استحوذ الصمت على جلال وحمزة فور سماعهما لصوت الضجة خارج باب الغرفة. استقام جلال واقفًا واسرع للخارج يفتح الباب. اخفض نظره ليرى الصينية على الأرض وقطع الزجاج متناثرة حولها. تخطى الزجاج حتى لا يجرحه وابتعد يدور برأسه في الأرجاء باحثًا عن الشخص الذي سمع حديثهم. حين استقر نظره على الدرج رأى فريال تصعده شبه راكضة. فصاح مناديًا عليها: _فــريال! لم تعره اهتمام ولم تجب، فقط استمرت في طريقها.
فاندفع خلفها لكنه توقف حين رأى خلود. وهتف لها بجدية: _نضفي الأرض ياخلود وشيلي الچزاز ده. أومأت له بالموافقة في استغراب وتابعته بعينيها وهو يصعد مهرولًا خلف زوجته. فغضنت حاجبيها بحيرة. ورغم فضولها الذي كان سيقتلها، إلا أنها سكنت وذهبت لتنظيف الأرض كما طلب. وصل لغرفته ودفع الباب ليدخل ويقف عنده يتطلع لها وهي ترمقه بخزي وعينان مليئة بالدموع. تلك النظرة مزقته وأصابت يساره.
ودار بعقله ألف سؤال، كلهم حول كيف سيبرر لها ما سمعته الآن. لن يتمكن من إلقاء شقيقته بالدرك ولا الدفاع عن نفسه أمامها حتى. اغلق الباب ببطء وتقدم منها بحذر: _فريال متبصليش إكده ابوس يدك. انهارت قواها لتنهمر دموعها غزيرة أمامه هاتفة بعتاب: _سألتك ياچلال.. أنت اللي حاولت تقتل عمران وقولتلي لا. كدبت عليا وأنا قولتلك أن أخويا ملوش صالح بحاچة ولو أذيته مش هسامحك. تقدم منها بخطوات متريثة وهو يهتف بصوت
رخيم حتى يهدأ من انفعالها: _أنا مكذبتش يافريال.. وأخوكي حتى لو ملوش صالح بس هو مش ملاك. صرخت به بهستيريا: _ولا أنت ملاك ياچلال محدش فينا ملاك، كلنا چوانا العفش والزين.. بس ده مش معناه إننا نقتل في بعض.. أنت مهمكش حاچة وعملت اللي في دماغك برضوا رغم إنك عارف عمران بنسبالي ايه. فغر عيناه بصدمة من عباراتها وهتف في عصبية: _كل ده ومهمنيش!!
ليا سنتين ساكت عن حق أبويا مع إني عارف أن أبوكي هو اللي قتله.. وساكت عشانك سايبه عايش مرتاح من غير ما ياخد عقابه عشانك.. وبتقوليلي مهمنيش حاچة! اندفعت نحوه ثائرة وصرخت ببكاء حار وشراسة: _أبويا مقتلش أبوك وأخويا ملوش صالح بحاجة.. اللي قتل أبوك هربان لكن أنتوا اللي مصممين أن ناسي قتالين قُتلة وهما معملوش حاچة.
احتقنت قسمات وجهه بالدماء وهو يتمعنها بغضب محاولًا تمالك أعصابه حتى لا يفقد زمامه ويتصرف تصرُف أهوج ينتج عنه ندمه فيما بعد. فقال كاظمًا غيظه: _أنا هسيبك تهدي وبعد إكده نبقى نتكلم ونكمل حديتنا. لم يمهلها الفرصة لتجيب بل استدار وانصرف لخارج الغرفة مسرعًا قبل أن ينحرف الحديث ويصبح أكثر من مجرد شجار بسيط. بينما هي فجلست فوق فراشها تبكي بعنف. *** داخل غرفة آسيا كانت ساكنة تمامًا فوق فراشها وعيناها تذرف الدموع بصمت.
فتأتيها صرخة أمها من فرط العصبية: _ما تنطقي يابت أخوكي عمل معاكي إكده ليه.. عملتي إيه!!! آسيا بثبات مزيف رغم عيناها الغارقة بالدموع: _معملتش حاچة ياما. عادت تصرخ بها من جديد منفعلة: _كيف يعني معملتيش حاچة امال هو اتچن يعني عشان يعمل فيكي إكده!!! توقفت عن البكاء وتنفست الصعداء بعمق قبل أن تقول بشجاعة حقيقية هذه المرة: _أنا اللي حاولت اقتل عمران. ضربت جليلة بكفها على صدرها صارخة بذهول: _يامري!
أنتي اتخبلتي في نفوخك عشان تعملي إكده وكيف عملتيها أصلًا؟! أكملت آسيا شرح بعدم مبالاة فلم تعد تبالي برد فعل البقية بعد ما فعله أخيها بها: _اتفقت مع خالد واد صالح الكداب وهو اللي عملها وضرب عمران. لطمت جليلة بكفيها على وجهها بخفة وهي تولول مصدومة مما تسرده ابنتها: _يامرك ياچليلة في بتك.. رايحة تتفقي مع الرچالة ومع واد صالح الكداب ده واد صايع وبتاع مخدرات وسمعته زي الطين في المنطقة كلها.. وكمان عاوزة تقتلي! آسيا
بجدال وعدم اعتراف بخطأها: _أنا معملتش حاچة غلط.. كنت عاوزة آخد حق أبويا. ثارت جليلة وكأنها بركان انفجر فرفعت يدها بالهواء وهوت بها فوق وجهها بقسوة وصرخت بأعلى صوت لديها: _ده فضيحة وعار.. عاوزة تحطي راسنا في الأرض وتقومي الحرب من تاني.. نعمل إيه لو الخلق عرفت باللي عملتيه، أخوكي مش هيقدر يرفع عينه في الخلق.. وناس إبراهيم الصاوي مش هيسكتوا.
جاهدت آسيا في البقاء صامدة رغم قسوة الصفعة التي تلقتها الآن وبقت ساكنة مكانها تطرق رأسها أرضًا وجليلة ثائرة من فرط الغضب وانتهى حديثها بصيحتها وجبروتها وهي تقول: _چلال عنده حق كان كسرلك رچليكي كمان.. من إهنه ورايح مهتطلعيش من الاوضة وحسك ميتسمعش في البيت واصل لغاية ما تتربى زين. لم تعقب وترد على تعليمات أمها وبقت كما هي بنفس الصمت كالصنم تمامًا الذي لا حياة فيه.
ولم يكن سوى لحظات حتى وجدت أمها ترحل وتتركها ثم سمعت صوت الباب ينغلق بالمفتاح من الخارج. تمددت فوق فراشها وعيناها عالقة على السقف بفراغ وسط عبراتها التي تسيل منهم بصمت. *** خرج بلال من مكتب عميد الكلية منزعج. فقد تلقى توبيخًا من العميد بسبب شجاره منذ يومين رغم أنه كان على حق. لكن العميد وبخه أنه دخل في شجار داخل حرم الجامعة مع ذلك الشاب بدلًا من أصطحابه لمكتبه فورًا منذ البداية.
سار بخطواته تجاه إحدى المظلات وجلس أسفلها على المقاعد الخشبية البنية وهو يمسح على وجهه متأففًا بغضب. وبالمقابل أمامه مباشرة كانت تجلس تلك الفتاة التي اصطدم بها منذ يومين يوم شجاره. لم ينتبه لها من الأساس هو حتى ربما لا يتذكرها، على عكسها تمامًا التي جعلت تنظر له بتمعن واستغراب. تلك المرة الثانية التي ترى فيها ذلك الشاب وبنفس حالة الغضب.
وجدته غريب الأطوار بعض الشيء وكانت تشيح بنظرها عنه لحظة والأخرى تعود وتختلس النظر بطرف عينيها بدافع فضولها. فتراه يدفن وجهه بين ثنايا كفيه ويزفر بصوت عالي يصل لأذنيها. اخفضت نظرها فورًا بتوتر حين رأته يرفع وجهه خشية من أن يلاحظها وهي تراقبه بنظراتها. بقت دافنة نظرها بهاتفها تتصنع الانشغال به حتى لا تنظر له ولا ينتبه لها. وبلال كان بعالم آخر تمامًا شارد الذهن ويحدق في الفراغ ولا يرى شيء حوله.
هو متضايق منذ ذلك اليوم الذي رأى فيه الفتاة التي يحبها وهي بصحبة خطيبها واليوم العميد عكر مزاجه أكثر. التقطت عيناه فجأة الزهرة الناعمة وهي تسير من أمامه بصحبة أصدقائها. فعلق نظره عليها يتأملها بحسرة وحزن حتى تورات عن انظاره. ليتأفف بخنق وشعر بأنفاسه تضيق صدره فاستقام واقفًا يتجه للخارج ينوى مغادرة الجامعة بأكملها بعد انتهائه من محاضرته.
سارت عيناها معه وهو يسير مبتعدًا ثم اشاحت بنظرها بعفوية ليسقط فوق مقعده فترى هاتفه مكانه. نقلت نظرها بينه وبين الهاتف بحيرة وسرعان ما هبت واقفة واتجهت لمقعده تجذب الهاتف ثم اسرعت خلفه محاولة اللحاق به لكي تعطيه هاتفه. لكن خطواته كانت واسعة وسريعة فاضطرت لتسريع خطاها حتى تتمكن من اللحاق به وبلا فائدة للأسف فقالت باستغراب: _ما تهدى شوية يابني ده أنت فاضلك درجة وتطير! تحولت خطواتها لتصبح أشبه بالركض وصاحت
منادية عليه في عفوية: _أنت ياللي لابس تيشيرت أسود!! الأجواء كانت صاخبة من حولهم وكانت لحظة خروج الطلاب من محاضرتهم فلم يصل صوتها الرقيق له. وحين كانت على وشك الوصول له وجدته استقل بسيارة الأجرة وتحركت به. فتوقفت بأرضها متأففة بخنق واخفضت نظرها لهاتفه الذي بيدها تتمعنه بحيرة. انتشلها من شرودها وصول صديقتها التي قالت بضيق: _إيه يابنتي ليا ساعة بدور عليكي إيه اللي جابك عند البوابة. رفعت الهاتف في
مستوى نظرها وقالت مغلوبة: _في ولد نسى تلفونه وحاولت الحقه عشان ادهوله ملحقتهوش.. مش عارفة أعمل فيه إيه دلوقتي؟! قالت صديقتها ببساطة وهي تزم شفتيها: _خلاص خليه معاكي وهو أكيد هيتصل عليه عشان يوصله وياخده. تنهدت بقوة في فتور ثم سارت بصحبة صديقتها ليغادروا الجامعة أيضًا. وفتحت حقيبتها لتضع هاتف بلال بداخلها فلا يوجد أمامها حل سوى انتظار اتصاله كما قالت صديقتها!
بينما بالسيارة بعد دقائق من تحرك السيارة دس بلال يده في جيب بنطاله لكي يخرج حق أجرة السائق ثم مد يده للذي أمامه لكي يوصلها للسائق. ثم عاد يدس يده في جيوبه مجددًا يبحث عن هاتفه لكنه لم يجده. غضن حاجبيه بقلق وسكن للحظة يحاول تذكر متى كان بيده آخر مرة. فقذف بذهنه لحظة جلوسه أسفل المظلة وتذكر أنه وضع الهاتف بجواره ومن الواضح أنه نسي أن يأخذه قبل أن يرحل.
تأفف بغضب بسيط وراح يمسح على شعره نزولًا لوجهه محاولًا تمالك زمام انفعالاته بعد ذلك اليوم الحافل بالأحداث المزعجة! *** داخل عطارة إبراهيم الصاوي... بينما كان عمران مشغول بالتحدث مع أحدهم بالهاتف حول العمل. خطت قدم إبراهيم العطارة ليقابل ترحيب حار من الشاب الذي يعمل عندهم وعلى آثر صوته التفت عمران للخلف برأسه يتطلع لأبيه ثم عاد يكمل حديثه بطبيعية.
فاقترب إبراهيم ليجلس فوق أحد المقاعد المجاورة لابنه ينتظر إنهاء مكالمته التي انتهت بعد دقيقتين وخرج صوت عمران وهو يقول بنبرة عادية: _كيفك يابوي؟ إبراهيم بابتسامة هادئة: _نحمده ونشكره ياولدي.. كنت رايح للحچ سلّام اعزيه في أبوه وقولت اعدي الأول على العطارة اطمن عليك وعلى الشغل. عمران بإيجاز: _زين يابوي.. كل حاچة زينة الحمدلله. ابتسم براحة وتمتم في نظرة مترقبة: _الحمدلله.. إيه لساتك معرفتش مين اللي كان عاوز يأذيك؟!
هدر بصلابة ونظرة ثاقبة: _خالد واد صالح الكداب.. كيف ما أنت عارف كان في بيناتنا مشاكل احنا وأبوه من فترة وهو حاول يأذيني كأنه يعني خد حقهم إكده! علت ملامح إبراهيم الدهشة واردف بوعيد وغضب: _إكده يبقى چنى على روحه هو وعيلته كلها. عمران بحدة وجدية تامة يصرف أي أفكار شيطانية عن ذهن أبيه: _ملوش لزمة يابوي ده عيل أهبل أنا ربيته زين وعرفته غلطه ومهيفكرش لا هو ولا عيلته يقربوا ناحيتنا تاني بعديه. يهتف إبراهيم بتعجب وانزعاج:
_كيف يعني هنسكت ونعدي اللي عمله ده.. يحاولوا يقتلوا ولدي وهنسكتلهم. عمران بخنق بسيط وحزم: _يابوي قولتلك أنا عملت معاه الصُح.. ملوش لزمة المشاكل تاني كفاية مشاكل ناس خليل صفوان. سكت إبراهيم وعيناه تتفحص ابنه بحيرة، وكأن شعر بوجود شيء يخفيه عنه. لكنه آثر بالنهاية تصديقه والامتثال لطلبه بعدم التدخل! *** في تمام الساعة السادسة مساءً، عاد جلال للمنزل وقاد خطواته للطابق الثاني حيث غرفته متأملًا أن يجدها قد هدأت.
فلم يعد يملك طاقة لكل تلك الأحداث القاسية. فتح باب غرفته ودخل وإذا به يتسمر بأرضه حين رأى حقيبة السفر الكبيرة فوق الفراش وهي تتحرك بخفة بينها وبين الخزانة تفرغ كل ما بها من ملابس وتدسها بالحقيبة. كل شيء واضح كقرص الشمس في منتصف النهار لكنه رغم ذلك لا يستوعب ويحاول تكذيب ما يجول بذهنه في تلك اللحظة فطرح سؤالًا قد يبدو سخيفًا بالنسبة لها: _بتعملي إيه؟! ردت بثبات انفعالي مزيف رغم دموعها المحتجزة بعينيها:
_بلم هدومي ورايحة بيت أبوي. طرح سؤالًا للمرة الثانية لكن لم يكن بنفس هدوء النبرة السابقة بل أصبحت أكثر غلظة: _وده ليه عاد إن شاء الله! استمرت في ملأ الحقيبة بملابسها هاتفة بجفاء متصنع: _عشان معدش ينفع نكمل ياچلال خلاص.. من وقت قتل عمي خليل وبداية المشاكل والتار واحنا كان چوازنا خلص بس احنا اللي كنا بنحاول في حاچة مفيش منها فايدة. رغم ذهوله من كلماتها وألم قلبه إلا أنه بدا أمامها جامدًا وساكنًا لا يصدر عنه أي ردة
فعل لتكمل هي بعجز وحزن: _مش هستحمل أشوف عيالي شايفين أبوهم وچدهم وخالهم بيقتلوا في بعض.. ولا أنا بقيت مستحملة معاملة أمك واختك ليا كأني أنا اللي قتلته.. مع أن لا أنا ولا أبويا ولا ناسي ليهم يد في قتل أبوك.. أنا مهقدرش على فراق أبويا وأخويا عشان إكده الفراق لينا احنا احسن. خرج صوته مريبًا من فرط قوته: _وأنتي لما تسيبيني التار هيخلص إكده ومحدش هيموت! جاهدت في منع دموعها من السقوط وقالت بحرقة:
_بس مش هبقى بين نارين معرفاش اختار مين.. أنا قولتلك ياچلال لو عملت حاچة لأخوي مش هسامحك.. معدش ينفع نكمل خلصت ياچلال صدقني. مسح على وجهه وهي يتأفف محاولًا السيطرة على غضبه ثم هتف بلهجة مخيفة: _فضي الشنطة دي واعقلي.. عشان رچلك مش هتعتب برا البيت. قالت باصرار وشجاعة: _مش هفضي حاچة قولتلك همشي واروح بيت أبوي. انفلتت منه صرخة مرعبة نفضتها بأرضها وهو يأمرها: _قولت مش هتطلعي يافريال و كلامي مش هتنيه ولا اعيده.
كان كلامه واضح أنه لن يسمح لها بالمغادرة. رغم كل ما تفعله وما قالته مازال يرفض التخلي عنها، لكنها عزمت القرار للأسف وانتهى. سقطت دمعة حارة من عينيها فور رحيله. قلبها يتمزق اربًا على فراقهم ويعز عليها التخلي عنه لكنه القرار الأنسب لهم. انحنت على الفراش والتقطتت هاتفها تجري اتصال بوالدها لكي يأتي ويأخذها. *** عيناها عالقة على السماء تتأملها بسكون وعقلها يستعيد ذكرياتها مع والدها قبل وفاته.
كانت تحاول كبح دموعها من السقوط بصعوبة ونجحت في ذلك. هي ترفض الضعف حتى لو كان بينها وبين نفسها. اعتادت أن تظهر القوة لا الضعف. هي ليست ضعيفة لكنها عاجزة أمام بطش أخيها وعائلتها. سمعت صوت الباب ينفتح فالتفتت برأسها للخلف تنظر للدخيل فتجده خلود التي كانت تحمل صينية الطعام فوق يديها.
استقرت في عيني آسيا نظرة قاسية تتابعها وهي تقترب من فراشها وتضع الصينية فوقه ثم تعود للباب وتغلقه بلطف وتقف أمامه مستندة بظهرها عليه عاقدة ذراعيها أسفل ذراعيها وتتمعن آسيا بتشفي هاتفة: _ياترى عملتي إيه يابت عمي عشان تخليهم يحبسوكي إكده في الأوضة كيف الفروچ (الفراخ) آسيا بلهجة منذرة: _اطلعي برا ياخلود بدل ما أقوم امسك في زمارة رقبتك واطلع روحك في يدي. ضحكت باستفزاز وأجابتها ساخرة:
_لساتك فيكي نفس ولسان تردي وتهددي أنا قولت هاچي الاقيكي بتطلعي في الروح بعد اللي عمله چلال فيكي. استشاطت غيظًا ووثبت آسيا واقفة تندفع نحوها هاتفة: _لو حابة تچربي طلوع الروح كيف بيكون معنديش مانع.. وإلا تطلعي برا بالذوق وتتقي شري. خلود بنظرة ذات معنى وخبث: _چهزي حالك عشان لساتك مطولة في الأوضة إهنه.. كنتي عاملة فيها الشريفة وإنتي طلعتي فاجرة وماشية على حل شعرك.
اظلمت عيني آسيا وثارت عواصفها المميتة لتتحول لما أشبه بالوحش حيث رفعت يدها وهوت بها بعنف فوق وجنة خلود صارخة بها: _الفاچرة دي أنتي يا***، أنا بكلمة واحدة مني اخليهم يدفنوكي في البيت. التهبت نظرات خلود وهي تتحسس وجنتها موضع الصفعة ثم رمقت آسيا بطرف عينيها هاتفة في وعيد ونظرة ممتلئة بالشر: _مش لو لحقتي يابت چليلة. دفعتها آسيا بكامل قوتها في عنف لتصطدم بالحائط وغارت عليها تقبض على رقبتها متمتمة بنظرة مرعبة
ونبرة أقرب لفحيح الأفعى: _بعدي عني ياخلود وملكيش صالح بيا عشان أنا كيف النار بتحرق كل حاچة بتقف في طريقها.. متخليش ناري تطولك لو خايفة على روحك. تململت خلود بين يديها محاولة دفعها بعيدًا عنها حتى تتمكن من التقاط أنفاسها ولم تتركها آسيا إلا حين رأت وجهها تحول للون الأزرق. أخذت تسعل بقوة وهي تلتقط أنفاسها ثم رمقت آسيا شزرًا وقالت بغضب: _هدفعك تمن اللي عملتيه ده غالي قوي يا آسيا.. مبقاش أنا بنت منصور أما ندمتك.
رمقتها مبتسمة في سخرية وتابعتها وهي تفتح الباب وترحل ثائرة. لتعود بعد ذلك لمقعدها من جديد تكمل تأملها في السماء! *** ممسكة بهاتفها تتفحص مواقع التواصل الاجتماعي وهي بغرفتها فوق فراشها. وتضحك باستمتاع على بعض الفديوهات الكوميدية التي تظهر أمامها. لكن فجأة صحك سمعها صوت رنين غريب لهاتف فتذكرت هاتف الشاب الذي معها وبظرف لحظة كانت تثب واقفة من الفراش وتسرع لتجذب الهاتف من حقيبتها وتنظر لاسم المتصل فوجدته رقم مجهول،
أجابت دون تردد هاتفة: _الو. على الطرف الآخر اصابت بلال بعض الدهشة من سماعه لصوت فتاة وقال بعدها بجدية: _أنتي مين؟! تعجبت من لهجته وسؤاله فقالت بحزم: _أنت اللي مين؟! بلال بصوت رجولي قوي: _أنا صاحب التلفون اللي معاكي ده.. أنا نسيته في الكلية الصبح. هدأت حدة نبرتها وعادت للرقة من جديد وهي تقول: _آه أنا لقيته وحاولت الحقكك عشان ادهولك بس ملحقتكش. قال بلال بإيجاز متسائلًا: _طب أنا أقدر اشوفك وين عشان آخده منك؟! سكتت
لحظة ثم قالت بسرعة في لطف: _أنا هكون موجودة في الكلية بكرا ممكن تيجي الساعة 8 ونص عند المظلة اللي نسيته عندها وأنا هكون موجودة مستنياك. تبدلت ملامح وجهه بعد سماعه للموعد الذي حددته وقال بهدوء: _مفيش وقت تاني بدل 8 ونص دي!!! قالت باحراج بالنفي: _للأسف لا لإني عندي محاضرات من الساعة 9. قال بلال مغلوبًا في خنق: _تمام الساعة 8 ونص بكرا ان شاء الله نتقابل واخده منك. اجابته بالموافقة ثم أنهت الاتصال وهي تقول ساخرة بغيظ:
_ده مش عاجبه كأنه تلفوني أنا يعني.. ده بدل ما يشكرني!! *** داخل غرفة عمران كانت إخلاص تقوم بترتيب خزانة ملابسه وهو متسطح على الفراش واضعًا كفيه أسفل رأسه ويحدق في السقف بشرود. كانت هي تلقي عليه نظرة كل لحظة والأخرى متعجبة من سكونه المريب. لتترك ما بيدها وتقترب منه لتجلس على الفراش بجواره هاتفة: _فيك إيه ياعمران؟! التفت لأمه وقال مبتسمًا باستغراب: _مفياش حاچة ياما أنا زي الفل الحمدلله. هزت رأسها بتفهم مبتسمة
قبل أن تسأله باهتمام: _يعني مفيش حاچة مضيقاك! ضحك بخفة على اهتمامها اللطيف وجذب كفها يقربه من شفتيه يلثم ظاهره وهو يقول: _لا مفيش ياما اطمني. ابتسمت براحة على ضحكته ومدت يدها الأخرى تربت فوق كتفه بحنو أمومي ثم تقول باسمة بخبث: _مش ناوي عاد تفرحني بيك عشان اشيل عيالك قبل ما أموت. انتصب في جلسته وانحنى يقبل رأسها هاتفًا: _بعد الشر عليكي ياست الكل متقوليش إكده.. أن شاء الله تشيلي عيالي وتفرحي بيهم وتچوزيهم كمان.
لمعت عيني إخلاص بوميض حماسي وقالت بفرحة: _يعني ابدأ ادورلك على عروسة خلاص. ضحك وقال بحنو رافضًا: _لا مش دلوك اچلي الموضوع شوية لقدام وأنا بنفسي هاچي واقولك شوفيلي عروسة. انفطأ بريق عيناها وقالت بيأس زامة شفتيها: _طيب ياعمران براحتك يا ولدي، أنا هسيبك ترتاح وتنام وهنزل اشوف اللي ورايا. تابعه وهي تغادر ووجهه مازال محتفظ بابتسامته الدافئة. وفور رحيلها مد يده وأطفأ الأضواء لكي ينام. ***
ارتفع صوت رنين الباب ولسوء الحظ أن جلال كان هو الأقرب حيث توجه نحو الباب وفتحه ليقابل إبراهيم أمامه. طالعه مستغربًا بينما الآخر فقال بحدة: _بتي وين ياچلال! جلال مستنكرًا سؤاله: _إيه!! بتك في بيت چوزها ياحچ إبراهيم خير؟! لم يلبث ليجيبه حتى التفت جلال خلفه على صوت زوجته التي تتجه نحوهم حاملة حقيبتها وهي تقول: _أنا أهو يابوي. تطلع جلال للشنطة التي بيدها ولها وهي تتجه نحو والدها، وقبل أن تصل له قبض على ذراعها هاتفًا
بحدة ونظرات مرعبة: _أنا مش قولتلك فضي الشنطة دي ومفيش طلوع. تقدم نحوهم إبراهيم وابعد يد جلال عن ابنته هاتفًا بحدة: _إيه هترفع يدك على بتي قدامي ولا إيه ياچلال.. طالما معايزاش تكمل معاك ولا تقعد يبقى بيت أبوها مفتوح لها وأنا چيت أخدها. جميع من بالمنزل تجمع على آثر صوت إبراهيم وجلال وكان أولهم حمزة الذي قال بحدة: _خير ياحچ إبراهيم في إيه!! إبراهيم بغضب وهو ينظر لجلال:
_خير ان شاء الله بتي اتصلت بيا اچي اخدها وأنا چيت.. أنا سبت بتي عندكم رغم المشاكل عشان دي رغبتها لكن شكلي إكده غلطت وبتي مكنتش مبسوطة مع چوزها.. كيف ما دخلنا بالمعروف نخرچُ بالمعروف.. بتي معدش ليها مكان إهنه. صمت وثبات مريب يهيمن على جلال الذي كان يثبت نظره على فريال يتطلعها للمرة الأخيرة منتظرًا ردًا منها بالرفض. أن تخيب آماله وتختاره هو. لكنها لم تفعل! راح حمزة يهم بالتحدث لكن سبقه جلال الذي قال بجفاء وبنظرات
كلها خزي وغضب لزوجته: _خد بتك طالما دي رغبتها وهي عاوزة إكده. استشاطت جليلة غيظًا على زوجة ابنها واندفعت نحوها تصرخ بها بقرف: _متستاهليش ضفر ولدي ولا حبه ليكي.. وقف قصادنا كلنا عشانك وإنتي اختارتي ناسك قتالين القُتلة دول.. ياريته سمع كلامي وطلقك. صاح جلال بعصبية وصوت جهوري: _أمــا. التزمت جليلة الصمت مجبرة بعد صيحة ابنها بينما إبراهيم فقال محدثًا ابنته: _يلا يافريال. قالت بهمس منخفض وهي تخشى رفع عيناها حتى لا
تتقابل بعيني جلال النارية: _استنى معاذ وعمار نازلين يابوي. خرج صوت جلال مختلفًا وقاسيًا وهو يقول: _عاوزة تمشي هتمشى وحدك.. عيالي هيفضلوا في بيت أبوهم مهيقعدوش في بيت ابراهيم الصاوي. اتسعت عيني فريال بصدمة بينما إبراهيم فقال بغضب من عبارة جلال الأخيرة: _بيت إبراهيم الصاوي يبقى بيت جدهم لو ناسي ياواد خليل. اظلمت عين جلال وقال بنظرة تملأها الثأر: _خليل صفوان اللي قتلته مش إكده!! إبراهيم بثبات واستياء:
_أنا مقتلتش خليل حاسب على كلامك معايا. جلال بنظرة محذرة: _خد بتك وامشي يا إبراهيم احسن تطلع من إهنه على المدافن. خافت فريال من تهديد زوجها لأبيها أمامها وصاحت به مستاءة بعدم تصديق: _إيه اللي بتقوله ده ياجلال!! وإيه عاوز تمنعني من عيالي! أجابها بقسوة وبرود لم تعهدهم منه من قبل: _عيالك في بيت أبوهم وقت ما تحبي تشوفيهم تاچي إهنه. كان منصور صامتًا منذ البداية يحاول تمالك أعصابه لكنه فشل بالنهاية واندفع نحو إبراهيم
يصرخ به بصوت مرتفع: _العيال هيقعدوا مع أبوهم وأنت خد بتك وامشي من إهنه يا إبراهيم بدل ما تقوم حرب وأنت أول قتيل هيكون فيها. ارتبكت فريال وخافت من تطور الوضع أكثر فأمسكت بكف والدها هاتفة باستسلام: _خلاص يابوي خلينا نمشي دلوك وأنا بعدين هبقى آچي أشوف عيالي وأخده. ثم القت نظرة أخيرة حزينة ومعاتبة على جلال الذي كان يرمقها بغضب لم تراه في عيناه تجاهها من قبل ابدًا. وغادرت هي وأبيها الذي كان يستشيط غيظًا ويتوعد لهم جميعًا.
فور مغادرتها المنزل رفعت فريال رأسها بتلقائية للأعلى فرأت آسيا تقف في شرفة غرفتها وتنظر لها بخزي وغضب. حتى هي لم تكن تتوقع أن تتخلي عن أخيها بكل هذه السهولة. بل شعرت بالندم أيضًا أنها وبخت أمها على محاولاتها لدفع جلال للزواج مرة أخرى. ليتها شجعتها وجعلوه يتزوج فهي لا تستحقه! *** بعد دقائق طويلة نسبيًا صعدت جليلة إلى غرفة ابنها حتى تطمئن عليه وحين فتحت الباب وجدته يجلس فوق الفراش وقدميه تهتز بعنف من فرط الغضب.
تقدمت نحوه وجلست بجواره تملس فوق كتفه هاتفة بحزن: _ولا يهمك ياولدي ده أنا اچوزك ست ستها.. واحدة تعرف قيمتك وتحبك لكن بت إبراهيم دي مكنتش تستاهلك. تمتم جلال بصوت مكتوم: _همليني لحالي ياما السعادي. جليلة بنظرة مشفقة وحزينة على ابنها: _حاضر ههملك لحالك.. بس ابوس يدك بلاش تعصب نفسك لتچرالك حاجة ياقلب أمك.. دي متستاهلش والله. رمقه بجدية وانزعاج فسكتت وامتثلت لطلبها ثم وقفت وغادرت لتتركه بمفرده وسط غضبه وألمه.
مازال لا يصدق ما فعلته وكأنها كانت فريال أخرى ليست زوجته وحبيبته التي اعتاد عليها. كان ينظر لعيناها يبحث عن أي رفض لكنه لم يجد سوى القسوة. حكمت على عشقهم وقصتهم بالانتهاء دون وعي منها أن الندم سيطولها هي قبله. لو تعرف كم الغضب الذي يحمله منها في ثناياه الآن لأصابها الرعب. تخلت عنه بأمَس لحظات احتياجه لها وهو لم يكن ليفعلها أبدًا. لكن حين استعانت بأبيها لكي يأخذها منه فقد احس بلحظتها أن كل شيء انتهي حقًا.
مزقته أربًا حين رآها تقف بصف أبيها وتختاره بدلًا منه. ليتها طعنته بخنجر بمنتصف صدره لكان ألمه أخف من الألم الخزي والحب! *** بالصباح الباكر من اليوم التالي. كان الجميع حول طاولة الطعام يتناولون طعام فطورهم إلى أن وصلت خلود التي كانت قد عزمت النية منذ مساء الأمس على إنهاء آسيا اليوم. متوعدة لها أن أيامها الأخيرة بالمنزل ستبدأ بل بالحياة كلها! وقفت عند آخر الطاولة تطالعهم بنظرات غامضة لم يفهموها ليهتف حمزة باستغراب:
_في إيه ياخلود واقفة إكده ليه؟! تصنعت الحزن والضيق وهي تقول: _عاوزة اوريكم حاچة ياچدي.. أنا كنت ناوية اسكت ومقولش حاچة بس مقدرتش وضميري مسابنيش. تبادلوا النظرات بينهم باستغراب ليقول أبيها بحيرة: _حاچة إيه دي انطقي!! رفعت هاتفها وفتحت معرض الصور وضغطت على الصور التي التقطتها لآسيا وعمران وقد كانت قامت بتعديلهم لتجعلهم أكثر حميمية ليصبحوا بإحدى الصور كأنهم يحتضون بعضهم وبالأخرى يقبلها.
مدت يدها بالهاتف اولًا لجليلة التي فور رؤيتها لهم ضربت على صدرها بصدمة امتزجت بشهقتها العالية لتجذب من يدها إنصاف الهاتف بفضول وأصابتها الصدمة أيضًا رغم أن ابنتها حكت لها من قبل لكن رؤية الصور كان لها تأثير مختلف. ثم أخذ الهاتف يتنقل من يد ليد على الطاولة وحال الرجال كان مرعب وكأنهم تحولوا لوحوش مفترسة ليصل أخيرًا الهاتف ويسقط بيد جلال...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!