الفصل 8 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثامن 8 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
18
كلمة
4,817
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

أخذت عيني جلال تتمعن الصور وأصبعه يقلب بينهم بصدمة. يدقق النظر بالهاتف أملًا في أن يكون ما يراه ليس حقيقيًا أو أن تلك الفتاة ليست شقيقته، ولكن ليته كان كذلك بالفعل. غلت الدماء في عروقه وأظلمت عيناه بشكل مخيف، حتى أن وجهه تلون للأحمر القاتم وباتت هيئته كشبح مرعب تقذف الهلع في قلوب أعتى الرجال. وثب واقفًا وصرخ بخلود هاتفا: _إيه ده! رغم توترها من صرخته بها، إلا أنها استمرت في كذبتها بمهارة وهي تتصنع الأسف:

_ده من يومين أنا طلعت اشتري كام حاجة وشوفتهم بالصدفة وهما إكده وكان كلامهم يعني مينفعش يتقال. صرخت جليلة وهي تلطم فوق صدرها بهلع وعينان دامعة، بينما منصور فاستقام ثائرًا يصرخ بعصبية مخيفة: _ده آخرة الچلع جابتلنا العار وحطت راسنا في الطين.. وينها الفاچرة دي! أشارت خلود بأصبعها للأعلى هاتفة بجدية محاولة إخفاء شعورها بالنشوة والتشفي: _في أوضتها يابوي فوق.

كان لجلال السبق بينهم، حيث اندفع للأعلى لها كالثور الهائج الذي لا يرى شيء أمامه سوى فعلة شقيقته الدنيئة وتلك الصور وهي بين أحضان عمران ويقبلها. كانت آسيا قد انتهت للتو من تبديل ملابسها وتهم بجمع خصلات شعرها بمشبك، لكن صوت دفع الباب العنيف وكأنه تهشم جعلها ترتد للخلف بزعر. وفور رؤيتها لمنظر أخيها، تجمدت بأرضها وهتفت بارتباك: _في إيه!

لم تكن تملك الفرصة حتى لتحاول الفرار منهم، وإذا بها وجدته ينقض عليها دون شفقة موجهًا لها الصفعات والضربات وسط صرخاتها ومحاولاتها للفرار من جموحه القاتل. جذبها من خصلات شعرها بقوة كادت أن تقتلعه من جذوره بين يديه وهو يصرخ بصوت نفضها: _يافاچرة يا****.. وصل بيكي الفُجر لكدا.. هاقتلك يا آسيا. رغم أنها لا تفهم شيء، لكنها حاولت الدفاع عن نفسها وسط بكائها وصراخها من فرط الألم: _أنا معملتش حاجة والله يا جلال.

عاد يوجه لها صفعاته من جديد ليبعده عمها وينظر لها بخزي. وأخذ هو أيضًا يفرغ بها شحنة غضب المكتظة وهي بين يديهم تصرخ، رافعة يديها أمام وجهها محاولة تفادي عنفهم تجاهها واتهامهم لها بشيء لم ترتكبه، فراحت تصرخ بصوت يكاد يخرج بصعوبة: _حرام عليكم أنا معملتش حاجة. اقتربت منها زوجة عمها ورفعت شاشة الهاتف أمام وجهها هاتفة: _وإكده برضوا لسا معملتيش حاجة!

نظرت في الصور بذهول ووجه غارق في الدموع، ثم صاحت بالنفي وهي تهز رأسها بعدم استيعاب أن تلك الصور الخليعة لها: _لا دي مش أنا والله العظيم ما أنا.. أنا معملتش إكده. باغتها جلال بصفعة أبرحتها أرضًا، ثم انحنى عليها وصرخ وهو يجذبها من شعرها: _لساتك بتكذبي. قالك إيه خلاكي تمشي وراه يا**** هااا. ثم هتف بصوت منخفض لم يسمعه سواهم:

_مرضيش يتچوزك بعد ما غلطتي معاه وعشان إكده حاولتِ تقتليه مش عشان تار أبوكي ولا حاجة يافاچرة.. هقتلك إنتي وهو يا آسيا. هزت رأسها له بالنفي وهي تبكي بنحيب مسموع وتتوسله بنظراتها أن يصدقها. ولكن الغضب استحوذه بالكامل وعيناه لم تعد ترى شيء أمامه، حتى أنه نسى أنها شقيقته الغالية وغار عليها كالوحش المفترس يوجه لها الصفعات والضربات دون رحمة. وبالكاد بصعوبة أبعدته زوجة عمه عنها قبل أن يقتلها بين يديه.

كانت ملقية على الأرض منكمشة على نفسها كالجنين تبكي بألم. جسدها ينتفض نفضًا ووجهها تورم من كثر الصفعات والضرب الذي تلقته. رفعت رأسها بصعوبة وألقت نظرة عليهم لتجد النظرات المشمئزة والقاتلة تتوسط عيناهم. غضبهم ما زال لم يهدأ ويقفون يتأبهون للتكملة عليها حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة. بحثت بعيناهم عن أي حب أو رحمة كما اعتادت لم تجد، وكأنهم ليسوا عائلتها. ومع ذلك لم تستسلم وقررت المحاولة مرة أخرى والدفاع عن نفسها.

تحاملت على قدميها التي لم تعد قادرة على حملها ووقفت، ثم تقدمت نحو جدها الذي يقف صامتًا يحدقها بخزي وغضب. وحين وقفت أمامه قالت باكية: _چدي أنت اللي مربيني ومتصدقش إني اعمل حاجة غلط كيف إكده صُح.. قولهم إني مظلومة ومعملتش حاجة.

كانت تنتظر منه القليل من الحنان، ولكنه خيب ظنها ووجدت صفعة من يده تهوي فوق وجنتها بقوة. حتى هو لم يصدقها مثلهم والغضب سيطر على قلوبهم وأعينهم. نظرت له بضعف وحزن، ثم التفتت تجاه أمها التي تبكي مثلها وتقدمت منها تتوسلها بعينيها الغارقة بالدموع أن تنصفها هي من بينهم: _أما ابوس يدك صدقيني أنا معملتش حاجة.. ده أنا بتك معقول تـ... قاطعتها جليلة صارخة بها وسط بكائها: _اكتمي أنا مليش بنات.. بتي ماتت.

اتسعت عيناها بدهشة من إجابة أمها وأخذت عيناها تذرف الدموع بغزارة في صمت. ودون وعي منها أخذت قدماها تعود للخلف وهي تنقل نظرها بينهم بقهر وخزي. لأول مرة بحياتها تشعر بالضعف والعجز كما هي الآن. ربما صدمتها بعائلتها كانت أقوى وأشد من الألم الذي يجتاح جسدها ووجهها الآن. توقفت قدماها حين اصطدمت بالحائط من خلفها ودموعها مستمرة في الانهمار بصمت. جذبت إنصاف زوجها من ذراعه هاتفة بهدوء محاولة إبعادهم عنها:

_تعالى يامنصور خلاص بزيادة اللي عملتوه فيها سيبوها. خرج منصور مع زوجته حتى يهدأ قليلًا من انفعاله قبل أن يقتل ابنة أخيه، وتبعهم أمها ومن بعدها جدها، وبالأخير كانت خلود التي كانت تنظر لها باسمة بتشفي وغل. ليبقَ فقط جلال الذي استمر يحدق بها بنظراته المميتة في خزي وهتف بكلمات نابعة من صميمه:

_هي دي نتيجِة حبنا ليكي.. إنك تجيبي العار لينا ولنفسك.. يمكن من رحمة ربنا أن أبوي مات ومشافش فضيحة بنته.. من إهنه ورايح تنسي إن ليكي أخ وأنا معدش ليا أخوات بنات. ألقى عباراته القاسية واستدار ليغادر ويتركها جامدة مكانها دون حركة كجسد بلا روح. ودموعها تؤدي وظيفتها في ذرف الدموع دون أي تعابير وجه. *** داخل الجامعة.....

كانت تجلس بنفس المكان الذي تقابلا به المرة السابقة كما اتفقا، وتتلفت برأسها حولها بكل الاتجاهات بحثًا عنه لتتأكد إذا جاء أم لم يصل بعد. تارة تتفقد ساعة يدها حتى لا تفوتها محاضرة الساعة تسعة وتارة تنظر بهاتفه الذي بيدها وتعود تبحث عنه حولها. وأخيرًا لمحته يسير تجاه موقعها من بعيد فاستقامت واقفة وهي تتنفس الصعداء بارتباك بسيط. تتابعه بعينيها وهو يقترب منها ويتنقل بنظره بين الفتيات الجالسين أسفل المظلة يحاول تخمين أي واحدة منهم. لكن فور وصوله وجدها تشير له بيدها. فرمقها للحظة بصمت ثم تقدم نحوها

ليقف أمامها مباشرة هاتفا: _أنتي اللي رديتي عليا على التلفون؟! أومأت له بالإيجاب وهي تبتسم بإحراج لطيف: _آه أنا.. أنت امبارح قمت ونسيته وأنا حاولت ألحقك عشان أدهولك بس ركبت العربية وملحقتكش. انهت عباراتها ومدت يدها له بهاتفه هامسة بابتسامة: _اتفضل. ابتسم لها بامتنان وتمتم بلطف: _متشكر جدًا.. تعبتك معايا معلش. هزت رأسها بالنفي باسمة بكل رقة وقالت: _العفو.. مفيش تعب ولا حاجة.

لوهلة شعرت بالتوتر وقالت مبتسمة وهي تشير بأصبعها تجاه مبنى الكلية متلعثمة دون وعي لما تتفوه به: _طـ..ب أنا همشي عشان المحاضرة.. تشرفت بمعرفتك. غضن حاجبيه متعجبًا على جملتها الأخيرة وقال بابتسامة عذبة: _أنا كمان! لكنه لم يكن ليكمل عبارته ووجدها تفر من أمامه بسرعة. وحين التفت خلفه وجد صديقتها تقترب عليها وهي تهتف: _حور.. إيه ده كله يابنتي لقيتي الولد صاحب التلفون ولا لسا؟

رمقتها حور بحدة ونهت لكي تتوقف عن الحديث واسرعت لها ثم جذبتها من ذراعها معها والتفتت برأسها تجاه بلال وأرسلت له بسمة عابرة خجلة ثم أشاحت بوجهها مجددًا وسحبت صديقتها معها وهم يسيرون إلى الداخل وكان واضح عليها أنها توبخها! بينما هو فبقي مكانه يتابعهم بنظره متعجبًا من تلك الفتاة، ولم يسعه بالنهاية سوى الضحك. ثم اخفض نظره لهاتفه ووضعه بجيب بنطاله واستدار عائدًا لبوابة الجامعة لكي يغادر. ***

منذ أن وصلت لمنزل والدها بالأمس وهي تجلس حبيسة غرفتها لم تخرج منها. غارقة بأحزانها وعيناها لا تتوقف عن ذرف الدموع. من يراها بحالتها هذه يظن أن زوجها هو الذي هجرها وليست هي. رغم عشقها وقلبها المتيم به، إلا أنها لم تتمكن من رؤية زوجها وعائلتها يتصارعون. تركته أملًا في أن يعدل عن الانتقام والثأر من أجلها هي وأطفالهم، لكنه طعن قلبها بسكين مسموم حين سمعته يأمر أبيها أن يأخذها ويذهب ولم يسمح لها بأخذ أولادها معها.

نظرات النقم والخزي في عيناه لن تنساها لو بعد مائة سنة. لأول مرة تشعر أنها لا تهمه ولا يريدها. لم يخبرها بذلك ولكن نظراته ألقت ذلك الشعور بقلبها ومزقتها أربًا.

تعترف ولن تنكر أبدًا أنها لا تطيق الابتعاد عنه ليوم واحد، وها هي تشتاق له وتتخبط بثنايا غرفتها من ألمها. تتمنى لو يأتي الآن ويأخذها رغمًا عنها ويعود بها لمنزلهم، ولكن هيهات فهو لن يفعلها أبدًا بعدما تركته بكامل إرادتها. النظرات التي استقرت بعيناه كانت تخبرها أنها اختارت وهو لن يردعها عن اختيارها وسيترك الأيام لكي تثبت لها خطأها وتعود له نادمة!

انفتح الباب وظهرت من خلفه إخلاص التي كانت تحمل الطعام واقتربت من ابنتها لتجلس بجوارها وتضع صينية الطعام أمامها هامسة: _كلي لقمة يابتي.. إنتي ملكتيش حاجة من امبارح! هزت رأسها بالرفض وهي ترفع أناملها تجفف دموعها: _مليش نفس ياما. تنهدت إخلاص بقوة وقالت مغلوبة بضيق:

_بزيادة عاد يافريال هتفضلي إكده لغاية ميتا يابتي.. إنتي عملتي الصح قعادك في بيتهم لغاية دلوك بعد كل اللي حُصل ده كان غلط من الأساس وكان لازم تطلقي منه من بدري. رمقت أمها بانزعاج وقالت بعينان دامعة: _ياما چلال چوزي وأبو عيالي وأنا بحبه كنتي عاوزاني أسيبه كيف! قال إخلاص بغضب ساخرة: _جوزك وأبو عيالك!! .. اللي مرضيش يديكي عيالك امبارح وقالك هتمشي يبقى تمشي وحدك صُح ولا لا؟!! أجفلت فريال نظرها بحزن

وقالت محاولة الدفاع عنه: _لا هو قال إكده عشان كان متعصب.. لكن ميقدرش يبعدني عن عيالي أنا عارفة چلال وهو هيبعتهم ليا بعدين. ابتسمت أمها وقالت مستهزئة بغضب: _لساتك بتدافعي عنه ومش عاوزة تصدقي أنه هو وناسه شياطين وكانوا عاوزين يقتلوا أبوكي وأخوكي وهما ملهمش ذنب في اللي حُصل لخليل. قالت مسرعة بألم رافضة تصديق أي سوء عنه:

_لا چلال مش وحش ياما والله.. هو بيعمل إكده عشان فاكر أن أبوي هو اللي قتل عمي خليل.. لكن مسيره يعرف الحقيقة وأنه غلطان. هبت إخلاص واقفة وصاحت بها منفعلة: _خلص الكلام يافريال وكل حاجة خلصت.. أبوكي مصمم أن يطلقك منه. اتسعت عيني فريال بصدمة وقالت مسرعة رافضة وبخوف: _بس أنا مش عاوزة اتطلق ياما!! إخلاص بقسوة وغضب:

_هو ده الصح لا أنا ولا أبوكي هنرچعوكي بيت خليل صفوان تاني خلاص.. معدتش هطمن عليكي وأنتي وسط الشياطين دول ووسط چليلة وبتها الحرباية.. هتطلقي منه يا فريال. كانت تستمع لكلمات أمها بعينان متسعة فاغرة فمها. وأخذت دموعها تأخذ طريقها لوجنتيها بغزارة. أصابتها وغزة مؤلمة في قلبها من مجرد فكرة الانفصال عنه للأبد! ***

يقود جلال خطواته السريعة ثائرًا تجاه مخزن إبراهيم الصاوي بعدما عرف أن عمران هناك. وكان خلفه كل من عمه وجده. هم الثلاثة ينون الثأر لشرفهم الذي لطخته ابنتهم مع ابن إبراهيم.

دفع جلال باب المخزن بكل قوته ودخل ليجد عمران يجلس مع والده ويتحدثون. تلاقت نظراتهم المتعجبة مع نظرات رجال عائلة خليل النارية وبالأخص جلال الذي يثبتها على عمران. وبظرف لحظة اندفع نحوه ثائرًا ووجه له لكمة عنيفة اختل توازنه على أثرها وكاد أن يسقط لولا أنه تدارك نفسه بسرعة في الأخيرة. ليلقي نظرة مميتة على جلال الذي لم يمهله الفرصة وعاد يوجه له لكمة أخرى صارخًا:

_كان لازم اقتلك أنت وأبوك من بدري قبل ما تضحك على اختي يا****. صاح إبراهيم بعصبية بعدما وجد هجوم جلال على ابنه: _اتچنيت في عقلك ولا إيه ياچلال. انتصب عمران في وقفته ورفع أنامله لفمه يمسح الدماء التي سالت منه، ثم ألقى عليهم نظرة قاتلة لا تبشر بالخير أبدًا، بل بدا وكأنه هدوء ما قبل العاصفة. بينما حمزة فصاح بصوته الرجولي الخشن وهو يندفع نحو إبراهيم صائحًا: _ودع ولدك يا إبراهيم عشان مهتشفهوش تاني.

نقل إبراهيم نظره بينهم بدهشة وقلق بسيط، لكن سرعان ما أشار بيده من الخلف للشاب الذي يعمل عندهم إشارة لم يفهمها سواه. أخرج منصور سلاحه من جيبه واندفع نحو عمران يرفع سلاحه ويصوبه تجاه رأسه مباشرة هاتفًا: _اتشاهد على روحك ياواد الصاوي. رمقه عمران بنظرة مرعبة وثاقبة وبحركة مباغتة جذب السلاح من يده وصوبه تجاه رأسه هاتفًا بنظرة شيطانية: _وأنا عندي استعداد افرغ الطبنچة دي في نفوخك يامنصور.

استشاط جلال وأصبح كالوحش المفترس، وكان على وشك أن يندفع هو تجاه عمران لكي يأخذ روحه بيده وينتقم لولده وشرف عائلته، لكنه تصلب حين شعر بسلاح يلمس رأسه من الخلف. واستدار ليجد شابين أحدهم يوجه السلاح تجاه رأسه والآخر تجاه رأس جده! وفجأة دوى صوت طلق ناري من سلاح إبراهيم بالهواء وهو يهتف: _چايين ترفعوا السلاح عليا أنا وولدي! رمقه حمزة بعين نارية وقال:

_أنت وولدك بتلعبوا في عداد عمركم معانا وقريب قوي هنعرفوكم مين عيلة خليلة صفوان يا إبراهيم.. ولدك غلط مع بتنا وحقنا وشرفنا هناخده. ضيق إبراهيم عيناه باستغراب، لكن عمران كان جامدًا كأنه لا يهتم للأمر من الأساس. لكن جلال ألقى عليه نظرة متوعدة واقترب منه يهمس بوعيد حقيقي: _موتك هيكون على يدي ياعمران قريب.. شرفنا اللي لطخته أنت وهي هتدفع تمنه غالي قوي. ألقى حمزة نظرة على هؤلاء الشباب وعلى عمران وإبراهيم،

ثم صاح بالأخير في غضب: _منصور.. چلال يلا. ثم نظر لابراهيم ورفع سبابته بوجهه هاتفا بلهجة لا تحمل المزاح كلها وعيد: _خليك فاكر زين أن كيف ما الحرب بدأت من عندك يا ابراهيم الصاوي هتنتهي عندك. أنهى عبارته واستدار ليغادر، ولحق به منصور الذي كانت نظراته كلها وعيد شيطاني لابراهيم، على عكس جلال الذي نظراته كانت موجهة لعمران قبل أن يستدير ويغادر هو الآخر خلف عمه وجده! *** بعد نصف ساعة تقريبًا من رحيل رجال عائلة صفوان.....

اقتحم بلال باب المخزن واندفع نحو أخيه يهتف بجدية: _عــمــران!!! قطع حديثه مع أبيه الذي كان حول ما حدث منذ نصف ساعة والتفت تجاه أخيه الذي وقف أمامه ومد يده له بالهاتف يقول بصدمة وغضب: _إيه ده ياخوي؟! نقل عمران نظره بين الهاتف وبين نظرات أخيه الغاضبة. ثم جذب الهاتف من يده وتطلع بشاشته ليرى صورته مع آسيا. احتقنت نظراته بالغضب ثم راح يقلب بين بقية الصور بذهول، فقد أدرك للتو سبب هجوم جلال وعائلته وتهديدهم له بالقتل.

نقل إبراهيم نظره بين ولديه بعدم فهم، ثم جذب الهاتف من يد عمران بقوة لينظر إلى ما يتطلع إليه. فتصيبه الصدمة وهو يقلب بين الصور والتهبت نظراته ليصيح بعدها بابنه: _إيه ده ياعمران! هتف بلال موضحًا بانزعاج كامل: _الصور دي وصلتلي من رقم غريب معرفوش ولما رنيت عليه كان مقفول.. اللي في الصور ده صُح ياعمران؟!! صاح عمران بانفعال شديد وهو يثب واقفًا: _لا مش صُح طبعًا.. مفيش حاجة بيني وبينها ده في حد ابـ***** عامل الصور دي.

صاح إبراهيم بعصبية وعدم استيعاب: _مش صُح كيف يعني واللي شايفينه قصاد عيونا في الصور ده إيه.. واللي عملوه ناسها من شوية اتاريهم عشان إكده كانوا بيقولوا مسألة شرف. رمق عمران أبيه بقوة وقال بصوت رجولي مخيف: _قولتلك يابوي معرفش حاجة أنا كِيفكم اول مرة اشوف الصور دي.. بعدين مش ولدك اللي يروح يغلط في الحرام مع واحدة ومع بت خليل صفوان كمان. قال بلال بنظرة مشتعلة: _ومين له يد يعمل إكده يعني؟

سكت عمران وراح يمسح على رأسه نزولًا إلى وجهه وهو يزفر النيران من بين شفتيه. وتذكر مقابلته لها. يبدو أن أحدهم كان يتعقبهم والتقط لهم هذه الصور. لو علم هوية ذلك الشخص سيأخذ روحه بيده! استقام إبراهيم واقفًا وهتف بلهجة حازمة لابنه: _عمران قول الحقيقة ياولدي.. ده مش شرف ناس خليل صفوان بس لا ده شرفنا واللي هيمسهم هيمسنا.. چلال مش هيسكت. اظلمت عيني عمران وصرخ بصوت جهوري:

_چرا إيه يابوي هو أنا هكدب عليك يعني.. قولتلك معرفش حاجة وأنت عارف زين إني مبخفش ولو عملتها هقول قصاد الكل. ألقى نظرة متفحصة على ابنه، فهو كما قال لا يخشى شيء وليس من شيمه الكذب أبدًا. وإذا قال أنه لم يفعل إذًا هو لم يفعلها حقًا. لكنهم جميعًا تبادلوا النظرات بينهم بحيرة يفكرون فيما سيفعلون بتلك الكارثة! ***

أصبحت الساعة السادسة مساءًا ومازالت كما هي بأرضها منذ الصباح بنفس المكان الذي تلقت فيه عقابًا على ذنب لم تقترفه من أخيها وعمها. وجهها تتوزع فيه كدمات خفيفة من أثر الضرب وشفتيها متورمة. لكن كل هذا الألم لم يكن شيء أمام جروح قلبها بعدما رأت الجميع ضدها ولم يخرج شخص واحد من بينهم لينصفها ويقول أنا أصدقها. جميعهم كانوا جلادين وهي مجرمة وتستحق الموت. نظرات الاحتقار الذي كانت بعيناهم قتلتها ألف مرة. وغضب أخيها وتهديده لها بأنه سيقتلها ليثأر لشرفهم الذي لطخته جعلها ترغب بقتل نفسها قبلهم.

قضت النهار كله تبكي وتناجي ربها أن يخرجها من ذلك الوحل الذي سقطت فيه ظلمًا. وكلما تتذكر أبيها يزداد نحيبها، فلو كان موجودًا لما سمح لهم وكان سيقف كالسد المنيع بظهرها ليحميها من الجميع.

بينما في الخارج، تسللت خلود لغرفة آسيا خلسة بعدما نجحت في سرقة مفتاح غرفتها دون أن يلاحظها أحد. وفتحت الباب ثم دخلت لها بسرعة وأغلقت الباب خلفها. نظرت وابتسمت بتشفي حين رأتها تجلس على الأرض منكمشة وضامة قدميها لصدرها وتحتضنهم بذراعيها وهي تحدق في الفراغ بصمت كالصنم الذي لا روح فيه. ضعفها وعجزها أصابها بالانتشاء أنها أخيرًا انتقمت منها لما سببته من قهر وذل وإهانة تعرضت له من عائلتها بسببها!

لكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها واختفت حين رأت آسيا ترفع رأسها وتنظر لها بنظرة سرت رعشة عنيفة على أثرها بجسدها. كانت تمامًا كالشبح الذي عاد للحياة لكي ينتقم.

وبكامل التريث استقامت واقفة على قدميها وتقدمت نحو خلود التي كانت تحاول إخفاء خوفها منها والبقاء صامدة. لكن آسيا كانت مرعبة بشكل لا يوصف وعيناها ثاقبة عليها دون أن ترمش. وفور وصولها لها وقفت أمامها وطالعتها للحظات قصيرة. قبل أن تدفعها بكامل قوتها لتسقط خلود على الأرض وتصطدم رأسها بخشب الفراش فتصرخ بألم. ولم تمهلها آسيا اللحظة لكي تتألم حتى بل غارت عليها وجذبتها من شعرها تهتف لها بفحيح مرعب ووعيد:

_ورحمة أبويا لأدفعك تمن اللي عملتيه ده.. مبقاش بنت خليل صفوان أما خليتك تتمني الموت كيفي دلوك ألف مرة ياخلود. صاحت بها خلود في ألم: _ده لو لحقتي تعملي حاجة أساسًا ومقتلوكيش بعد اللي عملتيه. ابتسمت آسيا بشر وقالت بنظرة تسبح في الجحيم: _لو مُت هكون أنا العفريت اللي هيلازمك أنتي وصاحية ونايمة.

ظهر الرعب على وجه خلود بوضوح ودفعت آسيا بعيدًا عنها بعنف ثم استقامت واقفة وهرولت مغادرة غرفتها غير مكترثة لجرح رأسها والدماء التي تسيل منه! ***

فتح جلال باب غرفته ودخل ثم دفع الباب خلفه برفق لينغلق. قاد خطواته تجاه الفراش يجلس فوقه ثم انحنى مستندًا بمرفقيه فوق قدميه دافنًا وجهه بين راحتي يديه. يشعر بقلبه ينسحق تحت الألم والغضب. كل المصائب سقطت تباعًا فوق رأسه دون أن تمهله الفرصة ليتداركها. فتركته محصورًا بينهم لا يعرف للنجاة طريق. هل عليه أن ينشغل بكارثة شقيقته أم يفكر فيما سيفعله مع زوجته التي هجرته. تركته الحوادث القاسية على حافة الهاوية وأن سقط فسيكون مصيره إما الموت أو الجنون.

تلفت حوله في الغرفة الفارغة من زوجته وحبيبته فتلألأت عيناه بالعبرات. كانت ملجأه الوحيد الذي يلوذ إليه كلما ضاقت عليه الحياة لكنها تخلت عنه وفضلت شقيقها الذي لطخ شرفهم وشرف شقيقته وأبيها الذي قتل والده. ارتفع صوت طرق الباب الهادئ المصحوب بصوت معاذ وهو يقول: _أبوي ندخل؟! أسرع ورفع أنامله يمسح عيناه من الدموع ليخرج صوته قويًا على عكس داخله: _تعالى.

فتح الباب ودخل وكان خلفه أخيه الصغير الذي أسرع وجلس بجوار أبيه يطالعه مطولًا بحزن. وانضم له أخيه الكبير وهو يجلس على الجانب الآخر يسأل بضيق: _أبوي هي أمي راحت عند بيت چدي إبراهيم ليه؟ دار برأسه بين ولديه يطالعهم بحنو ثم قال في هدوء: _أمكم هتقعد في بيت چدكم. سأل عمار بدهشة وحزن: _هتقعد لغاية ميتا؟ زم جلال شفتيه بجهل وهتف: _معرفش ياولدي. معاذ بعدم فهم وشجن: _طب هي ليه سابت بيتنا وراحت هناك؟ تنفس الصعداء بخنق وهتف دون

أن يفصح بالحقيقة لطفليه: _مضايقة مني عشان إكده راحت تقعد في بيت چدكم. ظهر العبوس واليأس على وجهي الطفلين فابتسم لهم وقال بترقب يسأل ابنه الأكبر: _عاوز تروح تقعد مع أمك يا معاذ؟ هز رأسه بالنفي وأجاب على أبيه في ثبات: _لا يابوي أنا مبحبش اقعد في بيت چدي إبراهيم.. أنا هقعد في بيتنا إهنه لغاية ما أمي ترجع. لمعت عيني جلال بدفء وسعادة من كلمات ابنه ثم انحنى عليه وقبَّل شعره هامسًا بفخر:

_راچل من ضهر راچل يا ولدي.. الراچل الصُح ميسبش بيته ويروح يقعد في مكان تاني. ثم ابتعد عن معاذ والتفت تجاه عمار يسأله بكامل الحنو: _وأنت ياعمار عاوز تروح ولا لا؟ كانت إجابته مشابهة لأخيه حيث قال رافضًا: _لا هقعد معاك أنت ومعاذ يابوي وبكرا هنروح لأمي وهنخليها ترجع معانا بيتنا. ابتسم لهم بحب أبوي صادق وانحنى على ابنه يضمه ويقبله هاتفًا في صوت يحمل بحة رجولية حزينة:

_أنتوا ضهري وسندي في الدنيا دي.. لما اقع هلاقي ولادي رچالة تسندني من تاني عشان اقفقال. قال معاذ بلهجة لا تناسب طفل أبدًا بل كلها قوة وحب عميق لأبيه: _ربنا يخليك لينا يابوي. ابتسم له وضمه هو الآخر لصدره يقبله ثم قال بنبرة جادة يوجه حديثه لكلاهما: _بكرا الصبح روحوا لأمكم اطمنوا عليها واقعدوا معاها شوية وشوفوها لو محتاچة حاجة. قال معاذ موافقًا يمتثل لأوامر أبيه: _حاضر يابوي. ***

داخل غرفة الصالون الكبيرة بمنزل إبراهيم الصاوي.... كان عمران يجلس مع أبيه بمفرده الذي هتف في انزعاج تام: _والعمل دلوك ياعمران هنعملوا إيه؟ مسح على وجهه وهو يتأفف بقوة يقول بغيظ محاولًا تمالك أعصابه: _معرفش يا ابوي سيبني افكر شوية واشوف هنعملوا إيه.. أنا دماغي هتنفجر من وقت ما شوفت الصور دي. صاح ابراهيم بغضب:

_مفيش وقت للتفكير، لو الصور دي وقعت في يد حد.. الفضيحة هتطولنا احنا كمان.. وچلال مهيسكتش وممكن يحاول يقتلك صُح كيف ما هددك. هز رأسه بالنفي غير مهتمًا بتهديدات جلال له فهو لا يخشاه. فقط يخشى أن تنتشر تلك الصور بين الناس، حيث قال بحدة: _مفيش حل غير إننا نعرف مين اللي عمل الصور دي. سكت إبراهيم للحظات يفكر بذكاء فيما يجول برأسه حتى حسم قراره وقال بصرامة:

_أو في حل تاني أسرع وأضمن عشان نضمن أن محدش من عيلة خليل صفوان يحاول يأذيك ولا فضيحة تطولنا.. بدل ما نستنى لغاية ما نعرف مين اللي عمل إكده. ضيق عيناه بحيرة وأعطى كامل انتباهه لأبيه حيث سأله بفضول: _حل إيه ده؟ هتف إبراهيم بثبات ونظرة ثاقبة: _تتچوزها! ......... نهاية الفصل .........

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...