الفصل 33 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
21
كلمة
4,393
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

لم يلبث على اقتحام منصور للغرفة لحظة وكانت خلفه مباشرة جليلة التي ركضت متلهفة نحو آسيا وراحت تحضتنها وتضمها لصدرها بكل تلقائية وكأن الماضي لا وجود له من الأساس. ضيقت آسيا عيناها بتعجب من اللهفة التي لم تكن تتوقعها من أمها أبداً، فهي نفسها المرأة التي تخلت عنها وتركتها بلا مأوى حتى تكون فريسة سهلة لذئاب الطرق.

سكنت آسيا ولم تتحرك حتى لم ترفع ذراعيها وتحاوط أمها. كانت كالصنم الذي بلا روح تنظر لهم بجمود ملامح مريب، وبالأخص لشقيقها الذي يحتل وجهه الندم والأسف القاسي. هو حتى لم يتجرأ على الاقتراب منها وكأنه يخجل من النظر داخل عينيها. لم تفق سوى على صوت أمها الباكي وهي تهتف بانهيار ورعب: "آسيا كيفك يابتي طمنيني أنتي زينة؟ سحبت جسدها ببطء من بين ذراعين أمها وردت عليها ببرود مشاعر: "زينة الحمدلله."

اعتدلت جليلة في وقفتها وأخذت تنظر لابنتها بمرارة وندم، بينما آسيا فكانت تشيح بوجهها للجهة الأخرى حتى تتفادى النظر لهم. تقدم منصور من عمران الذي كان يقف بشموخ يثبت نظراته المخيفة عليهم. وعند وقوف منصور أمامه التقت نظراتهم القاتلة قبل أن يهتف منصور بلهجة صارمة: "احنا چايين ناخد بتنا عشان ترجع لبيت أبوها وناسها."

استمر جمود ملامح عمران للحظات قبل أن ترتفع البسمة الساخرة لثغره وهو ينقل نظره بينهم وبين والده الذي كان يقف بالخلف وعلى ثغره نفس الابتسامة، ثم قال: "طب مش تطمن الأول حتى على بتكم ياحاج منصور ولا إيه؟ معقول قاطعين الطريق ده كله عشان تجوا تاخدوها مني بس؟! منصور بعصبية وقسوة: "طول ما هي معاكم وحالك مش هتبقى كويسة واصل. وأهو كانت هتروح منينا لولا ستر ربنا بسبب أن الراجل اللي معاها مكنش قادر يحمي مرته."

احتقن وجه بشار وكان سيهم بالاندفاع نحو منصور، لكن إبراهيم قبض على يده بقوة ونظر له في حدة يهمس: "اهدأ ومتتدخلش عشان الدنيا متولعش أكتر.. سيب عمران يتصرف معاهم." على عكس المتوقع تماماً، كان عمران مازال يحتفظ بهدوئه وابتسامته المستفزة، حيث انحنى على أذن منصور وهمس له بصوت يحمل فتيل اشتعال النيران: "بلاش نتكلم عن الرجولة وأنت بتك كانت ملبساكم العمم كلكم."

أظلمت عيني منصور وأصبح كجمرة النيران المشتعلة، وبلحظة رفع يده في الهواء، لكنها علقت مكانها عندما قبض عمران عليها يهتف بصوت رجولي متحشرج: "المرة الجاية صدقني يدك مش هتلاقيها." اندفع على نحو عمران ودفع يده بعنف عن والده، ينظر له شزراً ويصيح: "بلاش تقوم حرب أنت مش قدها يا ولد إبراهيم. بتنا هناخدها وهتطلقها برضاك أو غصب عنك." تدخل إبراهيم أخيراً ووقف بالمنتصف يهتف يوجه حديثه الحازم لكل من منصور وعلي:

"أنا بقول بزيادة كده. شفتوا بتكم واتطمنتوا عليها. كيف ما جيتوا ترجعوا بالحسنة أحسن يامنصور." بتلك اللحظة كان عمران يتطلع لعلى في أعين مميتة تقذف الرعب في قلوب أعتى الرجال، ثم همس له بنبرة تحمل الإنذار الحقيقي:

"خد أبوك وارجعوا بيتكم ياعلي لمصلحتكم. ومرتي سيرتها متجيش على لسانك ولو فكرت بس تقرب منها ولا توجه ليها كلام حتى تبقى جنيت على روحك. معدتش بت عمك اللي قصادك طول الوقت. بقت مرت المعلم عمران حطها في عقلك زين واوعاك تنساها." لم يبالي منصور بأي شيء وراح يقترب من آسيا يمسك بذراعها وهو يهتف: "يلا يا آسيا قومي عشان ترجعي البيت معانا." قبض عمران على يده لينزعها عن ذراع زوجته بقوة وهو يصرخ به:

"أنا هادي وبتكلم بالحسنة بس شكلها كده متنفعش معاك. معدش ليكم بت.. بقت مرتي واللي يفكر يقربلها هخلص عليه واصل." دس منصور يده في جيب جلبابه وأخرج سلاحه وراح يوجهه نحو رأس عمران يهتف بوعيد حقيقي: "أنا اللي هخلص عليك أنت وأبوك كيف ما عملتوا مع أخويا ودلوقتي عاوزين تقتلوا بتُه كمان." خرجت صرخة مرعوبة من إخلاص وهي تصرخ: "يامري ولدي الحق يا إبراهيم ولدك."

زعرت آسيا وتسارعت نبضات قلبها رعباً على زوجها، فراحت تتشبث بذراع عمران في قوة تلوذ إليه وتطمئن قلبها المرتجف بوجوده وهي تصيح في غضب على عمها ينزل سلاحه: "أنا مش هرجع معاكم مش عاوزاكم.. ومش هسيب جوزي." اندفع إبراهيم نحو منصور وهو ينوي خنقه بيده على تعديه على ابنه أمامه، لكن جلال الذي كان يقف يشاهد شجارهم من البداية صامتاً تدخل أخيراً وأوقف إبراهيم ليقترب من عمه ويهتف منفعلًا:

"عمي نزل سلاحك. لو حد ليه الحق يقرر آسيا هترجع ولا لا هو أنا وأنا مقولتش حاجة لغاية دلوقتي." رمق منصور ابن أخيه بدهشة ويده لا إراديًا نزلت بالسلاح، ثم راح ينقل نظره بين الجميع في غيظ ثم هتف لجلال بسخط: "بقى مليش حق في اختك خلاص يا ولد أخوي."

التزم جلال الصمت ولم يجيب على عمه الذي كان بانتظار رد من ابن أخيه يستعيد له كرامته المهدرة، لكنه صمت. فوضع سلاحه في جيبه ثم استدار وغادر الغرفة بأكملها، وبقي علي ينظر لجلال بعتاب بسيط قبل أن ينصرف هو الآخر خلف والده. نظر جليلة لابنتها وقالت لها بعينان دامعة ورجاء: "يابتي اسمعي الكلام وتعالي معانا. مش كفاية خدوا أبوكي منينا عاوزاهم ياخدوكي انتي كمان."

تطلع عمران بوجه جلال المهموم وهو يتطلع لأمه وشقيقته. فاقترب منه وهتف له بصوت رجولي غليظ ومنخفض: "أنا هطلع وأسيبك تتكلم معاها لحالكم شوية. بس أوعى شيطانك يوزك تفكر تاخدها عشان مش هتطلع من الأوضة دي كيف ما دخلت يا جلال." لم يجبه واكتفى بصمته كرد بالموافقة. بينما عمران فغادر وأشار للجميع بالخروج، وجلال طلب من أمه الانصراف وتركهم بمفردهم. جلس جلال على المقعد المجاور لفراشها ونظر لها بحزن يهتف باهتمام وحنو: "كيفك دلوقتي؟

رمقته شزرًا وبوجه يميل الاحمرار من فرط الاستياء والخوف: "انتوا جايين بسلاح وبترفعوه على عمران. أنا مش هرجع معاكم يا جلال.. مكاني بقى جار جوزي ومش هسيبه." تطلع إليها مطولًا قبل أن يسألها بصرامة: "ليه؟ احتقن صوتها الناعم وأصبح أكثر شراسة رغم مرارته:

"عشان هو الوحيد اللي كان جارى لما انتوا اديتوني ضهركم ورمتوني في الشارع. هو خدني وضمني لصدره رغم كل اللي عملته فيه سامحني وحماني وفضل جارى وفي ضهري. لكن انتوا لولاه كنتوا هتقتلوني.. ارجع لكم ليه دلوقتي." أجفل نظره عنها في أسف ثم ابتسم في تعجب مما يسقط على سمعه من كلمات. هذه ليست آسيا التي كانت تصرخ قبل الزواج بأنها لن تتزوجه. لكن يبدو أن عمران نجح بترويضها بالفعل وربما عشقته. نظر لها مجددًا وقال

بهدوء وهو ينتصب في جلسته: "متقلقيش أنا أساسًا مش جاي عشان اخدك أنا جيت عشان أطمن عليكي. صحيح أنا مش حابب إنك تفضلي وسطيهم لكن أنا سبق وجبرتك على الجواز فمش هجبرك دلوقتي على الطلاق كمان. وطالما مرتاحة ومبسوطة ومش عاوزة تسيبي عمران خلاص براحتك." ابتلعت غصة مريرة في حلقها وقالت له بجفاء:

"زين يبقى قول الكلام ده لعمي وارجعوا تاني البلد. أنا مش متحملة مشاكل ولساتني تعبانة ولا عمران متحمل كمان بزيادة اللي هو فيه. ومش عاوزة يجراله حاجة ولا يتأذي بسببكم." مال ثغره للجانب في بسمة حزينة ونظراته كانت كلها أسى. رغم الألم الي اجتاح صدره من قسوتها وتحدثها معه كأنهم أعدائها، لكنه لا يستطيع إيلامها فمهما فعلت ومهما قالت هي على حق. رفع يده يمسح على ذقنه ويجيبها بخفوت غريب:

"أنا اتوحشتك قوي يا آسيا. وصدقيني هفضل ندمان طول حياتي على اللي عملته فيكي يا غالية." مالت بوجهه للجهة الأخرى حتى تخفي دموعها السابحة في عينيها، بينما هو فتوقف وانحنى على رأسها يلثم جبهتها متمتمًا بصوت يقتله الندم والوجع: "حقك عليا يا بت أبوي سامحيني. أنا ظلمتك ومحافظتش على أمانة أبوي بس ربنا بياخدلك حقك مني دلوقتي." لم تتمكن من حجب عبراتها التي انهمرت بغزارة فوق وجنتيها، ثم تطلعته بعين مقهورة

ونبرة ممتلئة بالقسوة قالت:

"أنا عمري ما تخيلت أن ممكن يجي يوم وأفرح في وجعك يا جلال، بس أنا دلوقتي فرحانة عشان أنت متستاهلش فريال بعد اللي عملته فيها ظلمتها كيف ما ظلمتني واديك بتدفع التمن غالي قوي. وبتعيطي بدل الدموع دم عشان هتسيبك هي وعيالك. خلي منيرة والحجة جليلة ينفعوك بعد ما تلاقي روحك لحالك ومحدش جارك حتى عيالك خسرتهم بسبب غبائك. ولو لفيت الدنيا كلها مش هتلاقي كيف فريال ولا في واحدة هتحبك كيف ما كانت هي بتحبك. اختارتك أنت وفضلتك على ناسها واستحملت مني كل حاجة عشانك ومكافأتها في النهاية تتجوز عليها."

كانت تطلق سهام مسمومة بكلماتها تصوبها بمنتصف يساره. تلك القسوة والنفور الذي تتحدث بهم معه مزقته اربًا. لوهلة تمنى أن تخفف هي عنه وربما تحاول إقناع فريال بالرجوع عن قرار الطلاق. لكن هيهات، هل ينتظر العون من يد تركها بمنتصف النيران لتأكلها ولم ينقذها. انتصب في وقفته وألقى نظرة أخيرة مهمومة على شقيقته قبل أن يستدير وينصرف، ليتركها وهي تزداد في البكاء أكثر. هرولت جليلة نحو ابنها فور رؤيتها له يخرج من الغرفة.

وقفت أمامه وسألته بلهفة: "قالتلك إيه يا جلال وافقت ولا لا." رفع جلال نظره ودار بعينيه على وجوه عائلة الصاوي. فرأى الثقة والقوة على قسماتهم. كانوا المتسببين في موت والدهم، ولكن الآن هو وأمه المتسببين في خسارة ابنتهم. سلموها لهم كالبضاعة التي لا تباع ولا تسترد. عاد بوجهه لأمه وقال في صوت متعب: "آسيا مش هتيجي معانا يا أمي واحنا هنرجع بيتنا بزيادة كده." اتسعت عين جليلة بدهشة واستاءت بشدة، حيث راحت تهتف معترضة:

"مش هتيجي كيف يعني.. أنت هتسيب اختك وسطيهم بعد اللي حصل فيها. أنا هدخل أتكلم معاها." كان عمران يقف على مسافة بعيدة نسبيًا ويتابع حديثهم بصمت تام، بينما جلال فأمسك بذراع أمه يمنعها من الدخول وهو ينحني على أذنها ويهمس بمرارة: "أمي هي مش عاوزانا.. عاوزة تفضل مع جوزها هي مش لحالها وعمران معاها." مش هجبرها على حاجة سبق وخسرناها بسبب اللي عملناه فيها، بلاش نخليها تكرهنا أكتر.

تطلعت في عين ابنها الموجوعة، وتلألأت العبرات في عينيها هي أيضاً، ثم نظرت نحو باب غرفتها بحسرة وقلبها ينزف الدماء، وهو يصرخ متوسلاً أن يسمح لها بالدخول لآخر مرة قبل رحيلهم، لكن هيهات. تقدمت إخلاص من جليلة ووقفت أمامها، تردف بنظرة شيطانية كلها حقد: _متزعليش قوي، أنا مش هسيب ولدي لبتك الحرباية، وقريب هخليه يطلقها وترجع لكم.

تعمدت إخلاص أن تتحدث بنبرة منخفضة حتى لا يصل صوتها لأذن ابنها، بينما جليلة فالتهبت نظراتها واشتعل وجهها كجمرة من النار، فراحت تقبض على ذراع إخلاص بعنف وتردف في تحذير مخيف لا يقل تجبر وقوة عن ابنتها: _بتي لو جربتي منها واذيتي شعرة واحدة منها، يا إخلاص، هاخد روحك بيدي، سمعاني ولا لأ؟ ضحكت إخلاص بخبث وردت عليها ساخرة: _اطمني، هحطها في عيوني، دي مرة الغالي. كانت على وشك أن تنقض عليها، لكن جلال أوقفها وهو يتأفف بنفاذ صبر

ويقول بلهجة رجولية حازمة: _بزيادة يا ما، إحنا في إيه ولا إيه، مش وقته كيد الحريم ده، دلوك يلا. سارت مع ابنها مرغمة، وعيناها عالقة على باب غرفة ابنتها، لا تزيحها عنه حتى توارت واختفت تماماً. توقف عمران وهو يمسح على وجهه متأففاً بتعب، ثم تحرك بخطواته نحو الغرفة، دخل وأغلق الباب مجدداً خلفه، وعندما سقط نظره عليها رآها نائمة في الفراش وتولي ظهرها للباب، فتقدم منها بتريث وجلس على المقعد المجاور لها يتمتم في لين: _آسيا!

خرج صوتها ضعيفاً ومبحوحاً وهي تسأله: _مشوا؟ _إيوة. لم يكن بحاجة ليرى وجهها حتى يتأكد أنها تبكي، يكفيه الشعور بارتجافة صوتها وشهقة أنفاسها السريعة. اعتدل في جلسته وكان على وشك أن يشاركها الفراش ويجلس بجوارها ويضمها لصدره، لكنها أوقفته على آخر لحظة وهي تقول في شدة: _هملني لحالي يا عمران، عاوزة أنام وأرتاح. حدقها بضيق، ثم انتصب في وقفته وألقى عليها نظرة مغلوبة ومنزعجة، قبل أن يستدير وينصرف ليتركها بمفردها كما طلبت.

داخل منزل خليل صفوان، تحديداً بغرفة فريال. كانت تجلس متربعة فوق الأريكة المقابلة للفراش، وبمنتصف قدميها تضع صحن ممتلئ بسلطة الخضروات، تغرس الملعقة بالصحن وتملأها، ثم تذهب بها لفمها وسط دموعها التي لا تتوقف عن الانهمار فوق وجنتيها.

ليست بالمزاج المناسب للأكل، لكن حملها وشعورها بالجوع المستمر، بجانب تعليمات الطبيب الصارمة لها حول اهتمامها بأكلها وبالأخص الصحة، يجعلها تأكل مرغمة. لا تشعر بطعمه في فمها من فرط الحزن والقهر الذي يستحوذ عليها، وهي لا تستطيع نزع خيانته لها من عقلها وليلته مع زوجته الثانية، كيف فعلها وهو كان يمطرها بالوعود أنه أبداً لن يشم زهرة فوقها مهما حدث طوال حياته، ستظل هي ملكة عرش قلبه لا شريك لها.

ملأت الملعقة ووضعتها في فمها وهي تبكي بصمت وتهتف بغيظ وعينان مشتعلة بنيران الغيرة والحقد: _مش بعيد كمان شهر تيجي بواقي الحريم دي تقول أنا حامل، عشان وقتها هقتلهم هما الاتنين. ماشي يا جلال، مبقاش أنا بت إبراهيم الصاوي، أما خليتك تبكي بدل الدموع دم، أنا عارفة كيف هاخد حقي منك.

ألقت بالملعقة في الصحن، ثم وضعته على المنضدة بجوارها، واعتدلت في جلستها، تنزل قدميها على الأرض، ورفعت أناملها لوجهها تجفف دموعها، محاولة البقاء صامدة رغم كل ما حدث ومازال يحدث. ثم أنزلت يدها لبطنها وأخذت تتحسس عليها حيث يسكن طفلها الصغير، لا إرادياً سالت عبراتها مجدداً وهي تتمعن النظر في بطنها وتقول بمرارة: _أبوك ميستاهلش حتى يعرف بوجودك. أنا لو لسه واقفة على رجلي ومنهارتش، فده عشانك أنت وإخواتك بس.

توقفت عن البكاء عندما اقتحم الغرفة ابنها الأكبر معاذ، ودخل وهو يقول بتذمر: _وينك يا ما، أنا بدور عليكي في البيت كله. رفعت أناملها وجففت دموعها بسرعة قبل أن يراها، وردت عليه بهدوء: _وهو أنا بطلع من أوضتي وأروح مكان غيرها من أساسه يا ولدي. اقترب منها وجلس بجوارها، ثم دقق النظر في وجهها، وعندما رأى آثار الدموع والبكاء في عينيها سألها بقلق وتعجب: _أنتي بتبكي ليه يا ما؟ التفتت له وابتسمت بدفء وهي تهز رأسها بالنفي، متمتمة:

_مش بتبكي يا حبيبي، دخلت حاجة في عيني، وعشان كده دمعت. أومأ رأسه بالإيجاب دون أن يعلق، بينما هي فكانت على وشك أن تسأله أين أخيه الصغير، لكن فجأة صدح صوت صراخه وهو يقول: _يا ما الحقيني! انتفض قلبها فزعاً، وبلحظة كانت تثبت واقفة وتهرول للخارج مسرعة، ومعاذ كان يسبقها بسبب خطواته الخفيفة وركضه السريع نحو أخيه. كان صوت صراخ عمار يأتي من الطابق الثالث حيث غرفة منيرة، فأسرعت شبه راكضة من فرط الرعب وهي تصيح: _عــمــار.

فور وصوله للطابق وغرفة منيرة، رأت ابنها يقف أمام الغرفة ويبكي بشدة، وتقف هي تنظر لها بكل قسوة وعدم مبالاة. هرولت فريال نحوه وجثت أمامه تضمه لصدره، مردفة بارتياع: _مالك يا حبيبي، إيه اللي حصل؟ رفع الصغير نظراته المرتعدة لمنيرة وقال لأمه بغضب بسيط: _جيت أسألها عن أبويا وضربتني يا ما.

اتسعت عيني فريال بصدمة، وسرعان ما تحولت لظلام دامس، وملامحها باتت أشبه بأنثى حيوان مفترس على أتم الاستعداد لالتهام فريستها. ألم يكفيها أن بسببها كانت على وشك أن تفقد طفلها، والآن تضرب ابنها؟ أيقظت الوحش النائم الذي بأعماقها، يهدأ ثورانه إلا وهي تتلوى من الألم أسفله. اعتدلت فريال وانتصبت واقفة بكل شموخ وهيبة، ثم نظرت لمنيرة بعين تدب الرعب في الأوصال، وسألتها باستنكار: _بقى أنتي رفعتي يدك على ولدي وضربتيه!

رمقتها منيرة بعدم اكتراث وقالت في فظاظة: _ولدك مترباش وعاوز يتربى من أول وجديد. شكلك معرفتيش تربيه، وكان لازم يتربى على اللي قالوه. رفعت فريال حاجبها تتصنع الدهشة، ثم نزلت بنظرها لابنها وسألته بلهجة ساخرة وهي تضحك: _صح أنت عاوز تتربى يا عمار، وأنا معرفتش أربيك يا حبيبي!

كان على ثغر معاذ ابتسامة استهزاء وتشفي، وهو يرى أمه كيف تقف أمامها بكل قوة وعلى وشك الانقضاض عليها، أما عمار فابتسم لا إرادياً بعد عبارة أمه، رغم وجهه الممتلئ بالدموع. رفعت فريال رأسها لمنيرة مرة أخرى وضحكت وهي تقول بنظرات تشبه الأشباح التي عادت من الجحيم: _طيب إيه رأيك تديني أنتي شوية نصائح في طرق التربية الصحيح، طالما شايفة ولدي مترباش وأنا معرفتش أربي. معلومك أنتِ مفيش في تربيتك ولا أخلاقك يا طاهرة.

لوت منيرة فمها بقرف وردت عليها بعدم اهتمام: _أنا مش فايقالك يا فريال، عاوزة تربي ولدك، خديه وربيه بعيد عني. استدارت وهمت بالدخول لغرفتها، لكن فريال قبضت على ذراعها بعنف وحدقتها بهدوء مرعب، هاتفة بإصرار: _أبداً ميصحش، لازم نتكلم وتقوليلي قالك إيه. بس تعالي نتكلم جوا على رواق. ثم تحركت فريال ودخلت للغرفة بعد أن دفعت منيرة قبلها للداخل، ووقفت أمام الباب وراحت تغلقه وتقول لأولادها بابتسامة شيطانية حتى لا يدخلوا:

_خليكم اهنه يا حبايبي، لغاية ما مرة أبوكم تديني نصائح التربية. نظروا الأثنين لبعضهم وهم يضحكوا بخبث وتشفي، وتابعوا أمهم وهي تغلق الباب بكل بطء، وفور انغلاقه اسرعوا واقتربوا منه يضعوا أذنهم عليه ليسمعوا كل شيء. نظرت منيرة لفريال بريبة وراحت تصيح به بعصبية: _جرالك إيه يا فريال، اتجننتي ولا إيه، بتقفلي الباب ليه، اطلعي برا يلا. رفعت فريال ذراعيها وشمرت عن أكمامها وهي تبتسم لها شراً وتسألها للمرة الأخيرة:

_قوليلي بقى تاني كده، أنتي عملتي إيه في ولدي وكنتي بتقولي عليه إيه برا. تقهقرت منيرة للخلف في قلق بسيط من منظر فريال المريب. أما فريال فلم تنتظر ثانية واحدة، وبلحظة وثبت على منيرة وهي تقبض على شعرها وتجذبها منه، صارخة بها بهستيريا: _بقى أنتي يا ولية يا عرة بترفعي يدك على ولدي وتقولي عليه مترباش.

ارتفع صراخ منيرة بالمنزل كله، ولسوء حظها أن المنزل فارغ ولا يوجد سواهم به، فلا يوجد أحد لينقذها من بين براثن جموح فريال القاتل. ألقتها فريال على الأرض وهي مازالت لا تترك شعرها، وراحت تجثو فوقها وبيد تمسك بوجهها وتصفعها، واليد الأخرى تقبض على شعرها وتصرخ بها بكل غل:

_افتكرتي هدوئي ضعف مني، بس أنا كان لازم أجيبك من شعرك وأرنك العلقة التمام دي من زمان يا *****.. ده أنا هاخد روحك بيدي يا خطافة الرجالة وخرابة البيوت.. بس أقسم بالله وغلاوة ولادي ما هسيبك في البيت ده تاني، وقريب قوي هرميكي أنا بيدي برا زي الكلبة.. نهايتك قربت وهتكون على يدي يا ****.

كان صراخ منيرة وهي أسفل فريال وتتلقى الصفعات منها يجلجل المنزل بأكمله، ومعاذ وعمار بالخارج يسمعون صراخها وأمهم وهي تصيح بها، ويبتسمون بفرحة وانتشاء. بعد وقت طويل نسبياً، تركتها فريال واستقامت واقفة وهي تصرخ به محذرة بعين ملتهبة: _يدك لو رفعتيها على ولادي تاني ولا لمستي شعرة منهم، هقطعلك واصل. اعتبري ده تحذيري الأول ليكي، المرة الجاية هكسر ضلوعك.

بقت منيرة بالأرض تبكي وتصرخ، وشعرها المشعث حولها منظره يثير الضحك والخوف بنفس الوقت. أما فريال فنفضت عن يديها وملابسها بقرف، ثم ألقت عليها نظرة أخيرة كلها نصر، قبل أن تتجه لخارج الغرفة وتفتح الباب وتخرج لأولادها وهي تبتسم لهم وتقول بثقة: _إيه رأيكم في درس التربية يا عيال؟ ضحكوا بصوت مرتفع ورد عمار متشفيًا: _حلو قوي يا ما، أحسن تستاهل.

ارتفع صوت قهقهتهم، ثم عادوا لغرفة والدتهم بالطابق الثاني مجدداً، وتركوا منيرة مازالت وسط صراخها المتغاظ وبكائها. بصباح اليوم التالي بالقاهرة. فتح عمران باب المنزل، ثم التفت ينظر لها بابتسامة دافئة، لم تبادله إياها، بل كانت تحدق بالمنزل في وجه جامد لا روح فيه. التفت خلفها وأمسك بجانبي المقعد المتحرك الذي تجلس عليه، ودفعها للداخل بحرص.

ظل يدفعها بالمقعد حتى وصل لغرفة نومهم، توقف بمنتصف الغرفة، ثم التفت لها، وعندما نظر في وجهها رأى العبرات تملأ وجنتيها، فابتعد خطوتين عنها يجذب المقعد، ثم عاد لها مجدداً وجلس أمامها، ثم رفع أنامله يكفكف دموعها بحنو هامساً: _ليه بتعملي في روحك كده يا غزالي؟ الدكتور قال فترة صغيرة وترجعي كيف الأول واحسن. أبعدت يديه عنها ببطء وابتسمت له ساخرة تقول في يأس: _وممكن مرجعش يا عمران، وافضل على الكرسي ده لآخر عمري.

اقترب بمقعده منها أكثر، ومد يديه ليمسك بكفها يحتضنه بين قبضته باحتواء، متمتماً في حنو يملأ نبرته ومعالمه الرجولية الجذابة: _متقوليش كده تاني.. ربنا قادر على كل شيء، وخليكي واثقة فيه، ومع العلاج وايمانك في ربنا، هترجعي تقفي تاني، وأنا جارك مش هسيبك لحظة واحدة. سحبت يدها من قبضته ببطء، وقالت له بعبوس وهي تلوي فمها ساخرة:

_مش يمكن تزهق مني وتسيبني، محدش عارف إيه اللي ممكن يحصل ولا إيه يتغير. في يوم وليلة الحال بيتغير، واديني قصادك أهو! تنهد الصعداء مغلوبًا ونظر لها يقول بضيق ملحوظ: _آسيا أنا لو كنت عاوز أسيبك كنت سبتك من زمان. أنا بقيت حاسس إني شايف واحدة معرفهاش قصادي. لا ده كلامك ولا تفكيرك. أشاحت بوجهها للجانب وقالت بألم: _وضعي الأول حاجة ودلوقتي حاجة تاني.

أطلق تنهيدة حارة وطويلة، ثم رفع أنامله ووضعها أسفل ذقنها يدير وجهها نحوه مجددًا ويثبت نظره في عينيها يتمتم ببحة رجولية ساحرة: _أنا مش شايف اختلاف. لسه كيف ما أنتِ متغيرتيش. ابتسمت له بحزن مستنكرة محاولاته لإثبات تعلقه ورغبته الحقيقية بها، وعادت تشيح بوجهها مرة أخرى عنه وهي تجاهد في عدم انهمار عبراتها مرة أخرى. لكنها سمعته يسألها بجدية تامة: _لو أنا مكانك وحصل معايا كده كنتِ هتهمليني وتمشي ولا تفضلي جارية؟

نظرت له مطولًا بعينيها الدامعة دون رد. كان صمتها خير إجابة على سؤاله بأنها أبدًا لن تتركه. ابتسم بعدما فهم ردها من خلال نظراتها وعاد يسألها مرة أخرى بلهجة استنكارية: _لما أنتِ مش واثقة فيا ومش عاوزاني ليه قولتي لناسك أنا مش هسيب جوزي وممشتيش معاهم! سقطت دموعها رغمًا عنها وقالت له بقوة وسط انهيارها النفسي: _عشان أنت عارف زين إني مينفعش أرجع لهم ومليش غيرك. ابتسم لها بعاطفية ثم عاد يجفف لها دموعها مرة أخرى

ويتمتم بنبرة تذيب القلب: _لا عشان كيف ما أنا مقدرش أسيبك أنتي كمان مقتقدريش. لكن لو كنتِ عاوزة ترجعي لهم صح كنتِ هترجعي ومكنتش حاجة هتهمك. أجفلت نظراتها عنه باستسلام تام بينما هو فانحنى عليها ولثم جبهتها بقلة دافئة وهو يتمتم: _بلاش تخلي الشيطان يسيطر عليكي بالكلام الفارغ اللي في راسك ده. واطمني أنا جارك ومش هسيب يدك أبدًا لغاية ما تعدي الفترة دي وترجعي بصحتك وعافيتك يا غُزالي.

رفعت عينيها إليه دون أن تجيبه فقط تحدقه بهدوء. مازالت لا يمكنها تقبل وجودها معه بهذا الوضع وهي تعلم أنه لا يحبها وربما فقط يشفق عليها وعلى حالها المزري.

لم تبدي أي اعتراض عندما وجدته يقربها منه ويضمها بين ذراعيه فتستكين برأسها على صدره الدافيء. ابتسمت بحزن وتركت نفسها المعذبة تتذوق النعيم بين ذراعيه، تسقي روحها المشتاقة لأنفاسه ورائحته الرجولية المسكرة. قد يكون هذا هو أقصى درجات الحب التي يمكنها الحصول عليها منه، ولا تنكر أنها بحاجة حتى لمجرد عناق منه ليبث الطمأنينة لقلبها الخائف.

بتمام الساعة السادسة مساءً.. بعد عودة الجميع للمنزل كل منهم ذهب لغرفته ليرتاح من السفر الطويل. أما جلال فقاد خطواته المتعثرة نحو غرفة فريال. وقف أمام الباب للحظات وهو يزفر بحزن يفكر كيف سيبرر لها ما فعله.. وكيف يجعلها تسامحه. هو يعرف أن لا يوجد لديها فرصة أخرى للغفران لكنه لن يتخلى عنها سيظل يحاول حتى تسامحه.

فتح الباب ببطء بعد تفكيره الطويل ودخل ثم اغلقه خلفه وعندما التفت رآها نائمة في الفراش بثبات عميق. فأطلق تنهيدة طويلة ثم تحرك نحوها بهدوء تام. وجلس على طرف الفراش بجوارها بينما هي فكانت نائمة على جنبها الأيمن وتولي ظهرها للباب.

شعرت به وبوجوده بجوارها لكن لم تتحرك وتصنعت النوم. ليس تعبًا لكنها لم تكن حتى ترغب برؤية وجهه ولا مخاطبته. بينما هو فظل يتمعن بها مطولًا في أعين متلألأة بالعبرات. نفورها وكرهها له يقتله بالبطيء. اشتاق لها ولحبها ونظراتها العاشقة له.. ليتها تدرك وتفهم مدى عشقه الجنوني لها.

انحنى عليها من الخلف وراح يلثم شعرها ورأسها بعدة قبلات متتالية وطويلة يبث بها كل أسفه وندمه على ما فعله بها. كانت قبلاته تتحدث بدلًا عن شفتيه وتسألها الغفران. شعر بوخزة لا إرادية في جسدها عندما لمستها شفتيه فعرف أنها ليست نائمة. رفع جسده عنه واعتدل في جلسته ثم راح يتحدث إليها بصوت مبحوح وضائع:

_سامحيني يافريال أنتي عارفة أني لا يمكن واحدة تاخد مكانك في قلبي ولا المس ست بإرادتي. بس صدقيني أنا مكنتش في وعي ومعرفش كيف عملت كده. بقيت أحاول أبعد بس كنت بحس في حاجة بتمنعني وبتجبرني ومكنتش حاسس بروحي ولا باللي بعمله. أنا حتى كنت شايفها أنتي وكنت فاكر روحي معاكي معرفش كيف صورتك بقت قصادي بدالها. كنت كيف المسحور اللي مش داري بالدنيا حواليه.

كانت تستمع لتوسله في طلب العفو وهو يسرد لها ما حدث محاولًا الدفاع عن نفسه. ودموعها أخذت طريقها لوجنتيها تنهمر بغزارة في ألم يمزق قلبها أربًا. أما هو فتابع كلامه ولكن هذه المرة نبرة صوته كانت تثبت انهياره الداخلي وعبراتها التي سقطت من عينيه رغمًا عنه:

_أنا تعبت قوي ونفسي اتقطع وأنا بجري في طريق معرفلوش أول من آخر. حاسس روحي تايه ومش عارف أنا فين ولا بعمل إيه. بقيت مش شايف قصادي غيرك. كرهك ليا اللي عمري ما تخيلت إني ممكن أشوفه في يوم من الأيام. وكرهك ده بيقتلني بالبطيء. أنا مش هطلب منك تسامحيني وترجعي كيف الأول عشان أنا عارف زين إنه صعب قوي بس على الأقل خليكي جارية ومتهملنيش. أنا مقدرش أعيش من غيرك أنتي وعيالي. ومش هقولك اديني فرصة تانية بس متدمرّيش كل حاجة بينا بسبب غلطة أنا ندمان عليها. وأوعدك إني هصلحها وهرجع كل حاجة كيف ما كانت قريب قوي. وكل اللي أنتي عاوزاه بعد كده هيحصل.

ابتعدت فريال عنه وهبت جالسة وهي تنظر لها بشراسة وتختفي بغضب وسط وجهها الممتلئ بالدموع: _مفيش حاجة هترجع كيف ما كانت. خلصت خلاص والخيانة ملهاش غفران عندي. رأت دموعه في عينيه تحارب من أجل السقوط وهو يهتف بقلة حيلة وعجز: _اقسم بالله ما كنت داري بروحي. أنا لغاية دلوقتي مش عارف كيف ده حصل ولا امتى ولا فين. أنا حاسس كأني كنت بحلم ومش حقيقي. أنا بحبك وبعشقك أنتي ومفيش واحدة تقدر تدخل قلبي لا في وجودك ولا غيابك. صرخت

به منفعلة وهي تبكي بشدة: _اطلع برا مش متحملة أسمع صوتك ولا أشوف وشك. ظل مكانه وهو يتطلع إليه بأسى بينما هي ففقدت السيطرة على نفسها وراحت تضربه بقبضتيها في صدره بعنف وسط صراخها الهستيري به: _اطلع برا قلتلك مش عاوزة أشوف خلقتك قصادي. كبل يديها حتى يهدأها ثم جذبها لصدره وضمها محاولًا امتصاص جموحها وثورانها ولكن حدث العكس حيث انتفضت بعيدًا عنه ودفعته بكل قوتها حتى كاد يسقط من فوق الفراش وهي تصرخ به وتلتقط أي شيء يقع

تحت يديها وتلقيه عليها: _بعد عني واطلع برا. كان يحاول تفادي الأشياء المؤذية التي تلقيها عليه والأخير رفع يديه يصيح باستسلام: _خلاص اهدي هطلع اهدي. لم يهدأ ثورانها إلا عندما رأته يتجه للخارج ويتركها. فألقت بجسدها مجددًا فوق الفراش وهي تتنفس بصعوبة وتبكي بعنف. بمنزل عمران بالقاهرة......

منذ حديثهم الأخير بصباح اليوم وهي لا تنظر له ولا تحدثه حتى حين يحاول تقديم المساعدة لها والبقاء بالقرب منها ترفض وتبعده. ليس نفورًا منه لكنه خوف وانعدام ثقة والأثنين أسوأ من بعض بالنسبة له. بات لا يفهم ما الذي تريده بالضبط حتى تتأكد أنه لا ينظر لها بشفقة ويمد لها يد العون فقط رفقًا بحالتها. هو يريد أن يكون بجوارها ويغمرها بحنانه وحبه خصوصًا في تلك الفترة لكنها لا تسمح له. ورفضها المستمر لا يزعجه بقدر ما هو يؤلمه.

لكنه حسم الأمر أن ينهي تلك السخافة الليلة فلم يعد هناك مجال للمراوغة أكثر. هو ليس برجل يتحمل تلك التصرفات وبالأخص أن كانت من امرأة يريدها ويحبها.

استقام واقفًا من الأريكة التي بالصالة وقاد خطواته نحو غرفتهم بالداخل حيث تجلس هي ولا تغادرها. فتح الباب ودخل فوجدها فوق الفراش تحدق في الفراغ أمامها بشرود. أخذ نفسًا عميقًا وتقدم إليها ثم جلس على حافة الفراش بجوارها وظل يتطلع إليها في قسمات وجه منزعجة. بينما هي فكانت تتفادى النظر إليه وتشيح بعينيها للجهة الأخرى حتى لا تلتقي بعينيه. لكنها سمعته يهتف بصوت رجولي غليظ: _هتفضلي على الحال ده كتير كده؟ ردت عليه

بخفوت تتصنع عدم فهم مقصده: _ماله حالي؟ عمران بخنق ملحوظ ونفاذ صبر: _مش عاوزة تبصي في وشي ولا تكلميني كأني عدوك ولا عاوزاني أقرب منك. أجابته بحزن وهي مازالت تنظر للجهة الأخرى: _مش عاوزة أتعبك معايا وأخليك تشيل همي وتخدمني عشان بس مجرد شعور بالشفقة جواك ناحيتي.

حدقها بنظرات ثاقبة كلها غيظ وقلة حيلة. عندما قالت ذلك الكلام بأول مرة ظنها تفوهت به دون وعي منها بسبب حزنها وحالتها النفسية السيئة. لكن يبدو أنها حقًا تعتقده ينظر لها بتلك النظرة الضيقة والسخيفة. مسح على وجهه وهو يتأفف بعصبية تظهر على ملامح وجهه الصلبة ثم هتف بانزعاج تام: _شكلك مش عاوزة تجيبيها لبر ولا الطلقة يمكن أثرت على نفوخك لو بتفكري كده صح. التفتت له أخيرًا وصرخت به منفعلة: _أيوة بفكر كده عشان دي الحقيقة.

ارتفعت نبرته الرجولية وأصبحت مخيفة بسبب عصبيته وهو يقول بصدق: _قصدك الحقيقة اللي أنتي رسماها في راسك. لكن الحقيقة صح اللي أنتي مفكرتيش فيها إن مش يمكن أكون بعمل كده عشان بحبك! لو مش عارفة تفرقي بين حبي وشفقتي يبقى متسمميش سمعي بكلامك الماسخ ده تاني.

سقطت تلك الكلمات التي تفوه بها وبالأخص اعترافه بحبه لها كالبرق عليها. فتجمدت مكانها وعيناها اتسعت بصدمة وعدم استيعاب. لوهلة ظنت نفسها تحلم وأنها ستستيقظ الآن أو ربما هذا ليس عمران. كانت معالم وجهها غريبة تمامًا كالأصنام التي لا حركة فيهم. ترمقه بنظراتها التي ترسل إشارات الاستفهام وأسئلة التأكيد عن حقيقة ما تفوه به. لكنه لم يمنحها أكثر من ذلك واستقام من جانبها غاضبًا ثم تركها وانصرف. وبقيت هي كما على وضعها متصنمة لا ترمش حتى بعينيها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...