سكن الرعب في نفس منيرة بعدما سمعت عبارة فريال الأخيرة، بينما جلال فقد استقرت نظراته المتعبة والثاقبة على زوجته قبل أن يستقيم واقفًا ويسير نحوها ثم يجذب الكيس من يدها ويفتحه لتتسع عينيه بصدمة محدقًا بأعمال السحر وسط حيرة وفضول الباقية لمعرفة ما يراه داخل ذلك الكيس. رفع جلال عينيه ينظر لوجه فريال فرآها تحدقه بغضب امتزاج بعجزها وحزنها ثم التفت نحو منيرة يسألها بعين ملتهبة: _إيه ده!!
_ازدردت منيرة ريقها بصعوبة وفورًا هبت واقفة تسرع باتجاه جلال لتنظر في ذلك الكيس مثله وعندما رأت دلالات الإثبات على شرها فرت دماء وجهها وأصبح شاحب كجثة بلا روح حتى جسدها تجمد والبرودة أخذت تسير بين أوصالها ببطء قاتل وراحت تصرخ بغضب وصوت مهزوز يثبت توترها لكنها رغم كل هذا لا تستسلم ومازالت تبحث عن طريق لإنقاذ نفسها من السقوط بوحلها:
_الحاجات دي مش بتاعتي أنا مستحيل أعمل كده يا جلال.. أكيد هي اللي عملتها وعاوزة تلبسها فيا.. هي خسرتك ومن كتر غيرتها وحقدها ملقتش حل غير السحر والأعمال عشان ترجعك ليها _صرخت بها فريال منفعلة بعدما سمعت اتهاماتها الزور: _لسه بتكذبي أنتي إيه شيطان.. ده أنتي حاولتي تقتلي عيلي اللي في بطني ولسه امبارح كنتي بتهدديني إني لو مبعدتش عنك هتأذيني
_استخدمت منيرة أسلوبها الشيطاني في الدفاع عن نفسها لتتحول من صورة الظالم للمظلوم حيث التفتت حولها تتجول بنظرها على وجوه جميع العائلة بعينان امتلأت بالعبرات ثم عادت تلقي نظرة أخيرة على جلال لتراه يتمعنها بأعين مخيفة تبشر بأعصار مدمر في طريقه لها فبكت زيفًا.. بكاء شديد وسط نظراتها العاجزة والبريئة نحو فريال وهي تصيح بها: _أنا حاولت أقتل ولدك!! .. أنا بتعملي فيا كده ليه يا فريال أنا عملتلك إيه حرام عليكي
_استقامت جليلة واقفة بتلك اللحظة وأسرعت نحوهم لتتفحص محتويات الكيس وعندما رأتها نظرت في وجه منيرة بذهول فوجدتها تهتف ببكاء هستيري تتوسلهم أن يصدقوها: _لا يا مرت عمي متصدقهاش أنا معملتش كده واصل.. أنا بحب جلال قوي كيف هأذيه _ثم أخذت تتقهقر للخلف وهي تبكي بضعف وقهر متصنع وتهتف بصوتها المرتجف: _حرام عليكي يا فريال أنا ما أذتكيش في حاجة.. عملتلي سحر وكمان عاوزة تطلعيني أنا الساحرة اللي عملتهولك
_كانت فريال تشاهد المسرحية التي تمثلها أمامهم بذهول وللحظة فقدت قدرتها على النطق وزاد ذهولها أنها رأت جليلة تقترب من منيرة وتواسيها وهي تتمتم لها بحنو: _اهدي يا منيرة اهدي يا بتي خلاص احنا عارفين أنك متعمليش حاجة كيف كده واصل _طفح كيل فريال فصرخت بهم بعصبية شديدة: _أنتوا هتصدقوا العقربة دي عشان دموع التماسيح اللي بتنزلها دي _ثم اندفعت نحو جليلة تصيح بها بقهر وعينان دامعة:
_وأنتي مصدقاها كيف بقولك حاولت تقتل ولد ولدك اللي لسه مش على الدنيا وولدك كان هيروح فيها من يومين بسببها كرهك ليا عمى عيونك عن الحقيقة _نظرت جليلة لفريال بغضب وقالت: _مش يمكن أنتي اللي عاملة السحر ده لولدي صوح وبتقولي منيرة اللي عملته
_ظل جلال يتابع الحرب الباردة بين أمه وزوجته وبين منيرة التي أبدعت في تمثيلها الدرامي وهو ساكن تمامًا وعقله يستعيد كل تصرفات زوجته المريبة بالفترة السابقة بداية من اختفاء أمواله نهاية بليلته معها التي لا يعرف حتى الآن كيف مرت كل ما يتذكره عنها أنه كان كالمغيب لا يشعر بشيء وفقط يرى فريال أمامه من المستحيل أن تكون كل هذه الإشارات مجرد صدف قدرية.
التفتت فريال نحو جلال تنتظر الإنصاف منه لكنها رأت السكون المريب عليه وهو يتمعن في زوجته بنظراته المميتة لوهلة ظنته لن يصدقها مثلهم وسيفضل تصديق ادعاءات تلك الأفعى بدلًا من تصديقها لكنه لم يفعل وهذه المرة كان كالحصن بظهرها حيث وجدته يقترب من منيرة التي ظنته سيعانقها كما فعلت أمه ويملأ أذنيها بعبارات الثقة والأمان لكنها واجهت بدلًا من ذلك صفعة كادت أن تهوي بها أرضًا تلك الصفعة كانت بمثابة صدمة لها وغضب ظهر على قسمات وجه جليلة أما الجد حمزة وعلي ومنصور كانوا يبتسمون فخرًا بتصرف جلال الصائب.
اعتدلت منيرة في وقفتها محدقة بجلال في ذهول واضعة كفها فوق وجنتها التي تلقت صفعته للتو ثم هتفت ببكاء مستمرة في اتهاماتها السخيفة: _جلال متصدقهاش أنا معملتش حاجة والله.. هي اللي عملتلك الأعمال دي كلها _تحول من سكونه لثوران مخيف جعله كالوحش الكاسر فقبض على فكها في عنف وهو يصيح بها: _اكتمي مسمعش حسك ولا أسمعك بتقولي فريال تاني واصل.. **** اليوم اللي شوفتك واتجوزتك فيه
_كانت تصرخ وتبكي وهي تهز رأسها بالنفي مستمرة في أنكار أفعالها الشريرة فجذبها جلال من ذراعها وجرها خلفه كالحيوانات دون اكتراث لأي حد كأن تلك الغمامة التي حجبت الرؤية عنه عينيه طوال الشهور السابقة قد انجلت أخيرًا وعادت له رؤيته مجددًا. همت جليلة بالإسراع واللحاق بابنها عندما رأته يتجه بزوجته للأعلى لكن صدح صوت حمزة وهو يصيح بزوجة ابنه غاضبًا:
_جليلة ملكيش صالح.. بزيادة اللي عملتيه مش دي كانت شورتك وفضلتي فوق ودن ولدك لغاية ما خلتيه يتجوزها _التفتت جليلة نحوه بغضب لكنها لم تجرؤ على ثني أوامره بل امتثلت لها مجبرة على عكس فريال التي كانت تبتسم بنصر وسعادة ثم تحركت هي خلف زوجها تلحق به لتشاهد بعينيها اللحظات الأخيرة التي طالما انتظرتها لتلك الأفعى.
وصل جلال لغرفتها بالطابق الثالث ودفعها للداخل بعنف فسقطت فوق الفراش فاعتدلت بسرعة في رعب وأخذت تتراجع للخلف محاولة الفرار من بطشه القاتل لكن هيهات فلا سبيل لها اليوم.
كانت ملامحه أشبه بشبح عاد من الجحيم ليسلبها أعز ما تملك فارْتَجَفَتْ رَعْبًا وهي تبكي وتصرخ على أمل أن يأتي أحدهم وينقذها ليتها تخيلت تلك النهاية بعقلها منذ البداية لكن الإنسان الذي غلف الله على قلبه وجعله بلا روح متحجرًا لن ينعم بهبة الرؤية وسيصبح أعمى البصر والبصيرة. تلقت الصفعة الثانية منه وهو يصرخ بها بصوت جهوري جلجل المنزل بأكمله: _اللي سرقتيه مني كنت بتديه للـ ***** بيعملك السحر يا *** صوح _هزت رأسها بالنفي
وهي تبكي بصوت عالي وتقول: _لا لا أنا معملتش حاجة ومسرقتش حاجة.. مش أنا يا جلال مش أنا _جذبها من خصلات شعرها مكملًا صراخه المرعب بها وهو يقول ساخرًا: _أمال مين اللي سرق فريال!! .. الرقم السري بتاع خزنتي أنا غيرته ومفيش غيرك يعرفه في البيت حتى فريال متعرفهوش بس أنا مكنتش داري بروحي لدرجة أني كنت عارف أنك بتاخدي الفلوس مني وكنت بقول يمكن محتاجاها وكنت سايبك واتاريكي بتسحريلي بفلوسي يا ****
_أخذت تتلوى بين قبضته محاولة التملص منه وسط صراخها وتوسلها له بأن يتركها لكنه لم يكن يسمعها حتى وتابع بنقم حقيقي وعصبية: _وفي الليلة إياها كنتي عملتلي حاجة عشان أقرب منك وتنولي اللي عاوزاه.. كنتي زقياني السحر في العصير اللي شربتهولي الصبح مش كده _لم يحصل على رد منها سوى البكاء لكن صرخته نفضتها بين يديه: _انطقي _ردت أخيرًا تعلن استسلامها وهزيمتها بحرب ليست لها من الأساس:
_سامحني يا جلال أبوس يدك أنا بحبك ومكنتش عارفة أعمل إيه _تقف فريال عند باب الغرفة تشاهد وتسمع كل شيء وعينيها تذرف الدموع بغزارة دون توقف بينما جلال فتابع وهو يصفعها للمرة الثالثة صارخًا بها: _وفوق كل ده عاوزة تقتلي ولدي.. صدقيني اللي حايشني عن قتلك دلوقتي هما عيالي.. لكن الغلط راكبني أنا من ساسي لراسي أني سبتك تدخلي بيني وبين مرتي واتجوزتك وخسرت مرتي وعيالي بسببك يا **** _جثت منيرة أسفل قدميه تقبلها وهي
تبكي متوسلة إياه بكل عجز: _متهملنيش يا جلال غلطة ومش هتتكرر تاني ومن إهنه ورايح هبقى تحت طوعك وكل اللي تقوله هنفذه من غير نفس ولو عاوزني أطلع أحب على راس فريال واعتذر منها هطلع بس متهملنيش أبوس يدك _سحب قدمه من بين يديها ودفعها بعيدًا عنه باشمئزاز ثم تفوه بعبارة كانت تتوق فريال لسماعها.. عبارة حتى أنه تأخر على نطقها حتى الآن: _أنتي طالق
_لمعت عيني فريال بوميض الدهشة الممتزج بفرجتها الغامرة على عكس منيرة التي كانت الصدمة تحتل ملامحها وجمدتها بأرضها دون حركة. تابع جلال بلهجة آمرة وهو يشير لها على الخزنة: _مش عاوز أشوف حاجة ليكي في البيت ده واصل.. لمي كل عزالك وخلجاتك عشان ناسك هياخدوكي دلوقتي
_استدار يهم بالانصراف لكنه تسمر عندما رأى فريال تقف عند الباب وعينيها الباسمة ممتلئة بالعبرات طالت نظرته المتألمة لها قبل أن يتحرك ليعبر من جانبها ويذهب ويتركها فالتفتت فريال نحو منيرة ودخلت لها بخطوات بطيئة تهمس بتشفي: _سبق وقولتلك هطلعك من بيتي وأخلي جوزي يرميكي كيف الزبالة من الباب بس أنتي مصدقتنيش البكا والعويل مش هيفيدك بحاجة دلوقتي قومي احملي لمي عزالك بدل ما أرميهم في الشارع وأولع فيهم قصاد الخلق كلها
_تقابلت نظرات فريال المتشفية مع منيرة الحاقدة وهي على الأرض بحالتها المزرية لبعض الوقت قبل أن تستدير وانصرف وتتركها تعاني بمفردها جزء من عقابها على أفعالها. في القاهرة......
انتهت من ارتداء ملابسها وتجهزت لموعدها مع الطبيب في المستشفى وظلت تنتظر عودته حتى مرت ساعة تقريبًا انزعجت من تأخره عليها فمالت للأمام تلتقط هاتفها من فوق المنضدة وبينما كانت على وشك الاتصال به سمعت صوت باب المنزل فانزلت الهاتف مجددًا في هدوء وتبدل عبوس وجهها لبسمة جميلة تستقبله بها لكن تبددت تلك الابتسامة واختفت تدريجيًا عندما رأت قسمات وجهه المكفهرة والمتكدرة فسألته بقلق: _مالك يا عمران؟
_تأفف بقوة زافرًا لهيب حارق من بين شفتيه ثم اتجه نحو المطبخ دون أن يجيبها فغضنت حاجبيها باستغراب وتحركت بمقعدها خلفه فورًا إلى المطبخ فرأته يضع الطعام الذي قام بشرائه في المبرد دون أن يلتفت لها ولا يتحدث معها حتى فهتفت بضيق بسيط من تجاهله لها: _عمران أنا بسألك مالك ليه مبتردش عليا؟! _رأته يسكب المياه من الزجاجة في الكأس ثم يرفعه لفمه ليشربه كله دفعة واحدة ثم يجيب أخيرًا: _مفيش يا آسيا..
لو لبستي يلا بينا عشان من تأخرش. أنهى عبارته وتركها مجددًا، وهذه المرة كانت وجهته غرفة نومهم؟ فرفعت حاجبها اليسار مستنكرة بروده في الرد عليه وتقوست ملامح وجهها بالانزعاج الحقيقي، فلحقت به فورًا ودخلت الغرفة خلفه فوجدته جالس فوق الفراش ويمسك بهاتفه على وشك الاتصال بأحدهم؟ فأسرعت نحوه وجذبت الهاتف منه وهي تهتف بعناد: _في حاجة حصلت وأنا مش هطلع ولا هتحرك من هنا غير لما تقولي إيه اللي حصل
_رمقها بنظرة منذرة ثم مد يده مردفًا: _آسيا أنا مش عاوز اتعصب وتحصل مشكلة بينا هاتي التلفون وبلاش عند؟ مش وقته واصل دلوك _هزت رأسها رافضة وهي تضم الهاتف لصدرها بإصرار هاتفة: _قولتلك مش ههملك غير لما تقولي.. طالما مش بترد عليا إكده يبقى ليه علاقة بيا وأنا عملت حاجة _تنهد الصعداء بنفاذ صبر وقال بنبرته الرجولية المميزة:
_لا معملتيش حاجة بس أنا دلوك عفاريت الدنيا بتتنطط قصاد وشي وأنتي عارفة عصبيتي فبعدي عني وبعدين نبقى نتكلم _زمت شفتيها في عناد أثار جنونه أكثر فصرخ بها منفعلًا دون وعي: _آسيا متعانديش معايا؟ اطلعي برا واستنيني _فزعت من صراخه بها ولاح السخط الشديد والحزن على قسماتها؟ فوضعت له هاتفه في يده واستدارت وانصرفت لتتركه بمفرده كما صرخ بها للتو. دقائق طويلة مرت وهو مازال في الغرفة يتحدث بالهاتف؟
فور سماعها لصوت الباب ينفتح ويخرج منه أشاحت بوجهها للجانب الآخر فورًا تتفادى النظر إليه؟ عندما رآها هكذا أطلق زفيرًا عاليًا بضيق ثم اقترب منها وانحنى عليها من الجانب يقبل رأسها بحب متمتمًا في أسف: _حقك عليا _أزاحت يده عنها وهي تقول ببرود دون أن تنظر لوجهه: _يلا بينا عشان اتأخرنا _جلس على المقعد المقابل لها ثم مد أنامله يمسك بذقنها ليميل وجهها باتجاهه؟
حاولت هي إزاحة يده مجددًا لكنه قبض على كفها الناعم ورفعه لشفتيه يقبل باطنه عدة قبلات متتالية؟ صابتها القشعريرة من ملمس شفتيه الغليظة وأنفاسه الساخنة وأرادت سحب يدها فوجدته يضغط عليها بإحكام رافضًا تركها ويهمس لها وهو يتأملها بعيناه الرجولية المثيرة: _متزعليش مني ياغزال.. غصب عني اتعصبت عليكي وأنا عشان إكده بعدت عنك واصل وقولتلك متعانديش معايا؟ عشان مش عاوز ازعلك مني
_طالت نظراتها الناعمة له ونجح بقبلة صغيرة فقط امتصاص غضبها لكنها لن تمحنه رغبته بهذه السرعة؟ فابتعدت بنظرها عنه في دلال ملحوظ وهي تقول له بجفاء متصنع: _سيب يدي _مال ثغره للجانب في ابتسامة ماكرة وعمدًا ضغط على يدها أكثر وهو يحتضنها بين كفه العريض ويتلمسها بكل بطء في لمسات ليست بريئة أبدًا؟ فانتفضت هي خجلًا وحاولت سحب يدها منه هاتفة بتوتر: _عمران سيب يدي بتعمل إيه؟! _ابتسم بخبث ورد بكل برود: _ولا حاجة ماسك يدك عادي
_آسيا بوجنتين متفجرتان من فرط الأحمرار هتفت: _هو ده العادي بنسبالك!! .. عـمـران بعد عني أنا لساتني زعلانة منك ومسامحتكش _كانت عينيه تلمع بخبثه وهو يبتسم لها بجرأة ويتمتم: _وأنا بصالحك أهو _وجدته يرفع يدها مجددًا لشفتيه وهذه المرة كانت قبلته مختلفة عن السابقة؟ كانت كلها جرأة ولؤم متعمد منه لإثارة خجلها المحبب؟ عند ملمس شفتيه ولحيته لبشرتها صرخت بقوة في ألم مزيف: _آه رجلي _ترك يدها مزعورًا وهتف بسرعة في قلق:
_مالها رجلك؟ _قالت بصوت مضطرب تخترع كذبة: _معرفش حسيت بألم فجأة _دقق النظر في ملامحها المرتبكة ففهم حيلتها للتخلص منه؟ رأته يضحك بخفة ويقول غامزًا: _هنطلع دلوك عشان اتأخرنا على معاد الدكتور وبعدين لما نرجع نبقى نكمل موضوع الصلح ونشوف رجلك اللي وجعاكي دي _عضت على شفاها بعدما أدركت أنه كشف حيلتها البسيطة ولم تتفوه ببنت شفة فقط ابتسمت له بنعومة ليقابل هو الابتسامة بقبلة دافئة على وجنتها جمدت جسدها كلها بالمقعد.... ***
كانت فريال وجليلة وإنصاف يجلسون بالصالة ويستمعون لأصوات الرجال المرتفعة بغرفة الجلوس؟ فنظرت جليلة لفريال وقالت لها بغضب: _قولي الحقيقة أنتي اللي عملتيها يافريال مش منيرة صح؟! _رمقتها فريال بطرف عيناها في ثقة وقالت: _روحي قولي الكلام ده لولدك ياحماتي وهو يرد عليكي _ضحكت جليلة ساخرة منها وردت منفعلة:
_وأنتي فكرك ولدي هيسامحك ولا يرجعلك تاني بعد كل اللي عمله معاكي وأنتي مكنتيش بتبصي في وشه وآخر حاجة تطلعي مخبية عنه حملك والله اعلم كنتي ناوية تسقطي العيل ولا لا كمان _استشاطت فريال غيظًا وحدقت بوالدة زوجها شزرًا لتردف مستاءة تنفي اتهاماتها السخيفة: _ده ولدي قبل ما يكون ولده ولا يمكن اقتل ولدي ولو أنا خبيت عنه حملي فأنا ليا أسبابي وأنتي ملكيش الحق تعرفيها ولا حتى تحاسبيني
_اتسعت عيني جليلة بدهشة من تلك الجرأة التي تحلت بها فجأة وجعلتها تتحدث معها بكل شجاعة وقوة؟ سرعان ما اشتعلت عينيها بلهيب الغيظ وصاحت بها: _ليا ونص كمان ده ولدي واللي في بطنك ولد ولدي؟ أنتي فاكرة روحك إيه ولا عشان ولدي وقف في صفك النهاردة ونصفك يبقى تنسي نفسك وانتي بتكلميني؟ ليكون فكرك عشان جلال طلق منيرة خلاص يبقى هيرجعلك لا متحلميش يابت ابراهيم _ابتسمت لها فريال بنظرات ثاقبة وقوية ثم تمتمت:
_ومين قالك أني كنت مستنية جلال يطلقها عشان يرجعلي.. لما تطلع العقربة دي من البيت وقتها هتشوفي أنا كنت مستنية إيه _قطع الحرب الباردة بينهم خروج الرجال من غرفة الجلوس وكانت وجوههم مكفهرة وبالأخص عائلة منيرة لكن جلال كان هادئًا تمامًا وكأن حمل ثقيل فوق صدره أزاحه وتخلص منه. تحرك عند بداية الدرج ووقف ثم نظر للأعلى وصاح بصوته الرجولي الجهوري والمرتفع: _مـنـيــرة
_دقائق قصيرة ومعدودة حتى بدأت الآذان تسمع صوت خطوات أقدام منيرة على الدرج وهي تنزل ببطء؟ وكأنها بانتظار معجزة تمنعها من مغادرة هذا المنزل وعودة كل شيء لحالته الرائعة كما كان. عندما وصلت للطابق الأرضي رأت جلال ينتظرها عند آخر الدرج وينظر لها بقسوة؟ عينيه تودعها من قبل مغادرتها المنزل وتستقبل رحيلها بصدر رحب؟ رفعت رأسها ونظرت في وجوه عائلتها وبالأخص والدها وعمها فرأت الوعيد والشر يتطاير من عينيهم؟
تملكها الرعب وانهمرت دموعها غزيرة خوفًا من بطش والدها لها بعد مغادرتها لمنزل زوجها. نزلت آخر درجات السلم ببطء أشد؟ تنزل خطوة وتتراجع خطوة حتى وصلت أخيرًا لآخر درجة ووقفت بجوار جلال الذي نظر لوالدها وقال له بقرف: _خد بتك ياحاج ياسر _اندفع ياسر تجاه ابنته يجذبها من ذراعها بعنف وهو يهتف لها بصوت محتقن من فرط الغيظ: _حسابك معايا في البيت يا****
_اقترب عمها وبقية رجال عائلتها وحملوا حقائبها واشيائها بينما جلال فنظر لوالدها وقال لها بثبات انفعالي غريب: _بتك ورقة طلاقها هتوصلها خلال يومين ومش عاوز اشوف خلقتها تاني _رمقه ياسر بغضب ثم نظر لابنته باستياء أشد وراح يجرها معه للخارج صائحًا بها: _اتحركي قصادي يافاجرة _كانت فريال تتابع لحظات رحيلها الأخيرة والأبدية من منزلها وهي تبتسم باتساع ولمعة النصر والتشفي تظهر بوضوح في عينيها؟
بينما جلال وبقية رجال العائلة دخلوا مجددًا لغرفة الجلوس ليكملوا حديثهم فيما بينهم لكن كعائلة فقط. *** بالقاهرة داخل المستشفى..... كانت آسيا تنتظر عمران بساحة الانتظار أو ما يسمى بـ ( كافتريا ) المستشفى؟ بعد أن تركها وذهب لينهي عملًا مهمًا له بالخارج لن يستغرق دقائق كما أخبرها؟ بينما كانت هي ممسكة بهاتفها تتفحص محتوياته بفتور انتبهت على صوت طفلة صغيرة تبلغ من العمر تقريبًا ست سنوات تسألها بعينان دامعة وخوف:
_ياطنط مشوفتيش ماما أنا مش لاقياها _التفتت لها آسيا وتركت الهاتف من يدها ثم رفعت يدها تمسح على شعرها بحنو وتسألها باهتمام: _مش لقياها كيف ياحبيبتي؟ هي سابتك وراحت تجيب حاجة طيب _هزت رأسها بالإيجاب وقالت بصوت طفولي باكي: _أيوة هي قالتلي هروح اشتري الدوا بس اتأخرت وانا بدور عليها مش لقياها خالص _ضمتها آسيا لصدرها وهي تربت عليها بحنو وتتمتم:
_طيب متخافيش هي أكيد راجعة تاني واتأخرت شوية بس.. انتي خليكي هنا جمبي لغاية ما ترجع _أومأت الصغيرة بالموافقة لآسيا ثم ابتعدت عنها وجلست على المقعد المقابل لها وهي تتلفت حولها باحثة عن أمها بين وجوه الجميع علها تجدها وعيناها لا تتوقف عن ذرف الدموع فاشفقت آسيا عليها وقالت لها مبتسمة بدفء: _أنتي اسمك إيه؟ _إجابتها بعبوس: _ريم _اتسعت ابتسامة آسيا أكثر وراحت تمد يدها تمسح على شعرها بحب متمتمة:
_اسمك حلو قوي ياريم.. بس أنا مش قولتلك متخافيش وماما هترجع متبكيش عاد.. تحبي اجيبلك عصير أو بسكويت _هزت رأسها بالرفض دون أن تنظر لآسيا؟ فقد كانت منشغلة بالبحث عن أمها بين الناس حتى سمعت سؤال آسيا: _بابا وين طيب ياحبيبتي؟ _التفتت الصغيرة لآسيا أخيرًا وقالت لها بحزن: _بابا مش موجود احنا جينا هنا عشان تيتة تعبانة وبابا اصلا مش بيقعد معانا كتير وبيجي كل فترة طويلة يقعد شوية ويطلع _تبادلت معها آسيا أطراف الحديث حتى تنسيها
خوفها وتوترها فقالت لها: _ليه بابا شغال إيه؟ _زمت الطفلة شفتيها للأمام في جهل وتمتمت بعبوس: _معرفش بس هو بيقولي دايمًا أنه بيروح عند اخواتي عشان كدا مش بيقعد كتير معانا _كانت آسيا تتابع لطافتها وهي تتحدث بكل براءة وتبتسم لها بحب؟ وتابعت الحديث معها حتى تلهيها أكثر: _طيب واخواتك اسمهم إيه؟ _سكتت لبرهة من الوقت تتذكر أسمائهم ورفعت سبابتها تضع طرف اصبعها في فمها وسط تفكيرها العميق ونظرات آسيا الضاحكة حتى
قالت لها بالأخير في تلهف: _ايوة بابا قالي أن اختي اسمها فريال وأخويا عمران وبلال _تجمدت الدماء في وجه آسيا وتدريجيًا تلاشت ابتسامتها حتى تحولت لذهول وعدم فهم؟ لا يمكن أن يكون مجرد صدفة بتصادف نفس الثلاث أسماء؟ مرت وقت طويل نسبيًا والصمت القاتل يهيمن على آسيا التي تحاول طرد تلك الأفكار الشيطانية من عقلها واستيعاب ما قالته تلك الطفلة؟ وبعد تفكير عميق أخيرًا قررت طرح سؤالها الأخير عليها حتى تتأكد من شكوكها:
_أنتي بابا اسمه إيه ياريم؟ _كانت الصغيرة على وشك الإجابة لكنها توقفت عندما قطع حديثهم عمران وهو يهتف: _آسيا!! التفتت له مزعورة ثم زفرت بقوة وهي تقول متنفسة الصعداء براحة: _قلبي وقع في راجعة ليها ياعمران حرام عليك _رأت نظراته المستفهمة نحو الطفلة فقالت بخفوت ووجه مضطرب: _تاهت من أمها وكانت بتسألني عليها فقولتلها استنيها هنا معايا لغاية ما ترجع _انحنى عمران على الصغيرة وراح يسألها بحنو واهتمام:
_أنتي كان معاكي أمك بس وأبوكي مش معاكم؟ _تدخلت آسيا بسرعة خشية من أن تجيبه الطفلة وقالت بصوت متوتر: _لا لا أمها بس كانت معاها ياعمران.. هي قالتلي أنها راحت تشتري دوا واتأخرت وأكيد هترجع دلوقتي _رفع كفه ومرر فوق شعرها بلطف وهو يسألها: _طيب أنتي جعانة أو عاوزة تشربي أي حاجة أجيبلك يا بابا _تلفتت برأسها بين آسيا وعمران وردت عليه باستغراب ونبرة تهكمية: _بس أنت مش بابا! _ضحك بخفة ورد عليها وهو يقترب منها يقبل رأسها بدفء:
_عارف ياحبيبتي _كانت آسيا تتابع ما يحدث بينهم بعينان ثاقبة وتزدرد ريقها بصعوبة من ذهولها وتوترها رغم أنها لم تتأكد بعد لكنها تشعر بأن شكوكها حقيقة. التفتت الصغيرة على صوت أمها وهي تصيح عليها: _ريــم _صاحت الطفلة ترد على أمها: _ماما _ركضت أمها نحوها وعانقتها بقوة في خوف شديد تهتف لابنتها بعتاب شديد: _أنا مش قولتلك ياحبيبتي متتحركيش من مكانك وأنا شوية وراجعة _نظرت الصغيرة لآسيا وقالت لأمها مبتسمة:
_أنا سألت طنط عنك وقالتلي اقعد جمبها استناكي لغاية ما تيجي _نظرت داليا لآسيا وابتسمت لها بامتنان تقول: _متشكرة جدًا ليكي معلش لو ريم ازعجتك أو تعبتك _طالت نظرة آسيا المتفحصة والشاردة لها ثم انتبهت لها ولعباراتها وردت عليها ببسمة صغيرة تكاد تخرج بصعوبة: _مفيش أزعاج ولا حاجة
_التفتت داليا برأسها للجانب وعندما سقط نظرها على عمران تسمرت مكانها واتسعت عينيها بصدمة فلاحظت آسيا صدمتها ونظراتها المرتعدة لزوجها وكأنها تعرفه ثم امسكت بذراع ابنتها ونظرت لآسيا تقول لها بتوتر وبإيجاز شديد: _عن إذنك وشكرًا مرة تاني
_بظرف لحظة كانت تجذب ابنتها معها ويبتعدوا عنهم بسرعة عندما التفتت آسيا لوجه عمران رأته يتابع تلك السيدة وهي تسير مبتعدة عنهم رافع حاجبه بتعجب ولم يكن صعب عليها توقع نوع الأسئلة التي تدور بذهنه الآن بعد نظراتها المريبة والمضطربة له. فتح إبراهيم باب الغرفة ودخل فوجد إخلاص جالسة فوق الفراش وبيدها هاتفها تحدق في شاشته وتستمع لصوت الرنين وتنتظر الرد فاقترب منها وادخل عينيه في الهاتف فرأى اسم عمران ينير الشاشة.
جذب الهاتف من يدها بعنف صائحًا بها: _إيه بتتصلي بيه عشان تقوليله يا إخلاص! _هبت واقفة من الفراش مفزوعة ثم قالت: _كنت بتصل أطمن على ولدي يا إبراهيم إيه ممنوع كمان ولا إيه! _رمى بالهاتف على الفراش ثم قبض على ذراعها وهو يصرخ بها بعصبية: _تطمني عليه إيه؟ أنتي بتستعبطي عليا _تأففت إخلاص بقوة بعدما مالت بوجهها للجانب وردت عليه بعينان دامعة:
_والله ما كنت هقوله حاجة يا إبراهيم.. بعدين حاجة كيف إكده حتى لو عايزة أقوله عليها مقدرش أقوله في التلفون _ضغط على ذراعها بعنف أشد وهو يصيح بنظرات ملتهبة ومحذرة: _لا في التلفون ولا في غيره لو فتحتي خشمك ونطقتي بكلمة قصاد عمران ولا بلال هقطع لسانك وأصل يا إخلاص فاهمة ولا لا _التزمت الصمت مجبرة وهي تطرق رأسها أرضًا وتنهمر الدموع الحارقة من عينيها في سكون تام حتى وجدته يترك ذراعها بكل هدوء ويهمس لها
بنبرة أصبحت لينة ودافئة: _مفيش حد مبيغلطش وأنا غلطت وأنتي من واجبك تقفي في مكانك يا إخلاص مش تعملي فتنة بين العيال وأبوهم عشان غلطة عدت وخلصت وهو ندمان عليها _رفعت رأسها وطالعته بخزي متمتمة: _وأنت شايف أن دي غلطة بسيطة وعادية ومفيش مشكلة نكمل حياتنا عادي كيف ما كانت! _رأت الحدة تظهر في عينيه مجددًا لكنه ما زال محتفظًا بنبرته اللطيفة:
_أيوة هنكمل حياتنا عادي يا إخلاص عشان عيالنا وعشان ميبقاش في دم تاني وحد منينا يتأذي.. أنتي عارفة زين أنا بحبك كيف وأنك غالية عندي فمتخليش عاد المشاكل تدخل بينا يا أم الغالي وانسي اللي سمعتيه وخلينا نكمل حياتنا كيف ما كانت _نظرت له بأسى دون أن تقوى على التفوه بكلمة ومعارضته أو حتى تعنيفه على ذنبه الشنيع أما هو فقد تركها واتجه نحو الحمام لكي يأخذ حمامًا دافئًا بعد يوم طويل وشاق في العمل.
انتهت من محاضرتها وكانت في طريقها لمغادرة الجامعة بأكملها وأثناء مرورها من حرم الجامعة الكبير سقط نظرها بالصدفة على بلال وهو يجلس بجوار فتاة يتبادلون أطراف الحديث توقف وتابعتهم بتركيز شديد والانزعاج بدأ يتسلل لها وسرعان ما تحول لغيرة شديدة عندما رأتهم يضحكون ويتحدثون بحرية ومتعة استمرت وقت طويل وهي تراقبهم من بعيد بنظراتها الحارقة على أمل ينهض ويتركها لكنه لم يفعل وذلك الحديث لا ينتهي ومع الوقت يصبح تفاعلهم مع حديثهم أقوى وضحكهم يزداد.
شعرت بلهيب يخرج من عينيها وهي تشاهدهم ونيران الغيرة تأكل صدرها وكانت نظرتها الأخيرة لهم متوعدة ومغتاظة ثم اندفعت لخارج الجامعة بأكملها وهي كالأسهم المشتعلة لا ترى أمامها سوى هدفها وهو بوابة الجامعة حتى تغادر قبل أن تحترق بنارها. وقفت أمام الجامعة تنتظر سيارة أجرة لكن كالعادة جميع السيارات ممتلئة الوقت يمر ودون فائدة فضربت الأرض بقدمها وهي تهتف مغتاظة: _أووووف هو ده وقته كمان.. أنا ناقصة حرقة دم ياربي
_سمعت صوته داخل السيارة من خلفها وهو يهتف باسمها: _ناوية تقفي كتير تستني؟! _لم تلتفت له وتجاهلته تمامًا كأنها لا تسمعه فضيق عينيه بتعجب ثم هتف بنبرة قوية: _حور! _التفتت له برأسها وردت باقتضاب: _أفندم _غضن حاجبيه وظهر الجدية التامة على ملامحه وهو يسألها: _أنتي كويسة؟! _استدارت له بجسدها كاملًا وقالت منزعجة بغضب حقيقي: _أنا كويسة وزي ما أنت شايف مستنية ميكروباص.. ممكن تمشي أنت بقى وتشوف شغلك
_فتح باب السيارة فورًا ونزل ثم اقترب منها وهو يسألها بحيرة وقلق: _في إيه مالك.. في حاجة حصلت ولا إيه؟! _حور بقسوة وعصبية بعدما تذكرت ضحكه وحديثه مع تلك الفتاة: _مفيش حاجة يا بلال ممكن تمشي وتسيبني _لاحظ بشائر الاستياء على معالمه فقال لها بنبرة رجولية حازمة: _طيب مش لما تفهميني الأول إيه اللي حصل وليه بتكلميني بالطريقة دي.. لو عملت حاجة ضايقتك قوليلي وأنا اعتذرلك وأبوس على راسك كمان _صاحت به منفعلة:
_إيه تبوس على راسي دي.. احترم نفسك _رفع حاجبه اليسار بطريقة مريبة ورد عليها في خفوت وصوت محتقن: _تعبير مجازي ياحور.. تعبير مجازي أكيد مش هعمل إكده يعني _أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي عاقدة ذراعيها أسفل صدرها فتابع هو بهدوء متصنع رغم انزعاجه الشديد: _تعالي اوصلك واحكيلي إيه اللي مضايقك _ردت بامتعاض: _شكرًا _بلال بعصبية بدأت تظهر عليه: _حور في إيه!! _رمقته بغضب وقالت في حدة: _مفيش قولتلك امشي مش هركب معاك
_لوى فمه بغيظ وهو يصر على أسنانه وطالت نظراته المتفحصة لها كأنه يحاول اختراق عقلها وفهم ما يدور داخلها ثم هز رأسه بالموافقة وابتعد عنها ليستقل بسيارته مجددًا ظنته سيرحل لكن وجدته ما زال واقفًا بسيارته ولم يتحرك قالت له بحدة: _إيه هتفضل واقف كدا يعني؟! _رد عليها بغيظ وسخط: _آه لما اشوف هتعاندي إكده لغاية امتى
_ولته ظهرها في عدم اكتراث ووقفت تتابع الطريق تبحث عن أي سيارة بها مقعد فارغ كانت تدعي ربها أن تجد سيارة حتى لا تضطر على الذهاب معه في سيارته فاستجاب ربنا لدعائها ووجدت سيارة أخيرًا واستقلت بها وهي تنظر له ببرود على عكس نظراته المشتعلة لها. فتح جلال الباب ودخل لكنه تسمر فور رؤيته لها وهي تجمع ملابسها وتضعها بحقيبة ملابس كبيرة وقف لثواني يتابعها حتى طرح سؤاله أخيرًا: _بتعملي إيه؟! _ردت عليه بجفاء وهي مستمرة
في وضع ملابسها بالحقيبة: _كيف ما أنت شايف بلم هدومي وماشية وهاخد عيالي معايا كمان _ارتفع حاجبه تلقائيًا كردة فعل مستنكرة على ما تفوهت به للتو ثم رفع يده واستند بكفه على الحائط يسألها للمرة الثانية لكن هذه المرة بلهجة مخيفة: _ماشية وين عاد! _التفتت له وقالت بقوة: _راجعة بيت أبوي _كان البرود يستحوذه كليًا حيث أنحنى برأيه وهو يهز رأسه بالتفهم ثم رد بابتسامة بسخرية: _وأنتي مين سمحلك بده وقالك أنك هتروحي
_تركت اللي بيدها والقت بالملابس في الحقيبة ثم انتصب في وقفتها واستدارت له بجسدها لتتقدم نحوه وتهتف بغضب بسيط: _مش مستنية أخد أذن لا منك ولا من حد يا جلال.. أنا لما رجعت وفضلت هنا واستحملت كل حاجة كان عشان هدف واحد وهو أني اطلع منيرة من البيت ده واليوم خلاص غارت ومش راجعة تاني إلا لو أنت حبيت تردها عاد _جلال بنبرة هادئة تمامًا: _امممم وأنتي كان عندك الهدف ده ليه؟ _فريال بنظرة غاضبة:
_عشان مش هسيب عقربة كيفها تعيش مع عيالي في نفس البيت ولا تأذيهم _ابتسم جلال بسخرية وقال في نظرة مميتة ليست طبيعية أبدًا كنبرته: _ولما أنتي ناوية من البداية تاخدي العيال وترجعي بيت أبوكي بتقولي ليه كنتي عاوزة تخلصي منها عشان متعيشش مع عيالك في نفس البيت؟ مهو العيال مش موجدين وأنتي هتاخديهم معاكي دلوقتي فين عاد الفايدة اللي رجعتلك؟ _لوَتْ فريال فمها واشتدت حدة نظراتها وهي تسأله: _قصدك إيه؟! _مالَ ثغره بابتسامة
مريرة وقال باستياء وقسوة: _أنتي فاهمة قصدي زين قوي يا فريال.. عاوزة تنتقمي مني ولما تكشفي منيرة واطلقها تسبيني أنتي والعيال وتهمليني لحالي عشان أحرَب الوَعْ صُحْ كيف ما أنتي جَرَبْتِيهِ واتحرَمْ من عيالي وأفضل وحدي كعقاب ليا مش إكده _فرت الكلمات من عقلها بعدما ضربها بحقيقة مخططها القاسي والأناني التي كانت تسعى له منذ عودتها لهذا المنزل رأته يضحك بخزي بعدما تأكد من صدق ما قاله وحقيقة مبتغاها منذ البداية ثم
تمتم بألم يظهر في نبرته: _أظن دلوقتي أنتي فهمتي مين فينا اللي عمره ما حب التاني أبدًا.. متقلقيش أنا مش همنعك لو عايزة تمشي الباب يفوت جَمْل بس بعد ما تولدي وولدي أو بنتي يا رب للدنيا سالمين سعتها امشي بس برضو هتمشي وحدك من غير العيال _امتلأت عيناها بالدموع وردت عليه بقهر ووجع: _همشي دلوقتي ومش هتقدر تمنعني يا جلال
_ابتسم لها بسخرية ثم استدار وسار للخارج يتركها بمفردها وهو يغلق الباب بالمفتاح من الخارج فأسرعت نحو الباب تضرب عليه هاتفة بغضب: _جلال افتح الباب.. لم تسمع منه رد فقد رحل وتركها حبيسة الغرفة.. جثت على الأرض مستندة بظهرها على الباب وهي تبكي بألم وحزن شديد.... *** داخل المستشفى بالقاهرة دخلت آسيا لغرفة الطبيب الجديد الذي ستتابع معه حالتها الصحية.
انتظرته بالغرفة لدقائق طويلة مع عمران الذي كان يتحدث في الهاتف عن العمل إلى حين وصول الطبيب. أخيرًا انفتح الباب وظهر من خلفه الطبيب. فور رؤيتها له ابتسمت بعذوبة على عكس عمران الذي تحولت ملامحه بلحظة واحدة وأصبحت مرعبة وغريبة. هتفت آسيا بعفوية تامة وهي مبتسمة: _سليم!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!