الفصل 34 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
21
كلمة
3,885
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

مرت ساعات منذ حديثهم الأخير الذي انتهى بجدال غير متوقع واعتراف صادم بالنسبة لها، والنهاية كانت رحيله وهو غاضب دون أن يترك لها فرصة للرد عليه. تركها بين تساؤلاتها الكثيرة ونبضات قلبها المتسارعة، لا تعرف هل يجب عليها الفرح أم القلق. ربما لا تصدقه، وربما كانت لا تتوقع منه اعترافًا بتلك الطريقة الغريبة. أو كانت تنتظره أن يكون أكثر رومانسية كما تخيلته دومًا. لكنه يتركها منذ ساعات بمفردها في وقت ولحظات من المفترض أن يكون

فيها معها. ربما هو محق قليلًا في غضبه، ولا تنكر أنها قد تكون أزعجته حقًا بإصرارها على تجاهله وتعاملها بجفاء، حتى لو كانت تعلم أنه لا يحبها. لم يكن عليها أن تكون قاسية هكذا معه وهو يحاول مواساتها ودعمها بكل لطف وحنان. لكن كل هذا لا يبرر تركه لها وسط جحيم تفكيرها وقلبها المتهلب بعد إلقائه لقنبلة غير متوقعة. هي أيضًا من حقها الحصول على تفسير لكل شيء والشعور بصدق مشاعره.

سئمت وحدتها وتمددها فوق الفراش، فقررت الخروج. وكانت على وشك أن تجذب المقعد المتحرك وتحاول الجلوس فوقه، لكنها توقفت عندما وجدت الباب ينفتح ويظهر هو من خلفه حاملًا فوق ذراعيه صينية لطعام العشاء. رمقته بقسمات وجه غامضة، ليست غاضبة ولا سعيدة. بينما هو، فاقترب منها وجلس على آخر الفراش ليضع الطعام بالمنتصف، هاتِفًا لها بخفوت: "كلي عشان تاخدي العلاج."

رمقته بنظرة قوية تحمل الدهشة وعدم الاستيعاب. يجلس أمامها يتحدث بكل إريحية وكأنه لم يقل شيئًا منذ ساعات. بدلًا من أن يفسر لها ما قاله ويثبت حبه. ظهر الانزعاج على معالمها، فقالت له باقتضاب وهي تشيح بوجهها للجانب: "مش عاوزة أكل." رفع حاجبه بتعجب وقال في نبرة رجولية صلبة: "مفيش حاجة اسمها مش عاوزة، لازم تاكلي عشان العلاج." ثم تابع بلهجة تحمل السخرية والضيق الملحوظ، يلقي بتلميحاته المغتاظة:

"لو عايزة ترجعي تقفي على رجلك تاني عشان متحسيش بالشفقة من حد ولا تحسي نفسك تقيلة على الناس." رمقته شزرًا وقالت بعناد شديد: "قولتلك مش عاوزة." مسح على وجهه وهو يتأفف مستغفرًا ربه، ثم حدقها بحدة وقال في لهجة لا تحمل المزاح: "آسيا أنا مش هدادي فيكي كيف العيال الصغيرة، كُلي." استقرت نظراتها المشتعلة داخل عيناه، وهي ترمقه بتحدي وعدم اكتراث، ثم تمتمت بنبرة محتقنة: "اطلع برا وهملني لحالي."

التهبت نظراته واحتقن وجهه من فرط الغيظ، فاستقام واقفًا وقال بلهجة آمرة وهو يشير نحو الطعام: "أنا هدخل الحمام آخد دش، ولما أطلع ألاقيِكِ خلصتي الوكل ده."

تركها واتجه نحو الحمام، فبقت هي مكانها لدقائق تنظر نحو الحمام وهي تشتعل غيظًا منه، وبين كل لحظة والأخرى عيناها تسقط على الطعام. تحاول المقاومة، لكن شعورها بالجوع يجذبها نحوه بشدة. لوقت طويل نسبيًا جاهدت في البقاء صامدة، لكن بالنهاية استسلمت وراحت تبدأ في تناول الطعام. كان طعمه لذيذ وشهي، وكانت بين صدمتها أنه يملك موهبة الطبخ بهذه الاحترافية، وبين جوعها الشديد الذي يجعلها تأكل بشراهة.

خرج من الحمام بعد الانتهاء، فوجدها انتهت للتو من طعامها، ابتسم وقال لها بغلظة: "جدعة." لوت فمها مستهزئة وردت عليه بقرف: "أكلت عشان مصلحتي بس مش خوف مثلًا كيف ما أنت فاكر." اتسعت ابتسامته ورد بتأكيد وهو مستمر بتجفيف شعره من المياه بالمنشفة: "آه ما أنا عارف." تفادت النظر إليه ومالت برأسها للجانب حتى لا تراه. بينما هو، فأكمل ارتداء ملابسه واقترب من الفراش. رفع الغطاء، وفور جلوسه بجوارها التفتت له وقالت بضيق:

"هتنام جاري ليه! جز على أسنانه مغتاظًا منها، ثم هتف بنبرة منذرة: "نامي يا آسيا وعدي الليلة على خير." انفعلت وصاحت به بغضب حقيقي: "مش هعديها يا عمران، ماعوزاكش جاري." طفح كيله وانفجر بركانه، وكان على وشك أن ينخرط معها في شجار عنيف وهو يصرخ، لكن فجأة انطفأت الأضواء والظلام الدامس ملأ الغرفة والمنزل كله. صمت مخيف هيمن عليهم وهم لا يرون بعضهم من الظلام، لكنها شعرت به يقف ويتحرك لخارج الغرفة وهو يقول لها باستياء وعصبية:

"خليكي لوحدك طالما ما عاوزانيش." استمعت لعبارته القاسية، ثم سمعت خطواته خارج الغرفة. فظلت هي وحيدة في الظلام فوق فراشها. وبعد ثلاث دقائق بالضبط من التفكير وهي تتذكر كلماته وانفعاله عليها، انهارت في البكاء الصامت. وحزنها زاد الضعف بسبب عدم قدرتها على الحركة وملازمتها لذلك الفراش مجبرة. بينما كانت منخرطة في البكاء، انتفضت مفزوعة عندما شعرت بشيء غريب يحك بقدميها. كانت ستحاول التحرك لكنها لم تستطع، وبرعب وسط الظلام

راحت تصرخ عليه بصوت مبحوح: "عــمــران." لحظات معدودة ودخل الغرفة مفزوعًا، ثم أشعل إضاءة هاتفه واقترب منها يسألها باهتمام: "مالك، إيه اللي حصل؟ قالت بخوف ووجه ممتلأ بالعبرات: "حسيت بحاجة بتلمس رجلي."

انحنى عليها وكشف الغطاء عن قدميها، فوجد سترة شتوية مصنوعة من الفرو أسفل الغطاء بجانب قدميها. فابتسم بهدوء وعاد يدثرها بالغطاء مجددًا بعد أن سحب السترة ورفعها أمامها لكي تراها. ثم جلس على الفراش بجوارها ومد أنامله لوجهها يمسح دموعها هامسًا: "آهدي، مفيش حاجة خلاص." رمقته بنظرة مليئة بالعتاب والحزن، ودون تردد استمعت لصوت قلبها وراحت تلقي بنفسها بين ذراعيه، تضع رأسها فوق صدره وتحاوطه بذراعيها متمتمة بضعف غريب:

"متهملنيش تاني." مال ثغره للجانب في بسمة عاشقة، ثم رفع ذراعه يلفه حولها ليضمها إليه أكثر ويقول بعبث وخبث: "ليه مش كنتي عاوزاني جارك من شوية." رفعت رأسها عن صدره ونظرت له بغيظ تهتف: "وأنت ما صدقت قلت الكلمة يعني! قهقه بصوته الرجولي الساحر، ثم أجابها بحنو من بين ضحكه: "طيب يا آسيا، حقك عليا. أديني جارك أهو ومش هسيبك اطمني عاد."

كانت ستبتسم له بحب، لكنها تصنعت الجمود بسبب انزعاجها منه. بينما هو، فتأملها بغرام لثواني قبل أن يميل عليها ويقبلها من جبهتها برقة، ثم يضمها لصدره مرة أخرى. *** بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان.

كانت فريال تقف أمام المرآة تنظر لمظهرها وملابسها الجديدة ووجهها الذي قامت بتزيينه بمساحيق الجمال وارتدت حجابها. ثم خرجت من الغرفة وقادت خطواتها للدرج تقصد الطابق الأرضي. عندما وصلت رأت جليلة وجلال يجلسون على الأريكة ويتحدثون بجدية. فتنحنحت بقوة وتحركت نحوهم، ثم جلست على مقعد بعيد نسبيًا عنهم وهي تلقي بنظرها بعيدًا عن زوجها الذي يتأملها بحزن. بعد لحظات معدودة التفتت أخيرًا وتبتتت نظرها على جليلة، ثم سألتها باهتمام:

"آسيا كيفها يا مرت عمي؟ تطلعت لها جليلة للحظات بوجه خالي من التعابير قبل أن تجيب عليها بخفوت امتزج بخنقها: "زينة الحمدلله. لكن أخوكي ضحك على بتي وخدها تحت دراعه، مرضيتش ترجع معانا ولا تبص في وشنا." تنهدت فريال الصعداء بعبوس وردت في بساطة وجدية: "أنتي عارفة أن عمران ملوش صالح. لو في سبب لتصرفات آسيا فهو أنتوا واللي عملتوه معاها. لكن هي دلوقتي طبيعي ترفض تسيبه وهي بتحبه." اتسعت عين جليلة بدهشة وبسرعة هتفت مستاءة بشدة:

"تحبه كيف يعني وميتا لحقت تحبه؟ أنتي بتخرفي يا فريال ولا إيه! ومن فريال شفتيها ببرود وردت عليها مبتسمة: "لا بقول الحقيقة ونصيحة يا مرت عمي تتقبليها، عشان خلاص آسيا حتى لو سامحتكم مش هترجع تاني ولا عمران هيسيبها." التفتت جليلة نحو جلال الذي كان يتابع حديثهم بصمت وهتفت له منفعلة تشتكي زوجته بخنق: "شايف مرتك بتقول إيه يا جلال. جاية تحرق دمي." مالت فريال بوجهها للجانب وكتمت ضحكتها بصعوبة، بينما هو فتنهد ورتب على ذراع

أمه بحنو وهو يقول بزنانه: "مش مهم ياما اللي بتقوله فريال. المهم دلوقتي أن آسيا تسامحنا الأول. متضايقيش روحك عاد وقومي روحي أوضتك ريحي جسمك ونامي." لوت جليلة فمها بانزعاج ملحوظ، ثم ألقت على فريال نظرة أخيرة ممتلئة بالغيظ واستقامت واقفة لتتحرك باتجاه الدرج تقصد غرفتها بالأعلى. فور انصراف جليلة هبت فريال واقفة، وكانت ستهم بالصعود لغرفتها هي أيضًا، لكنه أسرع نحوها وقبض على ذراعها بلطف وهو يهمس لها برجاء:

"فريال تعالي معايا المكتب جوه عايز أتكلم معاك عشان خاطري." جذبت يدها من بين قبضته بعنف ورمقته شزرًا وهي تقول بقسوة: "مفيش حاجة بينا نتكلم عليها غير العيال. ولو عايز تقول حاجة تخصهم يبقى قول دلوقتي، مش عايز يبقى متتكلمش معايا واصل." التفتت وسارت باتجاه الدرج، لكن أوقفها ابنها الصغير الذي دخل من باب المنزل وهو يصرخ بفرحة: "أما.. أبوي."

استدارت له وهي تبتسم باستغراب على حماسه وفرحته، ثم تقدمت منه لتقف بجواره فتراه يخرج ورقة مستطيلة كبيرة بها شهادة تقدير على درجاته المرتفعة والجيدة في امتحانات منتصف العام ويقول بسعادة طفولية جميلة: "المدرسة النهاردة كرمت اللي طالعين الأوائل، وأنا ومعاذ كنا من الأوائل. بصي يا ماما."

اتسعت عيني فريال بدهشة امتزجت بفرحتها الغامرة وهي تلتقط الورقة من ابنها وتتمعنها بتدقيق. بينما معاذ فأخرج شهادته وأعطاها لوالده، وهو سعادته الذي تظهر على ملامحه لا تقل عن أخيه الصغير. لمعت عيني فريال وامتلأت بالعبرات من فرط شعورها بالفخر والسعادة لنجاح أولادها، وراحت تحتضنهم وتضمهم لصدرها وهي تلثم شعرهم بقبلات متتالية وتتمتم:

"عيالي الشطار حبايب أمهم اللي دايمًا رافعين راسي، عقبال ما أشوف شهادة تخرجكم كده يا حبايبي وأفرح بيكم." انحنى جلال على رأس كل من ولديه وقبلهم بحنو متمتمًا في نبرة أبوية جميلة: "عشان الدرجات الحلوة دي يلا جهزوا روحكم بكرة فيه مفاجأة." قفزوا الاثنين فرحًا وهم يصرخون وسط ضحك فريال وجلال عليهم. لكن الجميع توقف عن الضحك عندما ظهرت منيرة وهي تسأل بوجه ساخر بعض الشيء: "إيه بتصرخوا على إيه كده؟!

تبادل الطفلين النظرات المشمئزة فيما بينهم، بينما فريال فثبتت عيناها على منيرة وهي تتمعنها بثقة وشموخ. وعندما وصلت أمامهم ووقفت بجوار جلال، ابتسمت فريال بخبث وراحت تسألها: "كيفك دلوقتي يا منيرة؟ العيال بيقولولي مطلعتيش من أوضتك من وقت الدرس اللي ادتهولك." التهبت عيني منيرة وهي تتطلع في فريال، أما جلال فراح ينقل نظره بينهم، ثم سأل فريال بخشونة: "درس إيه ده؟ تحدث عمار وهو يقول متشفيًا في زوجة أبيه:

_أصل مرت أبوي ضربتني لما كنت مسافر يابوي وأمي أدتها درس زين قوي. ظهر الذهول على معالم جلال الذي بظرف لحظة راح ينظر لمنيرة ويهتف لها ببشائر غضب مخيف: _اللي بيقوله ده صح!! ارتبكت منيرة ولاح الخوف على ملامحها وهي تدافع عن نفسها أمامه: _مضربتهوش ياچلال زعقلته وعشان هو قل أدبه عليا بس. تدخلت فريال وتقدمت منها لتقف أمامها مباشرة وتقول بنظرات نارية ولهجة محذرة: _ولدي مبيكدبش، متربي احسن تربية مش كيف تربيتك.

منيرة بعصبية شديدة: _احترمي روحك يافريال واتكلمي زين معايا. قبض جلال على ذراع فريال برفق وهمس له بنبرة لينة: _فريال خلاص مش قصاد العيال مينفعش إكده. جذبت يدها من قبضته وصاحت به هو ومنيرة منفعلة: _لو رفعت يدها على ولادي تاني هكسرهالها المرة الچاية. جلال بحدة وغضب حقيقي بدأ يظهر: _بزيادة عاد يافريال متنسيش أنهم عيالي كمان يعني مش أنتي وحدك اللي هتخافي عليهم.

ابتسمت له ساخرة ثم اقتربت منه وانحنت على أذنه تهمس له بلهجة لا تحمل الشفقة في صوت منخفض: _مهو واضح قوي حبك لولادك.. لو كنت بتحبهم صح مكنتش هتجبلهم الشيطانة دي في البيت. رأت تحول ملامحه لشكل مريب وبينما كانت على وشك الانصراف منعها بيده التي حاوطتها من خصرها بقوة، ثم نظر لمنيرة وقال لها بحدة: _اطلعي فوق واستنيني حسابي معاكي بعدين. ثم التفت نحو أولاده واملى عليهم تعليماته الصارمة: _وانتوا يلا على اوضتكم فوق.

بينما فريال فكانت تحاول التملص من بين قبضته وهي تتطلعه شزرًا لكنه لا يبالي بالتواء جسدها بين ذراعه وفور رؤيته لزوجته وأولاده وهم يصعدون الدرج متجهين لغرفهم، انحنى بسرعة وحمل فريال فوق ذراعيه وهو يتجه بها نحو غرفة مكتبه الخاصة وسط صياحها المنفعل به ومقاومتها الشديدة له. ***

فتحت آسيا عيناها بانزعاج على أثر أشعة الشمس المتسللة من النافذة، شعرت بملمس دافيء ومريح أسفل رأسها وعندما رفعت رأسها أدركت أنها نائمة بين ذراعيه ورأسها كانت فوق صدره، تأملته وهو نائم وعلى ثغرها ابتسامة مغرمة جميلة ولوهلة تمنت أن تبقى طوال اليوم على هذا الوضع ولا تبتعد عنه، لكن سرعان ما اختفت بسمتها عند تذكرها لشجارهم بالأمس واعترافه بحبه لها بطريقة مثيرة للانفعال ومن ثم تصرفه بكل برود وكأنه لم يقل شيء، غلت الدماء في عروقها وراحت تتوعد له.. أن كان اعترافه حقيقي فهي تعرف جيدًا الطريقة المناسبة لجعله يأتي لها مجددًا ويركع أسفل قدميه طالبًا العفو منها على حماقته.

ابتعدت عن حضنه ومدت يدها لمقعدها المتحرك تجذبه نحو الفراش ثم جلست وحاولت تحريك جسدها حتى نجحت بالنهاية وجلست فوق المقعد ثم تحركت به للحمام ودخلت وبعد ثانية بالضبط توقفت وعادت بالمقعد للخلف مجددًا تلقي نظرة عليه فوجدته نائم ضيقت عينيها بغيظ وراحت تدخل مجددًا وهذه المرة صفعت الباب بقوة كادت تخلعه من مكانه، انتفض هو مفزوعًا على أثر صوت الباب وعندما التفت بجواره ولم يجدها وبظرف لحظة ربط بين عدم تواجدها وصوت الضجة المرتفعة الذي استيقظ مفزوعًا عليها فظن أن صابها مكروه، كل ذلك حدث بثواني حيث وثب واقفًا واسرع نحو الحمام وهو يفتح الباب عليها هاتفًا:

_آسيا أنتي كويسة؟ شهقت بصدمة وراحت تصرخ به مزعورة: _إيه ياعمران مش تخبط الأول! رآها تجلس فوق مقعدها وسالمة ليس بها أي مكروه فغضن حاجبيه متعجبًا ثم أردف بخفوت يحمل بعض الأمل: _أنتي قومتي لوحدك وچيتي الحمام؟ سكتت لثواني مستنكرة سؤاله قبل أن تجيبه ضاحكة: _أنت شايف إيه! تقدم نحوها وجثى أمام مقعدها وهو يحدق بوجهها ويسألها بقلق ودفء: _يعني أنتي زينة ومحصلكيش حاچة لما قعدتي لوحدك على الكرسي.

عادت برأسها للخلف وهي تتأفف بقلة حيلة ثم عادت له مجددًا وقالت بجدية بسيطة: _عمران أنت شايف احنا وين.. أنا في الحمام ممكن لما اطلع نكمل كلامنا. رغم انزعاجه منها لكنه كبت غيظه وحوله لمرح وخبث حيث راح يغمز لها ويقول بنبرة لعوب: _ونكمل لما نطلع ليه ما أنا معاكي أهو وقاعد جمبك عشان اساعدك لو احتجتي حاچة. فغرت شفتيها وعينيها بصدمة وبسرعة راحت تهتف به برفض قاطع وخجل ملحوظ:

_أنت مهتم بيا وعاوز تكون چاري في كل وقت وكل حاچة وأنا مقدرة ده ومشكور يامعلم بس مش للدرچادي، دي الحاچة الوحيدة اللي مينفعش تكون فيها چاري. كان ينظر لها بابتسامة عريضة وهو يسمعها واستمر ضحكه وصمته حتى بعدما انتهت وتوقفت عن الحديث فتقوست هي ملامح وجهها بقلق حقيقي وارتباك من نظراته وسكونه وقالت له بحزم: _عمران اطلع برا قاعد قصادي إكده ليه! ضحك بقوة على تعابير وجهها ثم انتصب واقفًا وتمتم له بمكر وهو يغمز بثقة:

_هطلع متقلقيش، ومسيرك هتحتچيني في حچات تاني كتير ياغزال. تابعته بنظراتها المندهشة من تصرفاته الغريبة وتلك الوقاحة التي تظهر لأول مرة منه وفور انصرافه انطلقت ضحكتها الصامتة رغمًا عنها... دقائق طويلة نسبيًا قضتها داخل الحمام وعند خروجها وجدته يجلس فوق الفراش ويتحدث في الهاتف مع بشار.. فهمت من كلامه أنه يتحدث عن العمل وعدم قدرته على الذهاب وهو يلقي بتعليماته الجادة على ابن عمه حتى يتابع الأعمال هو بدلًا منه هذه الفترة.

كان هناك بعض الأسئلة التي تسبح في عقلها لكنها أثرت تجاهلها رغم صعوبة ذلك وتصرفت بعدم اهتمام، حيث تحركت بمقعدها نحو المرآة ووقفت أمامها ثم جذبت فرشاة الشعر وبدأت بتسريح شعرها، كانت بين كل لحظة والأخرى يسقط نظرها على صورته في انعكاس المرآة فتراه يتمعنها بعمق فتشيح بنظرها بسرعة في اضطراب ملحوظ، لكن فجأة وجدته يتحرك وينحنى عليها من الخلف وهو يمد يديه ويجذب مقعدها للخلف، تجمدت يدها مكانها وهي ممسكة بفرشاة الشعر وانتهى

الأمر وهي أمامه بالمقعد وهو خلفه يجلس فوق الفراش، وخطوته التالية كانت جذب الفرشاة منها وكل ذلك كان يتم بكل الحنو والرفق منه مما جعلها متسمرة مكانها كالصنم لا تحرك رأسها حتى ومستسلمة لكل فعل وحركة منه، عقلها يصرخ عليها وبذكرها بوعدها منذ قليل بأنها ستتجاهله وقلبها مسير وراء عواطفه.

شعرت به وهو يمرر الفرشاة بين خصلات شعرها يسرحه لها بكل رفق، أغمضت عيناها بسكينة وهي تبتسم بحب، كانت تشعر أنه يفهم ويدرك جيدًا تأثير تصرفاته عليها ويستمر بفعلها لهدف معين لا تعرفه، ويبدو أن المبارة هذه المرة لن تكون لصالحها كما اعتادت. قطعت الصمت الجميل الذي بينهم بسؤالها الذي كان يأكلها أخيرًا: _أنت مش هتروح الشغل لا وإيه؟ أجابها بهدوء تام وهو مستمر بتسريح شعرها: _لا بشار قاعد إهنه وهيكمله بدل مني. طرحت سؤالها الثاني

وهي تنتظر سماع إجابه خاصة: _وأنت مش هتنزل ليه؟ كأنه قرأ أفكارها فابتسم عند سؤالها وأجابها بنبرة رجولية تذيب القلب: _عشانك.. مينفعش اهملك لحالك في البيت. منعت ابتسامتها من الظهور وقالت بخفوت محاولة إظهار التمنع: _بس أنا زينة وأنت شوفتني بنفسك كيف بقوم لوحدي. سرت قشعريرة في جسدها كله عندما شعرت بأنفاسه خلف أذنها ويده التي امتدت لتحتضن كفها وترفعه لثغره ليلثمه بحب متمتمًا:

_بس أنا مش هبقى مطمن عليكي ياغزالي غير وأنتي قصاد عيوني، دلوك مفيش حاچة بنسبالي أهم منك ياغالية. التفتت له برأسها وطالعته بعينان دامعة ثم سألته بخوف: _عمران هو أنت بتعمل إكده عشان حاسس بالذنب وأن اللي حصلي بسببك وأنا فديتك بروحي. ظهر الانزعاج على ملامحه بلحظة ثم أردف لها بنفاذ صبر وضيق: _تاني يا آسيا!! .. مش هنخلص عاد من الحوار ده ولا إيه!! .. بزيادة كفياكي متسمميش فرحتك وراحتي بكلامك ده أبوس يدك.

عادت برأسها للأمام في وجه عابس ورغم محاولاتها لحبس دموعها لكنهم انهمروا لا إراديًا، فوجدته يدير مقعدها لتصبح مواجهة له وبيده يمسح دموعها وينحنى عليها يلثم جبهتها وشعرها بعدة قبلات متتالية وسط همسه المحب لها:

_أنا اكتر حاچة بتنمناها دلوك إنك ترچعي تقفي على رچلك تاني، مش عشاني لا عشانك، عشان مبقتش متحمل اشوف كسرتك ودموعك اللي مبتچفش من عيونك، وصدقيني أنتي بس تقومي من تاني وأنا مش هحرمك من حاچة واصل وكل طلباتك أوامر، بس أنا دلوك مش طالب منك غير حاچة واحدة إنك تستحملي شوية وتخليني امسك يدك واقف چارك عشان نعدي المحنة دي على خير، عايز أشوفك قوية كيف ما متعود عليكي. تمتمت بصوتها المبحوح والبائس:

_ضعفي وكسرتي أنا مش بسمح لمخلوق يشوفهم غيرك أنت بس. احتضن وجهها بين كفيه وهمس وهو ينظر في عيناها بحب: _اسمحيلي كمان أكون چارك وبزيادة كلامك الماسخ ده متبعدنيش عنك. ردت عليه بالصمت وسط دموعها فضمها هو لصدره وهو يقبل شعرها لوقت طويل ثم همس لها بخفوت: _هنفطر وبعد إكده هنبدأ جلسات في البيت وتدريب كيف ما قال الدكتور.

ابتعدت عنه وهزت رأسها بالموافقة في صمت فابتسم لها وعاد يلثم ظاهر كفها من جديد قبل أن يستقيم واقفًا ليتركها ويغادر....... *** وجدت نفسها حبيسة داخل مكتبه بعدما اغلق الباب عليهم حتى يمنع خروجها منعًا باتًا، فحدقته بنظرة مشتعلة وصاحت به: _چلال افتح الباب وطلعني. كان اللون الأحمر يملأ وجهه كله من فرط الغيظ ولم يكترث لها بل تقدم إليها بخطوات متريثة، وهي استمرت في التقهقهر للخلف وهي ترفع سبابتها في وجهه وتحذره بغضب

امتزج بتوترها الملحوظ: _وقف عندك ومتقربش مني.. لو فكرت تلمسني مش هيحصل طيب يا چلال. لا يسمعها ولا يهتم بأى كلمة تقولها حتى تحذيرها له استفزه أكثر فراح يجذبها من خصرها بقوة لتصطدم بصدره عنادًا بها ويهتف بنفاذ صبر وغيظ: _اديني لمستك وريني هتعملي إيه يلا. التهبت عيناها وبلحظة غضب وعدم وعي منها رفعت يدها في الهواء وكانت على وشك أن تصفعه لكنه قبض على كفها في الهواء وانزله مجددًا في أعين مخيفة، ثم هتف لها بمرارة:

_أنا غلطت مرتين، وأول مرة صحيح كنت استحق عقابك ليا لأني عملتها وأنا واعي، وتاني مرة رغم أني قعدت فوق راسك وأنا بترجاكي وبحلفلك إني مكنتش حاسس بروحي ولا باللي بعمله محاولتيش حتى تفهميني... صرخت به وهي تقاطعه بمنتصف حديثه:

_أنت اتچوزت عليا وفوق ده قضيت ليلتك معاها وهي في حضنك وعايزني افهمك كيف يعني، وحتى لو مكنتش داري بروحك كيف ما بتقول صح برضوا أنت السبب في كل ده لو مكنتش ضحيت بحبنا وكسرتني واتچوزت مكناش هنوصل للمرحلة دي. فغر عيناه بصدمة هتف مستنكرًا: _مين اللي ضحى.. هو مش أنتي اللي هملتيني من غير ما تفهمي حاچة وطلبتي الطلاق وكنتي عاوزة تاخدي عيالي.. كان عندك استعداد تهدي كل حاچة في لحظة وأنتي أصلًا محاولتيش تواجهيني وتسأليني.

فريال بعصبية شديدة: _متقارنش غلطك بغلطي، اللي أنت عملته ملوش غفران. أنت كأنك ما صدقت تلاقي فرصة عشان تروح تتجوز عليا. صرخ بها منفعلًا: _مش عاوزة تقتنعي إنك غلطانة وليكي سبب في اللي احنا فيه دلوك.. انتي شايفيني الشيطان اللي في القصة دي وأنتي الملاك اللي مبيغلطش. صرخت مثله في عناد: _وأنت عايش دور الضحية يا جلال. هدأت نبرة صوته وظهر بها العجز وانعدام الشغف في مزيد من جدال لإثبات عشقه لها: _أنا بحبك.

ارتخت عضلات وجهها وكذلك جسدها ثم أجابت عليه بألم: _مش عاوزة حبك لو هتحبني إكده يبقى متحبنيش أحسن. نظر في عيناها بلمعة أمل وشجن: _وأنتي مكنتيش بتحبيني! اللي أنا شايفها قصادي مستحيل تكون فريال حبيبتي.. القسوة اللي في قلبك والكره ده عمري ما شوفته منك. تلألأت العبرات في مقلتيها وهي تجيبه بأسى: _أنت قتلتها يا جلال، فريال اللي كنت بتحبها وتعرفها قتلتها. جلال بصوت موجوع ويمزق القلوب:

_ومين قالك إني عايش أنا مت معاها من زمان.. ومين عارف يمكن قريب متلاقنيش صح وقتها هتبقى ارتحتي مني واصل. انهمرت دموعها غزيرة فوق وجنتيها بعد عبارته الأخيرة ووجدته يتركها ويبتعد عنها ليجلس فوق الأريكة ويناولها مفتاح الباب وهو يدفن وجهه بين راحتي يديه متمتمًا: _اطلعي يا فريال.. حبسي ليكي مش هيفيد بحاچة ولا هيخليكي ترجعي تحبيني وتغفري.

بقت مكانها لوقت طويل وهي تتمعنه وسط بكائها ثم جذبت المفتاح من يده واتجهت نحو الباب، لكن بمنتصف الطريق توقفت على أثر دوار شديد داهمها وبظرف ثواني كانت الرؤية تتشوش أمامها وكل شيء يصبح أسود ولم تشعر بنفسها سوى وهي تسقط فوق الأرض فاقدة الوعي. داخل منزل عمران بالقاهرة..... كان يمسك بيدها ويحثها على الوقوف لكنها كانت متسمرة بمقعدها دون حركة وتتطلعه بخوف وتردد ثم تقول له: _مش هقدر يا عمران.

انحنى عليها أكثر وأمسك بذراعيها ولفهم حول رقبته ثم تمتم لها مبتسمًا بثقة: _هتقدري ارمي حملك كله عليا وحاولي تقفي واحدة واحدة.

التقت نظراته المرتبكة مع عيناه الثاقبة فابتسمت تلقائيًا برقة، وبدأت تحاول النهوض من المقعد والوقوف على قدميها، بعد محاولات صعبة وطويلة نجحت في الوقوف أخيرًا، فابتسم هو لها بفرحة ثم ضمها أحضنه وتعلقت هي برقبته ودفنت وجهها بين ثنايا رقبته وكان هو يحاوط خصرها بذراعيها ويساعدها على الحركة بكل حرص وبطء، وهي رغم الصعوبة التي تواجهها في رفع قدميها حتى لكنها كانت تفعلها لتسمعه يهمس لها في أذنها وهو يضحك بلؤم:

_إيه مرتاحة في حضني. ابتعدت برأسها عن كتفه ونظرت له تهتف في غيظ: _متبقاش مستغل للفرص. كان لا يفصل بين وجهيهم عن بعض سوى سنتي مترات بسيطة، فابتسم ونظراته تتجول على وجهها برضا واضح عن ذلك الوضع، ثم همس لها ببحة رجولية تذهب العقل: _اللي أنا شايفه إنك أنتي اللي لغاية دلوك لساتك بتستغلي أي فرصة عشان تفضلي فيها جاري وفي حضني. شعرت نفسها مغيبة مغناطيسيًا أمام نظراته وبحته الرجولية وبكل خضوع سألته في نعومة أنثوية:

_أنت عاوز إيه يا عمران؟ ابتسم بمكر ثم انحنى عليها ولثم وجنتيها بقبلة دافئة وابتعد للخلف مجددًا ليتأمل في تلك العيون الساحرة التي تسحبه وتجذبه لداخلها بكل مرة ينظر لها ويهمس برد منحرف تمامًا عن سؤالها: _عيون الغزال دي خدت عقلي، جمالها كيف السحر اللي بيجرني لطريق معرفلوش آخر.

انعقد لسانها وتلونت وجنتيها بحمرة الخجل، أو بالمعنى الأدق وجهها كلها أصبح عبارة عن بندورة من الطماطم الأحمر، لا تملك القدرة على الرد ولا حتى الابتعاد عنه والتوقف عن التأمل في ملامحه الرجولية الجذابة، كان لديها فقط عجز في الحركة والآن أصبح الكلام أيضًا. ضربت إنذارات الخطر بعقلها عندما شعرت به يقترب منها لا إراديًا والفراشات بدأت تحلق في معدتها وقلبها ينبض بعنف، للحظة كانت ستضعف وتستسلم لكل شيء لكن بسرعة

قالت في صوت مبحوح ومتلعثم: _عمران أنا تعبت وعاوزة اقعد. فاق من سحر تلك العينان وحالة الغرام ليدرك الوضع الحقيقي أنها مازالت مريضة ولا يجب أن تقف لوقت أكثر من الذي حدده الطبيب، فانحنى عليها وحملها فوق ذراعيها لتهشق هي وتسأله بتعجب: _شلتني ليه؟ تمتم بهدوء وهو يتجه بها نحو الفراش: _هريحك على السرير. وضعها فوق الفراش برفق وحذر شديد ثم انتصب في وقفته واستدار ليهم بالخروج لكنها قبضت على كفه برقة ونظرت في عينيه تهمس له:

_خليك جاري يا معلم. ابتسم لها باتساع وظهر تأثره الشديد برقتها وأنوثتها فتمدد بجوارها وراح يضمها لحضنه مرة أخرى وهو يتمتم بسعادة: _بس بس.. أنتي تطلبي بس يا غزال. رفعت رأسها عن صدره وابتسمت بسخرية لتردف: _شوفت عاد مين اللي مستغل للفرص! وجدته ينفجر في الضحك فأخذت تتمعنه بحب حتى رأته يغمز لها ويسألها بهيام ملحوظ: _أنتي قولتي إيه من شوية لما مسكتي يدي.

صمتت لبرهة تحاول فهم ما يريد سماعه وفور إدراكها ضحكت وراحت ترسم الدلال والغنج على محياها وهي تتمتم بأنوثة تذهب العقل: _يامــعــلم. راقبت تعابيرات وجهه الذائبة وهي تضحك ثم سمعته يقول بصوت يتصنع الصمود: _نامي يا آسيا وارتاحي نامي. هتفت وسط ضحكها: _أنا مش عاوزة أنام. عمران بنفاذ صبر مغلوبًا: _خلاص اقعدي ساكتة واستمتعي بالهدوء. قالت باسمة بلؤم: _حاضر يا معلم.

رمقها بطرف عيناه رافعًا حاجبه فقهقهت بقوة وسكنت بين ذراعيه بينما هو فكان بأنامله يعبث بخصلات شعرها في رقة. بعد انتهاء الطبيب من فحصه لفريال خرج جلال معه خارج الغرفة ليتحدثوا وراح يسأله باهتمام: _الإغماء ده طبيعي ولا إيه يا دكتور؟ ابتسم له الطبيب وتمتم بالنفي:

_هو للأسف مش طبيعي بيكون بسبب المجهود الكبير أو الضغط النفسي وعدم الأكل والاهتمام بالصحة وكله ده مؤشر خطر لو استمر الوضع على الحال ده وخصوصًا أن المدام لسا في الشهور الأولى بس هي حاليًا كويسة ومفيش أي خطر أو قلق على صحة المدام والجنين كمان. اتسعت عيني جلال بصدمة واستحوذ عليه السكون الغريب للحظات يحاول استيعاب ما يقوله الطبيب ثم ردد خلفه بعدم فهم: _چنين!! .. چنين إيه؟ ضيق الطبيب عيناه باستغراب وهتف:

_أيوة المدام حامل في الشهر التالت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...