الفصل 38 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
19
كلمة
4,257
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

تجمدت دماء وجهها وازدردت ريقها بتوتر عندما انتبهت لنظرات عمران النارية بعد عبارتها (سليم) أجفلت نظرها عنهم والتزمت الصمت تمامًا، بينما استقام عمران واقفًا محدقًا بسليم وهو يسأله: _بتعمل إيه إهنه؟ سار باتجاه مكتبه الخاص وجلس على مقعده وهو يجيب على عمران بعين متحدية: _أنا الدكتور اللي هيتابع حالة المدام. التفت عمران برأسه تجاه آسيا التي كانت تتفادى النظر إليه توترًا، ثم عاد ينظر لسليم يجيبه بهدوء مزيف:

_وهو مفيش دكتور غيرك في المستشفى ولا إيه؟ ابتسم الآخر ببرود متمتمًا: _للأسف أنا هنا دكتور العلاج الفيزيائي في المستشفى. استقرت في عيني عمران نظرة مميتة دامت للحظات، قبل أن يرفع كفه يمسح على شعره نزولًا للحيته متأففًا بصوت قوي. وبلحظة مفاجأة انحنى للأمام وهو يضرب فوق سطح المكتب بكفيه مستندًا عليهم ويقول بلهجة مرعبة: _شكلك إكده مبتفهمش بالحسنى يادكتور.

انتفضت آسيا فزعًا على أثر ضربته العنيفة فوق المكتب وأسرعت إليه بمقعدها المتحرك تقف بجواره وترفع يدها تتشبث بذراعه هامسة برجاء: _عـمـران عشان خاطري. التفت سليم لآسيا وعندما رأى الخوف في عيناها انزعج أكثر، فعاد بعينيه لعمران وهو يجيبه باستياء واضح: _أنا بأدي واجبي كدكتور. هنا مش هتنقي على مزاجك مين الدكتور اللي عايزه يامعلم. ثانيًا مالك متعصب ليه، متخفش من هخطفها منك يعني.

التفتت آسيا إلى سليم ترمقه بعينان متسعة وساخطة، وبسرعة عادت لزوجها تراقب تعابير وجهه التي تحولت بلحظة كما توقعت. فضغطت بيدها على ذراعه محاولة امتصاص جموحه، لكنه دفع يدها واندفع نحو سليم الذي استقام وهو يبتسم بسخرية. ولم يلبث حتى لينطق بكلمة واحدة حيث وجد نفسه بالأرض بعدما تعرض للكمه مبرحة من عمران. الذي انحنى عليه وجذبه من لياقة قميصه وهو يصيح به:

_أنت چربت قبل إكده اللعب معايا يادكتور، يعني دي مش أول مرة وأعتقد أنك عارف زين أنا ممكن أعمل إيه. افتكر نصيحتي وخليك عاقل ومتهلفطش بالكلام معاي بدل ما اخليك تقعد في البيت كيف الحريم والمكتب اللي فرحان بيه ده متشوفش وشه تاني. هرولت آسيا إليه وهي تجذبه من ذراعه متوسلة إياه بقلق: _عمران أبوس يدك كفاية يلا بينا نمشى من إهنه.

انتصب في وقفته ثم ألقى نظره أخيرة ملتهبة تحمل التهديد لسليم الذي مازال جالسًا على الأرض ويمسح بيده دماء شفتيه. فتتقابل نظراتهم النارية معًا، ثم يستدير عمران وينصرف بزوجته. استقام سليم واقفًا وهو يصر على أسنانه بغيظ، ثم جلس على مقعده مجددًا دون أن يحيد بنظره عن الباب. فانتشله من أفكاره الشيطانية دخول صديقه الذي أسرع نحوه وجلس أمامه يهتف بضيق: _كنت عارف أن مشكلة هتحصل. قولتلك ادخل أنا بدالك ياسليم، صممت على رأيك.

سليم بعصبية: _خلاص يامحمد، أنا على أخرى دلوقتي. أطال صديقه النظر إليه في عدم رضا وهو يهز رأسه بنفاذ صبر وقلة حيلة. بينما الآخر عاد مرة أخرى يتذكر ما حدث للتو وقد تشنجت عضلات وجهه كلها. *** كانت تختلس النظر إليه وهم داخل السيارة، فتجده ساكنًا تمامًا، لكن قسمات وجهه تقول العكس، كأن يوجد خلف ذلك الهدوء بابًا من أبواب الجحيم لو انفتح لن تجد طريقًا للنجاح من جموحه.

التزمت الصمت لوقت طويل وهي تراه لا يتحدث أو حتى ينظر لها متجاهلًا وجودها لسبب ليس خير بالتأكيد. تنفست بعمق وهمست تسأله بخفوت: _هنرچع البيت؟ التفت لها أخيرًا، وليته لم يلتفت، فقد رأت النظرة التي كانت تخشاها وجعلتها تتجمد مكانها دون حركة. ثم رد بغلظة: _رايحين لدكتور معرفة كويس هتتابعي معاه من إهنه ورايح.

ودت الرد عليه لكنها صمتت تجنبًا لذلك الوحش الكاسر، واكتفت بإجابته عليها، واستمرت في جلوسها الصامت كما كانت، حتى وصلا للطبيب ودخلوا، وقد استغرق الفحص وجلسة العلاج وقتًا طويلًا جدًا. بعد الانتهاء استقلوا بالسيارة مجددًا، وكانت وجهته هذه المرة المنزل أخيرًا.

كلاهما ينتظران لحظة وصول المنزل، لكن كل منهم لديه أسبابه الخاصة، فهي أهلكت وتعبت جدًا خلال الجلسة وتحتاج للراحة، أما هو فمازالت الدماء تغلي في عروقه ولن تبرد دون أن ينهي الأمر. توقفت سيارته أمام بنايتهم ونزل هو أولًا، ثم التف حول السيارة من الجهة الأخرى وأخرج مقعدها على الأرض قبل أن يفتح الباب وينحني عليها يحملها بين ذراعيه ليساعدها على الوقوف والجلوس فوق مقعدها.

يفعل كل هذا دون أن ينظر لوجهها بشكل مباشر، مما أدى إلى عبوسها، وهي أيضًا اتبعت نفس أسلوبه في التجاهل. فور دخولهم للمنزل اتجهت هي مباشرة نحو الغرفة، ثم أغلقت الباب خلفها وشرعت في نزع ملابسها. فوجدته يقتحم الغرفة ويدخل ثائرًا. هتفت بغضب: _مش تخبط الأول. تجاهل ما قالته كأنه لم يسمع، واندفع نحوها ينحني عليها مستندًا بذراعيه على جانبي مقعدها.

وجدت أن المسافة بينهم لا تُحسب، فمالت برأسها للخلف في توتر ملحوظ، رغم أنها حاولت الثبات، إلا أن تقوس أهدابه الغزيرة وعينيه السوداء الثاقبة وهو ينظر لها هكذا جعلتها تنهار تمامًا، وهي لا تعرف هل خوفًا أم لوعة. عادت لرشدها على أثر صوته المخيف وهو يغمغم منذرًا: _أنا مش عاوز أچبرك تقطعي تواصلك مع صحبتك عشان أخوها، بس اعتبريه آخر تحذير يا آسيا، مش عايز أشوفك بتخاطبي ال*** ده ولو بعينك حتى، وإلا أنتي عارفة اللي هيحصل.

فتحت فمها وكانت على وشك أن تجيبه متعرضة وبانزعاج، فباغتها بصرخة جعلتها ترتجف في مقعدها: _أنا كلامي أوامر مش موضوع قابل للنقاش ولا الاعتراض، يعني الكلمة الوحيدة اللي اسمعها هي حاضر وبس. رغم الاضطراب المرسوم على صفحة وجهها، إلا أن السخط أيضًا كان يستحوذ على جزء منها، مما دفعها للرد عليه بعصبية:

_وأنا مش هنفذ أوامر مش فاهمة سببها. ده دكتور وكنت هتابع معاه طبيعي جدًا كيف أي مريض. أنا مش فاهمة أنت ليه مش طايقه إكده وكل ما تشوفه وشك بيتحول كأنك شفت عدوك. أظلمت عينيه وصوته خرج غليظًا وخافتًا يسأله: _يعني إيه مش هنفذ؟ خلعت رداء الخوف وارتدت القوة والشجاعة التي طالما اتصفت بها، حيث هتفت بشجاعة وهي تنظر في وجهه: _يعني فهمني إيه اللي حصل بينكم ووقتها انفذ أوامرك.

هدوء مريب احتل ملامحه فجأة، وراح بأنامله يزيح خصلتها المتمردة مثلها من على عينيها، ويهمس بنظرة تحسم الأمر وتنهي ذلك النقاش: _أنا قولت اللي عندي وأنتي سمعتيني وفهمتيني زين، فمش هعيده تاني. بلاش عاد تقفي قصادي الند بالند لمصلحتك ياغزالي.. مفهوم؟ تطلعت في عينيه تتمعن في نظراته المخيفة دون أن تجيبه، فسمعته يصرخ بها بغضب: _مفهوموووم ولا لا يا آسيا؟ هزت رأسها له بالموافقة منصاعة لأوامره في غيظ.

بينما هو فاعتدل وانتصب واقفًا، ثم ولاها ظهره واقترب من الخزانة يخرج ملابسه حتى يبدل التي يرتديها. خلال هذه اللحظات كانت هي تقترب من الفراش بالمقعد، وعنادًا نابعًا من غضبها قررت الوقوف والمشي بمفردها هذه الخطوات المتبقية إلى الفراش. توقفت بصعوبة شديدة ورفعت قدمها المتحجرة بألم، فنجحت في خطوة أول خطوة، لكن عند الخطوة الثانية اختل توازنها وكادت أن تسقط. لكنه أحاط بخصرها من الخلف يعيدها لتوازنها قبل أن تنهار على الأرض.

التفتت له برأسها فوجدته يهتف برجولية مختلفة: _مش هكون موچود كل مرة إكده عشان امسكك لما تنتقمي من نفسك بالشكل ده وتأذيها. آسيا بتمرد وزمجرة شديدة: _وأنا مطلبتش منك مساعدة. عمران بخفوت مميز: _حتى لو مطلبتيش أنتي محتچاني بس لساتك مش عاوزة تعترفي. ابتسمت له بسخرية وقالت متحدية إياه في غضب: _لا مش محتجاك ياعمران. هز رأسه مغلوبًا وهو يتأفف، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه واقترب من الفراش ليضعها فوقه برفق شديد.

التقت نظراتهم معًا، وعندما تعمق في عيني الغزال الساحرة التي أمامه وجدها تسحبه لعمقها أكثر كالمغناطيس. وكلما حاول الابتعاد سحرها يمنعه. لم يكن حالها أفضل منه، فطالما كانت تأثرها ملامحه الرجولية، وكلما يقترب منها تدخل مداه الخاص وتغرق داخل عينيه وآصالته. طال تمعنهم لبعض أكثر من اللازم، فشعرت بنفسها تفقد القدرة على التحكم بمشاعرها. تلقائيًا أغمضت عيناها رافضة النظر لجحيم قلبها أكثر من ذلك.

لكن سرعان ما تبدل جحيمها لبرودة شديدة عندما شعرت بملمس شفتيه فوق وجنتها، ثم انتقلت لجبهتها في قبلة طويلة ودافئة. انطفأ جحيمها، لكن جسدها كله بات ينبض بعنف، ولم تفتح عينيها إلا عندما سمعت خطواتها وهي تتجه نحو الحمام وصك سمعها صوت الباب. فنظرت على الباب وهي تتنفس بصعوبة. *** بمساء ذلك اليوم داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة فريال....

فتح جلال باب الغرفة بالمفتاح ودخل ثم أغلقه خلفه بهدوء، وعندما التفت سقط نظره أولًا عليها وهي نائمة فوق الفراش. فتحرك ببطء شديد نحوها وجذب المقعد ليجلس عليه بالقرب من الفراش تحديدًا بجوار رأسها. أخذ يتأملها بأسى وضيق. فهو مهما صرخ وقال لا يزال يحبها ولن يستطيع التخلص من ذلك الحب أبدًا. لكنه لا يعد يتحمل نفورها وكرهها له.

إن كانت لا تريده فهو أيضًا لن يكافح أكثر في علاقة على حافة الانهيار، حتى لو كان على حساب قلبه الممزق. نزل بنظره حتى بطنها، وتلقائيًا ارتفعت البسمة لثغره، فانحني عليها بوجهه ولثم بطنها بحب يهمس محدثًا طفله بصيغة المؤنث كما يعتقد أنها فتاة: _الظروف اللي هتاچي فيها ياحبيبة أبوكي عمري ما كنت عاوزها خصوصًا وأنا كنت بتمناكي من زمان. بس مين عالم يمكن ربنا يچعلك سبب وأول ما تاچي تنوري كل حاچة ضلمة بنورك.

سكت للحظة مفكرًا، ثم لاحت ابتسامته الجميلة على شفتيه مرددًا: _نــور. فتحت فريال عينيها ببطء عندما شعرت بشيء يزعجها في نومها. وعندما اتضحت صورته أمامها هبت جالسة هاتفة بغضب: _بتعمل إيه؟ وإيه اللي جابك؟ ما كنت سبتني محبوسة كمان يومين تاني لغاية ما أموت. رد جلال بصوت رجولي حاد: _أنا ما كنتش حابسك، ده نتيجـة عنادك وتكسيرك لأوامري، فقـفلت عليكي عشان ترجعي لعقلك وتهدي، بس شكله مفيش تغيير وما جابش نتيجة.

رمقته بإصرار وهتفت ساخطة: _ومش هيجيب، لساتني مصممة على قراري يا جلال. صرخ بها منفعلًا بصوت مرتفع: _وأنا قلت مش هتطلعي ولا رجلك هتعتب عتبة البيت غير بعد الولادة و.... قطع حديثه في منتصفه ذلك الألم الذي اجتاحه في صدره، فرفع يده يضعها فوق يساره بألم مغمضًا عينيه. انتابها الزعر عليه وبسرعة أمسكت بيده تهتف مرتعدة: _جلال أنت كويس؟ عادت تهتف له بخوف أشد عندما وجدته ما زال يغلق عينيه ويكافح الألم:

_جلال رد عليا، متقلقنيش، نروح المستشفى طيب؟ فتح عينيه أخيرًا وأبعد يدها عنه بضيق يقول ساخرًا: _ده على أساس إن صحتي تهمك قوي يعني. هزت رأسها بعدم اكتراث لما قاله وهبت واقفة من الفراش لتمسك بذراعه مجددًا تهمس في اهتمام تساعده على الوقوف: _طيب قوم ريح على السرير وارتاح.

للمرة الثانية أبعد يدها عنه واستقام واقفًا بمفرده، ثم اقترب من الفراش وتمدد بجسده فوقه. بينما هي فتركته وغادرت الغرفة وعادت بعد دقائق طويلة نسبيًا وهي تحمل بيدها كوب من العصير الطازج ومعه قرص من الدواء الخاص به. جلست على المقعد المجاور للفراش ومدت يده بالعصير له تهتف بحنو: _خد العلاج واشرب العصير ده معاه عشان يسندك. حدقها بغيظ ثم التقط كوب العصير والقرص منها. ابتلع القرص أولًا ثم شرب العصير خلفه مباشرة

وهو يتمتم بلهجة ازدراء: _الدكتور قال ابعد عن التوتر والعصبية، بس فين الكلام ده عاد في البيت إهنه، وخصوصًا وأنا مرتي فريال هانم. لوت فمها بندم أنها تسببت في تعبه ولم تراعي مرضه. ورغم هذا تحدثت بنفس تمردها: _أنت لو ما كنتش تعاندني وهملتني أروح بيت أبويا، ما كانش كله ده هيحصل ولا هتتعصب إكده. رمقها بنظرة مشتعلة واحتقن وجهه بالدماء مرة أخرى قبل أن يردف مغتاظًا: _أنتي ناوية تجيبي أجلي يعني الليلة دي؟

ردت بخفوت ولهجة اعتذار: _خلاص هسكت أهو ومش هتكلم، اهدى ومتتعصبش. تجول بنظره في أرجاء الغرفة فرأى حقيبة ملابسها ما زالت كما هي لم تفرغها من الملابس. فقال بغضب بسيط: _مفضيتيش الشنطة لغاية دلوك ليه؟ طالعته بطرف عيناها في صمت حتى لا تتحدث وتثير جنونه مجددًا. أما هو فقد استطرد بحدة: _قومي فضيها يلا وحطي هدومك في الدولاب كيف ما كانت. اتسعت عيناها بدهشة وردت مستنكرة: _دلوك!!! جلال بثبات انفعالي مستفز وهدوء تام:

_أيوة دلوك، يلا قومي وخليني أشوفك وأنتي بترجعي كل حاجة لمكانها. جزت على أسنانها مغتاظة ثم ابتسمت بتصنع يخفي النيران المشتعلة داخلها وقالت: _ماشي يا جلال، هفضيها.. عشان بس مش عاوزة أرد عليك ونتخانق من تاني وتتعصب وتتعب. بادلها نفس الابتسامة المتكلفة متمتمًا ببرود مشاعر: _أيوة إكده جدعة، وكويس طلعتي لسه بتفكري فيا.

ألقت عليه نظرة ملتهبة قبل أن تستقيم واقفة وتتجه نحو الحقيبة لتفتحها وتبدأ بإعادة ملابسها للخزانة مرة أخرى في ضيق ملحوظ. بينما هو فكان يتابعها مبتسمًا في لوعة متنهدًا الصعداء بقلة حيلة. عندما رفعت رأسها ورأت نظراته هكذا قالت بغيظ: _بتبص إكده ليه! رفعت حاجبه بلؤم ثم استقام واقفًا واقترب منها حتى وقف بجوارها وانحنى عليها يهمس في أذنها وبذراعه يحاوطها من خصرها: _أبص براحتي كيف ما أنا عاوز يا فريال.

ثم رجع برأسه للخلف مبتعدًا عن أذنها ليكمل ببسمة باردة: _كملي يا أم معاذ.. كملي، لسه مطولة لغاية ما تفضي الشنطة اللي فضيتي فيها الدولاب كله دي. ثم ترك خصرها وابتعد عنها تمامًا وقال بجفاء متصنع وهو يقود خطواته نحو الحمام: _وغيري القميص اللي لابساه ده مش حلو عليكي.

التفتت برأسها جانبًا نحو المرآة تتفحص مظهرها وقميصها الوردي القصير. فلم يكن شكلها سيء بالقدر الذي وصفها به. نظرت إلى باب الحمام حيث اختفى خلفه هو ولوت فمها بقرف محاولة التغاضي عن عبارته. *** داخل منزل إبراهيم الصاوي..... كانت إخلاص في طريقها لغرفة الجلوس لتتحدث مع زوجها لكنها سمعت صوت عفاف وهي تتحدث في الهاتف داخل المطبخ. فتحركت ببطء إليها حتى تستمع لحديثها وهي تقول بضحكة شيطانية:

_لا ياما متقلقيش، بعدين أنتي فكراني هسيبها تاخد حاجة هي وعيالها. إبراهيم في يدي من زمان ومبيقدرش يرفضلي طلب من كتر حبه ليا، وأقدر بسهولة أخليه يكتب كل حاجة باسمي أنا وولدي. ضغطت إخلاص على قبضة يدها بقوة محاولة تمالك أعصابها حتى سمعتها تكمل بسخرية: _إخلاص فاكرة روحها هتقدر عليا ولا هخاف منها، ده أنا بصباع واحد مني إبراهيم يطلقها ويرميها في الشارع. فاض كيلها فاندفعت لداخل المطبخ ثائرة وهي تهتف متوعدة:

_تعالي وأنا أوريك هقدر عليكي ولا لا يا ولية ياناقصة! لم تمهلها اللحظة حتى لتجيب حيث انقضت عليها فسقطت عفاف فوق الأرض وإخلاص كانت فوقها تجذبها من شعرها وتضربها صائحة: _ده أنا اللي هخلص عليكي واصل وأرميكي برا بيتي يا*****! خدتي جوزي مني وضيعتيه بشرك وكمان عاوزة تلهفي حق عيالي!

دخل إبراهيم من باب المنزل وكان في طريقه لغرفة عفاف بالأعلى لكنه توقف عندما سمع صوت صراخها داخل المطبخ فهرول مسرعًا لها. لكن تسمر مكانه عندما رأى إخلاص فوقها وهي تنتف خصلات شعرها دون رحمة فركض نحوها وأبعدها عنها صائحًا بعصبية: _إيه اللي بتعملوه ده؟ اتجننتوا ولا إيه؟ حاولت إخلاص التملص من قبضته وهي تصرخ به بحرقة: _ضيعت روحك عشان دي ياريتها تستاهل.. سمعت للعقربة دي لغاية ما خلتك تقتل ااا.....

كتم إبراهيم على فمها بسرعة في عينان متسعة وهتف بنظرة مخيفة ومحذرة: _اقفلي خشمك ده قبل ما أقطع نفسك واصل، أنا مش قايلك تنسي اللي سمعتيه ومتجيبيش سيرته تاني. كانت عفاف تنقل نظرها بينهم في ذهول وعدم استيعاب ثم سألت إبراهيم بتوتر: _هي عرفت منين يا إبراهيم؟ إبراهيم بعصبية: _مش وقته يا عفاف.. ده اللي ناقص نتكلم ونحكي في المطبخ إهنه كمان. ثم تابع بلهجة آمرة لهم: _يلا كل واحدة تطلع فوق على أوضتها، مش عاوز أشوف خلقتكم.

أول من اندفعت للخارج ثائرة كانت إخلاص ثم لحقت بها عفاف فبقى هو بمفرده يمسح على وجهه ويتأفف بغضب. *** داخل منزل خلود أو بالمعنى الأدق منزل سمير... كانت تجلس فوق الفراش في غرفة نومها وهي تبكي بصمت ضامة ركبتيها لصدرها. منذ ليلة زواجهم وهو تركها ورحل وإلى الآن لم يعد. هاهو اليوم الثاني الذي تقضيه في هذا المنزل بمفردها وهو لم يهتم حتى ليسأل عنها ويطمئن عليها. تركها كمن يترك حيوان لا يريده.

عيناها بدأت تنغلق وحدها بسبب شعورها الشديد بالنعاس. فقد كانت تحرم نفسها النوم متألمة أن يعود ولكنه لم يعد منذ الأمس. فجأة انتفضت عندما سمعت صوت باب المنزل فوثبت واقفة من فراشها وهرولت ركضًا للخارج وهي تبتسم بفرحة أنه عاد أخيرًا. لكن ما رأته جعلها تتجمد مكانها دون حركة فاغرة شفتيها وعيناها. كأن دلو من المياه المثلج سكب فوقها ولوهلة أحست بقلبها سيتوقف من فرط صدمتها بها وهي تراه بداخل المنزل مع فتاة بين ذراعيه ويضحكان وسط كلماته المنحرفة لها وقد لاحظت أنه أيضًا ثملًا.

فهتفت بصوت موجوع: _سمير مين دي؟ رفعت الفتاة نظرها لسمير وهي تضحك وتقول بوقاحة: _دي مراتك اللي قولتلي عليها، مش كدا؟ رد بقرف وهو يهز رأسه بالإيجاب: _امممم للأسف. تقدمت تلك الفتاة في مياعة من خلود حتى وقفت أمامها ورفعت كفها تصافحها وهي تقول: _ازيك، أنا مريم، وحفاظًا على مشاعرك وكده اعتبريني صحبة سمير فقط. رمقتها خلود شزرًا ودفعت يدها بعيدًا عنها باشمئزاز ثم اندفعت نحو زوجها تصرخ به في غضب:

_مشّي اللي جايبها معاك دي من بيتي يا سمير بالذوق. رفع تعالي معايا برا يلا عشان خاطري تعالي. ألقي نظرة نارية على خلود المنكمشة على نفسها في الأرض وتبكي وترتجف بعنف، ثم غادر الغرفة مع فتاته وهو مستمر في نعتها بأقذر الألفاظ. داخل منزل عمران بالقاهرة. سمعت آسيا صوت رنين هاتفها، فمدت يدها للمنضدة القريبة من الفراش والتقطته. راحت تقرأ اسم المتصل الذي كان أمها، فبقيت تحدق في الشاشة لوقت مترددة، حتى حسمت قرارها ورفعت

الهاتف لأذنها ترد بجفاء: _الو. تهللت أسارير جليلة فور سماعها لصوت ابنتها، فراحت تهتف بفرحة وتلهف: _آسيا كيفك يابتي طمنيني عليكي. أجابت عليها بجمود تام: _كويسة الحمدلله. جليلة باهتمام شديد وقلق أمومي: _منتظمة في علاچك وبتعملي الجلسات ولا لا؟ وكيف رچلك دلوك اتحسنتي شوية؟ سألت أكثر من سؤال واحد في نفس الوقت والجملة من فرط قلقها، مما جعل آسيا تتأفف مغلوبة لا تدري على أي سؤال منهم تجيب. لكنها بالنهاية ردت في تلقائية:

_بقيت أحسن الحمدلله دلوك يام... بترت عبارتها قبل أن تكملها عندما انتبهت أنها ستتفوه بكلمة "أمي". وعادت بسرعة تعدلها في قسوة وهي ترد: _اطمني ياحجة جليلة أنا بخير. رغم الوجع الذي ضرب بقلبها بعدما نادتها بـ "حجة جليلة"، لكنه لم يمحِ فرحتها بأنها تتحدث معاها لأول مرة منذ شهور، وكانت على وشك أن تلفظ بكلمة "أمي". وكانت على وشك أن تجيبها محاولة فتح موضوع جديد، لكن سمعت الرد المفحم من آسيا وهي تقول:

_أنا هقفل عشان تعبانة وعاوزة أنام. تصبحي على خير. عبست جليلة وردت على ابنتها بحزن: _وانتي من أهله يابتي. أنهت آسيا الاتصال فوراً وألقت بالهاتف على الفراش بجانبها، ثم انهارت في البكاء وهي تخفي وجهها بين راحتي كفيها. استمر بكائها الشديد لدقائق طويلة حتى توقفت وتمددت على الفراش تضع رأسها على الوسادة مغلقة عيناها تحاول الهرب بالنوم من واقعها، لكن روحها المتألمة لم ترتاح واستمرت دموعها في ذرف الدموع الصامتة فوق الوسادة.

انتهى عمران من عمله داخل غرفته الخاص وخرج، ثم قاد خطواته نحو غرفة نومه حتى يرتاح بعد إرهاق العمل. وعندما دخل وجدها نائمة في الفراش، فتحرك نحو الفراش وتسطح بجوارها مغمضاً عينيه. لكن تسلل لأذنه صوت أنفاسها السريعة وشهقاتها المنخفضة التي أثبتت له أنها تبكي. ففتح عينيه دفعة واحدة واعتدل في نومه ليقترب منها خلف ظهرها ويمد يدها يمسح على شعرها بدفء هاتفاً: _آسيا بتبكي ليه؟ ردت عليه بصوت متحشرج: _مفيش.

امسك بكتفها وأدارها على ظهرها حتى تكون أمام عينيه وهو ينظر لها ويقول بجدية: _مفيش كيف يعني أنتي مش شايفة روحك بتبكي كيف! مالت بوجهها للجانب بعيداً عنه ودموعها تستمر في السقوط دون توقف. حتى وجدته يمسك بذقنها ويديرها له مجدداً هاتفاً بحزم هذه المرة: _إيه اللي حصل.. أكيد مش بسبب المشكلة اللي حصلت الصبح.

تمعنت النظر في عيناه بضعف وتذكرت عبارته لها "حتى لو مطلبتيش أنتي محتچاني بس لساتك مش عاوزة تعترفي". فازداد انهمار دموعها أكثر وسط نظراتها الملتزمة له كأنه الطوق الوحيد لديها للنجاة. أمرها عقلها وسأل قلبها، فلبت الطلب دون تفكير ورفعت نفسها قليلاً لتتمكن من معانقته والقاء نفسها بين ذراعيه ملاذها الآمن وهو تهتف ببكاء:

_أنت عندك حق. أنا محتياك ومحتاجة أحس بيك دايماً چاري ومتسبش يدي عشان كل ما أقع تسندني وأقف على رجلي من تاني كيف ما عملت معايا لما الكل أتخلى عني وأنت الوحيد اللي فضلت چاري وقدرت أقف على رجلي من تاني وأخد حقي بسببك. محتياك ياعمران ومش هقدر أبعد عنك ولا أعيش من غيرك.. اوعى تهملني وتسيب يدي.

بنهاية حديثها كانت البسمة العاشقة تأخذ مجراها فوق ثغره. وذراعيه التفوا حولها بتملك ليضمها لصدره أكثر، ثم ينحني على شعرها يقلبها عدة قبلات متتالية هامساً: _متخافيش ياغزالي أنا چارك ومش هسيبك أبداً. تشبثت به أكثر وهي تستند برأسها فوق صدره الدافيء مغلقة عيناها وتهمس بصوت مبحوح: _من حسن حظي أنك موجود معايا وربنا عوضني بيك.

اتسعت ابتسامته أكثر في غرام وأخذ يوزع قبلاته فوق شعرها وجبهتها مرة أخرى. حتى خرج صوته ماكراً بعدما قرر أن يمنح بعض المتعة والمرح لحديثهم حتى يساعدها على الخروج من حزنها: _أنتي قولتي كل حاجة بس لساتك مقولتيش أهم حاجة. ابتعدت عنه ونظرت إليه بوجه غارق في الدموع تسأل: _إيه هي؟ رفع أنامله وجفف دموعها وهو يبتسم بحب، ثم انحنى على أذنها وهمس بلؤم: _بحبك ياعمران.

اتسعت عيناها بدهشة ورمقته بخجل شديد وتوتر ملحوظ. لكنها حاولت التصرف بالبرود حيث ضحكت بصمت وهي تهز رأسها مغلوبة وترد عليه: _أنت لازم تستغل كل لحظة إكده لمصلحتك أصلًا.. بعدين ليه متقولش أنك أنت اللي ناسي تقول الجملة دي مش أنا. رفع حاجبه وهو يضحك على ردها الذكي ثم هتف غامزة بثقة: _مسيرك هتقوليها وهسمعها ياغزال.. مش هتقدري تهربي مني كتير. ضحكت ورفعت أناملها تمسح عيناها من آثار الدموع جيداً وهي ترد عليه ساخرة:

_هنشوف يامعلم مين اللي هيقع الأول. تمدد على ظهره فوق الفراش ونام، ثم فرد ذراعه له يدعوها للانضمام له والنوم بين ذراعيه هذه الليلة. فرمقته مبتسمة بذكاء وقالت مازحة: _لا بلاش احسن جاذبيتي تأثر عليك وتخليك تعترف. ارتفعت ضحكته الرجولية على عبارتها وبحركة احترافية منه كان يجذبها ويسقطها بين ذراعيه وهو يقول بثقة: _لازم تچربي الأول عشان تعرفي.

هزت رأسها في عدم حيلة وهي تضحك ثم أغلقت عيناها بين ذراعيه تنوي النوم وهي تشعر بملمس شفتيه فوق جبهتها يقبلها بحنو. بصباح اليوم التالي داخل الجامعة. توقفت حور عندما رأت بلال وهو يتجه نحوها. وبسرعة استدارت واتجهت مبتعدة تحاول الهرب منه حتى لا تتحدث معه، لكنه أسرع خلفها شبه ركضاً حتى وصل واعترض طريقها ووقف أمامها يقول مبتسماً بغيظ: _بتهربي مني! هزت رأسها بالنفي في برود وقالت: _لا اهرب منك ليه! تأفف بلال بخنق وهتف برجاء:

_طيب طالما مش بتهربي ممكن نقعد ونتكلم يا آنسة حور؟ طالت نظراتها له وهي تفكر ملياً، ثم تنهدت بنفاذ صبر في الأخير واماءت له بالموافقة. سارت معه إلى مقهى الجامعة ليجلسوا على طاولة صغيرة مقابلة بعضهم وتسمعه يسألها بضيق حقيقي: _هاا أنا سامعك إيه اللي معصبك مني للدرجة دي.

مالت بوجهها في عفوية وهي تتنفس الصعداء بدلال، لكن اشتعلت نظراتها والتهب صدرها بنيران الغيرة مجدداً عندما رأت نفس الفتاة تجلس على مقربة منهم وتنظر لهم، أو بالمعنى الأدق له. فرمقتها شزراً ترسل لها تحذيرات بنظراتها، ثم عادت بوجهها لبلال وهي عبارة عن جمرة من النيران المشتعلة مما جعله يضيق عيناها مستغرباً ذلك التحول المفاجيء ويسألها: _مالك وشك قلب إكده ليه؟ حور في سخط حقيقي:

_أنت بتحقق معايا وبتعاتبني ليه على طريقة تعاملي معاك. رفع حاجبه مستنكراً ما تقوله ورد عليها في استفهام وانزعاج: _قصدك إيه؟ حور بعصبية وجفاء: _يعني أنت ملكش حق يابلال. انفعل وهتف في حدة وغضب: _لا ليا. أنتي عارفة أني متقدملك وأهلك موافقين يعني قريب هتبقي خطيبتي. استقامت واقفة وقالت في ثقة وغطرسة مميزة تليق بها: _أنت لسا متقدمتش ولسا متخطبناش. وثانيا وده الأهم اهلي موافقين بس أنا لسا مقولتش هل أنا موافقة ولا لا.

هب هو الآخر واقفاً وسألها مغتاظاً: _يعني أنتي مش موافقة؟ ابتسمت بخبث وقالت في تدلل: _لما تيجي تتقدم وقتها هتعرف ردي.. ولغاية الوقت ده خليك بعيد عن أي حد أنا مش حابة أشوفك قريب منه عشان ممكن أغير رأي في لحظة يا بلال. وانهت عبارتها وهي تلتفت برأسها للخلف وتنظر لتلك الفتاة. وعندما تأكدت أنه فهم إلى من تنظر تركته وابتعدت. فظل مكانه متجمداً لا يستوعب ما حدث للتو ويتمتم وهو يضحك مندهشاً: _دي بتهددني!!!

انحنى على الطاولة والتقط هاتفه ليضعه في جيب بنطاله مكملاً وهو يضحك بصمت: _معلش يا بلال اعذرها البنت غيرانة.. ماشي يا حور هانم لما نشوف آخرتها معاكي. أنا على آخر الزمن اتهدد وللأسف مضطر انفذ أوامر ست الحسن أحسن ترفضني. فتحت فريال عيناها وهي تشعر بشيء ضخم يقيدها. عندما نزلت بنظرها فرأت ذراع جلال والتفتت خلفها إليه فاغرة شفتيها فوجدته يعانقها من الخلف ونائم. حاولت إبعاده عنها وهي تهزه في كتفه وتهتف بغضب: _چلال بعد عني!

فتح عينيه منزعجاً على أثر صوتها المرتفع وضربها له في كتفه وهو يقول بخنق: _في إيه.. هي الناس بنصحيها بالطريقة دي!!! ابعدته عنها وهي تقول ساخرة بغيظ: _بعد اللي أنت عامله ده هصحيك ازاي يعني. أدرك وضعهم كيف كان وهو يحتضنها، فرفع يده يفرك عيناه ويمسح على شعره هاتفاً ببرود: _أكيد أنا ونايم حضنتك.. متقلقيش يعني لو كنت واعي مكنتش هعملها. اتسعت عيناها وبـلحظة التهب صدرها واشتعلت نيرانها فصاحت به غاضبة:

_ومتعملهاش ليه عاد.. ولا أنت بس بتتچوز عليا وتقضي الليالي في حضن العقربة دي لكن فريال لا. حدقها مزمجراً وصاح بها منفعلًا في عصبية: _چرا إيه هو الخناق طب معاكي على الصبح.. ما تخلينا نصطبح كيف الناس الطبيعية. فريال ساخرة: _كيف ما قولت الناس الطبيعية.. أنت شايفنا طبيعين!! هتف بلهجة استهزاء تحمل سخطه الحقيقي:

_لا عندك حق احنا مش طبيعين.. احنا ملبوسين. شوفي ليكون لسا في عمل تحت السرير تاني ولا حاجة اصل اللي أنتي بتعمليه ده شغل شياطين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...