف وتقوم حرب محدش هيعرف ينهيها المرة دي." طالعه إبراهيم مندهشًا ثم صاح بسخط شديد: "وإنت عاوز تسلم أبوك يا عمران؟ وأنا اللي كنت فاكر أنك أول واحد هتقف في ضهري يا ولدي." عمران بلهجة صارمة ومستاءة:
"أنا دايمًا في ضهرك يابوي، بس اللي عملته ده مش حاجة سهلة. أنت قتلت روح بريئة ملهاش ذنب. ولو أنت ضميرك مرتاح فأنا مقدرش أتحمل الذنب ده معاك. ورغم كده لسه في ضهرك وبحاول أحميك وأحمينا، وعشان كده بقولك سلم نفسك لأن ده أفضل حل ليك وللكل." هز رأسه إبراهيم بالرفض القاطع وهو يقول بعصبية: "في مليون حل غير ده يا عمران. أنا مش هروح أسلم نفسي على حاجة حصلت من غير قصد ومكنتش ناوي عليها." ألقى عليه عمران نظرة
قاسية وهو يقول برجولية: "لو مسلمتش نفسك أنا هبلغ عنك يابوي. بنسبالك السجن ولا الموت أرحم." لم يحصل على رد من إبراهيم بعد عبارته الأخيرة، فتابع عمران بضيق وخزي: "أنا خايف من اللي جاي يابوي. ورغم كل اللي عملته لسه خايف عليك عشان كده بقولك سلم نفسك. والحق هرجع والكل ناره هتهدى."
أنهى عباراته ثم استدار واندفع لخارج الغرفة، يترك إبراهيم بمفرده يفكر في كلمات عمران، لكن نفسه السيئة مازالت تمنعه من تحقيق العدالة كما طلب منه ابنه للتو. *** فتح عمران باب غرفته ودخل ثم أوصد الباب خلفه وتحرك نحو الفراش، لكن آسيا دخلت من الشرفة وهي تقول بنظرة لامعة: "عمران." التفت لها ثم قال بخنق وانزعاج ملحوظ: "أنا تعبان وعاوز أنام وارتاح يا آسيا." تقدمت نحوه بخطواتها الناعمة حتى وقفت أمامها ومدت يديها تمسك بكفيه وهي
تنظر في وجهه مبتسمة وتقول: "مش هسألك قولت إيه لأبوك لأني عارفة أنك لا يمكن تسكت على اللي عمله. عارفة زين أنك مش زيه وعشان كده أنا حبيتك." ابتسم لها بحب ثم سحب كفه من بين قبضتها ورفع أنامله لوجهها يمررها بحنو على وجنتها، ثم ينحني عليها ويطبع قبلة مطولة بجانب ثغرها هامسًا بصوت محمل بالعشق: "وأنا بحبك يا غزالتي." ارتمت بين ذراعيه تضع رأسها فوق صدره وهي تبتسم بحب، حتى سمعته يقول وهو يلثم شعرها:
"ربنا يعدي الأيام الجاية على خير يا آسيا." تنهدت بقوة وقد تبدلت ملامح وجهها للضيق، بينما هو فقال بخفوت: "يلا عشان ننام." أومأت له في ابتسامة دافئة وانتظرته حتى دخل في الفراش ثم انضمت له ووضعت رأسها فوق صدره تنام بين ذراعيه، لتسمعه يقول بضيق مبتسمًا: "ملحقناش نتهنى بكام يوم حلوين، بعد ليلتنا." ابتسمت آسيا بخجل وأجابته برقة: "الأيام الجاية كلها لينا يا معلم." مال ثغره ببسمة ساحرة ثم انحنى عليها وقبلها بحنو متمتمًا:
"عندك حق يا غزال. عشان معدتش صابر أكتر من كده وكمان قريب عاوز ولي العهد يشرف." انزوت نظرها عنه خجلًا ثم قالت في حب ورغبة حقيقية تدعو بها ربها: "يارب يا عمران." ضمها لصدره أكثر وهو يتنهد مبتسمًا بعشق، بينما هي فأغلقت عيناها تنوي النوم، فغدًا لديها يوم حافل لن ينتهي إلا عندما تكون راضية. *** داخل غرفة جلال وفريال......
كانت جالسة فوق فراشها وتتحسس بيدها فوق بطنها وهي تبتسم باتساع وتتحدث مع ابنتها بكل عفوية، كما كانت تفعل مع أخوتها أثناء حملها بهم. تفعل معها، كانت دومًا تتحدث معهم وربما تسرد لهم عن يومها تنقل لهم جميع عواطفها سواء حزن أو سعادة وتشاركهم كل لحظة تعيشيها، تفعل الآن المثل مع شقيقتهم.
كان جلال يقف بجوار الباب منذ وقت طويل قليلًا يراقبها ويستمع لحديثها مع ابنتهم وهو يبتسم، رغم الأجواء المشحونة بالطاقة السلبية والشجار والتي لا تبشر سوى بقدوم طوفان مدمر إلا أنها نجحت في رسم البسمة على ثغره وانتشاله من قوقعة الغضب والوعيد بالثأر لوالده. يشعر نفسه محاصر بالمنتصف بين النيران ولا يجد مخرج منها، من جهة والده ومن جهة قاتله هو جد أولاده ووالد زوجته. هو يعرف جيدًا أنه لن يتنازل هذه المرة وكل مذنب سينال عقابه، لكنه يخشى على أولاده وحبيبته. هو خسر الكثير ولا يريد خسارتهم أيضًا.
تحرك بخطوات بطيئة نحو الفراش حتى جلس بجوارها ومد يده يضعها فوق بطنها أيضًا وهو يبتسم ويتمتم: "كبرت وبدأت تظهر." فهم أن يقصد أن بطنها بدأت في الظهور وأن ابنته هاهي تكبر وتنمو داخل رحم أمها، فابتسمت وهزت رأسها بالإيجاب له حتى وجدته ينحني على بطنها بوجهه ويقبلها عدة قبلات متتالية هامسًا:
"كل ما تمر الشهور وبطنك تكبر كل ما شوقي وحبي لولدي اللي جوا بيزيد وببقى مش قادر أصبر لليوم اللي يطلع فيه للدنيا وأشوفه وأشيله بين يدي وأشم ريحته." ملست بكفها الناعم فوق شعره وهي تجربه مبتسمة بمرح وغرام: "يعني بطني لما بتكبر مش بيبقى شكلي عفش." ضحك بخفة ثم رفع رأسه عن بطنها ونظر لها يقول غامزًا: "بالعكس بتبقي أحلى ومثيرة." رفعت كفها واخفت به وجهها عن نظراته وهي تضحك في خجل شديد، فاقترب هو منها وضمها
لصدره يقول بصوت حزين: "الفترة دي أنا محتاجك قوي يا فريال." ابتعدت عنه وهي تضيق عيناها باستغراب ثم سألته بقلق: "إنت كويس يا جلال؟ أنا من ساعة ما رجعنا مشوفتكش ومقولتليش حتى ليه رجعنا بسرعة كده وجدك قالك إيه." أخذ نفسًا عميقًا مغلوبًا وهو يقول بنظرات قوية: "هتعرفي يا فريال وهقولك بس مش دلوقتي. المهم دلوقتي أنك أنتي وعيالي جارك ومعايا أنا مش عايز أكتر من كده."
طالعته بعين دافئة يغمرها الهوى ثم ضمته هي لصدرها هذه المرة، فهو يعشق هذه الحركة منها عندما تأخذه بين ذراعيها وتتركه ينعم بعشقها وحنان صدرها، وهتفت له بحب: "إحنا دايمًا جارك يا جلال أنت سندنا وضهرنا ومن غيرك مالناش وجود ولا نعرف نعيش أساسًا." اتسعت بسمة ثغره المغرم وراح يمسك بكفها يرفعه لشفتيه يلثم باطنه بعدة قبلات طويلة وحميمية أثارت رعشة جميلة في جسدها وجعلتها تبتسم له بعشق. ***
بصباح اليوم التالي داخل منزل إبراهيم الصاوي.... قادت آسيا خطواتها الثابتة وهي تبتسم بخبث تجاه غرفة الجلوس حيث يجلس إبراهيم، وكانت تحمل فوق يديها كأس الشاي الصباحي الخاص به كما طلب وأصر على أن تجلبه له زوجة ابنه موضحًا أن يريد التحدث معها حول أمر مهم.
وقفت آسيا أمام باب الغرفة ثم رفعت يدها تطرق عليه بخفة، وانتظرت سماع صوته حتى فتحت الباب ودخلت لتتقدم نحوه وتنحني على المنضدة المجاورة لمقعده تضع فوقها كأس الشاي، ثم تنتصب في وقفتها وترمقه بابتسامة واثقة متمتمة: "خير يا حج إبراهيم كنت عاوز تتكلم معايا في إيه؟ طالعها إبراهيم مطولًا بغيظ قبل أن يهتف وهو يسألها غاضبًا: "إنتي اللي قولتي لعمران وحطيتي في دماغه موضوع قتل أبوكي ده صح؟
اتسعت بسمتها لكنها تحولت لتصبح أكثر شيطانية بالأخص وهي تتذكر أن داليا قد عادت من القاهرة هذا الصباح وهي الآن بمنزلها. تصرفت بكل برود أعصاب وهي تهز رأسها بالنفي مجيبة: "لا مش أنا." حدقها إبراهيم ساخرًا وهو يقول بعصبية: "امال مين هيكون محدش يعرف بالموضوع ده واصل." آسيا وهي مازالت محتفظة ببسمتها المستفزة: "بس اللي أعرفه أن عفاف وإخلاص عارفين." اتسعت عيني إبراهيم بصدمة أنها تعرف كل هذه المعلومات وبسرعة سألها بانفعال:
"يبقى أكيد إخلاص هي اللي قالتله مع أني حذرتها وهددتها متجيبش سيرة لعمران." لمعت عيني آسيا بوميض شراني مخيف ثم أردفت ببسمة مريبة: "لا مش إخلاص. داليا مراتك الجديدة هي اللي قالتله وكمان هي اللي قالتله أنك متزوج، وللأسف جات عندي في القاهرة وطلبت مني المساعدة أني أعرفها عنوان البيت عشان تيجي وتفضحك قصاد العيلة كلها وتاخد حقها وكل حاجة منك."
رأت الذهول يعتلي ملامحه وتدريجيًا بدأ يتحول لبركان حممه البركانية تغلي وعلى وشك الانفجار، فابتسمت وقالت له بخبث: "عن إذنك أصل سامعة صوت تليفوني بيرن." استدارت وسارت باتجاه الباب وهي تبتسم بلؤم وفور مغادرتها أسرعت واختبأت عند الدرج خلف الغرفة منتظرة اللحظة المنتظرة. ولم يدم انتظارها طويلًا حتى رأته يندفع من الغرفة ويتجه نحو باب المنزل ثائرًا، فابتسمت ثم استدارت وأكملت طريقها للطابق الثاني تتجه للنقطة الثانية في خطتها.
وقفت أمام باب غرفة عفاف وطرقت بهدوء حتى سمعت صوتها وهي تسمح للطارق بالدخول، ففتحت آسيا الباب ودخلت فوجدت عفاف تجلس فوق فراشها وتقوم بحياكة ملابس جديدة لها. التفتت عفاف نحو الباب وعندما رأت آسيا هتفت بتعجب: "خير يا آسيا؟! اقتربت آسيا منها وهي تبتسم ببراءة مزيفة بعد أن أغلقت الباب، ثم جلست على طرف الفراش بجوارها وهي تهمس لها بعبوس:
"خير إن شاء الله يا عفاف. بيني وبينك أنا مقدرتش أسكت عن اللي عرفته ده وأسيبك كده على عماكي يعني مهما كان فيه إيه بينا بس دي حاجة صعبة على أي ست." ضيقت عيناها بعدم فهم، ولا تعرف لماذا شعرت بالقلق والخوف من أنها تقصد إبراهيم وستقول شيء يخصه، فهتفت بسرعة تسألها في حزم: "فيه إيه يا آسيا ما تنطقي وتقولي." تنهدت آسيا الصعداء بأسى وإشفاق مزيف ثم قالت:
"أصل أنا عرفت أن الحاج إبراهيم متزوج ومعاه بنت صغيرة. وكنت بفكر ليا فترة أقولك ولا لا وكنت خايفة على مشاعرك بس مقدرتش أسكت أكتر من كده الصراحة خصوصًا لما سمعته دلوقتي وهو بيكلمها ورايح عندها." تحولت عفاف بلحظة وأصبحت كالوحش المفترس وهي تهتف بغضب وعينان نارية: "رايح عندها كيف يعني ومين دي اللي متزوجها عليا؟
رفعت آسيا كتفيها بجهل وهي مازالت ترسم الحزن المزيف، بينما عفاف فهبت من الفراش واقفة وهي تضرب على فخذيها وتجوب الغرفة إيابًا وذهابًا هاتفة بانفعال وغضب هادر: "أنا كنت حاسة أنك بتخوني يا إبراهيم. ولما سألتك كذبت عليا." آه ماشي يا إبراهيم. لو ماخدتش روحك بيدي أنت وال**** دي، مبقاش أنا عفاف. لمعت عين آسيا بتشفي وخبث، ثم استقامت واقفة واقتربت من عفاف وهي تمد يدها لها بورقة صغيرة متمتمة:
_الورقة دي فيها عنوان بيتها. روحي والحقي جوزك، لسه في فرصة ترجعيه ليكي من تاني.
أنزلت عفاف نظرها للورقة التي بيد آسيا، وتمعنتها مطولاً بتفكير. ثم جذبتها من يدها بعنف في نظرات تنضج بالشر والوعيد المخيف. فلمعت عين الأخرى في خبث وابتعدت عن عفاف لتتجه خارج الغرفة وتغلق الباب خلفها بكل هدوء. وقادت خطواتها أخيراً إلى غرفتها، ثم للشرفة تقف فيها تراقب الشارع، أو بالمعنى الأدق، تنتظر شيئاً بعينه. وقد ظهر ذلك الشيء أخيراً بعد وقت قصير، حيث رأت عفاف وهي تندفع للخارج تقصد الشارع العام لكي تستقل سيارة أجرة وتذهب خلف زوجها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!