الفصل 13 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
23
كلمة
4,494
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

كانت ملقية فوق الأرض فاقدة لوعيها والمياه تملأ أرضية الحمام كله. التفت برأسه تجاه صنبور المياه المفتوح وأسرع يغلقه بسرعة. ثم تقدم نحوها وانحنى يحملها فوق ذراعيه ويسير بها مغادرًا للخارج. وضعها فوق الفراش ثم أخذ يهز رأسها بلطف هاتفًا: آسيا.. آسيا! لاحظ شحوب وجهها وجسدها المثلج بسبب ملابسها المبتلة وشعرها. احتار فيما سيفعله فراح يكمل محاولاته لإيقاظها.

حتى أنه جلب عطره الرجولي ونثر منه على يده وقربها من أنفها وسط منادته لها باسمها على أمل أن تفتح عينيها لكن دون جدوى. استحوذ عليه القلق من حالتها وأخذت الوساوس تنهش بعقله. فانتصب في وقفته وراح يمسح على شعره نزولًا لوجهه ولحيته وهو يزفر بقلق وحيرة. قذفت بعقله فكرة فأسرع للخارج يسرع في خطاه تجاه غرفة شقيقته. وقف أمام غرفتها وأخذ يطرق على الباب بهدوء وهو يهتف: فريـــال

لم يحصل على إجابة منها فراح يعيد طرقه مجددًا لكن الإجابة كانت نفسها. حسم قراره وفتح الباب فوجدها نائمة في فراشها. تقدم نحوها وانحنى عليها يهزها برفق شديد ويهمس: فريال اصحي.. فريال فتحت عيناها بنعاس وحين اتضحت صورة أخيها أمامها وثبت جالسة مفزوعة تسأله: في إيه ياعمران.. حد چراله حاچة؟ قال بلهجة جادة وهو ينتصب واقفًا ويجذب حجابها من على طرف الفراش ثم يناوله لها هاتفًا: البسي طرحتك وتعالي ورايا بسرعة.

سقط الرعب في قلبها من حالة شقيقها القلقة التي لم تعتاد عليها وظنت أن كارثة وقعت. فهبت واقفة من الفراش بسرعة وألقت بحجابها بعشوائية فوق شعرها واسرعت خلفه شبه ركضًا. وحين رأته يتجه نحو غرفته ضيقت عيناها باستغراب. لكن فور دخولها ورؤيتها لآسيا بهذه الحالة شهقت بهلع وقالت وهي تنظر لأخيها بصدمة: عملتلها إيه ياعمران؟ احتدمت نظراته على أثر عبارتها فهو لم يكن بحال يمكنه من تحمل كلمة واحدة بسبب قلقه. أجاب على شقيقته بغضب:

هكون عملتلها إيه يعني هو أنا چايبك عشان تقوليلي الكلمتين دول يافريال.. غيرليلها هدومها لغاية ما اتصل بالدكتور عشان ياچي يشوفها. تعجبت من عصبيته وطلبه فقالت بعدم فهم: هو إيه اللي چرالها؟ عمران بإيجاز وانفعال نابع من اضطرابه: معرفش يافريال مش وقته دلوك.. اعملي اللي بقولك عليه قبل ما ياچي الدكتور. لم تجادل معه أكثر وامتثلت لأوامره بصمت ثم اسرعت تفتح خزانة الملابس تبحث عن ملابس لها بعدما انصرف هو ليستدعي الطبيب هاتفيًا.

راحت تبحث بالخزانة كلها ولم تعثر على أي شيء يعود لها. فقط ملابس وأشياء أخيها بالخزانة فالتفتت حولها وعثرت على حقيبتها. اتجهت نحوها وفتحتها ثم أخرجت جلباب منزلي باللون الأزرق وتحركت نحو الفراش ثم جلست بجوارها وراحت تحاول إفاقتها لكنها لم تجد فائدة فبدأت في تبديل ملابسها المبتلة. دخل عمران على صوت شقيقته التي تصيح باسمه وحين دخل التفتت فريال له برأسها وقالت: تعالى ساعدني مش عارفة اغيرلها وحدي.

استقرت نظراته الحانقة على زوجته وشقيقته. استدعاها خصيصًا لأنه لا يريد أن يقترب منها ويبدل ملابسها وهي الآن تطلب منه المساعدة. تأفف مغلوبًا واقترب من الفراش يجلس على الجانب الآخر وتولى هو مهمة حمل آسيا. وكانت فريال تتولى المهمة التي تهرّب منها ومازال يتهرّب حيث كان يشيح بوجهه للجانب الآخر رافضًا النظر إليها. لا يعرف كيف تحكم بذاته وصمد دون أن ينظر رغم فضوله وغريزته التي كانت تصرخ ليلقي نظرة واحدة فقط.

أما فريال فكانت تلقي نظرة كل لحظة على شقيقها وجهها يعتليه علامات الحيرة من تصرفه. لكن لم يكن الوقت المناسب لمواجهته واكملت ما كانت تفعله. وبعد انتهائها استقام هو واقفًا واتجه نحو الشرفة يتابع الطريق منتظر وصول الطبيب. وبالداخل كانت فريال قد جلبت منشفة صغيرة وأخذت تجفف شعر آسيا المبتل جيدًا ثم لفت الوشاح فوق شعرها ودثرتها بالغطاء. توقفت وكانت على وشك أن تتجه نحو أخيها لكنها وجدته يدخل من الشرفة ويسرع بخطاه

للخارج فسألته باهتمام: الدكتور وصل؟ هز رأسه لها بالإيجاب دون أن يجيب وهو يغادر الغرفة فبقت هي مكانها تنتظر عودته مجددًا. وبعد دقائق معدودة دخل وهو بصحبته الطبيب الذي تقدم من الفراش واقترب من آسيا وبدأ يفحصها. وكان هو يقف يتابع ما يفعله بتركيز وفريال بجواره. انتصب الطبيب في وقفته بعد دقيقتين تقريبًا وقال بجدية تامة: هي ليها قد إي مكلتش حاجة؟ كان الطبيب ينتظر الرد من عمران الذي كانت إجابته بالصمت.

فهو نفسه لا يعرف متى آخر مرة رآها تتناول الطعام فيها. انقذت فريال الموقف حين رأت الصمت والضيق يظهر بوضوح على قسمات وجه أخيها وقالت: ممكن تكون النهاردة مكلتش حاچة يادكتور عشان كانت مضايقة شوية. هز الطبيب رأسه بالرفض وقال بلهجة حازمة: مستحيل يكون النهاردة فقط.. واضح أنها ليها أيام ممتنعة عن الأكل وده سبب هبوط حاد في ضغط الدم عندها. خرج صوت عمران أخيرًا الذي سأل بغلظة واهتمام: يعني هي وضعها صعب ولا إيه يادكتور؟

أجابه بالرفض وبثبات: حاليًا لا.. أنا هكتبلها على علاج تلتزم بيه وهعلق ليها محلول وهتفوق خلال المحلول مع نفسها.. بس قصاد كدا لازم يكون في اهتمام بأكلها ومتهملش في العلاج ولا الأكل لأن لو اتكرر ده تاني وقتها ممكن يشكل خطر ويكون ليه أعراض جانبية. صمت قاتل هيمن عليهم والطبيب كان يغرز أبرة المحلول بيدها في رفق وثبتها جيدًا ثم تركها لكي يسير الدواء بجسدها.

بعدها انتصب في وقفته وكتب العلاج المناسب لحالتها الصحية وتقدم نحو عمران يناوله الورقة فجذبها منه وصافحه مبتسمًا بهدوء وهو يقول: متشكر يادكتور تعبتك معايا. رتب على كتفه بلطف وقال باسمًا وبلهجة صارمة: على إيه ياعمران متقولش كدا يابني.. المهم خلي بالك منها ومن أكلها كويس. أماء له بالموافقة ثم اصطحبه معه للخارج لكي يودعه إلى الباب وفريال أسقطت نظرها على آسيا تتمعنها مطولًا بشك.

هناك أمر خطير لا أحد يعلمه فهذه ليست شقيقة زوجها القاسية التي اعتادت عليها. دقائق وعاد عمران مجددًا للغرفة فوقف بجوار فريال وهو يمسح على وجهه ويتأفف بخنق في صوت عالي ليسمعها تقول برقة: أنا هروح أعلمها أكل على ما تفوق عشان تاكل وتاخد علاچها. التفت لشقيقته وابتسم لها بحب ثم انحنى عليها ولثم رأسها بدفء وبعيناه استقرت نظرة شكر. فبادلته الابتسامة وغادرت لتتركه يتمعن في تلك النائمة على الفراش بسكون.

ولحظات معدودة ثم تقدم نحو المقعد وجلس عليه وهو لا يحيد بنظره عنها. بعد مرور خمس دقائق تقريبًا فتحت عيناها ببطء وسط تأوه متألمًا تخرجه من بين شفتاها فتوقف واقترب منها يجلس بجوارها هاتفًا: إيه اللي واچعك؟ ردت بصوت ضعيف وعينان دامعة من فرط الألم: رقبتي وضهري.. چسمي كله كأنه متكسر آااااه. أصدرت التأوه الأخير عندما حاولت الحركة فأوقفها هو بنبرة قوية: متتحركيش عشان الوچع ميزيدش وعشان في محلول في يدك. نظرت ليدها ثم عادت

بنظرها له وقالت باستغراب: مين اللي حطلي المحلول ده وليه؟ باغتها بنبرته الساخطة والحادة وهو يعنفها بقسوة: وأخرتها معاكي.. مش هتعقلي وتبطلي شغل العيال اللي بتعمليه ده.. إنتي فاكرة نفسك بتعاقبي مين بعمايلك دي.. لما تقعي وتموتي حد هيهمه أمرك ولا يزعل عليكي.. أنتي اللي خسرانة. تقوست ملامح وجهها الهادئة وأصبحت أخرى شرسة بسبب تعنيفه لها وهي لا تفهم ما الخطأ الذي ارتكتبه لتتلقى التوبيخ والعصبية الآن:

أنتي بتكلمني إكده ليه.. أنا عملت إيه! صاح بها بغضب ونبرة تحمل الإزدراء: أنتي مبتعملش حاچة واصل.. أنتي ملاك نازل من السما! لم تفهم ما يلمح إليه وسكتت بعدم فهم حتى وجدته يكمل بجفاء: مكنتيش بتاكلي ليه.. إيه مكفكيش المصايب اللي وقعت فوق راسي بسببك وبسبب عمايلك عايزة كمان تشيّليني مصيبة تاني. تلألأت العبرات في عيناها على أثر قسوة ما القاه على مسامعها للتو. فاستشاطت غيظًا وصرخت به:

هي فين المصايب اللي وقعت فوق راسك دي.. أنت اللي اتطعنت في شرفك ومحدش من ناسك وقف چارك ولا صدقك وكانوا هيقتلوك.. ولا چوزوك غصب للي كان السبب في موت أبوك ولحد مطيقهوش ولقيت نفسك مرة واحدة لا ليك ضهر ولا سند. سكتت للحظة تلتقط أنفاسها وأكملت صراخها بانفعال:

أنت مخسرتش حاچة.. آخرة ما تغلب هتطلقني وهتروح تتچوز تاني وتكمل حياتك عادي.. ولما أموت مش هتكون في مصيبة بالعكس هترتاح مني.. بس صدقني حتى شعور الراحة ده مش هناولهولك ياعمران عشان متستهالهوش.. وقريب قوي هاخد حقي منكم كلكم وخليك فاكر حديتي ده زين. رمقها بنظرة نارية مشتعلة وهو يضغط على قبضة يده بقوة محاولًا تمالك أعصابه.

كان منظر وجهه مخيف من فرط احتقان الدماء به ولولا أنها مريضة لكانت شهدت على إحدى حالاته المرعبة التي تخشاها. فتحت فريال الباب ودخلت وهي حاملة الطعام فوق يديها. وقد وصلت بالوقت المناسب بالضبط لتمنع الحرب التي على وشك الإندلاع بينهم. حيث تقدمت نحو الفراش وجلست بجوار آسيا من الجانب الآخر وهي تضع صينية الطعام بالمنتصف متمتمة بلطف: كويس إنك فوقتي.. أول ما يخلص المحلول تاكلي عشان تاخدي العلاچ.

استقرت آسيا بنظرها على الطعام مندهشة أن فريال هي من اهتمت لأمرها وحضرت الطعام لها. فرمقتها مطولًا بنظرة غامضة لم تفهمها الأخرى. ثم شاحت بوجهها بعيدًا وقالت في خنق: معاوزاش آكل يا فريال شكرًا. سمعت نبرته الغاضبة وهو يلقى بأوامره في صوت مرعب: هتطفحي غصبن عنك. طالعته آسيا بعين ملتهبة وقالت بعناد دون خوف: وأنا قولت مش هاكل ملكش صالح بيا. جز على أسنانه بغيظ وقال بصوت محتقن محاولًا الحفاظ على هدوءه المزيف:

أنا حايش نفسي عنك بالعافية عشان تعبانة بلاش تنرفزيني. صرخت بعدم مبالاة وشراسة تليق بها وهي تنظر في عيناه هذه المرة دون خوف: وأنا مخيفاش منك.. بعدين إيه اللي مقعدك چاري.. قوم معاوزاكش ولا عاوزة اشوفك. كانت فريال تنقل نظرها بينهم في صدمة. كانت تتساءل كيف تتعايش آسيا مع أخيها وهاهي الآن تفهم كيف يتعايشون. بعد جملتها الأخيرة شعرت أن عمران على وشك الإنفجار فاسرعت واقفة واتجهت نحو أخيها تمسك بيده هاتفة

في نعومة محاولة تهدأته: خلاص ياعمران قوم وهملنا لحالنا وأنا هخليها تاكل.. قوم ياخوي عشان خاطري. القى على آسيا نظرة محتقنة بالدماء قبل أن يستقيم واقفًا ويغادر ليتركهم كما ترجته شقيقته للتو. دام السكون بين آسيا وفريال التي كانت تتمعن في الأخرى بتدقيق واستغراب. بعقلها يدور ألف سؤال ولا تجد أجوبة لهم. لكنها متيقنة أن هناك أمر يخفونه عن الجميع وليس مجرد زواج من أجل فض النزاعات بين العائلتين.

هي تعلم زوجها جيداً وليس لديها شك في أنه لن يسمح أبداً أن يلقي بشقيقته في الجحيم ويضحى بها، لكن من الواضح أنه حدثت كارثة ولذلك الأحداث تطورت بكل هذه السرعة. كان كل هذا يدور بعقل فريال وهي تنظر لآسيا التي تتحاشى النظر عنها وكأنها تخفي ما ستفهمه فريال إذا نظرت لعيناها. لكن بالنهاية تنفست الصعداء وقالت بجدية: _كلي يا آسيا. قالت بغضب دون أن تنظر لها: _قولتلك مش هاكل يافريال. شيلي الوكل ده من قصادي.

انزعجت وهتفت بحدة توبخها: _إيه شغل العيال اللي بتعمليه ده؟ الدكتور قال إنك ليكي أيام مبتاكليش وعشان إكده چالك هبوط. ولو فضلتي على الحال ده كتير مش هتقدري تقفي على رچلك بعد إكده. كلي وبلاش عند. فقدت زمام التحكم بدموعها وانهمرت عبراتها فوق وجنتيها أمام فريال التي زفرت بضيق وقالت بإشفاق في نبرة لينة بعدما ظنت أن حزنها وسخطها بسبب معاملة أخيها لها:

_لو مضايقة من عمران متزعليش. هو كان قلقان عليكي ولما عرف إنك مبتكاليش يمكن عشان إكده اتعصب. لكن أنتي مشوفتهوش كيف كان منظره لما جه يصحيني عشان اشوفك واغيرلك هدومك قبل ما ياجي الدكتور. لفت انتباهها أكثر عبارتها الأخيرة، فنظرت لها وقالت بتعجب: _تغيريلي هدومي!! قالت فريال ببساطة وهي توضح لها أكثر بكل عفوية: _أيوة هدومك كانت كلها مايه وغيرتلك. بس ندهت عليه عشان يساعدني. مكنتش عارفة اغيرلك لحالي.

انتفضت آسيا جالسة واتسعت عيناها بذهول وهي تسألها بعدم استيعاب: _ندهتي على مين؟ أدركت فريال ما تفوهت به للتو، فابتسمت على أثر ردة فعلها وقالت بكل هدوء: _عمران يعني. هنده على مين! لمعت عيناها بوميض مخيف واستشاطت غيظاً، فراحت تصيح بفريال في استياء: _وأنتي تندهي عليه ليه يافريال؟ ليه عملتي إكده! ضحكت فريال بخفة وقالت ببرود وهي تتابع انفعالات وجه الأخرى: _وفيها إيه يعني؟ هو أنا قولت لحد غريب؟ ده چوزك. انفعلت وصاحت

بغضب دون وعي لما تتفوه به: _لا مش چوزي وقريب هطلق منه كمان عشان ميفضلش حاچة واصل تربطني بيه. رمقتها فريال مطولاً بتركيز ونظرات تحمل الشك والحزم، بينما الأخرى فراحت تهمس بصوت منخفض لكنه مسموع: _طبعاً هو ما صدق ولقيها فرصة ميغيرليش ليه. ماشي ياعمران. قالت فريال بنبرة منزعجة:

_أنا مش لادد عليا موضوع چوازكم اللي عشان الصالح ده. ولو مكنش چلال چوزي يمكن كنت صدقت. لكن أنا أعرف أخوكي أكتر منك وباين أن حصلت حاجة كبيرة قوي عشان إكده اتچوزتي عمران. واللي في وشك ده بيثبت كلامي. وأنا عارفة إني لو سألتك دلوك مش هتچاوبيني. بس مسيره يچي يوم وتقوليلي بنفسك يا آسيا. رمقتها آسيا بقوة وعنجهية وهي تقول: _وأقولك بنفسي ليه؟ فريال بنظرة كلها ذكاء:

_عشان أنا الوحيدة اللي في البيت ده اللي هتقدري تتكلمي معاه. وأنتي عارفة زين أن محدش غيري هيقف چارك. ولا حتى عمران طول ما أنتي بتعاندي معاه وبتكسري كلمته. حدقتها باستغراب وقالت بدهشة: _وأنتي إيه اللي يچبرك تقفي چاري؟ تنهدت بعمق وقالت في وداعة: _رغم كل اللي كنتي بتعمليه معايا معرفاش اكرهك. وأحيانًا بعذرك لأني عارفة أنتي كيف كنتي متعلقة بأبوكي. وعارفة أن چواكي صافي وأطيب من الكل رغم القسوة اللي بتظهريها لينا.

لمعت عيناها وتلألأت بهم العبرات وهي تجيب على فريال بمرارة: _محدش وقف چاري والكل اداني ضهره واتخلى عني. هتقفي أنتي چاري! هزت فريال كتفيها بجهل وردت مبتسمة: _چربي وشوفي مش هتخسري حاجة. أشاحت بوجهه للجهة لأخرى وهي تبكي بصمت، بينما فريال فتنهدت واستقامت واقفة وهي تربت على كتفها بلطف متمتمة: _أنا همشي وأنتي اسمعي الكلام وكلي عشان مصلحتك. الحزن والضعف مش لايق عليكي. متخليش حد يشمت فيكي.

أنهت عبارتها الأخيرة واستدارت تسير تجاه باب الغرفة وانصرفت تترك آسيا تنظر للباب مكان أثرها وهي تبكي بحرقة. كلما تتذكر عائلتها يتمزق قلبها أرباً من القهر والألم. *** داخل منزل خليل صفوان تحديداً بغرفة جلال...

فنح جلال عيناه دفعة واحدة مستيقظاً من نومه بعدما كان غارق بأعماق حلم تشاركه به زوجته. نجح عقله في تصوير الواقع الذي يريده وهو عودتها له من جديد لتنير عتمة لياليه الوحيدة والبائسة دونها. لكنها هي من أرادت تلك النهاية وحكمت عليهم بالظلام بعدما كانت شمسهم لا تغرب.

التفت برأسه بجواره على جانب الفراش الفارغ. ثم أخذ يجول بنظره في أرجاء الغرفة. لا يعرف عن ماذا كان يبحث وهو يدرك حقيقة عدم وجودها، لكن عيناه تعرض أمامه شريط لطيف وجميل بواسطة عقله وهو يتذكرها عندما كانت تتحرك أمامه كالفراشة. فلمعت عيناه بوميض الشوق وارتفعت البسمة المريرة على ثغره.

استقام جالساً بعد دقائق وهو يمسح على وجهه بقوة مطلقاً زفيراً حاراً بخنق، ثم هب واقفاً ونزل من الفراش يتجه نحو الشرفة. وقف وثبت نظره على الفراغ أمامه شارد الذهن حتى قذفت بعقله إحدى ذكرياتهم معاً قبل الزواج كان هو يبلغ من العمر عشرين عاماً وهي سبعة عشر.

كان قد انتهى من ارتداء ملابسه وخرج من غرفته ثم قاد خطواته تجاه شقيقته ليسألها ان كانت انتهت أم لا. وقف أمام باب غرفة آسيا ورفع يده ينوي الطرق، لكن صوت فريال بالداخل أوقف يده بمنتصف الطريق. ورغماً عنه استمع لحديثهم وهو يبتسم حيث كانت توبخ آسيا بلطف هاتفة: _ليه قولتليه يوصلنا يا آسيا. ردت شقيقته بكل هدوء ملحوظ في نبرة صوتها: _عشان المشوار بعيد وهناخد وقت يافريال. لكن جلال هياخدنا بعربية أبوي وهنقصر المسافة.

ردت الأخرى بصوت مرتبك: _خلاص أنا مش هروح معاكي. احتدمت نبرة آسيا التي ردت عليها بغضب: _مش هتروحي كيف يعني وليه؟ كله ده عشان چلال هياخدنا! هيمن الصمت على فريال للحظات قبل أن تقول بخجل وتوتر: _أيوة. أنتي مبتشوفيش أخوكي كيف بيبصلي يا آسيا. أنا مبرضاش اقعد معاه في مكان واحد. ضحكت شقيقته وقالت بمكر:

_ده على أساس إنك مبتبصيش يعني وهو بس اللي دايب فيكي. خلي الطابق مستور يافريال ولمي الدور. الشويتين دول تعمليهم على حد غيري. لكن أنا فهماكي زين أنتي وهو. انتصب هو في وقفته وتنحنح برجولية وهو يبتسم ثم طرق الباب بلطف. وكانت فريال هي التي اسرعت للباب تفتح بكل عفوية، لكن تسمرت حين رأته أمامها وشعرت بالبرودة تصعد لإطرافها من فرط الخجل والتوتر، بينما هو فثبت نظره عليها وابتسم بساحرية وهو يقول: _كيفك يافريال؟ اجفلت

نظرها عنه بخجل وردت بخفوت: _زينة الحمدلله. طالت نظرته العاشقة لها ثم انتزع عيناها عنها بصعوبة متحكماً بسيل مشاعره الجارف. وتطلع لشقيقته التي تقف أمام المرآة وتلف حاجبها فوق شعرها، ثم سألها: _لسا مخلصتيش يا آسيا؟ ردت بسرعة وهي تحاول أن تسرع: _لا خلصت. هلبس الطرحة وهنحصلك طوالي ياچلال. صمت ولم يتفوه ببنت شفة، ثم القى نظرة جميلة على فريال قبل أن يستدير ويغادر لينتظرهم بالأسفل.

فاق من شروده والحال أن نفس البسمة عادت تحتل صفحة وجهه مجدداً لمجرد تذكره لها فقط. تلك الظروف القاسية أصدرت مرسوم بإعدام ذلك العشق والفراق هو نهايته. لكنها مهما حاولت لن تتمكن من نزع شوقهم وغرامهم لبعضهم الذي تضمره قلوبهم. ليت كل شيء لم يحدث. ليتها الآن نائمة بين ذراعيه ليشبع قلبه طول الليل من تأملها وتخلل عبق رائحتها الجميلة لنفسه الضائعة. ليت! .... ***

مرت تقريباً ساعة منذ رحيل فريال وهو لم يعود لها إلى الآن، فبقت بمفردها تتمعن بسقف الغرفة فوقها وهي شاردة الذهن تتذكر كل شيء متعلق بعائلتها وأبيها ولحظاتهم الجميلة معاً. ثم تذكرت كيف انتهى بها الامر وحيدة دونهم وهم يبغضونها ولا يرغبون في التطلع لوجهها حتى. فقط بسبب كذبة خلقتها تلك الشيطانة ابنة عمها واتهمتها بذنب لم تقترفه دمرت حياتها كلها على أثرها.

لم تملس الطعام منذ أن جلبته فريال. كانت تضع فوق الصحون صحون أخرى تحمي بها الطعام من أي ملوثات ولكي لا يفسد. بينما آسيا فكانت عيناها عالقة على زجاجة المحلول تنتظر انتهائها لكي تنزع تلك الابرة عن يدها. رفعت رأسها للزجاجة فوجدتها انتهت. تنهدت الصعداء بقوة واعتدلت في نومتها ببطء، ثم راحت تمد يدها للأبرة لكي تنزعها، لكن توقفت على أثر صوت الباب الذي انفتح وظهر عمران من خلفه أخيراً.

رمقته بنظرة جامدة للحظة قبل أن تشيح بوجهها وتعود ليدها تحاول نزع الابرة، لكن صوته الرجولي أوقفها: _بتعملي إيه؟ ردت وهي تكمل محاولاتها: _بشيل الابرة من يدي. المحلول خلص. تنهد بقوة ثم تقدم نحوها وجلس بجوارها على حافة الفراش، ثم أمسك بكفها وهو يقول: _مش هتعرفي تشليه لحالك. انتفضت على أثر لمسته وانتشلت يدها بعنف من قبضته صائحة: _بعد متقربش مني ولا تلمسني.

استقرت في عيناه نظرة قوية على أثر نفورها ورفضها. لا تنكر أن تلك النظرة أخافتها قليلاً وهدأت حدة ملامحها بسبب الخوف. لتسمعه يقول بلهجة لا تقبل النقاش: _هاتي يدك.

حدقته مطولاً بتردد. ترفض خنوعها له وتتمنى لو تتمكن من مجابهته، ولكن هيهات. فاثرت بالنهاية الاستسلام ومدت يده مجبرة ليمسك هو بها ويبدأ في نزع الأبرة عنها بطريقة خاصة. شعرت بوغزة بسيطة لحظة نزع الأبرة من جلدها، وبعدها فوراً وجدته يضع فوق مكانها قطنة صغيرة لكي تمتص الدماء. ضمت يدها لصدرها بسرعة فور تركه لها وهي تتطلعه بنظرات غائرة. ثم رأته ينظر للطعام ويسألها بحزم: _لساتك مكلتيش؟

كانت ستعترض وتعلن تمردها، لكنها خشيت من مواجهة جموحه ورؤية تلك النظرات المرعبة التي تستقر بعيناه عندما يغضب. لتقول بامتعاض وهي تتفادى النظر إليه: _كنت مستنية المحلول يخلص. لانت حدة معالمه وقال بهدوء وهو يشير على الطعام: _طب كلي يلا عاد.

هزت رأسها بالموافقة في ضيق وبقت ساكنة تنتظر ابتعاده من جانبها، لكنه لم يتزعزع فعلمت أن يريد أن يتأكد بعينه وهو يراها تأكل. زفرت بقوة وانحنت تلتقط الصينية وتضعها فوق قدميها، ثم بدأت بتناول الطعام دون أن ترفع نظرها له. كانت تتفادى النظر إليه عمداً وكلما ترفع عيناها تجده يتابعها بنظرة ثاقبة، فقالت بخنق وتوتر: _قاعد چاري إكده ليه؟ قوم عشان أعرف آكل.

الحال أنه لم يكن يتمعنها هي كما ظنت، بل عيناه فقط كانت ثابتة عليها وعلقه منشغل بالتفكير بأسئلة كثيرة من ضمنهم ذلك السؤال الذي عرضه عليها للمرة الثانية: _مكنتيش بتاكلي ليه؟ قال بسخرية منزعجة: _وكنت هاكل كيف وأنت حابسني في الأوضة. عمران بلهجة مريبة مضيقاً عيناه باستغراب: _يعني أمي مكنتش بتچبلك الوكل لغاية الأوضة إهنه. ابتسمت باستهزاء ونظرت له تقول بقوة: _محدش كان بيچيب حاجة ياعمران.

من وقت ما جيت البيت ده، ماشوفتش حد غير فريال. ومحدش بيدخل عليا الأوضة غيرك. لوى فمه بغيظ، وقد عادت قسمات الغضب تظهر على ملامحه من جديد، لكنه تمالك أعصابه وتصنع الهدوء المزيف ليقول لها بلهجة جادة:

"طيب يا آسيا، مش هقفل عليكي تاني. بس قسمًا عظيمًا لو شيطانك وزّك تكرري اللي عملتيه قبل كده تاني، مش هيطولك مني مجرد كام بصة ولا كام كلمة وتهديد بس لا أكتر. وأعملي حسابك من بكرة هتنزلي تاكلي معانا على السفرة، مهتقعديش وحدك تاني." باغتته برد مطيع دون أن تبدي أي ردة فعل معارضة، حتى بمجرد نظرة: "ماشي." غضن حاجبيه بحيرة، وتمعنها بتدقيق في شك من ذلك التحول المريب، بينما هي فردت عليه ببرود: "بتبص كده ليه؟ قلتلك ماشي."

كان رده عليها بالصمت، وطالت نظرته لها قبل أن يستقيم واقفًا ويتركها متجهًا للحمام لكي يأخذ حمامًا دافئًا قبل أن يخلد للنوم. وأكملت هي تناولها للطعام، وبعدما انتهت توقفت، ولفت حجابها جيدًا فوق شعرها، ثم غادرت الغرفة ببطء بسبب تعبها، وهي حاملة الصينية فوق يديها، واتجهت بها للطابق الأرضي حيث يقع المطبخ.

خرج من الحمام بعد دقائق طويلة نسبيًا، وهو يرتدي جلبابه الأبيض وشعره الأسود الغزير تتساقط منه قطرات المياه. حين وقع نظره على الفراش ولم يجدها، فتطلع نحو الباب بتلقائية، ووجده مفتوحًا. اندفع للخارج بسرعة، يقود خطواته تجاه الدرج قاصدًا الطابق الأرضي.

بتلك اللحظات، كانت هي بطريقها للغرفة مجددًا، لكن داهمها دوار عنيف، واختل توازنها على أثره، وكانت على وشك السقوط من الدرج لولا أنها استندت بكفيها وجسدها على الحائط، مغمضة عينيها بتعب شديد واضح على ملامح وجهها الذابلة. وقف هو للحظة عندما رآها بهذه الحالة، ثم اقترب منها ووقف بجوارها، يحاوطها بذراع من خصرها، وبالأخرى يمسك بيدها لكي يسندها ويساعدها على الوقوف والصعود معه لغرفتهم، وسط صوته الرجولي وهو يعنفها بلطف:

"إنتي إيه اللي نزلك أصلًا؟ ردت بصوت يسمع بصعوبة، وهي لا تقوى على فتح عينيها حتى: "نزلت أودي الوكل في المطبخ." تنهد مغلوبًا وقال بهدوء في لهجة جادة: "طيب اسندي عليا واطلعي على مهلك." نفذت ما قاله دون وعي، فكانت ترى أمامها بصعوبة أساسًا. ألقت بحمل جسدها كله عليه، حتى أن رأسها ألقتها على صدره، مغمضة عينيها. فكانت تشعر وكأن كل شيء يدور بها في حركة دائرية، ولو تركت يده أو ابتعدت عن صدره للحظة، ستسقط من فوق الدرج بأكمله.

صعدت معه درجات السلم ببطء شديد، لكنه توقف عندما رأى أمه أمامه. وقفت تتطلع لآسيا بنقم، واغتاظت حين رأتها بين أحضان ابنها هكذا، فقالت ساخرة: "مالها دي؟ تطلع عمران لأمه بغضب بسيط، وقال بنظرة ذات معنى: "تعبانة يا ماما." رمقت آسيا بقرف، وقالت بانزعاج مستنكرة: "وواخدها في حضنك كده ليه؟ ما تسيبها تطلع لحالها، ولا هي اتكسحت خلاص!

كانت آسيا تستمع لكل ما تقوله، لكنها لم تكن بحالة تمكنها من المواجهة والوقوف بشموخ أمام تلك المرأة، فتجاهلت الأمر مؤقتًا، وبقت متشبثة بذراعين زوجها. أما هو، فرمق أمه بحزم، وقال في نبرة رجولية غليظة: "تصبحي على خير يا ماما.. بكرة نبقى نتكلم على رواق." لم يمهلها اللحظة لتجيب عليه، حيث أكمل طريقه هو وزوجته تجاه غرفته، وبقت إخلاص مكانها تتطلع في آسيا بحقد وغيظ.

دخل الغرفة، واقترب بها من الفراش، ثم تركها لتتسطح هي بجسدها عليه في رفق، مغمضًا عينيه. وبعد دقيقتين تقريبًا، سمعته يقول بنبرته المميزة: "اشربي وخدي العلاج، قومي يلا."

فتحت عينيها ببطء، واعتدلت في نومتها بصعوبة، ثم جذبت كوب الماء من يده ومعه أقراص الدواء الخاص بها، وابتلعتهم مع الماء، ثم عادت تتمدد مجددًا على الفراش، وجذبت الغطاء تتدثر به، مغلقة عينيها بتعب. وما هي إلا لحظات قليلة حتى غطت بسبات عميق. فابتعد هو عنها، وأجرى مكالمة ضرورية بخصوص العمل، ثم عاد مجددًا الفراش، وتسطح بجسده القوي بجوارها على الجانب الآخر، وأغلق عينيه بإرهاق، تاركًا جسده وعينيه تنعمان بقليل من الراحة بعد ذلك اليوم الطويل والحافل بالأحداث.

*** بصباح اليوم التالي..... نزل عمران الدرج، وقاد خطواته لخارج المنزل لكي يغادر ويتجه لعمله، لكنه توقف بمنتصف الطريق، والتفت براسه تجاه المطبخ، وغير وجهته ليتحرك نحوه. حين دخل، وجد أمه كما توقع، كانت تقوم ببعض الأعمال اليومية بالمطبخ، وفور رؤيتها له، ابتسمت باتساع، وقالت بوجه مشرق: "صباح الخير يا غالي." اقترب منها وانحنى عليها يلثم رأسها بحنو، متمتمًا في نبرة لا تبدو طبيعية بل منزعجة: "صباح النور يا ماما."

رمقته بتعجب، وقالت في قلق وفضول: "مالك يا ولدي؟ في حاجة مضيقاك ولا إيه؟ بت خليل عملت حاجة؟ كان رده بالصمت لبرهة من الوقت، قبل أن يقول بنظرة غاضبة ومعاتبة: "أنا مش قلتلك لما أكون مش موجود تطلعي الوكل ليها يا ماما في الأوضة! حين انحرف مجرى الحديث لتلك النقطة، تهجم وجهها، ولوت فمها بخنق، وهي تتحاشى النظر لابنها، التي استاء أكثر وهتف:

"سايباها ليها تلات أيام من غير وكل يا ماما، وأنا عشان مش قاعد مش حاسس بحاجة.. امبارح طبت واقعة وجبتلها الدكتور." قالت إخلاص بقسوة وقرف: "عاوزة تاكل يبقى تنزل تقعد معانا على السفرة، مش هنطلع ليها الوكل في الأوض كمان كيف بنات البشوات." عمران بنبرة مخيفة وبشائر غضب حقيقي: "أنا اللي كنت مانعها ما تنزل، واتكلت عليكي وقلتلك تطلعي ليها الوكل، ودي كانت النتيجة." انفعلت إخلاص وهتفت في ابنها بقوة:

"طول ما أنت بتديها وش، هتقعد وتدلدل رجليها، ومهتعرفش تمسك عيارها البت دي. لازم تتربى زين." هتف بسخط وحدة مرعبة: "دي مرتي أنا، ولو حد هيربيها ولا هيشد أو يرخي، فهو أنا يا ماما، ومحدش له صالح. أنا عارف هعمل معاها إيه زين." ضحكت باستهزاء، وقالت في غيظ وغل: "مهو واضح بتربيها زين قوي.. بعد اللي شفته امبارح وأنت واخدها في حضنك، مبقتش عارفة مين اللي هيربي التاني."

صر على أسنانه بغيظ من عبارة أمه الأخيرة، محاولًا تمالك زمام انفعالاته، ليقول بالأخير في نبرة منذرة ونظرة تنضج بالانزعاج الحقيقي: "ملكيك صالح يا ماما ومتدخليش." اتسعت عيني إخلاص، وقالت بدهشة وقهر: "بتقف قصادي وبتعاديني عشانها يا عمران.. دي مكملتش أسبوع." استغفر ربه بخنق، ورد بنبرة لانت حدتها وأصبحت حانية بعض الشيء:

"مقدرش أقف قصادك ولا أعاديكي يا ماما، لا عشانها ولا عشان غيرها. مفيش حد يتقارن بيكي يا ست الكل، بس أنتي كنتي غلطانة، وأنا بعرفك غلطك." ما زال الضيق والحزن يعتلي معالم وجهها، وكأنها لم تقبل اعتذاره، فضمها لصدره، ولثم رأسها، وهو يعتذر بصدق هذه المرة، وندم:

"حقك عليا متزعليش، والله ما كنت أقصد. راعي الضغط اللي أنا فيه يا ماما، ما بين الشغل وبينكم وبين آسيا، وامبارح كنت واصل لآخري، وهي زودت عليا لما لقيتها واقعة في الحمام. متزعليش مني، ده أنا ماشي برضاكي عليا ودعواتك." لان قلبها، ولم تتمكن من الصمود أمام حنانه ودفء كلماته، فقالت مبتسمة بحب أمومي نقي: "مش زعلانة منك يا حبيب قلبي. روح على شغلك عشان متتأخرش، ربنا ينورلك طريقك ويوقفلك ولاد الحلال."

ابتسم لها بساحرة، وقال بنظرة تفيض دفئًا: "كده أنا أمشي وأنا مرتاح بعد الدعوتين دول. ربنا يباركلي فيكي يا ست الكل. عاوزة حاجة مني قبل ما أمشي؟ قالت باسمة بحب: "عاوزة سلامتك يا غالي." قبلها من رأسها للمرة الأخيرة، قبل أن يستدير وينصرف، ليتركها متصلبة مكانها، وقد لمعت عيناها بوميض الوعيد لآسيا. ستعاقبها على ما حدث بينها هي وابنها الآن بسببها. ***

داخل حرم الجامعة، تحديدًا بالمقهى الصغير الخاص بالكلية، كانت تجلس هي بجوار صديقتها يتبادلون الأحاديث المختلفة حول الدراسة وحياتهم الخاصة أيضًا. لكنها توقفت عن الكلام فجأة حين سقطت عيناها عليه وهو يسير متجهًا للخارج. فتجمدت ملامح وجهها، واستحوذها الهيام الكامل وهي تتابعه دون وعي منها. فقد شعرت بدقات قلبها تسارعت تلقائيًا عندما رأته، كيف ولماذا لم تفهم!

. رغم أنها لم تجمعها معه سوى بعض اللقاءات القصيرة والسريعة، لكنه نجح في سلب تفكيرها منها على الأقل. التفت بلال بمحض الصدفة على الجانب، وحين لمحها، أرسل لها بسمة خافتة في عذوبة كإلقاء تحية، وليته لم يفعلها، فقد بعثر بابتسامته الجذابة ما كانت تحاول إبقائه شامخًا. وبعدما توارى عن نظرها، ارتفعت البسمة تلقائيًا لثغرها الرقيق، ولم تفق من هيامها سوى على صوت صديقتها وهي تهتف بخبث: "مش ده الولد اللي نسي تلفونه برضو؟

انتبهت لعبارة صديقتها، وقالت ببلاهة: "مين ده؟! ضحكت صديقتها عليها، وقالت بغمزة ماكرة: "اللي كان بيضحكلك دلوقتي وأنتي مشلتيش عينك من عليه." تنحنحت حور بارتباك ملحوظ، وقالت بحزم: "لأ طبعًا مكنتش ببص، أنا شوفته بالصدفة لما بصيت، أنت بيتهيألك." قهقهت الأخرى باستمتاع، وقالت بعبث: "اممممم صدفة.. غريبة أوي الصدف دي والله! استقامت واقفة، وقالت بضيق تحاول إخفاء توترها وحقيقة انجذابها له:

"أنا هروح الحمام عشان عارفة إني مش هخلص من تحقيقاتك دي." لم تمهل صديقتها التي تضحك عليها لتجيبها، حتى بل اندفعت مسرعة للخارج نحو الحمام. وحين كانت بطريقها، رأته وهو يتحدث في الهاتف، ثم تحرك وقاد خطواته لخارج الجامعة بأكملها. فوقفت تتابعه بشرود، لكن لفت انتباهها وجود شاب غريب يسير خلفه، وحين دققت النظر به جيدًا، لمحت سكينًا بيده ويحاول إخفائها.

اتسعت عيناها بصدمة، وشهقت برعب، ثم أسرعت شبه ركضًا خلفهم، تحاول اللحاق به قبل أن يصل له ذلك الشاب ويؤذيه. كانت تسرع في خطاها بقدر ما تستطيع، لكن خطواتهم كانت أسرع منها، وكانوا تقريبًا قد أوشكوا على الوصول لبوابة الجامعة. وكان ذلك الشاب بالفعل قد وصل إليه وأصبح خلفه بالضبط. فتوقفت هي مزعورة، ولم تشعر بلسانها سوى وهو يصرخ بخوف: "بــــــلال."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...